٦٧ - ٱلْمُلْك
67 - Al-Mulk (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : البرهان الأول: هو قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَــٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ }. {صَافَّـات } أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها {وَيَقْبِضْنَ } ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن. فإن قيل لم قال: {وَيَقْبِضْنَ } ولم يقل وقابضات، قلنا: لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارىء غير أصلي بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة، كما يكون من السابح. ثم قال تعالى: {ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ } وذلك لأنها مع ثقلها وضخامة أجسامها لم يكن بقاؤها في جو الهواء إلا بإمساك الله وحفظه، وههنا سؤالان: السؤال الأول: هل تدل هذه الآية على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله، قلنا: نعم، وذلك لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري للطير. ثم إنه تعالى قال: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ } فدل هذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. السؤال الثاني: أنه تعالى قال في النحل [79]: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرٰتٍ فِى جَوّ ٱلسَّمَآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ } تفسير : وقال ههنا: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ } فما الفرق؟ قلنا: ذكر في النحل أن الطير مسخرات في جو السماء فلا جرم كان إمساكها هناك محض الإلهية، وذكر ههنا أنها صافات وقابضات، فكان إلهامها إلى كيفية البسط، والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء بَصِيرٌ } وفيه وجهان الوجه الأول: المراد من البصير، كونه عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان بصر في هذا الأمر، أي حذق والوجه الثاني: أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول: إنه تعالى شيء، والله بكل شيء بصير، فيكون رائياً لنفسه ولجميع الموجودات، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه تعالى يصح أن يكون مرئياً وأن كل الموجودات كذلك، فإن قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إن كان عالماً به، قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات، بصير بالمبصرات.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} أي كما ذلّل الأرض للآدمي ذلّل الهواء للطيور. و «صَافّات» أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها صَفَفْنَ قوائمها صَفّاً. {وَيَقْبِضْنَ} أي يضربن بها جُنُوبَهُنَّ. قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحيه: صافٌّ، وإذا ضَمّهما فأصابا جَنْبَه: قابض؛ لأنه يقبضهما. قال أبو خِرَاش:شعر : يبادر جُنْح الليل فهو مُوَائل يَحُثّ الجناح بالتبَسُّطِ والْقَبضِ تفسير : وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران. وهو معطوف على «صَافَّاتٍ» عطف المضارع على اسم الفاعل؛ كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر:شعر : بات يُعَشّيها بَعضْب باتر يَقْصِدُ في أسْوُقها وجائِرِ تفسير : {مَا يُمْسِكُهُنَّ} أي ما يمسك الطير في الجوّ وهي تطير إلا الله عز وجل. {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ } ينظروا {إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ } في الهواء {صَٰفَّٰتٍ } باسطات أجنحتهنَّ {وَيَقْبِضْنَ } أجنحتهنّ بعد البسط، أي وقابضات {مَا يُمْسِكُهُنَّ } عن الوقوع في حال البسط والقبض {إِلاَّ ٱلرَّحْمَٰنُ } بقدرته {إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ } المعنى: ألم يستدلوا بثبوت الطير في الهواء على قدرتنا أن نفعل بهم ما تقدّم وغيره من العذاب؟.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ}. لما ذكر ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته، وعلى إيصال جميع أنواع العذاب إليهم، ومعناه كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور، وصافاتٍ: أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن. قال شهاب الدين: "صافَّاتٍ" يجوز أن يكون حالاً من "الطَّير"، وأن يكون حالاً من "فَوقَهُمْ" إذا جعلناه حالاً، فتكون متداخلة، و"فَوقَهُمْ" ظرف لـ"صافَّاتٍ" أو لـ"يَرَوا". قوله: "ويَقْبِضْنَ" عطف الفعل على الاسم؛ لأنه بمعناه، أي: وقابضات، فالفعل هنا مؤول بالاسم عكس قوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ}تفسير : [الحديد: 18] فإن الاسم هناك مؤول بالفعل وقد تقدم الاعتراض على ذلك. وقول أبي البقاء: معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي: يصففن ويقبضن، أي "صافَّاتٍ وقَابضاتٍ" لا حاجة إلى تقديره: يصففن ويقبضن؛ لأن الموضع للاسم فلا نؤوله بالفعل. قال أبو حيان: "وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى: {أية : فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ}تفسير : [العاديات: 3 - 4]، ومثل هذا العطف فصيحٌ وكذا عكسه إلاَّ عند السُّهيلي؛ فإنه قبيح؛ نحو قوله: [الرجز] شعر : 4802 - بَاتَ يُغشِّيهَا بعَضْبٍ بَاتِر يَقْصِدُ فِي أسْوُقِهَا وجَائرِ تفسير : أي: قاصد في أسواقها وجائر". وكذا قال القرطبيُّ: هو معطوف على "صافَّاتٍ" عطف المضارع على اسم الفاعل كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: "بَاتَ يُغشِّيها" البيت. قال شهاب الدين: هو مثله في عطف الفعل على اسم الفاعل إلا أن الاسم فيه مؤولٌ بالفعل عكس هذه الآية، ومفعول "يقبِضنَ" محذوف، أي: ويقبضن أجنحتهن. قاله أبو البقاء، ولم يقدر لـ"صَافَّاتٍ" مفعولاً كأنه زعم أن الاصطفاف في أنفسها، والظاهر أن المعنى: صافات أجنحتها وقابضات، فالصف والقبض منها لأجنحتها. ولذلك قال الزمخشري: "صافَّاتٍ" باسطات أجنحتهن، ثم قال: فإن قلت: لم قال: ويقبضن، ولم يقل: "قابضات"؟. قلت: لأن الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، يكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح. قوله "مَا يُمسِكُهُنَّ". يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً من الضمير في "يَقْبِضنَ" قاله أبو البقاء. والأول أظهر. وقرأ الزهريُّ: بتشديد السِّين. فصل في معنى: يقبضن قوله: "ويَقْبِضْنَ". أي: يضربن بها لجنوبهن. قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحية: صاف، وإذا ضمها فأصاب جنبه قابض، لأنه يقبضهما. قال أبو خراش الشاعر: [الطويل] شعر : 4803 - يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فهو مُوائِلٌ يَحُثُّ الجَناحَ بالتَّبسُّطِ والقبْضِ تفسير : وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران. وقوله "ما يُمسِكُهنَّ" أي: ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عز وجل {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}. قال ابن الخطيب: وفيه وجهان: الأول: المراد من "البصير" كونه عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان له بصر في هذا الأمر، أي: حذق. والثاني: أن يجري اللفظ على ظاهره، فتقول: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} فيكون رائياً لنفسه، ولجميع الموجودات وهذا الذي يقوله أصحابنا: إنه تعالى شيء يصح أن يكون مرئياً، وأن كل الموجودات كذلك، فإن قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إذا كان عالماً قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات بصير بالمبصرات. فصل في قوله تعالى {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري له، وقد نسبه للرحمن. قوله: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي}. قرأ العامة: بتشديد الميم على إدغام ميم "أمْ" في ميم "مَنْ" و"أمْ" بمعنى "بَلْ" لأن بعدها اسم استفهام، وهو مبتدأ، خبره اسم الإشارة. وقرأ طلحة: بتخفيف الأول وتثقيل الثاني. قال أبو الفضل: معناه: أهذا الذي هو جند لكم، أم الذي يرزقكم. و"يَنْصُركُمْ" صفة لجند. فصل في لفظ جند قال ابن عباس: "جُندٌ لَكُمْ" أي: حزب ومنعه لكم {يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ}، فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجند يوحد، ولهذا قال: هذا الذي هو جند لكم، وهو استفهام إنكاري، أي لا جند لكم يدفع عذاب الله من دون الرحمن، أي: من سوى الرحمن {إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ} من الشيطان يغرهم بأن لا عذاب، ولا حساب. قال بعض المفسرين: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون الرسول - عليه الصلاة والسلام - معتمدين على شيئين: أحدهما: قوتهم بعددهم ومالهم. والثاني: اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات فأبطل الله عليهم الأول بقوله {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ} الآية، ورد عليهم الثاني بقوله: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ} الآية. قوله {إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} شرط، جوابه محذوف للدلالة عليه، أي: أفمن يرزقكم غيره. وقدّر الزمخشريٌّ شرطاً بعد قوله: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ} تقديره: "إن أرسل عليكم عذابه" ولا حاجة له صناعة. فصل في معنى الآية المعنى {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُم} أي: يعطيكم منافع الدنيا. وقيل: من آلهتكم "إنْ أمسَكَ" يعني الله تعالى رزقه وهذا مما لا ينكره ذو عقل، وهو أنه تعالى إن أمسك أسباب الرزق كالمطر، والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى: {بَل لَّجُّواْ}، أي: تمادوا وأصروا "فِي عُتُوٍّ" طغيان "ونُفورٍ" عن الحق، أو تباعد أو إعراض عن الحق. قوله: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ}. "مُكِبًّا" حال من فاعل "يمشي". قال الواحديُّ: "أكب"، مطاوع كبه، يقال: كببته فأكب. قال الزمخشريُّ: هو من الغرائب والشواذ، ونحوه قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك ولا شيء من بناء "أفعل" مطاوع، بل قولك: أكب، من باب "أنفض، وألأم" ومعناه: دخل في الكب، وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع. ومطاوع "كب، وقشع" انكب وانقشع. قال أبو حيان: "ومُكِباً" حال من "أكب" وهو لا يتعدى، و"كب" متعد، قال تعالى {أية : فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ}تفسير : [النمل: 90] والهمزة فيه للدخول في الشيء، أو للصيرورة، ومطاوع كب انكب، تقول: كببته فانكب. قال الزمخشريُّ: "ولا شيء من بناء "أفعل" مطاوعاً ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه" انتهى. وهذا الرجل يتبجح بكتاب سيبويه، وكم من نص في كتاب سيبويه عمي بصره وبصيرته عنه حتى إن الإمام أبا الحجاج يوسف بن معزوز صنف كتاباً يذكر فيه ما غلط الزمخشري فيه، وما جهله من كتاب سيبويه. انتهى. قال شهاب الدين: انظر إلى هذا الرجل كيف أخذ كلام الزمخشري الذي أسلفته عنه طرز به عبارته حرفاً بحرف ثم أخذ ينحي عليه بإساءة الأدب جزاء ما لقنه تلك الكلمات الرائقة، وجعل يقول: إن مطاوع "كَبَّ" "انكب" لا "أكب" وأن الهمزة للصيرورة، أو للدخول في الشيء، وبالله لو بقي دهره غير ملقن إياها لما قالها أبداً، ثم أخذ يذكر عن إنسان مع أبي القاسم كالسُّها مع القمر أنه غلطه في نصوص من كتاب سيبويه، والله أعلم بصحتها: [الوافر] شعر : 4804 - وكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً وآفتُهُ من الفَهْمِ السَّقيم تفسير : وعلى تقدير التسليم، فالفاضل من عدت سقطاته. قال القرطبيُّ: يقال: أكب الرجل على وجهه فيما لا يتعدى بالألف، فإذا تعدى قيل: كبه الله على وجهه بغير ألف، وقوله: "أفَمنْ يَمْشي" هو المعادل لـ{أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً}. وقال أبو البقاء: "وأهْدَى" خبر "مَنْ يَمِشِي" وخبر "من" الثانية محذوف. يعني أن الأصل: أم من يمشي سوياً أهدى، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن قولك: أزيد قائم، أم عمرو لا يحتاج فيه من حيث الصناعة إلى حذف الخبر، نقول: هو معطوف على "زيد" عطف المفردات، ووحد الخبر لأن "أمْ" لأحد الشيئين. فصل قال المفسرون: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً} منكساً رأسه لا ينظر أمامه، ولا يمينه، ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه {كَمنْ يَمْشي سويّاً} مُعتدِلاً ناظراً ما بين يديه، وعن يمينه وعن شماله. قال ابن عباسٍ: هذا في الدنيا، ويجوز أن يريد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى طريق، فلا يزال ينكسه على وجهه، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المهتدي له. قال قتادةُ: هو الكافر أكب على معاصي الله في الدنيا، يحشره الله يوم القيامة على وجهه. وقال ابن عباس والكلبيُّ: عنى بالذي يمشي على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سوياً رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: أبو بكر. وقيل: حمزة. وقيل: عمار بن ياسر. قال عكرمة: وقيل: هو عام في الكافر والمؤمن، أي: إن الكافر لا يدري أعلى حق هو، أم على باطل، أي: هذا الكافر أهدى، أم المسلم الذي يمشي سوياً معتدلاً يبصر الطريق، وهو على صراطٍ مستقيمٍ وهو الإسلام. قوله {قُلْ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ}. أمر نبيه أن يعرفهم قبح شركهم مع اعترافهم أن الله خلقهم {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} يعني القلوب. قوله "قَلِيلاً". نعت مصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه و"ما" مزيدة أي: تشكرون قليلاً، والجملة من "تَشْكُرون" إما مستأنفة، وهو الظاهر، وإما حال مقدرة؛ لأنهم حال الجعل غير شاكرين. والمراد بالقلة العدم، أو حقيقتها، أي: لا تشكرون هذه النعم، ولا توحدون الله تعالى، تقول: قلَّما أفعلُ كذا، أي: لا أفعله. قال ابن الخطيب: وذكر السمع والبصر والفؤاد هاهنا تنبيهاً على دقيقه لطيفة، كأنه تعالى قال: أعطيتم هذه الأعضاء الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة، فضيعتموها ولم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ولا تأملتم في عاقبة ما عقلتموه، فكأنكم ضيعتم هذه النعم، وأفسدتم هذه المواهب، فلهذا قال: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}. قوله: {قُلْ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانِ أولاً، ثم بصفات الإنسانِ ثانياً، وهي السمع والبصر والعقل، ثم بحدوث ذاته ثالثاً، وهو قوله {قُلْ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} واعلم أن الشروع في هذه الدلائل إنما كان لبيان صحة الحشر ليثبت ما ادعاه في قوله {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ولهذا ختم الآية بقوله {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} لأنه لما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب القدرة على الإعادة، فلهذا ختمها بقوله {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. فصل في معنى "ذرأكم" قال ابن عباسٍ: خلقكم في الأرض. وقال ابن بحر: نشركم فيها، وفرقكم فيها على ظهرها {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فيجازي كلاًّ بعمله.
ابو السعود
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ} أغفَلوا ولم ينظُروا {إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَــٰفَّـٰتٍ} باسطاتٍ أجنحتهنَّ في الجوِّ عند طيرانِهَا فإنهنَّ إذا بسطنَهَا صفَفنَ قوادِمها صفاً {وَيَقْبِضْنَ} ويضمُمنها إذا ضربنَ بها جنوبهنَّ حيناً فحيناً للاستظهارِ بهِ على التحركِ وهو السرُّ في إيثارِ يقبضنَ الدالِّ على تجددِ القبضِ تارةً بعد تارةٍ على قابضاتٍ {مَا يُمْسِكُهُنَّ} في الجوِّ عند الصفِّ والقبضِ على خلافِ مقتضى الطبعِ {إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} الواسعُ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ بأنْ برأهُنَّ على أشكالٍ وخصائصَ وهيأهُنَّ للجريِ في الهواءِ، والجملةُ مستأنفةٌ أو حالٌ من الضميرِ في يقبضنَ {إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء بَصِيرٌ} يعلمُ كيفيةَ إبداعِ المبدعاتِ وتدبـيرِ المصنوعاتِ. وقوله تعالَى: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} تبكيتٌ لهم بنفي أنْ يكونَ لهم ناصرٌ غيرُ الله تعالَى كما يلوحُ به التعرضُ لعنوانِ الرحمانيةِ ويعضُدهُ قولُه تعالَى: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} أو ناصرٌ من عذابِهِ تعالَى كما هو الأنسبُ بما سيأتي من قولِه تعالَى: { أية : إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} تفسير : [سورة الملك، الآية 21] كقولِهِ تعالَى: { أية : أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا} تفسير : [سورة الأنبياء، الآية 43] في المعنيـينِ معاً خَلا أنَّ الاستفهامِ هُناكَ متوجهٌ إلى نفسِ المانعِ وتحققهِ وههُنا إلى تعيـينِ الناصرِ لتبكيتِهِم بإظهارِ عجزِهِم عن تعيـينِهِ، وأم منقطعةٌ مقدرةٌ ببل المفيدةِ للانتقالِ من توبـيخِهِم على تركِ التأملِ فيما يشاهدونَهُ من أحوالِ الطيرِ المنبئةِ عن تعاجيبِ آثارِ قدرةِ الله عزَّ وجلَّ إلى التبكيتِ بما ذُكِرَ، والالتفاتُ للتشديدِ في ذلكَ ولا سبـيلَ إلى تقديرِ الهمزةِ معَها لأنَّ ما بعدَهَا مَنْ الاستفهاميةُ وهي مبتدأٌ وهذا خبرُهُ والموصولُ مع صلتِهِ صفتُهُ كما في قولِهِ تعالَى: { أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 255] وإيثارُ هذا لتحقيرِ المشارِ إليهِ. وينصرُكُم صفةٌ لجندٌ باعتبارِ لفظِهِ، ومن دونِ الرحمنِ على الوجهِ الأولِ إما حالٌ من فاعلِ ينصركُم أو نعتٌ لمصدرِهِ وعلى الثاني متعلقٌ بـينصركم كما في قولِهِ تعالَى: { أية : مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [سورة هود، الآية 30] فالمَعْنَى بلْ مَنْ هذا الحقيرُ الذي هُو في زعمِكُم جندٌ لكم ينصرُكُم متجاوزاً نصرَ الرحمنِ أو ينصرُكُم نصراً كائناً من دونِ نصرِهِ تعالَى أو ينصرُكُم من عذابٍ كائنٍ من عندِ الله عزَّ وجلَّ. وتوهمُ أنَّ أمَّ معادلةٌ لقولِهِ تعالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} الخ معَ القولِ بأنَّ مَنِ استفهاميةٌ مما لا تقريبَ له أصلاً. وقولُه تعالَى: {إِنِ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ} اعتراضٌ مقررٌ لما قبلَهُ ناعِ عليهِم ما هُم فيهِ من غايةِ الضلالِ أي ما هُم في زعمِهِم أنَّهم محفوظونَ من النوائبِ بحفظِ آلهتِهِم لا بحفظِهِ تعالَى فقطْ أو أنَّ آلهتَهُم تحفظهُم من بأسِ الله إلا في غرورٍ عظيمٍ وضلالٍ فاحشٍ من جهةِ الشيطانِ ليسَ لهُم في ذلكَ شيءٌ يعتدُّ بهِ في الجملةِ. والالتفاتُ إلى الغيبةِ للإيذانِ باقتضاءِ حالِهِم للإعراضِ عنهُم وبـيانِ قبائِحِهِم لغيرِهِم. والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ لذمِّهِم بالكُفرِ وتعليلِ غرورِهِم بهِ. والكلامُ في قوله تعالَى: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ} أي الله عزَّ وجلَّ {رِزْقَهُ} بإمساكِ المطرِ وسائرِ مباديهِ كالذي مرَّ تفصيلُه خَلا أنَّ قولَه تعالَى: {بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوّ وَنُفُورٍ} منبىءٌ عن مقدَّرٍ يستدعيهِ المقامُ كأنَّه قيلَ إثرَ تمامِ التبكيتِ والتعجيزِ لم يتأثروا بذلكَ ولم يُذعنُوا للحقِّ بل لجُّوا وتمادَوا في عتوَ، أي عنادٍ واستكبارٍ وطغيانٍ ونفورٍ أيْ شرادٍ عن الحقِّ.
القشيري
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}. أو لم يروا كيف خَلَقَ الطيور على اختلاف أجناسها، واختصاصها بالطيران لأن لها أجنحة - بخلاف الأجسام الأخر... مَنْ الذي يمسكهن ويحفظهن وهن يقبضن ويبسطن أجنحتهن في الفضاء؟ وما الذي يوجبه العقل حفظ هذه الطيور أم بقية الأجسام الأُخر؟. {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ}. إِن أراد الرحمنُ بك سوءاً... فَمَنْ الذي يُوَسِّعُ عليكم ما قَبَضَه، أو يمحو ما أثبته، أو يُقَدِّمُ ما أَخَّرَه، أو يُؤَخّرُ ما قدَّمَه؟.
البقلي
تفسير : قال الله {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} اشارة الى طيور الارواح القدسية التى تطير فى هواء الازل والابد باجنحة الشوق والمحبة باسطات اجنحتهن يبسط الانس قابضة لها برؤية عظمة القدس فهنك محل القبض والبسط ولولا فضله وكرمه لتفنى فى بروز سبحات ذاته وتسقط من هواء هويته الى ارض قهره قال الله {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} قال الحريرى اشار الحق الى ان يتوكل عليه الاولياء وسكن اليه الاصفياء لان الطيور لما صفا توكلن على الحق طيرهن فى الهواء قبضن اجنحتهن وامساكها صافات على ذكر الله فاذا توكل عليه الولى شوقا الى الملك الاعلى لحيره بجناح الانس فى هواء المحبة واجلسه على بساط المعرفة ويقبضه الحق بقدرته ويمكسه بعواطف رحمته.
اسماعيل حقي
تفسير : {اولم يروا} اى اغفلوا ولم ينظروا {الى الطير} فالرؤية بصرية لانها تتعدى بالى واما القلبية فتعديتها بفى والطير يطلق على جنس الطائر وهو كل ذى جناح يسبح فى الهوآء اما لكون جمعه فى الاصل كركب وراكب او مصدره جعل اسما لجنسه فباعتبار تكثره فى المعنى وصف بصافات وفى المفردات انه جمع طائر {فوقهم} يجوز أن يكون ظرفا ليروا وأن يكون حالا من الطير أى كائنات فوقهم {صافات} حال من الطير والصف أن يجعل الشئ على خط مستو كالناس باسطات اجنحتهن فى الجو عند طيرانها فانهن اذا بسطنها صففن قوادمها صفا وقوادم الطير مقاديم ريشه وهى عشر فى كل جناح الواحدة قادمة {ويقبض} ويضممنها اذا ضربن بما جنوبهن حينا فحينا للاستظهار به على التحرك وهو الشر فى ايثار يقبضن الدال على تجدد القبض تارة بعد تارة على قابضات فان الطيران فى الهوآء كالسباحة فى الماء فكما ان الاصل فى السباحة مد الاطراف وبسطها فكذا الاصل فى الطيران صف الاجنحة وبسطها والقبض انما يكون تارة بعد تارة للاستظهار المذكور كما فى السابح قال ابن الشيخ ويقبض عطف على صافات لانه بمعنى وقابضات والا لما عطف الفعل على الاسم {ما يمسكهن} فى الجو وما يأخذهن عن السقوط عند الصف والقبض على خلاف مقتضى الطبع الجسمانى فانه يقتضى الهبوط الى السفل {الا الرحمن} الواسع رحمته كل شئ بأن برأهن على اشكال وخصائص وهيأهن للجرى فى الهوأء {انه بكل شئ بصير} يعلم ابداع المبدعات وتدبير العجائب والبصير هو الذى يشاهد ويرى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وهو فى حقه تعالى عبارة عن الوصف الذى به ينكشف كمال نعوت المبصرات فالبصر صفة زآئدة على علمه تعالى خلافا للقدرية فمن عرف هذه الصفة كان المراد به دوام المراقبة ومطالبة النفس بدقيق المحاسبة والمراقبة احدى ثمرات الايمان (حكى) ان بعض الملوك كان له عبد يقبل عليه اكثر مما يقبل على امثاله ولم يكن احسن منهم صورة ولا اكثر منهم قيمة فكانوا يتعجبون من ذلك فركب الملك يوما الى الصحرآء ومعه اصحابه وعبيده فنظر الى جبل بعيد عليه قطعه ثلج نظرة واحدة ثم اطرق فركض ذلك العبد فرسه من غير أن ينظر الملك اليه ولا أشار بشئ من ذلك ولم تعلم الجماعة لاىّ شئ ركض فرسه فما لبث الا ساعاة حتى عاد ومعه شئ من الثلج فقل له بم عرفت ان الملك أراد الثلج فقال لانه نظر اليه ونظر الملوك الى شئ لا يكون عبثا فقال الملك لهذا اقربه واقدمه عليكم فانكم مشغولون بأنفسكم وهو مشغول بمراقبة احوالى وفى التأويلات النجمية يشير الى طيران الارواح العلوية المخلوقة قبل الاجساد من العوالم الهيولانية وما يمسكهن الا الرحمن المشتمل على الاسم الحفيظ وبه يمسكها فى جو سماء القدرة انه بكل شئ بصير يعلم كيف يخلق الاشياء الغريبة وكيف يدبر الامور العجبة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أَوَلَمْ يَرَوُا} أي: أَغَفلُوا ولم ينظروا {إِلى الطيرِ}؛ جمع طائر {فوقهم} في الهواء {صافاتٍ}؛ باسطاتٍ أجنحتها في الجو عند طيرانها {ويقبِضْنَ}؛ ويضممنها إذا ضربن بها حيناً فحيناً، للاستظهار به على التحرُّك، وهو السر في إيثار (ويقبضن) الدال على تجدُّد القبض تارة بعد تارة على "قابضات"، فـ"يقبضن": معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي: يصففن ويقبضن، أو: صافات وقابضات. والطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والهواء للطائر كالماء للسابح، والأصل في السباحة: مدّ الأطراف وبسطها، وأمّا القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرُّك. {ما يُمسِكُهُنَّ} في الجو عند البسط والقبض على خلاف مقتضى الطبع {إلاَّ الرحمنُ} الواسع رحمته كل شيء، ومن جملتها: إمساكه الطير في الهواء بقدرته، وإلا فالثقيل يسفل طبعاً ولا يطفو، وكذلك لو أمسك حِفظَه وتدبيره للعالم لتهافت وتلاشى. {إِنه بكل شيءٍ بصيرٌ} يعلم كيفية إبداع المبدعات، وتدبير المصنوعات، ومن مبدعاته: أنَّ الطير على أشكال وخصائص هيّأهن للجري في الهواء. {أمَّنْ هذا الذي هو جندٌ لكم ينصركم من دون الرحمن}، هو تبكيت لهم ينفي أن يكون لهم ناصر من عذابه غير الله، أي: لا ناصر لكم إلاّ الرحمن برحمته. "أم" منقطعة مقدرة ببل؛ للانتقال من توبيخهم على ترك التأمُّل فيما يشاهدونه من أحوال الطير المنبئة عن تعاجيب قدرة الله تعالى إلى التبكيت بما ذكر من نفي نصرة غيره تعالى، والالتفات للتشديد في ذلك، و(من): مبتدأ و(هذا): خبره، و(الذي) وما بعده: صفتهن وإيثار "هذا" تحقيراً له، و(ينصركم): صفة لجُند، باعتبار لفظه، و(من دون): إما حال من فاعل "ينصركم" أو لمصدر محذوف، أي: نصراً حاصلاً من دون الرحمن، أو: متعلق بينصركم، كقوله:{أية : مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللهِ } تفسير : [هود:30]، والمعنى: بل مَن هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم ينصركم نصراً كائناً من دون نصرة الرحمن؟! {إِنِ الكافرون إلاّ في غرورٍ} أي: ما هم في زعمهم أنهم محفوظون من النوائب بحفظ آلهتهم، لا بحفظه تعالى فقط، إلاّ في غرور عظيم، وضلال فاحش من الشيطان. والالتفات إلى الغيبة؛ للإيذان بافتضاح حالهم، والإعراض عنهم، وإظهار قبائحهم، والإظهار في موضع الإضمار لذمّهم بالكفر, وتعليل غرورهم به. {أمّنْ هذا الذي يرزقكم إِنْ أمسك} اللهُ عزّ وجل {رزقَه} بإمساك المطر وسائر مبادئه، أي: مَن هذا الحقير الذي يقدر على إتيان رزقكم من آلهتكم إن أمسكه الله؟ {بل لَجُّوا في عَتُوٍّ ونفورٍ}، إضراب عن مُقدّر يستدعيه المقام، كأنه قيل بعد تمام التبكيت والتعجيز: لم يتأثروا بشيء من ذلك، ولم يذعنوا للحق، {بل لجُّوا} أي: تمادوا {في عتوٍّ} أي: استكبار وطغيان {ونفورٍ}؛ وشُرود عن الحق لِثقله عليهم. ثم ضرب مثلاً للمشرِك والموحِّد، فقال: {أفمن يمشي مُكبًّا على وجهه} أي: ساقطاً على وجهه {أهْدى}، والفاء لترتيب ذلك على ما ظهر من سواء حالهم، وسقوطهم في مهاوي الغرور، وركوبهم متن عشواء العتو والنفور. والمُكب: الساقط على وجهه، والمعنى: أفمن يمشي وهو يعثر في كل ساعة، ويخرّ على وجهه في كل خطوة أهدى إلى المقصود {أَمَّنْ يمشي سَوِياً} أي: قائماً سالماً من الخبط والعِثار {على صراط مستقيم} مستوي الأجزاء لا عوج فيه، ولا انحراف؟ و"من" الثانية: معطوفة على الأُلى عطف المفرد. وقيل: المراد بالمكب: الأعمى، وبالسوي: البصير. وقيل: مَن يمشي مُكباً هو الذي يُحشر على وجهه إلى النار، ومَن يمشي سويًّا: الذي يُحشر على قدميه إلى الجنة. {قل هو الذي أنشأكم} إنشاءً بديعاً، {وجعل لكم السمعَ} لتسمعوا آيات الله، وتمتثلوا ما فيها من الأوامر والنواهي، وتتعظوا بمواعظها، {والأبصارَ} لتنظروا بها إلى الآيات التكوينية الشاهدة بشؤون الله تعالى، {والأفئدةَ} لتتفكروا بها فيما تسمعونه وتشاهدونه من الآيات التنزيلية والتكوينية؛ لتترقوا في معاريج الإيمان والمعرفة، {قليلاً ما تشكرون} باستعمالها فيما خُلقت له. و"قليلاً": إما نعت لمحذوف، أو: ظرف، و(ما): صلة لمحذوف، أي: شكراً قليلاً، أو: زمناً قليلاً. وقيل: القلة عبارة عن العدم. {قل هو الذي ذرأكم في الأرض} أي: خلقكم وكثَّركم فيها {وإِليه تُحشرون} للجزاء لا إلى غيره، فتهيؤوا للقائه. الإشارة: أَوَلَم يَرَوا إلى طيور أفكار العارفين فوقهم منزلةً ورفعة، صافاتٍ، تجول في ميادين الغيوب، ويقبضن عنانهن, عكوفاً في الحضرة، وسكوناً في النظرة، ما يُمسِكُهن فيها إلاَّ الرحمن الذي مَنَّ عليهم برحمته، فأسكنهم فيها، إنه بكل شيء بصير، فيُبصر مَن توجه إليه ومَن لا، أمَّنْ هذا الذي هو جند لكم ينصركم على طريق السلوك، ويُبلغكم إلى حضرة مالك المَلوك، من دون الرحمن؟ إنِ الكافرون بهذا إلاّ في غرور، حيث حسبوا أنَّ وصولهم بحسب جهادهم وطاعتهم، أمَّن هذا الذي يرزقكم إمداد قلوبكم من العلوم والمعارف واليقين الكبير، إن أمسك رزقه فلم يتوجه إليكم إلاَّ القليل، بل لجُّوا في عُتو ونفور، أفمن يمشي مُكبًّا على وجهه، حيث رام سلوك الطريق بلا شيخ ولا دليل عارف، أهدى أمَّنْ يمشي سويًّا سالماً من الانحراف، على صراط مستقيم، تُوصله إلى حضرة العيان، وهو مَن سلك الطريق على يد الخبير، بل مَن سلكه على يد الخبير أهدى وأصوب، قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم دلائل السلوك إلى معرفته، لتستدلوا عليه بالأدلة السمعية والعقلية، ثم تَتَرَقون إلى صريح معرفته، بسلوك الطريق على يد الخبير، قل هو الذي ذرأكم في أرض العبودية، وإليه تُحشرون بشهود عظمة الربوبية. ثم سألوا عن وقت هذا الحشر، كما قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ}.
الجنابذي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ} الم ينظروا فى آيات قدرته ولم يروا الى الطّير {فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} باسطاتٍ اجنحتهنّ {وَيَقْبِضْنَ} بالدّفيف أتى به مضارعاً لانّ الدّفيف يكون مكرراً متدرّجاً ويناسبه المضارع الدّالّ على الاستمرار التّجدّدىّ، والصّفيف اذا وقع يكون باقياً على الحالة الاولى ويناسبه الفاعل الدّالّ على الاستمرار من دون التّجدّد فى الحدوث {مَا يُمْسِكُهُنَّ} فى الجوّ {إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} فيعلم دقائق ما يحتاج اليه المخلوق والغرض من النّظر الى الطّير ان ينظر العاقل الى انّها مخلوقة من التّراب والغالب عليه الجزء الارضىّ وهى بالطّبع طالب للمركز، وانّ الله تعالى خلقها بحيث يكون تعيّشها فى الجوّ وقوتها يكون من حركتها فى الجوّ فى الاغلب فخلقها تعالى بحيث يكون جميع ما تحتاج اليه فى حركتها وتعيّشها فى الجوّ مهيّأةً، وليس هذا الاّ فعل حكيم بصيرٍ قديرٍ وليس فعل طبيعة السّماء والسّماوات كما يقول الدّهريّون، ولا فعل الطّبائع الارضيّة كما يقول الطّبيعيّون فيعلم من ذلك مبدءً قديراً عليماً حكيماً لنفسه، ويعلم انّ الّذى لا يهمل شيئاً ممّا يحتاج اليه الطّير لا يهمل الانسان الّذى هو اشرف من الطّير ولم يخلقه عبثاً.
الأعقم
تفسير : {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات} بأجنحتها وهي تطير {ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمان} أي ما يحبسهن في الهواء في حال القبض والبسط إلا الرحمان {إنه بكل شيء بصير} أي عالم {أمن هذا الذي هو جند لكم} هذا عطف على قوله أمنتم من في السماء من جند الله أن ينزل عليكم عذاباً أم لكم جند {ينصركم من دون الرحمان} أي ليس لكم مانع من العذاب {إن الكافرون إلا في غرور} {أمّن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه} الذي هو رزقكم أسباب الرزق نحو المطر والنبات {بل لجّوا} أي تمادوا واستمروا في اللجاج {في عتو} أي بعد عن الحق {ونفور} عن الحق {أفمن يمشي مكباً على وجهه}، قيل: ضرب مثلاً للمؤمن والكافر، وقيل: هو على الحقيقة فإن الكافر يحشر يوم القيامة يمشي على وجهه، ومعناه أفمن يمشي مكبَّاً على وجهه قيل: ساقطاً فلا يرى الطريق ولا يقدر على المشي، وقيل: أفمن يمشي راكباً رأسه في الضلالة كالأعمى لا يبصر حقاً من باطل {أهدى أمّن يمشي سوياً على صراط مستقيم} واضح قيم {قل} يا محمد {هو الذي أنشأكم} أي أوجدكم من عدم {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} وإنما خصّ هذه الأعضاء لأنها طرق العلم ومحله القلب، أي أعطاكم آلات العلم ولم تتفكروا {قليلاً ما تشكرون} قيل: قليلاً شكرهم على هذه النعم، وقيل: قليلاً من يشكر منهم {قل هو الذي ذرأكم} أي خلقكم صغاراً ثم نقلكم إلى حال التكليف، وقيل: أراد آدم لأنه خلق من الأرض {وإليه تحشرون} أي إلى حكمه وجزائه تجمعون {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} يعني وعد البعثة والجزاء إن كنتم صادقين إن ذلك كائن {قل} يا محمد {إنما العلم عند الله} يعني علم الساعة متى تكون تختص به القديم سبحانه {وإنما أنا نذيرٌ مبين} {فلمَّا رأوه} هذا إخبار عمن تقدم من الكفار حين رأوا نزول العذاب بهم، وقيل: رأوا العذاب يوم بدر، وقيل: معاينة {سيئت وجوه الذين كفروا} أي يظهر على وجوههم آثار الغم والحسرة، وقيل: اسودت وجوههم {وقيل} ساءهم رؤية القيامة، وقيل: لهؤلاء الكفار {هذا الذي كنتم به تدعون} واختلفوا من القائل قيل: قاله الملائكة، وقيل: قاله بعضهم لبعض تندماً، ويُحتمل أنه تعالى يقول ذلك زيادة لهم في عقابهم، قيل: كان المشركون يتمنون موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه فنزل قوله: {قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا} يعني إن أصابنا أو أبقانا وأخّر أجلنا فمن يجيركم من العذاب فإنه واقع بكم لا محالة وتلخيصه لا مجير للكافرين أهلكنا أو رحمنا وإنما النجاة بالإِيمان {قل هو الرحمان آمنا به وعليه توكّلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين} فستعلمون إذا جمعنا في القيامة عن قريب من الضلاّل، ومعنى مبين ظاهراً {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً} أي غائراً ذاهباً في الأرض {فمن يأتيكم بماء معين} قيل: ظاهر العيون، وقيل: جاري.
الهواري
تفسير : قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} أي: بأجنحتها، أي: قد رواها {وََيَقْبِضْنَ} قال الحسن: حين تحرك الطير جناحيها. وبعضهم يقول: (وَيَقْبِضْنَ) يعني إذا وقف الطائر صافاً جناحيه لا يزول. قال تعالى: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}. قوله تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ} على الاستفهام، أي: إن أراد عذابكم. أي: ليس أحد ينصركم من دون الله. قال تعالى: {إِن الْكَافِرُونَ} أي: ما الكافرون {إِلاَّ فِي غُرُورٍ} يعني في غرور من الشياطين. قوله تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} على الاستفهام. أي: لا أحد. يقول: إن هذه الأوثان التي تعبدونها ليست بالتي ترزقكم. قال: {بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ} أي من العتوّ، وهو الشرك {وَنُفُورٍ} أي: عن الإِيمان. وقال مجاهد: أي: وكفور، وهو واحد.
اطفيش
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوا} ينظروا {إِلَى الطَّيْرِ} جمع طائر {فَوْقَهُمٍ صَافَّاتٍ} حال أو نعت عند من اجاز نعت المحلي بال الجنسية بالمنكرة ويجوز كون الحالية من ضمير الاستقرار في فوقهم فإن الظرف متعلق بمحذوف حال من الطير ومعنى صافات باسطات اجنحتهن في الجو عند طيرانهن لانهن اذا بسطنها جعلن قوادمهن صفا. {وَيَقْبِضْنَ} عطف على صافات لان صافات اسم فاعل في معنى الفعل ولكن يرد يقبضن الى الوصف لا صافات الى الفعل لان اصل الحال والنعت ان يكونا اسمين أي صافات لاجنحتهن وقابضات لهن أي ضامات لهن اذا ضربن بهن جنوبهن وقتا بعد وقت استعانة على الطيران والصف والقبض حالتان للطائر يستريح من احداهما للاخرى وعبر في القبض بالفعل لدلالته على التجدد فإن اصل الطيران هو صف الاجنحة لان في الهواء كالسباحة في الماء والاصل فيها بسط الاطراف واما القبض فطارىء متجدد حالا بعد اخرى وقيل قبضهن كفهن عن الطيران فيقفن في الهواء. {مَا يُمْسِكُهُنَّ} في القبض والبسط {إِلا الرَّحْمَنُ} بقدرته وبما دبر لهن من القوادم والخرافي واقدارهن على الجري في الهواء. {إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ} يخلق الغرائب ويدبر العجائب ولا تخفى عليه خافية فثبوت الطير في الهواء يدلكم على قدرتنا ان نفعل بكم ماتقدم وغيره من العذاب.
اطفيش
تفسير : {أوَلَمْ يروْا} أعملوا ولم يروا {إِلَى الطَّيْرِ} جمع طائر أو اسم جمع وهو أولى كركب وراكب {فوْقَهُمْ} يتعلق بمحذوف حال من الطير أو نعمته على ما تقدم فى المقرون بأَل الجنسية، ولا يصح تعليقه بيروا لأَن الرؤية تقع فى الأَرض لا فوق، واستعمال العين للنظر فى الأَرض لا فى الجو، اللهم إِلا أن يرى أثر ذلك الاستعمال، أو متعلق بقوله صافات أو حال من المستتر فى صافات وصافات حال من الطير أو من المستتر فى فوق أو فى متعلقة إِذا علق فوق بمحذوف حالا. {صَافَّاتٍ} أى باسطات ومفعوله محذوف أى باسطات أجنحتهن وقوادمهن وهو الريش المتقدم. {وَيَقْبِضْنَ} أجنحتهن جانباً عطف على صافات فيؤول إِلى صافات لتقدم صافات، أى وقابضات لا العكس بتأْويل صافات إِلى يقبضن أى يصففن ويقبضن، ولأَن الأَصل فى الحال المفرد لا الجملة، وعطف الفعلية على الوصف، والعكس جائزان، ومنع السهيلى العكس لقلته كقوله: شعر : بات يغشيها بعضب باتر يقصد فى أسوقها وجائر تفسير : يجر جائر عطف على جملة يقصد التى هى فى محل جر نعت ثان لعضب كأَنه قيل قاصد وجائر، قال الله عزَّ وجلَّ: "أية : يُخْرِجُ الحَيَّ مِن الميِّتِ وَمُخْرِجُ الميِّتِ مِنَ الحَيِّ " تفسير : [الأنعام: 95] فيرجع لفظ مخرج إِلى يخرج لتقدم يخرج عكس ما هنا، ولما كان الأَصل فى الطير مد الأَطراف وبسطها كالسباحة فى الماء وبه تقطع المسافة والقبض طارئاً ليحصل البسط المحرك جاء داله وصفاً ودال القبض فعلا يتجدد. {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ} الواسع الرحمة للطير بإِلهامها ذلك ولغيرها، والجملة حال أُخرى من الطير {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ بَصِيرٌ} دقيق العلم قوى القدرة لو شاء لمشت الطير فى الهواء بلا جناح وأثقل الأَشياء يمسكه بلا عمد ألا ترى إِلى السماوات والأَرض وألا ترى إِلى صخرة بيت المقدس.
الالوسي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } أغفلوا ولم ينظروا {إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَــٰفَّـٰتٍ } باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها - أعني ما تقدم من ريشها - صفاً. ونصب {صَــٰفَّـٰتٍ} على الحال من (الطير) أو من ضميرها في {فَوْقَهُمْ } وهو في موضع الحال فتكون الحال متداخلة، وجوز أن يكون ظرفاً لصافات أو ليروا ومفعول {صَــٰفَّـٰتٍ} على الاحتمالات محذوف كما أشرنا إليه. وناسب ذكر الاعتبار بالطير ذكر التوعد بالحاصب لا سيما إذا فسر بالحجارة إذ قد أهلك الله تعالى بذلك أصحاب الفيل حينما رمتهم به الطير ففي ذلك إذكار قريش بتلك القصة. {وَيَقْبِضْنَ } ويضممن أجنحتهن إذا ضربن بها جنوبهن، والعطف على {صَــٰفَّـٰتٍ} لأن المعنى يصففن ويقبضن أو صافات وقابضات. وعطف الفعل على الاسم في مثله فصيح شائع وعكسه جائز حسن إلا عند السهيلي فإنه عنده قبيح نحو قوله: شعر : بات يُعَشِّيها بعضب باتر يقصد في أسوقها وجائر تفسير : فإنه أراد قاصد وجائر. ولما كان أصل الطيران هو صف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل فيها مد الأطراف وبسطها وكان القبض طارئاً على البسط للاستظهار به على التحرك جيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل وبما هو أصل بلفظ الاسم على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة ويتجدد حيناً إثر حين كما يكون من السابح. {مَا يُمْسِكُهُنَّ } في الجو عند الصف والقبض على خلاف مقتضى طبيعة الأجسام الثقيلة من النزول إلى الأرض والانجذاب إليها {إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ } الواسع رحمته كل شيء حيث بَرَأَهُنَّ عز وجل على أشكال وخصائص وألهمهن حركات قد تأتي منها الجري في الهواء. والجملة مستأنفة أو حال من الضمير في {يَقْبِضْنَ}. وقرأ الزهري (ما يمسكهن) بالتشديد. {إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء بَصِيرٌ } دقيق العلم فيعلم سبحانه وتعالى كيفية إبداع المبدعات وتدبير المصنوعات، ومن هذا خلقه عز وجل للطير على وجه تأتى به جريه في الجو مع قدرته تعالى أن يجريه فيه بدون ذلك إلا أن الحكمة اقتضت ربط المسببات بأسبابها. وليس فيما ذكرنا نزوع إلى ما يضر من أقوال أهل الطبيعة لأن كون طبيعة الأجسام الثقيلة ما سمعت أمر محسوس لا ينكره إلا من كابر حسه ومثله كون الإمساك بالسبب السابق وكونه سبباً من آثار رحمته تعالى الواسعة. وأبى ذلك أبو حيان توهماً منه أنه نزوع إلى ما يضر من أقوال أهل الطبيعة وقال ((نحن نقول إن أثقل الأشياء إذا أراد الله سبحانه إمساكه في الهواء واستعلاءه إلى العرش كان ذلك، وإذا أراد جل شأنه إنزال ما هو أخف سفلاً إلى منتهى ما ينزل كان أيضاً، وليس ذلك لشكل أو ثقل أو خفة)) ونحن لا ننكر أن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه سبحانه فعال لما يريد وأنه لا يتوقف فعله عز وجل على السبب عقلاً بيد أنا نقول إنه تعالى اقتضت حكمته في هذا العالم ذلك الربط وهو أمر عادي اختاره تعالى حكمة وتفضلاً ولو / شاء جل وعلا غيره لكان كما شاء. وتقديم {بكل شيء} على {بصير} للفاصلة أو للحصر رداً على من يزعم عدم شمول علمه تعالى شأنه.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً}تفسير : [الملك: 15] استرسالاً في الدلائل على انفراد الله تعالى بالتصرف في الموجودات، وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم، إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات وهي أحوال الطيرِ في نظام حركاتها في حال طيرانها إذ لا تمشي على الأرض كما هو في حركات غيرها على الأرض، فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع الله المنفردِ به. واشتمل التذكير بعجيب خلقة الطير في طيرانها على ضرب من الإِطناب لأن الأوصاف الثلاثة المستفادة من قوله: {فوقهم صافات ويقبضن} تُصَوِّر صورة حركات الطيران للسامعين فتنبههم لدقائق ربما أغفلهم عن تدقيق النظر فيها نشأتُهم بينها من وقت ذهول الإدراك في زمن الصِّبا، فإن المرء التونسي أو المغربي مثلاً إذا سافر إلى بلاد الهند أو إلى بلاد السودان فرأى الفِيلَة وهو مكتمل العقل دَقيق التمييز أدرك من دقائق خلقة الفيل ما لا يدركه الرجل من أهل الهند الناشىء بين الفِيلة، وكم غفل الناس عن دقائق في المخلوقات من الحيوان والجماد ما لو تتبعوه لتجلى لهم منها مَا يَمْلأ وصفُه الصحف قال تعالى: {أية : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيفَ رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت}تفسير : [الغاشية: 17ــــ20]، وقال: {أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون}تفسير : [الذاريات: 21]. وقد رأيت بعض من شاهد البحر وهو كبير، ولم يكن شاهده من قبل، كيفَ امتلكه من العجب ما ليس لأحدٍ ممن ألفوه معشاره. وهذا الإطناب في هذه السورة مخالف لما في نظير هذه الآية من سورة النحل (79) في قوله: {أية : ألم يَروا إلى الطير مسخرات في جَوّ السماء ما يمسكهن إلاّ الله}تفسير : . وذلك بحسب ما اقتضاه اختلاف المقامين فسورة النحل رابعة قبل سورة الملك، فلما أوقظت عقولهم فيها للنظر إلى ما في خلقة الطير من الدلائل فلم يتفطنوا وسُلك في هذه السورة مسلك الإِطناب بزيادة ذكر أوصاف ثلاثة: فالوصف الأول: ما أفاده قوله: {فوقهم} فإن جميع الدواب تمشي على الأرض والطير كذلك فإذا طار الطائر انتقل إلى حالة عجيبة مخالفة لبقية المخلوقات وهي السير في الجوّ بواسطة تحريك جناحيه وذلك سرّ قوله تعالى: {أية : يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38] بعد قوله: {أية : ولا طائر }تفسير : في [سورة الأنعام: 38] لقصد تصوير تلك الحالة. الوصف الثاني: {صافات} وهو وصف بوزن اسم الفاعل مشتق من الصَّف، وهو كون أشياء متعددة متقاربة الأمكنة وباستواء، وهو قاصر ومتعد، يقال: صَفّوا، بمعنى اصطفوا كما حكى الله عن الملائكة: {أية : وإنا لنحن الصَّافُّون}تفسير : [الصافات: 165] وقال تعالى في البُدْن {أية : فاذكروا اسم الله عليها صَوافَّ}تفسير : [الحج: 36]. ويقال: صفهم إذا جعلهم مستوين في الموقف، وفي حديث ابن عباس في الجنائز «مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر منبوذ» إلى قوله: «فصفَّنا خلفه وكبَّر». والمراد هنا أن الطير صافّة أجنحتها فحذف المفعول لعلمه من الوصف الجاري على الطير إذ لا تجعل الطير أشياء مصفوفة إلاّ ريش أجنحتها عند الطيران فالطائر إذا طار بسط جناحيه، أي مدها فصفّ ريش الجناح فإذا تمدد الجناحُ ظهر ريشه مصطّفاً فكان ذلك الاصطفاف من أثر فعل الطير فوصفت به، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : والطير صافات} تفسير : في سورة النور (41). وبسط الجناحين يُمكّن الطائرَ من الطيران فهو كمدّ اليدين للسابح في الماء. الوصف الثالث: {ويقبضن} وهو عطف على {صافات} من عطف الفعل على الاسم الشبيه بالفعل في الاشتقاق وإفادةِ الاتصاف بحدوث المصدر في فاعله، فلم يفت بعطفه تماثُل المعطوفين في الاسمية والفعلية الذي هو من محسنات الوصل. والقَبض: ضد البسط. والمراد به هنا ضد الصّف المذكور قبله، إذ كان ذلك الصف صادقاً على معنى البسط ومفعوله المحذوف هنا هو عين المحذوف في المعطوف عليه، أي قابضات أجنحتهن حين يدنينها من جُنوبهن للازدياد من تحريك الهواء للاستمرار في الطيران. وأوثر الفعل المضارع في {يَقْبضن} لاستحضار تلك الحالة العجيبة وهي حالة عكس بسط الجناحين إذ بذلك العكس يزداد الطيران قوة امتداد زمان. وجيء في وصف الطير بـ {صافّات} بصيغة الاسم لأن الصف هو أكثر أحوالها عند الطيران فناسبه الاسم الدال على الثبات، وجيء في وصفهن بالقبض بصيغة المضارع لدلالة الفعل على التجدد، أي ويجددن قبض أجنحتهن في خلال الطيران للاستعانة بقبض الأجنحة على زيادة التحرك عندما يَحسسن بتغلب جاذبية الأرض على حركات الطيران، ونظيره قوله تعالى في الجِبال والطيرِ {أية : يسبحن بالعشيّ والإِشراق والطيرَ محشورة}تفسير : [ص: 18 ـــ 19] لأن التسبيح في وقتين والطير محشورة دَوْماً. وانتصَب {فوقهم} على الحال من {الطير} وكذلك انتصب {صافّات}. وجملة {ويقبضن} في موضع نصب على الحال لعطفها على الوصف الذي هو حال فالرؤية بصرية مضمنة معنى النظر، ولذلك عُديت إلى المرئي بـ (إلى). والاستفهام في {أو لم يَروا} إنكاري، ونزلوا منزلة من لم يرَ هاته الأحوال في الطير لأنهم لم يعتبروا بها ولم يهتدوا إلى دلالتها على انفراد خالقها بالإِلهية. وجملة {ما يمسكهن إلاّ الرحمان} مبينة لجملة {أو لم يروا إلى الطير} وما فيها من استفهام إنكار، أي كان حقهم أن يعلموا أنهن ما يُمسكُهن إلاّ الرحمان إذ لا ممسك لها ترونه كقوله تعالى: {أية : ويمسك السماء أن تقع على الأرض}تفسير : [الحج: 65]. وفي هذا إيماء إلى أن الذي أمسك الطير عن الهُوِيّ المفضي إلى الهلاك هو الذي أهلك الأمم الذين من قبلِ هؤلاء فلو لم يشركوا به ولو استعصموا بطاعته لأنجاهم من الهلاك كما أنجى الطيْر من الهُوِيّ. ومعنى إمساك الله إياها: حفظها من السقوط على الأرض بما أودع في خلقتها من الخصائص في خفة عظامها وقوة حركة الجوانح وما جعل لهن من القوادم، وهي ريشات عشر هي مقاديم ريش الجناح، ومن الخوافي وهي ما دونها من الجناح إلى منتهى ريشِهِ، وما خلقه من شكل أجسادها المعين على نفوذها في الهواء فإن ذلك كله بخلق الله إياها مانعاً لها من السقوط وليس ذلك بمعاليق يعلقها بها أحد كما يعلق المشعوذ بعض الصور بخيوط دقيقة لا تبدو للناظرين. وإيثار اسم {الرحمان} هنا دون الاسم العلَم بخلاف ما في سورة النحل (79) {أية : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلاّ الله} تفسير : لعله للوجه الذي ذكرناه آنفاً في خطابهم بطريقة الإِطناب من قوله: أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات} الآية. فمن جملة عنادهم إنكارهم اسم {الرحمان} فلما لم يرعووا عما هم عليه ذكر وصف {الرحمان} في هذه السورة أربع مرات. وجملة {إنه بكل شيء بصير} تعليل لمضمون {ما يمسكهُنّ إلاّ الرحمان} أي أمسكهن الرحمان لعموم علمه وحكمته ولا يمسكهن غيره لقصور علمهم أو انتفائه. والبصير: العليم، مشتق من البصيرة، فهو هنا غير الوصف الذي هو من الأسماء الحسنى في نحو: السميع البصير، وإنما هو هنا من باب قولهم: فلان بصير بالأمور. وقوله تعالى: {أية : إن الله بصير بالعباد}تفسير : [غافر: 44]، فهو خبر لا وصف ولا منزل منزلة الاسم. وتقديم {بكل شيء} على متعلقه لإفادة القصر الإِضافي وهو قصر قلب ردّاً على من يزعمون أنه لا يعلم كل شيء كالذين قيل لهم {أية : وأسروا قولكم أو اجهروا به}تفسير : [الملك: 13].
الشنقيطي
تفسير : الطير صافات، أي مادات أجنحتها. ويقبضن: أي يضمنها إلى أجسامها. قال أبو حيان: عطف بالفعل ويقبضن على الاسم، صافات، ولم يعطف باسم قابضات، لأن الأصل في الطيران هو بسط الجناح، والقبض طارئ، وهذا الذي قاله أبو حيان: جار على القاعدة عندهم من أن الاسم للدوام والثبوت، والفعل للتجدد والحدوث، فالحركة الدائمة في الطيران هي صف الجناح، والجديد عليه هو القبض. وقوله تعالى: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} دليل على قدرته تعالى وآية لخلقه، كما في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [النحل: 79]. فهي آية على القدرة، وقد جاء في آيات أخرى أنه تعالى هو الذي يمسك السماوات والأرض بقدرته جل وعلا، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}تفسير : [فاطر: 41]. فهو سبحانه ممسكهما بقدرته تعالى عن أن تزولا، ولو قدر فرضاً زوالهما لا يقدر على إمساكهما إلا هو وكما في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [الحج: 65]. تنبيه ولعل مما يستدعي الانتباه توجيه النظر إلى الطير في الهواء صافات. ويقبضن: ما يمسكهن إلا الرحمن، بعد التخويف بخسف الأرض بأن معلقة في الهواء كتعلق الطير المشاهد إليكم ما يمسكها إلا الله، وإيقاع الخسف بها، كإسقاط الطير من الهواء، لأن الجميع ما يمسكه إلا الله تعالى، وهو القادر على الخسف بها، وعلى إسقاط الطير.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 19- أعموا ولم ينظروا إلى الطير فوقهم باسطات أجنحتهن، ويقْبِضْنَهُن - حيناً بعد حين ما يمسكهن أن يقعن إلا الرحمن؟! إنه بكل شئ عليم خبير. يعطيه ما يصلح عليه أمره. 20- بل من هذا الذى هو قوة لكم يدفع عنكم العذاب سوى الرحمن؟! ما الكافرون إلا فى غرور بما يتوهمون. 21- بل من هذا الذى يرزقكم - بما تكون به حياتكم وسعادتكم - إن حبس الله رزقه عنكم؟! بل تمادى الكافرون فى استكبارهم وشرودهم عن الحق. 22- أتنعكس الحال، فمن يمشي متعثراً ساقطاً على وجهه أهدى فى سيره وقصده. أم من يمشى مستوى القامة على طريق لا اعوجاج فيه؟!
د. أسعد حومد
تفسير : {صَافَّاتٍ} (19) - أَغَفلَ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ عَنْ قُدْرَةِ اللهِ عَلَى الخَلْقِ وَالبَعْثِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ تَطِيرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَهِيَ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا تَارَةً حِينَ طَيَرَانِهَا، وَتَارَةً قَابِضَتُهَا، وَمَا يُمْسِكُنَّ عَنِ السُّقُوطِ عَلَى الأَرْضِ، فِي حَالَتَي القَبْضِ وَالبَسْطِ، إِلاَّ اللهُ خَالِقُهُنَّ وَبَارِئُهُنَّ الذِي أَلْهَمَهُنَّ طَرِيقَةَ الطَّيَرَانِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَ بَصِيرٌ بِمَا يُصْلِحُ حَالَ كُلِّ مَخْلُوقٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَيُيَسِّرُهُ لِلقِّيَامِ بِهِ. صَافَّاتٍ - بَاسِطَاتٍ أَجْنِحَتَهَا عِنْدَ الطَّيَرَانِ. وَيَقْبِضْنَ - وَيَضْمُمْنَهَا إِذَا ضَرَبْنَ بِهَا جُنُوبَهُنَّ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} معناه باسطاتٌ اجنحتهنَّ، ويَقبِضنَّ فَيضرِبنَّ بأَجنِحتِهنَّ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا عتاب وحث على النظر إلى حالة الطير التي سخرها الله، وسخر لها الجو والهواء، تصف فيه أجنحتها للطيران، وتقبضها للوقوع، فتظل سابحة في الجو، مترددة فيه بحسب إرادتها وحاجتها. { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ } فإنه الذي سخر لهن الجو، وجعل أجسادهن وخلقتهن في حالة مستعدة للطيران، فمن نظر في حالة الطير واعتبر فيها، دلته على قدرة الباري، وعنايته الربانية، وأنه الواحد الأحد، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، { إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ } فهو المدبر لعباده بما يليق بهم، وتقتضيه حكمته.
همام الصنعاني
تفسير : 3268- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ}: [الآية: 19]، قال: الطائر يصف جناحيه كما رأيت ثم يقبضهما.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):