Verse. 5257 (AR)

٦٧ - ٱلْمُلْك

67 - Al-Mulk (AR)

ءَ اَمِنْتُمْ مَّنْ فِي السَّمَاۗءِ اَنْ يَّخْسِفَ بِكُمُ الْاَرْضَ فَاِذَا ہِيَ تَمُوْرُ۝۱۶ۙ
Aamintum man fee alssamai an yakhsifa bikumu alarda faitha hiya tamooru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أأمنتم» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما وبين الأخرى وتركه وإبدالها ألفا «من في السماء» سلطانه وقدرته «أن يخسف» بدل من مَن «بكم الأرض فإذا هي تمور» تتحرك بكم وترتفع فوقكم.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذه الآيات نظيرها قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } تفسير : [الأنعام: 65] وقال: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } تفسير : [القصص: 81]. واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان لله تعالى بقوله: {ءامِنتم مَّن فِى ٱلسَّمَاء }، والجواب عنه أن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين، لأن كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطاً به من جميع الجوانب، فيكون أصغر من السماء، والسماء أصغر من العرش بكثير، فيلزم أن يكون الله تعالى شيئاً حقيراً بالنسبة إلى العرش، وذلك باتفاق أهل الإسلام محال، ولأنه تعالى قال: {أية : قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ قُل لِلَّهِ } تفسير : [الأنعام: 12] فلو كان الله في السماء لوجب أن يكون مالكاً لنفسه وهذا محال، فعلمنا أن هذه الآية يجب صرفها عن ظاهرها إلى التأويل، ثم فيه وجوه: أحدها: لم لا يجوزأن يكون تقدير الآية: أأمنتم من في السماء عذابه، وذلك لأن عادة الله تعالى جارية، بأنه إنما ينزل البلاء على من يكفر بالله ويعصيه من السماء فالسماء موضع عذابه تعالى، كما أنه موضع نزول رحمته ونعمته وثانيها: قال أبو مسلم: كانت العرب مقرين بوجود الإله، لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على وفق قول المشبهة، فكأنه تعالى قال لهم: أتأمنون من قد أقررتم بأنه في السماء، واعترفتم له بالقدرة على ما يشاء أن يخسف بكم الأرض وثالثها: تقدير الآية: من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله وتعظيم قدرته، كما قال: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأنعام: 3] فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، فوجب أن يكون المراد من كونه في السموات وفي الأرض نفاذ أمره وقدرته، وجريان مشيئته في السموات وفي الأرض، فكذا ههنا ورابعها: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: {مَّن فِى ٱلسَّمَاء } الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريل عليه السلام، والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر الله وإذنه. وقوله: {فَإِذَا هِىَ تَمُورُ } قالوا معناه: إن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمور، فتلقيهم إلى أسفل السافلين، وقد ذكرنا تفسير المور فيما تقدم.

القرطبي

تفسير : قال ابن عباس: أأمِنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه. وقيل: تقديره أأمِنتم من في السماء قدرته وسلطانُه وعرشُه ومملكتُه. وخصّ السماء وإن عَمّ مُلْكُه تنبيهاً على أن الإلٰه الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظّمونه في الأرض. وقيل: هو إشارة إلى الملائكة. وقيل: إلى جبريل وهو المَلَك المُوَكّل بالعذاب. قلت: ويحتمل أن يكون المعنى: أأمنتم خالق مَن في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون. {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} أي تذهب وتجيء. والمَوْر: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر:شعر : رَمَيْنَ فأقْصَدْنَ القلوبَ ولن ترى دماً مائراً إلاّ جَرَى في الحَيازِم تفسير : جمع حَيْزوم وهو وسط الصدر. وإذا خُسف بإنسان دارت به الأرض فهو المَوْر. وقال المحققون: أمنتم مَن فَوقَ السماء؛ كقوله: {أية : فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [التوبة:2] أي فوقها لا بالمماسّة والتحيّز لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه أمنتم مَن على السماء؛ كقوله تعالى: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه:71] أي عليها. ومعناه أنه مديرها ومالكها؛ كما يقال: فلان على العراق والحجاز؛ أي واليها وأميرها. والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة، مشيرة إلى العلو؛ لا يدفعها إلا مُلْحدٌ أو جاهل معاند. والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السّفل والتّحت. ووصفه بالعلوّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القُدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته؛ كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان. وهو الآن على ما عليه كان. وقرأ قُنْبل عن ابن كَثير «النشور وامنتم» بقلب الهمزة الأولى واواً وتخفيف الثانية. وقرأ الكوفيون والبصريون وأهل الشام سوى أبي عمرو وهشام بالتخفيف في الهمزتين، وخفّف الباقون. وقد تقدم جميعه.

ابن كثير

تفسير : وهذه أيضاً من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم؛ بسبب كفر بعضهم به، وعبادتهم معه غيره، وهو مع هذا يحلم ويصفح، ويؤجل ولا يعجل؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} تفسير : [فاطر: 45] وقال ههنا { ءَأَمِنتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ} أي: تذهب وتجيء وتضطرب {أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـٰصِباً} أي: ريحاً فيها حصباء تدمغكم؛ كما قال تعالى: {أية : أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 68] وهكذا توعدهم ههنا بقوله: {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} أي: كيف يكون إنذاري، وعاقبة من تخلف عنه، وكذب به؟ ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من الأمم السالفة، والقرون الخالية {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}؟ أي: فكيف كان إنكاري عليهم، ومعاقبتي لهم؟ أي: عظيماً شديداً أليماً. ثم قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَــٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ} أي: تارة يصففن أجنحتهن في الهواء، وتارة تجمع وتنشر جناحاً {مَا يُمْسِكُهُنَّ} أي: في الجو {إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} أي: بما سخر لهن من الهواء من رحمته ولطفه {إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ} أي: بما يصلح كل شيء من مخلوقاته، وهذه كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [النحل: 79].

المحلي و السيوطي

تفسير : {ءَأَمِنْتُمْ } بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينها وبين الأخرى وتركه وإبدالها ألفاً {مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ } سلطانه وقدرته {أَن يَخْسِفَ } بدل من «مَن» {بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ } تتحرّك بكم وترتفع فوقكم.

الماوردي

تفسير : {أأمِنتُم مَنْ في السماءِ} فيه وجهان: أحدهما: أنهم الملائكة، قاله ابن بحر. الثاني: يعني أنه اللَّه تعالى، قاله ابن عباس. {أنْ يَخْسِفَ بكم الأرضَ فإذا هي تمورُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تتحرك، قاله يحيى. الثاني: تدور، قاله قطرب وابن شجرة. الثالث: تسيل ويجري بعضها في بعض، قاله مجاهد، ومنه قول الشاعر: شعر : رَمَيْن فأقصدْن القلوب ولن ترى دماً مائراً إلا جرى في الخيازم

ابن عطية

تفسير : قرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: "أأمنتم" بهمزتين مخففتين دون مد، وقرأ أبو عمرو ونافع: "النشور آمنتم" بمد وهمزة، وقرأ ابن كثير: "النشور وأمنتم" ببدل الهمزة واواً لكونها بعد ضمة وهو بعد الواو. وقوله تعالى: {من في السماء} جار على عرف تلقي البشر أوامر الله تعالى، ونزول القدر بحوادثه وخسف الأرض: أن تذهب سفلاً، و {تمور} معناه: تذهب وتتموج كما يذهب التراب الموار وكما يذهب الدم الموار. ومنه قول الأعرابي: وغادرت التراب موراً، والحاصب: البرد وما جرى مجراه لأنه في اللغة الريح ترمي بالحصباء، ومنه قول الفرزدق: [البسيط] شعر : مستقبلين شمال الريح ترجمهم بحاصب كنديف القطن منشور تفسير : وقرأ جمهور السبعة: "فستعلمون" بالتاء، وقرأ الكسائي وحده: "فسيعلمون بالياء، وقرأ السبعة وغيرهم: "نذير" بغير ياء على طريقهم في الفواصل المشبهة بالقوافي، وقرأ نافع في رواية ورش وحده: "نذيري" بالياء على الأصل، وكذلك في "نكيري" والنكير: مصدر بمعنى الإنكار، والنذير كذلك. ومنه قول حسان بن ثابت: [الوافر] شعر : فأنذر مثلها نصحاً قريشاً من الرحمن ان قلبت نذيري تفسير : ثم أحال على العبرة في أمر {الطير}، وما أحكم من خلقتها وذلك بين عجز الأصنام والأوثان عنه، و: {صافات} جمع صاقة، وهي التي تبسط جناحيها وتصفهما حتى كأنها ساكنة، وقبض الجناح ضمه إلى الجثة ومنه قول أبي خراش: [الطويل] شعر : يحث الجناح بالتبسط والقبض تفسير : وهاتان حالان للطائر يستريح من إحداهما للأخرى. وقوله تعالى: {ويقبضن} عطف المضارع على اسم الفاعل وذلك جائز كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: [الرجز] شعر : بات يغشِّيها بعضب باتر يقصد في أسوقها وجائر تفسير : وقرأ طلحة بن مصرف: "أمَن" بتخفيف الميم في هذه، وقرأ التي بعدها مثقلة كالجماعة والجند أعوان الرجل على مذاهبه، وقوله تعالى: {إن الكافرون إلا في غرور} خطاب لمحمد بعد تقرير، قل لهم يا محمد {أمن هذا}.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّن فِى السَّمَآءِ} الله "ع" أو الملائكة {تَمُورُ} تتحرك أو تدور أو تسيل ويجري بعضها في بعض.

البقاعي

تفسير : ولما لم يكن بعد الاستعطاف إلا الإنذار على الخلاف، قال مهدداً للمكذبين بعذاب دون عذاب جهنم، منكراً عليهم الأمان بعد إقامة الدليل على أن بيده الملك، وأنه قادر على ما يريد منه بأسباب جنوده وبغير سبب، مقرراً بعد تقرير حاجة الإنسان وعجزه أنه لا حصن له ولا مانع له بوجه من عذاب الله، فهو دائم الافتقار ملازم للصغار: {أأمنتم} أي أيها المكذبون، وخاطبهم بما كانوا يعتقدون مع أنه إذا حمل على الرتبة وأول السماء بالعلو أو جعل كناية عن التصرف لأن العادة جرت غالباً أن من كان في شيء كان متصرفاً فيه صح من غير تأويل فقال: {من في السماء} أي على زعمكم العالية قاهرة لكم، أو المعنى: من الملائكة الغلاظ الشداد الذي صرفهم في مصالح العباد، أو المعنى: في غاية العلو رتبة، أو أن ذلك إشارة إلى أن في السماء أعظم أمره لأنها ترفع إليها أعمال عباده وهي مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس والسلطان والكبرياء وجهة العرش ومعدن المطهرين والمقربين من الملائكة الذين أقامهم الله في تصريف أوامره ونواهيه، والذي دعا إلى مثل هذا التأويل السائغ الماشي على لسان العرب قيام الدليل القطعي على أنه سبحانه ليس بمتحيز في جهة لأنه محيط فلا يحاط به، لأن ذلك لا يكون إلا لمحتاج؛ ثم أبدل من "من" بدل اشتمال فقال: {أن}. ولما كانت قدرته على ما يريد بلا واسطة كقدرته بالواسطة، وقدرته إذا كان الواسطة جمعاً كقدرته إذا كان واحداً، لأن الفاعل على كل تقدير حقيقة هو لا غيره، وحد بما يقتضيه لفظ "من" إشارة إلى هذا المعنى سواء أريد بـ"من" هو سبحانه أو ملائكته أو واحد منهم فقال: {يخسف} أي أأمنتم خسفه، ويجوز أن يراد بـ"من" الله سبحانه وتعالى كما مضى خطاباً على زعمهم وظنهم أنه في السماء وإلزاماً لهم بأنه كما قدر على الإمطار والإنبات وغيرهما من التصرفات في الأرض فهو يقدر على غيره {بكم الأرض} كما خسف بقارون وغيره. ولما كان الذي يخسف به من الأرض يصير كالساقط في الهواء وكان الساقط في الهواء يصير يضطرب، سبب عن ذلك قوله: {فإذا هي} أي الأرض التي أنتم بها {تمور *} أي تضرب وهي تهوي بكم وتجري هابطة في الهواء وتتكفأ إلى حيث شاء سبحانه، قال في القاموس: المور الاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك. ولما كانوا ربما استبعدوا الخسفة، وكانوا يعهدون ما ينزل من السماء من الندى والأمطار والصواعق، عادل بذلك قوله: {أم أمنتم} أي أيها المكذبون، وكرر لهم ذكر ما يخشونه زيادة في الترهيب فقال: {من في السماء} على التقديرين {أن يرسل عليكم} أي من السماء {حاصباً *} أي حجارة يحصبكم - أي يرميكم - بها مع ريح عاصف بقوتها كما وقع لقوم لوط وأصحاب الفيل. ولما كان هذا الكلام إنذاراً عظيماً ووعظاً بليغاً شديداً، وكان حالهم عنده متردداً بين إقبال وإدبار، سبب عنه على تقدير إدبارهم بتماديهم بما للإنسان من النقصان قوله متوعداً بما يقطع القلوب، ولفت القول إلى مقام التكلم إيذاناً بتشديد الغضب: {فستعلمون} أي عن قريب بوعد لا خلف فيه في الدنيا ثم في الآخرة. ولما كان العلم بكيفية الشيء أعظم من العلم بمطلق ذلك الشيء لأنه يلزم من العلم بها العلم بمطلق ذلك الشيء، وكان ما هو بحيث يسأل عنه لا يكون إلا عظيماً قال: {كيف نذير *} أي إنذاري البليغ إذا شاهدتم العذاب وهو بحيث لا يستطاع، ولا تتعلق الأطماع بكشف له ولا دفاع، وحذف الياء منه ومن "نكير" إشارة إلى أنه وإن كان خارجاً عن الطرق ليس منتهى مقدوره بل لديه مزيد، لا غاية له بوجه ولا تحديد. ولما كان من المعلوم أن المأمور بإبلاغهم وإنذارهم هذا الإنذار صلى الله عليه وسلم في غاية الرحمة لهم والشفقة عليهم فهو بحيث يشق عليه غاية المشقة ما أفهمه هذا الكلام من إهلاكهم أن يصدقوا، ويحب التأني بهم، لفت سبحانه الخطاب إليه عاطفاً على ما تقديره: فلقد طال إمهالنا لهم وحلمنا عنهم وتعريفنا لهم بعظيم قدرتنا وهم لا يرجعون وكثر وعظنا لهم وتصريفنا القول بينهم على ألسنة رسلنا عليهم الصلاة والسلام وهم يتمادون ولا ينتهون، قوله مصوراً لهم ما توعدهم به في أمر محسوس لأن الأمور المشاهدات أروع للإنسان لما له من التقيد بالوهم مؤكداً للإشارة إلى أن التكذيب مع إقامة البراهين أمر يجب إنكاره فلا يكاد يصدق: {ولقد كذب} وطغى وبغى وأعرض وتجبر وتمرد وولى بوجهه وقلبه {الذين}. ولما كان هذا التكذيب لم يعم الماضين بعض فقال: {من قبلهم} يعني كفار الأمم الماضية. ولما كان سبحانه قد أملى لهم ثم أخذهم بعد طول الحلم أخذاً بقيت أخباره، ولم تندرس إلى الآن على تمادي الزمان آثاره، فكان بحيث يسأل عنه لعظم أحواله، وشدة زلازله وفظاعة أهواله، سبب عن ذلك قوله منبهاً على استحضار ذلك العذاب ولو بالسؤال عنه: {فكيف كان نكير *} أي إنكاري عليهم بما أصبتهم به من العذاب في تمكن كونه وهول أمره، فقد جمع إلى التسلية غاية التهديد. ولما ذكر بمصارع الأولين، وكان التذكير بالحاصب تذكيراً لقريش بما حصب به على قرب الزمان عدوهم أصحاب الفيل بما أرسل عليهم من الطير الأبابيل تحذيراً لهم من ذلك إن تمادوا على كفره، ولم ينقادوا إلى شكره، فكان التقدير تقريراً لزيادة قدرته وحسن تدبيره ولطف تربيته حيث جبر الطير لضعفها بالطيران ليكمل بعموم رحمانيته أمر معاشها تقريراً لأن بيده الملك وترهيباً من أن ينازعه أحد في تدبيره مع تبقية القول مصروفاً عن خطابهم، إيذاناً بشدة حسابهم وسوء منقلبهم ومآبهم؛ ألم يروا إلى قدرتنا على مصارع الأولين وإهلاك المكذبين وإنجاء المؤمنين، عطف عليه قوله معرضاً عنهم زيادة في الإنذار بالحصب من الطير وغيرها: {أو لم يروا} وأجمع القراء على القراءة هنا بالغيب لأن السياق للرد على المكذبين بخلاف ما في النحل. وأشار إلى بعد الغاية بحرف النهاية فقال: {إلى الطير} وهو جمع طائر. ولما كان الجو كله مباحاً للطيران نزع الجار فقال: {فوقهم} وبين حال الطير في الفوقية بقوله واصفاً لها بالتأنيث إشارة إلى ضعفها في أنفسها لولا تقويته لها {صافات} أي باسطات أجنحتها تمدها غاية المد بحيث تصير مستوية لا اعوجاج فيها مع أنه إذا كان جماعة منها كانت صفوفاً أو صفاً واحداً في غاية الانتظام تابعة لإمام منها. ولما عبر عن الصف بالاسم لأنه الأصل الثابت، عبر عن التحريك بالفعل لأن الطيران في ساحة الهواء كالسباحة في باحة الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، والبقض طارىء على البسط فقال: {ويقبضن} أي يوقعن قبض الأجنحة وبسطها وقتاً بعد وقت للاستراحة والاستظهار به على السبح في الهواء. ولما تم هذا التقدير على هذا الوجه الرائع للقلوب ترجمه بقوله: {ما يمسكهن} أي في الجو في حال القبض والبسط عن السقوط على خلاف ما يقتضيه الطبع. ولما كان هذا من التدبير المحكم الناظر إلى عموم الرحمة قال: {إلا الرحمن} أي الملك الذي رحمته عامة لكل شيء بأن هيأهن - بعد أن أفاض عليهن رحمة الإيجاد - على أشكال مختلفة وخصائص مفترقة للجري في الهواء بما أوجد لها من القوادم والحوافي وغير ذلك من الهيئات المقابلة لذلك، وكذا جميع العالم لو أمسك عنه حفظه طرفة عين لفسد بتهافت الأفلاك وتداعي الجبال وغيرها، وعبر في النحل بالاسم الأعظم لأن سياقها للرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة الذين لا يقوم بالرد عليهم إلا المتبحر في معرفة جميع أصول الدين بمعرفة جميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى التي جمعها اسم الذات. ولما كان هذا أمراً رائعاً للعقل، ولكنه لشدة الإلف صار لا يتنبه له إلا بالتنبيه، وكان الجاهل ربما ظن أن التقدير على الطيران خاص بالطير، نبه سبحانه على عظمة ما هيأ الطير له وعلى أنه يقدر أن يجعل ذلك لغيره بقوله مؤكداً لأجل قصور بعض العقول عن التصديق بذلك وتضمن الإشراك للطعن في تمام الاقتدار المتضمن للطعن في تمام العلم: {إنه} أي الرحمن سبحانه {بكل شيء} قل أو كثر جليل وحقير ظاهر وباطن {بصير *} بالغ البصر والعلم بظواهر الأشياء وبواطنها، فمهما أراد كان وهو يخلق العجائب ويوجد الغرائب، فيهيىء من أراد من الآدميين وغيرهم لمثل ذلك.

القشيري

تفسير : {مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ} أراد بهم الملائكة الذين يسكنون السماء، فهم مُوَكَّلون بالعذاب. وخوَّفهم بالملائكة أن يُنْزِلوا عليهم العقوبةََ من السماء، أو يخسفوا بهم الأرض، وكذلك خَوَّفَهمِ أنْ يُرْسِلوا عليهم حجارةً كما أرسلوا على قوم لوط. وبيَّن أنَّ مَنْ كذَّب قَبْلَ هؤلاءِ رُسُلَهم كيف كانت عقوبتهم، ثم زاد في البيان وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ....}.

اسماعيل حقي

تفسير : {ءامنتم} آيا ايمن شديد اى مكذبان. وهو استفهام توبيخ فالهمزة الاولى استفهامية والثانية من نفس الكلمة {من} موصولة {فى السماء} اى الملائكة الموكلين بتدبير هذا العالم او الله سبحانه على تأويل من فى السماء امره وقضاؤه وهو كقوله تعالى {أية : وهو الله فى السموات وفى الارض}تفسير : وحقيقته ءامنتم خالق السماء ومالكها قال فى الاسئلة خص السماء بالذكر ليعلم ان الاصنام التى فى الارض ليست بآلهة لا لانه تعالى فى جهة من الجهات لان ذلك من صفات الاجسام واراد أنه فوق السماء والارض فوقية القدرة والسلطنة لا فوقية الجهة انتهى على انه لا يلزم من الايمان بالفوقية الجهة فقد ثبت فانظر ماذا ترى وكن مع اهل السنة من الورى كما فى الكبريت الاحمر للامام الشعرانى قدس سره واما رفع الايدى الى السماء فى الدعاء فلكونها محل البركات وقبلة الدعاء كما ان الكعبة قبلة الصلاة وجناب الله تعالى قبلة القلب ويجوز أن تكون الظرفية باعتبار زعم العرب حيث كانوا يزعمون انه تعالى فى السماء اى ءأمنتم من تزعمون انه فى السماء وهو متعال عن المكان وفى فتح الرحمن هذا المحل من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه ونؤمن به ولا نتعرض لمعناه ونكل العلم فيه الى الله قوله من فى السماء فى موضع النصب على انه مفعول امنتم {أن يخسف بكم الارض} بعدما جعلها لكم ذلولا تمشون فى مناكبها وتأكلون من رزقه لكفرانكم تلك النعمة اى يقلبها ملتبسة بكم فيغيبكم فيها كما فعل بقارون وهو بدل اشتمال من من اى ءامنتم من فى السماء خسفه والبلاء للملابسة والخسف بزمين قرو بردن. والخسوف بزمين فروشدن. والمشهور ان الباء فى مثل هذا الموضع للتعدية اى يدخلكم ويذهبكم فيها وبالفارسية فرو برد شمارا بزمين. قال الجوهرى خسف المكان يخسف خسوفا ذهب فى الارض وخسف الله به الارض خسفا غاب به فيها وفى القاموس ايضا خسف الله بفلان الارض غيبه فيها {فاذا هى} بس آنكاه زمين ابس زفرو بردن شمابوى {تمور} قال فى القاموس المور الاضطراب والجريان على وجه الارض والتحرك اى تضطرب ذهابا ومجيئا على خلاف ما كانت عليه من الذل والاطمئنان وقال بعضهم فاذا الارض تدور بكم الى الارض السفلى وبعضهم تنكشف تارة للخوض فيها وتلتئم اخرى للتعذيب بها.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير {وإليه النشور وأمنتم} بواو في الوصل قلباً لهمزة الاستفهام واواً لضم ما قبلها. وقرأ اهل الكوفة واهل الشام بهمزتين على أصولهم. الباقون بتحقيق الأولى وتخفيف الثانية. يقول الله تعالى مهدداً للمكلفين وزاجراً لهم عن إرتكاب معاصيه والجحد لربوبيته على لفظ الاستفهام والمراد به تفخيم الامر وتعظيم التبكيت {أأمنتم من في السماء} فالأمن هو اطمينان النفس إلى السلامة من الخوف، والأمن علم بسلامة النفس من الضرر يقال أمن يأمن أمناً وأمنه يؤمنه إيماناً وأماناً، والمعنى أأمن من فى السماء سلطانه وامره ونهيه، كما قال {أية : وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم}تفسير : أي وهو الله في السموات وفي الأرض معلومه، لا يخفى عليه شيء منه. وقيل: ايضاً يجوز ان يكون المراد {أأمنتم من في السماء} يعني الملك الكائن فى السماء {أن يخسف بكم الأرض} بأمر الله، فاذا هي تمور أي تردد، فالمور هو التردد في الذهاب والمجيء، يقال: مار يمور موراً فهو مائر، ومثله ماج يموج موجاً. وقوله {أأمنتم من السماء أن يرسل عليكم حاصباً} فالحاصب الحجارة التي يرمى بها كالحصباء، حصبه بالحصباء يحصبه حصباً إذا رماه بها. ويقال للذى يرمى به حاصب أي ذو حصب كأن الحجر هو الذي يحصب. وقيل: تقديره آمنوا قبل ان يرسل عليكم حاصباً، كما أرسل على قوم لوط حجارة من السماء. وقوله {فستعلمون كيف نذير} فيه تهديد أي ستعرفون كيف تخويفي وترهيبي إن عصيتموني إذا صرتم إلى عذاب النار. ثم قال مقسماً {ولقد كذب الذين من قبلهم} أي جحد من قبل هؤلاء الكفار من الأمم وحدانيتي واشركوا بي غيري في العبادة وكذبوا رسلي {فأهلكتهم} واستأصلتهم {فكيف كان نكير} أي ألم اهلكهم بضروب النقمات والمثلاث. ثم قال منبهاً لهم على توحيده {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات} أي مصطفاة فوق رؤسهم في الجو باسطات أجنحتهم {ويقبضن} أي يضربن بها. أى من الطير ما يضرب بجناحيه فيدف، ومنه الصفيف والدفيف {ما يمسكهن إلا الرحمن} أى ليس يمنعهن من السقوط إلى الارض إلا الرحمن الذى خلق لهم الالات التي يصفون بها ويدفون، وما خلق فيها من القدرة على ذلك، ولولا ذلك لسقطت إلى الارض. وقيل معنى ما يمسكهن إلا الرحمن بتوطئة الهواء لها، ولولا ذلك لسقطت، وفي ذلك أكبر دلالة، وأوضح عبرة بأن من سخر الهواء هذا التسخير هو على كل شيء قدير. والصف وضع الاشياء المتوالية على خط مستقيم، والقبض جمع الشيء من حال البسط. والامساك اللزوم المانع من السقوط. وقوله {إنه بكل شيء بصير} اخبار منه تعالى انه عالم بجميع الاشياء لا يخفى عليه شيء منها {بصير} بما للخلق من النفع والضر. ثم قال {أمّن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن} أى من لكم معاشر الكفار يدفع عنكم عذاب الله إذا حل بكم {إن الكافرون إلا في غرور} معناه ليس الكافرون بالله العابدون للأوثان إلا في غرور أى يتوهمون أن ذلك أنفع لهم والأمر على خلاف ذلك من المكروه. ثم قال {أم من هذا الذى يرزقكم إن أمسك} الله {رزقه} بأن يزيله ويمنعه منكم، فينزل عليكم رزقه {بل لجوا في عتو ونفور} فاللجاج تقحم الامر كثيراً رداً للصارف عنه، يقال لجج في الأمر يلج لجاجاً، وقد لاجه ملاجة ولجج فلان في الحرب فهو يلج تلجيجاً. ولما كان لهؤلاء المشركين صوارف كثيرة من عبادة الأوثان وهم يتقحمون على ذلك العصيان كانوا قد لجوا في عتوهم. والعتو الطغيان وهو الخروج الى فاحش الفساد، يقال: عتا يعتو عتواً فهوعات وجمعه عتاة. والنفور الخروج عن الشيء هرباً من الشعور بضرره، ونقيض النفور القبول وقال الجبائي: قوله {أمن هذا الذي} إلى قوله {إن أمسك رزقه} تعريف حجة عرفها الله لعباده فعرفوا وأقروا بها، ولم يردوا لها جواباً فقال الله {بل لجوا في عتو ونفور}.

الجنابذي

تفسير : {أَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ} يعنى الملائكة الّذين هم فى السّماء {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ} كما فعل بقارون {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} تضطرب قبل الخسف او بعده يعنى صرتم آمنين فتكفرون به وتكفرون بنعمائه لذلك وتخالفون امره وامر رسوله (ص) فى ولاية علىٍّ (ع).

اطفيش

تفسير : {أَأَمِنتُم} بابدال الهمزة الثانية الفا عند نافع وابي وعمرو ورويس وقرىء بتخفيف الهمزتين وبتسهيل الثانية وبادخال الف بينها وبين الاخرى وتركه وقرأ ابن كثير بقلب الاولى واوا لانضمام ما قبلها. {مَّن فِى السَّمَاءِ} وهم الملائكة الموكلون على تدبير امر هذا العالم أو المراد الله على معنى من في السماء امره وقضاءه فإن السماء مسكن ملائكته والى جهة السماء عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ومنها ينزل امره ونهيه أو المراد الله بناء على زعم العرب ان الله في السماء والرحمة والعذاب ينزلان منه شبهوه بخلقه. {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} يغيبكم فيها كاقرون ومصدر يخسف بدل اشتمال من من {فَإِذَا هِىَ تَمُورُ} تتحرك الى جهات بعد الخسف أو المراد بالخسف امر الارض به فالمور بعد الامر وإذا للمفاجآت وقيل: تمور بمعنى تهوى بهم وقيل: تتحرك بكم وتعلو عليكم وتكونون في بطنها.

اطفيش

تفسير : {أأمِنتُمْ مَّن فِي السَّمَاءِ} هو الله عز وجل والظرفية مجازية معتبر فيها معنى التصرف فى السماء تجوزاً فى الإِسناد أو يقدر مضاف، أى من فى السماء أمره وحذف أمر ونابت الهاء عنه وخلفها ضمير رفع مستتر فى ما تعلق به فى السماء أو انتقل إِلى فى السماء أو يقدر مضاف قبل من أى خالق من فى السماء، أو فى بمعنى على ولا يزول به الإِشكال إِلا بالتأْويل كما أولت فى بالتصريف لأَن الاستعلاء الحسى محال عن الله كالمظروفية فمعنى العلو القهر والغلبة. وقيل الكلام مبنى على زعم العرب الجاهلية أن الله فى السماء واستبعد بعض المحققين ذلك ولا بأس كما قد يسمى الصنم إِلهاً باعتبار اعتقاد أهله حيث لا لبس وكما توصف أصنامهم بصفة العقلاء المذكرين، أو من فى السماء الملائكة الموكلون بتدبير هذا العالم، وقيل جبريل الذى هو ملك الخسف، وتأْويل المتشابه هو الحق. وجمهور سلف قومنا على إِبقاء المتشابه بلا تأْويل ويقولون إِنه على ظاهره إِلا أنه بلا تكييف وهو جهالة وظلمة مع وجود العلم والنور وكثيراً ما أول ابن عباس وغيره من الصحابة المتشابه فلو كان التأْويل حراما أو مكروها لما فعلوه، والتأْويل تصحيح لقوله تعالى {أية : ليس كمثله شيء} تفسير : [الشورى: 11] وعمل به وفى تركه مع إِمكانه تقصير فى الدين وإِبقاء للمرتاب على ارتيابه وتقوية وإِعانة للشبهة، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - آمنوا بمتشابهه فليس فيه النهى عن التأْويل بل أمر بالإِيمان ونهى عن إِنكاره وجعْلِه من غير الله أو أمر بالوقف لمن لم يدرك التأْويل. وأما اكتفاؤه من الأَمة بإِشارتها إِلى السماء حين قال من ربك وإِليه حين قال لها: من نبيك فلعلمه بأَنها أرادت أن قضاءه فى السماء وتصرفه وإِلا لزم أنها وصفت الله عز وجل بأَنه حال فى السماء ولم ينهها ولم يعلمها وذلك محال فى حقه - صلى الله عليه وسلم - ومالا ندرك معناه نبقه بلا تأْويل ونؤمن به. {أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} بدل اشتمال بتأْويل المصدر من كأنه قيل أأمنتم خسفه أو مقدر بحرف الجر أى فى خسفه أو من خسفه والخسف الإِذهاب فى باطن الأَرض والباء للملابسة. {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} تتحرك فى الخسف بكم فى الجوانب أو فوق وأسفل.

الالوسي

تفسير : {ءَأَمَنْتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَاء } وهو الله عز وجل كما ذهب إليه غير واحد، فقيل على تأويل من في السماء أمره سبحانه وقضاؤه يعني أنه من التجوز في الإسناد أو أن فيه مضافاً مقدراً وأصله من في السماء أمره فلما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ارتفع واستتر. وقيل على تقدير خالق من في السماء وقيل في بمعنى على ويراد العلو بالقهر والقدرة، وقيل هو مبني على زعم العرب حيث كانوا يزعمون أنه سبحانه في السماء فكأنه قيل أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان، وهذا في غاية السخافة فكيف يناسب بناء الكلام في مثل هذا المقام على زعم بعض زعم الجهلة كما لا يخفى على المنصف، أو هو غيره عز شأنه وإليه ذهب بعضهم فقيل أريد بالموصول الملائكة عليهم السلام الموكلون بتدبير هذا العالم، وقيل جبريل عليه السلام وهو الملك الموكل بالخسف. وأئمة السلف لم يذهبوا إلى غيره تعالى والآية عندهم من المتشابه وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: (حديث : آمنوا بمتشابهه)تفسير : ولم يقل أولوه فهم مؤمنون بأنه عز وجل في السماء على المعنى الذي أراده سبحانه مع كمال التنزيه وحديث الجارية من أقوى الأدلة لهم في هذا الباب وتأويله بما أول به الخلف خروج عن دائرة الإنصاف عند أولي الألباب. وفي «فتح الباري» للحافظ ابن حجر أسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير. وأسند البيهقي بسند صحيح عن أحمد بن أبـي الحواري عن سفيان بن عيينة كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه، وهذه طريقة / الشافعي وأحمد بن حنبل. وقال إمام الحرمين في «الرسالة النظامية» اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله عز وجل. والذي نرتضيه رأياً وندين الله تعالى به عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع انتهى كلام الإمام. وقد تقدم النقل في ذلك عن أهل العصر الثالث وهم فقهاء الأمصار كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم وكذا من أخذ عنهم من الأئمة فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام انتهى كلام الحافظ على وجه الاختصار. ونقل نصوص الأئمة في إجراء ذلك على الظاهر مع التنزيه من غير تأويل يفضي إلى مزيد بسط وتطويل وقد ألفت فيه كتب معتبرة مطولة ومختصرة. وفي «تنبيه العقول» لشيخ مشايخنا إبراهيم الكوراني أن إجماع القرون الثلاثة على إجراء المتشابهات على مواردها مع التنزيه بليس كمثله شيء دليل على أن الشارع صلوات الله تعالى وسلامه عليه أراد بها ظواهرها والجزم بصدقه صلى الله عليه وسلم دليل على عدم المعارض العقلي الدال على نقيض ما دل عليه الدليل النقلي في نفس الأمر وإن توهمه العاقل في طور النظر والفكر فمعرفة الله تعالى بهذا النحو من الصفات طور وراء ذلك انتهى. وأنا أقول: في التأويل اتباع الظن وقول في الله عز وجل بغير علم وإلا لاتحد ما يذكرونه من المعنى فيه مع أن الأمر ليس كذلك حيث يذكرون في تأويل شيء واحد وجوهاً من الاحتمالات وفيما عليه السلف سلامة من ذلك ويكفي هذا في كونه أحسن المسالك: شعر : وما علي إذا ما قلت معتقدي دع الجهول يظن الجهل عدوانا تفسير : وقرأ نافع (أأمنتم) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية، وأدخل أبو عمرو وقالون بينهما ألفاً. وقرأ قنبل بإبدال الأولى واواً لضم ما قبلها وهو راء {أية : ٱلنُّشُورُ}تفسير : [الملك: 15] وعنه وعن ورش غير ذلك أيضاً. وقوله تعالى: {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ } بدل اشتمال من (مَنْ) وجوز أن يكون على حذف الجار أي من أن يخسف ومحله حينئذٍ النصب أو الجر والباء للملابسة و(الأرض) مفعول به ليخسف والخسف قد يتعدى قال الراغب ((يقال خسفه الله تعالى وخسف هو قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلاْرْضَ} [القصص: 81])) أي أأمنتم من أن يذهب الأرض إلى سفل ملتبسة بكم. وزعم بعضهم لزوم لزومه وأن الأرض نصب بنزع الخافض أي أن يخسف بكم في الأرض وليس كذلك. {فَإِذَا هِىَ } حين الخسف {تَمُورُ } ترتج وتهتز اهتزازاً شديداً، وأصل المور التردد في المجىء والذهاب.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الاستدلال إلى التخويف لأنه لما تقرر أنه خالق الأرض ومذللها للناس وتقرر أنهم ما رعوا خالقها حق رعايته فقد استحقوا غضبه وتسليط عقابه بأن يُصيّر مشيهم في مناكب الأرض إلى تَجَلْجل في طبقات الأرض. فالجملة معترضة والاستفهام إنكار وتوبيخ وتحذير. و {مَن} اسم موصول وصلته صادِق على موجود ذي إدراك كائن في السماء. وظاهر وقوع هذا الموصول عقب جُمل {هو الذي جَعل لكم الأرض ذلولاً إلى قوله: {أية : وإليه النشور}تفسير : [الملك: 15] أن الإتيان بالموصول من قبيل الإِظهار في مقام الإِضمار، وأن مقتضى الظاهر أن يقال أأمنتموه أن يخسف بكم الأرض؛ فيتأتى أن الإِتيان بالموصول لِما تأذن به الصلة من عظيم تصرفه في العالم العلوي الذي هو مصدر القُوى والعناصر وعجائب الكائنات فيصير قوله: {من في السماء} في الموضعين من قبيل المتشابه الذي يعطي ظاهره معنى الحلول في مكان وذلك لا يليق بالله، ويجيء فيه ما في أمثاله من طريقتي التفويض للسلف والتأويل للخلَف رحمهم الله أجمعين. وقد أوَّلوه بمعنى: من في السماء عذابُه أو قدرتُه أو سلطانه على نحو تأويل قوله تعالى: {أية : وجاء ربك}تفسير : [الفجر: 22] وأمثاله، وخُص ذلك بالسماء لأن إثباته لله تعالى ينفيه عن أصنامهم. ولكن هذا الموصول غير مَكين في باب المتشابه لأنه مجمل قابل للتأويل بما يَحتمله {من} أن يَكون مَا صْدَقُه مخلوقات ذات إدراك مقرها السماء وهي الملائكة فيصح أن تصدق {مَن} على طوائف من الملائكة الموكلين بالأمر التكويني في السماء والأرض قال تعالى: {أية : يتنزل الأمر بينهن}تفسير : [الطلاق: 12]، ويصح أن يراد باسم الموصل ملك واحد معيَّن وظيفته فعل هذا الخسف، فقد قيل: إن جبريل هو الملَك الموكّل بالعذاب. وإسناد فعل {يخسف} إلى «الملائكة» أو إلى واحد منهم حقيقة لأنه فاعل الخسف قال تعالى حكاية عن الملائكة {أية : قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية... إنا مُنجوك وأهلك... إنَّا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء}تفسير : [العنكبوت: 31ــــ 34]. وإفراد ضمير {يخسف} مراعاة للفظ {مَن} إذا أريد طائفة من الملائكة أو مراعاة للفظ والمعنى إذا كان ما صْدق {مَن} ملكاً واحداً. والمعنى: توبيخهم على سوء معاملتهم ربهم كأنهم آمنون من أن يَأمر الله ملائكته بأن يخسفوا الأرض بالمشركين. والخسف: انقلاب ظاهر السطح من بعض الأرض باطناً وباطنه ظاهراً وهو شدة الزلزال. وفعل خسف يستعمل قاصراً ومتعدياً وهو من باب ضرب، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض}تفسير : سورة النحل (45). والباء في قوله: بكم} للمصاحبة، أي يخسف الأرض مصاحبة لذواتكم. وفي الجمع بين السماء والأرض محسّن الطباق. والمصدر المُنسبك من {أن يخسف} يجوز أن يكون بدل اشتمال من اسم الموصول لأن الخسف من شأن مَن في السماء، ويجوز أن يكون منصوباً على نزع الخافض وهو مطّرد مع {أنْ}، والخافض المحذوف حرف (مِن). وفُرع على الخسف المتوقع المهدد به أن تمور الأرضُ تفريعَ الأثر على المؤثر لأن الخسف يحدث المَور، فإذا خسفت الأرض فاجأها المَور لا محالة، لكن نظم الكلام جرى على مَا يناسبُ جعل التهديد بمنزلة حادث وقع فلذلك جيء بعده بالحرف الدال على المفاجأة لأن حق المفاجأة أن تكون حاصلة زمن الحال لا الاستقبال كما في «مغني اللبيب» فإذا أريد تحقيق حصول الفعل المستقبل نُزل منزلة الواقع في الحال كقوله تعالى: {أية : ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون}تفسير : [الروم: 25]، وإذا أريد استحضار حالة فعل حصل فيما مضى نُزل كذلك منزلة المشاهد في الحال كقوله تعالى: {أية : وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا}تفسير : [يونس: 21]، فكان قوله: {فإذا هي تمور} مؤذناً بتشبيه حالة الخسف المتوقع المهدد به بحالة خسف حصل بجامع التحقق كما قالوا في التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، وحُذف المركب الدال على الحالة المشبه بها ورمز إليه بما هو من آثاره ويتفرع عنه فكان في الكلام تمثيلية مَكْنيّة. والمور: الارتجاج والاضطراب وتقدم في قوله تعالى: {أية : يوم تمور السماء موراً}تفسير : في سورة الطور (9).

الشنقيطي

تفسير : ذكر أبو حيان قراءة {ءَأَمِنتُم} عدة قراءات من تحقيق الهمزتين، ومن تسهيل الثانية ومن إدخال ألف بينهما وغير ذلك، والخسف ذهابها سفلاً، كما خسف بقارون، والمور الحركة المضطربة أو الحركة بسرعة، وقد ثبتها تعالى بالجبال أوتاداً كما قال: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ}تفسير : [النازعات: 32 - 33]، ومن السماء. قال ابن جرير: هو الله تعالى اهـ. وعزاه القرطبي لابن عباس، ويشهد لما قاله: ما جاء بعده من خسف الأرض وإرسال الحاصب، فإنه لا يقدر عليه إلا الله، كما أنه ظاهر النص، وبهذا يرد على الكسائي فيما ذهب إليه ومن تبعه عليه كأبي حيان، إذا قالوا: إنه على تقدير محذوف من قبيل المجاز، ومجازه عندهم أن ملكوته في السماء أي على حذف مضاف وملكوته في كل شيء، ولكن خص السماء بالذكر، لأنها مسكن ملائكته، وثم عزته وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تتنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونهيه. إلخ. وقيل: هو جبريل لأنه الموكل بالخسف، وقيل: إنه مجاراة لهم في معتقدهم بأن الله في السماء، وهذه الأقوال مبناها على نفي صفة العلو لله تعالى، وفراراً من التشبيه في نظرهم، ولكن ما عليه السلف خلاف ما ذهبوا إليه، ومعتقد السلف هو طبق ما قاله ابن جرير لحديث الجارية: "حديث : أين الله؟ قالت في السماء، قال: اعتقها فإنها مؤمنة"تفسير : ولعدة آيات في هذا المعنى. وقد بحث الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هذا المبحث بأوسع وأوضح ما يمكن مما لم يدع لبساً ولا يترك شبهة، ولا يستغني عنه مسلم عالماً كان أو متعلماً، فالعالم يأخذ منه منهج التعليم السليم وأسلوب البيان الحكيم، والمتعلم يأخذ منه ما يجب عليه من معتقد قويم واضح جلي سليم. وقد يقال: إن معنى في هو الظرفية، فنجعل السماء ظرفاً لله تعالى، وهذا يقتضي التشبيه بالمتحيز. فيقال: إنه سبحانه منزه عن الظرفية بالمعنى المعروف والمنصوص في حق المخلوق. وقد دلت النصوص من السنة على نفي ذلك عنه تعالى واستحالته عقلاً عليه سبحانه في حديث: "حديث : ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة أو دراهم في ترس، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة في فلاة، وما العرش في كف الرحمن إلا كحبة خردل في كف أحدكم"تفسير : فانتفت ظرفية السماء له سبحانه على المعروف لنا، ولأنه سبحانه مستو على عرشه. وفيما قدمه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في هذا المبحث شفاء وغناء، ولله الحمد والمنة. قال القرطبي: إن في السماء بمعنى فوق السماء كقوله:{أية : فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [التوبة: 2] أي فوقها لا بالمماسة والتحيز وقيل: في بمعنى على كقوله: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ}تفسير : [طه: 71] أي عليها إلى أن قال: والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت ووصفه بالعلو اهـ. وهذا الذي ذكره هو عين مذهب السلف، وقد ذكر كلاماً آخره فيه التأويل وفيه التنزيه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أن يخسف بكم الأرض: أي يجعلها بحيث تغورون فيها وتصبحون في جوفها. فإذا هي تمور: أي تتحرك وتضطرب حتى يتم الخسف بكم. أن يرسل عليكم حاصباً: أي ريحاً عاصفاً نرميكم بالحصباء فتهلكون. كيف نذير: أي كان عاقبة إنذاري لكم بالعذاب على ألسنة رسلي. فكيف كان نكير: أي إنكاري عليهم الكفر والتكذيب والجواب كان إنكاراً حقاً واقعاً موقعه. صآفات: أي باسطات أجنحتها. ويقبضن: أي ويمسكن أجنحتهن. ما يمسكهن إلاّ الرحمن: أي حتى لا يسقطن على الأرض حال البسط للأجنحة والقبض لها. معنى الآيات: يقول تعالى واعظاً عباده ليؤمنوا به ويعبدوه وحده فيكملوا ويسعدوا أأمنتم من في السماء الذي هو العلو المطلق وهو الله عز وجل في عليائه فوق عرشه بائن من خلقه أن يخسف بكم الأرض لتهلكوا كلكم في جوفها فإذا هي حال الخسف تمور أي تتحرك وتضطرب حتى تغورو في بطنها والجواب لم يأمنوا ذلك فكيف إذاً يصرون على الشرك والتكذيب للرسول وقوله {أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ} وهو الله عز وجل أن يرسل عليكم حاصباً أي ريحاً تحمل الحصباء والحجارة فتهلكهم {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} إي إنذاري لكم الكفر والتكذيب أي أنه حق وواقع مقتضاه وقوله تعالى {وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} كعاد وثمود وغيرهما أي كذبوا رسلي بعدما أنكروا عليهم الشرك والكفر فأهلكناهم {فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ} أي إنكاري لهم كان حقاً وواقع المقتضى وقوله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ} أي باسطات أجنحتهن ويقبضنها ما يمسكهن في حالة البسط أو القبض إلا الرحمن الذي أنكره المشركون وقالوا وما الرحمن وهم يعيشون في رحمته التي وسعت كل شيء وهو متجلية حتى في الطير تحفظه من السقوط والتحطيم أي أينكرون ألوهية الله ورحمته ولم يروا إلى الطير وهي صافات وقابضات أجنحتها ولا يمسكها أحد من الناس فمن يمسكها إذاً؟ إنه الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه بما شاء من السنن والنواميس التي يحكم بها خلقه ويدبر بها ملكوته أن أمر المشركين في كفرهم بالله لعجب وقوله {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} سواء عنده السابح في الماء والسارح في الغبراء والطائر في السماء والمستكن في الأحشاء. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تحذير المعرضين عن الله وإنذارهم بسوء العواقب إن استمروا على إعراضهم فإن الله قادر على أن يخسف بهم الأرض أو يرسل عليهم حاصباً من السماء وليس هناك من يؤمّنهم ويجيرهم بحال من الأحوال. إلا إيمانهم وإسلامهم لله عز وجل. 2- في الهالكين الأولين عبر وعظات لمن له قلب حيٌّ وعقل يعقل به. 3- من آيات الله في الآفاق الدالة على قدرة الله وعلمه ورحمته الموجبة لعبادته وحده طيران الطير في السماء وهو يبسط جناحيه ويقبضهما ولا يسقط إذ المفروض أن يبقى دائماً يخفق بجناحيه يدفع نفسه فيطير بمساعدة الهواء أما إن قبض أو بسط المفروض أنه يسقط ولكن الرحمن عز وجل يمسكه فلا يسقط.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَأَمِنتُمْ} (16) - أَأَمِنْتُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَن يَخْسِفَ رَبُّكُمْ بِكُم الأَرْضَ، كَمَا خَسَفَهَا بِقَارُونَ، فَإِذَا هِيَ تَتَحَرَّكُ، وَتَضْطَرِبُ وَتَذْهَبُ وَتَجِيءُ. يَخْسِفُ بِكُمْ - يُغَوِّرَ بِكُمْ. تَمُورُ - تَضْطَرِبُ وَتَتَحَرَّكُ حَرَكَةً دَائِرِيَّةً وَهِيَ فِي مَكَانِهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} معناه تَجيءُ كَمَا يَجيءُ السَّحابُ.

الأندلسي

تفسير : {أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ} هذا مجاز وقد قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة ومجازه أن ملكوته في السماء لأن في السماء هو صلة من ففيه الضمير الذي كان في العامل فيه وهو استقر أي من في السماء هو أي ملكوته فهو على حذف مضاف وملكوته في كل شىء لكن خص السماء بالذكر لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأمره ونهيه أو جاء هذا على طريق اعتقادهم إذ كانوا مشبهة فيكون المعنى أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو المتعالى عن المكان. {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ} هو ذهابها سفلى. {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} أي تموج وتذهب كما يذهب التراب في الريح والنذير والنكير مصدران بمعنى الإِنذار والإِنكار ولما حذرهم ما يمكن إحلاله بهم من الخسف وإرسال الحاصب نبههم على الاعتبار بالطير وما أحكم من خلقها وعلى عجز آلهتهم عن شىء من ذلك وناسب ذكر الاعتبار بالطير إذ قد تقدمه الحاصب وقد أهلك الله أصحاب الفيل بالطير والحاصب الذي رمتهم به ففيه اذكار قريش بهذه الصفة وأنه لو تعالى لو شاء أهلكهم بحاصب ترمي به الطير كما فعل بأصحاب الفيل. {صَـٰفَّـٰتٍ} باسطة أجنحتها صافتها كأنها ساكنة. {وَيَقْبِضْنَ} يضممن الأجنحة إلى جوانبها وهاتان حالتان للطائر يستريح من إحداهما إلى الأخرى وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه. {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} بقدرته. {بَل لَّجُّواْ} تمادوا. {فِي عُتُوٍّ} في تكبر وعناد. {وَنُفُورٍ} شراد عن الحق لثقله عليهم. {مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ} قال قتادة: نزلت مخبرة عن حال القيامة وأن الكفار يمشون على وجوههم والمؤمنون يمشون على استقامة حديث : وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم كيف يمشي الكافر على وجهه فقال: ان الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر على أن يمشيه في الآخرة على وجهه تفسير : ومكباً حال من أكب وهو لا يتعدى وكب متعد قال تعالى: {أية : فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ}تفسير : [النمل: 90] والهمزة فيه للدخول في الشىء أو للصيرورة ومطاوع كب انكب تقول كببته فانكب وانتصب قليلاً على أنه نعت لمصدر محذوف وما زائدة وتشكرون مستأنف أو حال مقدرة أي تشكرون شكراً قليلاً والحشر البعث والوعد المشار إليه هو وعد يوم رؤيته وجوههم وظهر فيها السوء والكآبة وغشيها السواد كمن يساق إلى القتل. {وَقِيلَ} لهم أن تقول لهم الزبانية ومن يوبخهم. {تَدَّعُونَ} أنه لا جنة ولا نار وقيل تطلبون وتستعجلون وهو من الدعاء روي أن الكفار كانوا يدعون على الرسول عليه السلام وأصحابه بالهلاك. {إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا} بالنصر عليكم فمن يحميكم من العذاب الذي سببه كفركم ولما قال: أو رحمنا قال هو الرحمٰن ثم ذكر ما به النجاة وهو الإِيمان والتفويض إلى الله تعالى ولما ذكر العذاب وهو مطلق ذكر فقد ما به حياة الأنفس وهو الماء وهو عذاب مخصوص والفور وتقدم شرحه والمعين تقدم وجواب ان أهلكني فمن يجيب وجواب ان أصبح فمن يأتيكم.

الجيلاني

تفسير : وكيف لا تشكرون نعمه، ولا تواظبون على أداء حقوق كرمه؟! {أَءَمِنتُمْ} عذاب {مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ} أي: من عذابه النازل من جانب السماء على من لم يشكر نعماءه المتوالية، وآلاءه المتتالية من {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ} ويطويكم بها ويغيبكم فيها، كما فعل بقارون {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16]. {أَمْ أَمِنتُمْ} عذاب {مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ} ويمطر {عَلَيْكُمْ حَاصِباً} حصباء من قِبَل السماء فيهلككم بها، كما فعل بقوم لوط عليه السلام {فَسَتَعْلَمُونَ} حينئذٍ أيها المسرفون المفرطون في كفران النعم، ونسيان حقوق الكرم {كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 17] وإنذاري عليكم. وإن كذبوك يا أكمل الرسل، وبالغوا في تكذيبك وإنكارك لا تبال بهم وبتكذيبهم، وانتظر إلى ما سيؤول أمرهم إليه. {وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} من الكفرة المكذبين لرسلهم أمثالهم، مبالغين في تكذيبهم {فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ} [الملك: 18] أي: إنكاري إياهم، وانتقامي منهم، فسيلحق أيضاً لهؤلاء الضالين المكذبين لك بأضعاف ما لحقهم. {أَ} ينكرون قدرتنا عن انتقامهم وإهلاكهم {وَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ} باسطات أجنحتهن في الجو عند الطيران {وَ} بعدما أردن السرعة {يَقْبِضْنَ} ويضممن أجنحتهن إلى جنوبهن؛ استظهاراً بها على سرعة الحركة، مع أن ميلهن بالطبع إلى السفل بثقلهن {مَا يُمْسِكُهُنَّ} في الجو على خلاف الطبع {إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} المستعان الشامل برحمته العامة على كل شيء دخل في حيطة قدرته، وعلمه وإرادته، وبالجملة: {إِنَّهُ} سبحانه {بِكُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة الوجود {بَصِيرٌ} [الملك: 19] يدبر أمره على وجه يليق به، وينبغي له بمقتضى سعة رحمته وجوده. ثمَّ قال سبحانه مستفهماً إياهم على الإنكار والتقريع: {أَمَّنْ هَـٰذَا} الناصر الظهير {ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ} وعون لكم {يَنصُرُكُمْ} ويعينكم حين بطش الله إياكم أيها المسرفون {مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} المستوعب بالرحمة العامة على عموم الأكوان، مع أنه لا شيء في الوجود سواه، وبالجملة: {إِنِ ٱلْكَافِرُونَ} أي: ما هم {إِلاَّ فِي غُرُورٍ} [الملك: 20] باطل وزور ظاهر بلا وثوق لهم، ولا اعتماد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تهديد ووعيد، لمن استمر في طغيانه وتعديه، وعصيانه الموجب للنكال وحلول العقوبة، فقال: { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } وهو الله تعالى، العالي على خلقه. { أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ } بكم وتضطرب، حتى تتلفكم وتهلككم. { أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } أي: عذابًا من السماء يحصبكم، وينتقم الله منكم { فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } أي: كيف يأتيكم ما أنذرتكم به الرسل والكتب، فلا تحسبوا أن أمنكم من الله أن يعاقبكم بعقاب من الأرض ومن السماء ينفعكم، فستجدون عاقبة أمركم، سواء طال عليكم الزمان أو قصر، فإن من قبلكم، كذبوا كما كذبتم، فأهلكهم الله تعالى، فانظروا كيف إنكار الله عليهم، عاجلهم بالعقوبة الدنيوية، قبل عقوبة الآخرة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم.