Verse. 5251 (AR)

٦٧ - ٱلْمُلْك

67 - Al-Mulk (AR)

وَقَالُوْا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ اَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيْۗ اَصْحٰبِ السَّعِيْرِ۝۱۰
Waqaloo law kunna nasmaAAu aw naAAqilu ma kunna fee ashabi alssaAAeeri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا لو كنا نسمع» أي سماع تفهم «أو نعقل» أي عقل تفكر «ما كنا في أصحاب السعير».

10

Tafseer

الرازي

تفسير : هذا هو الكلام الثاني مما حكاه الله تعالى عن الكفار جواباً للخزنة حين قالوا: {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } تفسير : [الملك: 8] والمعنى لو كنا نسمع الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل من كان متأملاً متفكراً لما كنا من أصحاب السعير، وقيل: إنما جمع بين السمع والعقل، لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة الهدى والإضلال بأن قالوا لفظة لو تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره فدلت الآية على أنه ما كان لهم سمع ولا عقل، لكن لا شك أنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة، وأنهم ما كانوا صم الأسماع ولا مجانين، فوجب أن يكون المراد أنه ما كان لهم سمع الهداية ولا عقل الهداية. المسألة الثانية: احتج بهذه الآية من قال: الدين لا يتم إلا بالتعليم فقال: إنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي، ثم إنه يترتب عليه فهم المستجيب وتأمله فيما يلقيه المعلم والجواب: أنه إنما قدم السمع لأن المدعو إذا لقي الرسول فأول المراتب أنه يسمع كلامه ثم إنه يتفكر فيه، فلما كان السمع مقدماً بهذا السبب على التعقل والتفهم لا جرم قدم عليه في الذكر. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي، ثم قال كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم. المسألة الرابعة: احتج من فضل السمع على البصر بهذه الآية، وقالوا: دلت الآية على أن للسمع مدخلاً في الخلاص عن النار والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } أي سماع تفهم {أَوْ نَعْقِلُ } أي عقل تفكر {مَا كُنَّا فِى أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ }.

ابن عطية

تفسير : المعنى وقال الكفار للخزنة في محاورتهم: {لو كنا نسمع أو نعقل} سمعاً أو عقلاً ينتفع به ويغني شيئاً لآمنا ولم نستوجب الخلود في السعير، ثم أخبر تعالى محمداً أنهم اعترفوا بذنبهم في وقت لا ينفع فيه الاعتراف، وقوله تعالى: {فسحقاً} نصب على جهة الدعاء عليهم وجاز ذلك فيه، وهو من قبل الله تعالى من حيث هذا القول مستقراً فيهم أزلاً ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه، كما تقول: سحقاً لزيد وبعداً، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، وأما ما وقع وثبت، فالوجه فيه الرفع كما قال تعالى: {أية : ويل للمطففين} تفسير : [المطففين: 1]، و {أية : سلام عليكم} تفسير : [الأنعام: 54، الأعراف: 46، الرعد: 24، القصص: 55، الزمر: 73]، وغير هذا من الأمثلة، وقرأ الجمهور: "فسحْقاً" بسكون الحاء، وقرأ الكسائي: "فسُحقاً" بضم الحاء وهما لغتان، ثم وصف تعالى أهل الإيمان، وهم {الذين يخشون ربهم}، وقوله تعالى: {بالغيب} يحتمل معنيين، أحدهما: {بالغيب} الذي أخبروا به من الحشر والصراط والميزان والجنة والنار، فآمنوا بذلك، وخشوا ربهم فيه، ونحا إلى هذا قتادة والمعنى الثاني: أنهم يخشون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، أي في خلواتهم، ومنه تقول العرب: فلان سالم الغيب، أي لا يضر، فالمعنى يعملون بحسب الخشية في صلاتهم وعباداتهم، وانفرادهم، فالاحتمال الأول: مدح بالإخلاص والإيمان، والثاني: مدح بالأعمال الصالحة في الخلوات، وذلك أحرى أن يعملوها علانية، وقوله تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به} مخاطبة لجميع الخلق. قال ابن عباس: سببها أن المشركين قال بعضهم لبعض: أسروا قولكم لا يسمعكم إله محمد فالمعنى أن الأمر سواء عند الله لأنه يعلم ماهجس في الصدور دون أن ينطق به، فكيف إذاً ينطق به سراً أو جهراً، و {ذات الصدور}، ما فيها، وهذا كما قال: الذئب مغبوط بذي بطنه، وقد تقدم تفسيره غير ما مرة. وقوله تعالى: {ألا يعلم من خلق} اختلف الناس في إعراب: {من}، فقال بعض النحاة: إعرابها رفع، كأنه قال: ألا يعلم الخالق خلقه؟ فالمفعول على هذا محذوف، وقال قوم: إعرابها نصب، كأنه قال ألا يعلم الله من خلق؟ قال مكي: وتعلق أهل الزيغ بهذا التأويل لأنه يعطي أن الذين خلقهم الله هم العباد من حيث قال {من} فتخرج الأعمال عن ذلك، لأن المعتزلة تقول: العباد يخلقون أعمالهم. قال القاضي أبو محمد: وتعلقهم بهذا التأويل ضعيف، والكلام مع المعتزلة في مسالة خلق الأعمال مأخذه غير هذا، لأن هذه الآية حجة فيها لهم ولا عليهم، والذلول فعول بمعنى مفعول أي مذلول. فهي كركوب وحلوب، يقال: ذلول، بين الذل بضم الذال، واختلف المفسرون في معنى: المناكب، فقال ابن عباس: أطرافها وهي الجبال، وقال الفراء ومنذر بن سعيد: جوانبها، وهي النواحي، وقال مجاهد: هي الطرف والفجاج، وهذا قول جار مع اللغة، لأنها تنكب يمنة ويسرة، وينكب الماشي فيها، في مناكب. وهذه الآية تعديد نعم في تقريب التصرف للناس، وفي التمتع فقي رزق الله تعالى، و {النشور}: الحياة بعد الموت.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالُواْ} أيضاً معترفينَ بأنَّهم لم يكونُوا ممن يسمعُ أو يعقلُ {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} كلاماً {أَوْ نَعْقِلُ} شيئاً {مَا كُنَّا فِى أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ} أي في عدادِهِم ومن أتباعِهِم وهم الشياطينُ لقولِهِ تعالَى: {أية : وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [سورة الملك، الآية 5] كأنَّ الخزنةَ قالُوا لهم في تضاعيفِ التوبـيخِ ألم تسمعُوا آياتِ ربِّكُم ولم تعقِلُوا معانِيهَا حتَّى لا تُكذبُوا بها فأجابُوا بذلكَ {فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} الذي هو كُفرهم وتكذيبُهُم بآياتِ الله ورسولِهِ {فَسُحْقًا} بسكونِ الحاءِ، وقُرِىءَ بضمِّها مصدرٌ مؤكدٌ إمَّا لفعلٍ متعدَ من المزيدِ بحذفِ الزوائدِ كَما في قعدكَ الله أي فأسحقَهُم الله أي أبعدَهُم من رحمتِهِ سُحْقَاً أي إسْحَاقاً أو لفعلٍ مترتبٍ على ذلكَ الفعلِ أي فأسحقَهُم الله فسَحقُوا أي بُعدوا سُحقاً أي بُعْداً كما في قولِ مَنْ قالَ: شعر : وعضةُ دهرٍ يا ابْنَ مروانَ لم تَدَع مِنَ المالِ إلا مُسْحَتٌ أو مُجلِّفُ تفسير : أي لم تدعَ فلم يبقَ إلا مسحتٌ الخ وعلى هذينِ الوجهينِ قولُه تعالَى: { أية : وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} تفسير : [سورة آل عمران، الآية 37] واللامُ في قولِهِ تعالَى: {لأِصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ} للبـيانِ كما في هيتَ لكَ ونحوِهِ والمرادُ بهم الشياطينُ والداخلونَ في عدادِهِم بطريقِ التغليبِ. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ} أي يخافونَ عذابَهُ غائباً عنهُم أو غائبـينَ عنْهُ أو عن أعينِ النَّاسِ أو بما خَفِيَ منهُم وهو قلوبُهُم {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} عظيمةٌ لذنوبِهِم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} لا يُقَادرُ قَدرُهُ. {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ} بـيانٌ لتساوِي السرِّ والجهرِ بالنسبةِ إلى علمِهِ تعالَى كما في قولِه: { أية : سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} تفسير : [سورة الرعد، الآية 10] قال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُما نزلتْ في المشركينَ كانُوا ينالُونَ من النبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فيُوحَى إليهِ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ فقال بعضُهُم لبعضٍ أسرُّوا قولَكُم كيلاَ يسمعَ ربُّ محمدٍ فقيلَ لهُم أسِرُّوا ذلكَ أو اجهروا بهِ فإنَّ الله يعلمهُ، وتقديمُ السرِّ على الجهرِ للإيذانِ بافتضاحِهِم ووقوعِ ما يحذرونَهُ من أولِ الأمرِ والمبالغةِ في بـيانِ شمولِ علمِهِ المحيطِ لجميعِ المعلوماتِ كأنَّ علمَهُ تعالَى بما يُسرُّونَهُ أقدرُ منهُ بما يجهرونَ بهِ مع كونِهِما في الحقيقةِ على السويةِ فإنَّ علمَهُ تعالَى بمعلوماتِهِ ليسَ بطريقِ حصولِ صورِهَا بل وجودُ كلِّ شيءٍ في نفسِهِ علمٌ بالنسبةِ إليهِ تعالَى أو لأنَّ مرتبةَ السرِّ متقدمةٌ على مرتبةِ الجهرِ إذْ مَا من شيءٍ يُجهرُ بهِ إلا وهُو أو مباديهِ مضمرٌ في القلبِ يتعلقُ بهِ الأسرارُ غالباً فتعلقُ علمِهِ تعالَى بحالتِهِ الأُولى متقدمٌ على تعلقِهِ بحالتِهِ الثانيةِ. وقولُهُ تعالَى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تعليلٌ لما قبلَهُ، وتقريرٌ لهُ. وفي صيغةِ الفعيلِ وتحليةِ الصدورِ بلامِ الاستغراقِ ووصفِ الضمائرِ بصاحبِـيتِها من الجزالةِ ما لا غايةَ وارءَهُ كأنَّهُ قيلَ إنه مبالغٌ في الإحاطةِ بمضمراتِ جميعِ الناسِ وأسرارِهِم الخفيةِ المستكنةِ في صدورِهِمْ بحيثُ لا تكادُ تفارقُها أصلاً فكيفَ يَخْفى عليهِ ما تُسرُّونَهُ وتجهرونَ بهِ، ويجوزُ أنْ يُرَادَ بذاتِ الصُّدورِ القلوبُ التي في الصدرِ، والمعنى أنه عليمٌ بالقلوبِ وأحوالِهَا فلا يَخْفَى عليهِ سرٌّ من أسرارِهَا. وقولُهُ تعالَى: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} إنكارٌ ونفيٌ لعدمِ إحاطةِ علمِهِ تعالَى بالمُضمرِ والمُظهرِ، أي ألا يعلمُ السرَّ والجهرَ من أوجدَ بموجبِ حكمتِهِ جميعَ الأشياءِ التي هُمَا من جُملَتِهَا. وقولُهُ تعالَى: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} حالٌ من فاعلِ يعلمُ مؤكدةٌ للإنكارِ والنَّفيِ، أي ألا يعلمُ ذلكَ والحالُ أنَّه المتوصلُ علمُهُ إلى ما ظهرَ من خلقِهِ وما بطنَ، ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ خَلَقَ منصوباً، والمَعْنَى ألا يعلمُ الله مَنْ خلقَهُ والحالُ أنَّهُ بهذِهِ المثابةِ من شمولِ العلمِ، ولا مساغَ لإخلاءِ العلم عن المفعولِ بإجرائِهِ مَجْرَى يُعْطِي ويمنعُ على مَعْنَى ألا يكونُ عالِماً مَنْ خلقَ لأنَّ الخلقَ لا يتأتَّى بدونِ العلمِ لخلوِّ الحالِ حينئذٍ من الإفادةِ لأنَّ نظمَ الكلامِ حينئدٍ ألا يكونُ عالماً وهو مبالغٌ في العلمِ.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: لو سمعنا مواعظ الواعظين وعقلنا نصيحة الناصحين لاتبعناهم فيما أمرونا به وما كنا إذًا فى أصحاب السعير.

البقلي

تفسير : اى لو سمعنا خطاب الازل شفاها فى مشاهدته وعلمنا حقيقته ما كنا من اصحاب البعد والحجاب قال بعضهم لو سمعنا موعظة الواعظين او عقلنا نصيحة الناصحين لاتبعناهم فيما امروا به ولما كانا اذا فى اصحاب السعير.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} ايضا معترفين بأنهم لم يكونوا ممن يسمع او يعقل {لو كنا} فى الدنيا {نسمع} كلاما {او نعقل} شيأ وفيه دليل على ان العقل حجة التوحيد كالسمع وقدم السمع لانه لا بد اولا من سماع ثم تعقل المسموع وقال سعدى المفتى قوله لو كنا الخ يجوز أن يكون اشارة الى قسمى الايمان التقليدى والتحقيقى اى الاستدلالى لانه يحتاج الى النظر دون التحقيقى العيانى لانه يحصل بالكشف لا العقل {ما كنا} اليوم {فى اصحاب السعير} اى فى عداد اهل النار الموقدة واتباعهم وهم الشياطين لقوله تعالى {أية : واعتدنا لهم عذاب السعير}تفسير : كأن الخزنة قالوا لهم فى تضاعيف التوبيخ ألم تسمعوا آيات ربكم من ألسنة الرسل ولم تعقلوا معانيها حتى لا تكذبوا بها فأجابوا بذلك وفى التأويلات النجمية لو كنا نسمع بأسماع قلوبنا او نعقل بعقول ارواحنا ما كنا فى اصحاب السعير ولكنا سمعنا باسماع محتومة وعقول معلولة مقفولة.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} كلام الرسل أي نقبله بمعجزاتهم {أَوْ نَعْقِلُ} نفهم فهم تفكر قال الفخر تبعا لجار الله جمع بين السمع والعقل لان مدار التكليف على ادلة السمع او العقل قال جار الله ومن بدع التفاسير ان المراد لو كنا على مذهب اصحاب الحديث أوعلى مذهب اصحاب الرأي كان هذه الاية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين وكان سائر اصحاب المذاهب والمجتهدين قد انزل الله وعيدهم وكان من كان من هؤلاء من الناجين لا محالة وعدة المبشرين من الصحابة عشرة لم يضم حادي عشر وكان من يجوز على الصراط لم يسمعوا بهذين الفريقين وهذا منه ازراء لصاحب هذا القول. {مَاكُنَّا فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ} من جملتهم وفي الآية عندي دليل على ان العقد نوعان غريزي وكسبي فالغريزي في كونهم من اصحاب السعير اذ لولا وجود الغريزي لم يكلفوا فضلا عن ان يكونوا من اصحابها والكسبي في قولهم أن نعقل لهذا العقل الذي نفوه بلو كسبي ولا بد إذاً لو انتفى الغريزي لم يكونوا من اصحاب النار لكن الكسبي نتيجة الغريزي.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا} الخزنة {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} كلاما {أَوْ نَعْقِلُ} شيئاً {مَا كُنَّا فِي أصْحَابِ السَّعِيرِ} اعترفوا بذلك للخزنة لأَن فى ضمن خطاب الخزنة لهم ألم تسمعوا آيات ربكم ألم تعقلوا معانيها لأَن الخزنة يعرفون أن الله لا يكلف إِلا من يسمع ويعقل ويعرفون أن النذر جاءُوهم بما يدركون معناه إِذا سمعوه، وأصحاب السعير جملة أهل النار، وقيل خصوص الشياطين لأَنهم المراد فى قوله تعالى {وَأعتدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} وليس كذلك فإِن السعير للجن والإِنس معاً قال الله عز وجل "أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِل وأغْلاَلاً وَسَعِيراً " تفسير : [الإنسان: 4] وغير ذلك وقد ذكروا بالسعير أيضا فى قوله {فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ} نزلوا سمعهم وعقلهم منزلة العدم لعدم انتفاعهم بهما كأَنهم صم مجنونون، وفيه تلويح بأَنهم لا يدركون منقولاً ولا معقولاً، ويجوز أن يكون المعنى لو كنا نسمع ما أتانا به النذير سماع قبول وتقليد مع الجزم، ونعقله نعمل فيه عقولنا بالتدبر والبحث لأَدركنا الحق وآمنا به لأَنه حق فذلك شامل للإِيمان التقليدى والنظرى أو الأَحكام التعبدية وغيرها فأَو للتنويع لا للتردد لأَنهم لا يشكون أن الإِيمان تقليد لا ينفعهم ولا أن الإِيمان بالنظر لا ينفعهم بل يجزمون بالنفع والعقل هنا الإِدراك لما أنذروا به لا مطلق إِدراك أمر الشرع بمجرد العقل فإِنه لا يصح فلا دليل للمعتزلة فى الآية على التحسين والتقبيح.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ } أيضاً معترفين بأنهم لم يكونوا ممن يسمع أو يعقل، كأن الخزنة قالوا لهم في تضاعيف التوبيخ: ألم تسمعوا آيات ربكم ولم تعقلوا معانيها فأجابوهم بقولهم: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } كلاماً {أَوْ نَعْقِلُ } / شيئاً {مَا كُنَّا فِى أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } أي في عدادهم ومن جملتهم، والمراد بهم قيل الشياطين لقوله تعالى:{أية : وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الملك: 5] وقيل الكفار مطلقاً. واختصاص إعداد السعير بالشياطين ممنوع لقوله تعالى:{أية : إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً}تفسير : [الإنسان: 4] والآية لا تدل على الاختصاص وفيه دغدغة لعلك تعرفها مما يأتي إن شاء الله تعالى قريباً فلا تغفل. ونفيهم السماع والعقل لتنزيلهم ما عندهم منهما - لعدم انتفاعهم به - منزلة العدم، وفي ذلك مع اعتبار عموم المسموع والمعقول ما لا يخفى من المبالغة، واعتبرهما بعض الأجلة خاصين قال أي لو كنا نسمع كلام النذير فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتماداً على ما لاح من صدقه بالمعجز، أو نعقل فنفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين ما كنا الخ وفيه إشارة إلى أن السماع والعقل هنا بمعنى القبول والتفكر و {أَوْ } للترديد لأنه يكفي انتفاء كل منهما لخلاصهم من السعير أو للتنويع فلا ينافي الجمع. وقيل أشير فيه إلى قسمي الإيمان التقليدي والتحقيقي أو إلى الأحكام التعبدية وغيرها. واسْتَدَلَّ بالآية كما قال ابن السمعاني في «القواطع» من قال بتحكيم العقل، وأنت تعلم أن قصارى ما تشعر به أن العقل يرشد إلى العقائد الصحيحة التي بها النجاة من السعير، وأما أنها تدل على أن العقل حاكم كما يقول المعتزلة فلا. واستدل بها أيضاً كما نقل عن ابن المنير على أن السمع أفضل من البصر. ومن العجيب استدلال بعضهم بها على أنه لا يقال للكافر عاقل.

ابن عاشور

تفسير : أعيد فعل القول للإِشارة إلى أن هذا كلام آخر غير الذي وقع جواباً عن سؤال خزنة جهنم وإنما هذا قول قالوه في مجامعهم في النار تحسراً وتندماً، أي وقال بعضهم لبعض في النار فهو من قبيل قوله تعالى: {أية : حتى إذا ادَّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا}تفسير : [الأعراف: 38] الخ. لتأكيد الإِخبار على حسب الوجهين المتقدمين في موقع جملة {أية : إن أنتم إلاّ في ضلال كبير}تفسير : [الملك: 9]. وذكروا ما يدل على انتفاء السمع والعقل عنهم في الدنيا، وهم يريدون سمعاً خاصاً وعقلاً خاصاً، فانتفاء السمع بإعراضهم عن تلقي دعوة الرسل مثل ما حكى الله عن المشركين {أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن}تفسير : [فصلت: 26] وانتفاء العقل بترك التدبر في آيات الرسل ودلائل صدقهم فيما يدْعون إليه. ولا شك في أن أقل الناس عقلاً المشركون لأنهم طرحوا ما هو سبب نجاتهم لغير معارض يعارضه في دينهم، إذ ليس في دين أهل الشرك وعيد على ما يخالف الشرك من معتقدات، ولا على ما يخالف أعمال أهله من الأعمال، فكان حكم العقل قاضياً بأن يتلقوا ما يدعوهم إليه الرسل من الإِنذار بالامتثال إذ لا معارض له في دينهم لولا الإلف والتكبر بخلاف حال أهل الأديان أتباع الرسل الذين كانوا على دين فهم يخشون إن أهملوه أن لا يغني عنهم الدين الجديد شيئاً فكانوا إلى المعذرة أقرب لولا أن الأدلة بعضها أقوى من بعض. وذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: {أية : أم تأمرهم أحلامهم بهذا }تفسير : [سورة الطور: 32] عن كتاب الحكيم الترمذي أنه أخرج حديثاً «حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله ما أعقلَ فلاناً النصراني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَهْ، إن الكافر لا عقل له أما سمعتَ قول الله تعالى: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير}" تفسير : قال وفي حديث ابن عمر فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : مَهْ إن العاقل من يعمل بطاعة الله» تفسير : ولم أقف عليه فيما رأيت من كتب التفسير ولم يذكره السيوطي في التفسير بالمأثور في سورة الطور ولا في سورة الملك. ويؤخذ من هذه الآية أن قوام الصلاح في حسن التلقي وحسن النظر وأن الأثر والنظر، أي القياس هما أصلا الهدى، ومن العجيب ما ذكره صاحب «الكشاف»: أن من المفسرين من قال: إن المراد من الآية: لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي. ولم أقف على تعيين من فسر الآية بهذا ولا أحسبه إلاّ من قبيل الاسترواح. و {أو} للتقسيم وهو تقسيم باعتبار نوعي الأحوال التي تقتضي حسن الاستماع تارة إذا ألقي إليها إرشاد، وحسنَ التفهم والنظر تارة إذا دعيت إلى النظر من داع غير أنفسها، أو من دواعي أنفسها، قال تعالى: {أية : فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب}تفسير : [الزمر: 17ــ 18 ]. ووجه تقديم السمع على العقل أن العقل بمنزلة الكليّ والسمع بمنزلة الجُزئي ورعياً للترتيب الطبيعي لأن سمع دعوة النذير هو أول ما يتلقاه المنذَرون، ثم يُعمِلون عقولهم في التدبر فيها.

الشنقيطي

تفسير : قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: أي قال أهل النار: لو كنا نسمع من يعقل عن الله حججه أو نعقل حجج الله ما كنا في أصحاب السعير، أي النار، فهم يسمعون، ولكن لا يسمعون ما ينفعهم في الآخرة، ويعقلون ولكن لا يعقلون ما ينفعهم في الآخرة، لأن الله قال: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ}تفسير : [البقرة: 7]. وقال: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً}تفسير : [الكهف: 57]. وقد بين هذا الذي ذكره رحمة الله تعالى علينا وعليه عدة نصوص صريحة في ذلك، منها أصل خلقتهم الكاملة في قوله تعالى {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}تفسير : [الإنسان: 2]. وفي آخر سورة الملك هذه قوله {أية : قُلْ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}تفسير : [الملك: 23]. ولكنهم سمعوا وعصوا، كما في قوله: {أية : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}تفسير : [البقرة: 93]. وهذا، وإن كان في بني إسرائيل، إلا أنه قال لهذه الأمة: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}تفسير : [الأنفال: 21]. وقال تعالى عنهم: {أية : قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا}تفسير : [الأنفال: 31]. وقوله عنهم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ}تفسير : [فصلت: 26] وقد بين تعالى سبب عدم استفادتهم بما يسمعون في قوله تعالى: {أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً}تفسير : [الجاثية: 7-9]. وقوله: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}تفسير : [لقمان: 7]. فقولهم هنا: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ} أي سماع تعقل وتفهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصْحَابِ} (10) - وَقَالُوا مُبْدِينَ أَسَفَهُمْ وَنَدَمَهُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، فِي وَقْتٍ لاَ يَنْفَعُ فِيهِ النَّدَمُ: لَوْ كَانَتْ لَنَا آذَانٌ تَسْمَعُ، أَوْ عُقُولٌ تُدْرِكُ، وَنَعِي بِهَا مَا أَنْزَلَ اللهُ، لَمَا كُنَّا أَقْمْنَا عَلَى الكُفْرِ بِاللهِ، وَالاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا، وَلَمَا صِرْنَا إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ اليَوْمَ مِنَ الخِزْيِ والعَذَابِ الأَلِيمِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالُواْ} وهم في النّار {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} النذر من الرُسُل، وما جاؤونا به {أَوْ نَعْقِلُ} عنهم. قال إبن عباس: لو كنّا نسمع الهدى أو نعقله فنعلم به. {مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} {فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً} بعداً، وقال سعيد بن جبير: هو وادٍ في جهنم {لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} ونقله أَبُو جعفر والكسائي بروايتيه الدوري وقتيبة الخلاف عنهما، وحققه الآخرون: وهما لغتان مثل الرُّعب والرَّعب، السُّحت والسَّحت، أخبرنا عبد اللّه ابن حامد، أخبرنا محمد بن خالد حدّثنا داود بن سليمان، حدّثنا عبد بن حميد، حدّثنا عبيد الله ابن موسى عن إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال: إنّ الرجل ليجرّ إلى النار فتنزوي، وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: مالكِ؟ قالت: إنّه كان يستجير منّي فيقول: أرسلوا عبدي. وإنّ الرجل ليُجرّ إلى النار، فيقول: يا ربّ ما كان هذا الظنّ بك قال: فما كان ظنّك؟ قال: كان ظنّي أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي. وإنّ الرجل ليُجرّ إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغلة إلى الشعير، ثمّ تزفر زفرة لا يبقى أحدٌ إلاّ خاف. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ }. قال ابن عباس: نزلت في المشركين، كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبرائيل ما قالوا فيه ونالوا منه، فيقول بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم كي لا يسمع إله محمد. وقال أهل المعاني: إن شئت جعلت "من" في قوله: {مَنْ خَلَقَ} اسماً للخالق؟ فقلت: ألا يعلم الخالق ما في الصدور وهو اللطيف الخبير، وإن شئت جعلته اسماً، فقلت: ألا يعلم الله مخلوقه. أخبرنا الفنجوي حدّثنا موسى بن الحسن بن علويّة حدّثنا عيسى بن إسماعيل بن عيسى بن المسيّب، قال: بينا رجل واقف بالليل في شجر كثير وقصفت الريح فوقع في نفس الرجل فقال: أترى الله يعلم ما يسقط من هذه الورق؟ فنودي من خلفه: ألا يعلم مَنْ خلق وهو اللطيف الخبير؟ وروى محمد بن فضيل عن زرين عن ابن أبي أسماء أنّ رجلا دخل غيضة فقال: لو خلوت هاهنا للمعصية مَنْ كان يراني؟ قال: فسمع صوتاً ملأ ما بين لا يتي الغيضة، ألا يعلم مَنْ خلق وهو اللطيف الخبير؟! {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} سهلا مُسخّرة لا تمتنع {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} قال ابن عباس وقتادة: في جبالها، ضحاك: في آكامها، مجاهد: طرقها وفجاجها، وقال الكلبي: أطرافها، الفرّاء: في جوانبها، مقاتل: نواحيها، الحسن: سهلها حيث أردتم فقد جعلها لكم ذلولا لا تمتنع، وأصل المنكب الجانب ومنه منكب الرجل، والريح النكاب، وتنكب فلان. {وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} الحلال {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} {أَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ} وقال ابن عباس: أمنتم عذاب مَنْ في السماء أن عصيتموه. وقيل: معنى {أَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ}: قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته، وقيل: إنّما قال: {أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ} لأنّهم كانوا يعترفون بأنّه إله السماء، ويزعمون إنّ الأصنام آلهة الأرض، وكانوا يدعون الله من جهة السماء، وينتظرون نزول أمره بالرحمة والسطوة منها. وقال المحقّقون: معنى قوله: {فِي ٱلسَّمَآءِ} أي فوق السماء كقوله تعالى: {أية : فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [التوبة: 2]، أي فوقها لا بالمماسة والتحيز ولكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه على السماء كقوله: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ} تفسير : [طه: 71] ومعناه: إنّه مالكها ومدبّرها والقائم عليها، كما يقال: فلان على العراق والحجاز، وفلان على خراسان وسجستان يعنون أنّه واليها وأميرها. وأعلم أنّ الآيات والأخبار الصحاح في هذا الباب كثيرة وكلّها إلى العلو مشيرة، ولا يدفعها إلاّ ملحد جاحد أو جاهل معاند، والمراد بها والله أعلم توقيره وتعظيمه وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة دون أن يكون موصوفاً بالأماكن والجهات والحدود والحالات؛ لأنّها صفات الأجسام وأمارات الحدث والله سبحانه وتعالى كان ولا مكان فخلق الأمكنة غير محتاج إليها، وهو على ما لا يزل، ألا يرى أنّ الناس يرفعون أيديهم في حال الدعاء إلى السماء مع إحاطة علمه وقدرته ومملكته بالأرض وغيرها أحاطتها بالسماء، إلاّ أنّ السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحلّ القدس ومعدن المطهرين المقرّبين من ملائكته، وإليها تُرفع أعمال عباده وفوقها عرشه وجنّته وبالله التوفيق. {أَن يَخْسِفَ} يغور {بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} قال الحسن: تُحرّك بأهلها، وقال الضحّاك: تدور بهم وهم في قعرها، وقال ابن كيسان: تهوى بهم. {أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} ريحاً ذات حجارة كما فعل بقوم لوط وأصحاب الفيل {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} أي إنذاري بالعذاب. {وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ} إنكاري، وأثبت بعض القرّاء الياء في هذه الحروف وجوابها على الأصل وحذفها بعضهم على الخط. {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ} {صَافَّاتٍ} أجنحتها وهي تطير، {وَيَقْبِضْنَ} أجنحتها بعد انبساطها، {مَا يُمْسِكُهُنَّ} يحبسهنّ في حال القبض والبسط أن يسقطن، {إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}. {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ} قال ابن عباس: منعه لكم {يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} فيدفع عنكم ما أراد بكم {إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ} {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ} في الضلال {وَنُفُورٍ} تباعد من الحقّ {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ} راكباً رأسه في الضلالة والجهالة أعمى القلب والعين لا يُبصر يميناً ولا شمالا، وهو الكافر. وقال قتادة: هو الكافر أكبّ على معاصي الله في الدنيا فحشره الله يوم القيامة على وجهه، {أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو المؤمن، وقوله {مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ} فعل غريب لأنّ أكثر اللغة في التعدّي واللزوم أن يكون أفعلت يفعّل، وهذا على ضدّه يقال: كببت فلاناً على وجهه فأكب، قال الله تعالى: {أية : فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [النمل: 90]، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "حديث : وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلاّ حصائد ألسنتهم ". تفسير : ونظيره في الكلام قولهم: قشعت الريح السحاب فأقشعت، وبشرته بمولود فأبشر، وقيل مكبّاً لأنه فعل غير واقع، قال الأعشى: شعر : مكبّاً على روقيه يُحفّز عرفه على ظهر عُريان الطريقة أهيما تفسير : {قُلْ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ} ويعني العذاب في الآخرة عن أكثر المفسّرين، وقال مجاهد: يعني العذاب ببدر، {زُلْفَةً} قريباً، وهو اسم بوصف مصدر يستوي فيه المذكّر والمؤنّث والواحد والاثنان والجميع {سِيئَتْ} أُخزيت {وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فاسودّت وعلتها الكآبة والغربة يقول العرف: سويه فسيء، ونظيره سررته فسر وشعلته فشعل {وَقِيلَ} قال لهم الخزنة: {هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} أي أن يعجّله لكم. وقراءة العامّة: (تدّعون) بتشديد الدال يفتعلون من الدعاء عن أكثر العلماء أي يتمنّون ويتسلّون، وقال الحسن: معناه يدّعون أن لا جنّة ولا نار، وقرأ الضحاك وقتادة ويعقوب بتخفيف الدال، أي تدعون الله أن يأتكم به وهو قوله: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية. {قُلْ} يا محمد لمشركي مكّة الذين يتمنّون هلاكك ويتربّصون بك ريب المنون {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ} فأماتني {وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا} أبقانا وأخّر في آجالنا {فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} فإنّه واقع بهم لا محالة، وهذا اختيار الحسين بن الفضل ومحمد بن الحسن. وقال بعضهم: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ} فعذّبني (ومَنْ معي أو رحمنا) غفر لنا (فمن يُجير الكافرين من عذاب أليم) ونحن معاً إنّما خائفون من عذابه؛ لأنّ له أن يأخذنا بذنوبنا ويعاقبنا ويهلكنا؛ لأنّ حكمه جائز وأمره نافذ وفعله واقع في ملكه، فنحن مع إيماننا خائفون من عذابه فمن يمنعكم من عذاب الله وأنتم كافرون؟ وهذا معنى قول ابن عباس واختيار عبد العزيز ابن يحيى وابن كيسان. {قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ} بالياء الكسائي ورواه عن عليّ رضي الله عنه، الباقون بالتاء، {مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} نحن أم أنتم {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً} يعني غائراً ذاهباً ناضباً في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء، قال الكلبي ومقاتل: يعني ماء زمزم وبئر ميمون الحضرمي وهي بئر عادية قديمة. {فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} ظاهر تناله الأيدي والدلاء، وقال عطاء عن ابن عباس: جار، وقال المؤرخ: عذب بلغة قريش.