٦٧ - ٱلْمُلْك
67 - Al-Mulk (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم إنه تعالى بين حالهم عند نزول ذلك الوعد فقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وفيه مسائل: المسألة لأولى: قوله {فَلَمَّا رَأَوْهُ } الضمير للوعد، والزلفة القرب والتقدير: فلما رأوه قرباً ويحتمل أنه لما اشتد قربه، جعل كأنه في نفس القرب. وقال الحسن: معاينة، وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة. المسألة الثانية: قوله: {سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة، وقال الزجاج: تبين فيها السوء، وأصل السوء القبح، والسيئة ضد الحسنة، يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيىء إذا قبح، وسيىء يساء إذا قبح، وهو فعل لازم ومتعد فمعنى سيئت وجوههم قبحت بأن علتها الكآبة وغشيها الكسوف والقترة وكلحوا، وصارت وجوههم كوجه من يقاد إلى القتل. المسألة الثالثة: اعلم أن قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } إخبار عن الماضي، فمن حل الوعد في قوله: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } تفسير : [الملك: 25] على مطلق العذاب سهل تفسير الآية على قوله فلهذا قال أبو مسلم في قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } يعني أنه لما أتاهم عذاب الله المهلك لهم كالذي نزل بعاد وثمود سيئت وجوههم عند قربه منهم، وأما من فسر ذلك الوعد بالقيامة كان قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } معناه فمتى ما رأوه زلفة، وذلك لأن قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } إخبار عن الماضي وأحوال القيامة مستقبلة لا ماضية فوجب تفسير اللفظ بما قلناه، قال مقاتل: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } أي لما رأوا العذاب في الآخر قريباً. وأما قوله تعالى: {وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: القائلون هم الزبانية، وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض ذلك. المسألة الثانية: في قوله: {تَدْعُونَ } وجوه: أحدها: قال الفراء: يريد تدعون من الدعاء أي تطلبون وتستعجلون به، وتدعون وتدعون واحد في اللغة مثل تذكرون وتذكرون وتدخرون وتدخرون وثانيها: أنه من الدعوى معناه: هذا الذي كنتم تبطلونه أي تدعون أنه باطل لا يأتيكم أو هذا الذي كنتم بسببه وتدعون أنكم لا تبعثون وثالثها: أن يكون هذا استفهاماً على سبيل الإنكار، والمعنى أهذا الذي تدعون، لا بل كنتم تدعون عدمه. المسألة الثالثة: قرأ يعقوب الحضرمي {تَدْعُونَ } خفيفة من الدعاء، وقرأ السبعة {تَدَّعُونَ } مثقلة من الادعاء.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} مصدر بمعنى مُزْدَلفاً، أي قريباً؛ قاله مجاهد. الحسن عِياناً. وأكثر المفسرين على أن المعنى: فلما رأوه يعني العذاب، وهو عذاب الآخرة. وقال مجاهد: يعني عذاب بَدْر. وقيل: أي رأوا ما وُعِدوا من الحشر قريباً منهم. ودلّ عليه {تُحْشَرُونَ }. وقال ابن عباس: لما رأوا عملهم السّيّىء قريباً. {سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي فُعل بها السوء. وقال الزجاج: تُبُيِّن فيها السوء؛ أي ساءهم ذلك العذاب وظهر على وجوههم سِمَةٌ تدلّ على كفرهم؛ كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} تفسير : [آل عمران:106]. وقرأ نافع وابن مُحَيْصِن وابن عامر والكسائيّ «سئت» بإشمام الضم. وكسر الباقون بغير إشمام طلباً للخفّة. ومن ضمّ لاحظ الأصل. {وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} قال الفرّاء: «تَدّعُونَ» تفتعلون من الدعاء؛ وهو قول أكثر العلماء؛ أي تتمنْون وتسألون. وقال ٱبن عباس: تَكْذِبون؛ وتأويله: هذا الذي كنتم من أجله تدّعون الأباطيل والأحاديث؛ قاله الزجاج. وقراءة العامة «تدّعون» بالتشديد، وتأويله ما ذكرناه. وقرأ قتادة وٱبن أبي إسحاق والضحاك ويعقوب «تَدْعون» مخففة. قال قتادة: هو قولهم {أية : رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا}تفسير : .[ص:16] وقال الضحاك: هو قولهم {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال:32] الآية. وقال أبو العباس: «تَدعُونَ» تستعجلون؛ يقال: دعوت بكذا إذا طلبته؛ وٱدّعيت ٱفتعلت منه. النحاس: «تَدّعُونَ وتَدْعُون» بمعنًى واحد؛ كما يقال: قدر وٱقتدر، وعَدَى وٱعَتَدى؛ إلا أن في «افتعل» معنى شيء بعد شيء، و «فَعَل» يقع على القليل والكثير.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا رَأَوْهُ } أي العذاب بعد الحشر {زُلْفَةً } قريباً {سِيئَتْ } اسودت {وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ } أي قال الخزنة لهم {هَٰذَا } أي العذاب {ٱلَّذِى كُنتُم بِهِ } بإنذاره {تَدَّعُونَ } أنكم لا تبعثون. وهذه حكاية حال تأتي، عبر عنها بطريق المضيّ لتحقق وقوعها.
ابن عبد السلام
تفسير : {زُلْفَةً} قريباً أو عياناً {سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} ظهرت عليها المساءة لما شاهدوه أو ظهر عليها سمة تدل على كفرهم {أية : وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}تفسير : [آل عمران: 106] {تَدَّعُونَ} تمترون فيه وتختلفون أو تسألون في الدنيا وتزعمون أنه لا يكون أو تستعجلون بالعذاب أو دعاؤهم بذلك لأنفسهم افتعال من الدعاء يقول لهم ذلك خزنة جهنم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما رأوه} الفاء فصيحة معربة عن تقدير جملتين وترييب الشرطية عليهما كأنه قيل وقد أتاهم الموعود فرأوه اى رؤية بصرية فلما رأوه نزل الامر الغير الواقع منزلة الواقع التحققه {زلفة} حال من مفعول رأو الان رأى من رؤية البصر كما اشير اليه آنفا اما بتقدير المضاف الى ذا زلفة وقرب او على انه مصدر بمعنى الفاعل اى مزدلفا وقرب الحشر هو قرب ما اعد لهم فيه {سيئت} بذكردد وزشت شود {وجوه الذين كفروا} بأن غشيتها الكآبة ورهقها القتر والذلة وخص الوجوه بالذكر لان الوجه الذى يظهر عليه اثر المسرة والمساءة ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بالكفر وتعليل المساءة به واصل الكلام ساءت رؤية الموعود وجوههم فكانت كوجه من يقاد الى القتل او يعرض على بعض العذاب والسياءة من ساءه الشىء يسوءه سوأ ومساءة نقيض سره كما فى تاج المصادر السوء غمكين كردن. ثم بنى للمفعول وفى القاموس ساء فعل به ما يكره فيكون متعديا ويجوز ان يكون لازما بمعنى قبح ومنه ساء مثلا وسيئ اذا قبح قال بعض المفسرين واهل اللغة ومنه الآية فالفعل فى الحقيقة مسند الى اصحاب الوجوه بمعنى ساؤوا وقبحوا قال بعضهم المحجوبين مع اعترافهم بالابدآء منكرون للاعادة فلا جرم يسوء وجوههم رؤية ما ينكرونه وتعلوها الكآبة ويأتيهم من العذاب الأليم مالا يدخل تحت الوصف {وقيل} توبيخا لهم وتشديدا لعذابهم بالنار الروحانية قبل الاحراق بالنار الجسمانية والقائلون الزبانية وايراد المجهول لكون المراد بيان المقول لا القائل {هذا} مبتدأ اشير به الى ما رأوه زلفة وخبره قوله {الذى كنتم به تدعون} اى تطلبونه فى الدنيا وتستعجلونه انكارا واستهزآء على انه تفتعلون من الدعاء والباء على هذا صلة الفعل يقال دعا بكذا اذا استدعاه وقيل هو من الدعوى اى كنتم بسبب ذكر النبى عليه السلام والمؤمنين العذاب لكم يوم القيامة تدعون ان لا بعث ولا حشر ولا عذاب فالباء للسببية ويجوز ان تكون للملابسة وعن بعض الزهاد انه تلاها فى اول الليلة فى صلاته فبقى يكررها وهو يبكىالى أن نودى لصلاة الفجر هذه معاملة العارفين جلال الله مع الله عند ملاحظة جبروته وقهره.
الطوسي
تفسير : قرأ يعقوب {تدعون} خفيفة. الباقون بالتشديد. وقرأ الكسائي {فسيعلمون من هو} بالياء على الغيبة. الباقون بالتاء على الخطاب، أي قل لهم. لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم استبطؤا عذاب الله واهلاكه لهم مستهزئين بذلك، فقالوا متي هذا الوعد، قال الله تعالى حاكياً عنهم إذا رأوا ما يوعدون به {فلما رأوه زلفة} قال الحسن: معناه معاينة. وقال مجاهد: يعني قريباً. والزلفة المنزلة القريبة والاصل فيه القرب، يقال: أزدلف اليه أزدلافاً إذا تقرب اليه، ومنه (مزدلفة) لانها منزلة قريبة من مكة، وجمع زلفة زلف، قال العجاج: شعر : ناج طواه الاين مما وجفا طيّ الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا تفسير : وقوله {سيئت وجوه الذين كفروا} أي ظهر فيها ما يفهم من الكآبة والحزن تقول: ساء يسوء سوأ، ومنه السوائي، ومنه أساء يسيء إساءة، فهو مسيء إذا فعل قبيحاً يؤدي إلى الغم {وقيل هذا الذي كنتم به تدعون} أي ويقال لهؤلاء الكفار إذا شاهدوا العذاب {هذا الذي كنتم به تدعون} أي تطلبون به خلاف ما وعدتم به على طريق التكذيب بالوعد: كأنه قيل هذا الذى كنتم به تكذبون في إدعائكم انه باطل. والادعاء الاخبار بما يوعد اليه القائل دون المعنى، فاذا ظهر دليله خرج من الادعاء لانه حينئذ يدعو إليه المعنى، وكذلك الاخبار بما يدعو إلى نفسه في الفعل ليس بدعوى، قال الزجاج: {تدّعون} يجوز ان يكون يريد يفعلون من الدعاء، ويجوز أن يكون من الدعوى، قال الفراء: والتشديد والتخفيف واحد مثل تذكرون وتذكرون وتدخرون وتدخرون. ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله {قل} لهم يا محمد {أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي} بان يميتنا {أو رحمنا} بتأخير آجالنا ما الذى ينفعكم من ذلك في رفع العذاب الذى استحققتموه من الله فلا تعللوا في ذلك بما لا يغني عنكم شيئاً. وقيل إن الكفار كانوا يتمنون موت النبي وموت أصحابه فقيل لهم {أرأيتم إن أهلكني الله} باماتتي وإماتة اصحابي فما الذى ينفعكم ذلك في النجاة من عذاب أليم. وقل لهم {فمن} الذي {يجير الكافرين من عذاب أليم} حتى لا يعذبوا ولا يعاقبوا، فلا يمكنهم الاحالة على من يجيرهم من الله ويخلصهم من عذابه. ثم قال {قل} لهم على وجه الانكار عليهم والتوبيخ لهم على فعلهم {هو الرحمن} يعني الله تعالى هو الذي عمت نعمه جميع الخلائق واستحق الوصف بالرحمن {آمنا به} أي صدقنا بوحدانيته {وعليه توكلنا} أى اعتمدنا عليه وفوضنا أمورنا اليه، فالتوكل الاعتماد على تفضل الله وحسن تدبيره وقل لهم {فستعلمون} معاشر الكفار {من} الذى {هو في ضلال مبين} أى بين. ومن قرأ بالياء معناه فسيعلم الكفار ذلك. ثم قال {قل} لهم يا محمد {أرأيتم} معاشر الكفار {إن أصبح ماؤكم غوراً} أى غائراً وصف الغائر بالغور الذى هو المصدر مبالغة، يقال ماء غور، وماآن غور، ومياه غور كما يقال: هؤلاء زور فلان وضيفه، لانه مصدر - فى قول الفراء وغيره - {فمن يأتيكم بماء معين} معناه من الذى يجيئكم بماء معين إذا غارت مياهكم. قال قوم: الماء المعين الذى تراه العيون. وقال قتادة والضحاك: هو الجارى، فالاول مفعول من العين، كمبيع من البيع، والثاني من الامعان فى الجرى، ووزنه (فعيل) كأنه قال ممعن في الجرى والظهور، وقال الحسن أصله من العيون. قال الجبائي قوله {قل أرايتم إن أصبح ماؤكم غوراً} تعريف حجة الله لعباده عرفوها وأقروا بها ولم يردوا لها جواباً.
الجنابذي
تفسير : {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} ذا زلفةٍ اى لمّا رأوا الموعود ذا قرب {سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ} لهم {هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} قرئ بتخفيف الدّالّ وبتشديده، والمعنى فى كليهما واحد يعنى هذا الّذى كنتم تستعجلون به وتدعون الله بتعجيله، وقيل: هو من الدّعوى والمعنى كنتم تدّعون انّه ليس بحقٍّ، ويكون الباء للتّعدية او للالصاق، روى عن الباقر (ع): هذه نزلت فى امير المؤمنين (ع) واصحابه الّذين عملوا ما عملوا، يرون امير المؤمنين (ع) فى اغبط الاماكن لهم فيسيء وجوههم ويقال: هذا الّذى كنتم به تدّعون الّذى انتحلتم اسمه، وعنه (ع) فلمّا رأوا مكان علىٍّ (ع) من النّبىّ (ص) سيئت وجوه الّذين كفروا يعنى الّذين كذّبوا بفضله، والاتيان بالماضى فى قوله فلمّا رأوا لتحقّق وقوعه على الاوّلين ولما ضويّته على الاخير.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي] [قال: حدثني الحسين بن سعيد قال: حدثنا محمد بن علي الكندي قال: حدثنا الحسين بن وهب الأسدي قال: حدثنا عبيس بن هشام. ش]: عن داود بن سرحان قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن قول الله تعالى: {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون} قال: علي بن أبي طالب عليه السلام إذا رأوا منزلته ومكانه من الله أكلوا أكفهم على ما فرطوا في ولايته. فرات [بن إبراهيم الكوفي. ش] قال: حدثني الحسين بن سعيد [قال: حدثنا عباد. ش]: عن داود بن سرحان قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن قوله [تعالى: ش]: {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل: هذا الذي كنتم به تدعون} قال: ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام إذا رأوا منزلته ومكانه من الله أكلوا أكفهم على ما فرطوا في ولايته. فرات قال: حدثنا جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون} فقال: إذا رأوا صورة أمير المؤمنين عليه السلام يوم القيامة سيئت واسودت وجوه الذين كفروا وقيل: هذا الذي كنتم به تدعون. فرات قال: حدثني جعفر معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا دفع الله لواء الحمد إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحته كل ملك مقرب وكل نبي مرسل حتى يدفعه إلى علي [عليه السلام. ب] {سيئت وجوه الذين كفروا وقيل: هذا الذي كنتم به تدعون} أي: باسمه تسمون أمير المؤمنين. فرات قال: حدثني علي بن محمد الزهري [قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن غالب عن محمد بن إسماعيل عن حماد عن إبراهيم]: عن المغيرة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا} لما رأوا علياً عند الحوض مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {وقيل هذا الذي كنتم به تدعون} باسمه تسميتم أمير المؤمنين أنفسكم.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا رَأَوْهُ} أي الوعد أي الموعد حكي حالا مستقبله متحققة الوقوع وهو القيامة كأنها قد وقعت فهو يخبر انهم لما رأوها ساءت وجوههم كذا ظهر لي وان قلنا الوعد وعد بدر فظاهر فانه قد نزل عذابه بهم أو رأوا منازلهم عند الموت. {زُلْفَةً} حال أي قرباً جعله نفس القرب مبالغة أو يقدر مضاف أي ذا زلفة أو يأول بالوصف أي زليفا أو مفعول مطلق أي يزلف زلفة و يزلف حال قيل أو زلفة ظرف أي مكاناً وعن الحسن زلفة عيانا. {سِيئَتْ} قراءة نافع بالروم في السين ولذا لا يضبط في المصاحف بكسرة بل تجعل نقطة حمراء بعد السين وقيل الياء الحمراء وذا قرأ في (وسيء) وعبر بعض بالاشمام والمراد به الروم وهو اخفاء صوت الحركة كما صرحوا به والذي عندي انه يقرأ بالاشمام الذي هو خلطه كسرة وضمة. {وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ساء العذاب وجوههم بان يأثر عليها الكآبة حتى اسودت ولم يقل سيئت وجوههم ليذكرهم باسم ما اوجب السوء وهو الكفر. {وَقِيلَ} أي قالت الزبانية {هَذَا الَّذِى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} لقولهم اتينا بعذاب الله استهزاء وتكذيبا أي تطلبون وتستعجلون فتدعون تفتعلون من الدعاء اصله تدتعون ابدلت التاء الثانية دالا وادغمت فيها الدال أو المعنى تدعون انه باطل فهو من الدعوى ويؤيد الاول قراءة بعض باسكان الدال. وقرأها بعض الزهاد في اول الليل في صلاته فبقي يكررها وهو يبكي الى ان نودي لصلاة الفجر. وكان كفار مكة يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالهلاك فانزل الله.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا رَأوْهُ} إِلخ أى أتاهم فرأوه فلما رأوه وذلك لتحقق الوقوع وكأَنه وقع ورأوه، والرؤية علمية أو بصرية، وعليه فالمرئى أثره وهو الأَجساد المبعوثة {زُلْفَةً} حال أو مفعول به ثان على معنى العام، أى مزدلفاً أى مقترباً، أو ذا زلفة أى قرب أو نفس القرب مبالغة و ظرف أى فى وقت قريب، قيل أو فى مكان قريب، وهذا القرب فى ذلك كله عند الله عز وجل، وأما عندهم فبعد مدة عظيمة أو هو عندهم قريب إِذا رأوه كأَن أعمارهم وما بعدها إِلى ذلك الوقت لحظة، وتفسير بعضهم الزلفة بالحاضر تفسير بالمعنى، وقيل زلفة حظوة أى حظوة للمؤمنين أو هو بمنزلة عذاب للكافرين كما استعملت البشارة للمؤمنين، {سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أى ساءت رؤيتها وجوههم فتكون سوداء متغيرة ذليلة ووضع الذين كفروا موضع المضمر ليصفهم بالكفر الموجب لذلك السوء الذى أصابهم {وَقِيلَ} قالت الملائكة أو المؤمنون أو الأَنبياء أو قال الله لهم توبيخاً {هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} تفتعلون من دعا قلبت التاء بعد الدال دالاً وأُدغمت فيها الدال، أى تدعون كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وهو البعث والباء سببية، أو تطلبونه أن يحضر والباء صلة فى المفعول به وقدم بطريق الاعتناء به وللفاصلة، وكان المشركون يدعون الله عز وجل أن يهلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ويقولون سيهلكون أو يذلهم الله تعالى لأَنهم فرقوا الأُلفة بين الناس وقطعوا بما يقولون أنه من الله عزو جل فأَنزل الله تعالى: {قُلْ} لهم {أَرَأَيْتُمْ إِن أهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَن مَّعِيَ} من المؤمنين قبل أن ينصرنا عليكم، والمعنى أرونى ما الحال، ويجوز أن يكون الإِهلاك الإِذلال {أوْ رَحِمَنَا} أحياناً ورحمنا {فَمَن يُجِيرُ} يمنع {الْكَافِرِينَ مِنْ عذَابِ أَلِيمٍ} يصيبهم ولا بد يوم القيامة، أى فمن يجيركم من عذاب أليم استفهام نفى أى لا مجير لكم، أى يصيبكم عذاب الآخرة حيينا أو متنا قبلكم، ووضع الكافرين موضع المضمر ليذكرهم بالكفر الموجب للهلاك، أو المراد الكافرون على العموم فيدخل هؤلاء بالأولى لا مجير لكم من النار بخلافنا، فإِن الله يجيرنا بإِيماننا وينعمنا فى الجنة فآمنوا تكونوا مثلنا، وفى تمنيهم موت النبى والمؤمنين التمنى لأَعدائهم بدخول الجنة ووصول الخير وهذا أولى من أن يقال: إِن أهلكنى الله ومن معى من المؤمنين بالموت ونحن نرشدكم فمن يرشدكم فلا بد من أن تعذبوا فى النار لضلالكم، وإِن رحمنا بالنصر وقتلناكم فما لكم إِلا النار لأَن المقتول على أيدينا من أهل النار، وأولى من أن يقال إِن أهلكنا فى الآخرة مع إِيماننا فأَنتم أحق بالإهلاك لكفركم.
الالوسي
تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ } فصيحة معربة عن تقدير جملتين وترتيب الشرطية عليهما، كأنه قيل وقد أتاهم الموعود فرأوه فلما رأوه الخ وهذا / نظير قوله تعالى{أية : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ}تفسير : [النمل: 40] إلا أن المقدر هناك أمر واقع مرتب على ما قبله بالفاء وهٰهنا أمر منزل منزلة الواقع وارد على طريقة الاستئناف. وقوله تعالى: {زُلْفَةً } حال من مفعول {رَأَوْهُ } اما بتقدير المضاف أي ذا زلفة وقرب أو على أنه مصدر بمعنى الفاعل أي مزدلفاً أو على أنه مصدر نعت به مبالغة أو ظرف أي رأوه في مكان ذي زلفة. وفسر بعضهم الزلفة بالقريب والأمر عليه ظاهر وكذا على ما روي عن ابن زيد من تفسيره بالحاضر. وقال الراغب الزلفة المنزلة والحظوة وما في الآية قيل معناه زلفة المؤمنين وقيل زلفة لهم واستعمل الزلفة في منزلة العذاب كما استعملت البشارة ونحوها من الألفاظ انتهى ولا زلفة في كلا القولين. {سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ساءتها رؤيته بأن غشيتها بسببها الكآبة ورهقها القتر والذلة. ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بالكفر وتعليل المساءة به. وأشم أبو جعفر والحسن وأبو رجاء وشيبة وابن وثاب وطلحة وابن عامر ونافع والكسائي كسر سين {سيئت} الضم. {وَقِيلَ } توبيخاً لهم وتشديداً لعذابهم {هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ } أي تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه إنكاراً واستهزاء على أنه تفتعلون من الدعاء والباء صلة الفعل. وقيل هو من الدعوى أي تدعون أن لا بعث ولا حشر فالباء سببية أو للملابسة باعتبار الذكر وأيد التفسير الأول بقراءة أبـي رجاء والضحاك والحسن وقتادة وابن يسار وعبد الله بن مسلم وسلام ويعقوب (تدعون) بسكون الدال وهي قراءة ابن أبـي عبلة وأبـي زيد وعصمة عن أبـي بكر والأصمعي عن نافع. وذكر الزمخشري في سورة المعارج أن (يدعون) مخففاً من قولهم دعا بكذا إذا استدعاه، وعن الفراء أنه من دعوت أدعو والمعنى هذا الذي كنتم به تستعجلون وتدعون الله تعالى بتعجيله يعني قولهم{أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ}تفسير : [الأنفال: 32] الخ. وروي عن مجاهد أن الموعود عذاب يوم بدر وهو بعيد. وأما ما قيل من أن الموعود الخسف والحاصب وقد وقعا لأن المراد بالخسف الذل كما في قوله:شعر : ولا يقيم على خسف يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد تفسير : وبالحاصب الحصى وقد رمى صلى الله عليه وسلم به في وجوههم كما في الخبر المشهور، أو لم يقعا بناء على ما عرف أولاً من المراد بهما، ولا يضر ذلك إذ تخلف الوعيد لا ضير فيه فليس بشيء كما لا يخفى. وكان كفار مكة يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك فقال سبحانه له عليه الصلاة والسلام.
ابن عاشور
تفسير : (لما) حرف توقيت، أي سيئت وجوههم في وقت رؤيتهم الوعد. والفاء فصيحة لأنها اقتضت جملة محذوفة تقديرها: فحل بهم الوعد فلما رأوهُ الخ، أي رأوا الموعود به. وفعل {رأوه} مستعمل في المستقبل، وجيء به بصيغة الماضي لشبهه بالماضي في تحقق الوقوع مثل {أية : أتى أمر الله} تفسير : [النحل: 1] لأنه صادر عمن لا إخلاف في أخباره فإن هذا الوعد لم يكن قد حصل حين نزول الآية بمكة سواء أريد بالوعد الوعد بالبعث كما هو مقتضى السياق أم أريد به وعد النصر، بقرينة قوله: {أية : ويقولون متى هذا الوعد}تفسير : [الملك: 25] فإنه يقتضي أنهم يقولونه في الحال وأن الوعد غير حاصل حين قولهم لأنهم يسألون عنه بــ {متى}. ونظير هذا الاستعمال قوله تعالى: {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} تفسير : في سورة النساء (41) وقوله تعالى: {أية : ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} تفسير : في سورة النحل (89) إذ جمع في الآيتين بين فعل {نبعث} مضارعاً وفعل {جئنا} ماضياً. وأصل المعنى: فإذا يرونه تساء وجوه الذين كفروا الخ، فعدل عن ذلك إلى صوغ الوعيد في صورة الإخبار عن أمر وقع فجيء بالأفعال الماضية. وضمير {رأوه} عائد إلى {أية : الوعد}تفسير : [الملك: 25] بمعنى: رأوا الموعود به. والزُلفة بضم الزاي: اسم مصدر زَلف إذا قرب وهو من باب تعب. وهذا إخبار بالمصدر للمبالغة، أي رأوه شديد القرب منهم، أي أخذ ينالهم. و {سيئت} بني للنائب، أي ساء وجوهَهم ذلك الوعد بمعنى الموعود. وأسند حصول السوء إلى الوجوه لتضمينه معنى كَلَحَتْ، أي لأنه سوء شديد تظهر آثار الانفعال منه على الوجوه، كما أسند الخوف إلى الأعين في قول الأعشى:شعر : وأقدِم إذا ما أعيُن الناس تَفْرَقُ تفسير : {وقيل} أي لهم. و {تدَّعون} بتشديد الدال مضارع ادَّعى. وقد حذف مفعوله لظهوره من قوله: {أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}تفسير : [الملك: 25]، أي تدَّعون أنه لا يكون. و {به} متعلق بـ {تدعون} لأنه ضمّن معنى «تكذّبون» فإنه إذا ضمّن عامل معنى عامل آخر يحذف معمول العامل المذكور ويذكر معمول ضمنه ليدل المذكور على المحذوف. وذلك ضرب من الإيجاز. وتقديم المجرور على العامل للاهتمام بإخطاره وللرعاية على الفاصلة. والقائل لهم {هذا الذي كنتم به تدَّعون} ملائكة المحشر أو خَزنَة جهنم، فعدل عن تعيين القائل، إذ المقصود المقول دون القائل فحذْف القائل من الإِيجاز. والقصر المستفاد من تعريف جزأي الإسناد تعريضٌ بهم بأنهم من شدة جحودهم بمنزلة من إذا رأوا الوعد حسبوه شيئاً آخر على نحو قوله تعالى: {أية : فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا}تفسير : [الأحقاف: 24]. وقرأ الجمهور {سِيئت} بكسرة السين خالصة، وقرأه ابن عامر والكسائي ونافع بإشمام الكسرة ضمة، وهما لغتان في فاء كل ثلاثي معتل العين إذا بُني للمجهول. وقرأ الجمهور {تَدَّعون} بفتح الدال المشددة وقرأه يعقوب بسكون الدال من الدعاء، أي الذي كنتم تدعون الله أن يصيبكم به تهكماً وعناداً كما قالوا {أية : فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32].
د. أسعد حومد
تفسير : (27) - وَحِينَمَا تَقُومُ السَّاعَةُ، وَيَبْعَثُ اللهُ الخَلاَئِقَ لِلْحِسَابِ وَالجَزَاءِ، يُشَاهِدُ الكَفَرَةُ العَذَابَ، وَيَرَوْنَ أَنَّ أَجَلَهُ كَانَ قَرِيباً (زُلْفَةً)، لأَِنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، فَيَسُوؤُهُمْ ذَلِكَ، وَتَعْلُوا وُجُوهَهُم الكَآبَةُ وَالقَتَرَةُ، إِذْ جَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ مَا لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَيُقَالُ لَهُمْ عََلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ: هَذَا هُوَ العَذَابُ الذِي كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَ وَقُوعَهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهَا هُوَ قَدْ جَاءَكُمْ بِأَهْوَالِه. رَأَوْهُ زُلْفَةً - رَأَوا العَذَابَ قَرِيباً مِنْهُمْ. سِيئَتْ - كَئِبَتْ وَاسوَدَّتْ غَمّاً. بِهِ تَدَّعُونَ - تَطْلُبُونَ أَنْ يُعَجَّلَ لَكُمُ اسْتِهْزَاءً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} معناه معاينةٌ قريبةٌ. وقوله تعالى: {وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} أي تُكَّذِبونَ وتَرِدُونَ.
الجيلاني
تفسير : وبعدما تحقق وقوعه، وحل وقته {فَلَمَّا رَأَوْهُ} أي: العذاب الموعود في الآخرة {زُلْفَةً} قريباً منهم {سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: استودت وقبحت من شدة الكآبة والحزن المفرط {وَقِيلَ} لهم حينئذٍ من قِبَل الحق: {هَـٰذَا} العذاب هو العذاب {ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} [الملك: 27] تطلبون وتستعجلون وقوعه مراءً واستهزاءً على سبيل التهكم، فالآن يلحقكم ما تنكرون به فيما مضى. {قُلْ} يا أكمل الرسل لمشركي مكة بعدما تطيروا بموتك، وموت من معك من المؤمنين؛ ليتخلصوا من شروركم: {أَرَأَيْتُمْ} أخبروني {إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ} العليم الحكيم بمقتضى قهره وجلاله {وَ} أهلك أيضاً {مَن مَّعِيَ} من المؤمنين {أَوْ رَحِمَنَا} بأن أخر آجالنا بمقتضى لطفه وجماله، ونحن مؤمنون مخلصون له، مقرّون بأنه الفاعل على الإطلاق بالإدارة والاختيار، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد {فَمَن يُجِيرُ} وينقذ {ٱلْكَافِرِينَ} المنكرين على الله وإرادته، واختياره وألوهيته مطلقاً {مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الملك: 28] نازل عليهم من لدنه سبحانه بشؤم ما اقترفوا من الكفر والعصيان، وأنواع الفسوق والطغيان؟! {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما تمادى نزاعهم، وتطاول جدالهم، ولم تنفعهم الدعوة والتبليغ كلاماً خالياً عن وصمة المجادلة والمراء، منبعثاً عن الحكمة والمصلحة: {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} المستعان المستوي على عروش الأكوان بكمال الاستيلاء والاستحقاق {آمَنَّا بِهِ} مخلصين مستوثقين بحبل كرمه ووجوده {وَعَلَيْهِ} لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية {تَوَكَّلْنَا} وفوَّضنا أمورمنا كلها بالعزيمة الخالصة الصادقة، وأخذنا وكيلاً، واعتقدناه حسيباً وكفيلاً {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الملك: 29] أنحن أم أنتم؟! {قُلْ} يا أكمل الرسل للمنكرين بوجود الصانع الحكيم على سبيل التبكيت والإلزام: {أَرَأَيْتُمْ} أخبروني أيها المسرفون المكابرون {إِنْ أَصْبَحَ} أي: ظل وصار {مَآؤُكُمْ غَوْراً} غائراً إلى حيث لا يصل إليه السجال والدلاء بحبال وحيل {فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} [الملك: 30] جارٍ هامرٍ، سهل المأخذ سوى الله رب العالمين؟. فكيف تنكرون وجوده، مع أنكم مغمورون بسوابغ نعمه، معترفون بسوابق كرمه؟! خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المستمسك بعروة الشريعة المصطفوية التي لا عروة أوثق منها ولا جادة أقوم وأعدل أن تتشبث بها، وتعمل بمقتضاها، متوكلاً على الرحمن المستعان، مفوضاً أمورك كلها إليه على وجه الإيقان، معرضاً عن جنود أمارتك ومقتضياتها، مجاهداً معها، مخاصماً إياها حتى تصير مطمئنة راضية بما جرى عليها من القضاء، صابرة على ما أصابها من البلوى إلى أن صارت فانية عن هوياتها الباطلة باقية بهوية الحق وبقائه. جعلنا الله ممن فني فيه، وبقي ببقائه بمنِّه وجوده.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} [الملك: 27]؛ يعني: بعض القوى المكذبة لما شاهدوا بعض الآيات في أثناء السلوك {سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الملك: 27]؛ أي: اسودت بما كذبوا الآيات التي شاهدتها الآن، {وَقِيلَ} [الملك: 27] لهم القوى العلوية {هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} [الملك: 27] أي: تتمنون أن يعجل فينبغي للسالك في هذا المقام ألاَّ يدع النفس أن تشك في بواقي الآيات؛ لأنها ما دامت في قالب الكدورات يصل من عالم السفل إليها دخان يصعد من الهوى على دماغها يحفظ عقله يشك، فإذا أراد السالك آية من آيات النفس مما لم يكن يراها قبل السلوك فيجب الإذعان لمسلكه واشتغاله برفع الحجاب؛ ليرى آيات ربه الكبرى وإن لم يقدر على رفع الحجاب فينبغي أن يكون مؤمناً ببواقي الآيات، مصدقاً بملكه قياساً فيما يقول ويحكي عن الآيات الأنفسية الغيبية، وألاَّ يشك البتة فيما يشاهد قرنائه وأصحاب مسلكه قياساً: إنني أيضاً سالك ولم أر ما يحكي نظر؛ أي: لأن الاستعدادات متفاوتة في الكثافة واللطافة، والله يقبض ويبسط، ويعطي ويمنع كيف يشاء، لا راد لقضائه، ولا مانع لعطائه، ولا دافع لبلائه، وعلينا التسليم والتصديق وله الحكم على التحقيق وبيده التوفيق، وهو الرفيق في هذا الطريق. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ} [الملك: 28]؛ يعني: أيتها اللطيفة المبلغة المنذرة المبشرة، قولي: {إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ} [الملك: 28] من القوى [المؤمنة] {أَوْ رَحِمَنَا} [الملك: 28] من غاية كرمه ورحمته فضلاً منه من يقدر أن يقول لم أهلكت أو رحمت، {فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الملك: 28] يوم يكشف الغطاء من أبصارهم ويعذبهم بصفاتهم وأخلاقهم، من يجيرهم منه فنحن بعد الإيمان نخاف منه، فكيف لا تخافون مع وجود الاستكبار عن عبادته، وكيف لا نخاف لأنا نعلم أنه غني عن العالمين وعن أعمالهم، فمن يهلكه فبعدله ومن يرحمه فبفضله. {قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ} [الملك: 29]؛ يعني: هو الذي آمنا به، هو الرحمن المستوي على عرش روحانية [قلوبنا]، {وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الملك: 29]؛ لأنه ضمن كفالتنا ووكالتنا، {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الملك: 29]؛ يعني: سوف ترون وقت كشف الغطاء ما تستمعون منا اليوم ولا تصدقونه، وتطلعونه على ضلالتكم وجهالتكم معاينة، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً} [الملك: 30] أيها السالك الواصل إلى ينبوع المعرفة احذر من هذا الخطاب بقول مع اللطيفة المبلغة قول للقوى المواصلة العارفة: إن كنتم تصبحون في حال التجلي الجمال، وترون ينبوع المعرفة غوراً ليس فيها ماء، {فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} [الملك: 30] من الذي يقدر أن يأتي بماء الإيمان ظاهراً بحيث ترى العيون آثاره في عالم الناسوت؟ وهي الأعمال التي هي مخصوصة بالخوارج أذهب بماء الإيمان عن ينبوع قلبه، لا يظهر الأعمال على جوارحه، البتة، وبقدر ظهور بماء الإيمان من ينبوع القلب، يستعمل الجوارح بالطاعات ويمنعها عن المخلفات وارتكاب المنيهات، فكن حذراً أيها السالك العارف مادمت في قفص القالب أسيراً محبوساً، ولا تتكئ على معرفتك ومشاهدتك حتى تكسر قفص القالب وتطير إلى ذكرك الأصلي، واجمع بين ظاهر تفسير القرآن وباطنه، وأجر حكمهما على ظاهرك وباطنك؛ لأن الله تعالى خلقك من الغيبية والشهادية، وعبادة الغيبية والشهادية وعبادة الغيبية [الغبيَّة] والحضور، والإخلاص والصدق، وعبادة الشهادية الركوع والسجود، والقيام والقعود، والصلاة والصوم والجهاد والزكاة والحج، ولكل ركن من الأركان الظاهرة ركن معين بإزائه من الأركان الباطنة، إن أهملته فقد كنت كمن عمل على قشر الجوز ليخرج منه الدهن، فاجتهد أن تكون من [السادة في] الطهارة والعبادة في الظاهر والباطن لتكون كاملاً في مرتبة الإنسانية، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وأرزقنا اجتنابه، وصلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يعني أن محل تكذيب الكفار وغرورهم به حين كانوا في الدنيا، فإذا كان يوم الجزاء، ورأوا العذاب منهم { زُلْفَةً } أي: قريبًا، ساءهم ذلك وأفظعهم، وقلقل أفئدتهم، فتغيرت لذلك وجوههم، ووبخوا على تكذيبهم، وقيل لهم هذا الذي كنتم به تكذبون، فاليوم رأيتموه عيانًا، وانجلى لكم الأمر، وتقطعت بكم الأسباب ولم يبق إلا مباشرة العذاب. ولما كان المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم، [الذين] يردون دعوته، ينتظرون هلاكه، ويتربصون به ريب المنون، أمره الله أن يقول لهم: أنتم وإن حصلت لكم أمانيكم وأهلكني الله ومن معي، فليس ذلك بنافع لكم شيئًا، لأنكم كفرتم بآيات الله، واستحققتم العذاب، فمن يجيركم من عذاب أليم قد تحتم وقوعه بكم؟ فإذًا، تعبكم وحرصكم على هلاكي غير مفيد، ولا مجد عنكم شيئًا. ومن قولهم، إنهم على هدى، والرسول على ضلال، أعادوا في ذلك وأبدوا، وجادلوا عليه وقاتلوا، فأمر الله نبيه أن يخبر عن حاله وحال أتباعه، ما به يتبين لكل أحد هداهم وتقواهم، وهو أن يقولوا: { آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } والإيمان يشمل التصديق الباطن، والأعمال الباطنة والظاهرة، ولما كانت الأعمال، وجودها وكمالها، متوقفة على التوكل، خص الله التوكل من بين سائر الأعمال، وإلا فهو داخل في الإيمان، ومن جملة لوازمه كما قال تعالى: {أية : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : فإذا كانت هذه حال الرسول وحال من اتبعه، وهي الحال التي تتعين للفلاح، وتتوقف عليها السعادة، وحالة أعدائه بضدها، فلا إيمان [لهم] ولا توكل، علم بذلك من هو على هدى، ومن هو في ضلال مبين. ثم أخبر عن انفراده بالنعم، خصوصًا بالماء الذي جعل الله منه كل شيء حي فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا } أي: غائرًا { فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ } تشربون منه، وتسقون أنعامكم وأشجاركم وزروعكم؟ وهذا استفهام بمعنى النفي، أي: لا يقدر أحد على ذلك غير الله تعالى. تمت ولله الحمد.
همام الصنعاني
تفسير : 3271- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ}: [الآية: 27]، قال: لما رأوا عذاب الله سيئت وجوههم حين عاينوا من عذاب الله وخِزْيه ما عاينوا. 3272- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، قال: لما خلق الله الأرْضَ كادَتْ تميد، فقالوا: ما هذه بمقرةٍ عَلَى ظَهْرِها أحداً؟ فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم تدرِ الملائكة مما خلقت؟.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):