٦٧ - ٱلْمُلْك
67 - Al-Mulk (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : أما الثاني فهو قوله: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ }. والمعنى: من الذي يرزقكم من آلهتكم إن أمسك الله الرزق عنكم، وهذا أيضاً مما لا ينكره ذو عقل، وهذا أنه تعالى لو أمسك أسباب الرزق كالمطر والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى: {بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوّ وَنُفُورٍ } والمراد أصروا وتشددوا مع وضوح الحق، في عتو أي في تمرد وتكبر ونفور، أي تباعد عن الحق وإعراض عنه فالعتو بسبب حرصهم على الدنيا وهو إشارة إلى فساد القوة العملية، والنفور بسبب جهلهم، وهذا إشارة إلى فساد القوة النظرية. واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالعتو والنفور، نبه على ما يدل على قبح هذين الوصفين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ} أي يعطيكم منافع الدنيا. وقيل المطر من آلهتكم. {إِنْ أَمْسَكَ} يعني الله تعالى رزقه. {بَل لَّجُّواْ} أي تمادوا وأصروا. {فِي عُتُوٍّ} طغيان {وَنُفُورٍ } عن الحق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمَّنْ هَٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ } الرحمن {رِزْقَهُ } أي المطر عنكم؟ وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي فمن يرزقكم؟، أي لا رازق لكم غيره {بَل لَّجُّواْ } تمادوا {فِى عُتُوٍّ } تكبر {وَنُفُورٍ } تباعد عن الحق.
ابن عطية
تفسير : هذا أيضاً توقيف على أمر لا مدخل للأصنام فيه، والإشارة بالرزق إلى المطر، لأنه عظم الأرزاق، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم: {لجوا} وتمادوا في التمنع عن طاعة الله، وهو العتو في نفور، أي بعد عن الحق بسرعة ومبادرة، يقال: نفر عن الأمر نفوراً، وإلى الأمر نفيراً، ونفرت الدابة نفاراً. واختلف أهل التأويل في سبب قوله: {أفمن يمشي مكباً} الآية، فقال جماعة من رواة الأسباب: نزلت مثلاً لأبي جهل بن هشام وحمزة بن عبد المطلب، وقال ابن عباس وابن الكلبي وغيره: نزلت مثلا لأبي جهل بن هشام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد والضحاك: نزلت مثالاً للمؤمنين والكافرين على العموم، وقال قتادة: نزلت مخبرة عن حال القيامة، وإن الكفار يمشون فيها على وجوههم، والمؤمنون يمشون على استقامة، وقيل للنبي: كيف يمشي الكافر على وجهه؟ قال: "حديث : إن الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر على أن يمشيه في الآخرة على وجهه ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: فوقف الكفار على هاتين الحالتين حينئذ، ففي الأقوال الثلاثة الأول المشي مجاز يتخيل، وفي القول الرابع هو حقيقة يقع يوم القيامة ويقال: أكب الرجل، إذا رد وجهه إلى الأرض، وكبه: غبره، قال عليه السلام: "حديث : وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم تفسير : ،فهذا الفعل خلاف للباب: أفعل لا يتعدى وفعل يتعدى، ونظيره قشعت الريح فأقشع، و {أهدى} في هذه الآية أفعل من الهدى، وقرأ طلحة: "أمَن يمشي" بتخفيف الميم، وإفراد {السمع} لأنه اسم جنس يقع للكثير و {قليلاً} نصب بفعل مضمر، و {ما}: مصدرية، وهي في موضع رفع، وقوله: {قليلاً ما تشكرون} يقتضي ظاهره أنهم يشكرون قليلاً، فهذا إما أن يريد به ما عسى أن يكون للكافر من شكر وهو قليل غير نافع، وإما أن يريد جملة فعبر بالقلة كما تقول العرب: هذه أرض قل ما تنبت كذا، وهي لا تنبته بتة، ومن شكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه النعمة حديث : أنه كان يقول في سجوده: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره" تفسير : ، و "ذرأكم" معناه: بثكم والحشر المشار إليه، هو بعث القيامة، وإليه أشار بقوله: {هذا الوعد} فأخبر تعالى أنهم يستعجلون أمر القيامة، ويوقفون على الصدق، في الإخبار بذلك.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} هذا أيضاً توقيفٌ على أمْرٍ لاَ مَدْخَل للأصنامِ فيه. وقوله سبحانه: {أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ} قال ابن عباس والضحاك ومجاهد: نزلَتْ مثَلاً للمؤمنينَ والكافرين؛ على العمومِ، وقال قتادةُ: نزلت مُخْبِرةً عن حال القِيَامَةِ، وأنَّ الكفارَ يَمْشُونَ على وجوهِهم، والمؤمنينَ يمشُون على استقامةٍ، كما جاء في الحديث، ويُقالُ: أكَبَّ الرجلُ إذا دَرَّ وَجْهَهُ إلَى الأَرْضِ، وكَبَّه غَيْرُهُ، قال ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ: «حديث : وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»تفسير : فَهَذَا الفِعْلُ على خلافِ القَاعِدَة المعلومةِ؛ لأَنَّ «أَفْعَلْ» هنا لا يتعدّى، و«فَعَلَ» يَتَعَدَّى، ونظيرُه قَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحَابَ فانْقَشَعَ، وقال * ص *: {مُكِبّاً} حالٌ وهو مِنْ أَكَبَّ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، وَكَبَّ متعدٍ، قال تعالى: {أية : فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ } تفسير : [النمل:90] والهَمْزَةُ فيه للدخولِ في الشيءِ، أو للصيرورَةِ، ومطاوع كَبَّ: انْكَبّ، تَقُولُ كَبَبْتُه فانْكَبَّ، قال بَعْضُ الناس: ولاَ شَيْءَ من بناءِ «أفْعَلَ» مطاوعاً، انتهى، و{أَهْدَىٰ} في هذه الآية أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الهُدَى.
اسماعيل حقي
تفسير : {أمن هذا الذى يرزقكم} يعطيكم الرزق {ان امسك} الرحمن وحبس {رزقه} بامساك المطر ومباديه ولو كان الرزق موجودا او كثيرا وسهل التناول فوضع الاكلة فى فمه فأمسك الله عنه قوة الابتلاع عجز اهل السموات والارض عن أن يسوغه تلك اللقمة واعرابه كاعراب ما سبق والمعنى على تقدير كون من موصولة الله الرزاق ذو القوة المتين يرزقكم ام الذى يقال فى حقه هذا الحقير المهين الذى تدعون انه يرزقكم قال بعض المفسرين كان الكفار يمتنعون عن الايمان ويعاندون الرسول عليه السلام معتمدين على شيئين احدهما اعتمادهم بمالهم وعددهم والثانى اعتقادهم ان الاوثان توصل اليهم جميع الخيرات وتدفع عنهم جميع الآفات فأبطل الله عليهم الاول بقوله اممن هذا الذى هو جند لكم الخ ورد عليهم الثانى بقوله اممن هذا الذى يرزقكم الخ {بل لجوا فى عتو ونفور} منبئ عن مقدر يستدعيه المقام كائنه قيل اثر التبكيت والتعجيز لم يتأثروا بذلك ولم يذعنوا للحق بل لجوا وتمادوا فى عتواى عناد واستكبار وطغيان ونفور اى شراد عن الحق وتباعد واعراض لمضادتهم الحق بالباطل الذى اقاموا عليه فاللجاج التمادى فى العناد فى تعاطى الفعل المزجور عنه والعتو والتجاوز عن الحد والنفور الفرار ففيه تحقير لهم واشارة الى انهم {أية : حمر مستنفرة فرت من قسورة}تفسير : يعنى كوييا ايشان خران وحشى اندر ميدكان كه كريخته باشند از شيريا از صياد ياريسمان دام يا مردم تيرانداز يا آوازهاى مختلف شعر : كسى راكه بندار درسر بود ميندار هركزكه حق بشنود
الجنابذي
تفسير : {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ} الله {رِزْقَهُ بَل} ليس اعتمادهم فى مخالفتهم على رازقٍ سوى الله يرزقهم ولكنّهم {لَّجُّواْ} خاصموا نبيّنا {فِي عُتُوٍّ} فى استكبار عن الحقّ واهله وتجاوزٍ عن الحدّ فى اللّجاجة {وَنُفُورٍ} من الحقّ واهله.
اطفيش
تفسير : {أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ} الرحمن {رِزْقَهُ} مطره وسائر اسباب المعيشة أو المراد نفس الرزق والجواب محذوف أي فمن هذا الذي يرزقكم ويجوز ان تكون الاشارتان الى الاوثان لاعتقادهم ان ينصروا ويرزقوا بركتها. {بَل لَّجُّوا} تمادوا {فِى عُتُوٍّ} عناد مصدر بوزن النفور لكن في ادغام {وَنُفُورٍ} عن الحق لثقله عليهم.
اطفيش
تفسير : {أمَّنْ هَذَا الَّذِي يرْزُقُكُمْ إِنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ} بإِمساك المطر أو مبادئه أو بما شاء، ولو جاء المطر وأثمرت الأَرض والشجر. {بل لَّجُّوا} تمادوا {فِي عُتُوٍّ} طغيان. {وَنُفُورٍ} عن الحق لثقله عليهم.
الالوسي
تفسير : والكلام في قوله تعالى: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ } أي الله عز وجل {رِزْقَهُ } بإمساك المطر وسائر مباديه كالذي مر. وقوله تعالى: {بَل لَّجُّواْ } الخ منبىء عن مقدر يستدعيه المقام كأنه قيل إثر التبكيت والتعجيز لم يتأثروا بذلك ولم يذعنوا للحق بل لجوا وتمادوا {فِى عُتُوّ } في عناد واستكبار وطغيان {وَنُفُورٍ } شراد عن الحق لثقله عليهم. وجعل ناصر الدين{أية : أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ}تفسير : [الملك: 20] الخ عديلاً لقوله تعالى {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْا}تفسير : [الملك: 19] على معنى ألم ينظروا في أمثال هذه الصنائع من القبض والبسط والإمساك وما شاكل ذلك مما يدل على كمال القدرة فلم يعلموا قدرتنا على تعذيبهم بنحو خسف وإرسال حاصب أم لكم جند ينصركم من دون الله إن أرسل عليكم عذابه، وقال إنه كقوله تعالى{أية : أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا}تفسير : [الأنبياء: 43] إلا أنه أخرج مخرج الاستفهام عن تعيين من ينصرهم إشعاراً بأنهم اعتقدوا هذا القسم، وجعل قوله تعالى {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ} الخ على معنى أم من يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم فقيل إنه عليه الرحمة جعل في الأولى أم متصلة ومن استفهامية وجعل في الثانية أم منقطعة ومن موصولة و{هَـٰذَا ٱلَّذِي} مبتدأ وخبر واقع صلة على تقدير القول وقدر لاستهجان أن يقال الذي هذا الذي يرزقكم ويجعل هذا قائماً مقام الضمير الراجع إلى الموصول الأول ومن قيل مبتدأ خبره محذوف أي رازق لكم وكأنه أشار بذلك إلى صحة كل من الأمرين في الوضعين وحديث لزوم اجتماع الاستفهامين في بعض الصور ودخول الاستفهام على الاستفهام قيل عليه إنه ليس بضائر إذ لا مانع من اجتماع الاستفهامين إذا قصد التأكيد. وقد نقل ابن الشجري عن جميع البصريين أن أم المنقطعة أبداً بمعنى بل والهمزة أي ولو دخلت على استفهام نحو{أية : أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ}تفسير : [الرعد: 16] و{أية : أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [النمل: 84] ومذهب غيرهم أنها قد تأتي بمعنى الاستفهام المجرد، وروي ذلك عن أبـي عبيدة وأنها قد تأتي للإضراب المجرد وقد تتضمنه والاستفهام الإنكاري أو الطلبـي والزمخشري قال في الموضعين أم من يشار إليه ويقال هذا الذي، وجوز في {هذا} أن يكون إشارة إلى مفروض وأن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم فكأنهم الجند والناصر والرازق. والآية على هذا ليست متعلقة بقوله تعالى {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْا}تفسير : [الملك: 19] على ما حققه صاحب «الكشف» قال بعد أن أوضح كلامه: إذا تقرر ذلك فاعلم أن الذي يقتضيه النظم على هذا التفسير أن يكون قوله تعالى{أية : أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ}تفسير : [الملك: 20] متعلقاً بحديث الخسف وقوله سبحانه {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ} بحديث إرسال الحاصب على سبيل النشر كأنه لما قيل أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فتضطرب نافرة بعدما كانت في غاية الذلة عقب بقول أم آمنكم الفوج الذي هو في زعمكم هو جند لكم يمنعكم من عذاب الله تعالى وبأسه، على أن أم منقطعة والاستفهام تهكم. وكذلك لما قيل أأمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً بدل ما يرسل عليكم رحمته ذنب بقول أم آمنكم الذي تتوهمون أنه يرزقكم. وأما قوله تعالى{أية : وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}تفسير : [الملك: 18] فاعتراض يشد من عضد التحذير وأن في الأمم الماضين المخسوف بهم والمرسل عليهم الحواصب إلى غير ذلك من أنواع عذابه عز وجل ما يسلبهم الطمأنينة والوقار لو اعتبروا وكذلك قوله سبحانه {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْا}تفسير : [الملك: 19] تصوير لقدرته تعالى الباهرة وأن من قدر على ذلك كان الخسف وإرسال الحاصب عليه أهون شيء وفيه كما أنه بعظيم قدرته وشمول رحمته أمسك الطير كذلك إمساكه العذاب وإلا فهؤلاء يستحقون كل نكال وفي الإتيان بهذا من التحقير الدال على تسفيه رأيهم وتقدير القول الدال على الزعم والتأكيد بالموصولين الدال على تأكد اعتقادهم في ذلك الباطل إن كان إشارة إلى الأصنام أو كمال التهكم بهم كأنهم محققون معلومون إن كان إشارة إلى فوج مفروض لأن حالهم في الأمن يقتضي ذلك وهذا أبلغ ولذا قدمه الزمخشري ما يقضي منه العجب ويلوح الإعجاز التنزيلي كأنه رأي العين ثم قال فهذا ما هديت إليه مع الاعتراف بأن الاغتراف من تيار كلام الله تعالى له رجال ما أبعد مثلي عنهم ولكن أتسلى بقول إمامنا الشافعي: شعر : أحب الصالحين ولست منهم تفسير : انتهى. ولعمري لقد أبدع وتبوأ ما قاله من القبول عند ذوي العقول المحل الأرفع: شعر : ويعجبني طرف تدر دموعه على فضله العالي فلله دره تفسير : وظاهره أن من في الموضعين فاعل لفعل محذوف دل عليه السياق أعني أمنكم لا مبتدأ خبره محذوف كما قيل فيما سبق. وقد جوز في الآية غير ما تقدم من أوجه الإعراب وهو أن يكون من خبراً مقدماً و{هَـٰذَا } مبتدأ ورجح على ما مر من عكسه بأنه سالم عما فيه من الإخبار بالمعرفة عن النكرة فإنه غير جائز عند الجمهور وجوازه مذهب سيبويه إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو أفعل تفضيل. وقرأ طلحة في الأولى {أية : أَمَّنْ }تفسير : [الملك: 20] بتخفيف الميم وشدد في الثانية كالجماعة.
ابن عاشور
تفسير : انتقال آخر والكلام على أسلوب قوله: {أية : أم مَن هذا الذين هو جند لكم}تفسير : [الملك: 20]، وهذا الكلام ناظر إلى قوله: {أية : وكُلوا من رزقه}تفسير : [الملك: 15] على طريقة اللف والنشر المعكوس. والرزق: ما يَنتفِع به الناس، ويطلق على المطر، وعلى الطعام، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وَجَد عندها رزقاً}تفسير : [آل عمران: 37]. وضمير {أمسَكَ} وضمير {رزقه} عائدان إلى لفظ {الرحمان الواقع في قوله: {أية : مِن دون الرحمان}تفسير : [الملك: 20]. وجيء بالصلة فعلاً مضارعاً لدلالته على التجدد لأن الرزق يقتضي التكرار إذ حاجة البشر إليه مستمرة. وكتب {أمَّن} في المصحف بصورة كلمة واحدة كما كتبت نظيرتها المتقدمة آنفاً. {بل لجّوا في عتوٍّ ونفور} استئناف بَياني وقع جواباً عن سؤال ناشىء عن الدلائل والقوارع والزواجر والعظات والعبر المتقدمة ابتداء من قوله: {أية : الذي خلق الموت والحياة}تفسير : [الملك: 2] إلى هنا، فيتجه للسائل أن يقول: لعلهم نفعت عندهم الآيات والنذر، واعتبروا بالآيات والعِبر، فأجيب بإبطال ظنه بأنهم لَجُّوا في عُتُوّ ونفور. و {بل} للإضراب أو الإبطال عما تضمنه الاستفهامان السابقان أو للانتقال من غرض التعجيز إلى الإِخبار عن عنادهم. يقال: لجّ في الخصومة من باب سمع، أي اشتد في النزاع والخصام، أي استمروا على العناد يكتنفهم العُتّو والنفور، أي لا يترك مخلصاً للحق إليهم، فالظرفية مجازية، والعتوّ: التكبر والطغيان. والنفور: هو الاشمئزاز من الشيء والهروب منه. والمعنى: اشتدوا في الخصام متلبسين بالكبر عن اتباع الرسول حرصاً على بقاء سيادتهم وبالنفور عن الحق لكراهية ما يخالف أهواءهم وما ألفوه من الباطل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ}. يقول تعالى للمشركين: من هذا الذي غيره سبحانه يرزقكم، إن أمسك الله عنكم رزقه. والجواب. لا أحد يقدر على ذلك ولا يملكه إلا الله. وقد صرح تعالى بهذا السؤال وجوابه في قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ}تفسير : [سبأ: 2]. أي لا أحد سواه سبحانه لا إله إلا هو، قال تعالى: {أية : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}تفسير : [فاطر: 3]. وذلك لأن الذي يقدر على الخلق هو الذي يملك القدرة على الرزق، كما قال تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}تفسير : [يونس: 31]. وكقوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}تفسير : [الروم: 40]. وهذا من كمال القدرة على الإحياء والإماتة والرزق، وقد بين تعالى أن ذلك لمن بيده مقاليد الأمور سبحانه، وتدبير شؤون الخلق كما في قوله تعالى: {أية : لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الزمر: 63] ثم قال: {أية : يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [الشورى: 12]، أي يبسط ويقدر، يعلم لا عن نقص ولا حاجة، ولكن يعلم بمصالح عباده،{أية : ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ}تفسير : [الشورى: 19] أي يعاملهم بلطفه وهو قوي على أن يرزق الجميع رزقاً واسعاً، وهو العزيز في ملكه، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ}تفسير : [الرعد: 26] أي بمقتضى اللطف والعلم {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}تفسير : [هود: 6]. ومن هذا كله يرد على أولئك الذين يطلبون عند غيره الرزق، كما في قوله: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}تفسير : [النحل: 73]. وقد جمع الأمرين توبيخهم وتوجيههم في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [العنكبوت: 17]. وقد بين تعالى قضية الخلق والرزق والعبادة كلها في قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ}تفسير : [الذاريات: 57-58]. وقد بين تعالى في الآيات المتقدمة أنه يرزق العباد من السماوات والارض جملة. وبين في آيات أخرى كيفية هذا الرزق تفصيلاً مام يعجز الخلق عن فعله، وذلك في قوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [عبس: 24-32]. فجميع أنواع الرزق في ذلك ابتداء من إنزال الماء من السماء، ثم ينشأ عنه إشقاق الأرض عن النبات بأنواعه حباً وعنباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق وفاكهة، وكلها للإنسان، وقضبا وأباً للأنعام، والأنعام أرزاق أيضاً لحماً ولبناً، وجميع ذلك قوامه إنزال الماء من السماء، ولا يقدر على شيء من ذلك كله إلا الله. فإذا أمسكه الله عن الخلق لا يقوى مخلوق على إنزاله، فإذا علم المسلم أن الأرزاق بيد الخلاق، ومن بيده مقاليد السماوات والأرض لن يتجه برغبة ولا يتوجه بسؤال إلا إلى الله تعالى، موقناً حق اليقين أنه هو سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين. وكما قال تعالى: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}تفسير : [الذاريات: 22-23]. وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها قولها: "والله لا يكمل إيمان العبد حتى يكون يقينه بما عند الله أعظم مما بيده".
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمَّنْ} (21) - وَمَنْ هَذَا الذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْزُقَكُمْ إِنْ مَنَعَ اللهُ عَنْكُمْ أَسْبَابَ الرِّزْقِ: كَإِمْسَاكِ المَطَرِ، وَغَوْرِ العُيُونِ وَالجَدَاوِلِ وَالأَنْهَارِ.. إِنَّ الكَافِرِينَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ رِزْقَ العِبَادِ غَيْرُ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ هَذَا إِلاَّ عُتُوّاً مِنْهُمْ، وَعِنَاداً، وَنُفُوراً عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وَالإِذْعَانِ لَهُ. لَجُّوا فِي عُتُوٍّ - تَمَادَوْا فِي اسْتِكْبَارٍ وَعِنَادٍ. نُفُورٍ - تَبَاعُدٍ عَنِ الحَقِّ وَشُرُودٍ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الآية: 21]. قال: النفور، الكفور. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ} يعني: في الضلالة {أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الآية: 22] يعني: على الحق المستقيم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} [الآية: 27]. يقول: رأَوه قد اقترب. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شيبان عن جابر، عن عكرمة: {فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} [الآية: 30]. قال: المعين الظاهر.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى:{فِي عُتُوٍّ} معناه تَكبرٌ {وَنُفُورٍ} معناه تَولٍ عن الحَقِّ.
الجيلاني
تفسير : {أَمَّنْ هَـٰذَا} الرازق المتكفل لأرزاقكم {ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ} ويسوق إليكم ما يسد رمقكم {إِنْ أَمْسَكَ} سبحانه {رِزْقَهُ} بإمساك المطر، وسائر الأسباب والآلات التي تتوسلون بها إلى أرزقاكم، هل لكم متمسك تتمسكون به، وتثقون عليه سواه سبحانه أصلاً؟! كلا وحاشا، ليس لكم إلاَّ هذا {بَل لَّجُّواْ} تمادوا وأصروا على اللجاج، وصاروا دائماً {فِي عُتُوٍّ} لدد وعناد {وَنُفُورٍ} [الملك: 21] عن الحق وقبوله تعنتاً واستكباراً. ثمَّ قال سبحانه مستفهماً على سبيل التوبيخ: {أَ} يعتقدون الآثار الظاهرة في الأقطار من الوسائل والأسباب، ولم ينسبوها إلى المؤثر المسبب لها المختار، وسلكتم في هذا الطريق بأنواع الإنكار والإصرار {فَمَن} أي: فهل من {يَمْشِي} ويمضي {مُكِبّاً} ساقطاً {عَلَىٰ وَجْهِهِ} لوعرة طريقه، وظلمة سبيله {أَهْدَىٰ} إلى مقصده، وأرشد إلى مطلوبه {أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً} مستقيماً سالماً عن التزلزل والسقوط، راكباً {عَلَى} متن {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الملك: 22] وطريق واضح بلا عثور وقصور؟! مثَّل بهما سبحانه للمشرك المتشبث بالعقل، المنعزل عن الرشد والهداية، وللمؤمن المستمسك بالعروة الوثقى التي هي الشرع القويم الموصل إلى توحيد الحق. {قُلْ} يا أكمل الرسل لمن أنكر وحدة الحق، واسقتلاله ف يمطلق التصرفات الواقعة في عالم الكون والفساد: {هُوَ} سبحانه القادر المقتدر {ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ} وأظهركم من كتم العدم إنشاءً إبداعياً {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ} لتسمعوا به المواعظ، والآثار والأخبار الصادرة عن أولي العزائم الصحيحة، المجتازين نحو فضاء اللاهوت بانخلاعهم عن كسوة الناسوت مطلقاً {وَٱلأَبْصَارَ} لتنظروا بها في ملكوت السماوات والأرض فتعتبروا منها إلى مبدعها العليم الحكيم {وَٱلأَفْئِدَةَ} لتتفطنوا بها إلى عجائب حكمته، وبدائع قدرته؛ كي تنكشفوا بوحدته، وتتشرفوا بوصلته، لكن {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23] أي: الشاكرون الصارفون لهذه النعم العظام إلى ما خلقت لأجله، قليل في غاية القلة. {قُلْ} يا أكمل الرسل لمن أنكر قدرتنا على الحشر والنشر، والحساب والجزاء على جميع الأمور الواقعة في النشأة الأخرى {هُوَ} سبحانه العزيز الغالب، ذو القدرة والاختبار {ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ} أي: بثكم وبسطكم بمقتضى قدرته {فِي ٱلأَرْضِ} التي هي محل الكون والفساد، وكلفكم على الإيمان والأعمال، واختبركم بالأوامر والنواهي {وَ} كما أبدعكم أولاً بامتداد أظلاله، ورش نوره على مرآة العدم، أعادكم أيضاً بقبض أضلاله وأنواره إلى ذاته، فثبت أنكم {إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الملك: 24] للجزاء، فيجازيكم على مقتضى ما قترفتم من المأمورات الإلهية. {وَيَقُولُونَ} من كمال استبعادهم وإنكارهم: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} الموعود الذي وعدتم الجزاء والحساب، والثواب والعقاب فيه، أخبرونا عن وقوعه في أيّ زمان، وإن وقع؟ {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الملك: 25] يعنون: النبي والمؤمنين. {قُلْ} يا أكمل الرسل بعدما ألحوا عليك، وألجئوك إلى التعيين: {إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ} المتعلق لتعيين وقته {عِنْدَ ٱللَّهِ} لا يطلع عليه أحد من خلقه {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ} بمقتضى الوحي الإلهي {مُّبِينٌ} [الملك: 26] مظهر مبلغ ما يوحى إليّ من عنده على وجهه، لا طريق لي بوقوع المعهود إلا الوحي، ولم يوح إليَّ تعيينه، فكيف أتكلم عنه؟! فعليكم ألاَّ تستعجلوا وقوعه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):