Verse. 5254 (AR)

٦٧ - ٱلْمُلْك

67 - Al-Mulk (AR)

وَاَسِرُّوْا قَوْلَكُمْ اَوِ اجْہَرُوْا بِہٖ۝۰ۭ اِنَّہٗ عَلِيْمٌۢ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ۝۱۳
Waasirroo qawlakum awi ijharoo bihi innahu AAaleemun bithati alssudoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأسِرّوا» أيها الناس «قولكم أو اجهروا به إنه» تعالى «عليم بذات الصدور» بما فيها فكيف بما نطقتم به، وسبب نزول ذلك أن المشركين قال بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم لا يسمعكم إله محمد.

13

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه وجهان: الوجه الأول: قال ابن عباس كانوا ينالون من رسول الله فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فأنزل الله هذه الآية القول الثاني: أنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحد في علمه تعالى بهذا فاحذروا من المعاصي سراً كما تحترزون عنها جهراً فإنه لا يتفاوت ذلك بالنسبة إلى علم الله تعالى، وكما بين أنه تعالى عالم بالجهر وبالسر بين أنه عالم بخواطر القلوب. ثم إنه تعالى لما ذكر كونه عالماً بالجهر وبالسر وبما في الصدور ذكر الدليل على كونه عالماً بهذه الأشياء فقال:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ} اللفظ لفظ الأمر والمراد به الخبر؛ يعني إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أو جهرتم به فـ {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} يعني بما في القلوب من الخير والشر. ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبيّ صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل عليه السلام؛ فقال بعضهم لبعض: أسِرّوا قولكم كي لا يسمع ربّ محمد؛ فنزلت: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ}. يعني: أسِرُّوا قولكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل في سائر الأقوال. أوِ اجْهَرُوا به، أعلنوه. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} ذات الصدور ما فيها؛ كما يسمَّى ولد المرأة وهو جنين «ذا بطنها». ثم قال: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} يعني ألا يعلم السرّ من خلق السرّ. يقول أنا خلقت السرّ في القلب أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد. وقال أهل المعاني: إن شئت جعلت «من» اسماً للخالق جل وعز ويكون المعنى ألا يعلن الخالق خلقه. وإن شئت جعلته اسماً للمخلوق، والمعنى: ألا يعلم الله مَن خلق. ولا بدّ أن يكون الخالق عالماً بما خلقه وما يخلقه. قال ابن المسّيب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير وقد عَصَفت الريح فوقع في نفس الرجل: أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيْضة بصوت عظيم: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايِنِي: من أسماء صفات الذات ما هو للعلم؛ منها «الْعَلِيمُ» ومعناه تعميم جميع المعلومات. ومنها «الخَبيرُ» ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون. ومنها «الْحَكِيم» ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف. ومنها «الشهيد» ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ومعناه ألا يغيب عنه شيء. ومنها «الحافظ» ويختص بأنه لا ينسى. ومنها «الْمُحصي» ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم؛ مثل ضوء النور واشتداد الريح وتساقط الأوراق؛ فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة. وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق! وقد قال: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَسرُّواْ } أيها الناس {قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ } تعالى {عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بما فيها فكيف بما نطقتم به؟ وسبب نزول ذلك أنّ المشركين قال بعضهم لبعض: أسروا قولكم لا يسمعكم إلٰه محمد.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. خوَّفَهم بِعلْمِه، ونَدَبَهم إلى مراقبته،لأنه يعلم السِّرَّ وأخفى، ويسمع الجَهْرَ والنجوى... ثم قال مُبَيِّناً: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}. وفي كل جُزْءِ مِنْ خَلْقِه - من الأعيانِ والآثارِ - أدِلةٌ على علمه وحكمته.

اسماعيل حقي

تفسير : {واسروا قولكم او اجهروا به} وبنهان سازيد سخن خودرا درشان بيغمبر عليه السلام يا آشكار كنيد مرانرا. قال ابن عباس رضى الله عنهما نزلت فى المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء يعنى درباب حضرت بيغمبر سخنان ناشايسته كفتندى. فيظهر الله رسوله عليها فقال بعضهم لبعض اسروا قولكم كيلا يسمع رب محمد فيخبره بما تقولون فقيل لهم اسروا ذلك او اجهروا به فان الله يعلمه واسرار الاقوال واعلانها مستويان عنده تعالى فى تعلق علمه والامر للتهديد لا للتكليف وتقديم السر على الجهر للايذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرون من اول الامر المبالغة فى بيان شمول علمه المحيط بجميع المعلومات كأن علمه تعالى بما يسر ونه اقدم منه بما يجهرون به مع كونهما فى الحقيقة على السوية فان علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شئ فى نفسه علم بالنسبة اليه تعالى او لان مرتبة السر متقدمة على مرتبة الجهر اذما من شئ يجهر به الا وهو او مباديه مضمر فى القلب يتعلق به الاسرار غالبا فتعلق علمه تعالى بحالته الاولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية {انه عليم بذات الصدور} مبالغ فى الاحاطة بمضمرات جميع الناس واسرارهم الخفية المستكنة فى صدورهم بحيث لا تكاد تفارقها اصلا فكيف يخفى عليه ما تسرونه وتجهرون به ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب التى فى الصدور والمعنى انه عليم بالقلوب واحوالها فلا يخفى عليه سر من اسرارها قال القاشانى انه عليم بذات الصدور لكون تلك السرآئر عين علمه فكيف لا يعلم ضمائرهم من خلقها وسواها وجعلها مرآئى اسراره ولم يقل ذوات الصدور لارادة الجنس وذات هنا تأنيث ذى بمعنى صاحب حذف الموصوف واقيمت الصفة مقامه اى عليم بالمضمرات صاحبةالصدور وهى الخواطر القائمة بالقلب من الدواعى والصوارف الموجودة فيه وجعلت صاحبة الصدور بملازمتها لها وحلولها فيها كما يقال اللبن ذو الاناء ولولد المرأة وهو جنين ذو بطنها.

الجنابذي

تفسير : {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ} عطفٌ على واحد من الجمل السّابقة لكون الانشاء فى معنى الخبر فانّ الامر للتّخيير فهو فى معنى انتم مخيّرون بين الاسرار والاعلان او للتّسوية، والمعنى سواء اسراركم واجهاركم بالقول عنده {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} الّتى هى اخفى من القول الخفىّ، والمراد بذات الصّدور الخطرات والخيالات، او النّيّات والعزمات، او القوى والاستعدادات المكمونات الّتى لا شعور لصاحبى الصّدور بها.

اطفيش

تفسير : {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ} ايها الناس {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} أي يستوي اسراركم واجهاركم عند الله فالامر للتسوية لا على ظاهره ثم علل ذلك الاستواء بقوله {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} قبل التكلم بها.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ } خطاب عام للمكلفين كما في قوله تعالى أولاً{أية : لِيَبْلُوَكُمْ }تفسير : [الملك: 2] عطف على مقدر. قال في «الكشف» أصل الكلام وللذين كفروا منكم أيها المكلفون المبتلون وللذين يخشون منكم فقطع هذا الثاني جواباً عن السؤال الذي يقطر من بيان حال الكافرين مع أن ذكرهم بالعرض وهو ماذا حالُ مَنْ أحسنَ عملاً ومَنْ خرج ممحصاً عند الابتلاء؟ فأجيب بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ } تفسير : [الملك: 12] الخ فأثبت لهم كمال العلم{أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر: 28] وكمال التقوى لقوله تعالى {بِٱلْغَيْبِ} وفي هذا القطع ترشيح للمعنى المرموز إليه في قوله تعالى{أية : أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }تفسير : [الملك: 2] أي ليبلوكم أيكم المتقي تخصيصاً لهم بأنهم المقصودون، ولو عطف لدل على التساوي. ثم قيل فاتقوه في السر والعلن ودوموا أنتم أيها الخاشعون على خشيتكم وأنيبوا إلى الخشية والتقوى أيها المغترون واعتقدوا استواء إسراركم وجهركم في علم ربكم فكونوا على حذر واخشوه حق الخشية فقوله تعالى ذلك عطف على هذا المضمر، وجوز أن يجعل قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ } الخ استطراداً عقيب ذكر الكفار وجزائهم وقوله سبحانه {وَأَسِرُّواْ ... أَوْ ٱجْهَرُواْ} على سبيل الالتفات إلى{أية : أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الملك: 11] لبعد العهد وزيادة الاختصاص عطفاً على قوله تعالى {أية : وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الملك: 6] كأنه قيل وللكافرين بربهم عذاب جهنم ثم قيل من صفتها كيت وكيت، وإسراركم بالقول وجهركم به أيها الكافرون سيان فلا تفوتوننا جهرتم بالكفر والبغضاء أو أبطنتموهما فهو من تتمة الوعيد ثم قال والأول أملأ بالقبول انتهى. ويظهر لي بُعْدُ الأول ويؤيد الثاني ما روي عن ابن عباس أنه قال نزلت {وَأَسِرُّواْ} الخ في المشركين كانوا ينالون من النبـي صلى الله عليه وسلم فيوحى إليه عليه الصلاة والسلام فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم كيلا يسمع رب محمد فقيل لهم أسروا ذلك أو اجهروا به فإن الله تعالى يعلمه. وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر والمبالغة في شمول علمه عز وجل المحيط بجميع المعلومات كأن علمه تعالى بما يسرونه أقدم منه بما يجهرون به مع كونهما في الحقيقة على السوية أو لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة الجهر إذ ما من شيء يجهر به إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب غالباً فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية. وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } تعليل لما قبله وتقرير له. وفي صيغة الفعيل وتحلية (الصدور) بلام الاستغراق ووصف الضمائر بصاحبتها من الجزالة ما لا يخفى، كأنه قيل إنه عز وجل مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكنة في صدورهم / بحيث لا تكاد تفارقها أصلاً فكيف لا يعلم ما تسرونه وتجهرون به. ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب التي في الصدور والمعنى إنه تعالى عليم بالقلوب وأحوالها فلا يخفى عليه سر من أسرارها.

ابن عاشور

تفسير : عطف على الجمل السابقة عطف غرض على غرض، وهو انتقال إلى غرض آخر لِمناسبة حكاية أقوالهم في الآخرة بذكر أقوالهم في الدنيا وهي الأقوال التي كانت تصدر منهم بالنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الله يطلعه على أقوالهم فيخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنكم قلتم كذا وكذا، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمعه رب محمد فأنزل الله {وأسِرُّوا قولكم أو اجهروا به} كذا روي عن ابن عباس. وصيغة الأمر في {وأسروا} و {اجهروا} مستعملة في التسوية كقوله تعالى: {أية : فاصبروا أو لا تصبروا}تفسير : [الطور: 16]، وهذا غالب أحوال صيغة افعل إذا جاءت معها {أو} عاطفة نقيض أحد الفعلين على نقيضه. فقوله: {إنه عليم بذات الصدور} تعليل للتسوية المستفادة من صيغة الأمر بقرينة المقام وسبب النزول، أي فسواء في علم الله الإِسرار والإِجهار لأن علمه محيط بما يختلج في صدور الناس بَلْهَ ما يسرون به من الكلام، ولذلك جيء بوصف عليم إذ العليم من أمثلة المبالغة وهو القويّ علمُه. وضمير {إنه} عائد إلى الله تعالى المعلوم من المقام، ولا معاد في الكلام يعود إليه الضمير، لأن الاسم الذي في جملة {أية : إن الذين يخشون ربهم بالغيب}تفسير : [الملك: 12] لا يكون معاداً لكلام آخر. و (ذات الصدور) مَا يتردد في النفس من الخواطر والتقادير والنوايا على الأعمال. وهو مركب من (ذات) التي هي مؤنث (ذُو) بمعنى صاحب، و {الصدور} بمعنى العقول وشأن (ذُو) أن يضاف إلى ما فيه رفعة. وجملة {ألا يعلم من خلق} استئناف بياني ناشىء عن قوله: {إنه عليم بذات الصدور} بأن يسأل سائل منهم: كيف يعلم ذات الصدور، والمعروف أن ما في نفس المرء لا يعلمه غير نفسه؟ فأجيبوا بإنكار انتفاء علمه تعالى بما في الصدور فإنه خالق أصحاب تلك الصدور، فكما خلقهم وخلق نفوسهم جعل اتصالاً لتعلق علمه بما يختلج فيها وليس ذلك بأعجب من علم أصحاب الصدور بما يدور في خَلدها، فالإِتيان بـ {مَن} الموصولة لإِفادة التعليل بالصلة. فيجوز أن يكون {مَن خَلَق} مفعول {يعلم} فيكون {يعلم} و {خلَق} رافعين ضميرين عائديْن إلى ما عاد إليه ضمير {إنه عليم بذات الصدور}، فيكون {مَن} الموصولة صادقة على المخلوقين وحُذف العائد من الصلة لأنه ضمير نصب يكثر حذفه. والتقدير: من خلقهم. ويجوز أن يكون {من خلق} فاعل {يعلم} والمراد الله تعالى، وحُذف مفعول {يعلم} لدلالة قوله: {وأسروا قولَكم أو اجهروا به}. والتقدير: ألا يعلم خالقكم سركم وجهركم وهو الموصوف بلطيف خبير. والعلم يتعلق بذوات الناس وأحوالهم لأن الخلق إيجاد وإيجاد الذوات على نظام مخصوص دالٌ على إرادة ما أودع فيه من النظام وما ينشأ عن قوى ذلك النظام، فالآية دليل على عموم علمه تعالى ولا دلالة فيها على أنه تعالى خالق أفعال العباد للانفكاك الظاهر بين تعلق العلم وتعلق القدرة. وجملة {وهو اللطيف الخبير} الأحسن أن تجعل عطفاً على جملة {ألا يعلم من خلق} لتفيد تعليماً للناس بأن علم الله محيط بذوات الكائنات وأحوالها فبعد أن أنكر ظنهم انتفاء على الله بما يسرون، أعلمهم أنه يعلم ما هو أعم من ذلك وما هو أخفى من الإِسرار من الأحوال. و {اللطيف}: العالم خبايا الأمور والمدبر لها برفق وحكمة. و {الخبير}: العليم الذي لا تعزب عنه الحوادثُ الخفية التي من شأنها أن يخبر الناس بعضهم بعضاً بحدوثها فلذلك اشتق هذا الوصف من مادة الخبر، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} تفسير : في الأنعام (103) وعند قوله: {أية : إن الله لطيف خبير}تفسير : في سورة لقمان (16).

الشنقيطي

تفسير : فيه دلالة على أن السر والجهر عند الله وفي علم الله على حد سواء، لأنه عليم بذات الصدور يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقوله تعالى: {أية : سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ}تفسير : [الرعد: 10]. وقوله: {أية : وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى}تفسير : [طه: 7]. وتقدم للشيخ عند كل من الآيتين بيان هذه الآية. وقد تقدم قوله تعالى: {أية : قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [المجالة: 1] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}تفسير : [ق: 16] الآية. وتقدم في سورة التحريم قبل هذه السورة مباشرة قوله تعالى: {أية : وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ}تفسير : [التحريم: 3] الآية، ففيه بيان عملي مشاهد بأنه تعالى يعلم السر وأخفى، ولذا قال تعالى هنا {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} [الملك: 14]. كما قال في سورة التحريم: {أية : قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [التحريم: 3]. وقال القرطبي نقلاً عن أبي إسحاق الإسفرائيني: من أسماء صفات الذات ما هو للعلم منها العليم، ومعناه تفهيم جميع المعلومات، ومنها الخبير، ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون، ومنها الحكيم ويختص بأنه يعلم دقائق الأوصاف، ومنها الشهيد ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ومعناه ألا يغيب عنه شيء. ومنها الحافظ ويختص بأنه لا ينسى، ومنها المحصي ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النهار واشتداد الريح وتساقط الأرواق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق وقد قال: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} [الملك: 14]، ومن في قوله تعالى: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} أجازوا فيها أن تكون فاعل يعلم، وهو الله تعالى، أي إن الذي خلق يعلم ما خلق ومنه ما في الصدور. وأجازوا أن تكون مفعولاً والفاعل ضمير مستتر في الفعل يعلم، ذكرهما القرطبي وأبو حيان، وهو واضح ومحتمل. ولكن الذي تشهد له النصوص أنها مفعول كما في قوله: {أية : إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [الشورى: 12]، {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ}تفسير : [غافر: 19]. وقوله: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}تفسير : [الصافات: 96]، ومن أعمالهم ما يسرون، وما يجهرون. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (13) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَعَلاَنِيتَهُمْ، وَسَوَاءٌ أَأَضْمَرُوا شَيئاً فِي أَنْفُسِهِمْ أَو أَعْلَنُوهُ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ، فَعَلَيهِمْ أَنْ يَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لاَ تَخْفَى مِنْهُمْ خَافِيَةٌ عَلَى رَبِّهِمْ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الملك: 13]، إشارة إلى: القوة المنافقة المكذبة؛ يعني: إن كنتم تشكون في أمر الوارد الذي يرد من الحق على اللطيفة، ويقولون: لو أسررنا لا تعرف اللطيفة نجوانا، فأسروا أن الحق {عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الملك: 13]؛ يعني: جميع القوة النفسية والقالبية مربوطة بما أودعناه في سماء الصدر، {أية : لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [سبأ: 3]؛ يعني: الشقائق الأرضية متصلة بالدقائق السماوية، والدقائق السماوية مربوطة بصفاتنا مستجمعة في ذاتنا، فأي شيء يفوت عنا؟ {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14] في السماء والأرض ومافيهما وما بينهما، {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} [الملك: 14]؛ يعني: لا تحجبه كثافة الحجب، خبير بما في الضمائر والصدور، {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} [الملك: 15]؛ يعني: جعل أرض البشرية مسخرة للقوى النفسية مذللة تحتها، {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} [الملك: 15]؛ أي: قواها المعدنية، {وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} [الملك: 15]؛ يعني: من رزق الله الذي أخرج لكم من أرض البشرية من نباتات المعارف الآثارية، {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} [الملك: 15]؛ يعني: إلى الله تنشرون من قبور قالبكم، وسر هذه الآية يثبت في تصعيد اللقمة في فوائد؛ لتفهم كيفية النشور من قبور القالب بعد أكل رزقه. {ءَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ} [الملك: 16]؛ يعني: ما أمنتم من عذاب موكل عليه القوى السماوية بعد كفركم بربكم أن يأمركم أن يخسف بكم الأرض البشرية، {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16]؛ أي: تتحرك عند الخسف بهم حتى تلقيهم إلى أسفل دركات الطبيعة، {أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} [الملك: 17]؛ يعني: أتأمنون الذي جعل القوى العلوية الصدرية حافظات لكم أن يرسلوا عليكم أعمالكم الهودية الصاعدة الموقوفة تحت الصدر؛ لتلوثها وضيائها ودخانها الجامدة مثل الحجارة فيهلككم: {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 17]؛ أي: تعلمون أن الله كيف يرسل النذير بعد معاينتكم العذاب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إخبار من الله بسعة علمه، وشمول لطفه فقال: { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ } أي: كلها سواء لديه، لا يخفى عليه منها خافية، فـ { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما فيها من النيات، والإرادات، فكيف بالأقوال والأفعال، التي تسمع وترى؟! ثم قال -مستدلا بدليل عقلي على علمه-: { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } فمن خلق الخلق وأتقنه وأحسنه، كيف لا يعلمه؟! { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } الذي لطف علمه وخبره، حتى أدرك السرائر والضمائر، والخبايا [والخفايا والغيوب]، وهو الذي {أية : يعلم السر وأخفى } تفسير : ومن معاني اللطيف، أنه الذي يلطف بعبده ووليه، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر، من حيث لا يحتسب، ويرقيه إلى أعلى المراتب، بأسباب لا تكون من [العبد] على بال، حتى إنه يذيقه المكاره، ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة، والمقامات النبيلة.