Verse. 5253 (AR)

٦٧ - ٱلْمُلْك

67 - Al-Mulk (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ يَخْشَوْنَ رَبَّہُمْ بِالْغَيْبِ لَہُمْ مَّغْفِرَۃٌ وَّاَجْرٌ كَبِيْرٌ۝۱۲
Inna allatheena yakhshawna rabbahum bialghaybi lahum maghfiratun waajrun kabeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين يخشون ربهم» يخافونه «بالغيب» في غيبتهم عن أعين الناس فيطيعونه سرا فيكون علانية أولى «لهم مغفرة وأجر كبير» أي الجنة.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه وجهان الوجه الأول: أن المراد: إن الذين يخشون ربهم وهم في دار التكليف والمعارف النظرية وبهم حاجة إلى مجاهدة الشيطان ودفع الشبه بطريق الاستدلال الوجه الثاني: أن هذا إشارة إلى كونه متقياً من جميع المعاصي لأن من يتقي معاصي الله في الخلوة اتقاها حيث يراه الناس لا محالة، واحتج أصحابنا بهذه الآية على انقطاع وعيد الفساق فقالوا: دلت الآية على أن من كان موصوفاً بهذه الخشية فله الأجر العظيم، فإذا جاء يوم القيامة مع الفسق ومع هذه الخشية، فقد حصل الأمران فإما أن يثاب ثم يعاقب وهو بالإجماع باطل أو يعاقب ثم ينقل إلى دار الثواب وهو المطلوب. واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار ووعد المؤمنين على سبيل المغايبة رجع بعد ذلك إلى خطاب الكفار فقال:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ} نظيره: {أية : وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [ق:33] وقد مضى الكلام فيه. أي يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو بالغيب؛ وهو عذاب يوم القيامة. {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} وهو الجنة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عمّن يخاف مقام ربه، فيما بينه وبينه، إذا كان غائباً عن الناس، فينكف عن المعاصي، ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى، بأنه له مغفرة وأجر كبير، أي: تكفر عنه ذنوبه، ويجازى بالثواب الجزيل؛ كما ثبت في الصحيحين: «حديث : سبعة يظلّهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» تفسير : فذكر منهم رجلاً دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجلاً تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عبيد عن ثابت عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك، كنا على غيره، قال: «حديث : كيف أنتم وربكم؟ قالوا: الله ربنا في السر والعلانية، قال: ليس ذلكم النفاق» تفسير : لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عبيد فيما نعلمه. ثم قال منبّهاً على أنه مطلع على الضمائر والسرائر: { وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: بما يخطر في القلوب. {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}؟ أي: ألا يعلم الخالق، وقيل: معناه: ألا يعلم الله مخلوقه؟ والأول أولى؛ لقوله: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}، ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض، وتذليله إياها لهم؛ بأن جعلها قارة ساكنة، لا تميد ولا تضطرب؛ بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل، وهيّأ فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار، فقال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا} أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وتردّدوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئاً إلا أن ييسره الله لكم، ولهذا قال تعالى: {وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} فالسعي في السبب لا ينافي التوكّل؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني بكر بن عمرو: أنه سمع عبد الله بن هبيرة يقول: إنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لوأنكم تتوكلون على الله حق توكّله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً» تفسير : رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن هبيرة، وقال الترمذي: حسن صحيح، فأثبت لها رواحاً وغدواً لطلب الرزق، مع توكّلها على الله عزّ وجل، وهو المسخر المسير المسبب {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} أي: المرجع يوم القيامة. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة: مناكبها: أطرافها وفجاجها ونواحيها، وقال ابن عباس وقتادة أيضاً: مناكبها: الجبال، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن حكام الأزدي، حدثنا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن بُشير بن كعب: أنه قرأ هذه الآية: {فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا} فقال لأم ولد له: إن علمت ما مناكبها، فأنت عتيقة، فقالت: هي الجبال، فسأل أبا الدرداء فقال: هي الجبال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم} يخافونه {بِٰلْغَيْبِ} في غيبتهم عن أعين الناس فيطيعونه سراً فيكون علآنية أولى {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} أي الجنة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ } لما فرغ سبحانه من ذكر أحوال أهل النار ذكر أهل الجنة، وبالغيب حال من الفاعل أو المفعول، أي: غائبين عنه، أو غائباً عنهم، والمعنى: أنهم يخشون عذابه، ولم يروه، فيؤمنون به خوفاً من عذابه، ويجوز أن يكون المعنى: يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن أعين الناس، وذلك في خلواتهم، أو المراد بالغيب كون العذاب غائباً عنهم لأنهم في الدنيا، وهو إنما يكون يوم القيامة، فتكون الباء على هذا سببية {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } عظيمة يغفر الله بها ذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } وهو الجنة، ومثل هذه الآية قوله: {أية : مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [ق: 33]. ثم عاد سبحانه إلى خطاب الكفار فقال: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ } هذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تساوي الإسرار والجهر بالنسبة إلى علم الله سبحانه، والمعنى: إن أخفيتم كلامكم أو جهرتم به في أمر رسول الله، فكلّ ذلك يعلمه الله لا تخفى عليه منه خافية، وجملة {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } تعليل للاستواء المذكور، وذات الصدور هي مضمرات القلوب. والاستفهام في قوله: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } للإنكار، والمعنى: ألا يعلم السرّ، ومضمرات القلوب من خلق ذلك وأوجده، فالموصول عبارة عن الخالق، ويجوز أن يكون عبارة عن المخلوق، وفي يعلم ضمير يعود إلى الله، أي: ألا يعلم الله المخلوق الذي هو من جملة خلقه، فإن الإسرار والجهر ومضمرات القلوب من جملة خلقه، وجملة: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } في محل نصب على الحال من فاعل يعلم، أي: الذي لطف علمه بما في القلوب، الخبير بما تسرّه وتضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية. ثم امتنّ سبحانه على عباده، فقال: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} أي: سهلة لينة تستقرّون عليها، ولم يجعلها خشنة بحيث يمتنع عليكم السكون فيها والمشي عليها، والذلول في الأصل هو المنقاد الذي يذلّ لك، ولا يستصعب عليك، والمصدر الذلّ، والفاء في قوله: {فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا } لترتيب الأمر بالمشي على الجعل المذكور، والأمر للإباحة. قال مجاهد، والكلبي، ومقاتل: مناكبها طرقها وأطرافها وجوانبها. وقال قتادة، وشهر بن حوشب: مناكبها جبالها، وأصل المنكب الجانب، ومنه منكب الرجل، ومنه الريح النكباء لأنها تأتي من جانب دون جانب {وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ } أي: مما رزقكم وخلقه لكم في الأرض {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ } أي: وإليه البعث من قبوركم لا إلى غيره، وفي هذا وعيد شديد. ثم خوّف سبحانه الكفار فقال: {ءامَنْتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ} قال الواحدي: قال المفسرون: يعني: عقوبة من في السماء، وقيل: من في السماء قدرته، وسلطانه، وعرشه، وملائكته، وقيل: من في السماء من الملائكة، وقيل: المراد جبريل، ومعنى {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلاْرْضَ } يقلعها ملتبسة بكم، كما فعل بقارون بعد ما جعلها لكم ذلولاً تمشون في مناكبها، وقوله: {أَن يَخْسِفَ } بدل اشتمال من الموصول أي: ءأمنتم خسفه، أو على حذف من أي: من أن يخسف {فَإِذَا هِىَ تَمُورُ } أي: تضطرب، وتتحرك على خلاف ما كانت عليه من السكون. قرأ الجمهور. {ءأمنتم} بهمزتين. وقرأ البصريون، والكوفيون بالتخفيف. وقرأ ابن كثير بقلب الأولى واواً. ثم كرّر سبحانه التهديد لهم بوجه آخر، فقال: {أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى ٱلسَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـٰصِباً } أي: حجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، وقيل: سحاب فيها حجارة، وقيل: ريح فيها حجارة {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } أي: إنذاري إذا عاينتم العذاب، ولا ينفعكم هذا العلم، وقيل: النذير هنا محمد، قاله عطاء، والضحاك. والمعنى: ستعلمون رسولي وصدقه، والأوّل أولى. والكلام في: {أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـٰصِباً } كالكلام في: {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ } فهو: إما بدل اشتمال، أو بتقدير من {وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: الذين قبل كفار مكة من كفار الأمم الماضية. كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وأصحاب الرس، وقوم فرعون {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي: فكيف كان إنكاري عليهم بما أصبتهم به من العذاب الفظيع. {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَــٰفَّـٰتٍ } الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدّر، أي: أغفلوا ولم ينظروا، ومعنى: {صَافَّـٰتٍ } أنها صافة لأجنحتها في الهواء، وتبسيطها عند طيرانها {وَيَقْبِضْنَ } أي: يضممن أجنحتهنّ. قال النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحه: صافّ، وإذا ضمها: قابض كأنه يقبضها، وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح، وقبضه بعد البسط، ومنه قول أبي خراش:شعر : يبادر جنح الليل فهو مزايل تحت الجناح بالتبسط والقبض تفسير : وإنما قال: {وَيَقْبِضْنَ } ولم يقل "قابضات"، كما قال صافات؛ لأن القبض يتجدد تارة فتارة، وأما البسط فهو الأصل، كذا قيل. وقيل: إن معنى {وَيَقْبِضْنَ }: قبضهنّ لأجنحتهنّ عند الوقوف من الطيران، لا قبضها في حال الطيران، وجملة {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ } في محل نصب على الحال من فاعل يقبضن، أو مستأنفة؛ لبيان كمال قدرة الله سبحانه. والمعنى: أنه ما يمسكهنّ في الهواء عند الطيران إلاّ الرحمٰن القادر على كلّ شيء {إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء بَصِيرٌ } لا يخفى عليه شيء كائناً ما كان. {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } الاستفهام للتقريع والتوبيخ. والمعنى: أنه لا جند لكم يمنعكم من عذاب الله، والجند الحزب والمنعة. قرأ الجمهور: {أمّن} هذا بتشديد الميم على إدغام ميم أم في ميم من، وأم بمعنى بل، ولا سبيل إلى تقدير الهمزة بعدها، كما هو الغالب في تقدير أم المنقطعة ببل والهمزة؛ لأن بعدها هنا "من" الاستفهامية، فأغنت عن ذلك التقدير، ومن الاستفهامية مبتدأ، واسم الإشارة خبره، والموصول مع صلته صفة اسم الإشارة، وينصركم صفة لجند، ومن دون الرحمٰن في محل نصب على الحال من فاعل ينصركم، والمعنى: بل من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم متجاوزاً نصر الرحمٰن. وقرأ طلحة بن مصرف بتخفيف الأولى وتثقيل الثانية، وجملة: {إِنِ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ } معترضة مقرّرة لما قبلها ناعية عليهم ما هم فيه من الضلال، والمعنى: ما الكافرون إلاّ في غرور عظيم من جهة الشيطان يغرّهم به. {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } الكلام في هذا كالكلام في الذي قبله قراءة وإعراباً، أي: من الذي يدرّ عليكم الأرزاق من المطر وغيره، إن أمسك الله ذلك عنكم ومنعه عليكم {بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوّ وَنُفُورٍ } أي: لم يتأثروا لذلك بل تمادوا في عناد واستكبار عن الحقّ ونفور عنه، ولم يعتبروا ولا تفكروا، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي: إن أمسك رزقه فمن يرزقكم غيره، والعتوّ العناد، والطغيان، والنفور الشرود. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ } قال: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وأبو عبيدة بن الجراح. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله: {فِى مَنَاكِبِهَا } قال: جبالها. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: أطرافها. وأخرج الطبراني، وابن عديّ، والبيهقي في الشعب، والحكيم الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله: «حديث : إن الله يحبّ العبد المؤمن المحترف»تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوّ وَنُفُورٍ } قال: في ضلال.

الماوردي

تفسير : {إنّ الذين يَخْشَوْنَ ربَهم بالغَيْبِ} فيه ستة أوجه: أحدها: أن الغيب اللَّه تعالى وملائكته، قاله أبو العالية. الثاني: الجنة والنار، قاله السدي. الثالث: أنه القرآن، قاله زر بن حبيش. الرابع: أنه الإسلام لأنه يغيب، قاله إسماعيل بن أبي خالد. الخامس: أنه القلب، قاله ابن بحر. السادس: أنه الخلوة إذا خلا بنفسه فذكر ذنبه استغفر ربه، قاله يحيى بن سلام. {لهم مغْفرةٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالتوبة والاستغفار. الثاني: بخشية ربهم بالغيب. الثالث: لأنهم حلّوا باجتناب الذنوب محل المغفور له. {وأجرٌ كبيرٌ} يعني الجنة. ويحتمل وجهاً آخر: أنه العفو عن العقاب ومضاعفة الثواب. {هو الذي جَعَلَ لكم الأرْضَ ذَلولاً} يعني مذللة سهلة. حكى قتادة عن أبي الجلد: أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر [ألفاً]، وللروم [ثمانية آلاف]، وللفرس ثلاثة آلاف وللعرب ألف. {فامْشُوا في مَنَاكِبِها} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في جبالها، قاله ابن عباس وقتادة وبشير بن كعب. الثاني: في أطرفاها وفجاجها، قاله مجاهد والسدي. الثالث: في طرفها. ويحتمل رابعاً: في منابت زرعها وأشجارها، قاله الحسن. {وكُلوا مِن رِزْقِهِ} فيه وجهان: أحدهما: مما أحله لكم، قاله الحسن. الثاني: مما أنبته لكم، قاله ابن كامل. {وإليه النشور} أي البعث.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْغَيْبِ} الله تعالى وملائكته أو الجنة والنار أو القرآن أو الإسلام أو القلب أو إذا خلا فذكر ذنبه استغفر {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} بالتوبة والاستغفار أو بخشية ربهم بالغيب أو حلو باجتناب الذنوب محل المغفور له {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} الجنة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ} يحتملُ معنيين: أحدُهما بالغَيْبِ الذي أُخْبِروا بهِ مِن النَّشْرِ والحشر والجنة والنار، فآمنوا بذلك وخَشُوا ربَّهم فيه؛ ونحا إلى هذا قتادة، والمعنى الثاني: أنهم يَخْشَوْنَ ربهم إذا غَابُوا عن أعْيُنِ الناس، أي: في خلَواتِهم في صلاتهم وعباداتهم. وقوله تعالى: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ...} الآية، خطابٌ لجميعِ الخَلْقِ، و{ذَلُولاً} بمعنى مَذْلُولَةٍ، و{مَنَاكِبِهَا} قال مجاهد: هي الطُّرُقُ والفجاجُ، وقال البخارِي: {مَنَاكِبِهَا}: جَوَانِبُها، قال الغزالي ـــ رحمه اللَّه ـــ: جَعَلَ اللَّهُ سبحانَه الأَرْضَ ذَلُولاً لِعِبَادِه لاَ لِيَسْتَقِرُّوا في مناكِبها، بلْ لِيَتَّخِذُوهَا مَنْزِلاً فَيَتزَوَّدُونَ منها مُحْتَرِزِينَ من مصائدِها ومَعَاطبِها، ويتحقَّقُون أنّ العُمْرَ يَسِيرُ بهم سَيْرَ السفينةِ بِرَاكِبِها، فالناسُ في هَذَا العَالَمِ سُفْرُ وأوَّلُ منازلِهم المَهْدُ، وآخرُها اللحدُ، والوَطَنُ هو الجنَّةُ أو النَّارُ، والعُمْرُ مسَاقَةُ السَّفَرِ، فَسِنُوه مَرَاحِلهُ، وشُهورُه فَرَاسِخُه، وأيامُه أمْيَالُه، وأنْفَاسُه خُطُواتُه، وطَاعَتُه بضاعتُه، وأوقَاتُه رؤوس أموالِه، وشَهَواتُه وأغْرَاضُه قطاع طريقِه، وربحُه الفوزُ بلقاءِ اللَّه ـــ عز وجل ـــ في دار السلام مع المُلْكِ الكبيرِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وخسرانُه البُعْد من اللَّه ـــ عز وجل ـــ مع الأنْكَالِ والأَغْلاَلِ والعذاب الأليمِ في دَرَكَاتِ الجحيم، فالغافلُ عن نَفسِ واحدٍ من أنْفَاسِهِ، حتى يَنْقَضِيَ في غَيْرِ طاعةٍ تُقُرِّبُه إلى اللَّهِ تعالى زُلْفَى مُتَعَرِّضٌ في يوم التَّغابُن لغَبِينَةٍ وحَسْرَةٍ مَا لها مُنْتَهَى، وَلِهٰذَا الخطرِ العظيمِ والخَطْبِ الهائلِ شَمَّر المُوفَّقُونَ عن ساقِ الجِدِّ، وَوَدَّعُوا بالكليةِ ملاذَّ النَّفْسِ، واغْتَنَمُوا بَقايَا العُمْرِ، فَعَمَّرُوها بالطاعاتِ، بِحَسَبِ تَكَرُّرِ الأوقَاتِ، انتهى، قال الشيخُ أبو مدين ـــ رحمه اللَّه ـــ: عُمْرُكَ نَفَسٌ وَاحِدٌ فَاحْرِصْ [أنْ يَكُونَ] لَكَ لاَ عليك، انتهى، واللَّه الموفِّقُ بفضلِه، و{ٱلنُّشُورُ}: الحياةُ بعدَ الموتِ، و{تَمُورُ} معناه: تَذْهَبُ وتَجِيءُ، كما يَذْهَبُ التراب المَوَارُ في الرِّيحِ، والحَاصِبُ البَرْدُ ومَا جَرى مَجْرَاه، والنَّكِيرُ مَصْدَرٌ بمعنى الإنْكَارِ، والنَّذِيرُ كذَلِكَ ومنه قول حسان بن ثابت: [الوافر] شعر : فَأُنْذِرُ مِثْلَهَا نُصْحاً قُرَيْشاً مِنَ الرَّحْمٰنِ إنْ قَبِلَتْ نَذِيرِي تفسير : ثم أحال ـــ سبحانه ـــ على العِبْرَةِ في أمْرِ الطير وما أحكمَ من خِلْقَتِها، وذلك بيَّنَ عَجْزَ الأصنامِ والأوثانِ عنه، و{صَافَّـٰتٍ} جَمْع صَافَّة، وهي التي تَبْسُطَ جَنَاحَها وتَصُفُّه، وقَبْضُ الجَنَاحِ ضَمُّه إلى الجنبِ، وهاتان حالتَان للطائر يَسْتَرِيحُ مِنْ إحْدَاهما إلى الأخرى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ}، نظيره: {أية : مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [ق: 33] وقد مضى الكلام فيه. أي: يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو "بالغَيْبِ" وهو عذاب يوم القيامة "ويَخْشَوْنَهُ" في دار التكليف، أي: يتقون جميع المعاصي. قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على انقطاع وعيد الفساق، لأن من جاء يوم القيامة مع هذه الخشية بفسق، فله الأمران، وانقطاع الثَّواب بالعقاب باطلٌ بالإجماع، فتعين العكس. {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} وهو الجنَّة. قوله: {لَهْم مَّغْفِرَةٌ} الأحسن أن يكون الخَبَرَ "لَهُمْ" و"مَغْفرةٌ" فاعل به، لأن الخبر المفرد أصل، والجار من قبيل المفردات، أو أقرب إليها. قوله: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ}. اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم أو جهرتم به، فإن اللَّه عليم بذات الصُّدور، يعني بما في القلوب من الخير والشر. قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبيّّّّّ صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسِرُّوا قولكم كي لا يسمع ربُّ محمدٍ، فنزلت: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ} يعني وأسروا قولكم في أمر محمد. وقيل: إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحدة في علمه تعالى بها، فاحذروا من المعاصي سرًّا كما تحترزون عنها جَهْراً، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم اللَّهِ تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. ما فيها كما يسمى ولد المرأة جنيناً في بطنها. قوله: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}. في "مَنْ خَلَقَ" وجهان: أحدهما: أنه فاعل "يَعْلَمُ" والمفعول محذوف، تقديره: ألا يعلم الخالق خلقه، وهذا هو الذي عليه جمهور الناسِ، وبه بدأ الزمخشريُّ. والثاني: أن الفاعل مضمر يعود على الباري تعالى، و"مَنْ" مفعول به، أي: لا يعلم الله من خلقه. قال أبو حيَّان: والظَّاهر أن "مَنْ" مفعول، والمعنى أينتفي علمه بمن خلقه، وهو الذي لطف علمه ودقّ، ثم قال: وأجاز بعض النحويين أن يكون "مَنْ" فاعلاً والمفعول محذوف، كأنه قال: ألا يعلم الخالق سرَّكُم، وجهركُم، وهو استفهام معناه الإنكار. قال شهاب الدينِ: "وهَذَا الوجهُ الذي جعله هو الظاهر يعزيه الناس لأهل الزَّيْغ والبدع الدافعين لعموم الخلق لله تعالى، وقد أطنب مكي في ذلك، وأنكر على القائل به، ونسبه إلى ما ذكرت، فقال: وقد قال بعض أهل الزيغِ: إن "مَنْ" في موضع نصب اسم للمسرين والمجاهرين ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما يقدم ذكر ما تكن الصدور فهو في موضع ما، ولو أتت "مَا" في موضع "مَنْ" لكان فيه أيضاً بيان العموم أن اللَّه خالق كل شيء من أقوال الخلق وأفعالهم أسروها، أو أظهروها خيراً كانت، أو شراً، ويقوي ذلك {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} ولم يقل: عليم بالمسرين والجاهرين، ويكون "مَا" في موضع نصبٍ، وإنما تخرج الآية من هذا العموم إذا جعلت "ما" في موضع نصب اسماً للأناسِ المخاطبين قبل هذه الآيةِ، وقوله: { بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} يمنع من ذلك" انتهى. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم ما قاله مكي بالإعراب الذي ذكره، والمعنى الذي أبداه، وقد قال بهذا القول أعني الإعراب الثاني جماعة من المحققين، ولم يبالوا بما ذكره لعدم إفهام الآية إياه. قال الزمخشريُّ بعد كلام ذكره: ثم أنكر أن يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر "مَنْ خَلَقَ" الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير المتصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون "مَنْ خَلقَ" منصوباً بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله، ثم قال: فإن قلت: قدرت في "ألاَ يَعْلَمُ" مفعولاً على معنى ألا يعلم ذلك المذكور ما أضمر في القلب، وأظهر باللسان من خلق، فهلاَّ جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؟ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالماً من هو خالق؛ لأن الخلق لا يصلحُ إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} لأنك لو قلت: ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحاً؛ لأن "ألاَ يَعْلَمُ" معتمد على الحال، والشيء لا يوقف بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء. فصل في معنى الآية معنى الآية: ألا يعلم السّر من خلق السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد؟. قال أهل المعاني: إن شئت جعلته من أسماء الخالق - عزَّ وجلَّ - ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق، والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالماً بمن خلقه، وما يخلقه. قال ابن المسيِّب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريحُ، فوقع في نفس الرجل، أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}؟. وقال أبو إسحاق الإسفراييني: من أسماء صفات الذَّات ما هو للعلم، منها "العَلِيمُ"، ومعناه: تعميم جميع المعلومات، ومنها "الخَبِيرُ" ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ومنها "الحَكِيمُ" ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف، ومنها "الشَّهِيدُ"، ويختص بأن يعلم الغائِب والحاضر، ومعناه: ألاَّ يغيب عنه شيء، ومنها "الحافظ" ويختص بأنه لا ينسى شيئاً، ومنها "المُحصِي" ويختص بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟ وقد قال: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}. فصل لما قال تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} ذكر الدليل على أنه عالم، فقال: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} الآية، والمعنى: أن من خلق لا بُدَّ وأن يكون عالماً بما يخلقه، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء، لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية. قال ابن الخطيب: فنقول: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها، وهو غير عالم لأن التفاوت بين الحركةِ السريعةِ، والبطيئة إنما هو لتحلُّل السَّكناتِ، فالفاعل للحركة البطيئةِ قد يفعل حركة، وسكوناً، ولم يخطر بباله ذلك فَضْلاً عن كميته، ولأن المتحرك لا يعرف عدد أجزاء الحركات إلاَّ إذا عرف عدد الأحياز التي هي بين مبدأ المسافة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بالجواهر المفردة التي تنتقل في تلك المسافة وعددها، وذلك غير معلومٍ، ولأنَّ النائم يتحرك مع عدم علمه؛ ولأن قوله: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} إنما يتصل بما قبله لو كان خالقاً لكل ما يفعلونه سرًّا وجهراً، وبما في الصدور. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق الأجساد؟. فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد أن من فعل شيئاً يكون عالماً بشيء آخر. قوله: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}. قيل: اللطيف: العالم. وقيل: هو فاعل الأشياء اللطيفة التي يخفى علمها على أكثر الفاعلين، ولهذا يقال: إن لُطْف الله تعالى بعباده عجيب، والمراد به دقائق تدبيره لهم، وهذا أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعد تكراراً. قوله: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} لما بين الدليل كونه عالماً بما يسرون وما يعلنون ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سراً: يا فلانُ أنا أعلم سرك وعلانيتك، فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك، وكل هذا الخير الذي هيأته لك، ولا تأمن تأديبي، فكأنه تعالى يقول: يا أيها الكُفَّار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم، فخافوني؛ فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم، ولو شئت خسفت بكم. والذَّلُولُ: المنقاد الذي يذلّ لك، والمصدر الذل وهو اللين والانقياد، أي: لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة. وقيل: يثبتها بالجبالِ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لما كانت منقادة لنا. وقيل: إشارة إلى التمكن من الزرعِ، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار، وبناء الأبنية، ولو كانت صلبة لتعذر ذلك. وقيل: لو كانت مثل الذَّهب والحديد لكانت تسخن جداً في الصيف، وكانت تبرد جداً في الشتاء. قوله: {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا}. هذه استعارة حسنة جداً. وقال الزمخشري: مثل لفرط التذليل، ومجاوزته الغاية؛ لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنهاه عن أن يطأه الراكب بقدمه، ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك. فصل في هذا الأمر هذا أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان. وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، أي: لكي تمشوا في أطرافها، ونواحيها، وآكامها وجبالها. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وبشير بن كعب: "فِي منَاكبِهَا" في جبالها. وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة. فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حُرَّة، فأراد أن يتزوجها، فسأل أبا الدرداء، فقال: "دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ". وقال مجاهد: في أطرافها، وعنه أيضاً: في طرفها وفجاجها، وهو قول السديِّ والحسن. وقال الكلبيُّ: في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه، وأصل الكلمة: الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء، وتنكب فلان عن فلان. يقول: امشُوا حيث أردتم، فقد جعلتها لكم ذلولاً لا تمتنع. وحكى قتادةُ عن أبي الجلد: أن الأرض من أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألفاً، وللروم ثمانية آلافٍ، وللفرس ثلاثة آلافٍ، وللعرب ألفٌ. قوله: {وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ}. قال الحسن: ما أحله لكم. وقيل: مما أنبته لكم. وقيل: مما خلقه اللَّه لكم رزقاً من الأرض "وإليْهِ النُّشورُ" المرجع. وقيل: معناه أن الذي خلق السماوات ولا تفاوت فيها، والأرض ذلولاً قادر على أن ينشركم، وإليه تبعثون من قبوركم. قوله: {أَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ}. تقدم اختلاف القراء في الهمزتين المفتوحتين نحو {أية : أَأَنذَرْتَهُمْ}تفسير : [البقرة: 6] تخفيفاً وتحقيقاً وإدخال ألف بينهما وعدمه في سورة "البقرة". وأن قنبلاً يقرأ هنا: بإبدال الهمزة الأولى واواً في الوصل "وإليْهِ النشورُ وأمنتُمْ"، وهو على أصله من تسهيل الثانية بين بين، وعدم ألف بينهما، وأما إذا ابتدأ، فيحقق الأولى، ويسهل الثانية بين بين على ما تقدم، ولم تبدل الأولى واواً، لزوال موجبه وهو انضمام ما قبلها، وهي مفتوحة نحو "مُوجِل، ويُؤاخِذكُم"، وقد مضى في سورة "الأعراف" عند قوله تعالى: {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ}تفسير : [الأعراف: 123]، وإنما عددناه تذكيراً، وبياناً. قوله: {مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ}. مفعول "أأمِنْتُمْ" وفي الكلام حذف مضاف، أي: أمنتم خالق السماوات. وقيل: "فِي" بمعنى "على"، أي: على السماء، كقوله: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ}تفسير : [طه: 71]، أي: على جذوع النخل. وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك؛ لأنه اعتقد أن "مَنْ" واقعة على الباري، وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيّز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن "مَنْ" هنا المراد بها: الملائكة سكان السماءِ، وهم الذين يتولّون الرحمة والنقمة. وقيل: خوطبوا بذلك على اعتقادهم؛ فإن القوم كانوا مجسمة مشبِّهة، والذي تقدم أحسن. قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ لأن ذلك يقتضي إحاطة السَّماءِ به من جميع الجوانب، فيكونُ أصغر منها، والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيراً بالنسبة إلى العرش، وهو باطل بالاتفاق، ولأنه قال: {أية : قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأنعام: 12] فلو كان فيهما لكان مالكاً لنفسه، فالمعنى: إما من في السموات عذابه، وإما أن ذلك ما كانت العرب تعتقد، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الأنعام: 3] فإنَّ الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، والغرض من ذكر السَّماءِ تفخيم سلطان الله، وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريلُ يخسفها بإذن الله. قوله: {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ} و{أَن يُرْسِلَ} فيه وجهان: أحدهما: أنهما بدلان من {مَنْ فِي ٱلسَّمَاء} بدل اشتمال، أي: أمنتم خسفه، وإرساله. قاله أبو البقاء. والثاني: أن يكون على حذف "مِنْ"، أي: أمنتم من الخسف والإرسال، والأول أظهر. فصل قال القرطبيُّ: ويحتمل أن يكون المعنى: أمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} أي: تذهب وتجيء، والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 4801 - رَمَيْنَ فأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرَى دَماً مَائِراً إلاَّ جرى في الحيَازِمِ تفسير : جمع "حيزوم" وهو وسط الصدر. وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض، فهو المور. قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمُور، فتقلبهم إلى أسفل السافلين. قال القرطبي: قال المحققُون: أمنتم من فوق السَّماء، كقوله: {أية : فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [التوبة: 2] أي: فوقها لا بالمماسة والتحيُّز، لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه: أمنتم من على السماء كقوله: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71]، أي: عليها، ومعناه أنه مدبرها، ومالكها كما يقال: فلان على "العراق"، أي: وليها وأميرها، والأخبار في هذا صحيحة، وكثيرة منتشرة مشيرة إلى العلوّ، لا يدفعها إلا ملحد، أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود؛ لأنها صفات الأجسامِ، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأن السماء مهبط الوحْي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته كما جعل اللَّهُ الكعبة قبلة للصلاة، فإنه خلق الملائكة وهو غير محتاجٍ إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان. قوله {أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً}. قال ابن عباس: أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء، لشدتها وقوتها. وقيل: سحاب فيه حجارة. قوله {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}. قيل: هاهنا النذير: المنذر، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك، والمعنى: فستعلمون رسولي، وصدقه ولكن حين لا ينفعكم ذلك. وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وكيف في قوله {كَيْفَ نَذِيرِ} [ينبىء] عن ما ذكرنا من صدق الرسول، وعقوبة الإنذار. وقد تقدم أن "نَذِير، ونكير" مصدران بمعنى الإنذار؛ والإنكار. وأثبت ورش ياء "نذيري" وقفاً، وحذفها وصلاً، وحذفها الباقون في الحالين. قوله: {وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. يعني كفار الأمم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم {فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ} أي: إنكاري وتغييري: قاله الواحديُّ. وقال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: سقطت الياء من "نَذيرِي" ومن "نَكيرِي" حتى تشابه رءوس الآي المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سبحانه أهل المعاملة بصفة العزة لما حصل لهم من العزة، أتبعهم أضدادهم المطوعين أنفسهم لإشارة العقل المتأهلين لنعت المعرفة، فقال مؤكداً لما للأضداد من التكذيب: {إن الذين يخشون} أي يخافون خوفاً أرق قلوبهم وأرق غيرهم بحيث كانوا كالحب على المقلي لا يقر لهم قرار من توقعهم العقوبة، كلما ازدادوا طاعة ازدادوا خشية، يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة فوقوا أنفسهم فوران النار بهم، وعدل عن سياق الجلالة الجامع إلى صفة الإحسان تنبيهاً على أنهم غلب عليهم النظر إلى الإحسان فقادهم إلى الشكر مع ما نبهت عليه الخشية من اتصافهم بالفرق الذي أداهم إلى الذعر فقال: {ربهم} الذي أحسن إليهم بتطويرهم بما جعل لهم من الأسباب في أطوار الخير وإذا كانوا يخشونه مع نظرهم إلى صفة إحسانه فما ظنك بهم عند النظر إلى صفات انتقامه {بالغيب} أي حال كونهم غائبين عنه سبحانه ووعيده غائباً عنهم وهو غائبون عن أعين الناس وقد ملأ الخوف ما غاب عنهم عن الناس وهي قلوبهم فهم مع الناس يتكلمون وقلوبهم تتلظى بنيران الخوف وتكلم بسيوف الهيبة، فيتركون المعصية حيث لا يراهم أحد من الناس! ولا يكون لهم هذا إلا برياضة عظيمة لما عند الناس من القوى الموجبة للطغيان، قال بعض العارفين: في الإنسان خواص تستدعي العلم بما يشوبها من الحظوظ فتنشأ منها - والعياذ بالله - المنازعة في الكبرياء والعظمة والجلال والجمال، فالقلب يستدعي التفرد بالوجود والأمر والنهي، فما من أحد إلا وهو مستبطن ما قال فرعون، ولكن لا يجد له مجالاً كما وجد فرعون، والعقل يستدعي في تدبيره وتأثيره اعتقاد أنه لو مكن من الوجود لدبره، ويرى أن تدبيره هو التدبير وإن كان أفسد الفاسد، وكذلك لا يزال يقول: لو كان كذا لكان كذا، والنفس لا تتخيل أنها من القوة والاقتدار بحيث لو أرادت أن تخرب مدناً وتبنيها فعلت، فليحذر الإنسان فإن أعدى عدوه نفسه التي هي بين جنبيه، فمهما تركها انتشرت، قال تعالى{أية : كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}تفسير : [العلق: 6 و 7] وينسى ما بعدها{أية : إن إلى ربك الرجعى}تفسير : [العلق: 8] ولهذا كان بعض الأكاسرة - وكانوا أعقل الملوك - يرتب واحداً يكون وراءه بالقرب منه، يقول له إذا اجتمعت جنوده بعد كل قليل: أنت عبد، لا يزال يكرر ذلك، والملك يقول له كلما قاله: نعم: فعلى العاقل أن يطوع نفسه لأن ترجع مطمئنة بأن يرضى بالله رباً ليدخل في رق العبودية، وبالإسلام ديناً ليصير عريقاً فيها، فلا ينازع الملك في ردائه الكبرياء وإزاره العظمة وتاجه الجلال وحلته الجمال، ولا ينازعه فيما يدبره من الشرائع، ويظهره من المعارف، ويحكم به على عبيده من قضائه وقدره. ولما كانت الخشية مشيرة إلى الذنوب، فكان أهم ما إليهم الإراحة منها قال تعالى: {لهم مغفرة} أي سترة عظيمة تأتي على جميع ذنوبهم. ولما كان السرور إنما يتم بالإعطاء قال: {وأجر} أي من فضل الله {كبير *} يكون لهم به من الإكرام ما ينسيهم ما قاسوه في الدنيا من شدائد الآلام، وتصغر في جنبه لذائذ الدنيا العظام. ولما كانت الخشية من الأفعال الباطنة، وكان كل أحد يدعي أنه يخشى الله، قال مخوفاً لهم بعلمه نادباً إلى مراقبته لئلا يغتروا بحلمه، عاطفاً على ما تقديره لإيجاب المراقبة: فأبطنوا أفعالهم وأظهروها: {وأسروا} أي أيها الخلائق. ولما كان إفراد الجنس دالاً على قليله وكثيره قال: {قولكم} أي خيراً كان أو شراً {أو اجهروا به} فإنه يعلمه ويجازيكم به لأن علمه لا يحتاج إلى سبب، وذلك أن المشركين كانوا يقولون: أسروا وإلا يسمع إله محمد: ثم علل ذلك مؤكداً لأجل ما للناس من استبعاد ذلك بقوله: {إنه} أي ربكم {عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور *} أي بحقيقتها وكنهها وحالها وجبلتها وما يحدث عنها سواء كانت قد تخيلته ولم تعبر عنه، أو كان مما لم تتخيله بعد بدليل ما يخبر به سبحانه وتعالى عنهم مما وقع وهم يخفونه، أو لم يقع بعد ثم يقع كما أخبر به سبحانه؛ ثم دل على ذلك بقوله معجباً ممن يتوقف فيه أدنى توقف ومنكراً عليهم بإثبات العلم ونفى ضده على أبلغ وجه: {ألا يعلم} أي وكل ما يمكن أن يعلم، وحذف المفعول للتعميم، ثم ذكر الفاعل واصفاً له بما يقرب المخبر به للإفهام فقال: {من خلق} أي الذي أوجد الخلق من القلوب الحاوية للأسرار والأبدان وغير ذلك، وطبع في كل شيء من ذلك ما طبع مما قدره بعلمه وأتقنه بحكمته، فإن كل صانع أدرى بما صنعه، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون "من" مفعولاً والفاعل مستتراً، أي ألا يعلم الله مخلوقه على الإطلاق وله صفتا اللطف والخبر اللتان شأنهما إدراك البواطن إدراكاً لا يكون مثله لأن الغرض إثبات العلم لما أخفوه لظنهم أنهم إذا أسروا يخفى، لا إثبات مطلق العلم فإنهم لم ينكروه {وهو} أي والحال أنه هو {اللطيف} أي الذي يعلم ما بثه في القلوب لأنه يصل إلى الأشياء بأضدادها فكيف بغير ذلك {الخبير *} أي بالغ العلم بالظواهر والبواطن فكيف يخفى عليه شيء من الأشياء، وهو أعظم تهديد يكون؛ فإن من علم أن من يعصيه عالماً به وهو قادر عليه لا يعصيه أبداً. ولما كان ذلك أمراً غامضاً، دل عليه بأمر مشاهد أبدعه بلطفه وأتقنه بخبرته لاستدعاء الشكر من عباده على ما أبدع لهم ومن عليهم به من النعم الباهرة التي بها قوامهم، ولولاه لما كان لهم بقاء فقال مستأنفاً: {هو} أي وحده {الذي جعل لكم} لتتوصلوا إلى ما ينفعكم {الأرض} على سعتها وعظمها وجزونة كثير منها {ذلولاً} أي مسخرة لا تمتنع، قابلة للانقياد لما تريدون منها من مشي وإنباط مياه وزرع حبوب وغرس أشجار وغير ذلك غاية الانقياد، بما تفهمه صيغة المبالغة مع أن فيها أماكن خوارة تسوخ فيها الأرجل ويغوص فيها ما خالطها، ومواضع مشتبكة بالأشجار يتعذر أو يتعسر سلوكها، وأماكن ملأى سباعاً وحيات وغير ذلك من الموانع، وأماكن هي جبال شاهقة إما يتعذر سلوكها كجبل السد بيننا وبين ياجوج وماجوج، ورد في الحديث أنه تزلق عليه الأرجل ولا تثبت، أو يشق سلوكها، ومواطن هي بحور عذبة أو ملحة فلو شاء لجعلها كلها كذلك ليكون بحيث لا يمكن الانتفاع بها، فما قسمها إلى سهول وجبال وبرور وبحور وأنهار وعيون وملح وعذب وزرع وشجر وتراب وحجر ورمال ومدر وغير ذلك إلا لحكمة بالغة وقدرة باهرة، لتكون قابلة لجميع ما تريدون منها، صالحة لسائر ما ينفعكم فيها. ولما كان معنى التذليل ما تقدم، سبب عنه قوله تمثيلاً لغرض التذليل لأن منكبي البعير وملتقاهما من الغاربين أرق شيء وأنباه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه: {فامشوا} أي الهوينا مكتسبين وغير مكتسبين إن شئتم من غير صعوبة توجب لكم وثباً أو حبواً {في مناكبها} أي أماكنها التي هي لولا تسهيلنا لمناكب الحيوانات لكانوا ينتكبون عن الوقوف عليها، فكيف بالمشي، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها الجبال - لأن تذليلها أدل دليل على تذليل غيرها، وليكن مشيتكم فيها وتصرفكم بذل وإخبات وسكون استصغاراً لأنفسكم وشكراً لمن سخر لكم ذلك - والله الهادي. ولما ذكر سبحانه أنه يسرها للمشي، ذكرهم بأنه سهلها لإخراج الخيرات والبركات فقال: {وكلوا} ودل على أن الرزق فوق الكفاية بقوله: {من رزقه} أي الذي أودعه لكم فيها وأمكنكم من إخراجه بضد ما تعرفون من أحوالكم فإن الدفن في الأرض مما يفسد المدفون ويحيله إلى جوهرها كما يكون لمن قبرتموه فيها، ومع ذلك فأنتم تدفنون الحب وغيره مما ينفعكم فيخرجه لكم سبحانه على أحسن ما تريدون ويخرج لكم من الأقوات والفواكه والأدهان والملابس ما تعلمون، وكذلك النفوس هي صعبة كالجبال وإن قدتها للخير انقادت لك كما قيل "هي النفس ما عودتها تتعود". ولما كان التقدير للبعث على الشكر والتحذير من الكفر: واعبدوه جزاء على إحسانه إليكم وتربيته لكم. فمنه مبدأ جميع ذلك، عطف عليه ما يدعو إلى الحياء من السيد والخجل من توبيخه عند لقائه فقال: {وإليه} أي وحده {النشور *} وهو إخراج جميع الحيوانات التي أكلتها الأرض وأفسدتها، يخرجها في الوقت الذي يريده على ما كان كل منها عليه عند الموت كما أخرج تلك الأرزاق، لا فرق بين هذا وذاك، غير أنكم لا تتأملون فيسألكم عما كنتم تعملون، فيا فوز من شكر ويا هلاك من كفر، فإن هذا أبعث شيء على الشكر، وأشد شيء إبعاداً عن العصيان لا سيما الكفر، لما قرر من حاجة الإنسان، والإحسان إليه بأنواع الإحسان.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ}[12] أي يخافون ربهم في سرهم، فيحفظون سرهم من غيره.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ} [الآية: 12]. قال بعضهم: الخشية تصيب القلب والسر والخوف يصيب البدن. وقال بعضهم: الخشية انزعاج القلب على كل حال لا يسكن إلى طاعة فيهدأ ولا يميل إلى رجاء فيستروح ويكون من معاصيه على وجل أبدًا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ} وصف الله معرفة العارفين به قبل رويتهم مشاهدته فاذا عيانوه استفادوا من رؤية علم المعاينة وهو المعرفة الحقيقة خشوا منه فى غيبة منه وهو خشية القلب فلما راؤه زاد على الخشية الاجلال وهو علم الروح والسر قال بعضهم الخشية نصيب القلب والسر والخوف نصيب البدن.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين يخشون ربهم بالغيب} اى يخافون عذابه وهو عذاب يوم القيامة ويوم الموت ويوم القبر خوفا ورآء عيونهم حال كون ذلك العذاب غائبا عنهم ولم يعاينوه بعد على ان بالغيب حال من المضاف المقدر او غائبين عنه تعالى اى عن معاينة عذابه واحكام الآخرة او عن اعين الناس لانهم ليسوا كالمنافقين الذين اذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤون على انه حال من الفاعل وهو ضمير يخشون او بما خفى منهم وهو قلوبهم فالباء للاستعانة متعلقة بيخشون والالف واللام اسم موصول وكانوا يشمون من كبد أبى بكر الصديق رضى الله عنه رآئحة الكبد المشوى من شد الخوف من الله تعالى وكان عليه السلام يصلى ولصدره ازيز كأزيز المرجل من البكاء والأزيز الغليان وقيل صوته والمرجان قدر من نحاس {لهم مغفرة} عظيمة تأتى على جميع ذنوبهم ولما كان السرور انما يتم بالاعطاء قال {واجر كبير} اى ثواب عظيم فى الآخرة فضلا منه تعالى يكون لهم به من الاكرام ما ينسيهم ما قاسوه فى الدنيا من شدآئد الآلام وتصغر فى جنبه لذآئذ الدنيا وهو الجنة ونعميها. كفته انديمنى از وشدايد ومكاره يعنى مزد ثرسندكان امان باشد ازهر جه مى ترسند شعر : لا تخافوا مزده ترسنده است هركه مى ترسد مبارك بنده است خوف وخشيت خاص دانايان بود هركه دانا نيست كى ترسان بود ترسكارى رستكارى آورد هركه درد آرد عوض درمان بود تفسير : فلا بد من العقل اولا حتى يحصل الخوف ثانيا وكان بعض الاكاسرة وكانوا اعقل الملوك يرتب واحدا يكون ورآءه بالقرب منه يقول اذا اجتمعت جنوده انت عبد لا يزال يكرر ذلك والملك يقول له كلما قاله نعم وهكذا حال من يعرف مكر النفس ويخاف الله بقلبه قال مسروق ان المخافة قبل الرجاء فان الله تعالى خلق جنة ونارا فلن تخلصوا الى الجنة حتى تمروا بالنار قال تعالى {أية : وان منكم الا واردها}تفسير : قال فضيل قدس سره اذا قيل لك اتخاف الله فاسكت فانك اذا قلت لا فقد جئت بأمر عظيم واذا قلت نعم فالخائف لا يكون على ما أنت عليه ألا ترى ان الله تعالى لما اتخذ ابراهيم عليه السلام خليلا ألقى فى قلبه الوجل حتى ان خفقان قلبه يسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير فى الهوآء وقيل لفضيل بم بلغ بك الخوف الذى بلغ قال بقلة الذنوب فللخوف اسباب واول الامر العقل السليم ثم يحصل كما له بترك العصيان وذلك ان ترك المعصية وان كان نتيجة الخوف لكن القلب يترقى فى الرقة بترك المعصية فيشتد خوفه فقاسى القلب لا يعرف الخوف لان عقله ضعيف مغلوب يقال العقل كالبعل والنفس كالزوجة والجسم كالبيت فاذا سلط العقل على النفس اشتغلت النفس بمصالح الجسم كما تشتغل المرأة المقهورة بمصالح البيت فصلحت الجملة وان غلبت النفس كان سعيها فاسدا كالمرأة التى قهرت زوجها ففسدت الجملة. شعر : مبر طاعت نفس شهوت برست كه هرساعتش قبله ديكرست كرا جامه باكست وسيرت بليد در دوزخش رانبايد كليد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: { إِنَّ الذين يخشَون ربهم بالغيب} أي: يخافون عذابه غائباً عنهم، أو: عن أعين الناس، أو: بالقلب؛ لأنّ القلب أمر غيبي، أو: يخشون ربهم ولم يروه معاينة، {لهم مغفرة} لذنوبهم {وأجر كبير} لا يقادر قدره، الجنة وما فيها. {وأسِرُّوا قولكم أو اجهروا به}، ظاهره: الأمر بأحد الأمرين؛ الإسرار والإجهار ومعناه: ليستوِ عندكم إسراركم وإجهاركم، فإنه في عِلْم الله سواء. كقوله: {أية : سَوَآءٌ مِنكُم مَّنْ أَسَرَ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ } تفسير : [الرعد:10]، وكأنه تعالى لمّا قال: {يخشون ربهم بالغيب} ربما يتوهم أن الله تعالى يغيب عنه شيء، رفع ذلك. وقيل: إنَّ المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيُخبره جبريلُ عليه السلام بما قالوا فيه ونالوا منه، فقالوا فيما بينهم: أسِروا قولكم لئلا يسمع رب محمد فيخبره، فنزلت. وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم، ووقوع ما يحذرونه، وللمبالغة في شمول علمه تعالى، المحيط بجميع المعلومات، كأنَّ عِلْمَه تعالى بما يُسرونه أقدم منه بما يجهرونه، مع كونهما في الحقيقة على السواء، ولأنَّ مرتبة السر أقدم وجوداً؛ لأنّ ما يقع به الجهر يتقدّم التحدُّث به في النفس. وقوله تعالى: {إِنه عليم بذات الصدور} تعليل لِما قبله، أي: عليم بضمائر الصدور قبل أن تترجم الألسنة، فكيف لا يعلم ما تتكلم به. وفي صيغة " فعيل"، وتحلية " الصدور" بلام الاستغراق، ووصف الضمائر بصاحبتها من الجزالة ما لا غاية وراءه، كأنه قيل: إنه مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية، المستكنة في صدروهم, فكيف يخفى عليه ما يُبدونه؟ ويجوز أن يراد بـ {ذات الصدور}: القلوب التي في الصدور، أي: عليم بالقلوب وأحوالها، فلا يخفى عليه من أسرارها، {ألا يعلم من خلق} "مَنْ" فاعل بيعلم، {وهو اللطيفُ الخبيرُ} أنكر أن يكون مَن خلق الأشياء وأوجدها غير عالم بباطنها وظاهرها، وصفته أنه اللطيف، أي: العالِم بدقائق الأشياء الخبير؛ العالم بحقائقها. ويجوز أن يكون (مَن) مفعولاً، أي: ألاَ يعلم اللهُ مَن خلقه. وفيه على الأول دليل على خلق أفعال العباد، وهو مذهب أهل السنة، ووجه الدليل: أنه تعالى لمّا قرر أنه عالم بالسر والجهر، وبكل ما في الصدور، قال بعده: {ألا يعلم مَن خَلَقَ}، وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله إذا كان تعالى خالقاً لكل ما يفعلونه في السر والجهر، وفي القلوب والصدور، فأنه لو لم يكن خالقاً لها لم يكن قوله: {ألا يعلم مَن خلق} مقتضياً كونَه تعالى عالماً بتلك الأشياء، وهو خالق الأشياء وأحوالها، وعالم بجميع ذلك، ولذلك عقَّب ذلك بقوله: {وهو اللطيف الخبير}. الإشارة: إنَّ الذين يخشون ربهم بالغيب، فراقَبوه وعبدوه، حتى عرفوه, فصار الغيب عندهم شهادة. قال الورتجبي: وصف الله معرفة العارفين به، قبل رؤيتهم مشاهدته، فإذا عاينوه استفادوا من رؤيته علم المعاينة، وهو المعرفة بالحقيقة، خشوا منه في غيبة منه، وهو خشية القلب، فلما رأوه على الخشية الإجلال، وهو علم الروح والسر. هـ. وقوله تعالى: {وهو اللطيفُ الخبير}، قال بعضهم: الحق تعالى منزّه عن الأين والجهة، والكيف، والمادة, والصورة، ومع ذلك لا يخلو منه أين ولا مكان، ولا كم، ولا كيف، ولا جسم، ولا جوهر، ولا عرض؛ لأنه للطفه سارٍ في كل شيء، ولنوريته ظاهر في كل شيء، ولإطلاقه وإحاطته متكيّف بكل كيف، غير متقيد بذلك، ومَن لم يذق هذا، أو لم يشهده، فهو أعمى البصيرة، محروم عن مشاهدة الحق. هـ. وقال الغزالي: إنما يستحق هذا الاسم ـ يعني اللطيف ـ مَن يطلع على غوامض الأشياء، وما دقّ منها وما لطف، ثم سلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العُنف، والخبير هو الذي لا يعزب عنه الأخبار الباطنة، فلا يجري في المُلك والملكوت شيء، ولا يتحرك ذرة ولا تسكن، ولا تضطرب نفس ولا تطمئن، إلاّ ويكون عنده خبرها. وهو بمعنى العلم، لكن العلم إذا أُضيف إلى الخفايا الباطنة يسمى خِبرة، ويسمى صاحبها خبيراً. هـ. ثم بيَّن تصريف مَن بيده المُلك، وعدّد نعمه على مماليكه، ثم هدّد مَن لم يشكرها بالخسف وإرسال الحاصب، فقال: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً}.

الطوسي

تفسير : لما وصف الله تعالى الكفار وما أعده لهم من أليم العقاب، ذكر المؤمنين وما أعده لهم من جزيل الثواب، فقال {إن الذين يخشون ربهم} أي يخافون عذاب ربهم باتقاء معاصيه وفعل طاعاته {بالغيب} أي على وجه الاستسرار بذلك لان الخشية متى كانت بالغيب على ما قلناه كانت بعيدة من النفاق، وخالصة لوجه الله. وخشية الله بالغيب تنفع بأن يستحق عليها الثواب، والخشية في الظاهر وترك المعاصي لا يستحق بها الثواب وإنما لا يستحق عليها العقاب. وإنما الخشية في الغيب أفضل لا محالة. وقوله {لهم مغفرة وأجر كبير} أي لمن خشي الله واتقاه بالغيب ستر الله على معاصيه ولهم ثواب كبير لا فناء له. وقيل: معنى {يخشون ربهم بالغيب} أي يخافونه، وهم لا يرونه. وقيل {بالغيب} أي في سرهم وباطنهم، ومن علم ضمائر الصدور علم إسرار القائل إلى غيره. وقال الحسن: معناه يخشون ربهم بالآخرة لانها غيب يؤمنون به، وكل من خشي ربه بالغيب خشيه بالشهادة، وليس كل من خشيه بالشهادة يخشى بالغيب. ثم قال مهدداً للعصاة {وأسروا قولكم أو اجهروا به} ومعناه إن شئتم أظهروه وإن شئتم ابطنوه فانه عالم بذلك لـ {إنه عليم بذات الصدور} فمن علم ضمائر الصدور علم إسرار القول. وقوله {ألا يعلم من خلق} معناه من خلق الصدور يعلم ما في الصدور ويجوز ان يكون المراد ألا يعلم من خلق الاشياء ما في الصدور. وقيل تقديره ألا يعلم سر العبد من خلقه يعني من خلق العبد، ويجوز أن يكون المراد ألا يعلم سر من خلق، وحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. ولا يجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق افعال القلوب، لأنه لو أراد ذلك لقال ألا يعلم ما خلق، لانه لا يعبر عما لا يعقل بـ {من} ولا يدل ذلك على أن الواحد منا لا يخلق أفعاله من حيث أنه لا يعلم الضمائر، وإنا بينا أن المراد ألا يعلم من خلق الصدور أي خلق الاشياء والواحد منا لا يخلق ذلك فلا يجب أن يكون عالماً بالضمائر. وقوله {وهو اللطيف الخبير} معناه هو اللطيف بعباده من حيث يدبرهم بلطف التدبير، فلطيف التدبير هو الذي يدبر تدبيراً نافذاً لا يخفو عن شيء يدبره به {الخبير} معناه العالم بهم وبأعمالهم. ثم قال تعالى ممتناً على خلقه ومعدداً لأنواع نعمه عليهم {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً} يعني سهلا سهلها لكم تعملون فيها ما تشتهون {فامشوا في مناكبها} قال مجاهد: مناكبها طرقها وفجاجها. وقال ابن عباس وقتادة: مناكبها جبالها {وكلوا من رزقه} صورته صورة الأمر والمراد به الاباحة والأذن، أذن الله تعالى أن يأكلوا مما خلقه لهم وجعله لهم رزقاً على الوجه الذي أباحه لهم {وإليه النشور} أي إلى الله المرجع يوم القيامة واليه المآل والمصير فيجازي كل واحد حسب عمله. وفي ذلك تهديد.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ} حالكونهم فى الغيب من ربّهم، او حالكون الرّبّ فى الغيب منهم، او بسبب غيبة حالهم، او غيبة حال الرّبّ فى رضاه وسخطه عنهم، وقد سبق الاشارة الى انّ الخوف فى مقام النّفس وظنّه والخشية ايضاً فى مقام النّفس لكن بعد ترقّبه الى ادنى مرتبة العلم او اعلاها، وقد سبق فى سورة الفاطر عند قوله: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : [فاطر:28] بيان للخشية {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} والآيتان وعيد ووعد للفريقين.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ} يذكرونه ويخافونه سرا كما بين الناس أو اكثر ويستغفرونه أو آمنوا بربهم وخافوه ولم يروه أو اراد بالغيب قلوبهم لانها اخفيت وقال قتادة: الغيب النشر والحشر والجنة والنار. {لَهُم مَّغفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} كل لذائذ الدنيا صغيرة دونه.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم} يخافون عذابه مع تعظيمه عز وجل {بِالْغَيْبِ} حال من رب أى ثابتاً فى الغيب عنهم إِذ لا يشاهدونه أو من الواو أى ثابتين فى الغيب عن الله عز وجل فغيبته عنهم هى عين غيبتهم عنه، بذلك المعنى ولا يخفى عنه شئ من الأَجسام ولا من الأَعراض ولا ما يدعى من الجواهر، أو ثابتين فى الغيب عن الناس لا يخصون عبادتهم بعلمهم أو بحضورهم كما هو شأْن المرائى، أو ثابتين فى الغيب بما فى قلوبهم. {لَهُمْ مَّغْفِرةٌ} عظيمة لذنوبهم بسبب تلك الخشية. {وأجْرٌ كَبِيرٌ} فى الآخرة وقدم المغفرة على الأَجر لقاعدة أن التخلية قبل التحلية، ولأَن دفع المضار أهم للناس مثلاً من جلب المنافع، وكان -صلى الله عليه وسلم- يخبرهم بما أسروا فقالوا أسروا كلامكم لئلا يسمع رب محمد ما تقولون فيخبره به فنزل قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكمْ أوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أى باعتقاده أو تكييفه صاحبه الصدور، أى بما فى القلوب التى فى الصدور، فسمى الصدر قلباً لأَنه محله، أو ذات هى القلوب، أى بالقلوب التى هى صاحبة الصدور، أى هى فى الصدور وعلمه بالقلوب كناية عن علمه بما فيها، والمراد العلم بها وبما فيها، وقدم السر لأَنه هو الذى اهتموا به إِخفاء عنه سبحانه عن أن يخفى عنه شئ، ولتقدم السر فى الوجود إِذ لا ظهور إِلا بعد خفاء ولو بالعدم قبل الإِيجاد فإِن المعدوم لا يصدق عليه أنه ظاهر، والخطاب للمعهودين كما رأيت، ويجوز أنه على العموم للمكلفين فيدخل المعهودين أولاً وأُجيز أن الخطاب لأَصحاب السعير على طريق الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ } أي يخافون عذابه غائباً عنهم أو غائبين عنه أو عن أعين الناس غير مرائين أو بما خفي منهم وهو قلوبهم {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } عظيمة لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } لا يقادر قدره. وتقديم المغفرة على الأجر لأن درء المضار أهم من جلب المنافع. والجملة المذكورة قيل استئناف بياني.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض يفيد استئنافاً بيانياً جاء على سنن أساليب القرآن من تعقيب الرهبة بالرغبة، فلما ذكر ما أعد للكافرين المعرضين عن خشية الله أعقبه بما أعد للذين يخشون ربهم بالغيب من المغفرة والثواب للعلم بأنهم يترقبون ما يميزهم عن أحوال المشركين. وقدم المغفرة تطميناً لقلوبهم لأنهم يخشون المؤاخذة على ما فرط منهم من الكفر قبل الإسلام ومن اللمم ونحوه، ثم أعقبت بالبشارة بالأجر العظيم، فكان الكلام جارياً على قانون تقديم التخلية على التحْلية، أو تقديم دفع الضر على جلب النفع، والوصف بالكبير بمعنى العظيم نظير ما تقدم آنفاً في قوله: {أية : إن أنتم إلاّ في ضلال كبير}تفسير : [الملك: 9]. وتنكير {مغفرة} للتعظيم بقرينة مقارنته بـ {أجر كبير} وبقرينة التقديم. وتقديم المسند على المسند إليه في جملة {لهم مغفرة} ليتأتى تنكير المبتدأ، ولإِفادة الاهتمام، وللرعاية على الفاصلة وهي نُكت كثيرة.

الشنقيطي

تفسير : الخشية: شدة الخوف، كما قال تعالى:{أية : ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُون}تفسير : [الأنبياء: 49]. وبين تعالى محل تلك الخشية في قوله: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر: 28] لأنهم يعرفون حق الله تعالى ويراقبونه. وقد بين تعالى حقيقة خشية الله: {أية : وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 74]. وقوله: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحشر: 21]. فالذين يخشون ربهم بالغيب هم الذين يعرفون حق الله عليهم ومراقبته إياهم في السر والعلن، ويعلمون أنه مطلع عليهم مهما تخسفوا وتستروا وهم دائماً منيبون إلى الله، كما في قوله: {أية : هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ}تفسير : [قۤ: 32-33]، وهذه أعلى درجات السلوك مع الله تعالى، كما بين أنها منزلة العلماء. وقد عاب تعالى أولئك الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، ويخشون الناس ولا يخشون الله، فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. وإفراد الله بالخشية منزلة الأنبياء، كما في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً}تفسير : [الأحزاب: 39]. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: والعرب تمدح من يكون في خلوته كمشهده مع الناس. ومنه قول مسلم بن الوليد: شعر : يتجنب الهفوات في خلواته عف السريرة غيبه كالمشهد تفسير : والواقع أن هذه الصفة، وهي خشية الله بالغيب والإيمان بالغيب أساس عمل المسلم كله، ومعاملاته، لأنه بإيمانه بالغيب سيعمل كل خير طمعاً في ثواب الله، كما في مستهل المصحف {أية : الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [البقرة: 1-3] الآية. وبمخافة الله بالغيب سيتجنب كل سوء، فيسلم ويتحصل له ما قال الله تعالى عنهم: {مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}، مغفرة من ذنوب {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} على أعماله، رزقنا الله خشيته في السر والعلن. وليعلم أن المراد بالغيب مما هو من جانب العبد لا سيده، كما في الحديث في الإحسان "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"تفسير : وهذا الإحساس هو أقوى عامل على اكتساب خشية الله سبحانه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يخشون ربهم بالغيب: أي يخافونه وهم غائبون عن أعين الناس فلا يعصونه. لهم مغفرة وأجر كبير: أي لذنوبهم وأجر كبير هو الجنة. ألا يعلم من خلق: أي كيف لا يعلم سركم كما يعلم جهركم وهو الخالق لكم فالخالق يعرف مخلوقه. وهو اللطيف الخبير: أي بعبادة الخبير بهم وبأعمالهم. ذلولاً: أي سهلة للمشي والسير عليها. فامشوا في مناكبها: أي في جوانبها ونواحيها. وإليه النشور: أي إليه وحدة مهمة نشركم أي إحياءكم من قبوركم للحساب والجزاء. معنى الآيات: لما ذكر تعالى جزاء الكافرين وأنه عذاب السعير رغب في الإيمان والطاعة للنجاة من السعير فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ} أي يخافونه وهم لا يرونه، وكذا وهم في غيبة عن الناس فيطيعونه ولا يعصونه هؤلاء لهم مغفرة لما فرط من ذنوبهم وأجر كبير عند ربهم أي الجنة. ولما قال بعض المشركين في مكة لا تجهروا بالقول فيسمعكم إله محمد فيطلعه على قولكم قال تعالى رداً عليهم وتعليما {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ} فإنه يعلم السر وما هو أخفى منه كحديث النفس وخواطرها {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي بما هو مكنون مستور في صدور الناس {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} أي كيف لا يعلم من خلقهم وهو اللطيف بهم الخبير بأحوالهم وأعمالهم. وقوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} أي سهلة فامشوا في مناكبها جوانبها ونواحيها شرقاً وغرباً وكلوا من رزقه الذي خلق لكم، وإليه وحده نشوركم أي إحيائكم وإخراجكم من قبوركم ليحاسبكم ويجزيكم على إيمانكم وطاعتكم بخير الجزاء وهو الجنة ونعيمها، وعلى كفر من كفر منكم وعصى بشر الجزاء وهو النار وعذابها. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضيلة الإِيمان بالغيب ومراقبة الله تعالى في السّرّ والعلن. 2- مشروعية السير في الأرض لطلب الرزق من التجارة والفلاحة وغيرهما. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء.

القطان

تفسير : الغيب: كل ما غاب عنا. بذات الصدور: بما في النفوس والضمائر. اللطيف: الرفيق بعباده. الخبير: العالم بظواهر الاشياء وبواطنها. ذلولا: سهلة منقادة يسهل عليكم السير فيها والانتفاع بها وبما فيها. مناكبها: طرقها ونواحيها. النشور: البعث بعد الموت. الأمن: الاطمئنان وعدم الخوف، وهو اعظم شيء في الوجود. مَن في السماء: يعني ربنا الاعلى. تمور: تهتز وتضطرب. حاصبا: ريحا شديدة فيها حصباء تهلكهم. نذير: هكذا من غير ياء والاصل نذيري، والمعنى إنذاري وتخويفي. نكير: كذلك هي نكيري بياء، عذابي. صافّات: باسطاتٍ أجنحتهنّ في الجوّ أثناء الطيران. ويقبضن: يضممنها تارة اخرى. بعد ان أوعدَ الكفارَ بالعذاب في نارِ جهنم، ووصفَها ذلك الوصفَ المذهل - وعدَ هنا المؤمنين الذين يخشَون ربّهم بالمغفرة والأجرِ الكريم. وهذه طريقةُ القرآن الكريم: الترغيبُ والترهيب، حتى لا يقنَطَ الانسانُ من رحمة ربه. ثم عادَ الى تهديدِ الكافرين، وانه تعالى يعلم السرَّ والجَهْرَ لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، ويعلَم ما توسوسُ نفسُ الانسان. ثم بعدَ ذلك كله قال {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} كي يذكّرنا دائماً بأنه رؤوفٌ بعباده رحيم. ثم عدّد بعضَ ما أنعم علينا، فذكر أنه عبَّدَ لنا هذه الأرضَ وذلّلها، وهيّأها لنا، فيها منافعُ عديدةٌ من زروع وثمارٍ ومعادن، وما اعظمَها من نِعم. ثم قال: {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} تمتعوا بهذهِ النعمِ، ثم إلى ربّكم مرجعُكم يومَ القيامة. ففي الآية الكريمة حثٌّ على العمل والكسب في التجارة والزراعة والصناعة، وجميع انواع العمل، وفي الحديث: ان عمر بن الخطاب مرّ على قوم فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: المتوكّلون، قال: بل أنتم المتواكلون، انما المتوكلُ رجلٌ ألقى حَبَّه في بطن الأرضِ وتوكّل على الله عز وجل. وجاء في الأثر: "حديث : إن الله يحبُّ العبدَ المؤمنَ المحترف ". تفسير : ثم بيّن الله أن الإنسانَ يجب ان يكون دائماً في خوفٍ ورجاءٍ، فذكر انه: هل يأمنون ان يحلَّ بهم في الدنيا مثلُ ما حلّ بالمكذّبين من قبلهم؟ من خسْفٍ عاجلٍ تمورُ به الأرض، او ريحٍ حاصبٍ تُهلك الحرثَ والنسل!؟ ثم ضرب لهم المثلَ بما حلّ بالأمم قبلَهم من ضروب المِحَن والبلاء. {وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ} فأهلكهم وخسَفَ بهم الأرض، وبعضُهم أغرقَهم، وبعضُهم أرسلَ عليهم الريحَ الصرصر.... ثم بعد ذلك وجّه انظارهم الى باهر قدرته، وعظيم منّته على عباده، فطلبَ اليهم ان ينظروا إلى بعض مخلوقاته كالطّير كيف تطير باسطةً أجنحتها في الجو تارةً وتضمّها اخرى، وذلك كلّه بقدرة الله وتعليمه لها ما هي بحاجة اليه. فبعد هذا كله اعتبِروا يا أيها الجاحدون مما قصَصْنا عليكم، فهل أنتم آمنون ان ندبِّر بحكمتنا عذاباً نصبّه ونقضي عليكم فلا يبقى منكم احد!؟

د. أسعد حومد

تفسير : (12) - إِنَّ الذِينَ يَخَافُونَ مَقَامَ رَبِّهِمْ فَيَكُفُّونَ أَنْفُسَهُمْ عَنِ المَعَاصِي، وَيَقُومُونَ بِالطَّاعَاتِ وَهُمْ بَعِيدُونَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ إِذْ لاَ تَرَاهُمْ عَيْنٌ غَيْرُ عَيْنِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعِدُهُمْ بِأَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَبِأَنْ يُجْزِلَ لَهُمْ الثَّوَابَ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ، وَيُدْخِلَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر حالة الأشقياء الفجار، ذكر حالة السعداء الأبرار فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } أي: في جميع أحوالهم، حتى في الحالة التي لا يطلع عليهم فيها إلا الله، فلا يقدمون على معاصيه، ولا يقصرون فيما أمر به { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } لذنوبهم، وإذا غفر الله ذنوبهم؛ وقاهم شرها، ووقاهم عذاب الجحيم، ولهم أجر كبير وهو ما أعده لهم في الجنة، من النعيم المقيم، والملك الكبير، واللذات [المتواصلات]، والمشتهيات، والقصور [والمنازل] العاليات، والحور الحسان، والخدم والولدان. وأعظم من ذلك وأكبر، رضا الرحمن، الذي يحله الله على أهل الجنان.