٦٧ - ٱلْمُلْك
67 - Al-Mulk (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بين بالدلائل كونه عالماً بما يسرون وما يعلنون، ثم ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد، ونظيره من قال لعبده الذي أساء إلى مولاه في السر: يا فلان أنا أعرف سرك وعلانيتك فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك، كل هذا الخير الذي هيأته لك ولا تأمن تأديبي، فإني إن شئت جعلت هذه الدار التي هي منزل أمنك ومركز سلامتك منشأ للآفات التي تتحير فيها ومنبعاً للمحن التي تهلك بسببها، فكذا ههنا، كأنه تعالى قال: أيها الكفار اعلموا أني عالم بسركم وجهركم، فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي، فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها، وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم، أنا الذي ذللتها إليكم وجعلتها سبباً لنفعكم، فامشوا في مناكبها، فإنني إن شئت خسفت بكم هذه الأرض، وأنزلت عليها من السماء أنواع المحن، فهذا هو الوجه في اتصال هذه الآية بما قبلها. المسألة الثانية: الذلول من كل شيء: المنقاد الذي يذل لك، ومصدره الذل، وهو الانقياد واللين، ومنه يقال: دابة ذلول، وفي وصف الأرض بالذلول أقوال: أحدها: أنه تعالى ما جعلها صخرية خشنة بحيث يمتنع المشي عليها، كما يمتنع المشي على وجوه الصخرة الخشنة وثانيها: أنه تعالى جعلها لينة بحيث يمكن حفرها، وبناء الأبنية منها كما يراد، ولو كانت حجرية صلبة لتعذر ذلك وثالثها: أنها لو كانت حجرية، أو كانت مثل الذهب أو الحديد، لكانت تسخن جداً في الصيف، وكانت تبرد جداً في الشتاء، ولكانت الزراعة فيها ممتنعة، والغراسة فيها متعذرة، ولما كانت كفاتاً للأموات والأحياء ورابعها: أنه تعالى سخرها لنا بأن أمسكها في جو الهواء، ولو كانت متحركة على الاستقامة، أو على الاستدارة لم تكن منقادة لنا. المسألة الثالثة: قوله: {فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا } أمر إباحة، وكذا القول في قوله: {وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ }. المسألة الرابعة: ذكروا في مناكب الأرض وجوهاً أحدها: قال صاحب «الكشاف»: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأبعده من إمكان المشي عليه، فإذا صار البعير بحيث يمكن المشي على منكبه، فقد صار نهاية في الانقياد والطاعة، فثبت أن قوله: {فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا } كناية عن كونها نهاية في الذلولية وثانيها: قول قتادة والضحاك وابن عباس: إن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وسميت الجبال مناكب، لأن مناكب الإنسان شاخصة والجبال أيضاً شاخصة، والمعنى أني سهلت عليكم المشي في مناكبها، وهي أبعد أجزائها عن التذليل، فكيف الحال في سائر أجزائها وثالثها: أن مناكبها هي الطرق، والفجاج والأطراف والجوانب وهو قول الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، ورواية عطاء عن ابن عباس، واختيار الفراء، وابن قتيبة قال: مناكبها جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه، وهو كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً * لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } تفسير : [نوح: 19، 20] أما قوله: {وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ } أي مما خلقه الله رزقاً لكم في الأرض: {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ } يعني ينبغي أن يكون مكثكم في الأرض، وأكلكم من رزق الله مكث من يعلم أن مرجعه إلى الله، وأكل من يتيقن أن مصيره إلى الله، والمراد تحذيرهم عن الكفر والمعاصي في السر والجهر، ثم إنه تعالى بين أن بقاءهم مع هذه السلامة في الأرض إنما كان بفضل الله ورحمته، وأنه لو شاء لقلب الأمر عليهم، ولأمطر عليهم من سحاب القهر مطر الآفات. فقال تقريراً لهذا المعنى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} أي سهلة تستقرّون عليها. والذَّلُول المنقاد الذي يَذِلّ لك؛ والمصدر الذُّلِ وهو اللين والانقياد. أي لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغِلظة. وقيل: أي ثبتّها بالجبال لئلا تزول بأهلها؛ ولو كانت تتكفّأ متماثلة لما كانت منقادة لنا. وقيل: أشار إلى التمكن من الزرع والغرس وشق العيون والأنهار وحفر الآبار. {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} هو أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان. وقيل: هو خبر بلفظ الأمر؛ أي لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها وآكامها وجبالها. وقال ابن عباس وقتادة وبشير بن كعب: {فِي مَنَاكِبِهَا} في جبالها. وروِي أن بشير بن كعب كانت له سُرِّية فقال لها: إن أخْبرتني ما مناكب الأرض فأنت حرّة؟ فقالت: مناكبها جبالها. فصارت حرة، فأراد أن يتزوجها فسأل أبا الدرداء فقال: دَع ما يريبك إلى ما لايريبك. مجاهد: في أطرافها. وعنه أيضاً: في طرقها وفجاجها. وقاله السُّدّي والحسن. وقال الكَلْبي: في جوانبها. ومَنْكِبَا الرجل: جانباه. وأصل المَنْكِب الجانب؛ ومنه مَنْكِب الرجل. والريح النكباء. وتَنَكّب فلان عن فلان. يقول: امشوا حيث اردتم فقد جعلتها لكم ذلولاً لا تمتنع. وحكى قتادة عن أبي الجلد: أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ؛ فللسودان اثنا عشر ألفا، وللروم ثمانية الآف، وللفرس ثلاثة الآف، وللعرب ألف. {وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} أي مما أحلّه لكم؛ قاله الحسن. وقيل: مما أتيته لكم. {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} المرجع. وقيل: معناه أن الذي خلق السماء لا تفاوت فيها، والأرضَ ذلولاً قادر على أن ينشركم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً } سهلة للمشي فيها {فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا } جوانبها {وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ } المخلوق لأجلكم {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ } من القبور للجزاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {ذَلُولاً} مذللة سهلة، {مَنَاكِبِهَا} جبالها "ع" أو أطرافها أو طرقها أو منابت أشجارها وزرعها {رِّزْقِهِ} الحلال أو مما أنبته لكم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {مناكبها} قال: جبالها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {مناكبها} قال: أطرافها. وأخرج ابن المنذر عن قتادة أن بشير بن كعب قرأ هذه الآية {فامشوا في مناكبها} فقال لجاريته: إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله، قالت: فإن مناكبها جبالها، فسأل أبا الدرداء رضي الله عنه، فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {مناكبها} قال: أطرافها وفجاجها. وأخرج الخطيب في تاريخه وابن المنذر عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هذه الآية {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون} ". تفسير : وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هاتين الآيتين سبع مرات {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر} [الأنعام: 98] إلى قوله: {يفقهون} {هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع} إلى {تشكرون} فإنه يبرأ بإذن الله تعالى ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان والحكيم الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يحب العبد المؤمن المحترف " تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله يحب العبد محترفاً ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرة قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوم فقال: من أنتم؟ قالوا: المتوكلون، فقال: أنتم المتأكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه. أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {أأمنتم من في السماء} قال: الله تعالى، وفي قوله: {فإذا هي تمور} قال: يمور بعضها فوق بعض واستدارتها، وفي قوله: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات} قال: يبسطن أجنحتهن {ويقبضن} قال: يضربن بأجنحتهن. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: {إلا في غرور} قال: في باطل. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول حسان: شعر : تمنتك الأماني من بعيد وقول الكفر يرجع في غرور تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {بل لجوا في عتو ونفور} قال: في الضلال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {بل لجوا في عتو ونفور} قال: كفور، وفي قوله: {أفمن يمشي مكبّاً على وجهه} قال: في الضلالة {أمَّنْ يمشي سويّاً على صراط مستقيم} قال: على الحق المستقيم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {أفمن يمشي مكبّاً} قال: في الضلال {أمّن يمشي سويّاً} قال: مهتدياً. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {أفمن يمشي مكباً على وجهه} قال: هو الكافر عمل بمعصية الله فحشره الله يوم القيامة على وجهه {أم من يمشي سويّاً على صراط مستقيم} يعني المؤمن عمل بطاعة الله يحشره الله على طاعته وفي قوله: {فلما رأوه} قال: لما رأوا عذاب الله {زلفة سيئت وجوه الذين كفروا} قال: ساءت بما رأت من عذاب الله وهوانه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {فلما رأوه زلفة} قال: قد اقترب. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قرأ {وقيل هذا الذي كنتم به تدعون} مخففة. وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم أنه قرأ {تدعون} مثقلة قال أبو بكر: تفسير تدعون تستعجلون.
ابو السعود
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} لينةً يسهلُ عليكُم السلوكُ فيها، وتقديمُ لكُم على مفعُولَي الجعلِ معَ أنَّ حقَّهُ التأخرُ عنهُما للاهتمامِ بِما قُدمَ والتشويقِ إلى ما أُخرَ فإنَّ ما حقَّه التقديمُ إذا أُخرَ لا سيَّما عند كونِ المقدمِ ممَّا يدلُّ على كونِ المؤخرِ من منافعِ المخاطبـينَ تبقَى النفسُ مترقبةً لورودِهِ فيتمكنُ لديها عندَ ذكرِهِ فضلُ تمكنٍ. والفاءُ في قولِه تعالَى: {فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا} لترتيبِ الأمرِ على الجعلِ المذكورِ أي فاسلكُوا في جوانِبِهَا أو جِبَالِهَا، وهو مَثَلٌ لفرطِ التذليلِ فإن منكبَ البعيرِ أرقُّ أعضائِهِ وأنباها عن أنْ يطأَهُ الراكبُ بقدمِهِ فإذا جُعل الأرضُ في الذُّلِّ بحيثُ يتأتَّى المشيُ في مناكبِهَا لم يبقَ منها شيءٌ لم يتذللْ. {وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ} والتمسُوا من نعمِ الله تعالَى: {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} أي المرجعُ بعدَ البعثِ لا إلى غيرِه فبالِغُوا في شكرِ نعمِهِ وآلائِهِ. {ءَأمِنْتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَاء} أي الملائكةَ الموكلينَ بتدبـيرِ هذا العالمِ، أو الله سبحانَهُ على تأويلِ من في السماءِ أمرُهُ وقضاؤهُ، أو على زعمِ العربِ حيثُ كانُوا يزعمونَ أنَّه تعالَى في السماءِ أي أأمنتُم منْ تزعمُونَ أنَّهُ في السماءِ وهُو متعالٍ عن المكانِ. {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ} بعدَ ما جعلَهَا لكُم ذلولاً تمشون في مناكبِهَا وتأكلونَ من رزقِهِ لكفرانِكُم تلكَ النعمةَ أي يقلبُهَا ملتبسةً بكُم فيغيبكم فيهَا كما فعلَ بقارونَ وهو بدلُ اشتمالٍ مِنْ مَنْ، وقيلَ هو عَلى حذفِ الجارِّ أيْ مِنْ أنْ يخسفَ {فَإِذَا هِىَ تَمُورُ} أي تضطربُ ذهاباً ومجيئاً على خلافِ ما كانَتْ عليهِ من الذُّلِّ والاطمئنانِ {أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى ٱلسَّمَاء} إضرابٌ عن التهديدِ بما ذُكِرَ، وانتقالٌ إلى التهديدِ بوجهٍ آخرَ، أيْ بلْ أأمنتُم مَنْ في السَّماءِ {أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـٰصِباً} أي حجارةً من السماءِ كما أرسلَها على قومِ لوطٍ وأصحابِ الفيلِ، وقيلَ ريحاً فيها حجارةٌ وحصباءُ كأنَّها تقلعُ الحصباءَ لشدَّتِهَا وقوتِهَا وقيلَ هي سحابٌ فيها حجارةٌ {فَسَتَعْلَمُونَ} عن قريبٍ البتةَ {كَيْفَ نَذِيرِ} أي إنذارِي عندَ مُشاهدتِكُم للمنذَرِ بهِ ولكنْ لا ينفعكُم العلمُ حينئذٍ. وقُرِىءَ فسيعلمُونَ بالياءِ {وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبلِ كفارِ مكةَ من كفارِ الأممِ السَّالفةِ كقومِ نوحٍ وعادٍ وأضرابِهِم. والالتفاتُ إلى الغيبةِ لإبرازِ الإعراضِ عنهُم {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي إنكارِي عليهِم بإنزالِ العذابِ أي كانَ على غايةِ الهولِ والفظاعةِ وهذا هو موردُ التأكيدِ القسَمِي لا تكذيبُهُم فقطْ، وفيهِ من المبالغةِ في تسليةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتشديدِ التهديدِ لقومِهِ ما لا يَخْفَى.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} [15] قال: خلق الله تعالى الأنفس ذلولاً، فمن أذلها بمخالفتها فقد نجاها من الفتن والبلايا والمحن، ومن أذلها واتبعها فقد أذلته نفسه وأهلكته.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} [الآية: 15]. قال سهل: خلق الأنفس ذلولا فمن أذلها لمخالفتها فقد نجاها من الفتن والبلاء والمحن ومن لم يذلها واتبعها أذلته نفسه وأهلكته.
القشيري
تفسير : أي إذا أردتم أن تضربوا في الأرضِ سَهَّلَ عليكم ذلك. كذلك جعل النَّفْس ذلولاً؛ فلو طَالَبْتَها بالوفاقِ وَجَدْتَها مُسَاعدةً مُوَافقة، مُتَابِعةً مُسَابِقة... وقد قيل في صفتها: شعر : هـي النَّفْــسُ ما عَـوَّدْتهــا تتعــــودُ وللـــدهرِ أيــامٌ تُــذَمُّ وتُحْـــمَدُ
البقلي
تفسير : قوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} ذلل للارواح ارض القلوب يمشى فى مناكب اسرارها واقطار عقولها وسيل انوارها الى عالم الغيوب فتأكل منها موائد المعارف واثمار الكواشف قال سهل خلق الله الانفس ذلولا فمن اذلها مخالفتها فقد نجاها من الفتن والبلاء والمحن ومن لم يذللها واتبعها اذلته نفسه واهلكته طيور الارواح القدسية التى تطير فى هواء الازل والابد باجنحة الشوق والمحبة باسطات اجنحتهن يبسط الانس قابضة لها برؤية عظمة القدس فهناك محل القبض والبسط ولولا فضله وكرمه لتفنى فى بروز سبحات ذاته وتسقط من هواء هويته الى ارض قهره.
اسماعيل حقي
تفسير : {هو} وحده {الذى جعل لكم} اى لمنافعكم {الارض} اختلفوا فى مبلغ الارض وكميتها فروى عن مكحول انه قال ما بين اقصى الدنيا الى ادناها مسيرة خمسمائة سنة مائتان من ذلك فى البحر ومائتان ليس يسكنها احد وثمانون فيها يأجوج ومأجوج وعشرون فيها سائر الخلق وعن قتادة انه قال الدنيا ان بسيطها من حيث يحيط بها البحر المحيط اربعة وعشرون الف فرسخ فملك السودان منها اثنا عشر الف فرسخ وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ وملك العجم والترك ثلاثة آلاف فرسخ وملك العرب الف فرسخ وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما انه قال ربع من لا يلبس الثياب من السودان اكثر من جميع الناس وقد خرج بطليموس مقدار قطر الارض واستدارتها فى المخطى بالتقريب وهو كتاب له يذكر فيه القواعد التى يتوسل بها فى اثبات الاوضاع الفلكية والارضية بأدلتها التفصيلية قال استدارة الارض مائة الف وثمانون الف اسطاربوس وهى اربعة وعشرون الف ميل فتكون على هذا الحكم ثمانية آلاف فرسخ والفرسخ ثلاثة اميال والميل ثلاثة آلاف ذراع بالمكى والذراع ثلاثة اشبار وكل شبر اثنتان عشرة اصبعا والاصبع خمس شعيرات مضمومات بطون بعضها الى بعض وعرض الشعيرة الواحدة ست شعرات من شعر بغل والاسطاربوس اربعمائة الف ذراع قال وغلظ الارض وهو قطرها سبعة آلاف وستمائة وثلاثون ميلا يكون الفين وخمسمائة فرسخ وخمسة واربعين فرسخا وثلثى فرسخ قال فبسيط الارض كلها مائة واثنان وثلاثون الف الف وستمائة الف ميل فيكون مائتى الف وثمانية آلاف فرسخ قال صاحب الخريدة فان كان ذلك حقا فهو وحى من الحق او الهام وان كان قياسا واستدلالا فهو قريب ايضا من الحق واما قول قتادة ومكحول فلا يوجب العلم اليقينى الذى يقطع على الغيب به انتهى {ذلولا} اى لينة منقادة غاية الانقياد لما تفهمه صيغة المبالغة يسهل عليكم السلوك فيها لتتوصلوا الى ما ينفعكم وبالفارسية نرم ومنقادتا آسان باشد سيرشما بران. ولو جعلها صخرة خشنة تعسر المشى عليها او جعلها لينة منبتة يمكن فيها حفر الآبار وشق العيون والانهار وبناء الابنية وزرع الحبوب وغرس الاشجار ولو كانت صخرة صلبة لتعذر ذلك ولكانت حارة فى الصيف جدا وباردة فى الشتاء فلا تكون كفاتا للاحياء والاموات وايضا ثبتها بالجبال الراسيات كيلا تتمايل وتنقل بأهلها ولو كانت مضطربة متمايلة لما كانت منقادة لنا فكانت على صورة الانسان الكامل فى سكوتها وسكونها وكانت هى وحقائقها فى مقابلة القلم الأعلى والملائكة المهيمة والحاصل ان الله تعالى جعل الارض بحيث ينتفع بها وقسمها الى سهول وجبال وبرارى وبحار وانهار وعيون وملح وعذب وزرع وشجر وتراب وحجر ورمال ومدر وذات سباع وحيات وفارغة وغير ذلك بحكمته وقدرته قال سهل قدس سره خلق الله الأنفس ذلولا فمن اذلها بمخالفتها فقد نجاها من الفتن والبلاء والمحن ومن لم يذلها واتبعها اذلته نفسه واهلكته يقال دابة ذلول بينة الذل او هو بالكسر اللين والانقياد وهو ضد الصعوبة فالذلول من كل شئ المنقاد الذى يذل لك وبالضم الهوان ضد العز قال الراغب الذل ما كان عن قهر يقال ذل يذل ذلا والذل ما كان بعد تصعب وشماس من غير قهر يقال ذل يذل ذلا وجعلها البيقهى فى تاج المصادر من الباب الثانى حيث قال فى ذلك الكتاب والباب الذل خورشدن والذل رام شدن. وكذا فى مختار الصحاح وجعل صاحب القاموس الذل ضد الصعوبة بالضم والكسر والذل بمعنى الهوان بالضم فقط والذلول فعول بمعنى الفاعل ولذا عرى عن علامة التأنيث مع ان الارض مؤنث سماعى {فامشوا فى مناكبها} الفاء لترتيب الامر على الجعل المذكور وهو أمر اباحة عند بعض اى فاسلكوا فى جوانبها وخبر فى صورة الامرعند آخرين اى تمشون فى اطرافها من حيث اى منكبى الرجل جانباه فشبه الجوانب بالمناكب واذا مشوا وساروا فى جوانبها واطرافها فقد احاطوا بها وحصل لهم الانتفاع بجميع ما فيها قال الراغب المنكب مجتمع ما يبن العضد والكتف ومنه استعير للارض فى قوله فامشوا فى مناكبها كاستعارة الظهر لها فى قوله ما ترك على ظهرها انتهى او فى جبالها وشبهت بالمناكب من حيث الارتفاع وكان لبشر بن كعب سرية فقال لها ان اخبرتنى ما مناكب الارض فأنت حرة فقالت مناكبها جبالها فصارت حرة فأراد أن يتزوجها فسال ابا الدردآء رضى الله عنه فقال دع ما يريبك الى ما لا يريبك وهو مثل لفظ التذليل ومجاوزته الغاية اى تذليل البعير لا مطلقا كما فى حواشى سعدى المفتى فان منكب البعير ارق اعضائه وانباها عن أن يطاها الراكب بقدمه فاذا جعل الارض فى الذل بحيث يتأتى ا لمشى فى مناكبها لم يبق منها شئ لم يتذلل فخرج الجواب عن وجه تخصيص المشى فى الجبال على تقدير أن يراد بالمناكب الجبال لكن من الجبال ما يتعذر سلوكها كجبل السد بيننا وبين يأجوج ومأجوج ورد فى الحديث انه تزالق عليه الارجل ولا تثبت ومنها ما يشق سلوكها وانما لم تعتبر لندرتها وقلتها وفى التأويلات النجمية هو الذى جعل لكم ارض البشرية ذلولا منقادة فخذوا من ارضها بقدر الحاجة من اعاليها واسافلها من اللذات الجسمانية المباحة لكم بحكم الشرع لتقوية ابدانكم وتهيئة اسباب طاعاتكم وعباداتكم لئلا تضعف بالكلية وتكل عن العبادة {وكلوا من رزقه} والتسموا من نعم الله تعالى فيها من الحبوب والفواكه ونحوها والامر ان كان امر اباحة فالرزق ما يكون حلالا وان كان خبرا فى صورة الامر بمعنى تأكلون فيجوز أن يكون شاملا للحرام ايضا فانه من رزقه ايضا وان كان التناول منه حراما {واليه} اى الله وحده {النشور} اى لامرجع بعد البعث فبالغوا فى شكر نعمه يقال نشر الله الميت نشرا احياه بعد موته ونشر الميت بنفسه نشورا فهو يتعدى ولا يتعدى كرجعه رجعا ورجع بنفسه رجوعا الا ان الميت لا يحيى بنفسه بدون احياء الله اذ هو محال.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {هو الذي جعل لكم الأرضَ ذلولا}؛ مذلّلة ليّنة يسهل عليكم سلوكها. وتقديم (لكم) على مفعول الجعل؛ للاهتمام والتشويق، {فامشُوا في مناكبها}؛ جوانبها، وهو تمثيل لفرط التذلُّل، فإنَّ منكب البعير أرقّ أعضائه وأصعبها على أن يطأها الراكب بقدميه، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يتأتى المشي في مناكبها لم يبقَ منها شد لم يتذلّل، {وكُلوا من رزقه} أي: والتمسوا من رزق الله في سلوكها، أو إذا تعذّر العيش في أرضٍ فامشوا في مناكبها إلى أرض أخرى، كما قال الشاعر: شعر : يا نفس مالكِ تهوي الإقامةَ في أرض تعيش بين من ناواكِ بها أما سمعتِ وعجز المرء منقصَةٌ في محكم الوحي: فامشوا في مناكبها تفسير : أو: كُلوا من رزق الله الخارج منها، {وإِليه النُشورُ} أي: الرجوع بالبعث، فتُسألون عن شكر هذه النعم. ثم هدَّد مَن لم يشكر فقال: {أأمِنْتُم مَن في السماء} من ملكوته وأسرار ذاته، وعبّر بها؛ لأنها منزل قضاياه، وتدبيراته ووحيه، ومسكن ملائكته وأوامره ونواهيه، فكل ما يظهر في الأرض إنما يقضي به في السماء، وحينئذ يبرز، فكأنه قال: أأمِنتم خالق السموات؟ وقال اللجائي: كل شيء علا فهو سماء، وسماء البيت: سقفه، وليس المقصود في الآية سماء الدنيا؛ ولا غيرها من السبع الطباق، وإنما المعنى: أأمِنتم مَن في العلو، وهو علو الجلال، وليس كون الله في سماء الحوادث من صفات الكمال، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً. هـ. وسيأتي في الإشارة تحقيقة عند أهل التوحيد. أي: أأمِنتم مَن في السماء أسرار ذاته {أن يخسف بكم الأرضَ} كما خسف بقارون بعد ما جَعلها لكم ذلولاً تمشون في مناكبها، وتأكلون من رزقه فيها، بحيث كفرتم تلك النعمة، فقلبها لكم {فإِذا هي تمورُ}؛ تضطرب وتتحرّك. {أم أَمِنْتُم مَن في السماء أن يُرسل عليكم حاصباً}؛ حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، أو: ريحاً فيها حجارة. و "أن": بدل اشتمال في الموضعين. {فستعلمون} عن قريب {كيف نذيرٍ} أي: إنذاري عن مشاهدتكم للمنذَر به، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذٍ. {ولقد كذَّب الذين مِن قبلهم}؛ من قبل كفار مكة، من كفار الأمم السابقة، كقوم نوح وعاد وأضرابهم، والالتفات إلى الغيبة؛ لإبراز كمال الإعراض عنهم، {فكيف كان نكير}؛ إنكاري عليهم، بإنزال العذاب، أي: كان على غاية الهول والفظاعة، وهذا هو مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم فقط، وفيه من المبالغة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتشديد التهويل ما لا يخفى. والله تعالى أعلم. الإشارة: هو الذي جعل لكم أرض البشرية مذلّلة للعبودية، والقيام بآداب الربوبية، فامشوا في مناكبها؛ فسيحوا بقلوبكم في جوانبها، تفكُّراً واعتباراً لِما فيهم من عجائب الإتقان، وبدائع الحِكم، فقد جمعت أسرار الوجود بأسره، وكُلوا من رزقه مما اكتسبه القلب بالنظر والتفكُّر، من قوة الإيمان، وهو قوت القلوب، وشهود الحق فيها، وهو قوت الأرواح والأسرار، وإليه النُشور ببعث الأرواح من موت الغفلة والجهل، إلى حياة اليقظة والمعرفة، أأمِنتم مَن في السماء أن يخسف بكم الأرض، أي: إذا أسأتم معه الأدب. واعلم أن ذات الحق ـ جلّ جلاله ـ عمّت الوجود، فليست محصورة في مكان ولا زمان، {فأينما تُولوا فَثَمّ وجه الله}، فأسرار ذاته ـ تعالى ـ سارية في كل شيء، قائمة بكل شيء، كما تقدّم، فهو موجود في كل شيء، لا يخلو منه شيء، أسرار المعاني قائمة بالأواني، وإنما خصّ الحق ـ تعالى ـ السماء بالذكر؛ لأنها مرتفعة معظّمة، فناسب ذكر العظيم فيها، وعلى هذا تُحمل الأحاديث والآيات الواردة على هذا المنوال. وليس هنا حلول ولا اتحاد؛ إذ ليس في الوجود إلاّ تجليات الحق ومظاهر ذاته وصفاته، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه، فما مثال الكون إلا كجبريل حين يتطوّر على صورة دحية، غير أنَّ رداء الكبرياء منشور على وجه ذاته وأسرار معانيه، وهو ما ظهر من حسن الكائنات، وما تلوّنت به الخمرة من أوصاف العبوية. ولا يفهم هذا إلاَّ أهل الذوق السليم. وبالله التوفيق. ثم تممَ بيان المُلك الذي بيده؛ بإمساك الطير في جو الهواء، وبالنصر لمَن لاَذ به على الأعداء، وبإتيان الرزق من غيب السماء، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ}.
الجنابذي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} مستأنف جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ {فَٱمْشُواْ} اى اذ كانت ذلولاً فامشوا {فِي مَنَاكِبِهَا} اى فى نواحيها {وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} فاحذروا كفران نعمه ومخالفة امره.
اطفيش
تفسير : {هَوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً} صفة مبالغة في الذل أي سهلة المشي فيها منقادة {فَامْشُوا فِى مَنَاكِبهَا} أي اطرافها وقال الحسن: طرقها وكذا مجاهد وقيل: جبالها وهذا توكيد للذل وتمثيل للغاية فيه فان منكب البعير يبعد عن ان يطأه الراكب وهو يمشي على منكبيها أي ذليلة غاية الذلة والامر للاباحة اباحة المشي في هذه الارض التي هي ذلول حتى انه يمشي في جبالها. {وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} التمسوا من نعمه {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} من القبور للجزاء قال الغزالي: جعل الله الارض ذلولا لعباده ليستقروا في مناكبها بل ليتخذوها منزلا فيتزودوا منها متحرزين من مصائدها ومعاطبها ويتحققون لأن العمر ليسير بهم سير السفينة براكبها فالناس سفر واول منازلهم المهد واخرها اللحد والوطن الجنة أو النار والعمر مسافة السفر فسنوه مراحله وشهوره فراسخه وايامه امياله وانفاسه خطواته واطاعته بضاعته والأوقات رؤوس أمواله وشهواته واغراضه قطاع طريقه وربحه الفوز بلقاء الله عز وجل في دار السلام مع الملك الكبير والنعيم المقيم وخسرانه البغض من الله مع الاتكال والاغلال والعذاب الاليم في دركات الجحيم فالغافل عن نفس واحدة من انفاسه حتى ينقضي في غير طاعة تقربه الى الله زلفى متعرض في يوم التغابين لغيبنة وحسرة ما لها منتهى ولهذا الخطر العظيم والخطب الهائل شمر الموفقون عن ساق الجد ودعوا بالكلية ملاذ النفس واغتنموا بقايا العمر بالطاعة بحسب تكرر الاوقات انتهى. قال ابو مدين عمرك: نفس واحد فاحرص ان يكون لك لا عليك.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْض ذَلُولاً} صفة مبالغة من اللازم كالضروب من المتعدى وهو يكون بلا تاء مع المؤنث بمعنى عظيمة الذل بضم الذال ضد الصعوبة يسهل عليكم جدا السلوك فيها، والذل يكون للحيوان لا للجماد ولكن شبهها بما ذل حتى لا يرد عن نفسه مضرة ورمز إِليه بلازمه فهو تبع للمكنية باق على معناه أو استعارة على طريق التخييلية أو إِثباته أو استعارة لشئ هو للأَرض شبيه به وهو عدم ردها على من مشى فيها، أو بمعنى عظيمة الذل بكسر الذال وهو سهولة الانقياد وعليه فذلول يجوز أن يكون استعارة من دابة ذلول أو تشبيها ولكم متعلق بجعل بمعنى أثبت أو خلق، وذلولاً حال وعلى أنه من باب ظن يكون ذلولاً مفعولاً ثانياً، وعلى كل حال تقديمه على ما بعده آت على الأَصل وليس حقه التأْخير عن المفعولين كما قيل فضلا عن أن يقال قدم على طريق الاهتمام بالإِثبات للمخاطبين وبهم والتشويق إِلى ما بعده فيخبرهم به وقد استعدوا له فيتمكن دخوله فى قلوبهم، نعم ذلك صحيح إِن علق بذلولاً وليس بلازم ولا هو الأَصل {فَامْشُوا} لمصالحكم أمر إِباحة، وقيل طلب السعى للأُمور المباحة والعبادة. {فِي مَنَاكِبِهَا} لا تتعطلوا عن المشى لذلها أو لذلها فالفاء للسببية والمنكب مجتمع ما بين العضد والكتف، وليس لها عضد ولا كتف فذلك ثبات لغاية التذلل لأَنه من أباعد ما يطأَ من الإِنسان بالقدم، وقيل هو ارق شئ فى البعير وابعد عن أن يطأَ بالقدم وهو غير مسلم. وعن ابن عباس مناكبها جبالها، ويجوز أن يكون المنكب ظاهرها. وعن الحسن طرفها على الاستعارة التصريحية وهى من لازم ما شبهت به الأَرض على الاستعارة المكنية وهو البعير والمشبه به غير مذكور كما هو شأْن المكنية وليس ذلولا صريحاً فيه بل أُريد به الأَرض، ولعل اختصاص المناكب بالذكر لكون الراكب كثيراً ما يركب من جهة العنق التالية للمنكب. وزعم بعض أن الأَرض أربعة وعشرون ألف فرسخ للسودان اثنا عشر ألفاً وللروم ثمانية آلاف وللفرس ثلاثة آلاف والباقى للإِسلام. وهذا فى زمان المأمون بن هارون الرشيد، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل اثنا عشر ألف ذراع، والذراع ثلاثة وثلاثون إِصبعاً، وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه عن النبى - صلى الله عليه وسلم - "حديث : الدنيا خمسمائة عام، ثلاثمائة عام بحار، ومائة عمران، ومائة خراب، ويقال وسط الأَرض مكة لو بسط خيط إِلى الجهات منها لتساوت إِليها"تفسير : . وصححها بعض، وقيل وسطها وادى سرنديب حيث نزل آدم من الجنة لاستواء الليل والنهار فيه {وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} انتفعوا برزقه فاستعمل الخاص فى العام لحكمة أن المقصد الأَعظم الأَهم هو الأَكل وهذا أولى من إِبقائه على ظاهره وتقدير عام أى كلوا من رزقه، وانتفعوا به. ويجوز أن يكون كلوا بمعنى اكتسبوا لعلاقة أن الاكتساب سبب وملزوم للأَكل فى البطن وللانتفاع المطلق أو للانتفاع المطلق المعبر عنه بالأَكل مجازاً مبنياً على مجاز أُريد بالأَكل الكسب وبالكسب الانتفاع، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : إنَّ الله يحب العبد المؤمن المحترف تفسير : والاحتراف لا ينافى التوكل. مر عمر رضى الله عنه بقوم فقال: من أنتم؟ فقالوا: المتوكلون. فقال: بلى. المتأَكلون. المتوكل الرجل ألقى حبه فى الأَرض وتوكل على الله وإِذا فسر الأَكل بالكسب فالأَمر فى الآية طلب على ظاهره، وإِذا فسر بالأَكل أو الانتفاع فللإباحة. {وَإِلَيْهِ} لا إِلى غيره. {النُّشُورُ} بالبعث جزاء على شكر النعم وعلى كفرها فخذوا من الدنيا ما ينفعكم فى الأُخرى، والجملة معطوفة على إِحدى الجملتين قبلها عطف اسمية خبرية على فعلية طلبية أو على جعل لكم الأَرض ذلولاً، أى وإِليه النشور لنتيجة جعل لكم الأَرض ذلولا وتصرفكم فيها. قيل أو حال من واو كلوا مقدرة، أى معتقدين أنكم تنشرون.
الالوسي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً } غير صعبة يسهل جداً عليكم السلوك فيها، فهو فعول للمبالغة في الذل من ذل بالضم ويكسر ضد الصعوبة، ويستعمل المضموم فيما يقابل العز كما يقتضيه كلام «القاموس». وقال ابن عطية الذلول فعول بمعنى مفعول أي مذلولة كركوب وحلوب انتهى وتعقب بأن فعله قاصر وإنما يعدى بالهمزة أو التضعيف فلا يكون بمعنى المفعول. واستظهر أن مذلولة خطأ وقال بعضهم يقولون للدابة إذا كانت منقادة غير صعبة ذلول من الذل بالكسر وهو سهولة الانقياد وفي الكلام استعارة وقيل تشبيه بليغ. وتقديم {لَكُمُ} على مفعولي الجعل مع أن حقه التأخر عنهما للاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما أخر فإن ما حقه التقديم إذا أخر لا سيما عند كون المقدم مما يدل على كون المؤخر من منافع المخاطبين تبقى النفس مترقبة لوروده فيتمكن لديها عند ذكره فضل تمكن. والفاء في قوله تعالى: {فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا } لترتيب الأمر على الجعل المذكور، وزعم بعضهم أنها فصيحة. والمراد بمناكبها على ما روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما جبالها، وقال الحسن طرقها وفجاجها. وأصل المنكب مجتمع ما بين العضد والكتف واستعماله فيما ذكر على سبيل الاستعارة التصريحية التحقيقية وهي قرينة المكنية في الأرض حيث شبهت بالبعير كما ذكره الخفاجي ثم قال فإن قلت كيف تكون مكنية وقد ذكر طرفها الآخر في قوله تعالى: {ذَلُولاً } قلت هو بتقدير أرضاً ذلولاً فالمذكور جنس الأرض المطلق والمشبه هو / الفرد الخارجي وهو غير مذكور فيجوز كون ذلولاً استعارة والمكنية حينئذٍ هي مدلول الضمير لا المصرح بها في النظم الكريم والمانع من الاستعارة ذكر المشبه بعينه لا بما يصدق عليه فتأمل ولا تغفل. وفي «الكشاف» ((المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير وأنباه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه لم يترك بقية من التذليل))، والمراد إنه ليس هنا أمر بالمشي حقيقة وإنما القصد به إلى جعله مثلاً لفرط التذليل سواء كانت المناكب مفسرة بالجبال أو غيرها وسواء كان ما قبل استعارة أو تشبيهاً. {وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ } انتفعوا بما أنعم جل شأنه وكثيراً ما يعبر عن وجوه الانتفاع بالأكل لأنه الأهم الأعم. وفي «أنوار التنزيل» أي التمسوا من نعم الله سبحانه وتعالى، على أن الأكل مجاز عن الالتماس من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم قيل وهو المناسب لقوله تعالى {ٱمْشُواْ} وجوز بعض إبقاءه على ظاهره على أن ذلك من قبيل الاكتفاء وليس بذاك. واستدل بالآية على ندب التسبب والكسب وفي الحديث «إن الله تعالى يحب العبد المؤمن المحترف» وهذا لا ينافي التوكل بل أخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرة قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بقوم فقال: من أنتم فقالوا: المتوكلون قال: أنتم المتأكلون إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه عز وجل. وتمام الكلام في هذا الفصل في محله. والمشهور أن الأمر في الموضعين للإباحة، وجوز كونه لمطلق الطلب لأن من المشي وما عطف عليه ما هو واجب كما لا يخفى. {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ } أي المرجع بعد البعث لا إلى غيره عز وجل، فبالغوا في شكر نعمه التي منها تذليل الأرض وتمكينكم منها وبث الرزق فيها. ومما يقضي منه العجب جواز عود ضمير {رّزْقِهِ} على {ٱلأَرْضَ} باعتبار أنها مبدأ أو عنصر من العناصر أو ذلول وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث، والإضافة لأدنى ملابسة أي من الرزق الذي خلق عليها وكذا ضمير {إِلَيْهِ } أي وإلى الأرض نشوركم ورجوعكم فتخرجون من بيوتكم وقصوركم إلى قبوركم. وجملة {إليه النشور} قيل عطف على الصلة بعد ملاحظة ما ترتب عليها وقيل حال مقدرة من ضمير المخاطبين المرفوع فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : استئناف فيه عود إلى الاستدلال، وإدماج للامتنان، فإن خلق الأرض التي تحوي الناس على وجهها أدل على قدرة الله تعالى وعلمه من خلق الإِنسان إذ ما الإِنسان إلاّ جزء من الأرض أو كجزء منها قال تعالى: {أية : منها خلقناكم}تفسير : [طه: 55]، فلما ضَرب لهم بخلق أنفسهم دليلاً على علمه الدال على وحدانيته شفَّعه بدليل خلق الأرض التي هم عليها، مع المنة بأنه خلقها هيّنة لهم صالحة للسير فيها مخرِجة لأرزاقهم، وذُيّل ذلك بأن النشور منها وأن النشور إليه لا إلى غيره. والذَّلول من الدواب المنقادة المطاوعة، مشتق من الذل وهو الهوان والانقياد، فَعول بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث، وتقدم في قوله تعالى: {أية : إنها بقرة لا ذلول}تفسير : الآية في سورة البقرة (71)، فاستعير الذلول للأرض في تذليل الانتفاع بها مع صلابة خلقتها تشبيهاً بالدابة المسوسة المرتاضة بعد الصعوبة على طريقة المصرحة. والمناكب: تخييل للاستعارة لزيادة بيان تسخير الأرض للناس فإن المنكب هو ملتقى الكتف مع العضد، جعل المناكب استعارة لأطراف الأرض أو لسعتها. وفُرع على هذه الاستعارة الأمر في {فامشوا في مناكبها} فصيغة الأمر مستعملة في معنى الإِدامة تذكيراً بما سخّر الله لهم من المشي في الأرض امتناناً بذلك. ومناسبة {وكلوا من رزقه} أن الرزق من الأرض. والأمر مستعمل في الإِدامة أيضاً للامتنان، وبذلك تمت استعارة الذلول للأرض لأن فائدة تذليل الذلول ركوبها والأكل منها. فالمشي على الأرض شبيه بركوب الذلول، والأكلُ مما تنبته الأرض شبيه بأكل الألبان والسمن وأكل العجول والخرفان ونحو ذلك. وجمع المناكب تجريد للاستعارة لأن الذلول لها منكبان والأرض ذات متسعات كثيرة. وكل هذا تذكير بشواهد الربوبية والإِنعام ليتدبروا فيتركوا العناد، قال تعالى: {أية : كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون}تفسير : [النحل: 81]. وأما عطف {وإليه النشور} فهو تتميم وزيادة عبر استطرون لمناسبة ذكر الأرض فإنها مثوى الناس بعد الموت. والمعنى: إليه النشور منها، وذلك يقتضي حذفاً، أي وفيها تعودون. وتعريف {النشور} تعريف الجنس فيعم أي كل نشور، ومنه نشور المخاطبين فكان قوله: {وإليه النشور} بمنزلة التذييل. والقصر المستفاد من تعريف جزأي {هو الذي جعل لكم الأرض} قصر قلب بتنزيل المخاطبين منزلة من يعتقد أن الأصنام خلقت الأرض لأن اعتقادهم إلٰهيتها يقتضي إلزامهم بهذا الظن الفاسد وإن لم يقولوه. وتقديم المجرور في جملة {وإليه النشور} للاهتمام. ومناسبة ذكر النشور هو ذكر خلق الأرض فإن البعث يكون من الأرض.
الشنقيطي
تفسير : الذلول فعول بمعنى مفعول، وهو مبالغة في الذل. تقول: دابة ذلول بينة الذل، وقيل في معنى تذليل الأرض عدة أقوال لا تنافي بينها، ومجموعها دائر على تمكين الانتفاع منها عن تسهيل الاستقرار عليها وتثبيتها بالجبال، كقوله تعالى: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [النازعات: 32-33]. ومن إمكان الزرع فيها كقوله: {أية : فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [عبس: 27-32]، وقد جمع أكثرها في قوله: تعالى: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْوَاتاً وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً}تفسير : [المرسلات: 25-27]. وكنت أسمع الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في هذه الآية: إنها من تسخير الله تعالى للأرض أن جعلها كفاتاً للإنسان في حياته بتسهيل معيشته منها وحياته على ظهرها، فإذا مات كانت له أيضاً كفاتاً بدفنه فيها. ويقول: لو شاء الله لجعلها حديداً ونحاساً فلا يستطيع الإنسان أن يحرث فيها ولا يحفر ولا يبني، وإذا مات لا يجد مدفناً فيها. ومما يشير إلى هذه المعاني كلها قوله تعالى: {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} لترتبه على ما قبله بالفاء، أي بسبب تذليلها بتيسير المشي في أرجائها، وطلب الرزق في أنحائها بالتسبب فيها من زراعة وصناعة وتجارة إلخ. والأمر في قوله تعالى: {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} للإباحة. ولكن التقديم لهذا الأمر بقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} فيه امتنان من الله تعالى على خلقه مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيهاً وحثاً للأمة على السعي والعمل والجد، والمشي في مناكب الأرض من كل جانب لتسخيرها وتذليلها، مما يجعل الأمة أحق بها من غيرها. كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}تفسير : [الحج: 65]. وفي قوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}تفسير : [الجاثية: 13] وغير ذلك من الآيات. ومن رأى هذا التسخير اعترف لله بالفضل والقيام لله بالحمد، وتقديم الشكر كما قال تعالى: {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [الحج: 36]. وقوله: {أية : وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}تفسير : [الزخرف: 12-14]. أي مع شكر النعمة الاتعاظ والعبرة والاستدلال على كمال القدرة. ومنها المعاد والمنقلب إلى الله تعالى، فقوله: {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} بعد المشي في مناكب الأرض وتطلب الرزق وما يتضمن من النظر والتأمل في مسببات الأسباب وتسخير الله لها، كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}تفسير : [الزخرف: 14] بعد ذكر {أية : خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا}تفسير : [الزخرف: 12] أي الأصناف وتسخير الفلك والأنعام والبحر والبر فيه ضمناً إثبات القدرة على البعث، فيكون المشي في مناكب الأرض واستخدام مناكبها واستغلال ثرواتها والانتفاع من خيراتها لا لطلب الرزق وحده، وإلا لكان يمكن سوقه إليهم، ولكن للأخذ بالأسباب أولاً، وللنظر في المسببات والعبرة بالمخلوقات والتزود لما بعد الممات، كما في آية الجمعة: {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}تفسير : [الجمعة: 10]. أي عند مشاهدة آيات قدرته وعظيم امتنانه. وعليه، فقد وضع القرآن الأمة الإسلامية في أعز مواضع الغنى، والاستغناء والاستثمار والإنتاج، فما نقص عليها من أمور دنياها إلا بقدر ما قصرت هي في القيام بهذا العمل وأضاعت من حقها في هذا الوجود. وقد قال النووي في مقدمة المجموع: إن على الأمة الإسلامية أن تعمل على استثمار وإنتاج كل حاجياتها حتى الإبرة لتستغني عن غيرها، وإلا احتاجت إلى الغير بقدر ما قصرت في الإنتاج، وهذا هو واقع العالم اليوم، إذ القدرة الإنتاجية هي المتحكمة وذات السيادة الدولية. وقد أعطى الله العالم الإسلامي الأولوية في هذا كله، فعليهم أن يحتلوا مكانهم ويحافظوا على مكانتهم ويشيدوا كيانهم بالدين والدنيا معاً. وبالله التوفيق.
د. أسعد حومد
تفسير : (15) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي سَخَّرَ الأَرْضَ لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَهَا مُذَلَّلَةً سَاكِنَةً، وَأَرْسَاهَا بِالجِبَالِ لِكَيْلاَ تَضْطَرِبِ وَتَمِيدَ بِمَنْ عَلَيهَا مِنَ الخَلاَئِقِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا المِيَاهَ، وَسَلَكَهَا فِي الأَرْضِ جَدَاوِلَ وَأَنْهَاراً، لِيَنْتَفِعَ بِهَا الخَلْقُ فِي الشُّرْبِ، وَفِي رَيِّ زُرُوعِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ، وَجَعَلَ فِي الأَرْضِ سُبُلاً، فَسَافِرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ فِي أَرْجَائِهَا حَيْثُ شِئْتُمُ، وَتَرَدَّدُوا فِي أَرْجَائِهَا وَأَقَالِيمِهَا طَلَباً لِلرِّزْقِ وَالتِّجَارَةِ، وَكُلُوا مِمَّا أَخْرَجَهُ لَكُمْ مِنْهَا مِنَ الرِّزْقِ، وَإِلَى اللهِ مَرْجِعُ الأَمْرِ، وَإِليهِ يَصِيرُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ جَمِيعاً. والمَخْلُوقَاتُ تَسْعَى فِي الرِّزْقِ وَفْقَ الأَسْبَابِ اللاَزِمَةِ لَهُ وَلَكِنَّ سَعْيَهَا وَحْدَهُ لاَ يَكْفِي، وَلاَ يُجْدِي عَلَيْهَا نفعاً إِلاَّ أَنْ يُيَسِّرَهُ اللهُ لَهَا، فَالسَّعْيُ فِي السَّببِ لاَ يُنَافِي التَّوَكُلَ. المَنَاكِبُ - الأَطَرَافُ وَالفِجَاجُ. ذَلُولاً - مُذَلَّلَةً لَيِّنَةً، لِيَسْتَقِرَّ عَلَيْهَا النَّاسُ. إِليهِ النُّشُورُ - تُبَعَثُونَ إِليهِ مِنَ القُبُورِ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} [الآية: 15]. يعني: في أَطرافها وفجاجها. /83 و/ أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} [الآية: 19]. قال: الصافات، بسط أَجنحتهن وتلذعهن وقبضهن.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَنَاكِبِهَا} معناه في جوانِبِهَا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: هو الذي سخر لكم الأرض وذللها، لتدركوا منها كل ما تعلقت به حاجتكم، من غرس وبناء وحرث، وطرق يتوصل بها إلى الأقطار النائية والبلدان الشاسعة، { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا } أي: لطلب الرزق والمكاسب. { وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } أي: بعد أن تنتقلوا من هذه الدار التي جعلها الله امتحانًا، وبلغة يتبلغ بها إلى الدار الآخرة، تبعثون بعد موتكم، وتحشرون إلى الله، ليجازيكم بأعمالكم الحسنة والسيئة.
همام الصنعاني
تفسير : 3267- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَنَاكِبِهَا}: [الآية: 15]، قال: في جبالها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):