٦٧ - ٱلْمُلْك
67 - Al-Mulk (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الكافرين كانوا يمتنعون عن الإيمان، ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان تعويلهم على شيئين أحدهما: القوة التي كانت حاصلة لهم بسبب مالهم وجندهم والثاني: أنهم كانوا يقولون: هذه الأوثان، توصل إلينا جميع الخيرات، وتدفع عنا كل الآفات وقد أبطل الله عليهم كل واحد من هذين الوجهين، أما الأول فبقوله: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } وهذا نسق على قوله: {أية : أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى ٱلسَّمَاء } تفسير : [الملك: 17] والمعنى أم من يشار إليه من المجموع، ويقال: هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الله إن أرسل عذابه عليكم، ثم قال: {إِنِ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ } أي من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ} قال ابن عباس: حزب ومنعة لكم. {يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجُنْد يُوَحَّد؛ ولهذا قال: {هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ} وهو استفهام إنكار؛ أي لا جند لكم يدفع عنكم عذاب الله {مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي من سوى الرحمن. {إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ} من الشياطين؛ تغرّهم بأن لا عذاب ولا حساب.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا معه غيره يبتغون عندهم نصراً ورزقاً، منكراً عليهم فيما اعتقدوه، ومخبراً لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه، فقال تعالى: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي: ليس لكم من دونه من ولي ولا واق، ولا ناصر لكم غيره، ولهذا قال تعالى: {إِنِ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ} ثم قال تعالى: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ}؟ أي: من هذا الذي إذا قطع الله عنكم رزقه يرزقكم بعده؟ أي: لا أحد يعطي ويمنع، ويخلق ويرزق وينصر إلا الله عزّ وجلّ وحده لا شريك له، أي: وهم يعلمون ذلك، ومع هذا يعبدون غيره، ولهذا قال تعالى: {بَل لَّجُّواْ} أي: استمروا في طغيانهم وإفكهم وضلالهم {فِى عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} أي: في معاندة واستكبار ونفور على إدبارهم عن الحق، لا يسمعون له، ولا يتبعونه. ثم قال تعالى: {أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}؟ وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه، كمثل من يمشي مكباً على وجهه، أي: يمشي منحنياً، لا مستوياً، على وجهه، أي: لا يدري أين يسلك، ولا كيف يذهب؟ بل تائه حائر ضال، أهذا أهدى {أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً} أي: منتصب القامة {عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: على طريق واضح بين، وهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة، هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سوياً على صراط مستقيم، مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر، فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم. {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 22 ــــ 23] الآيات. أزواجهم: أشباههم. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن نفيع، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: «حديث : أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادراً على أن يمشيهم على وجوههم؟» تفسير : وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق يونس بن محمد عن شيبان عن قتادة عن أنس به نحوه. وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱلَّذِىۤ أَنشَأَكُمْ} أي: ابتدأ خلقكم بعدأن لم تكونوا شيئاً مذكوراً، {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ} أي: العقول والإدراك، {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: قلّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته، وامتثال أوامره وترك زواجره {قُلْ هُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: بثّكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم، وحِلاكُم وأشكالكم وصوركم {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: تجمعون بعد هذا التفرق والشتات، يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم. ثم قال تعالى مخبراً عن الكفار المنكرين للمعاد، المستبعدين وقوعه: { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: متى يقع هذا الذي تخبرنا بكونه؛ من الاجتماع بعد هذا التفرق، {قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ} أي: لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله عز وجل، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة، فاحذروه {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: وإنما علي البلاغ، وقد أديته إليكم. قال الله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيۤئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: لما قامت القيامة، وشاهدها الكفار، ورأوا أن الأمر كان قريباً؛ لأن كل ما هو آت آت، وإن طال زمنه، فلما وقع ما كذبوا به، ساءهم ذلك؛ لما يعلمون ما لهم هناك من الشر، أي: فأحاط بهم ذلك، وجاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال ولا حساب{أية : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} {أية : وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [الزمر:47-48] ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ: {هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} أي: تستعجلون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمَّنْ } مبتدأ {هَٰذَا } خبره {ٱلَّذِى } بدل من هذا {هُوَ جُندٌ } أعوان {لَكُمْ } صلة الذي {يَنصُرْكُمُ } صفة جند {مِن دُونِ ٱلرَّحْمَٰنِ } أي غيره يدفع عنكم عذابه، أي لا ناصر لكم {إِن} ما {ٱلْكَٰفِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ } غرّهم الشيطان بأن العذاب لا ينزل بهم.
الماوردي
تفسير : {أفمن يْمشيِ مُكِبّاً على وَجْهِه أهْدَى} هذا مثل ضربه اللَّه تعالى للهدى والضلالة، ومعناه ليس من يمشي مُكباً على وجهه ولا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله. كمن يمشي سوياً معتدلاً ناظراً ما بين يديه وعن يمينه وعن شماله، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر، فالمكب على وجهه الكافر يهوي بكفره، والذي يمشي سوّياً المؤمن يهتدي بإيمانه، ومعناه: أمَّن يمشي في الضلالة أهدى أم من يمشي مهتدياً، قاله ابن عباس. الثاني: أن المكب على وجهه أبو جهل بن هشام، ومن يمشي سوياً عمار بن ياسر، قاله عكرمة. {على صراطٍ مستقيم} فيه وجهان: أحدهما: أن الطريق الواضح الذي لا يضل سالكه، فيكون نعتاً للمثل المضروب. الثاني: هو الحق المستقيم، قاله مجاهد، فيكون جزاء العاقبة الاستقامة وخاتمة الهداية. {قُلْ هو الذي ذَرَأَكُمْ في الأرضِ} فيه وجهان: أحدهما: خلقكم في الأرض، قاله ابن عباس. الثاني: نشركم فيها وفرّقكم على ظهرها، قاله ابن شجرة. ويحتمل ثالثاً: أنشأكم فيها إلى تكامل خلقكم وانقضاء أجلكم. {وإليهِ تُحْشَرون} أي تُبْعثون بعد الموت. {فلما رأَوْه زُلْفَةً سِيئَتْ وُجوهُ الذين كَفروا} فيه وجهان: أحدهما: ظهرت المساءة على وجوههم كراهة لما شاهدوا، وهو معنى قول مقاتل. الثاني: ظهر السوء في وجهوههم ليدل على كفرهم، كقوله تعالى: {أية : يوم تبيضُّ وجوه وتسْوَدُّ وجوه} تفسير : [آل عمران:106]. {وقيل هذا الذي كُنْتُمْ به تَدَّعُونَ} وهذا قول خزنة جهنم لهم، وفي قوله {كنتم به تدّعون} أربعة أوجه: أحدها: تمترون فيه وتختلفون، قاله مقاتل. الثاني: تشكّون في الدنيا وتزعمون أنه لا يكون، قاله الكلبي. الثالث: تستعجلون من العذاب، قاله زيد بن أسلم. الرابع: أنه دعاؤهم بذلك على أنفسهم، وهو افتعال من الدعاء، قاله ابن قتيبة.
النسفي
تفسير : {أَمَّنْ} مبتدأ خبره {هَـٰذَا } ويبدل من {هَـٰذَا } {ٱلَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ } ومحل {يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } رفع نعت لـ {جُندٌ } محمول على اللفظ والمعنى من المشار إليه بالنصر غير الله تعالى {إِنِ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ } أي ما هم إلا في غرور {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } أم من يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه وهذا على التقدير، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم فكأنهم الجند الناصر والرازق. فلما لم يتعظوا أضرب عنهم فقال {بَل لَّجُّواْ } تمادوا {فِى عُتُوٍّ} استكبار عن الحق {وَنُفُورٍ } وشراد عنه لثقله عليهم فلم يتبعوه. ثم ضرب مثلاً للكافرين والمؤمنين فقال {أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ } أي ساقطاً على وجهه يعثر كل ساعة ويمشي معتسفاً وخبر من {أَهْدَىٰ } أرشد. فأكب مطاوع كبه يقال: كببته فأكب {أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً } مستوياً منتصباً سالماً من العثور والخرور {عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } على طريق مستوٍ. وخبر {منْ} محذوف لدلالة {أَهْدَىٰ } عليه، وعن الكلي: عني بالمكب أو جهل، وبالسوي النبي عليه السلام {قُلْ هُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَكُمْ } خلقكم ابتداء {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ } خصها لأنها آلات العلم {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } هذه النعم لأنكم تشركون بالله ولا تخلصون له العبادة، والمعنى تشكرون شكراً قليلاً و«ما» زائدة. وقيل: القلة عبارة عن العدم {قُلْ هُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ } خلقكم {فِى ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } للحساب والجزاء. {وَيَقُولُونَ } أي الكافرون للمؤمنين استهزاء {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } الذي تعدوننا به يعني العذاب {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في كونه فأعلمونا زمانه {قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ } أي علم وقت العذاب {عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ } مخوّف {مُّبِينٌ } أبين لكم الشرائع {فَلَمَّا رَأَوْهُ } أي الوعد يعني العذاب الموعود {زُلْفَةً } قريباً منهم وانتصابها على الحال {سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي ساءت رؤية الوعد وجوههم بأن علتها الكآبة والمساءة وغشيتها القتَرة والسواد {وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِى } القائلون الزبانية {كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ } تفتعلون من الدعاء أي تسألون تعجيله وتقولون ائتنا بما تعدنا، أو هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وقرأ يعقوب {تَدْعُونَ }. {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ } أي أماتني الله كقوله {أية : إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ }تفسير : [النساء: 176] {وَمَن مَّعِىَ } من أصحابي {أَوْ رَحِمَنَا } أو أخر في آجالنا {فَمَن يُجِيرُ } ينجي {ٱلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } مؤلم. كان كفار مكة يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك فأمر بأن يقول لهم: نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين، إما أن نهلك كما تتمنون فتقلب إلى الجنة، أو نرحم بالنصرة عليكم متربصون لإحدى الحسنيين، إما أن نهلك كما تتمنون فتقلب إلى الجنة، أو نرحم بالنصرة عليكم كما نرجو، فأنتم ما تصنعون مِنْ مجيركم وأنتم كافرون من عذاب النار لا بد لكم منه {قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ } أي الذي أدعوكم إليه الرحمن {ءَامَنَّا بِهِ } صدقنا به ولم نكفر به كما كفرتم {وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } فوضنا إليه أمورنا {فَسَتَعْلَمُونَ } إذا نزل بكم العذاب وبالياء: علي {مَنْ هُوَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } نحن أم أنتم {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً } غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الدلاء، وهو وصف بالمصدر كعدل بمعنى عادل {فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَّعِينٍ} جارٍ يصل إليه من أراده. وتليت عند ملحد فقال: يأتي بالمعول والمعن فذهب ماء عينه في تلك الليلة وعمي. وقيل: إنه محمد بن زكريا المتطبب زادنا الله بصيرة.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير تقريراً لذلك: فمن يدبر مصالحكم ظاهراً وباطناً، وفعل هذه الأنواع من العذاب بالمكذبين من قبلكم، عطف عليه قوله عائداً إلى الخطاب لأنه أقعد في التكبيث والتوبيخ، وأدل على أن المخاطب ليس بأهل لأن يهاب مقرراً لأنه مختص بالملك: {أمَّن} ونبه على أن المدبر للأشياء لا بد أن يكون في غاية القرب والشهادة لها ليكون بصيراً برعيها، ويكون مع مزيد قربه عالي الرتبة بحيث يشار إليه، فقال مقرراً لعجز العباد: {هذا} بإشارة الحاضر {الذي} وأبرز العائد لأنه لا بد من إبرازه مع الاسم بعدم صلاحه لتحمل الضمير فقال: {هو جند} أي عسكر وعون، وصرف القول عن الغيبة إلى الخطاب لأنه أبلغ في التقريع فقال: {لكم ينصركم} أي على من يقصدكم بالخسف والحصب وغيرهما، ويجوز أن يكون التقدير: ألكم إله يدبر مصالحكم غيرنا أم كان الذي عذب من كذب الرسل سوانا أم لكم جند يصار إليه ينصركم دوننا كما قال تعالى{أية : أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا}تفسير : [الأنبياء: 43] ولكنه أخرجه مخرج الاستفهام عن تعيين الجند تعريفاً بأنهم لغاية جهلهم اعتقدوا أن لهم من أجناد الأرض أو السماء من ينصرهم وإلا لما كانوا آمنين. ولما كانت المراتب متضائلة عن جنابه متكثرة جداً، قال تعالى مشيراً بالحرف والظرف إلى ذلك منبهاً على ظهوره سبحانه فوق كل شيء، لم يقدر أحد ولا يقدر أن ينازعه في ذلك ولا في أنه مستغرق لكل ما دونه من المراتب: {من دون الرحمن} إن أرسل عليكم عذابه، وأظهر ولم يضمر بعثاً على استحضار ما له من شمول الرحمة، وتلويحاً إلى التهديد بأنه لو قطعها عن أحد ممن أوجده عمه الغضب كله، ولذلك قال مستنتجاً عنه تنبيهاً على أن رفع المضار وجمع المسار ليس إلا بيده لأنه المختص بالملك: {إن} أي ما، وأبرز الضمير تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف ومواجهة بذلك لأنه أقعد في التوبيخ فقال: {الكافرون} أي العريقون في الكفر وهم من يموت عليه {إلا في غرور *} أي قد أحاط بهم فلا خلاص لهم منه وهو أنهم يعتمدون على غير معتمد. ولما قدم أعظم الرحمة بالحياطة والنصرة الموجبة للبقاء، أتبعه ما يتم به البقاء فقال: {أمّن} وأشار إلى القرب بالعلم والبعد بالعلو والعظمة بقوله: {هذا} وأشار إلى معرفة كل أحد له بصفاته العلية التي تنشأ عنها أفعاله المحكمة السنية، فقال: {الذي} وأسقط العائد لتحمل الفعل له فقال: {يرزقكم} أي على سبيل التجدد والاستمرار، لا ينقطع معروفه أبداً مع أنه قد وسع كل شيء ولا غفلة له عن شيء {إن أمسك رزقه} بإمساك الأسباب التي تنشأ عنها ويكون وصوله إليكم منها كالمطر، ولو كان الرزق موجوداً أو كثيراً وسهل التناول فوضع الأكلة في فمه فأمسك الله عنه قوة الازدراء عجز أهل السموات والأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة. ولما قامت بهذا دلائل قدرته وشمول علمه على سبيل العموم فالخصوص، فكان ذلك مظنة أن يرجع الجاحد ويخجل المعاند، ويعلم الجاهل ويتنبه الغافل، فكان موضع أن يقال: هل رجعوا عن تكذيبهم، عطف عليه قوله لافتاً الكلام إلى الغيبة إعراضاً عنهم تنبيهاً على سقوط منزلتهم وسوء أفهامهم وقوة غفلتهم: {بل لجوا} أي تمادوا سفاهة لا احتياطاً وشجاعة، قال الرازي في اللوامع: واللجاج تقحم الأمر مع كثرة الصوارف عنه {في عتو} أي مظروفين لعناد وتكبر عن الحق وخروج إلى فاحش الفساد {ونفور *} أي شراد عن حسن النظر والاستماع، دعا إليه الطباع، واستولى ذلك عليهم حتى أحاط بهم مع أنه لا قوة لأحد منهم في جلب سار ولا دفع ضار، والداعي إلى ذلك الشهوة والغضب. ولما كان هذا فعل من لا بصر له ولا بصيرة، سبب عنه قوله ممثلاً للموحد والمشرك بسالكين ولدينيهما بمسلكين: {أفمن يمشي} أي على وجه الاستمرار {مكباً} أي داخلاً بنفسه في الكب وصارا إليه، وهو السقوط {على وجهه} وهو كناية عن السير على رسم مجهول وأثر معوج معلول، على غير عادة العقلاء لخلل في أعضائه، واضطراب في عقله ورأيه، فهو كل حين يعثر فيخر على وجهه، لأنه لعدم نظره يمشي في أصعب الأماكن لإمالة الهوى له عن المنهج المسلوك، وغلبة الجهل عليه فهو بحيث لا يكون تكرار المشاق عليه زاجراً له عن السبب الموقع له فيه، ولم يسم سبحانه وتعالى ممشاه طريقاً لأنه لا يستحق ذلك. ولما كان ربما صادف السهل لا عن بصيرة بل اتفاقاً قال: {أهدى} أي أشد هداية {أمّن يمشي} دائماً مستمراً {سوياً} قائماً رافعاً رأسه ناصباً وجهه سالماً من العثار لأنه لانتصابه يبصر ما أمامه وما عن يمينه وما عن شماله {على صراط} أي طريق موطأ واسع مسلوك سهل قويم {مستقيم *} أي هو في غاية القوم، هذا مثل من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً فإنه يتبع الفطرة الأولى السليمة عن شهوة أو غضب أو شائبة حظ، والأول مثل الكافر، حاله في سيره إلى الله حال المكب أي الذي كب نفسه بغاية الشهوة على وجهه، لا يرى ما حوله ولا يشعر بما أحاط به، ولا ينظر في الآيات ولا يعتبر بالمسموعات، فهو اليوم شيء باطن لظهر يوم القيامة فيحشر على وجهه إلى النار جزاء لرضاه بحالته هذه في هذه الدار فيظهر له سبحانه ما أبطن له اليوم، والمؤمن بخلاف ذلك فيهما، والآية من الاحتباك: ذكر الكب أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والمستقيم ثانياً دليلاً على المعوج أولاً، وسره أنه ذكر أنكأ ما للمجرم وأسر ما للمسلم. ولما كان العرب الموعوظون بهذا الذكر يتغالون في التفاخر بالهداية في الطرق المحسوسة وعدم الإخلال بشكر المعروف لمسديه ولو قل، فنفى عنهم الأول بقيام الأدلة على خطئهم الفاحش في كل ما خالفوا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من طريقهم المعنوي الذي اتخذوه ديناً، فهو أشرف من الطريق المحسوس، أتبعه بيان انسلاخهم من الثاني مع التأكيد لانسلاخهم من الأول، قال آمراً للرسول صلى الله عليه وسلم بتنبيههم لأن الإنسان على نوعه أقبل لأنه إليه أميل، إسقاطاً لهم من رتبة الفهم عن الله سبحانه وتعالى لسفول هممهم ولقصور نظرهم مع أنه جعل لهم حظاً ما من الحضور بتأهيلهم لخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم لإقامتهم بالمذكور في الآية فيما يرجى معه العلم ويورث الفطنة والفهم: {قل} أي يا أشرف الخلق وأشفقهم عليهم مذكراً لهم بما دفع عنهم الملك من المفسدات وجمع لهم من المصلحات والقوى والعقل ليرجعوا إليه، ولا يعولوا في حال من أحوالهم إلا عليه، وينظروا في لطيف صنعه وحسن تربيته فيمشي كل منهم سوياً: {هو} أي الله سبحانه وتعالى {الذي} شرفكم بهذا الذكر وبين لكم هذا البيان وحده الذي {أنشأكم} أي أوجدكم ودرجكم في مدارج التربية حيث طوركم في أطوار الخلقة في الرحم ويسر لكم بعد خروجكم الخروج اللين حيث كانت المعدة ضعيفة عن أكثف منه. ولما كان من أعظم النعم الجليلة بعد الإيجاد العقل، أتبعه به، وبدأ بطريق تنبيهه فقال: {وجعل لكم} أي خاصة مسبباً عن الجسم الذي أنشأه {السمع} أي الكامل لتسمعوا ما تعقله قلوبكم فيهديكم، ووحده لقلة التفاوت فيه ليظهر سر تصرفه سبحانه في القلوب بغاية المفاوتة مع أنه أعظم الطرق الموصلة للمعاني إليها {والأبصار} لتنظروا صنائعه فتعتبروا وتزدجروا عما يرديكم {والأفئدة} أي القلوب التي جعلها سبحانه في غاية التوقد بالإدراك لما لا يدركه بقية الحيوان لتتفكروا فتقبلوا على ما يعليكم، وجمعاً لكثرة التفاوت في نور الأبصار وإدراك الأفكار، وهذا تنبيه على إكمال هذه القوى في درك الحقائق بتلطيف السر لتدقيق الفكر، قال الشيخ ولي الدين الملوي: انظر إلى الأفئدة كيف تحكم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في آن واحد، وأن الضدين لا يجتمعان - وغير ذلك مما لا يخفى. ولما كان التقدير: فمشيتم مشي المكب على وجهه فلم تستعملوا شيئاً من هذه الأسرار الشريفة فيما خلق له، كانت ترجمة ذلك: {قليلاً} وأكد المعنى بما صورته صورة النافي فقال: {ما} ولما زاد تشوف النفس إلى العامل في وصف المصدر دل عليه سبحانه وتعالى بقوله: {تشكرون *} أي توقعون الشكر لمن أعطاكم ما لا تقدرون قدره باستعماله فيما خلق لأجله تدعون أنكم أشكر الناس للإحسان وأعلاهم في العرفان.
اسماعيل حقي
تفسير : {أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن} اصله ام من على ان ام منقطة مقدرة ببل المفيدة للانتقال من توبيخهم على ترك التأمل فيما يشاهدونه من احوال الطير المنبئة عن تعاجيب آثار قدرة الله الى التبكيت بما ذكر والالتفات للتشديد فى ذلك اوالاستفهام متوجه الى تعيين الناظر لتبكيتهم باظهار عجزهم عن تعيينه ولا سبيلى هنا الى تقدير الهمزة مع بل لان ما بعدها من الاستفهامية ولا يدخل الاستفهام على الاستفهام ومن مبتدأ وهذا خبره والموصول مع صلته صفته وايثار هذا لتحقير المشار اليه وينصركم صفة لجند بالاعتبار لفظه والجند جمع معد للحرب والمعنى بل من هذا الحقير الذى هو فى زعمكم جند لكم وعسكر وعون من آلهتكم وغيرها ينصركم عند نزول العذاب والآفات متجاوزا نصر الرحمن فمن دون الرحمن حال من فاعل ينصركم ودون بمعنى غيرأ وينصركم نصرا كائنا من دون نصره تعالى على انه نعت المصدره او ينصركم من عذاب كائن من عند الله على انه متعلق بينصركم وقد تجعل من موصولة مبتدأ وهذا مبتدأ ثانيا والمصولة مع صلته خبره والجملة صلة من بتقدير القول وينصركم وام منقطعة او متصلة والقرينة محذوفة بدلالة السياق على ان يكون المعنى الله الذى له هذه الاوصاف الكاملة والقدرة الشاملة ينصركم وينجيكم من الخسف والحصب ان اصابكم ام الذى يشار اليه ويقال فى حقه هذا الذى تزعمون انه جند لكم ينصركم من دون الله وايثار الرحمن للدلالة على ان رحمة الله هى المنجية من غضبه لا غير قال القاشانى اى من يشار اليه ممن يستعان به من الاغيار حتى الجوارح والآلات والقوى وكل ما ينسب اليه التأثير والمعونة من الوسائط فيقال هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن فيرسل ما امسك من النعم الباطنة والظاهرة او يمسك ما ارسل من النعم المعنوية والصورة او يحصل لكم ما منع ولم يقدر لكم او يمنع ما أصابكم به وقدر عليكم {ان الكافرون الا فى غرور} ان نافية بمعنى ما اى ما هم فى زعمهم انهم محفوظون من النوآئب بحفظ آلهتهم لا بحفظه تعالى فقط او أن آلهتهم تحفظهم من بأس الله الا فى غرور عظيم وضلال فاحش من جهة الشيطان ليس لهم فى ذلك شئ يعتد به فى الجملة والالتفات الى الغيبة للايذان باقضتاء حالهم الاعراض عنهم وبيان قبائحهم لغيرهم والاظهار فى موضع الاضمار لذمهم بالكفر وتعليل غرورهم به.
الجنابذي
تفسير : {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ} ام منقطعة ومن استفهاميّة للانكار وهذا الّذى خبره {يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} ينصركم حالٌ او مستأنف جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ او صفةٌ لجندٍ وتوحيد الضّمير لوحدة صورة الجند ولذلك حمل على هذا ومن دون الرّحمن بمعنى من عند الرّحمن متعلّق بينصركم او حال عن فاعل ينصركم، او بمعنى من غير الرّحمن، وحال من فاعل ينصركم او صفة اخرى لجند يعنى لا يقدر اصنامكم وسائر جنودكم ان تنصركم فباىّ قوّةٍ تعصوننى {إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ} من الشّيطان.
اطفيش
تفسير : {أَمَّنْ} مبتدأ للانكار {هَذَا} خبره {الَّذِى} نعت أو بيان أو بذل {هُوَ جُندٌ} أي اعوان {لَّكُمْ} نعت الجند {يَنصُرُكُم} نعت آخر لجند أو حال من جند أو من ضمير الاستقرار في لكم أو خبر ثان وليست ام هذه متصلة كما يوهمه كلام بعض بل هي منقعطة نعم ذلك معادل لقوله أولم يروا على معنى افلم ينظروا في امثال هذه الصنائع فلم يعلموا قدرتنا على تعذيبهم بنحو خسف وارسال حاصب ام لكم جند ينصركم من العذاب. {مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ} أي سواه لا ناصر إلا هو وقال ابن عباس يمنعكم من عذابي ان اردت عذابكم. {إِنِ الكَافِرُونَ} ما الكافرون {إِلا فِى غُرُورٍ} من الشيطان ان العذاب لا ينزل بكم.
اطفيش
تفسير : {أمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمُ مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ} أم منقطعة للإِضراب الانتقالى عن الإِضراب الاتصالى قبله دون الاستفهام التوبيخى لوجود الاستفهام بعدها بمن، وقول البصريين أن أم المنقطعة أبداً بمعنى بل، والاستفهام الإِنكارى أو الحقيقى ينبغى تقييده بما لم يوجد استفهام بعدها، أما إِذا وجد كما هنا وكما فى قوله تعالى: "أية : أمَّا ذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ "تفسير : [النمل: 84] أم هل تستوى فلمجرد الإِضراب، وصرح بعض بأَنها مع وجود الاستفهام بعدها تكون للإِضراب والاستفهام تأْكيد عند البصريين فى ظاهر إِطلاقهم، وذكر بعض أنها تأْتى للإِضراب وتأتى للاستفهام وتأْتى لهما ومن خبر مقدم وهذا مبتدأ لأَنه معرفة وعكسه سيبويه وهكذا فى الاستفهام وأفعل التفضيل عنده، وقيل من موصولة فى الموضعين فاعل لأمنكم محذوفاً والإِشارة بهذا إِلى مفروض أو إِلى جنس الأَوثان لاعتقادهم أنها تحفظهم من النوائب وترزقهم، فكأَنها جند ناصر رازق فأَنكر الله عليهم هذا الاعتقاد أى أمنكم الذى هو جند لكم ينصركم الخ، فحذف المبتدأ من اول الصلة، والجملة متعلقة بقوله تعالى: "أية : أمن هذا الذي يرزقكم " تفسير : [الملك: 21] وقيل متعلقة بقوله تعالى: "أية : أوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ" تفسير : [الملك: 19] الخ، والمراد ينصركم من الله عز وجل أو من عذابه لقوله تعالى: "أية : أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِن دُونِنَا " تفسير : [الأنبياء: 43] وينصركم نعت جند وإِفراد الضمير المستتر باعتبار لفظ جند وذلك على طريق الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب ومن دون متعلق بينصر كقوله تعالى: "أية : مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ "تفسير : [هود: 30] أو بمحذوف نعت لجند بعد نعته بلكم. {إِنِ الْكَافِرُونَ} العابدون للأَصنام. {إِلاَّ في غُرُورٍ} أمر غير نافع بل ضار غرهم به الشيطان من زعمهم أن أصنامهم تشفع لهم من بأْس الله فى الدنيا إِن جاء، وفى الآخرة إِن صح البعث، وأنها تحفظهم، والغيبة بالاسم الظاهر بعد الخطاب إِيذان بأَنهم أهل للإِعراض عنهم لشدة قبحهم وتصريح بعلة غرورهم وذمهم بها وهى الكفر.
الالوسي
تفسير : {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } متعلق عند كثير بقوله سبحانه {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ}تفسير : [الملك: 19] فقال في «الإرشاد» ((هو تبكيت لهم بنفي أن يكون لهم ناصر غير الله تعالى كما يلوح به التعرض لعنوان الرحمانية، ويعضده قوله تعالى {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} أو ناصر من عذابه تعالى كما هو الأنسب بقوله تعالى بعد{أية : إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ}تفسير : [الملك: 21] كقوله تعالى {أية : أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا}تفسير : [الأنبياء: 43] في المعنيين معاً خلا أن الاستفهام هناك متوجه إلى نفس المانع وتحققه وهنا متوجه إلى تعيين الناصر لتبكيتهم بإظهار عجزهم عن تعيينه)). و{أَمْ } منقطعة مقدرة ببل [المفيدة] للانتقال من توبيخهم على ترك التأمل فيما يشاهدونه من أحوال الطير، المنبئة عن تعاجيب آثار قدرة الله عز وجل إلى التبكيت بما ذكر، والالتفات للتشديد في ذلك، ولا سبيل إلى تقدير الهمزة معها لأن [ما] بعدها من الاستفهامية والاستفهام لا يدخل على الاستفهام في المعروف عندهم. وهي مبتدأ و{هَـٰذَا} خبره. وفي الموصول هنا الاحتمالات المشهورة في مثله وجملة {يَنصُرُكُمْ} صفة لجند باعتبار لفظه و {مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} على الوجه الأول إما حال من فاعل {يَنصُرُكُمْ} أو نعت لمصدره وعلى الثاني متعلق بينصركم كما في قوله تعالى{أية : مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [هود: 30] فالمعنى من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم ينصركم متجاوزاً نصر الرحمن، أو ينصركم نصراً كائناً من دون نصره تعالى أو ينصركم من عذاب كائن من عند الله عز وجل. وقوله تعالى: {إِنِ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ } اعتراض مقرر لما قبله ناع عليهم ما هم فيه من غاية الضلال أي ما هم في زعمهم - أنهم محفوظون من النوائب بحفظ آلهتهم لا بحفظه تعالى فقط أو أن آلهتهم تحفظهم من بأس الله تعالى - إلا في غرور عظيم وضلال فاحش من جهة الشيطان ليس لهم في ذلك شيء يعتد به في الجملة. والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء حالهم للإعراض عنهم وبيان قبائحهم للغير. والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر وتعليل غرورهم به.
ابن عاشور
تفسير : (أم) منقطعة وهي للإِضراب الانتقالي من غرض إلى غرض فبعد استيفاء غرض إثبات الإِلٰهية الحق لله تعالى بالوحدانية وتذكيرهم بأنهم مفتقرون إليه، انتقل إلى إبطال أن يكون أحد يدفع عنهم العذاب الذي توعدهم الله به فوُجه إليهم استفهام أن يدلّوا على أحد من أصنامهم أو غيرها يقال فيه هذا هو الذي ينصر من دون الله، فإنهم غير مستطيعين تعيين أحد لذلك إلاّ إذا سلكوا طريق البهتان وما هم بسالكيه في مثل هذا لافتضاح أمره. وهذا الكلام ناشىء عن قوله: {أية : أأمنتم من في السماء}تفسير : [الملك: 16] الآية فهو مثله معترض بين حجج الاستدلال. و (أم) المنقطعة لا يفارقها معنى الاستفهام، والأكثر أن يكون مقدراً فإذا صرح به كما هنا فأوضح ولا يتوهم أن الاستفهام يقدر بعدها ولو كان يليها استفهام مصرح به فيشكل اجتماع استفهامين. والاستفهام مستعمل في التعجيز عن التعيين فيؤول إلى الانتفاء، والإشارة مشار بها إلى مفهوم {جُندٍ} مفروض في الأذهان استُحضر للمخاطبين، فجعل كأنه حاضر في الخارج يشاهده المخاطبون، فيطلب المتكلم منهم تعيين قبيله بأن يقولوا: بنو فلان. ولما كان الاستفهام مستعملاً في التعجيز استلزم ذلك أن هذا الجند المفروض غير كائن. وقريب من ذلك قوله تعالى: {أية : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}تفسير : [البقرة: 255] ونحوه. و (مَن) في موضع مبتدأ واسم الإشارة خبر عن المبتدأ. وكتب في المصحف {أمَّن} بميم واحدة بعد الهمزة وهما ميم (أم) وميم (مَن) المدغمتين بجعلهما كالكلمة الواحدة كما كتب {أية : عمّ يتساءَلون} تفسير : [النبأ: 1] بميم واحدة بعد العين، ولا تقرأ إلاّ بميم مشددة إذ المعتبر في قراءة القرآن الرواية دون الكتابة وإنما يكتب القرآن للإعانة على مراجعته. و {الذي هو جند} صفة لاسم الإِشارة و {لكم} صفة لـ {جند} و {ينصركم} جملة في موضع الحال من {جُندٌ} أو صفة ثانية لـ {جند}. ويجوز أن يكون اسم الإشارة مشاراً به إلى جماعة الأصنام المعروفة عندهم الموضوعة في الكعبة وحولَها الذي اتخذتموه جنداً فمَن هو حتى ينصرَكم من دون الله. فتكون (مَنْ) استفهامية مستعملة في التحقير مثل قوله: {أية : من فرعون}تفسير : [الدخان: 31] في قراءة فتح ميم (مَن) ورفع فرعون، أي من هذا الجند فإنه أحقر من أن يعرف، واسم الإِشارة صفة لاسم الاستفهام مبينة له، و {الذي هو جند لكم} صفة لاسم الإِشارة وجملة {ينصركم} خبر عن اسم الاستفهام، أي هو أقل من أن ينصركم من دون الرحمان. وجيء بالجملة الإسمية {الذي هو جند لكم} لدلالتها على الدوام والثبوت لأن الجند يكون على استعداد للنصر إذا دعي إليه سواء قاتل أم لم يقاتل لأن النصر يحتاج إلى استعداد وتهيُّؤ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها» تفسير : أي هيعة جهاد. فالمعنى: ينصركم عند احتياجكم إلى نصره، فهذا وجه الجمع بين جملة {هو جند لكم} وجملة {ينصركم} ولم يُستغن بالثانية عن الأولى. و {دون} أصله ظرف للمكان الأسفل ضِد (فَوق)، ويطلق على المغاير فيكون بمعنى غير على طريقة المجاز المرسل. فقوله: {مِن دون الرحمان} يجوز أن يكون ظرفاً مستقراً في موضع الحال من الضمير المستتر في {ينصركم}. أي حالة كون الناصر من جانب غير جانب الله، أي مَن مستطيع غير الله يدفع عنكم السوء على نحو قوله تعالى: {أية : أم لهم ءالهة تمنعهم من دوننا}تفسير : [الأنبياء: 43] فتكون {مِن} زائدة مؤكدة للظرف وهي تزاد مع الظروف غير المتصرفة، ولا تجر تلك الظروف بغير {مِن}، قال الحريري في المقامة الرابعة والعشرين: ومَا منصوب على الظرف لا يخفضه سوى حرف. وفسره بظرف (عند) ولا خصوصية لـ (عند) بل ذلك في جميع الظروف غير المتصرفة. وتكرير وصف {الرحمان} عقب الآية السابقة للوجه الذي ذكرنا في إيثار هذا الوصف في الآية السابقة. وذيل هذا بالاعتراض بقوله: {إن الكافرون إلا في غرور}، أي ذلك شأن الكافرين كلهم وهم أهل الشرك من المخاطبين وغيرهم، أي في غرور من الغفلة عن توقع بأس الله تعالى، أو في غرور من اعتمادهم على الأصنام فكما غَر الأمم السالفة دينُهم بأن الأوثان تنفعهم وتدفع عنهم العذاب فلم يجدوا ذلك منهم وقت الحاجة فكذلك سيقع لأمثالهم قال تعالى: {أية : وللكافرين أمثالها}تفسير : [محمد: 10] وقال {أية : أكفّاركُم خير من أولئكم}تفسير : [القمر: 43] فتعريف {الكافرون} للاستغراق. وليس المراد به كافرون معهودون حتى يكون من وضع المظهر موضع الضمير. والغرور: ظن النفس وقوع أمر نافع لها بمخائل تتوهمها، وهو بخلاف ذلك أو هو غير واقع. وتقدم في قوله تعالى: {أية : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد}تفسير : في آخر آل عمران (196) وقوله: {أية : يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا}تفسير : في الأنعام (112) وقوله: {أية : فلا تغرنكم الحياة الدنيا} تفسير : في سورة فاطر (5). والظرفية مجازية مستعملة في شدة التلبس بالغرور حتى كأنَّ الغرور محيط بهم إحاطة الظرف. والمعنى: ما الكافرون في حال من الأحوال إلاّ في حال الغرور، وهذا قصر إضافي لقلب اعتقادهم أنهم في مأمن من الكوارث بحماية آلهتهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: جند لكم: أي أعوان لكم. من دون الرحمن: أي غيره تعالى يدفع عنكم عذابه. إن الكافرون: أي ما الكافرون. إلا في غرور: غرهم الشيطان بأن لا عذاب ينزل بهم. إن أمسك رزقه: أي إن أمسك الرحمن رزقه؟ لا أحد غير الله يرسله. بل لجوا في عتو ونفور: أي إنهم لم يتأثروا بذلك التبكيت بل تمادوا في التكبر والتباعد عن الحق. أفمن يمشي مكبا: أي واقعاً على وجهه. أمن يمشي سوياً: أي مستقيماً. والأفئدة: أي القلوب. قليلاً ما تشكرون: أي شكركم قليل. ذرأكم في الأرض: أي خلقكم في الأرض وإليه تحشرون لا إلى سواه. متى هذا الوعد: أي الذي تعدوننا وهو يوم القيامة. قل إنما العلم عند الله: أي علم مجيئه عند الله لا غير. فلما رأوه زلفة: أي لما رأوا العذاب قريباً منهم في عرصات القيامة. سيئت وجوه الذين كفروا: أي تغيّرت مسودة. هذا الذي كنتم به تدعون: أي هذا العذاب الذي كنتم بإنذاره تكذبون وتطالبون بهد تحدياً منكم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في مطلب هداية كفار قريش فقال تعالى مخاطباً لهم {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ}؟ أي من هذا الذي هو جند لكم أيها المشركون بالله تعالى ينصركم من دون الرحمن أن أراد الرحمن بكم سوءاً فيدفعه عنكم. وقوله تعالى {إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ} أي ما الكافرون إلا في غرور أوقعهم الشيطان فيه زيّن لهم الشرك ووعدهم ومناهم أنه لا حساب ولا عقاب، وأن آلهتهم تشفع لهم وقوله تعالى {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} أي أي من هذا الذي يطعمكم ويسقيكم ويأتي بأقواتكم إن أمسك الله ربكم رزقه عنكم فلو قطع عليكم المطر ما أتاكم به أحد غير الله. وقوله تعالى {بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} أي أنهم لم يتأثروا بهذا التبكيت والتأنيب بل تمادوا في الكبر والبتاعد عن الحق. وقوله تعالى {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}؟ هذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحد تبياناً لحالهما وتحقيقاً لواقع مذهبهما فقال أفمن يمشي مكباً أي واقعاً على وجهه هذا هو المشرك الذي سيكبّ على وجهه في جهنم أهدى أمّن يمشي سوياً أي مستقيماً على صراط مستقيم أي طريق مستقيم هذا هو الموحّد فأيهما أهدى؟ والجواب قطعاً الذي يمشي سوياً على صراط مستقيم إذاً النتيجة أن الموحد مهتد والمشرك ضال. وقوله تعالى {قُلْ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ} أي خلقكم {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} أي القلوب أي وأنتم لا تنكرون ذلك فمالكم إذاً لا تشكرون المنعم عليكم بهذه النعم وذلك بالإيمان به وبرسوله وطاعته وطاعة رسوله إنكم ما تشكرون إلا قليلاً وهو اعترافكم بأن الله هو المنعم لا غير. وقوله تعالى {قُلْ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي قل لهم يا رسولنا الله هو الذي ذرأكم في الأرض أي خلقكم لا أصنامكم التي لا تخلق ذباباً وإليه تعالى وحده تحشرون يوم القيامة إذاً فكيف لا تؤمنون به وبرسوله ولا تشكرونه ولا تخافونه وإليه تحشرون فيحاسبكم ويجزيكم بأعمالكم. وقوله تعالى {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي ويقول الكافرون لرسول الله والمؤمنين: متى هذا الوعد الذي تعدوننا به وهو يوم القيامة أي متى يجيء؟ وهنا قال تعالى لرسوله إجابة لهم على سؤالهم: قل {قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ} أي علم مجيء القيامة عند الله، وليس هو من شأني وإنما أنا نذير منه مبين لا غير. وقوله تعالى {فَلَمَّا رَأَوْهُ} أي عذاب يوم القيامة {زُلْفَةً} أي قريباً منهم {سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي أساءها الله فتغيرت بالاسوداد والكآبة والحزن. وقيل لهم أو قالت لهم الملائكة هذا العذاب الذي كنتم به تطالبون متحدّين رسولنا والمؤمنين وتقولون: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير حقيقة ثابتة وهي أن الكافر يعيش في غرور كامل ولذا يرفض دعوة الحق. 2- تقرير حقيقة ثابتة وهي انحراف الكافر وضلاله واستقامة المؤمن وهدايته. 3- وجوب الشكر لله تعالى على نعمة السمع والبصر والقلب وذلك بالإيمان والطاعة. 4- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
القطان
تفسير : جند: عون، معين. في غرور: في خداع يخدعون انفسهم. ان أمسك رزْقه: حبس عنكم المطر وغيره من الأسباب التي ينشأ منها الرزق. لجّوا: تعدَّوا الحد. في عُتوّ: في تمرد وعناد. نفور: اعراض وتباعد. مكباً على وجهه: اصل المعنى ان يمشي المرء مطرقا بوجهه الى الارض. والمقصود: الذي يسير على غير هدى. سويًّا: معتدلا، مستقيما. الافئدة: العقول. انشأكم: خلقكم. ذرأكم: خلقكم. زلفة: قريبا. سيئت وجوه الذين كفروا: قبحت وعَلتها الكآبة. تدعون: تطلبون، وتستعجلون. أرأيتم: اخبروني. غورا: غائرا في الأرض. معين: جارٍ غزير. بعد ان بين الله للناس عجائب قدرته فيما يشاهدونه من احوال الطير وخلقه، وخوّفهم من خسف الأرض بهم، وارسال الحاصب عليهم بالعذاب - سأل الجاحدين المعاندين بقصد التوبيخ والتقريع: من الذي يعينكم وينصركم ويدفع عنكم العذاب اذا نزل بكم؟ هل هناك غير الرحمن؟ والتعبيرُ بالرحمن يدل على ان الله رؤوف بعباده رحيم. {إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ} وظنٍّ كاذبٍ يخدعون به انفسهم. ثم سؤال ثان منه تعالى: إذا منعَ اللهُ عنكم أسبابَ الرزق، من يرزقكم غيرُ الله: بل تمادى الكافرون في استكبارِهم وبُعدِهم عن الحق. ثم ضرب الله مثلاً يبين به الفرق بين المشركين والموحدين فقال: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. هل الذي يعيش في الضلال ويتخبط في الجهالة والكفر اهدى سبيلاً، أم الذي آمنَ ويمشي على الطريق المستقيم سالماً من التخبط والجهل؟ {أية : مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ؟} تفسير : [هود: 24]. فهذا المكبّ على وجهه هو المشرك، والذي يمشي سويا هو الموحّد، فهل يستويان؟ قل لهم ايها الرسول ان ربكم هو الذي خلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، لتسمعوا وتبصروا وتهتدوا، ولكن {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} ولكنكم مع كل هذه النعم فالشاكرون منكم قليل. قل لهم منبهاً الى خطأهم وجحودهم: ان ربكم هو الذي خلقكم وبثكم في الارض، ومن ثم اليه ترجعون يوم القيامة. ومع هذا كله، يسألون الرسول استهزاء وتهكماً فيقولون: متى يأتينا العذابُ الذي تعدنا به؟ {قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} قل يا محمد: هذا علمٌ اختص الله به، وانما انا رسول منه جئت لأنذركم وأبين لكم شرائع الله. {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ}. الحديث في هذه الآية يكون يوم القيامة، يعني: فلما قامت القيامة وحشر الناس ورأى الكفار العذابَ قريبا منهم ساءهم ذلك وعلت وجوههم الكآبة والحزن. ويقال لهم {أية : هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} تفسير : [الذاريات: 14] وهذا التعبير جاء ليدلنا على ان يوم القيامة قريب جدا. وكما جاء في قوله تعالى: {أية : وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [الزمر: 47، 48]. قل لهم: أخبِروني ماذا تستفيدون إن أماتنيَ اللهُ ومن معي من المؤمنين، او رحمَنا فأخّر آجالنا وعافانا من عذابه؟ فهل هذا كله يمنع الكافرين من عذابٍ أليمٍ استحقّوه بكفرهم وغرورهم!. {قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. قل لهم ايها الرسول: آمنا بالرحمن رب العالمين، وتوكلنا عليه في جميع أمورنا، وستعملون اذا نزل العذاب من هو الضال من المهتدي. وقد تكرر لفظ الرحمن اربع مرات في هذه السورة ليدل على انه رحيم بعباده، بابه مفتوح لهم دائماً. ثم يختم الله تعالى هذه السورة العظيمة بتهديد كبير، ويلمّح لهم بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة وذلك بحرمانهم من الماء الذي هو سبب الحياة الأول فيقول: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} قل لهم: أخبروني ان ذهب ماؤكم غائرا في الارض ولم تستطيعوا الوصول اليه، فمن يأتيكم بماء عذب جار تشربونه؟ ولا جواب لكم الا ان تقولوا: الله. قراءات: قرأ يعقوب: تدعون بفتح الدال من غير تشديد. والباقون: تدعون بتشديد الدال. وقرأ الكسائي: فسيعلمون بالياء. والباقون: فستعلمون بالتاء. فلله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمَّنْ} {ٱلْكَافِرُونَ} (20) - أَمْ مَنْ هَذَا الذِي يُعِينُكُمْ فِي دَفْعِ العَذَابِ وَالضُّرِّ عَنْكُمْ، إِنْ أَرَادَ اللهُ بِكُمْ سُوءاً؟.. إِنَّ الكَافِرِينَ الذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الأَصْنَامَ وَالأَوْثَانَ وَالأَنْدَادَ، التِي يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ، هِيَ قَادِرَةٌ عَلَى حِفْظِهِمْ مِنَ المَصَائِبِ وَالنَّوَائِبِ، هُمْ ضَالُّونَ مَغْرُورُونَ، وَقَدْ أَغْوَاهُمُ الشَّيْطَانُ وَغَرَّهُمْ بِالأَمَاني البَّاطِلَةِ، فَإِنَّ اللهَ وَحْدَهُ هُوَ الذِي يَحْفَظُهُمْ وَيَكْلَؤُهُمْ بِعِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ لَمَا أَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ. أَمْ مَنْ هَذَا - بَلْ مَنْ هَذَا. جُنْدٌ لَكُمْ - أَعْوَانٌ لَكُمْ وَمَنَعَةٌ. غُرُورٍ - خَدِيعَةٍ مِنَ الشَّيْطَانِ وَجُنْدِهِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى للعتاة النافرين عن أمره، المعرضين عن الحق: { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ } أي: ينصركم إذا أراد بكم الرحمن سوءًا، فيدفعه عنكم؟ أي: من الذي ينصركم على أعدائكم غير الرحمن؟ فإنه تعالى هو الناصر المعز المذل، وغيره من الخلق، لو اجتمعوا على نصر عبد، لم ينفعوه مثقال ذرة، على أي عدو كان، فاستمرار الكافرين على كفرهم، بعد أن علموا أنه لا ينصرهم أحد من دون الرحمن، غرور وسفه. { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } أي: الرزق كله من الله، فلو أمسك عنكم رزقه، فمن الذي يرسله لكم؟ فإن الخلق لا يقدرون على رزق أنفسهم، فكيف بغيرهم؟ فالرزاق المنعم، الذي لا يصيب العباد نعمة إلا منه، هو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، ولكن الكافرون { لَجُّوا } أي: استمروا { فِي عُتُوٍّ } أي: قسوة وعدم لين للحق { وَنُفُورٍ } أي: شرود عن الحق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):