٦٨ - ٱلْقَلَم
68 - Al-Qalam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : {ن } فيه مسألتان: المسألة الأولى: الأقوال المذكورة في هذا الجنس قد شرحناها في أول سورة البقرة والوجوه الزائدة التي يختص بها هذا الموضع أولها: أن النون هو السمكة، ومنه في ذكر يونس {أية : وَذَا ٱلنُّونِ } تفسير : [الأنبياء: 87] وهذا القول مروي عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدي ثم القائلون بهذا منهم من قال: إنه قسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، ومنهم من قال: إنه قسم بالحوت الذي احتبس يونس عليه السلام في بطنه، ومنهم من قال: إنه قسم بالحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه والقول الثاني: وهو أيضاً مروي عن ابن عباس واختيار الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا ما الشوق يرجع بي إليهم ألقت النون بالدمع السجوم تفسير : فيكون هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة، فإن التفاهم تارة يحصل بالنطق و(تارة) يتحرى بالكتابة والقول الثالث: أن النون لوح تكتب الملائكة ما يأمرهم الله به فيه رواه معاوية بن قرة مرفوعاً والقول الرابع: أن النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة لأنا إذا جعلناه مقسماً به وجب إن كان جنساً أن نجره وننونه، فإن القسم على هذا التقدير يكون بدواة منكرة أو بسمكة منكرة، كأنه قيل: وسمكة والقلم، أو قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن نصرفه ونجره أو لا نصرفه ونفتحه إن جعلناه غير منصرف. والقول الخامس: أن نون ههنا آخر حروف الرحمن فإنه يجتمع من الرحمن ن اسم الرحمن فذكر الله هذا الحرف الأخير من هذا الاسم، والمقصود القسم بتمام هذا الاسم، وهذا أيضاً ضعيف لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية، بل الحق أنه إما أن يكون اسماً للسورة أو يكون الغرض منه التحدي أو سائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة. المسألة الثانية: القراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله: {ن وَٱلْقَلَمِ } فمن أظهرها فلأنه ينوي بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها، وإذا كانت موقوفة كانت في تقدير الانفصال مما بعدها، وإذا انفصلت مما بعدها وجب التبيين، لأنها إنما تخفى في حروف الفم عند الاتصال، ووجه الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف في نحو {أية : الم * ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 1] وقولهم في العدد واحد إثنان فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمنا أنها في تقدير الوصل وإذا وصلتها أخفيت النون وقد ذكرنا هذا في {أية : طس } تفسير : [النمل: 1] و {أية : يس }، تفسير : [يس: 1] وقال الفراء: وإظهارها أعجب إلي لأنها هجاء والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل. وقوله تعالى: {وَٱلْقَلَمِ } فيه قولان: أحدهما: أن القسم به هو الجنس وهو واقع على كل قلم يكتب به من في السماء ومن في الأرض، قال تعالى: {أية : وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ ما لَمْ يَعْلَمْ } تفسير : [العلق: 3 ـ 5] فمنّ بتيسير الكتابة بالقلم كما منَّ بالنطق فقال: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } تفسير : [الرحمٰن: 3، 4] ووجه الانتفاع به أن ينزل الغائب منزلة المخاطب فيتمكن المرء من تعريف البعيد به ما يتمكن باللسان من تعريف القريب والثاني: أن المقسم به هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن أول ما خلق الله القلم، قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فجرى بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة من الآجال والأعمال، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض، وروى مجاهد عنه قال: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه. قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز، لأن القلم الذي هو آلة مخصوصة في الكتابة لا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال، بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله: {أية : إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [البقرة: 117] فإنه ليس هناك أمر ولا تكليف، بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة، ومن الناس من زعم أن القلم المذكور ههنا هو العقل، وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه روي في الأخبار أن أول ما خلق الله القلم، وفي خبر آخر: أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السموات ومن الزبد الأرض، قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد وإلا حصل التناقض. قوله تعالى: {وَمَا يَسْطُرُونَ }. اعلم أن ما مع ما بعدها في تقدير المصدر، فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابة، ويحتمل أن يكون المراد المسطور والمكتوب، وعلى التقديرين فإن حملنا القلم على كل قلم في مخلوقات الله كان المعنى ظاهراً، وكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم، وقيل: بل المراد ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في {يَسْطُرُونَ } لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم وسطرهم، أي ومسطوراتهم. وأما إن حملنا القلم على ذلك القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ } أي وما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ، ولفظ الجمع في قوله: {يَسْطُرُونَ } ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، أو يكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من الأعمال والأعمار، وجميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة. واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {نۤ وَٱلْقَلَمِ} أدغم النون الثانية في هجائها في الواو أبو بكر والمفضَّل وهُبَيرة ووَرْش وابن مُحَيْصِن وابن عامر والكسائي ويعقوب. والباقون بالإِظهار. وقرأ عيسى بن عمر بفتحها؛ كأنه أضمر فعلاً. وقرأ ابن عباس ونصر وابن أبي إسحاق بكسرها على إضمار حرف القسم. وقرأ هارون ومحمد ابن السَّمَيْقَع بضمها على البناء. واختلِف في تأويله. فَرَوى معاوية بن قُرّة عن أبيه يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نَ لَوْح من نور». ورَوَى ثابت البُنَانيّ أن «ن» الدواة. وقاله الحسن وقتادة. وروى الوليد بن مسلم قال: حدّثنا مالك بن أنس عن سُمَيٌّ مولى أبي بكر عن أبي صالح السّمان عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أول ما خلق الله القلم ثم خلق النُّون وهي الدواة وذلك قوله تعالى: {نۤ وَٱلْقَلَمِ} ثم قال له ٱكتب قال وما أكتب قال ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثَر فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ـ قال ـ ثم خُتم فَمُ القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة. ثم خلق العقل فقال الجبّار ما خَلقتُ خلقاً أعجب إليّ منك وعِزّتيّ وجلالي لأَكَمِّلّنك فيمن أحببت ولأنقصنّك فيمن أبغضت» تفسير : قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكمل الناس عقلاً أطوعهم لله وأعملهم بطاعته»تفسير : . وعن مجاهد قال: «نۤ» الحوت الذي تحت الأرض السابعة. قال: {وَٱلْقَلَمِ} الذي كُتب به الذِّكر. وكذا قال مقاتل ومُرّة الْهَمْدانيّ وعطاء الخراساني والسُّدّي والكَلْبي: إن النون هو الحوت الذي عليه الأرضون. وروى أبو ظَبيان عن ابن عباس قال: أوّل ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلق منه السماء، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. ثم قرأ ابن عباس {نۤ وَٱلْقَلَمِ} الآية. وقال الكَلْبي ومقاتل: ٱسمه البَهْمُوت. قال الراجز:شعر : مالي أراكم كلّكم سكوتَا والله رَبِّي خلق الْبَهْمُوتَا تفسير : وقال أبو اليقظان والواقدي: ليوثاً. وقال كعب: لوثوثاً. وقال: بلهموثاً. قال كعب: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرضون فوسوس في قلبه، وقال: أتدري ما على ظهرك يا لوثوثا من الدواب والشجر والأرضين وغيرها، لو لفظتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع؛ فهمّ ليوثا أن يفعل ذلك، فبعث الله إليه دابّة فدخلت مَنخْره ووصلت إلى دماغه، فضجّ الحوت إلى الله عز وجل منها فأذن الله لها فخرجت. قال كعب: فوالله إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن همّ بشيء من ذلك عادت كما كانت. وقال الضحاك عن ابن عباس: إن «نۤ» آخر حرف من حروف الرحمن. قال: الر، وحم، ون؛ الرحمن تعالى متقطعة. وقال ٱبن زيد: هو قسم أقسم الله تعالى به. وقال ٱبن كَيْسان: هو فاتحة السورة. وقيل: ٱسم السورة. وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح ٱسمه نصير ونور وناصر. وقال محمد بن كعب: أقسم الله تعالى بنصره للمؤمنين؛ وهو حقّ. بيانه قوله تعالى: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ}تفسير : [الروم:47]. وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنة يقال له نون. وقيل: هو المعروف من حروف المعجم، لأنه لو كان غير ذلك لكان مُعْرَباً؛ وهو ٱختيار القُشَيْريّ أبو نصر عبد الرحيم في تفسيره. قال: لأن «نۤ» حرف لم يُعْرَب، فلو كان كلمة تامة أعرِب كما أعرب القلم، فهو إذاً حرف هجاء كما في سائر مفاتيح السور. وعلى هذا قيل: هو اسم السورة، أي هذه سورة «ن». ثم قال: «وَالْقَلَمِ» أقسم بالقلم لما فيه من البيان كاللسان؛ وهو واقع على كل قلم مما يَكتب به مَن في السماء ومَن في الأرض؛ ومنه قول أبي الفتح البُسْتيّ:شعر : إذا أقسم الأبطال يوماً بسيفهم وعَدُّوه مما يكسِبُ المجدَ والكَرَمْ كَفَى قلم الكُتَّابِ عزًّا ورفعةً مَدَى الدهرِ أن الله أقسم بالقلْم تفسير : وللشعراء في تفضيل القلم على السيف أبيات كثيرة؛ ما ذكرناه أعلاها. وقال ابن عباس: هذا قسم بالقلم الذي خلقه الله؛ فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وهو قلم من نورٍ طوله كما بين السماء والأرض. ويقال. خلق الله القلم ثم نظر إليه فٱنشق نصفين؛ فقال: ٱجرِ؛ فقال: يا ربّ بِمَ أجري؟ قال بما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فجرى على اللوح المحفوظ. وقال الوليد بن عُبادة بن الصامت: أوصاني أبي عند موته فقال: يا بُنَيّ، اتق الله، وٱعلم أنك لن تتقي ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشرّه، سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أوّل ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال يا رب وما أكتب فقال اكتب القدر فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد» تفسير : وقال ٱبن عباس: أوّل ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن؛ فكتب فيما كتب {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}. وقال قتادة: القلم نعمة من الله تعالى على عباده. قال غيره: فخلق الله القلم الأوّل فكتب ما يكون في الذكر ووضعه عنده فوق عرشه، ثم خلق القلم الثاني ليكتب به في الأرض؛ على ما يأتي بيانه في سورة {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}تفسير : .[العلق:1] قوله تعالى: {وَمَا يَسْطُرُونَ} أي وما يكتبون. يريد الملائكة يكتبون أعمال بني آدم؛ قاله ابن عباس: وقيل: وما يكتبون (أي) الناس ويتفاهمون به. وقال ٱبن عباس: ومعنى «وَمَا يَسطُرونَ» وما يعلمون. و «ما» موصولة أو مصدرية؛ أي ومسطوراتهم أو وسطرهم، ويراد به كل من يسطر أو الحفظة؛ على الخلاف. {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} هذا جواب القسم وهو نفي؛ وكان المشركون يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم إنه مجنون، به شيطان. وهو قولهم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الحجر:6] فأنزل الله تعالى ردّاً عليهم وتكذيباً لقولهم {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} أي برحمة ربك. والنعمة ههنا الرحمة. ويحتمل ثانياً ـ أن النعمة ههنا قَسَم؛ وتقديره: ما أنت ونعمةِ ربك بمجنون؛ لأن الواو والباء من حروف القسم. وقيل هو كما تقول: ما أنت بمجنون، والحمد لله. وقيل: معناه ما أنت بمجنون، والنعمة لربك؛ كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك؛ أي والحمد لله. ومنه قول لبِيد:شعر : وأفردْتُ في الدنيا بفقد عشيرتي وفارقني جارٌ بأرْبَدَ نافِعُ تفسير : أي وهو أربد. وقال النابغة:شعر : لم يُحْرَمُوا حُسْنَ الغِذاء وأمُّهم طَفَحتْ عليك بناتق مِذْكارِ تفسير : أي هو ناتق. والباء في {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} متعلقة {بِمَجْنُونٍ} منفيًّا؛ كما يتعلق بغافل مثبتاً. كما في قولك: أنت بنعمة ربك غافل. ومحله النصب على الحال؛ كأنه قال: ما أنت بمجنون مُنْعَماً عليك بذلك. {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً} أي ثواباً على ما تحملت من أثقال النبوّة. {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي غير مقطوع ولا منقوص؛ يقال: مننت الحبل إذا قطعته. وحبل منين إذا كان غير متين. قال الشاعر:شعر : غُبْساً كواسِبَ لا يُمَنّ طعامُها تفسير : أي لا يقطع. وقال مجاهد: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} محسوب. الحسن: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} غير مكدّر بالمَنّ. الضحاك: أجراً بغير عمل. وقيل: غير مقدر وهو التفضل؛ لأن الجزاء مقدّر والتفضل غير مقدر؛ ذكره الماوَرْدِيّ، وهو معنى قول مجاهد.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها ثنتان وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم {ن} من أسماء الحروف، وقيل اسم الحوت والمراد به الجنس أو البهموت وهو الذي عليه الأرض، أو الدواة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشد سواداً من النفس يكتب به، ويؤيد الأول سكونه وكتبه بصورة الحرف. {وَٱلْقَلَمِ} وهو الذي خط اللوح، أو الذي يخط به أقسم به تعالى لكثرة فوائده وأخفى ابن عامر والكسائي ويعقوب النون إجراء للواو المنفصل مجرى المتصل، فإن النون الساكنة تخفى مع حروف الفم إذا اتصلت بها. وقد روي ذلك عن نافع وعاصم، وقرئت بالفتح والكسر كـ {ص}. {وَمَا يَسْطُرُونَ} وما يكتبون والضمير لـ {القلم} بالمعنى الأول على التعظيم، أو بالمعنى الثاني على إرادة الجنس وإسناد الفعل إلى الأدلة وإجراؤه مجرى أولي العلم لإِقامته مقامهم، أو لأصحابه أو للحفظة و {مَا} مصدرية أو موصولة. {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ} جواب القسم والمعنى ما أنت بمجنون منعماً عليك بالنبوة وحصافة الرأي، والعامل في الحال معنى النفي وقيل {بِمَجْنُونٍ} الباء لا تمنع عمله فيما قبله لأنها مزيدة، وفيه نظر من حيث المعنى. {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً} على الاحتمال والإبلاغ. {غَيْرَ مَمْنُونٍ} مقطوع أو ممنون به عليك من الناس فإنه تعالى يعطيك بلا توسط. {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} إذ تتحمل من قومك ما لا يتحمل أمثالك، وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، ألست تقرأ القرآن {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ }. {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} أيكم الذي فتن بالجنون والباء مزيدة، أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر كالمعقول والمجلود، أو بأي الفريقين منكم المجنون أبفريق المؤمنين أو بفريق الكافرين، أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} وهم المجانين على الحقيقة. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} الفائزين بكمال العقل. {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذّبِينَ} تهييج للتصميم على معاصاتهم. {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ} تلاينهم بأن تدع نهيهم عن الشرك، أو توافقهم فيه أحياناً. {فَيُدْهِنُونَ} فيلاينونك بترك الطعن والموافقة، والفاء للعطف أي ودوا التداهن وتمنوه لكنهم أخروا ادهانهم حتى تدهن، أو للسببية أي {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ } فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون طمعاً فيه، وفي بعض المصاحف «فيدهنوا» على أنه جواب التمني. {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ } كثير الحلف في الحق والباطل. {مُّهِينٌ } حقير الرأي من المهانة وهي الحقارة.
ابن كثير
تفسير : قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة، وأن قوله تعالى: {نۤ} كقوله: {صۤ}، {قۤ} ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته ههنا، وقيل: المراد بقوله: {نۤ} حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط، وهو حامل للأرضين السبع؛ كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، هو الثوري، حدثنا سليمان، هو الأعمش، عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم قال: اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون، ورفع بخار الماء، ففتقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال؛ فإنها لتفخر على الأرض، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن أبي معاوية عن الأعمش به، وهكذا رواه شعبة ومحمد بن فضيل ووكيع عن الأعمش به. وزاد شعبة في روايته: ثم قرأ: { نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}. وقد رواه شريك عن الأعمش عن أبي ظبيان أو مجاهد عن ابن عباس، فذكر نحوه، ورواه معمر عن الأعمش: أن ابن عباس قال، فذكره، ثم قرأ: { نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق ربي عزّ وجلّ القلم، ثم قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه. وقد روى الطبراني ذلك مرفوعاً، فقال: حدثنا أبو حبيب زيد بن المهتدي المرودي، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أول ما خلق الله القلم والحوت، فقال للقلم: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة» تفسير : ثم قرأ: { نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} فالنون: الحوت، والقلم: القلم. [حديث آخر] في ذلك، رواه ابن عساكر عن أبي عبد الله مولى بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون ــــ أو ما هو كائن ــــ من عمل أو رزق أو أثر أو أجل، فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله: { نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} ثم ختم على القلم، فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، وقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنك ممن أبغضت»تفسير : وقال ابن أبي نجيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره عن مجاهد قال: كان يقال: النون: الحوت العظيم الذي تحت الأرض السابعة، وقد ذكر البغوي وجماعة من المفسرين: أن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السموات والأرض، وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن، والله أعلم. ومن العجيب أن بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا حميد عن أنس: أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه، فسأله عن أشياء، قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟ وما بال الولد ينزع إلى أمه؟ قال: «حديث : أخبرني بهن جبريل آنفاً» تفسير : قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: «حديث : أما أول أشراط الساعة، فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت، وأما الولد، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل، نزعت» تفسير : ورواه البخاري من طرق عن حميد، ورواه مسلم أيضاً، وله من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان: أن حبراً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسائل، فكان منها أن قال: فما تحفتهم؟ يعني: أهل الجنة حين يدخلون الجنة، قال: «حديث : زيادة كبد الحوت» تفسير : قال: فما غذاؤهم على أثرها؟ قال: «حديث : ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» تفسير : قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «حديث : من عين فيها تسمى سلسبيلاً» تفسير : وقيل: المراد بقوله: {نۤ}: لوح من نور. قال ابن جرير: حدثنا الحسن بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري عن فرات بن أبي الفرات عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : { نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}: لوح من نور، وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» تفسير : وهذا مرسل غريب، وقال ابن جريج: أخبرت أن ذلك القلم من نور، طوله مئة عام، وقيل: المراد بقوله: {نۤ}: دواة، والقلم: القلم. قال ابن جرير: حدثنا عبد الأعلى، حدثنا أبو ثور عن معمر عن الحسن وقتادة في قوله: {نۤ} قالا: هي الدواة، وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جداً، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد الله مولى بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : خلق الله النون، وهي الدواة»تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد الله، حدثنا ثابت الثمالي عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون، وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ من عمل معمول به، برّ أو فجور، أو رزق مقسوم، حلال أو حرام، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه؛ دخوله في الدنيا، ومقامه فيها كم؟ وخروجه منها كيف؟ ثم جعل على العباد حفظة، وللكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق، وانقطع الأثر، وانقضى الأجل، أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة، فيجدونهم قد ماتوا. قال: فقال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة يقولون: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟ وقوله تعالى: {وَٱلْقَلَمِ} الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به؛ كقوله: {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } تفسير : [العلق: 3 ــــ 5] فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم؛ من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم، ولهذا قال: {وَمَا يَسْطُرُونَ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني: وما يكتبون. وقال أبو الضحى عن ابن عباس: وما يسطرون، أي: وما يعملون. وقال السدي: وما يسطرون، يعني: الملائكة، وما تكتب من أعمال العباد، وقال آخرون: بل المراد ههنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف عام. وأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ويونس بن حبيب قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الواحد بن سليم السلمي عن عطاء، هو ابن أبي رباح، حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي، حين حضره الموت، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر، وما هو كائن إلى الأبد» تفسير : وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه به، وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به، وقال: حسن صحيح غريب. ورواه أبو داود في كتاب السنة من سننه عن جعفر بن مسافر عن يحيى بن حسان عن ابن رباح عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة، واسمه حبيش بن شريح الحبشي الشامي، عن عبادة، فذكره. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله الطوسي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنه كان يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أول شيء خلقه الله القلم، فأمره فكتب كل شيء» تفسير : غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: والقلم، يعني: الذي كتب به الذكر. وقوله تعالى: {وَمَا يَسْطُرُونَ} أي: يكتبون؛ كما تقدم. وقوله: { مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} أي: لست ولله الحمد بمجنون كما يقوله الجهلة من قومك، المكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك فيه إلى الجنون، { وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: بل إن لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد، على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم، ومعنى غير ممنون، أي: غير مقطوع؛ كقوله: {أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تفسير : [هود: 108] {أية : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} تفسير : [التين: 6] أي: غير مقطوع عنهم. وقال مجاهد: غير ممنون، أي: غير محسوب، وهو يرجع إلى ما قلناه. وقوله تعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال العوفي عن ابن عباس: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام، وكذلك قال مجاهد وأبو مالك والسدي والربيع بن أنس، وكذا قال الضحاك وابن زيد. وقال عطية: لعلى أدب عظيم. وقال معمر عن قتادة: سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن، تقول: كما هو في القرآن. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قوله: { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} ذكر لنا أن سعيد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة، فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم، فقالت: كان خلقه القرآن. هذا مختصر من حديث طويل، وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث قتادة بطوله، وسيأتي في سورة المزمل إن شاء الله تعالى، وبه الثقة. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس عن الحسن قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا شريك عن قيس بن وهب عن رجل من بني سواد قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أما تقرأ القرآن؟ { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال: قلت: حدثيني عن ذاك، قالت: صنعت له طعاماً، وصنعت له حفصة طعاماً، فقلت لجاريتي: اذهبي، فإن جاءت هي بالطعام، فوضعته قبل، فاطرحي الطعام، قالت: فجاءت بالطعام، قالت: فألقت الجارية، فوقعت القصعة فانكسرت، وكان نطع، قالت: فجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : اقتصوا ــــ أو: اقتصي، شك أسود ــــ ظرفاً مكان ظرفك» تفسير : قالت: فما قال شيئاً. وقال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس، حدثنا أبي، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقلت لها: أخبريني بخلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}؟ وقد روى أبو داود والنسائي من حديث الحسن نحوه. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير قال: حججت، فدخلت على عائشة رضي الله عنها، فسألتها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، وهكذا رواه أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي، ورواه النسائي في التفسير عن إسحاق بن منصور عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح به. ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجيةً له، وخلقاً تطبعه، وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم؛ من الحياء والكرم، والشجاعة والصفح والحلم، وكل خلق جميل؛ كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت مسكاً ولا عطراً كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً، وأحسن الناس خلقاً، ليس بالطويل ولا بالقصير. والأحاديث في هذا كثيرة، ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب "الشمائل". قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادماً له قط، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خيّر بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثماً، فإذا كان إثماً كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله عزّ وجلّ وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» تفسير : تفرد به. وقوله تعالى: { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ } أي فستعلم يا محمد، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك، من المفتون الضال منك ومنهم، وهذا كقوله تعالى: {أية : سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ} تفسير : [القمر: 26] وكقوله تعالى: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدىً أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24] قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ستعلم ويعلمون يوم القيامة. وقال العوفي عن ابن عباس: بأيكم المفتون، أي: المجنون، وكذا قال مجاهد وغيره، وقال قتادة وغيره: بأيكم المفتون، أي: أولى بالشيطان، ومعنى المفتون ظاهر، أي: الذي قد افتتن عن الحق، وضلّ عنه، وإنما دخلت الباء في قوله: (بأيكم) لتدل على تضمين الفعل في قوله: { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} وتقديره: فستعلم ويعلمون، أو: فستخبر ويخبرون، بأيكم المفتون، والله أعلم. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي؟ ويعلم الحزب الضال عن الحق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ن } أحد حروف الهجاء الله أعلم بمراده به {وَٱلْقَلَمِ } الذي كتب به الكائنات في اللوح المحفوظ {وَمَا يَسْطُرُونَ } أي الملائكة من الخير والصلاح.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ن } قرأ أبو بكر، وورش، وابن عامر، والكسائي، وابن محيصن، وابن هبيرة بإدغام النون الثانية من هجائها في الواو، وقرأ الباقون بالإظهار، وقرأ أبو عمرو، وعيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعل. وقرأ ابن عامر، ونصر، وابن إسحاق بكسرها على إضمار القسم، أو لأجل التقاء الساكنين، وقرأ محمد بن السميفع وهارون بضمها على البناء. قال مجاهد، ومقاتل، والسديّ: هو الحوت الذي يحمل الأرض، وبه قال مرّة الهمذاني، وعطاء الخراساني، والكلبي. وقيل: إن نون آخر حرف من حروف الرحمٰن. وقال ابن زيد: هو قسم أقسم الله به. وقال ابن كيسان: هو فاتحة السورة. وقال عطاء، وأبو العالية: هي النون من نصر وناصر. قال محمد بن كعب: أقسم الله تعالى بنصره المؤمنين، وقيل: هو حرف من حروف الهجاء، كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفتتحة بذلك، وقد عرّفناك ما هو الحق في مثل هذه الفواتح في أوّل سورة البقرة، والواو في قوله: {وَٱلْقَلَمِ } واو القسم، أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان، وهو واقع على كل قلم يكتب به. وقال جماعة من المفسرين: المراد به: القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، أقسم الله به تعظيماً له. قال قتادة: القلم من نعمة الله على عباده {وَمَا يَسْطُرُونَ } "ما" موصولة أي: والذي يسطرون، والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره؛ لأن ذكر آلة الكتابة تدلّ على الكاتب. والمعنى: والذي يسطرون أي: يكتبون كل ما يكتب، أو الحفظة على ما تقدّم. ويجوز أن تكون «ما» مصدرية، أي: وسطرهم. وقيل: الضمير راجع إلى القلم خاصة من باب إسناد الفعل إلى الآلة، وإجرائها مجرى العقلاء، وجواب القسم قوله: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } "ما" نافية، وأنت اسمها، وبمجنون خبرها. قال الزجاج: أنت هو اسم ما، وبمجنون خبرها، وقوله: {بِنِعْمَةِ رَبّكَ } كلام وقع في الوسط أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل، قيل: الباء متعلقة بمضمر هو حال، كأنه قيل: أنت بريء من الجنون ملتبساً بنعمة الله التي هي النبوة والرياسة العامة. وقيل: الباء للقسم أي: وما أنت ونعمة ربك بمجنون. وقيل: النعمة هنا الرحمة، والآية رد على الكفار حيث قالوا: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الحجر: 6]. {وَإِنَّ لَكَ لأجْراً } أي: ثواباً على ما تحملت من أثقال النبوّة، وقاسيت من أنواع الشدائد غَيْرُ مَمْنُونٍ أي: غير مقطوع، يقال: مننت الحبل إذا قطعته. وقال مجاهد: غَيْرُ مَمْنُونٍ غير محسوب، وقال الحسن: غَيْرُ مَمْنُونٍ } غير مكدّر بالمنّ. وقال الضحاك: أجراً بغير عمل. وقيل: غير مقدّر وقيل: غير ممنون به عليك من جهة الناس. {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } قيل: هو الإسلام والدين، حكى هذا الواحدي عن الأكثرين. وقيل: هو القرآن، روي هذا عن الحسن والعوفي. وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله. قال الزجاج: المعنى إنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن، وقيل: هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم، وقيل المعنى: إنك على طبع كريم. قال الماوردي: وهذا هو الظاهر، وحقيقة الخلق في اللغة ما يأخذ الإنسان نفسه به من الأدب. وقد ثبت في الصحيح عن عائشة أنها سئلت عن خلق النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، وهذه الجملة، والتي قبلها معطوفتان على جملة جواب القسم {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ } أي: ستبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحقّ وانكشف الغطاء، وذلك يوم القيامة {بِأَيّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ } الباء زائدة للتأكيد أي: المفتون بالجنون، كذا قال الأخفش، وأبو عبيدة، وغيرهما، ومثله قول الشاعر:شعر : نحن بنو جعدة أصحاب العلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج تفسير : وقيل: ليست الباء زائدة، والمفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور، والتقدير: بأيكم الفتون أو الفتنة، ومنه قول الشاعر الراعي:شعر : حتى إذا لم يتركوا لعظامه لحماً ولا لفؤاده معقولا تفسير : أي: عقلا. وقال الفراء: إن الباء بمعنى، في أي في أيكم المفتون، أفي الفريق الذي أنت فيه أم في الفريق الآخر؟ ويؤيد هذا قراءة ابن أبي عبلة في أيكم المفتون. وقيل: الكلام على حذف مضاف، أي: بأيكم فتن المفتون، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وروي هذا عن الأخفش أيضاً. وقيل: المفتون المعذب، من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا أحميته، ومنه قوله: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ }تفسير : [الذاريات: 13]، وقيل: المفتون هو الشيطان، لأنه مفتون في دينه، والمعنى: بأيكم الشيطان. وقال قتادة: هذا وعيد لهم بعذاب يوم بدر، والمعنى: سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر بأيكم المفتون، وجملة: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ } تعليل للجملة التي قبلها، فإنها تتضمن الحكم عليهم بالجنون لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم فيهما، والمعنى: هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله الموصل إلى سعادة الدارين {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } إلى سبيله الموصل إلى تلك السعادة الآجلة والعاجلة، فهو مجاز كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر. {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذّبِينَ } نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين، وهم رؤساء كفار مكة؛ لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فنهاه الله عن طاعتهم، أو هو تعريض بغيره عن أن يطيع الكفار، أو المراد بالطاعة: مجرد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير، فنهاه الله عن ذلك، كما يدلّ عليه قوله: {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } فإن الإدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة. قال الفرّاء: المعنى لو تلين فيلينوا لك، وكذا قال الكلبي. وقال الضحاك، والسديّ: ودّوا لو تكفر فيتمادوا على الكفر. وقال الربيع بن أنس: ودّوا لو تكذب فيكذبون. وقال قتادة: ودّوا لو تذهب عن هذا الأمر، فيذهبون معك. وقال الحسن: ودّوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك. وقال مجاهد: ودّوا لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمايلونك. قال ابن قتيبة: كانوا أرادوه على أن يعبد آلٰهتهم مدّة، ويعبدوا الله مدّة، وقوله: {فَيُدْهِنُونَ } عطف على تدهن داخل في حيز لو، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي: فهم يدهنون. قال سيبويه: وزعم قالون أنها في بعض المصاحف "ودّوا لو تدهن فيدهنوا" بدون نون، والنصب على جواب التمني المفهوم من ودّوا، والظاهر من اللغة في معنى الإدهان، هو ما ذكرناه أوّلاً. {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ } أي: كثير الحلف بالباطل {مُّهِينٌ } فعيل من المهانة، وهي القلة في الرأي والتمييز. وقال مجاهد: هو الكذاب. وقال قتادة: المكثار في الشرّ، وكذا قال الحسن. وقيل: هو الفاجر العاجز. وقيل: هو الحقير عند الله. وقيل: هو الذليل. وقيل: هو الوضيع {هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } الهماز. المغتاب للناس. قال ابن زيد: هو الذي يهمز بأخيه. وقيل: الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللماز الذي يذكرهم في مغيبهم، كذا قال أبو العالية، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، وقال مقاتل عكس هذا. والمشاء بنميم: الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نمّ ينمّ: إذا سعى بالفساد بين الناس، ومنه قول الشاعر:شعر : ومولى كبيت النمل لا خير عنده لمولاه إلاّ سعيه بنميم تفسير : وقيل: النميم جمع نميمة {مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } أي: بخيل بالمال لا ينفقه في وجهه. وقيل: هو الذي يمنع أهله وعشيرته عن الإسلام. قال الحسن: يقول لهم من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً {مُعْتَدٍ أَثِيمٍ } أي: متجاوز الحدّ في الظلم كثير الإثم {عُتُلٍ } قال الواحدي: المفسرون يقولون: هو الشديد الخلق الفاحش الخلق. وقال الفراء: هو الشديد الخصومة في الباطل. وقال الزجاج: هو الغليظ الجافي. وقال الليث: هو الأكول المنوع، يقال: عتلت الرجل أعتله إذا جذبته جذباً عنيفاً، ومنه قول الشاعر:شعر : نقرعه قرعاً ولسنا نعتله تفسير : {بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } أي: هو بعد ما عدّ من معايبه زنيم، والزنيم هو الدعيّ الملصق بالقوم وليس هو منهم؛ مأخوذ من الزنمة المتدلية في حلق الشاة أو الماعز، ومنه قول حسان:شعر : زنيم تداعاه الرجال زيادة كما زيد في عرض الأديم الأكارع تفسير : وقال سعيد بن جبير: الزنيم المعروف بالشرّ. وقيل: هو رجل من قريش كان له زنمة كزنمة الشاة. وقيل: هو الظلوم {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } متعلق بقوله: {لا تطع} أي: لا تطع من هذه مثالبه لكونه ذا مال وبنين. قال الفراء، والزجاج: أي لأن كان، والمعنى لا تطعه لماله وبنيه. قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، والمغيرة، وأبو حيوة {أن كان} بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام. وقرأ حمزة، وأبو بكر، والمفضل "أأن كان" بهمزتين مخففتين، وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر، وعلى قراءة الاستفهام يكون المراد به: التوبيخ والتقريع حيث جعل مجازاة النعم التي خوّله الله من المال والبنين أن كفر به وبرسوله. وقرأ نافع في رواية عنه بكسر الهمزة على الشرط، وجملة {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأوَّلِينَ } مستأنفة جارية مجرى التعليل للنهي، وقد تقدّم معنى أساطير الأوّلين في غير موضع {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ } أي: سنسمه بالكيّ على خرطومه. قال أبو عبيدة، وأبو زيد، والمبرد: الخرطوم الأنف. قال مقاتل: سنسمه بالسواد على الأنف، وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار. قال الفراء: والخرطوم وإن كان قد خصّ بالسمة، فإنه في مذهب الوجه؛ لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض. قال الزجاج: سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم. وقال قتادة: سنلحق به شيئًا لا يفارقه، واختار هذا ابن قتيبة، قال: والعرب تقول: قد وسمه ميسم سوء يريدون ألصق به عاراً لا يفارقه، فالمعنى: أن الله ألحق به عاراً لا يفارقه كالوسم على الخرطوم، وقيل: معنى {سَنَسِمُهُ }: سنحطمه بالسيف. وقال النضر بن شميل: المعنى سنحدّه على شرب الخمر، وقد يسمى الخمر بالخرطوم، ومنه قول الشاعر:شعر : تظل يومك في لهو وفي طرب وأنت بالليل شرّاب الخراطيم تفسير : وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والخطيب في تاريخه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: إن أوّل شيء خلقه الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: يا ربّ، وما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوى الكتاب ورفع القلم، وكان عرشه على الماء فارتفع بخار الماء، ففتقت منه السمٰوات ثم خلق النون، فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض، فأثبتت الجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس: {ن وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن مردويه عن عبادة ابن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أوّل ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد»تفسير : وأخرج ابن جرير من حديث معاوية بن قرّة عن أبيه مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون، وهي الدواة: وخلق القلم، فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج عبد ابن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس قال: {ن} الدواة. وأخرج ابن مردويه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : النون: السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خطّ به ربنا عزّ وجلّ القدر خيره وشرّه، وضرّه ونفعه"تفسير : {وَمَا يَسْطُرُونَ } قال: "حديث : الكرام الكاتبون"تفسير : وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ } قال: ما يكتبون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {وَمَا يَسْطُرُونَ } قال: وما يعلمون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ومسلم، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت: يا أمّ المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن: {وإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، والواحدي عنها «قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا من أهل بيته إلاّ قال: «لبيك»، فلذلك أنزل الله {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ }». وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال: سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه. وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، وابن مردويه عن أبي عبد الله الجدلي قال: قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله؟ قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً، ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ } قال: تعلم ويعلمون يوم القيامة {بِأَيّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ } قال: الشيطان، كانوا يقولون: إنه شيطان، وإنه مجنون. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: بأيكم المجنون. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } يقول: لو ترخص لهم فيرخصون. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } الآية قال: يعني: الأسود بن عبد يغوث. وأخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال: قال مروان لما بايع الناس ليزيد: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمٰن بن أبي بكر: إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر، ولكنها سنة هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزل فيه: {أية : وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ أُفّ لَّكُمَا }تفسير : [الأحقاف: 17] الآية، قال: فسمعت ذلك عائشة فقالت: إنها لم تنزل في عبد الرحمٰن، ولكن نزل في أبيك: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ }». وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس قال:« نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } فلم نعرف حتى نزل عليه بعد ذلك زنيم، فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة». وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: العتلّ هو الدعيّ، والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشرّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن عساكر عنه قال: الزنيم: هو الدعيّ. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه عنه أيضاً قال: الزنيم الذي يعرف بالشرّ كما تعرف الشاة بزنمتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: هو الرجل يمرّ على القوم، فيقولون رجل سوء. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {زَنِيمٍ } قال: ظلوم. وقد قيل: إن هذه الآيات نزلت في الأخنس بن شريق. وقيل: في الوليد بن المغيرة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {ن} فيه ثمانية أقوال: أحدها: أن النون الحوت الذي عليه الأرض، قاله ابن عباس من رواية أبي الضحى عنه، وقد رفعه. الثاني: أن النون الدواة، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثالث: أنه حرف من حروف الرحمن، قاله ابن عباس في رواية الضحاك عنه. الرابع: هو لوح من نور، رواه معاوية بن قرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. الخامس: أنه اسم من أسماء السورة، وهو مأثور. السادس: أنه قسم أقسم اللَّه به، وللَّه تعالى أن يقسم بما يشاء، قاله قتادة. السابع: أنه حرف من حروف المعجم. الثامن: أن نون بالفارسية أيذون كن، قاله الضحاك. ويحتمل تاسعاً: إن لم يثبت به نقل أن يكون معناه: تكوين الأفعال والقلم وما يسطرون، فنزل الأقوال جميعاً في قسمه بين أفعاله وأقواله، وهذا أعم قسمة. ويحتمل عاشراً: أن يريد بالنون النفْس لأن الخطاب متوجه إليها بغيرعينها بأول حروفها، والمراد بالقلم ما قدره اللَّه لها وعليها من سعادة وشقاء، لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ. أما {والقلم} ففيه وجهان: أحدهما: أنه القلم الذي يكتبون به لأنه نعمة عليهم ومنفعة لهم، فأقسم بما أنعم، قاله ابن بحر. الثاني: أنه القلم الذي يكتب به الذكر على اللوح المحفوظ، قال ابن جريج: هو من نور، طوله كما بين السماء والأرض. وفي قوله {وما يَسْطرون} ثلاثة أقاويل: أحدها: وما يعلمون، قاله ابن عباس. الثاني: وما يكتبون، يعني من الذكر، قاله مجاهد والسدي. الثالث: أنهم الملائكة الكاتبون يكتبون أعمال الناس من خير وشر. {ما أنت بنعمةِ ربّك بمجنونٍ} كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أنه مجنون به شيطان، وهو قولهم: {أية : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} تفسير : [الحجر:6] فأنزل اللَّه تعالى رداً عليها وتكذيباً لقولهم: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} أي برحمة ربك، والنعمة ها هنا الرحمة. ويحتمل ثانياً: أن النعمة ها هنا قسم، وتقديره: ما أنت ونعمة ربك بمجنون، لأن الواو والباء من حروف القسم. وتأوله الكلبي على غير ظاهره، فقال: معناه ما أنت بنعمة ربك بمخفق. {وإنّ لك لأجْراً غيْرَ مَمْنُونٍ} فيه أربعة أوجه: أحدها: غير محسوب، قاله مجاهد. الثاني: أجراً بغير عمل، قاله الضحاك. الثالث: غير ممنون عليك من الأذى، قاله الحسن. الرابع: غير منقطع، ومنه قول الشاعر: شعر : ألا تكون كإسماعيلَ إنَّ له رأياً أصيلاً وأجْراً غيرَ ممنون تفسير : ويحتمل خامساً: غير مقدّر وهو الفضل، لأن الجزاء مقدر، والفضل غير مقدر. {وإنك لعلى خُلُقٍ عظيمٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أدب القرآن، قاله عطية. الثاني: دين الإسلام، قاله ابن عباس وأبو مالك. الثالث: على طبع كريم، وهو الظاهر. وحقيقة الخلُق في اللغة هو ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب سمي خلقاً لأنه يصير كالخلقة فيه، فأما ما طبع عليه من الآداب فهو الخيم فيكون الخلق الطبع المتكلف، والخيم هو الطبع الغريزي، وقد أوضح ذلك الأعشى في شعره فقال: شعر : وإذا ذو الفضول ضنّ على المو لى وعادت لِخيمها الأخلاقُ تفسير : أي رجعت الأخلاق إلى طباعها. {فَسَتبْصِرُ ويُبْصرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: فسترى ويرون يوم القيامة حين يتبين الحق والباطل. الثاني: قاله ابن عباس معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة. {بأَيِّكم المْفتونُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني المجنون، قاله الضحاك. الثاني: الضال، قاله الحسن. الثالث: الشيطان، قاله مجاهد. الرابع: المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا أحميته، ومنه قوله تعالى: {أية : يوم هم على النار يُفْتنون} تفسير : [الذاريات:13] أي يعذبون.
ابن عطية
تفسير : {نۤ} حرف مقطع في قول الجمهور من المفسرين، فيدخله من الخلاف ما يدخل أوائل السور، ويختص هذا الموضع من الأقوال بأن قال مجاهد وابن عباس: نون، اسم الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبع فيما يروى. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: النون اسم للدواة، فهذا إما أن يكون لغة لبعض العرب، أو تكون لفظة أعجمية عربت، قال الشاعر: [الوافر] شعر : إذا ما الشوق برح بي إليهم ألقت النون بالدمع السجوم تفسير : فمن قال إنه اسم الحوت جعل {القلم} الذي خلقه الله تعالى وأمره فكتب الكائنات وجعل الضمير في {يسطرون} للملائكة، ومن قال بأن "نون" اسم للدواة، جعل {القلم} هذا المتعارف بأيدي الناس. نص ذلك ابن عباس وجعل الضمير في {يسطرون} للناس، فجاء القسم على هذا بمجموع أم الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف وأمور الدنيا والآخرة، فإن القلم أخ اللسان، ومطية الفطنة، ونعمة من الله عامة. وروى معاوية بن قرة، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {نۤ} لوح من نورتفسير : ، وقال ابن عباس وغيره: هو حرف من حروف الرحمن، وقالوا إنه تقطع في القرآن: {أية : الر} تفسير : [يونس: 1، هود: 1، يوسف: 1، إبراهيم: 1، الحجر: 1] و {أية : حم} تفسير : [غافر: 1، فصلت: 1، الشورى: 1، الزخرف: 1، الدخان: 1، الجاثية: 1، الأحقاف: 1]، و {ن}، وقرأ عيسى بن عمر بخلاف "نونَ" بالنصب، والمعنى: اذكر نونَ، وهذا يقوى مع أن يكون اسماً للسورة، فهو مؤنث سمي به مؤنث، ففيه تأنيث وتعريف، ولذلك لم ينصرف، وانصرف نوح، لأن الخفة بكونه على ثلاثة أحرف غلبت على العجمة، وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق والحسن: "نونِ" بكسر النون، وهذا كما تقول في القسم بالله، وكما تقول: "جبر" وقيل كسرت لاجتماع الساكنين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم: "نونْ" بسكون النون، وهذا على أنه حرف منفصل فحقه الوقوف عليه، وقرأ قوم، منهم الكسائي: {ن والقلم} بالإدغام دون غنة، وقرأ آخرون بالإدغام وبغنة، وقرأ الكسائي ويعقوب عن نافع وأبو بكر عن عاصم بالإخفاء بين الإدغام والإظهار. و {يسطرون} معناه: يكتبون سطوراً، فإن أراد الملائكة فهو كتب الأعمال وما يؤمرون به، وإن أراد بني آدم، فهي الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها، وقوله: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} هو جواب القسم و {ما} هنا عاملة لها اسم وخبر، وكذلك هي حيث دخلت الباء في الخبر، وقوله: {بنعمة ربك} اعتراض، كما يقول الإنسان: أنت بحمد الله فاضل. وسبب هذه الآية، أن قريشاً رمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون، وهو ستر العقول، بمعنى أن كلامه خطأ ككلام المجنون، فنفى الله تعالى ذلك عنه وأخبره بأن له الأجر، وأنه على الخلق العظيم، تشريفاً له ومدحاً. واختلف الناس في معنى: {ممنون} فقال أكثر المفسرين هو الواهن المنقطع، يقال: حبل منين، أي ضعيف. وقال آخرون: معناه {غير ممنون} عليك أي لا يكدره من به. وقال مجاهد: معناه غير مصرد ولا محسوب محصل أي بغير حساب، وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: خلقه القرآن أدبه وأوامره، وقال علي رضي الله عنه: الخلق العظيم أدب القرآن، وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع وذلك لا محالة رأس الخلق ووكيده، أما أن الظاهر من الآية أن الخلق هي التي تضاد مقصد الكفار في قولهم مجنون، أي غير محصل لما يقول، وإنما مدحه تعالى بكرم السجية وبراعة القريحة والملكة الجميلة وجودة الضرائب، ومنه قوله عليه السلام: "حديث : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". تفسير : وقال جنيد: سمي خلقه عظيماً، إذ لم تكن له همة سوى الله تعالى، عاشر الخلق بخلقه وزايلهم بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق، وفي وصية بعض الحكماء عليك بالخلق مع الخلق وبالصدق مع الحق، وحسن الخلق خير كله. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة، قائم الليل وصائم النهار". تفسير : وقال: "حديث : ما شيء أثقل في الميزان من خلق حسن" تفسير : ،وقال: "حديث : أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقاً"، تفسير : والعدل والإحسان والعفو والصلة من الخلق. وقوله تعالى: {فستبصر} أي أنت وأمتك، و {يبصرون} أي هم. واختلف الناس في معنى قوله: {بأيكم المفتون}. فقال أبو عثمان المازني: الكلام تام في قوله: {يبصرون}، ثم استأنف قوله: {بأيكم المفتون}، وقال الأخفش بل الإبصار عامل في الجملة المستفهم عنها في معناها، وأما الباء فقال أبو عبيدة معمر وقتادة: هي زائدة، والمعنى: أيكم المفتون. وقال الحسن والضحاك: {المفتون} بمعنى الفتنة، كما قالوا: ما له معقول، أي عقل، وكما قالوا: اقبل ميسوره ودع معسوره، فالمعنى: {بأيكم} هي الفتنة والفساد الذي سموه جنوناً، وقال آخرون: {بأيكم} فتن {المفتون} وقال الأخفش، المعنى: {بأيكم} فتنة {المفتون}، ثم حذف المضاف وأقيم ما أضيف إليه مقامه، وقال مجاهد والفراء: الياء بمعنى: في أي، في أي فريق منكم النوع المفتون. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن قليل التكلف، ولا نقول إن حرفاً بمعنى حرف بل نقول إن هذا المعنى يتوصل إليه بـ "في" وبالباء أيضاً، وقرأ ابن عبلة "في أيكم المفتون". وقوله تعالى: {إن ربك هو أعلم بمن ضل} الآية، وعيد، والعامل في قوله: {بمن ضل}، {أعلم} وقد قواه حرف الجر فلا يحتاج إلى إضمار فعل. وقوله تعالى: {فلا تطع المكذبين} يريد قريشاً، وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا وعظمتها لعبدنا إلهك وعظمناه، وودوا أن يداهنهم النبي صلى الله عليه وسلم ويميل إلى ما قالوا فيميلوا هم أيضاً إلى قوله ودينه، والادهان: الملاينة فيما لا يحل، والمداراة الملاينة فيما يحل وقوله تعالى: {فيذهبون} معطوف وليس بجواب، لأنه كان ينصب. والحلاف: المردد لحلفه الذي قد كثر منه، والمهين: الضعيف الرأي والعقل، قاله مجاهد، وهو من مهن إذا ضعف. الميم فاء الفعل، وقال ابن عباس المهين: الكذاب، والهماز: الذي يقع في الناس، وأصل الهمز في اللغة: الضرب طعناً باليد أو بالعصا أو نحوه، ثم استعير للذي ينال بلسانه، قال المنذر بن سعيد: وبعينه وإشارته، وسميت الهمزة، لأن في النطق بها حدة، وعجلة، فأشبهت الهمز باليد. وقيل لبعض العرب: أتهمز الفأرة؟ قال: الهرة تهمزها، وقيل لآخر أتهمز إسرائيل: فقال: إني إذاً لرجل سوء. والنميم: مصدر كالنميمة. وهو نقل ما يسمع مما يسوء ويحرش النفوس. وروى حذيفة أن النبي قال: "حديث : لا يدخل الجنة قتات" تفسير : ،وهو النمام، وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الأوصاف هي أجناس لم يرد بها رجل بعينه، وقالت طائفة: بل نزلت في معين، واختلف فيه، فقال بعضها: هو الوليد بن المغيرة، ويؤيد ذلك غناه، وأنه أشهرهم بالمال والبنين، وقال الشعبي وغيره: هو الأخنس بن شريق، ويؤيد ذلك أنه كانت له هنة في حلقه كزنمة الشاة، وأيضاً فكان من ثقيف ملصقاً في قريش، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: هو أبو جهل، وذكر النقاش: عتبة بن ربيعة، وقال مجاهد: هو الأسود بن عبد يغوث، وظاهر اللفظ عموم من هذه صفته، والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقي الزمن، لا سيما لولاة الأمور.
ابن عبد السلام
تفسير : {نۤ} الحوت التي عليها الأرض "ع" أو الدواة مأثور أو حرف من حروف من الرحمن "ع"، أو لوح من نور أو اسم للسورة مأثور أو قسم أقسم الله به وله أن يقسم بما شاء أو حرف حروف المعجم {وَالْقَلَمِ} الذي يكتب به الذكر على اللوح المحفوظ وهو نور طوله ما بين السماء والأرض أو القلم الذي يكتبون [به] لأنه نعمة عليهم ومنفعة لهم. {يَسْطُرُونَ} يعملون "ع" أو يكتبون من الذكر أو الملائكة تكتب أعمال العباد.
النسفي
تفسير : مكية وهي اثنتان وخمسون آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {ن} الظاهر أن المراد به هذا الحرف من حروف المعجم. وأما قول الحسن: إنه الدواة، وقول ابن عباس: إنه الحوت الذي عليه الأرض واسمه بهموت، فمشكل لأنه لا بد له من الإعراب سواء كان اسم جنس أو اسم علم، فالسكون دليل على أنه من حروف المعجم {وَٱلْقَلَمِ } أي ما كتب به اللوح، أو قلم الملائكة، أو الذي يكتب به الناس، أقسم به لما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف {وَمَا يَسْطُرُونَ } أي ما يسطره الحفظة أو ما يكتب به من الخير من كتب. و«ما» موصولة أو مصدرية، وجواب القسم {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ } أي بإنعامه عليك بالنبوة وغيرها فـ {أَنتَ } اسم «ما» وخبرها {بِمَجْنُونٍ } و{بِنِعْمَةِ رَبّكَ } اعتراض بين الاسم والخبر، والباء في {بِنِعْمَةِ رَبّكَ } تتعلق بمحذوف ومحله النصب على الحال والعامل فيها {بِمَجْنُونٍ } وتقديره: ما أنت بمجنون منعماً عليك بذلك. ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي وهو جواب قولهم {أية : وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ }تفسير : [الحجر: 6] {وَإِنَّ لَكَ } على احتمال ذلك والصبر عليه {لأَجْرًا } لثواباً {غَيْرَ مَمْنُونٍ} غير مقطوع أو غير ممنون عليك به {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } قيل: هو ما أمره الله تعالى به في قوله: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ }تفسير : [الأعراف: 199]. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن أي ما فيه من مكارم الأخلاق. وإنما استعظم خلقه لأنه جاد بالكونين وتوكل على خالقهما. {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ } أي عن قريب ترى ويرون وهذا وعد له ووعيد لهم {بِأَيِيّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ } المجنون لأنه فتن أي محن بالجنون، والباء مزيدة، أو المفتون مصدر كالمعقول أي بأيكم الجنون. وقال الزجاج: الباء بمعنى «في» تقول: كنت ببلد كذا أي في بلد كذا، وتقديره في أيكم المفتون أي في أي الفريقين منكم المجنون: فريق الإسلام أو فريق الكفر؟ {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ } أي هو أعلم بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } أي هو أعلم بالعقلاء هم والمهتدون {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذّبِينَ } تهييج للتصميم على معاصاتهم وقد أرادوه على أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة ويكفوا عنه غوائلهم {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ } لو تلين لهم {فَيُدْهِنُونَ } فيلينون لك. ولم ينصب بإضمار «أن» وهو جواب التمني لأنه عدل به إلى طريق آخر، وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف أي فهم يدهنون أي فهم الآن يدهنون لطمعهم في ادهانك. {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ } كثير الحلف في الحق والباطل وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف {مَّّهِينٍ} حقير في الرأي والتمييز من المهانة وهي القلة والحقارة، أو كذاب لأنه حقير عند الناس {هَمَّازٍ } عياب طعان مغتاب {مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم، والنميم والنميمة: السعاية {مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } بخيل، والخير: المال أو مناع أهله من الخير وهو الإسلام، والمراد الوليد بن المغيرة عند الجمهور وكان يقول لبنيه العشرة: من أسلم منكم منعته رفدي {مُعْتَدٍ } مجاوز في الظلم حده {أَثِيمٍ } كثير الآثام {عُتُلٍ } غليظ جاف {بَعْدَ ذَلِكَ } بعدما عد له من المثالب {زَنِيمٍ } دعي. وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة من مولده. وقيل: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية، والنطفة إذا خبثت الناشىء منها. رُوي أنه دخل على أمه وقال: إن محمداً وصفني بعشر صفات، وجدت تسعاً فيّ، فأما الزنيم فلا علم لي به، فإن أخبرتني بحقيقته وإلا ضربت عنقك. فقالت: إن أباك عنين وخفت أن يموت فيصل ماله إلى غير ولده فدعوت راعياً إلى نفسي فأنت من ذلك الراعي. {أَن كَانَ ذَا مَالٍ } متعلق بقوله {وَلاَ تُطِعِ } أي ولا تطعه مع هذه المثالب لأن كان ذا مال أي ليساره وحظه من الدنيا، ويجوز أن يتعلق بما بعده أي لأن كان ذا مال {وَبَنِينَ } كذب بآياتنا يدل عليه {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا } أي القرآن {قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } ولا يعمل فيه {قَالَ } لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله. {أأن} حمزة وأبو بكر أي ألأن كان ذا مال كذب؟ {أأن} شامي ويزيد ويعقوب وسهل. قالوا: لما عاب الوليد النبي صلى الله عليه وسلم كاذباً باسم واحد وهو المجنون سماه الله تعالى بعشرة أسماء صادقاً، فإن كان من عد له أن يجزي المسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة، كان من فضله أن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشراً {سَنَسِمُهُ } سنكويه {عَلَى ٱلْخُرْطُومِ } على أنفه مهانة له وعلماً يعرف به، وتخصيص الأنف بالذكر لأن الوسم عليه أبشع. وقيل: خطم بالسيف يوم بدر فبقيت سمة على خرطومه. {إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ } امتحنا أهل مكة بالقحط والجوع حتى أكلوا الجيف والرمم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف»تفسير : {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } هم قوم من أهل الصلات كانت لأبيهم هذه الجنة بقرية ـ يقال لها ضروان ـ وكانت على فرسخين من صنعاء، وكان يأخذ منها قوت سنته ويتصدق بالباقي على الفقراء. فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال، فحلفوا ليصرمنها مصبحين في السدف خيفة من المساكين ولم يستثنوا في يمينهم، فأحرق الله جنتهم. وقال الحسن: كانوا كفاراً. والجمهور على الأول {إِذْ أَقْسَمُواْ } حلفوا {لَيَصْرِمُنَّهَا } ليقطعن ثمرها {مُّصْبِحِينَ } داخلين في الصبح قبل انتشار الفقراء، حال من فاعل {لَيَصْرِمُنَّهَا } {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ } ولا يقولون إن شاء الله. وسمي استثناء وإن كان شرطاً صورة لأنه يؤدي مؤدي الاستثناء من حيث إن معنى قولك «لأخرجن إن شاء الله» و«لا أخرج إلا أن يشاء الله» واحد {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ} نزل عليها بلاء. قيل: أنزل الله تعالى عليها ناراً فأحرقتها {وَهُمْ نَائِمُونَ } أي في حال نومهم {فَأَصْبَحَتْ } فصارت الجنة {كَٱلصَّرِيمِ } كالليل المظلم أي احترقت فاسودت، أو كالصبح أي صارت أرضاً بيضاء بلا شجر. وقيل: كالمصرومة أي كأنها صرمت لهلاك ثمرها.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ن} قال ابن عباس هو الحوت الذي على ظهره الأرض وعنه "إن أول ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون فمادت الأرض فأثبتت الجبال فإن الجبال لتفخر على الأرض ثم قرأ ن والقلم وما يسطرون" قيل اسم النون بهموت وقيل لوثيا وعن علي بلهوث. قال أصحاب السير والأخبار: لما خلق الله الأرض وفتقها سبع أرضين بعث من تحت العرش ملكاً فهبط إلى الأرض حتى دخلت تحت الأرضين السبع وضبطها فلم يكن لقدميه موضع قرار فأهبط الله تعالى من الفردوس ثوراً له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم تستقر قدمه فأخذ الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة الفردوس غلظها مسيرة خمسمائة سنة فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقر عليها قدما الملك وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ومنخراه في البحر فهو يتنفس كل يوم نفساً فإذا تنفس مد البحر وإذا رد نفسه جزر البحر فلم يكن لقوائم الثور قرار فخلق الله تعالى صخرة كغلظ سبع سموات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه فتكن في صخرة فلم يكن للصخرة مستقر فخلق الله تعالى نوناً وهو الحوت العظيم فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر والبحر على متن الريح والريح على القدرة قيل فكل الدنيا بما عليها حر فان قال لها الجبار سبحانه وتعالى وتنزه وتقدس كوني فكانت. قال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهر الأرض فوسوس إليه فقال له أتدري ما على ظهرك يا ليوثا من الأمم والدواب والشجر والجبال لو نفضتهم لألقيتهم على ظهرك فهم ليوثا أن يفعل ذلك فبعث له دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله تعالى منها فأذن لها فخرجت قال كعب الأحبار فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت وعن ابن عباس أيضاً أن النون هو الدواة ومنه قول الشاعر: شعر : إذا ما الشوق برح بي إليهم ألقت النون بالدمع السجام تفسير : أراد بالنون الدواة وعن ابن عباس أيضاً أن نوناً حرف من حروف الرحمن إذا جمعت الرحمن وقيل هو مفتاح اسمه ناصر ونصير وقيل اسم للسورة {والقلم} هو القلم الذي كتب الله به الذكر وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض ويقال أول ما خلق الله القلم فنظر إليه فانشق نصفين ثم قال اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه {وما يسطرون} أي وما يكتب الحفظة من أعمال بني آدم وقيل إن حملنا القلم على ذلك القلم المعين فيحتمل أن يكون المراد وما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ ويكون الجمع في وما يسطرون للتعظيم لا للجمع.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ن والقلم} مظهراً: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف. ووجه الإخفاء نية الوصل {آن كان} بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد {آن كان} بقلب الثانية ألفاً، ابن عامر ويزيد ويعقوب الباقون بهمزة واحدة {يبدلنا} بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {لما تخيرون} بتشديد التاء: البزي وابن فليح {ليزلقونك} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالضم من الإزلاق. الوقوف: {يسطرون} ه ط لأن ما بعده جواب القسم {لمجنون} ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وعطفاً على جواب القسم {ممنون} ه ج لذلك {عظيم} ه {ويبصرون} ج لأن ما بعد مفعول {المفتون} ه {سبيله} ط لاتفاق الجملتين {بالمهتدين} ه {المكذبين} ه {فيدهنون} ه {مهين} ه لا {بنميم} ه لا {أثيم} ه لا {زنيم} ه ط لمن قرأ {أن كان} مستفهماً {وبنين} ه ومن قرأ مقصوراً يقف على البنين دون {زنيم} {الأولين} ه {الخرطوم} ه {الجنة} ط لاحتمال أن يكون " إذ " ظرفاً ليكون وأن يكون مفعول " أذكر " محذوفاً {مصبحين} ه لا لتعلق أن المفسرة {صارمين} ه {يتخافتون} ه لا {مسكين} ه {قادرين} ه {الضالون} ه لا لعطف " بل " واتحاد المفعول {محرومون} ه {تسبحون} ه {ظالمين} ه {يتلاومون} ه {طاغين} ه {راغبون} ه {العذاب} ط {أكبر} م {يعلمون} ه {النعيم} ه {كالمجرمين} ه ط {مالكم} ص وقفة لطيفة لاستفهام آخر {تحكمون} ه ج {تدرسون} ه ج لأن ما بعده مفعول {تدرسون} وإنما كسرت " أن " لدخول اللام في خبرها {تخيرون} ه لا لأن " أم " معادل الاستفهام أو بمعنى ألف الاستفهام {القيامة} لا لأن " أن " جواب الأيمان {تحكمون} ه {زعيم} ه لما مر في {تخيرون} {شركاء} ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء {صادقين} ه {فلا يستطيعون} ه لا لأن ما بعده حال {ذلة} ط {سالمون} ه {بهذا الحديث} ط {لا يعلمون} ه ج للعطف {لهم} ط {متين} ه {مثقلون} ه {يكتبون} ه {الحوت} م بناء على أن " إذ " مفعول " اذكر {مكظوم} ه ط {مذموم} ه {الصالحين} ه {لمجنون} ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار {للعالمين} ه. التفسير: الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة. أما المخصوصة بالمقام فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في بطنه، أو بالحوت بالذي لطخ سهم نمرود بدمه، اقوال. عن ابن عباس في رواية الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة. قال: شعر : إذا ما الشوق برّح بي إليهم ألقت النون بالدمع السجوم تفسير : فيكون قسماً بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة. وعن بعض الثقات أن أصحاب السجر يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس أو أشد سواداً منه يكتبون منه فيكون النون. وهو الحوت عبارة عن الدواة، ويعضده ما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم القيامة" تفسير : وعن معاوية بن قرة مرفوعاً أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه يأمرهم الله به. وقيل: نهر في الجنة. اعترض النحويون على هذه الأقوال كلها أن اللفظ إن كان جنساً لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علماً منصرفاً، وإن كان علماً غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف الرحمن فإنه يجتمع من الروحم ون هذا الإسم الخاص. أما القلم فالأكثرون على أنه جنس أقسم الله سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن " أول ما خلق الله القلم " والجوهرة التي وردت في الحديث "حديث : أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض"تفسير : كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب. و" ما " في قوله {وما يسطرون} موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة. وقيل: أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: " أنت " اسم " ما " والخبر {بمجنون} وقوله {بنعمة ربك} كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبساً بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبساً بحمد الله، أو أثبته لك حال كون التباسي بالحمد. وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر الأخلاق الفاضلة. وفيه إشارة إلى أن نعم الله تعالى كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان. {وإن لك} على احتمال أعباء النبوة ومشاق تبليغ الرسالة {لأجراً غير ممنون} قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله {أية : عطاء غير مجذوذ}تفسير : [هود: 108] وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة. وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبىء عن كونه غير ممنون. الحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثواباً عظيماً. {وإنك لعلى خلق عظيم} والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه. وفيه إشارة إلى أن نعم الله تعالى كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد، والنبي صلى الله عليه وسلم كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقاً فيهم، وإليه الإشارة بقوله {أية : فبهداهم اقتده} تفسير : [الأنعام:90] أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله {لعلى} إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع. قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن. وفي روياة: قرأت {أية : قد أفلح المؤمنون}تفسير : [المؤمنون: 1] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، وقال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لمَ فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت، ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم وهدد أعداءه بقوله {فستبصر} يا محمد ما قدر لك من عز الدارين {ويبصرون} في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة. قوله {بأيكم المفتون} قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون. وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود. وقيل: الباء بمعنى " في" وعل هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه. وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله تعالى سيعلمون غداً بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون وإختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما. ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} أي بمن جن {وهو أعلم بالمهتدين} وهم العقلاء. والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد. قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله تعالى {فلا تطع المكذبين} وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه سبحانه حين وعده أنصار العز والرفعة في الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملاً بحال الفريقين وجزائهما لم يبق لطاعة الأعداء وجه. ثم ذكر تمنيهم فقال {ودوا لو تدهن} تلين وتصانع {فيدهنون} أي فهم يدهنون حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآين يدهنون طمعاً في ادهانك. قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر. ثم حض النبي قائلاً {ولا تطع كل حلاف مهين} لأن من أكثر الحلف بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله. وفيه إشارة إلى أن عزة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية. وأيضاً الحلاف يتفق له الكذب كثيراً والكذب حقير عند الناس. والهماز الذي يذكر الناس بالمكروه. وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس. {مشاء بنميم} أي لأجل سعاية. والنميم مصدر نم ينم {مناع للخير} أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير {معتد} مجاوز في الظلم حده {أثيم} كثير الإثم {عتل} غليظ في الخلقة جاف في الخليقة. الزنيم الدعي ومعنى {بعد ذلك} التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد. عن ابن عباس في رواية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسراً وله عشر بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية. وقوله {أن كان} بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان {ذا مال} كذب فمتعلق الجار مدلول. قوله {إذا تتلى عليه آياتنا قال} وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله {يتلى} لأنه مضاف إليه. عن مجاهد أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة. وقيل: كان الوليد دعياً في قريش {سنسمه على الخرطوم} أي الأنف وفيه استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا: في الذليل " جدع أنفه ورغم أنفه " والوسم في الأنف إهانة فوق إهانة. ومتى هذا الوسم؟ منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه. وعن النضر بن شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها. وسمي الخمر خرطوماً كما قيل لها السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها. ومنها من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم. ومنهم من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنّه {حلاف} إلى {زنيم} فلا يخفى كما لا تخفى السمة على الخرطوم. ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم على الجبهة. ثم بين أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء والضراء. وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، يروى أن واحداً من ثقيف وكان مسلماً كان ملك ضيعة فيها نخل وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا {ليصرمنها} أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح {ولا يستثنون} أي لا يقولون " إن شاء الله " وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد اليمين بالثنيا. ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من صرامها. هذا قول الأكثرين. وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم {فطاف عليها} عذاب {طائف من} حكم {ربك} أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلاً. قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت {وهم نائمون فأصبحت} الجنة {كالصريم} " فعيل " بمعنى " فاعل " أو معنى " مفعول " والأول قول من قال إنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضاً صريماً لأن كل واحد من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم. ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم " صرم الإناء " إذا أفرغه. والثاني وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايراً لأثر الصرم. وقال الحسن: أي صرم عنها الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه للصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال وهي ما لا تنبت شيئاً ينتفع به. قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض {اغدوا على حرثكم} وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا {صارمين} لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما قال: غدا عليهم العدو {يتخافتون} يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول. قوله {وغدوا على حرد} هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم. وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع. وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة. ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها. ويجوز أن لا يكون قوله {على حرد} صلة {قادرين} ولكن الكل يعود إلى قوله {أن اغدوا على حرثكم} أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرج وقوله {قادرين} يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين. وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله {يتلاومون} وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين. وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله {إنا لضالون} يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا {بل نحن محرومون} حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين. ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال. ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع به ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين. {قال أوسطهم} أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : [البقرة: 143]. {ألم أقل لكم لولا تسبحون} قال الأكثرون: معنى التسبيح ههان الاستثناء لأنه تعالى وبخهم بقوله {ولا يستثنون} والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصاً في كمال القدرة. وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر. وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة. لم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين {سبحان ربنا} عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته. قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح {إنا كنا ظالمين} بمنع المعروف وترك الاستثناء. ومعنى {يتلاومون} يلوم بعضهم بعضاً يقول واحد لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر. ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال. ثم قالوا جميعاً {يا ويلنا إنا كنا طاغين} اعترافاً بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين {عسى ربنا} الآية. سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعباً كأنه توقف في المسألة. وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيراً منها. وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً. ثم هدد المكلفين بقوله {كذلك العذاب} أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا {ولعذاب الآخرة} أشد وأعظم. ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلاً {إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم} ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فنفى الله معتقدهم بقوله {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلماً. وأجيب بأنه تعالى لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثرمن ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحابه الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية {أية : أم نجعل المتقين كالفجار} تفسير : [ص: 28] وقد مر في " ص ". ثم قال لهم على طريقة الالتفات {ما لكم كيف تحكمون} هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره {أم لكم أيمان علينا} يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به. ومعنى {بالغة} مؤكدة مغلظة وقوله {إلى يوم القيامة} يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسوم عليه وهو قوله {إن لكم لما تحكمون} ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم أو لكل من يستأهل الخطاب {سلهم أيهم بذلك} الحكم {زعيم} أي كفيل بالإستدلال على صحته {أم لهم} ناس {شركاء} في هذا القول. والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه. قوله {يوم يكشف} قيل: منصوب بقوله {فليأتوا} أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم. وقيل: بإضمار " اذكر" وقيل: التقدير يوم يكشف {عن ساق} كان كيت وكيت. احتجت المشبهة على أن لله ساقاً وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعاً أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله {ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} حال كونهم {خاشعة أبصارهم} يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود. وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه تعالى منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله. " وقامت الحرب بنا على ساق". ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح " يده مغلولة " ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله. قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن. وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنة عظمتها كما يقول غيره. وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء، وأصولها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب. وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم {ويدعون إلى السجود} ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها. والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفاً فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف. ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد. وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي. والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه تعالى لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر. ثم خوفهم بنوع آخر قائلاً {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم كأنه قال: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه. وقوله {سنستدرجهم} إلى قوله {مبين} قد مر في آخر " الأعراف". وقوله {أم تسألهم} إلى {يكتبون} قد مر في " الطور". ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس عليه السلام وقد تقدم مراراً. قال بعض العلماء: معنى قوله {كصاحب الحوت} أنه كان في ذلك الوقت مكظوماً أي مملوءاً من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوماً أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة. وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم. وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة. وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله {وهو مذوم} والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في "الصافات". لولا تسبيحه لكانت حاله على الذم. ويل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموماً {فاجتباه ربّه} بقبول التوبة {فجعله من الصالحين} أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه. ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال {وإن يكاد} هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها. زلقه وأزلقه بمعنى. يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه. قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم " نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني " أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله. ثم بين بقوله {لما سمعوا الذكر} أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن حسداً على ما أوتي من النبوة. {ويقولون إنه لمجنون} حيرة في أمره وتنفيراً عنه مع علمهم بأنه أعقلهم. ثم قال تعالى {وما هو} أي القرآن {إلا ذكر} وموعظة {للعالمين} وفيه استجهال أن يجنبن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف. واعلم أن للعقلاء خلافاً في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟ وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسر بها أم لا؟ أما المقام الأول فقد شرحناه في أول " البقرة " في قوله {أية : واتبعوا ما تتلوا الشياطين}تفسير : [الآية: 102] وفي يوسف في قوله {أية : يا بني لا تدخلوا من باب واحد}تفسير : [الآية: 67] والذي نقوله ههنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة. ويروى أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " تفسير : وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين: كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه. فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لم أر كاليوم رجلاً مثله. فعصمه الله تعالى. طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي صلى الله عليه وسلم وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات. وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} {نۤ} حَرْفٌ مقطع في قول الجمهور، فيدخُلُه من الاخْتِلاَفِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُّورِ، ويختصُّ هذَا الموضعُ مِنَ الأقوال، بأنْ قَالَ مُجاهِدٌ وابن عباس: {نۤ} اسْمُ الحوتِ الأعْظَمِ الَّذِي عَلَيْه الأَرضُونَ السَّبْعُ فِيما يُرْوَى، وقال ابن عباس أيضاً وغيره: {نۤ} اسمُ الدَّوَاةِ، فَمَنْ قَال بأنه اسْمُ الحوتِ جَعَلَ [القَلَمَ] القَلَمَ الذي خلقَه اللَّهُ وأمَرَهُ بِكَتْبِ الكائناتِ، وجَعَلَ الضميرَ في {يَسْطُرُونَ} للملائِكَةِ، ومَنْ قَال بأنَّ {نۤ} اسْمٌ للدَّوَاةِ جَعَلَ القَلم هَذَا القلمَ المتعارفَ بأيْدِي الناسِ؛ نَصَّ على ذَلِكَ ابنُ عَبّاسٍ وَجَعَل الضميرَ في {يَسْطُرُونَ} للنَّاسِ فَجَاء القَسَمُ على هذا بمجموع أمْرِ الكِتَابِ الذي هو قِوَامٌ للعلومِ والمعَارِفِ، وأمورِ الدنيا، والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللسانِ، وعَضُدُ الإنْسَانِ، ومَطِيَّةُ الفِطْنَةِ، ونِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَامَّة، ورَوَى معاويةُ بن قرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : {نۤ} لَوحٌ من نُورٍ».تفسير : وقالَ ابنُ عباسٍ أيضاً وغيره: {نۤ} هو حَرْفٌ من حروفِ الرحمٰنِ، وقالوا إنَّه تَقَطَّع في القرآن {الۤر} و{حـمۤ} و{نۤ}، و{يَسْطُرُونَ}: معناه: يكْتُبُونَ سُطُوراً، فإنْ أرَادَ الملائكةَ فهُوَ كَتْبُ الأَعْمَالِ وَمَا يؤْمَرُون به، وإنْ أرادَ بني آدم؛ فهي الكُتُبُ المنزلةُ والعلومَ وما جَرَى مَجْرَاهَا، قال ابن العربي في «أحكامه»: رَوَى الوليدُ بن مُسْلِمٍ عَنْ مالكٍ عَنْ سُمَيٍّ مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقولُ: «حديث : أوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، ثُمَّ خَلَق النّونَ، وهي الدوَّاةُ، وذَلِكَ قَوْلُه: {نۤ وَٱلْقَلَمِ} ثم قَالَ لَهُ: ٱكْتُبْ؛ قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: مَا كَانَ وَمَا هُو كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، قال: ثُمَّ خَتَمَ العَمَلَ، فَلَمْ يَنْطِقْ وَلاَ يَنْطِقُ إلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ، ثُمَّ خَلَقَ العَقْلَ، فَقَالَ الجَبَّارُ: مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أعْجَبَ إليَّ مِنْكَ، وعِزَّتِي لأكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْتُ، وَلأَنْقُصَنَّكَ فِيمَنْ أَبْغَضْتُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلاً أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ وأعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ» تفسير : انتهى، * ت *: وهذا الحديثُ هُوَ الذي يُعَوَّلُ عليهِ في تفسير الآيةِ، لصحته، واللَّه سبحانه أعلم. وقوله تعالى: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} هُوَ جَوابُ القَسَمِ، وَ{مَا} هُنَا عَاملةٌ لها اسْمٌ وَخَبَرٌ، وكذلِك هي متَى دَخَلَتِ البَاءُ في الخَبَرِ، وقوله: {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} اعْتِرَاضٌ، كما تقولُ لإنْسَانٍ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فاضلٌ، وسَبَبُ الآيةِ هُوَ مَا كَانَ من قريشٍ في رَمْيِهِم النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالجُنُونِ، فَنَفَى اللَّهُ تعالى ذلك عنه، وأخبره بأنَّ له الأَجْرَ، وأنَّه على الخُلُقِ العظيمِ تَشْريفاً له، وَمَدْحاً واخْتُلِفَ في معنى {مَمْنُونٍ} فَقَال أكْثَرُ المفسرينَ: هو الوَاهِنُ المنْقَطِعُ، يقال: حَبْل مَنِينُ أي: ضعيفٌ، وقال آخرون: معناه: غير مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أي: لا يُكَدِّرُه مَنٌّ بِه، وفي الصحيحِ: سُئِلَتْ عائشةُ ـــ رضي اللَّه عنها ـــ عن خلقِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقَالَتْ: «كَانَ خُلقُهُ القُرْآنَ»، وقال الجُنَيْدُ: سمّي خلقُه عَظِيماً؛ إذ لَمْ تَكُنْ له همةٌ سِوَى اللَّهِ تعالى؛ عَاشَرَ الخَلْقَ بخُلُقِه، وزَايَلَهُمْ بِقَلْبهِ فكانَ ظاهرُه مَعَ الخلقِ، وباطِنهُ مع الحق، وفي وَصِيَّةِ بعض الحكماء: عليكَ بالخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ، وبالصِّدقِ مَعَ الحقِّ، وحسْنُ الخلقِ خيرٌ كلّه، وقال ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : إنَّ المؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ، صَائِمِ النَّهَارِ» تفسير : وَجَاءَ في حُسْنِ الخُلُقِ آثارٌ كثيرةٌ مَنَعَنَا مِنْ جَلْبِها خَشْيَةُ الإطَالةِ، وقد رَوَى الترمذيُّ عَنْ أبي هريرةَ قال: «حديث : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟ فقَال: تَقْوَى اللَّهِ وحُسْنُ الخُلُقِ، وسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ فَقَالَ: الفَمُ وَالْفَرْجُ»تفسير : ، قَالَ أبو عِيسَىٰ: هذَا حديثٌ صحيحٌ غَرِيبٌ، انتهى، ورَوى الترمذيُّ عَنْ أبي الدرداءِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وإنَّ اللَّهَ لَيَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ»تفسير : ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، انتهى، قَال أبو عُمَرَ في «التمهيد»: قال اللَّه ـــ عز وجل ـــ لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} قَال المفسرونَ: كان خلقُهُ مَا قَالَ اللَّهُ سبحانَه: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [الأعراف:199] انتهى. وقَوْلهُ تعالى: {فَسَتُبْصِرُ} أي: أنْتَ وأمَّتكَ، {وَيُبْصِرُونَ} أي: هُمُ، {بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} قال الأخفش: والعاملُ في الجملةِ المسْتَفْهَمُ عَنْها الإبصَارُ، وأمّا البَاءُ فقال أبو عبيدةَ معمر وقتادةُ: هي زائدةٌ والمعنى: أيكم المفتونُ، قال الثعلبيّ: المفْتُونُ المَجْنُونُ الذي فَتَنَهُ الشيطانُ، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى "ن" كقوله {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ}تفسير : [ص: 1]، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول مجاهدٍ ومقاتل والسدي والكلبي. وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}. قال الواقديُّ: اسم النون ليوثا. وقال كعب الأحبار: لوثوثا. وعن علي: اسمه تلهوت. وقيل: إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عليه الصلاة والسلام -. وقيل: الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه. وقال الكلبي ومقاتل: اسم الحوت الذي على ظهر الأرض: البَهْمُوت. قال الراجز: [الرجز] شعر : 4805 - مَا لِي أرَاكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتَا واللَّهُ ربِّي خَلقَ البَهْمُوتَا تفسير : وروى عكرمة عن ابن عباس: أن نون آخر حروف الرحمن. وقيل: إنه اسم للدواةِ، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس. قال القرطبيُّ: وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أوّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلمَ، ثُمَّ خلقَ النُّون، وهي الدَّواةُ، وذلك قوله تعالى "ن" والقلم"تفسير : . ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : 4806 - إذَا مَا الشَّوْقُ يَبْرَحُ بِي إليْهِمْ وألفَى النُّون بالدَّمْعِ السِّجامِ تفسير : ويكون على هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابةِ. فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة. وقيل: النون لوح من نون تكتب فيه الملائكةُ ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً. وقيل: النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة. وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال محمد بن كعب: أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين. وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنَّة يقال له: نون. وقيل: هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري. قال: لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلمُ، فهو إذن حرف هجاء، كما في أوائل السور. قال الزمخشريُّ: "وأما قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً، أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوينُ وإن كان علماً فأين الإعراب؟ وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام؛ لأنك إذا جعلته مقسماً به وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنَّة نحو ذلك". قال شهاب الدين: "وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، وقلَّ من يتقنه". وقال ابن الخطيب بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن: وهذا ضعيف، لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة. فصل في قراءات "ن" قرأ العامة: "نُونْ" ساكن النون كنظائره. وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلا خلاف، وورش بخلاف عنه النون في الواو، وأظهرها الباقون. قال الفراء: "وإظهارها أعجب إليَّ، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل" ونقل عمن أدغم الغنَّة، وعدمها. وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السِّمال وابن أبي إسحاقَ: بكسر النون. وسعيد بن جبير وعيسى بخلاف عنه: بفتحها. فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجروراً على القسم حذف حرف الجر وبقي عمله، كقولهم "اللَّهِ لأفعلَنَّ"، لوجهين: أحدهما: أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها. والثاني: أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال: هو ممنوع الصرف اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألاَّ يظهر فيه الجر بالكسر ألبتة. وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة كـ"أين وكيف". الثاني: أن يكون مجروراً بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك في قراءة "فالحقّ والحقِّ" [ص: 84]، بجرّ "الحقّ"، ومنعت الصرف اعتباراً بالسورة. والثالث: أن يكون منصوباً بفعل محذوف، أي:، اقرأوا نوناً ثم ابتدأ قسماً بقوله: "والقَلمِ" أو يكون منصوباً بعد حذف حرف القسم؛ كقوله: [الوافر] شعر : -4807......................... فَذَاكَ أمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ تفسير : ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله. قوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ}. "ما" موصولة، اسمية أو حرفية، أي: والذي يسطرونه من الكتب، وهم الكتَّاب والحفظة من الملائكة وسطرهم. والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها. وقال الزمخشري يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في "يَسْطُرونَ" لهم. يعني فيصير كقوله: {أية : أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ}تفسير : [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات فالضمير في "يغْشَاه" يعود على "ذي" المحذوف. فصل في المراد بالقلم في "القلم" المقسم به قولان: أحدهما: أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى: {أية : وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}تفسير : [العلق: 3، 4، 5]، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ}تفسير : [الرحمن: 3، 4]، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر. والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن عباسٍ: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. وروى مجاهد، قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه. قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى؛ فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى {أية : إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران: 47] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرةِ في المقدور من غير منازعة، ولا مدافعة. وقيل: القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم. وفي خبر آخر: أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل النَّاسِ عقلاً أطوْعهُمْ للَّهِ وأعْلمُهُمْ بطاعته. وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض. قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض. قوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ}، أي: وما يكتبون، يريد: الملائكة يكتبون أعمال بني آدم. قال ابن عباس. وقيل: وما يكتبون الناس ويتفاهمون به. وقال ابن عباس: معنى {وَمَا يَسْطُرُونَ} وما يعملون. ؟؟؟؟قال ابن الخطيب: {وَمَا يَسْطُرُونَ} مع ما بعدهما في تقدير المصدر فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم وقيل: المرادُ ما يسطرهُ الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في "يَسْطرُونَ" لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم، وسطرهم، أو مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله "ومَا يَسْطُرونَ"، أي: وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ ولفظ الجمع في قوله "يَسْطُرونَ" ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة. قوله {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}. قد تقدم الكلام على نظيره في "الطُّور" في قوله {أية : فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ}تفسير : [الطور: 29]. إلا أن الزمخشري قال هنا: "فإن قلت: بم تتعلق الباء في "بِنعْمَةِ ربِّك" وما محله؟ قلت: متعلق بمجنون منفياً كما يتعلق بعاقل مثبتاً كقولك: أنت بنعمة ربِّك عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً، فعمل الفعل منفياً ومثبتاً إعمالاً واحداً، ومحله النصب على الحال كأنه قال: ما أنت مجنوناً منعماً عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل "مَجْنُون" فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي". قال أبو حيَّان: "وما ذهب إليْهِ الزمخشريُّ، من أن الباء يتعلق بمجنون، وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي في محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان: أحدهما: أن النفي يسلط على المعمول فقط. والآخر: أن يسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه، ببيان ذلك أن تقول: ما زيد قائم مسرعاً، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع، والوجه الآخر: أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه، أي: لا قيام، فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري، بل يؤدي إلى ما لا يجوز النطق به في حق المعصوم" انتهى. واختار أبو حيان أن يكون "بِنعمَةِ" قسماً معترضاً به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم. وقال ابن عطية: "بنِعْمةِ ربِّك" اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل، قال: ولم يبين ما تتعلق به الباء في "بِنعْمَةِ". قال شهاب الدين: والذي تتعلق به الباء في هذا النحو معنى مضمون الجملة نفياً وإثباتاً كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد الله، والباء سببية، وثبت ذلك الفضل بحمد الله تعالى، وأما المثال الذي ذكره، فالباء تتعلق فيه بلفظ "فاضل" وقد نحا صاحب "المُنَتخَب" إلى هذا فقال: المعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك. وقيل: معناه مَا أنْتَ مجنُونٌ والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لله؛ وقول لبيد: [الطويل] شعر : 4808 - وأفْرِدْتُ في الدُّنْيَا بفقْدِ عشِيرَتِي وفَارقَنِي جارٌ بأربدَ نَافِعُ تفسير : أي وهو أربد، وهذا ليس بتفسير إعراب بل تفسير معنى. فصل في إعراب الآية قوله تعالى: {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}. هذا جواب القسم، وهو نفي. قال الزجاج: "أنت" هو اسم "مَا" و"مَجْنُون" الخبر، وقوله: {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} كلام وقع في الوسط، أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل. روى ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم غاب عن خديجة إلى حراء، وطلبته، فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير بلا غبار، فقالت: ما لك؟. فذكر جبريل - عليه السلام - وأنه قال له: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}تفسير : [العلق: 1]، فهو أول من نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض، فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة - يا محمد - فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل - وهو ابن عمها - وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إليّ محمداً، فأرسلته فقال: هل أمرك جبريل - عليه السلام - أن تدعو أحداً؟ فقال: لا فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش، فقالوا: إنه مجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آياتٍ من أول هذه السورة، قال ابن عباسٍ: أول ما نزل قوله تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ}تفسير : [الأعلى: 1]، وهذه الآية هي الثانية، نقله ابن الخطيب. وذكر القرطبيُّ: أن المشركين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: مجنون به شيطان وهو قوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}تفسير : [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم {أية : فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ}تفسير : [الطور: 29] أي: برحمة ربك، والنعمة هاهنا الرحمة. وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربِّك عليك بالإيمان والنبوة. قال القرطبي: "ويحتمل أن النعمة - هاهنا - قسم، تقديره: ما أنت، ونعمة ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم" وقد تقدم. فصل قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى وصفه - هاهنا - بصفات ثلاث: الأولى: نفي الجنون عنه ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، لأن قوله: {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} يدل على أن نعم اللَّه تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراء من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم ظاهرة محسوسة ووجودها ينافي حصول الجنونِ، فالله تعالى نبه على أن هذه الحقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم: "إنه مجنُون". الصفة الثانية: قوله: {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: ثواباً على ما تحملت غير منقوص ولا مقطوع منه، يقال: منَّ الشيء إذا ضعف، ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين. قال لبيدٌ: [الكامل] شعر : 4809 -...................... غُبْسٌ كَواسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا تفسير : أي: لا يقطع، يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى {أية : غَيْرَ مَجْذُوذٍ}تفسير : [هود: 108]، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: "غَيْرَ مَمْنُونٍ" أي: غير محسوب عليك، قالت المعتزلة: لأنك تستوجبه على [عملك]، وجوابهم: إن حملهم على هذا يقتضي التكرار، لأن قوله "أجراً" يفيده، وقال الحسنُ: غير مكدر بالمن. وقال الضحاك: أجراً بغير عمل، واختلفوا في هذا الأجرِ على أي شيء حصل؟ فقيل: معناه إن لك على احتمال هذا الطعن، والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً. وقيل: إن لك في إظهار النبوةِ، والمعجزات في دعاء الخلق إلى الله تعالى وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم فإن لك بسببه المنزلةَ العالية. الصفة الثالثة: قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. قال ابن عباس ومجاهدٌ: "على خُلقٍ" على دين عظيمٍ من الأديان، ليس دين أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه. وروى مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن. وقال علي - رضي الله عنه -: هو أدب القرآن. وقيل: رفقه بأمته، وإكرامه إياهم. وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر اللَّهِ، وينتهي عنه مما نهى الله عنه. وقيل: إنَّك على طبع كريم. وقال الماوردي: حقِيقَةُ الخُلقِ في اللُّغةِ ما يأخذُ بِهِ الإنسانُ في نفْسِهِ من الأدبِ يُسَمَّى خُلُقاً، لأنَّه يصير كالخلقة فيه فأما ما طُبع عليه من الأدبِ فهو الخِيمُ، فيكون الخلق: الطبع المتكلف، والخِيم: الطبع الغريزي. قال القرطبي: "ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوالِ، وسئلت أيضاً عن خلقه - عليه الصلاة والسلام - فقرأت {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1] إلى عشر آياتٍ". قال ابن الخطيب: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيبِ وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات البدنية، والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، وقالت: مَا كَانَ أحدٌ أحْسنَ خُلُقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحدٌ من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، ولذلك قال الله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي الحظ الأوفر. وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إنَّ اللَّه بَعَثنِي لأتمِّمَ مكارِمَ الأخْلاق ". تفسير : فصل قال ابن الخطيب: قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} كالتفسير لما تقدم من قوله تعالى: {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، وإذا كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه؛ لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صلى الله عليه وسلم كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال: {أية : مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}تفسير : [ص: 86] أي: لست مكلفاً فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام: 90] فهذا الهدي الذي أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالاقتداءِ به ليس هو معرفة الله تعالى؛ لأن ذلك تقليداً، وهو غير لائق بالرسول صلى الله عليه وسلم وليس هو الشرائع؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين أن يكون المراد منه أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء فيما اختص به من الخلقِ الكريمِ، وكان كل واحد منهم مختصاً بنوع واحدٍ، فلما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحدٍ من الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة "عَلَى" للاستعلاءِ فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاقِ، ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، وكالأمير بالنسبة إلى المأمور. وقد ورد أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السّيّىء. قوله: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ}. قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة. وقيل: فسترى وترون يوم القيامة حتى يتبين الحق والباطل. وقيل: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} في الدنيا كيف تكون عاقبة أمرك وأمرهم فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون ذليلين ملعونين ويستولى عليهم بالقتل والنهب. قال مقاتل بن حيان: هذا وعيد العذاب ببدر. قوله {بِأَيِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت كزيادتها في نحو "بحسبك زيد"، وإلى هذا ذهب قتادة وأبو عبيدة معمر بن المثنى. إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في "حَسْبُك" فقط. الثاني: أن الباء بمعنى "فِي" فهي ظرفية، كقولك: "زيْدٌ بالبصرةِ" أي: فيها، والمعنى: في أي فرقة، وطائفة منكم المفتون: أي المجنون في فرقة الإسلام أم في فرقة الكفار؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء. ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: "فِي أيكمُ". والثالث: أنه على حذف مضاف، أي "بأيكم فتن المفتون" فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش. وتكون الباء سببية. والرابع: أن المفتون مصدر جاء على "مفعول" كـ"المعقول" و"الميسور"، والتقدير: "بأيكمُ المفْتُونُ". فعلى القول الأول يكون الكلام تاماً عند قوله: "ويُبْصرُونَ"، ويبتدأ بقوله "بأيكمُ المفتُونُ". وعلى الأوجه بعده تكون الباء متعلقة بما قبلها، ولا يوقف على "يُبْصِرُونَ". وعلى الأوجه الأول الثلاثة يكون "المَفْتُونُ" اسم مفعول على أصله، وعلى الوجه الرابع يكون مصدراً، وينبغي أن يقال: إن الكلام إنما يتم على قوله "المَفْتُونُ" سواء قيل: بأن الباء مزيدة أم لا، لأن قوله {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} معلق بالاستفهام بعده، لأنه فعل بمعنى الرؤية البصرية تعلق على الصحيحِ، بدليل قولهم: أما ترى أن برق هاهنا، فكذلك الإبصار، لأنه هو الرؤية بالعين، فعلى القول بزيادة الباء، تكون الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها واقعة موضع مفعول الإبصار. فصل قال القرطبيُّ: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} بأيكم المفتون، الذي فتن بالجنون، كقوله تعالى: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ}تفسير : [المؤمنون: 20] و{أية : يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ}تفسير : [الإنسان: 6]، وهو قول قتادة وأبي عبيدة كما تقدم وقيل: الباء ليست مزيدة، والمعنى "بأيكم المفتون" أي: الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول ويكون المعنى: المفتون، كقولهم: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي: عقل ولا جلادة، قاله الحسن والضحاك وابن عباس. قال الراعي: [الكامل] شعر : 4810 - حَتَّى إذَا لَمْ يَتركُوا لِعظامِهِ لَحْماً ولا لفُؤادِهِ مَعْقُولا تفسير : أي عقلاً، والمفتون المجنون الذي فتنه الشيطانُ. وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار، إذا حميته، قال تعالى {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ}تفسير : [الذاريات: 13] أي: يعذبون وقيل: المفتون: الشيطان؛ لانه مفتون في دينه، وكانوا يقولون: إن به شيطاناً، وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى لهم: فسيعلمون غداً بأيهم [المجنون] أي: الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ}. أي: إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}، أي: الذين هم على الهدى، فيجازي كلاًّ غداً.
البقاعي
تفسير : لما أبهم الضال والمهتدي في آخر "الملك" والمسيء والمحسن في العمل أولها، وختم بآية الماء المعين الذي دلت حروفه بمجموعها على تمام معناه، ودل كل واحد منها على شيء منه، فدلت ميمه على تمام شيء ظاهر، وعينه على آية هادية، وياؤه على قائم ملطف متنزل مع كل مقام، ونونه على مظهر مبين محيط بما أظهره، وردهم سبحانه إليه بعد شرادهم عنه بالاستفهام في هذه الآية بما نبههم عليه من عجزهم وعجز كل من يدعونه من دونه وأنه لا يقدر على الإتيان بذلك الماء الذي هو حياة الأشباح بعد ذهابه إلا من تمت قدرته، فكان قادراً على كل ما يريد، وكان لا يقدر على كل ما يريده إلا من كمل علمه الذي يحيي به ميت الأرواح، دل على شمول قدرته بكمال علمه بما أفاده على النبي الكريم الأمي من العلوم التي زخرت بحارها، فأحيا مدرارها، وأغرق تيارها، فافتتح هذه السورة بكلمة البيان وهو اسم الحرف الذي هو آخر حروف تلك، ومن لوازم بعض ما دل عليه الماء الذي هو الحياة المصححة، ونبه على نصبه له سبحانه دليلاً على العلم بما دل عليه من مخرج مسماه وصفاته ومواقعه في الكلم في جميع تقلباته فقال: {ن} هذه الكلمة حرف من حروف المعجم وهي اسم لمسمى به ظهور الأشياء وعلمها وإدراكها كما دل عليه موقعه في اسم النور والنار والنيل والنمو والنباهة والنقاء والنصح والنبأ والنجابة والنجاة والنحت والندم، وقد تقدم في البقرة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: لكل كتاب سر وسر القرآن هذه الحروف، ولا يعلم ما هي إلا واضعها سبحانه. ولما كان هذا الحرف مشتركاً في اللغة بين حرف المعجم والدواة والحوت وشفرة السيف، سكن للدلالة بادىء بدء على أنه حرف، ولا يمنع إسكانه المتأصل في البناء من إرادة بقية المعاني لأن العرب ربما سكنت الكلمة بنية الوقف تنبيهاً على عظمة معناها، فلا يلزم من الإسكان عن غير عامل البناء، وقيل: النون اللوح، والنونة الكلمة من الصواب، والسمكة، فهو صالح لحرف المعجم الكلي الصالح لكل فرد، وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أخر حروف الرحمن والدواة لما يتأثر عنها من العلوم، والحوت الذي على ظهره الكون واسمه اليهموت لما في ذلك من عجائب القدر والأسرار، ويكون الإقسام وقع بالنون والقلم علواً للإحاطة، والسيف لما يتأثر عنه من جليل الآثار، وكيفما كان المراد فهو الإحاطة، وهو سر باطن لا يظهر، وإنما تظهر نتائجه، فهو الحكم ونتائجه القضاء والقدر بالإشقاء أو الإسعاد. ولما كان هذا الحرف آية الكشف للأشياء كان مخرجه أمكن المخارج وأيسرها وأخفها وأوسعها وهو رأس المقول، فإنه يخرج مما بين طرف اللسان وفويق الثنايا من اللثة، وهو أخرج من مخرج اللام ومن مخرج الراء أيضاً، وتسمى هذه الحروف الثلاثة الزلقية مع بقية حروف "فر من لب" لأن طرف كل شيء زلقة، والنون أمكنها في هذا المخرج وأشدها انطباقاً فيما بين اللسان واللثة، وهو مما كرر مسماه في اسمه فانتهى إلى حيث ابتدأ، واختص بكون عماده وقوامه الحرف الأقوى الأظهر ذا الرفعة والعلو وهو الواو والزلقية التي هو أحدها ضد المصمتة وهي أخف الحروف على اللسان وأكثرها امتزاجاً بغيرها، وأما المصمتة فمنعت أن تنفرد بنفسها في لغة العرب في كلمة هي أكثر من ثلاثة أحرف، بل لا بد أن يكون معها بعض الزلقية، والألف خارجة عن الصنفين لأنها مجرد إهواء لا مستقر لها، فقد ناسبت بمخرجها لسعته وخفته ووصفها بالزلاقة التي تقع لما اتصف بها من الحروف الكمال غنية عن سواها ولا يقع لما لم يخالطها كمال فيما ذكر ما ذكر من أن معناها البيان والإظهار ومن صفاتها الجهر وبين الشدة والرخاوة والانفتاح والاستفال، والغنة الخارجة من الخيشوم إذا سكن، وكل هذا واضح في العلم الذي له الاتساع والانتشار والتغلغل في الأشياء الباطنة، ويشاركه الميم في الغنة كما أنه يشاركه في أن له حظاً من الظهور والنون وهو الأصل في الغنة كما أنه الأصل في الظهور لما له من العلو بالعماد، وهو أيضاً من حروف الذبذبة والزيادة التي لا تستقر على حال فتقع مرة زوائد وأخرى أصولاً كما أن العلم أيضاً كذلك لا استقرار له بل مهما وسعته اتسع، ومهما تركته اضمحل وانجمع، وهو من حروف الأبدال التي تبدل من غيرها ولا يكون غيرها بدلاً منها فلازب ولازم الميم بدل من الباء بخلاف العكس كما أن العلم أصل يتبعه غيره ولا يكون هو تابعاً لغيره، وهو من الحروف الصحيحة وليست معتلة، والعلم جدير بهذا الوصف وهو إذا كان مخفي من الحروف المشربة ويقال لها المخالطة - بكسر اللام وفتحها، وهي التي اتسعت فيها العرب فزادتها على التسعة والعشرين المستعملة وهي من الحروف الصم وهي ما عدا الحلقية، سميت بذلك لتمكنها في خروجها من الفم واستحكامها فيه، يقال للمحكم المصتم والعلم أشد ما يكون مناسبة لهذا الوصف، فقد انطبقت بمخرجها وجميع صفاتها على العلم الذي هو مقصود السورة فتبين حقاً أنه مقصودها، وأما رتبة القلم في بيان العلم وإظهاره وكشف خفاياه وأسراره وبثه وإشهاره فهي بحيث لا يجهلها أحد اتصف بالعقل، ومما يختص به هذا الحرف أنه يصحب كل حرف لأن حده هو ما يعبر عنه التنوين الذي انتظامه بالحركات هو ما آيته العلم المكمل به الحياة التي هي آية ما يعبر عنه هذه الحركات، فلما كانت هذه الحركات آية على ما هو الحياة كان التنوين عقبها آية على ما به كمال الحياة من العلم، وهو سبب لما به القيام من الظهور، ومن معناه اسمه تعالى النور، ثم هو اسم لكل ما يظهر ما خفي باطناً كالعلم في الإدراك الذي تظهر حقائق الأشياء به، وظاهراً كالنيرين للعيون، وسائر الأنوار الظاهرة والباطنة، وما هو وسيلة الظهور كالعيون مما به تشاهد الأشياء ويظهر به صورها، والدواة التي منها مداد ما كتب بالقلم في العوالم أعلاها وأدناها وكل آلة يتوصل بها إلى إظهار صورة تكون تماماً كماء المزن الذي هو مداد كل شيء كوّن الله به الكائنات والبادئات "وجعلنا من الماء كل شيء حي" ومنه معنى النجم النباتي الذي هو للشجر بمنزلة الفول للبشر متلبساً بالنور - بالفتح - الذي فيه حظ من النور - بالضم - والذرء الذي هو ظاهر في نفسه مظهر لطرق الاهتداء، وكذلك الأمر في النار المخلصة من رتبة ظلمتها التي هي غايتها بالرماد، وابتداؤها بما يخرج منه من شجر وحديد وحجر. ولما كان هذا الحرف اسماً لما به ظهور أمر لم يختص بشيء من المظهرات دون آخر بل شمل النور والحاسة والمراد والمادة، ولذلك كان مع الكاف الذي هو علم التكوين سبب ظهور كل شيء{أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}تفسير : [النحل: 40] ولصدقه على كل مظهر فسره ابن عباس رضي الله عنهما بالدواة ففسر بما يستمد منه القلم، وليلحظ موقعه في نجد فإنه اسم لما ارتفع من الأرض وظهر في نفسه وأظهر غيره، وفي نهود الجارية وهو ظهور نهدها، وفي النهب وهو ما أخذ أخذاً ظاهراً كما قال صلى الله عليه وسلم"حديث : ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم" تفسير : وفي النفخ والنفع والنصر والنقر والنقب وما أشبهها فإنها كلها ظهور وإظهار كالنم والمن والنمؤ ولأجل علوه واستبطانه وأنه استغراق المظهر المبين كانت إقامته يتعالى الألف وهو الواو وانتهاؤه إلى مثل ما بدأ به، ولكون الميم تماماً كان قوامه بمتنزل كالألف التي هي الياء في قولك ميم، ولرجوع الواو إلى علو الألف كان عمادها الألف في قولك "واو" وهذه الحروف الثلاثة ظاهرة في عالمين ظاهرهما المبدوء به وباطنهما المختوم به، فالنون الأولى يعبر بها عن نور الأبصار، والخاتمة يعبر بها عن نور القلب، ولما كان الهاء وتر الدال، وكان محيطاً باطناً غيباً وجب أن يكون محل تضعيفه بالياء محل محيط باطن نازل الرتبة في الغيب عن الهاء لوقوعه في رتب العشرات وهو النون، فكان ظاهراً بالإضافة إلى خفاء الهاء باطناً بالإضافة إلى ظهور الميم، فيكون بالنون ظهور الميم المعبر عن "الملك" الذي سبق في السورة الماضية كما كان شهادة الدال وثبوته بالهاء. ولذلك انبنى تمام كل عمل على نور علم كما كان قوام ظاهر كل دال غير هاء، وكان النون مداداً لمثل العلم الذي يظهر صورها بسطر القلم حتى أن آية ما بطن منه فأظهره القلم هو ما بطن دون الأرض من النون الذي عليه الأرض الذي أول ما يطعمه أهل الجنة زيادة كبده مع الثور الذي عليه الأرض أيضاً الذي يذبح لهم - على ما ورد في الخبر، وقابل استبطان النون في الأرض ظهور القاف على ظاهرها الذي هو جبل الزبرجد المحيط بالدنيا، وعن ذلك الاستيلاء على القلوب في الدنيا إنما يكون بالعلم الذي هو حقيقة نون كما أن الاستيلاء على الأجسام في ظاهر الدنيا إنما يكون بالقدرة التي هي حقيقة قاف على ما يظهر من إجالتي العلماء في النون الأبطن والملوك في القاف الأظهر، وهذان الصنفان من الخلق هما المستوليان على الناس بالأيالة ونفوذ الأمر، ولذلك أقيم المفصل من القرآن بحرفي قاف ونون، واقترن أيضاً هذان الحرفان في كلمة القرآن ولفظ الفرقان اللذين هما في ظواهر أسمائه، وإنما كان أول ما يطعمه أهل الجنة من الثور الذي عليه الدنيا الذي كان يرعى في أطراف الجنة - على ما ورد عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، لأن صورة الثور هي معنى ما هو الكد والكدح وجهد العمل في الأرض الذي قام عليه أمر الدنيا، ولما كان أهل الدنيا أول ما يراحون منه من أمر الدنيا تقديم أمر الكد بين يدي معاشهم في الجنة، كان الذي يذبح لهم الثور الذي هو صورة كدهم فيأكلونه فهو جزاء ما عملوا به في دنياهم من حيث كانوا ذوي دين، فاستحقوا بذلك جزاء كدهم بما هو صورته، وأضيف لذلك زيادة كبد النون التي هي صورة حظهم من أصل العلم فأطعموها وجوزوا بها، وروعي في أعمالهم حسن نيتهم في أصل دينهم، فلما أتوا عليهما استقبلوا الراحة والخروج عن الكلفة في معاشهم في الجنة، والذي جرهم به سبحانه إلى سني هذه الرتبة ما أتقنه بحكمته من ثناء المفصل القرآني على حرفي القاف الذي به القوة والقهر والقدرة، والنون الذي به إظهار ذلك للعقل بنور العلم، وذلك أن القرآن نزله سبحانه مثاني، ضمّن ما عدا المفصل منه الذي هو من قاف إلى خاتمة الكتاب العزيز، وفاتحته ما يختص بأولي العلم والفقه من مبسوطات الحكم ومحكمات الأحكام ومطولات الأقاصيص ومتشابه الآيات، والسور المفتتحة بالحروف العلية الإحاطة الغيبية المنحى المستندة إلى آحاد الأعداد مما يختص بعلم ظاهرها خاصة الأمة، ويختص بأمر باطنها آل محمد صلى الله عليه وسلم، فلعلو رتبة إيراد ما عدا المفصل ثنى الحق تعالى الخطاب وانتظمه في سور كثيرة العدد يسيرة عد الآي هي المفصل، ذكر فيها من أطراف القصص والمواعظ والأحكام والأنباء وأمر الجزاء ما يليق بسماع العامة ليسهل عليهم سماعه وليأخذوا بحظ مما أخذ الخاصة، ويتكرر على أسماعهم في قراءة الأئمة له في الصلوات المفروضة التي لا مندوحة لهم عنها ما يكون لهم خلقاً مما يفوتهم من مضمون سائر السور المطولات، فكان أحق ما افتتح به مفصلهم حرف القاف الذي هو وتر الآحاد حتى صارت عشرة، ثم إذا ضربت في نفسها صارت مائة، فافتتح به المفصل، ليكون مضمون ما يحتوي عليه أظهر مما يحتوي عليه ما افتتح بآلم، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقرأ في خطبة الجمعة سورة "ق" فيفتتح للعامة المتوجه بخطبة يوم الجمعة إليهم لأنها صلاة جامعة الظاهر بفاتحة المفصل الخاص، وفي مضمونها من معنى القدرة والقهر المحتاج إليه في إقامة أمر العامة ما فيه كفاية، وشفعت بسورة "ن" المظهرة ظاهر "ق" فخصوا بما فيه القهر والإبانة، واختصت سورة "ن" من مقتضى العلم بما هو محيط بأمر العامة المنتهي إلى غاية الذكر الشامل للعالمين، لأن القوة المعربة عن العلم ربما كان ضررها أكثر من نفعها، كما قال بعض السلف: كل عز لم يوطده علم فإلى ذل يؤول، وكما كان جميع السور التسع والعشرين المفتتحة بالحروف المتضمنة للمراتب التسع في التسعة وللعاشر الجامع للمراتب التسع بإيتار آحادها والعاشر الجامع يضرب العشر الموتر في نفسه قواماً وإحاطة في جميع القرآن كذلك كان سورة "ق" وسورة "ن" قواماً خاصاً وإحاطة خاصة بما يخص العامة من القرآن الذي يجمعهم الأرض بما أحاط من ظاهرها من صورة جبل "ق" وما أحاط بباطنها من صورة حيوان "ن" الذين تمام أمرهم بما بين مددي إقامتهما، وبهذه السورة المفتتحة بالحروف ظهر اختصاص القرآن وتميز عن سائر الكتب لتضمنه الإحاطة التي لا تكون إلا للخاتم الجامع، واقترن من التفصيل في سورها ما يليق بإحاطتها، ولإحاطة معانيها وإبهامها كان كل ما فسرت به من معنى يرجع إلى مقتضاها صحيحاً في إحاطتها بمتنزلها من أسماء الله وترتبها في جميع العوالم فلا يخطىء فيها مفسر لذلك لأنه كلما قصد وجهاً من التفسير لم يخرج عن إحاطة ما يقتضيه، ومهما فسرت به من أسماء الله أو من أسماء الملائكة أو من أسماء الأنبياء أو من مثل الأشياء أو صور الموجودات أو من أنها أقسام أقسم بها أو فواتح عرفت بها السور أو أعداد تدل على حوادث وحظوظ من ظاهر الأمر أو باطنه على اختلاف رتب وأحوال مما أعطيه المنزل عليه صلى الله عليه وسلم من مقدار أمد الخلافة والملك والسلطنة وما ينتهي إليه أمره من ظهور الهداية ونحو ذلك مما يحيط بأمد يومه إلى غير ذلك وكل داخل في إحاطتها، ولذلك أيضاً لا يختص بمحل مخصوص يلزمه علامة إعراب مخصوصة، فمهما قدر في مواقعها من هذه السورة جراً أو رفعاً أو نصباً فداخل في إحاطة رتبتها ولم يلزمها معنى خاص لما لم يكن لها انتظام، لأنها مستقلات محيطات، وإنما ينتظم ما يتم معنى كل واحد من المنتظمين بحصول الانتظام، وذلك يختص من الكلم بما يقصر عن إحاطة مضمون الحروف حتى أنه متى وقع استقلال وإحاطة في كلمة لم يقع فيها انتظام. ولما كان قوام هذا الوجود بالسيف والقلم، وكان "نون" مشتركاً بين معان منها السيف والدواة التي هي آلة القلم، واللوح الذي هو محل ما يثبت من العلم، وكان السيف قد تقدم في حيز القاف الذي افتتحت به سورة "ق" كما هو أنسب لتضمنه القوة والقدرة والقهر في سورة الحديد بعد الوعظ والتهديد والتذكير بالنعم في السورة الواقعة بينهما، ذكر هنا ما هو لحيز النون من آية العلم فقال مقسماً بعد حرف "ن": {والقلم} أي قلم القدرة الذي هو أول ما أبدعه الله، ثم قال له: اكتب، فخط جميع الكائنات إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ حقيقة، وفي ألواح صفحات الكائنات حالاً ومجازاً، فأظهر جميع العلوم، ثم ختم على فيه فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، والذي يكتب فيه الخلق ما نولهم الله من تلك المعارف والفهوم، وذلك هو قوام أمور الدنيا، والإشارة به إلى القضاء الذي هو من نتائج "ن" لأنه من مصنوعات الله الظاهرة التي اقتضت حكمته سبحانه إيجادها ووجهه إلى تفصيل ما جرى به الحكم. ولما كان الحاصل بالقلم من بث الأخبار ونشر العلوم على تشعبها والأسرار ما يفوق الحصر، فصار كأنه العالم المطيق واللسن المنطيق، وكان المراد به الجنس أسند إليه كما يسند إلى العقلاء فقال: {وما يسطرون *} أي قلم القدرة، وجمعه وأجراه مجرى أولي العلم للتعظيم لأنه فعل أفعالهم، أو الأقلام على إرادة الجنس، ويجوز أن يكون الإسناد إلى الكاتبين به لما دل عليهم من ذكره، إما الملائكة إن كان المراد ما كتب في الكتاب المبين واللوح المحفوظ وغيره مما يكتبونه، وإما كل من يكتب منهم ومن غيرهم حتى أصحاب الصحيفة الظالمة التي تقاسموا فيها على أن يقاطعوا بني هاشم ومن لافهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعون به ما شاؤوا، وكيف ما كان فهو إشارة إلى المقدر لأنه إنما يسطر ما قضى به وحكم. ولما كان المخاطب بهذا صلى الله عليه وسلم قد عاشر المرسل إليهم دهراً طويلاً وزمناً مديداً أربعين سنة وهو أعلاهم قدراً وأطهرهم خلائق وأمتنهم عقلاً وأحكمهم رأياً وأرأفهم وأرفعهم عن شوائب الأدناس همة وأزكاهم نفساً بحيث إنه لا يدعى بينهم إلا بالأمين ولم يتجدد له شيء يستحق به أن يصفوه بسببه بالجنون الذي ينشأ عنه الضلال عن المقاصد المذكور آخر الملك في قوله{أية : فستعلمون من هو في ضلال مبين}تفسير : [الملك: 29] إلا النعمة التي ما نال أحد قط مثلها في دهر من الدهور ولا عصر من الأعصار، قال مجيباً هذا القسم العظيم راداً عليهم بأجلى ما يكون وأدله على المراد تأنيساً له صلى الله عليه وسلم مما أوجب افتراؤهم عليه له من الوحشة وشرحاً لصدره وتهدئة لسره: { ما أنت} أي يا أعلى المتأهلين لخطابنا {بنعمة} أي بسبب إنعام {ربك} المربي لك بمثل تلك الهمم العالية والسجايا الكاملة بأن خصك بالقرآن الذي هو جامع لكل علم وحكمة، وأكد النفي زيادة في شرفه صل الله عليه وسلم فقال: {بمجنون *} أي بل الذي وصفك بهذا هو الحقيق باسم الجنون ومعناه فضلاً عن الضلال الذي ردد في آخر تلك بينك وبينهم فيه سلوكاً لسبيل الإنصاف لينظروا في تلك بالأدلة فيعلموا ضلالهم وهدايتك بالدليل القطعي بالنظر في الآثار المظهرة لذلك غاية الإظهار، فنفى عنه صلى الله عليه وسلم الشقاوة التي سببها فساد العقل فثبتت السعادة التي سببها صلاح العقل ونعمة الرب له. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة الملك من عظيم البراهين ما يعجز العقول عن استيفاء الاعتبار ببعضه كالاعتبار بخلق السماوات في قوله تعالى{أية : الذي خلق سبع سماوات طباقاً}تفسير : [الملك 3] أي يطابق بعضها بعضاً من طابق النعل - إذا خصفها طبقاً على طبق، ويشعر هذا بتساويها في مساحة أقطارها ومقادير أجرامها - والله أعلم، ووقع الوصف بالمصدر يشعر باستحكام مطابقة بعضها لبعض إنباء منه سبحانه وتعالى أنها من عظم أجرامها وتباعد أقطارها يطابق بعضها بعضاً من غير زيادة ولا نقص{أية : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}تفسير : [الملك: 3] أي من اختلاف واضطراب في الخلقة أو تناقض، إنما هي مستوية مستقيمة، وجيء بالظاهر في قوله تعالى{أية : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}تفسير : [الملك: 3] ولم يقل: ما ترى فيه من تفاوت - ليشعر أن جميع المخلوقات جار على هذا، كل شكل يناسب شكله، لا تفاوت في شيء من ذلك ولا اضطراب، فأعطى الظاهر من التعميم ما لم يكن يعطيه الإضمار كما أشعر خصوص اسم الرحمن بما في هذ الأدلة المبسوطة من الرحمة للخلائق لمن رزق الاعتبار، ثم نبه تعالى على ما يرفع الريب ويزيح الإشكال في ذلك فقال:{أية : فارجع البصر}تفسير : [الملك: 3] أي عاود الاعتبار وتأمل ما تشاهده من هذه المخلوقات حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة ولا يبقى معك في ذلك شبهة{أية : هل ترى من فطور}تفسير : [الملك: 3] أي من صدوع وشقوق، ثم أمر تعالى بتكرير البصر فيهن متصفحاً ومتمتعاً هل تجد عيباً أو خللاً {أية : ينقلب إليك البصر خاسئاً}تفسير : [الملك: 4] أي إنك إذا فعلت هذا رجع بصرك بعيداً عن إصابة الملتمس كأنه يطرد عن ذلك طرداً بالصغار وبالإعياء وبالكلال لطول الإجابة والترديد، وأمر برجوع البصر ليكون في ذلك استجمامه واستعداده حتى لا يقع بالرجعة الأولى التي يمكن فيها الغفلة والذهول إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة إذ معنى التثنية في قوله "كرتين" التكرير كقولهم: لبيك وسعديك فيحسر البصر من طول التكرار ولا يعثر على شيء من فطور، فلو لم تنطو السورة على غير ما وقع من أوله إلى هنا لكان في ذلك أعظم معتبر، وأوضح دليل لمن استبصر، إذ هذا الاعتبار بما ذكر من عمومه جار في كل المخلوقات ولا يستقل بفهم مجاريه إلا آحاد من العقلاء بعد التحريك والتنبيه، فشهادته بنبوة الآتي به قائمة واضحة، ثم قد تكررت في السورة دلالات كقوله{أية : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح}تفسير : [الملك: 5] وقوله {أية : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}تفسير : [الملك: 14] الآيات إلى آخر السورة، وأدناها كاف في الاعتبار فأنى يصدر بعض عن متصف ببعض ما هزئوا به في قولهم: مجنون وساحر وشاعر وكذاب،{أية : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}تفسير : [المطففين: 14] فلعظيم ما انطوت عليه سورة الملك من البراهين اتبعت بتنزيه الآتي بها محمد صلى الله عليه وسلم عما تقوله المبطلون مقسماً على ذلك زيادة في التعظيم، تأكياً في التعزير والتكرير فقال تعالى {ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون} [القلم: 1،2] وأنى يصح من مجنون تصور بعض تلك البراهين قد انقطعت دونها أنظار العقلاء فكيف ببسطها وإيضاحها في نسق موجز، ونظم معجز، وتلاؤم يبهر العقول، وعبارة تفوق كل مقول، تعرف ولا تدرك، وتستوضح سبلها فلا تسلك{أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله}تفسير : [الإسراء: 88] فقوله سبحانه وتعالى {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} [القلم: 2] جواباً لقوله تعالى في آخر السورة إنه لمجنون، وتقدم الجواب بنفي قولهم والتنزيه عنه على حكاية قولهم ليكون أبلغ في إجلاله صلى الله عليه وسلم وأخف وقعاً عليه وأبسط لحاله في تلقي ذلك منهم، ولهذا قدم مدحه صلى الله عليه وسلم بما خص به من الخلق العظيم، فكان هذا أوقع في الإجلال من تقديم قولهم ثم رده إذ كسر سورة تلك المقالة الشنعاء بتقديم التنزيه عنها أتم في الغرض وأكمل، ولا موضع أليق بذكر تنزيهه عليه الصلاة والسلام، ووصفه من الخلق والمنح الكريمة بما وصف مما أعقب به ذلك إذ بعض ما تضمنته سورة الملك بما تقدم الإيماء إليه شاهد قاطع لكل عاقل متصف بصحة نبوته صلى الله عليه وسلم وجليل صدقه{أية : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}تفسير : [النساء: 82] فقد تبين موقع هذه السورة هنا، وتلاؤم ما بعده من آيها يذكر في التفسير - انتهى. ولما نفى سبحانه عنه صلى الله عليه وسلم ما قالوه مما تواقحوا به، فثبت له صلى الله عليه وسلم كمال العقل، وكان المجنون من لا يكون له عمل ينتظم ولا قول يرتبط، فلا يستعمله أحد في شيء ليكون له عليه أجر، أثبت له الأجر المستلزم للعقل فيتحقق إثباته من أحكم الحكماء على وجه أبلغ مما لو صرح به، فقال على وجه التأكيد لإنكارهم له بما ادعوا فيه من البهت: {وإن لك} أي على ما تحملت من أثقال النبوة وعلى صبرك عليهم بما يرمونك به وهو تسلية له صلى الله عليه وسلم {لأجراً} ولما أثبت له ما يلازم العقل ويصلح لأن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة دالاً بتنوينه وما أفهمه السياق من مدحه صلى الله عليه وسلم على عظمته، وكان الأجر لا يستلزم الدوام، وقد يكون منغصاً بنوع منة قال: {غير ممنون *} أي مقطوع ولا منقوص في دنياك ولا في آخرتك ولا لأحد من الناس عليك به صنيع يمتن به بأن يذكره على سبيل اللوم والتقريع، فهذا بيان السعادة، والأجر لا يكون إلا على العمل الصالح، والعمل رشح الأخلاق، فصالحه نتيجة الأخلاق الحسنة والعقل الراجح. ولما ثبت بهذا العقل مع ما أفاده من الفضل، وكان الذي يؤجر قد يكون في أدنى رتب العقل، بين أنه صلى الله عليه وسلم في أعلاها بقوله مؤكداً لما مضى: {وإنك} وزاد في التأكيد لزيادتهم في المكابرة فقال: {لعلى خلق} ولما أفهم السياق التعظيم، صرح به فقال: {عظيم *} وهو الإسلام الذي دعا إليه القرآن لا بالبلاء ينحرف، ولا بالعطاء ينصرف، لأن خلقه - بشهادة أعرف الناس به زوجه أم المؤمنين الصديقة عائشة بنت الصديق أبي بكر رضي الله عنهما - القرآن، فلا يتحرك ولا يسكن إلا بأمره ونهيه، فهذا الخلق نتيجة الهدى والهدى نتيجة العقل، وهو سبب السعادة، فأفهم ذلك عدم سعادتهم لعدم عقولهم، وقال الواسطي: أظهر الله قدرته في عيسى عليه السلام ونفاذه في آصف، وسخطه وقهره في عصى موسى عليه الصلاة والسلام وأطهر أخلاقه ونعوته في محمد صلى الله عليه وسلم فكان متخلقاً بأخلاق الله تعالى والتخلق بأخلاقه أن ينزه علمه عن الجهل وجوده عن البخل وعدله عن الظلم وحلمه عن السفه، واعلم أن الخلق والخلق صورتان: الخلق صورة الظاهر، والخلق صورة الباطن؛ فتناسب الأعضاء الظاهرة يعبر به عن الخلق الحسن، وتناسب المعاني الباطنة يعبر به عن الخلق الحسن، ثم الخلق الحسن تارة مع الله، وتارة مع حكم الله، وتارة مع الخلق، فمع الله بالتعظيم والإجلال ومع حكمه بالصبر في الضراء والبأساء والشكر في الرخاء والامتثال للأوامر والانزجار عن النواهي عن طيب قلب مسارعة وسماحة، وحسن الخلق مع الخلق بث النصفة في المعاملة وحسن المجاملة في العشرة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الخلق وعاء الدين، لأن من الخلق يخرج الدين، وهو الخضوع والخشوع وبذل النفس لله واحتمال المكروه ". تفسير : ولما كان الإسلام أشرف الأديان، أعطاه الله تعالى أقوى الأخلاق وأشرفها وهو الحياء كما روي أن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء، ومن الحياء حياة القلب، فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ العفو ويأمر بالعرف ويعرض عن الجاهلين ولا يجزي بالسيئة السيئة لكن يعفو ويصفح ويحسن مع ذلك ويجذب بردته حتى يؤثر في عنقه فيلتفت وهو يضحك ويقضي حاجة الجاذب ويحسن إليه، فقد اشتمل الكلام التدبيري المشار إليه بالنون والقضاء الكلي التأثيري المشار إليه بالقلم والقدر المبرم التفصيلي الواقع على وقف القضاء المشار إليه بالسطر، ومثال ذلك أن من أراد بناء دولاب احتاج أولاً إلى مهندس يدبر له بعلمه موضع البئر والمدار وموضع المحلة وموضع السهم وموضع الجداول، ونحو ذلك وهو الحكم التدبيري، ثانياً إلى صانع يحفر البئر ويبني ونجار يركب الأخشاب على وفق حكمة المهندس، وهو القضاء التأثيري، وثالثاً إلى إقامة الثور في موضعه ودوران المحلة بما عليها من القواديس وجري الماء في الجداول على وفق القضاء وهو القدر، ويحتاج رابعاً وخامساً إلى بيان انقسام المقدر له إلى شقي وسعيد، فالحكم باطن وهو سر من أسراره سبحانه وتعالى - سبحان من لا يعلم قدره غيره. ولما أقسم سبحانه على نفي ما بهتوه به ودل على ما وهبه من كمال العقل وتمام الشرف والنبل تصريحاً وتلويحاً فثبت غاية الثبات بأخبار العالم الحكيم، دل عليه بالمشاهدة على وجه هو من أعلام النبوة للحكم على المستقبل فقال مسبباً عن صادق هذا الإخبار: {فستبصر} أي ستعلم يا أعلى الخلق وأشرفهم وأكملهم عن قريب بوعد لا خلف فيه علماً أنت في تحققه كالمبصر بالحسن الباصر {ويبصرون *} أي يعلم الذين رموك بالبهتان علماً هو كذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوي الكتاب وارتفع القلم، وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النور فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس {ن والقلم وما يسطرون} . وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أول ما خلق الله القلم والحوت قال: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ {ن والقلم وما يسطرون} فالنون الحوت والقلم القلم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : {ن والقلم وما يسطرون} قال: لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. وأخرج الرافعي في تاريخ قزوين من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : النون اللوح المحفوظ والقلم من نور ساطع ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب قال: وما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل أو أثر أو رزق، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وذلك قوله: {ن والقلم وما يسطرون} ثم ختم على في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق الله العقل، فقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما {ن والقلم} قال: ن الدواة والقلم القلم. وأخرج عن ابن عباس قوله: {ن} أشباه هذا قسم الله، وهي من أسماء الله. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة والحسن في قوله: {ن} قالا: الدواة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {ن} قال: هو الحوت الذي عليه الأرض. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الحوت الذي تحت الأرض السابعة، والقلم الذي كتب به الذكر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، وخلق النون، وهي الدواة، وخلق اللوح، فكتب فيه، ثم خلق السموات، فكتب ما يكون من حينئذ في الدنيا إلى أن تكون الساعة من خلق مخلوق أو عمل معمول بر أو فجور، وكل رزق حلال أو حرام رطب أو يابس. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: القلم نعمة من الله عظيمة لولا القلم ما قام دين ولم يصلح عيش، والله أعلم بما يصلح خلقه. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: {ن والقلم وما يسطرون} قال: خلق الله القلم فقال: أجره فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق الحوت وهو النون، فكبس عليها الأرض ثم قال: {ن والقلم وما يسطرون} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {ن والقلم} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : النون السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره ونفعه وضره {وما يسطرون} قال: الكرام الكاتبون ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: {وما يسطرون} قال: وما يكتبون. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وما يسطرون} قال: وما يعملون. قوله تعالى: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} الآية. أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إنه لمجنون به شيطان، فنزلت {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {وإن لك لأجراً غير ممنون} قال: غير محسوب. قوله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} . أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى {وإنك لعلى خلق عظيم} . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت يا أم المؤمنين: أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن {وإنك لعلى خلق عظيم} . وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه. وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: أتيت عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي عبدالله الجدلي قال: قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. وأخرج ابن مردويه عن زينب بنت يزيد بن وسق قالت: كنت عند عائشة إذ جاءها نساء أهل الشام، فقلن يا أم المؤمنين: أخبرينا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن وكان أشد الناس حياء من العواتق في خدرها. وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي في قوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} قال: على أدب القرآن. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {وإنك لعلى خلق عظيم} قال: القرآن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} قال: الدين. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك {وإنك لعلى خلق عظيم} قال: الإِسلام. واخرج عبد بن حميد عن ابن ابزى وسعيد بن جبير قالا: على دين عظيم. وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثابت عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سنة ما قال لي قط ألا فعلت هذا أو لم فعلت هذا. قال ثابت: فقلت يا أبا حمزة إنه كما قال الله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} . وأخرج الخرائطي عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شيء يوماً من الأيام فإن لامني لائم قال: دعوه فإنه لو قضى شيء لكان. وأخرج ابن سعد عن ميمونة قالت:حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب، فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له، فقال: "أقسمت عليك إلا فتحت لي" فقلت له: تذهب إلى أزواجك في ليلتي قال: "ما فعلت، ولكن وجدت حقناً من بولي" . تفسير : قوله تعالى: {فستبصر ويبصرون} الآيات. أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {فستبصر ويبصرون} قال: تعلم ويعلمون يوم القيامة {بأيكم المفتون} قال: الشيطان كانوا يقولون: إنه شيطان إنه مجنون. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: {فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون} يقول: يتبين لكم المفتون. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون} يقول: بأيكم المجنون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير وابن أبزى {بأيكم المفتون} بأيكم المجنون. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {بأيكم المفتون} قال: بأيكم المجنون. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {بأيكم المفتون} قال: المجنون. وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء {بأيكم المفتون} قال: الشيطان. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة {بأيكم المفتون} قال: أيكم أولى بالشيطان. وأخرج ابن المنذر عن الحسن {فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون} قال: أيكم أولى بالشيطان فكانوا أولى بالشيطان منه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ودوا لو تدهن فيدهنون} قال: لو ترخص لهم فيرخصون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {ودوا لو تدهن فيدهنون} يقول: لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {ودوا لو تدهن فيدهنون} قال: ودوا لو يدهن نبي الله عن هذا الأمر فيدهنوا عنه. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {ودوا لو تدهن فيدهنون} قال: لو تكفر فيكفرون.
ابو السعود
تفسير : مكية، وآيُها ثنتان وخمسون {ن} بالسُّكُونِ على الوقفِ، وقُرِىءَ بالكسرِ، وبالفتحِ، لالتقاءِ الساكنينِ، ويجوزُ أن يكونَ الفتحُ بإضمارِ حرفِ القسمِ في موضعِ الجرِّ كقولِهِم الله لأفعلنَّ بالجرِّ وأن يكونَ ذلكَ نصباً بإضمارِ أذكُرْ لا فتحاً كما سبقَ في فاتحةِ سُورةِ البقرةِ. وامتناعُ الصرفِ للتعريفِ والتأنيثِ على أنَّهُ علمٌ للسورةِ ثُمَّ إنْ جُعلَ إسماً للحرفِ مسروداً على نمطِ التعديدِ للتحدِّي بأحدِ الطريقينِ المذكورينِ في موقِعِه أو إسماً للسورةِ منصوباً على الوجهِ المذكورِ أو مرفوعاً على أنه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ فالواوُ في قولِهِ تعالَى: {وَٱلْقَلَمِ} للقسمِ، وإنْ جُعلَ مقسماً بهِ فهي للعطفِ عليهِ، وأيَّاً ما كانَ فإنْ أُريدَ بهِ قلمُ اللوحِ والكرامِ الكاتبـينَ، فاستحقاقُهُ للإعظامِ بالإقسامِ بهِ ظاهرٌ، وإنْ أُريدَ بهِ الجنسُ، فاستحقاقُ ما في أيدي النَّاسِ لذلكَ لكثرةِ منافعِهِ ولو لم يكُنْ له مزيةٌ سوى كونِهِ آلةً لتحريرِ كتبِ الله عزَّ قائلاً لكَفَى بهِ فضلاً موجباً لتعظيمِهِ. وقُرِىءَ بإدغامِ النونِ في الواوِ. {وَمَا يَسْطُرُونَ} الضميرُ لأصحابِ القلمِ المدلول عليهم بذكره، وقيل للقلم على أن المراد به أصحابه، كأنه قيل وأصحاب القلم ومسطوراتِهِم، على أنَّ ما موصولةٌ أو سطرِهِم على أنَّها مصدريةٌ، وقيلَ للقلمِ نفسِهِ بإسنادِ الفعلِ إلى الآلةِ وإجرائِهِ مَجْرَى العقلاءِ لإقامتِهِ مقامَهُم، وقيلَ المرادُ بالقلمِ ما خُطَّ في اللوحِ خاصَّةً، والجمعُ للتعظيمِ. وقولُهُ تعالَى: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ} جوابُ القسمِ، والباءُ متعلقةٌ بمضمرٍ هو حالٌ من الضميرِ في خبرِهَا والعاملُ فيها مَعْنَى النَّفي كأنَّه قيلَ أنتَ بريءٌ من الجنونِ ملتبساً بنعمةِ الله التي هيَ النبوةُ والرياسةُ العامةُ والتعرضُ لوصفِ الربوبـيةِ المنبئةِ عن التبليغِ إلى معارجِ الكمالِ مع الإضافةِ إلى ضميرِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإيذانِ بأنَّه تعالَى يُتمُّ نعمتَهُ عليهِ ويبلغُه من العلوِّ إلى غايةٍ لا غايةَ وراءَهَا والمرادُ تنزيهُهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عمَّا كانُوا ينسبونَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إليهِ من الجنونِ حَسَداً وعداوةً ومكابرةً مع جزمِهِم بأنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غايةِ الغاياتِ القاصيةِ ونهايةِ النهاياتِ النائيةِ من حَصانةِ العقلِ ورَزَانَةِ الرأيِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}[1] قال: النون اسم من أسماء الله تعالى، إذا جمعت بين أوائل السور: "الر" و "حم" و "ن" فهو اسم الرحمن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: النون الدواة التي كتب الذكر منها، والقلم الذي كتب به الذكر الحكيم. {وَمَا يَسْطُرُونَ}[1]، ما تكتبه الحفظة من أعمال بني آدم. وقال عمر بن واصل: وما يسطرون، أي: وما تولى الله لعباده من الكتابة التي فيها منافع الخلق ومصالح العباد والبلاد.
السلمي
تفسير : قال سهل: النون اسم من أسماء الله وذلك أنه إذا جمعت أوائل هذه الثلاث سور {الۤر} و {حـمۤ} و {نۤ} يكون الرحمن. وروى عن ابن عباس أنه قال: النون الدواة التى كتب بها الذكر وما يسطرون وما كتب الذكر فى اللوح المحفوظ من الشقاوة والسعادة. وقيل: وما يسطرون من الخط الذى تولى الله تعليمه لعباده. قال جعفر: نون الأزلية الذى اخترع منه الأنوار كلها فجعل ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم فلذلك قيل له: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الآية: 4] أى على النور الذى خصصت به فى الأزل. وقال بعضهم: النون نون القدرة وقلم القضاء وما يسطرون الملائكة الكرام الكاتبون.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}. {نۤ} قيل: الحوت الذي على ظهره الكون، ويقال: هي الدواة. ويقال: مفتاح اسمه ناصر واسمه نور. ويقال: إنه أقسم بنُصْرَة الله تعالى لعبادِه المؤمنين. وأقسم بالقلم - وجوابُ القسم قولُه: {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ}. ما أوجب لصدره من الوحشة من قول الأعداء عنه: إنه مجنون، أزاله عنه بنفيه، ومحقَّقاً ذلك بالقَسَم عليه... وهذه سُنَّةُ الله تعالى مع رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فما يقوله الأعداءُ فيه يردُّه - سبحانه - عليهم بخطابه وعنه ينفيه. {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ}: أي غير منقوص...لمَّا سَمَتْ هِمَّتُه صلى الله عليه وسلم عن طلب الأعواض أثبت اللَّهُ له الأجر، فقال له: {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} - وإنْ كُنْتَ لا تريده. ومن ذلك الأَجْر العظيم هذا الخُلُق، فأنت لستَ تريد الأجْرَ - وبِنَا لَسْتَ تريد؛ فلولا أنْ خَصَصْناكَ بهذا التحرُّر لكنتَ كأمثالِك في أنهم في أسْرِ الأعواض. قوله جلّ ذكره: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. كما عرَّفَه اللَّهُ سبحانه أخبارَ مَنْ قبْلَه من الأنبياء عرَّفه أنه اجتمعت فيه متفرقاتُ أخلاقهم فقال له: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. ويقال: إنه عَرَضَ مفاتيحَ الأرضِ فلم يقبلْها، ورقّاه ليلةَ المعراج، وأراه جميع المملكة والجنة فلم يلتفت إليها، قال تعالى: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17] فما التفت يميناً ولا شمالاً، ولهذا قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}.. ويقال: (على خلق عظيم): لا بالبلاءِ تنحرف، ولا بالعطاءِ تنصِرف؛ احتمل صلوات الله عليه في الأذى شَجَّ رأسِه وثَغْرِه، وكان يقول: "حديث : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"تفسير : . وغداً كلٌّ يقول: نفسي نفسي وهو صلوات الله عليه يقول: "حديث : أمتي أمتي "تفسير : . ويقال: عَلّمه محاسنَ الأخلاق بقوله: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 199]. سأل صلواتُ الله عليه جبريل: "حديث : بماذا يأمرني ربي؟ قال: يأمرك بمحاسن الأخلاق؛ يقول لك: صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وأعْطِ مَنْ حَرَمك واعفُ عَمَّن ظَلَمَك"تفسير : فتأدَّبَ بهذا؛ فأثنى عليه وقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}.
البقلي
تفسير : اى بنون صفتى وقلم فعلى وما يسطرون من احرف مقاديرى على الواح وايضا النون هو الذات والقلم والصفات وما يسطرون من الافعال على الواح التقدير وهى تستطرها بين الكاف والنون من العدم على الواح الارادة وايضا النون نور وجهة الذى يظهر يوم الشهود به يسعى جميع العارفين والعاشقين الى الابد وايضا نور عنايته السابقة فى الازل فى اصطفائية الانبياء والاولياء وايضا اى بنيران قلوب المحبين ونور فواد المشتاقين ونصرتى للانبياء والمرسلين والاولياء والصديقين وايضا اى بنظرى على قلوب احبائى ونظر اسرارهم الى لقائى وايضا اى بنوادر انوار صفاتى وبقلم افعالى الذى يجرى على الواح اسرار العارفين وما يسطرون الارواح القدسية من مخاطباتى فى اوراق اسرارها وايضا اى بالنون الذى جعلت فى بطنها حجال معراج يونس وايضا اى نيرات ملكوتى ونادرات عجائب جبروتى وايضا اى بنور القران والعلم الذى كتبته فى اللوح المحفوظ فى اول الاول وما ينتسخون منه سفرتى وكرام بررتى وايضا اى ابتدائى فى اول اوليتى من القدم الى العدم السماع اسرار الارواح القدسية الملكوتية التى خرجت من العدم بكشف نور القدم ونداء الازل وندائى للقلم حين قلت بعد وجدته اكتب ما هو كائن الى الابد بهذا القبم النورى وما يسطرون اهل قربى من خطابى اى بهذه الاقسام المباركة يا حبيبى يا قرة عيون العارفين وبنون حاجيك وقلم لسانك ولوح وجهك وما يسطرون كتبته انوار تجلاتى من عجائب سأكشف جمالى فى جمالك لنظار هلال جلالك وجمالك.
اسماعيل حقي
تفسير : {ن} اى هذه سورة ن او بحق ن وهى هذه السورة اقسم الله بها على سبيل التأكيد فى اثبات الحكم على ما عليه عادة الخلق مع ما فيه من بيان عظم شأن المقسم به والا فكما انه تعالى لا يليق القسم بشانه العالى فكذا لا يصح لغيره ان يكون مقسما به والنون حرف واحد فى الكتابة وثلاثة احرف فى التلفظ وقد قال عليه السلام "حديث : من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله به حسنة والحسنة بعشر امثالها لا اقول الم حرف بل الف حرف ولام حرف وميم حرفتفسير : أراد عليه السلام بالحرف ما يتهجى به فيرجى أن يعطى الله بلفظ ن ثلاثين حسنة لانه مشتمل على التلفظ على نونين بينهما واو وقال بعضهم هو مفتاح اسم النور والناصرأ وقسم بنصرة الله المؤمنين اعتبارا بقوله تعالى {أية : وكان حقا علينا نصر المؤمنين}تفسير : وقال سهل قدس سره النون اسم من اسماء الله تعالى وذلك انه اذا اجتمعت اوائل هذه السور الثلاث الر وحم ون يكون الرحمن وقيل فيه انه اسم من اسماء النبى عليه السلام كما فى التكملة لعل هذه القائل أشار الى قوله عليه السلام حديث : اول ما خلق الله نورىتفسير : فيكون النور اسمه عليه السلام فان قلت فيلزم التكرار لان القلم ايضا من اسمائه كما قال اول ما خلق الله القلم قلت التغاير فى العنوان بمنزلة التغاير فى الذات فسمى عليه السلام باعتبار نورانيته نورا وباعتبار انه صاحب القلم قلما كما سمى خالد بن وليد رضى الله عنه سيف الله المسلول لكونه صاحب سيف وقال بعضهم هو لوح من نور أو اسم نهر فى الجنة (وفى المفردات) النون الحوت العظيم ولذا قال عكرمة فى الآية اقسم الله بالحوت الذى لطخ سهم نمرود بدمه لان نمرود لما رمى السهم نحو السماء عاد السهم مختضبا بدم سمكة فى بحر معلق فى الهوآء فأكرم الله ذلك الحوت بأن اقسم به واحل جنسه من غير ذكاة فانه لا يحل الا ميتتان السمك والجراد وفى معناهما ما يستحيل من الاطعمة كدود الفتاح والجبن فان الاحتراز عنهما غير ممكن فاما اذا افردت واكلت فحكمها حكم الذباب والخنفساء والعقرب وكل ما ليس له نفس سائلة ولا سبب فى تحريمه الاستقذار ولو لم يكن لكان لا يكره وان وجد شخص لا يستقذره لا يلتفت الى خصوص طبعه فانه التحق بالخبائت لعموم الاستقذار فيكره اكله كما لو جمع المخاط وشربه كره كما فى الاحياء يقال لو أريد به معنى الحوت كانت المناسبة بين المتعاطفين كما فى ما بين كم الخليفة والف باذنجانه. يقول الفقير المناسبة بينهما خفية لا يدركها الا اهل الحقائق وهى ان كبد الحوت غذآء اهل الجنة قبل كل شئ فيجدون بعد اكله حياة ابدية فى ابدانهم كما ان القلم يكتب به من العلوم ما فيه حياة باقية لارواحهم ولذا سمى جبريل روحا لانه كان يجيئ بالوحى الذى هو سبب لحياة القلوب والارواح فيكون ن والقلم كالماء والعلم ولا شك فى ثبوت المناسبة التامة بينهما فالقياس الذى ذكره القائل باطل وقائل الباطل جاهل وقال بعضهم هو اسم الحوت الذى احتبس يونس عليه السلام فى بطنه ولذا سماه الله تعالى ذا النون وقال بعضهم هو الحوت الذى على ظهره الارض وهو فى بحر تحت الارض السفلى اسمه ليوثا او يهموت بالياء المثناة التحتانية وفى عين المعانى ليوثا او برهوت كما قال على رضى الله عنه شعر : مالى اراكم كلكم سكوتا واله ربى خلق البرهوتا تفسير : (روى) ان الله تعالى لما خلق الارض كانت تتكفأ كما تتكفأ السفينة اى تضطرب وتميل فبعث الله ملكا فهبط حتى دخل تحت الارض فوضعها على كاهله وهو كصاحب ما بين الكتفين ثم اخرج يديه احداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب ثم قبض على الارضين السبع فضبطها فاستقرت فلم يكن لقدمى الملك قرار فأهبط الله ثورا من الجنة له اربعون ألف قرن واربعون الف قائمة فجعل قرار قدمى الملك على سنامه فلم تستقر قدماه على سنامه فبعث الله ياقوتة خضرآء من الجنة غلظها مسيرة كذا الف عام فوضعها على سنام الثور فاستقرت عليها قدما الملك وقرون الثور خارجة من اقطار الارض مشبكة الى تحت العرش ومنخر الثور فى ثقبين من تلك الياقوته الخضرآء تحت البحر فهو يتنفس فى اليوم نفسين فاذا تنفس مد البحر واذا رد النفس جزر البحر وهو ضد مد ولم يكن لقوآئمه قرار فخلق الله كمكاما من الرمل كغلظ سبع سموات وسبع ارضين فاستقر عليه قوآئم الثور ثم لم يكن للمكمكام مستقر فخلق الله حوتا يقال له برهو فوضع الكمكام على وبر الحوت والوبر الجناح الذى يكون فى وسط ظهره وذلك مزمزم بسلسلة من القدرة كغلظ السموات والارض مرار وانتهى ابليس لعنه الله الى ذلك الحوت فقال له ما خلق الله خلقا اعظم منك فلم لا تزيل الدنيا عن ظهرك فهم بشئ من ذلك فسلط الله عليه بقة فى انفه فشغلته وفى رواية بعث الله دابة فدخلت منخره فوصلت الى دماغه فعج الحوت الى الله تعالى منها فاذن لها فخرجت قال كعب فوالله الذى نفسى بيده انه لينظر اليها وانها لتنظر اليه ان هم بشئ من ذلك عادت كما كانت قبل وانبت الله من تلك الياقوته جبل قاف وهو من زمرده وله رأس ووجه واسنان وانبت من جبل قاف الجبال الشواهق كما نبت الشجر من عروق الشجر وزعم وهب ان الحوت والثور يبتلعان من مياه الارض فى البحار فلذلك لا يؤثر فى البحار زيادة فاذا امتلأت اجوافهما من المياءه قامت القيامة وزعم قوم ان الارض على الماء والماء على الصخرة على سنام الثور والثور على كمكام من الرمل متلبدا والكمكام على ظهر الحوت والحوت على الريح العقيم الريح على حجاب من ظلمة والظلمة على الثرى وقد انتهى علم الخلائق الى الثرى ولا يعلم ما ورآء ذلك احد الا الله الذى له ما فى السموات وما فى الارض وما بينهما وما تحت الثرى وهذه الاخبار مما تزيد المرء بصيرة فى دينه وتعظيما لقدرة ربه وتحيرا فى عجائب خلقه فان صحت فما خلقها على الصانع القدير بعزيز وان تكن من اختراع اهل الكتاب وتنميق القصاص فكلها تمثيل وتشبيه ليس بمنكر كذا فى خريدة العجائب (وقال فى كشف الاسرار) بعض مفسران كفتند ما هيست برآب زير هفت طبقه زمين ما هى از كرانئ بار زمين خم درخم كرديد برمثل نون شدشكم بآب فروبرده وسارز مشرق برآورده وذنب از مغرب وخواست كه ازكران بارى بنالد جبريل بانك بروى زد جنان بترسيدكه كران بارئ زمين فراموش كرد وتا بقيامت نياردكه بجنبد ما هى جون بار برداشت ونناليد رب العالمين او را دو تشريف داديكى آنكه بد وقسم ياد كرد محل قسم خداوند جهان كشت ديكر تشريف آنست كه كارد ازحلق او برداشت همه جانور انرا بكارد ذبح كنند واورا نكنند تا عالميان بدانندكه هركه بار كشد رنج او ضايع نكنند اى جوانمرد اكرماهى بار زمين كشيد بنده مؤمن بار امانت مولى كشيدكه وحملها الانسان ما هى كه بار زمين برداشت از كار درعقوبت ابمن كشت جه عجب كه اكر مؤمن بار امانت برداشت از كارد قطيعت ايمن كردد {والقلم} هو ما يكتب به والواو وللقسم على التقدير الاول وللعطف على الثانى والمراد قلم اللوح كما جاء فى الخبران اول ما خلق الله القلم ونظر اليه فانشق بنصفين ثم قال له اجر بما هو كائن الى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك من الآجال والاعمال والارزاق وهو القدر الذى يجب ان يؤمن بخيره وشره ثم ختم على القلم فلم ينطق ولا ينطق الى يوم القيامة وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والارض وبعدما خلق القلم خلق النون اى السمكة فدحا الارض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات واضطرب النون فمادت الارض فأثبتت بالجبال وان الجبال لتفخر على الارض الى يوم القيامة وقد عرفت المناسبة بين القلم وبين النون بمعنى السمكة وفى رواية الواحدى فى الوسيط اول جيزى كه خداى تعالى بيا فريد قلم بود بس نون را بيا فريدو آن دو اتست وقلم ازان دوات نوشت آنجه بود وهست وباشدوبرين تقدير خداى تعالى قسم فرمود بدوات بقلم اعلى كه از نورست كما فى تفسير الكاشفى. وفى القاموس النون من حروف الزيادة والدواة والحوت انتهى وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان المراد بالقلم قلم الكرام الكاتبين او جنس القلم اقسم بالله بالدواة والقلم لكثرة منافعهما وعظم فوآئدهما فان التفاهم بالنطق والبيان انما يكون بين الحاضرين واما بالنسبة الى من غاب وبعد من اهل عصر واحد ومن اهل الزمان الآتى فانما يكون بالكتابة كما قال بعضهم البيان اثنان بيان لسان وبيان بنان ومن فضل بيان البنان ان ما تثبته الاقلام باق على الايام وبيان اللسان تدرسه الاعوام ولو لم يكن للقلم مزية سوى كونه آلة لتحرير كتب الله لكفى به فضلا موجبا لتعظيمه ومن تعظيمه تعظيم برايته فتوضع حيث لا تطأها الاقدام والا اورثت الآلام وعن بعض الحكماء قوام امور الدين والدنيا بشيئين القلم والسيف والسيف تحت القلم لولا القلم لما قام دين ولا صلح عيش قال بعضهم. شعر : ان يخدم القلم السيف الذى خضعت له الرقاب ودانت خوفه الامم كذا قضى الله للاقلام مذبريت ان السيوف لها مذأرهفت خدم تفسير : وقال بعضهم شعر : اذا اقسم الابطال يوما بسيفهم وعدوه مما يجلب المجد والكرم كفى قلم الكتاب فخرا ورفعة مدى الدهران الله اقسم بالقلم تفسير : {وما يسطرون} ما موصولة والعائد محذوف والسطر الصف من الكتابة ومن الشجر المغروس ومن القوم الوقوف وسطر فلان كذا اى كتبه سطرا سطرا وضمير الجمع لاصحاب القلم المدلول عليه بذكره والمعنى بالفارسية وديكر سوكند ياد فرمود بآنجه اصحاب قلم از آسمانيان وزمنينيان مى نويسند از كتاب وكلام درتبيان از ابن هيضم رحمه الله نقل فرمودكه نون دهنست وقلم زبان وما يسطرون آنجه حفظه بربنده مى نويسند حق تعالى بدينها سوكند فرموده. قال بعض العارفين النون نون الذات والقلم قلم الصفات وما يسطرون هى الافعال والشؤون الالهية يكتبونها على لوح القدرة والارادة حرفا حرفا. يقول الفقير فيه اشارة الى ان نون الجمع الذاتى اى دواته وهو أصل كتاب الوجود الذى هو ام الكتاب سمى بالنون لكونه مجتمع مداد مواد نقوش العالم وان شئت قلت الى نون النقطة التى هى مرتبة الاحدية وقد كان الامام على رضى الله عنه يقول فى خطبته على رؤوس الاشهاد انا نقطة باء بسم الله الذى فرطتم فيه أنا القلم وأنا اللوح المحفوظ وانا العرش وأنا الكرسى وانا السموات السبع والارضون فاذا صحا وارتفع عنه تجلى الوحدة اثناء الخطبة يشرع معتذرا ويقر بعبوديته وضعفه وانقهاره تحت الاحكام الالهية وفى التأويلات النجمية يشير بكلمة ن الى العلم الاجمالى المندمج فى الاحدية الذاتية الجمعية وبالقلم الى العلم التفصيلى فى الوحدة الاسمائية وانما نسبنا الاجمالى الروحى الى ن والتفصيلى القلبى الى القلم لان هذه الدواة مشتملة بما فى بطنها على جميع الحروف المجردة والكلمات المركبة اشتمال النواة على الشجرة واندماج الشجرة المفصلة فى النواة المجملة فبالقلم يسطر على لوح القلب بالتفصيل كل ما هو فى ضمير الدواة بالاجمال فاذا فهمت المقصود فاعلم ان الله تعالى اقسم بعلمه الاجمالى الكائن فى الاحدية وبعلمه التفصيلى الثابت فى الواحدية وبالتحقيق أقسم بأحدية ذاته المطلقة وبواحدية اسمائه الجمعية اذ العلم من حيث هو عين ذاته واقسم اذا بكل ما سطر قلمه الكريم من دواته القديم من الحروف الالهية المجردة العلوية والكلمات الربانية المركبة السفلية انتهى كما قال بعض الكبار فى بيان حروف كتاب الوجود الظلى وكلماته وآياته وسوره ان الشؤون الغيبية حروفه العاليات والاعيان الثابتة العلمية كلماته التامات والحقائق الارواحية والمثالية آياته المتعاليات والصور الحسية العينية سورة الكاملات واما كتاب الوجود الحقيقى فحروفه المجردة الاسماء الذاتية الاحدية وكلماته الاسماء الصفاتية الواحدية وآياته الاسماء الافعاليته الواحدية وصوره الاسماء الاثارية المظهرية وكل منها كتاب مبين انتهى وهكذا قال بعض الكبار القلم علم التفصيل والنون علم الاجمال وتلك الحروف التى هى مظاهر تفصيل القلم مجملة فى مداد الدواة ولا تقبل التفصيل ما دامت فيها فاذا انتقل المداد منها الى القلم تفصلت الحروف به فى اللوح وتفصل العلم بها لا الى غاية واما الاجمال المعبر عنه بالنون فان النون فى الرقم نصف دآئرة محسوسة ونصف دآئرة معقولة تشعر نقطتها فى الوسط بكونه مراد التتميم الدآئرة الذاتية التى هى ظرف مداد الوجود ولذلك كان من الحروف الدورية عكسه كطرده فان النصف المحسوس ظرف مداد عالم الخلق والنف المعقول ظرف مداد عالم الامر والخط الفاصل بينهما وهو خط ألف قام بين تدوير النونين برزخ جامع وهو مستوى الصحف الالهية والكتب المتفرقة من حيطة الكتاب المحيط بالمحيطات المقول فيه ما فر طنا فى الكتاب من شئ وهو كتاب ينطوى على العلوم الجمة المنطوى عليها ايضا مداد النون وتشتمل على مائة واربع عشرة سورة كما اشتمل النون على عدد يطابقها فان النونين والواو والالف الذى انتهى اليه اسم النون مائة وثلاثة عشر وكون مسماه حرفا واحدا متمم الرابعة عشر فاعلم ذلك فانه دقيق قل أن تجده فى كلام احد انتهى وقال القاشانى ن هو النفس الكلية والقلم هو العقل الكلى والاول من باب الكناية بالاكتفاءة من الكلمه باول حروفها والثانى من باب التشبيه اذ تنتقش فى النفس صور الموت جودات بتأثير العقلى كما تنتقش الصور فى اللوح بالقلم وما يسطرون من صور الاشياء وما هياتها واحوالها المقدرة على ما تقع عليه وفاعل ما يسطرون الكتبة من العقول المتوسطة والارواح المقدسة وان كان الكاتب فى الحقيقة هو الله تعالى لكن لما كان فى حضرة الاسماء نسب اليها مجازا اقسم بهما وبما يصدر عنهما من مبادى الوجود وصور التقدير الالهى وبمدأ امره ومخزن غيره لشرفهما وكونهما مشتملين على كل الوجود فى اول مرتبة التأثير والتأثر ولمناسبتهما للمقسم عليه وهو قوله {ما انت بنعمة ربك بمجنون} جواب القسم والباء متعلقة بمضمر هو حال من الضمير فى خبر ما وهو مجنون والعامل فيها معنى النفى والجنون حائل بين النفس والعقل وجن فلان اى أصابه الجن او اصاب جنانه او حيل بين نفسه وعقله فجن عقله ذلك كأنه قيل انتفى عنك الجنون يا محمد وأنت بريئ منه ملتبسا بنعمة الله التى هى النبوة والرياسة العامة والمراد تنزيهه عليه السلام عما كانوا بنسبونه عليه السلام اليه من الجنون حسدا وعداوة ومكابرة مع جزمهم بأنه عليه السلام فى غاية الغايات من حصافة العقل ورزانة الرأى قال ابوحيان قوله بنعمة ربك قسم اعترض به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة فى انتفاء الوصف الذميم عنه عليه السلام وذهب الى القسم ايضا حضرة الشيخ نجم الدين فى تأويلاته روى انه عليه السلام غاب عن خديجة رضى الله عنها الى حرآء فلم تجده فاذا هو قد طلع ووجهه متغير بلا غبار فقال له مالك فذكر نزول جبرآئيل عليه السلام وانه قال له اقرأ باسم ربك فهو اول ما نزل من القرءآن قال ثم نزل بى الى قرار الارض فتوضأ وتوضات ثم صلى وصليت معه ركعتين وقال هكذا الصلاة يا محمد فذكر عليه السلام ذلك لخديجة فذهبت خديجة الى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها وكان قد حالف دين قريش ودخل فى النصرانية فسألته قال ارسلنى الى محمد فأرسلته فأتاه فقال هل امرك جبرآئيل ان تدعو احد فقال لا فقال والله لئن بقيت الى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا ثم مات قبل دعاء الرسول عليه السلام ووقعت تلك الواقعة فى ألسنة كفار قريش فقالوا انه مجنون فأقسم الله تعالى على انه ليس بمجنون وهو خمس آيات من اول هذه السورة قال ابن عباس رضى الله عنهما اول ما نزل قوله سبح اسم ربك وهذه الآية هى الثانية وفى التأويلات النجمية ما انت بنعمة ربك بمستور عما كان من الازل وما سيكون الى الأبد لان الجن هو الستر وما سمى الجن جنا الا لاستتاره من الانس بل انت عالم بما كان خبير بما سيكون ويدل على احاطة علمه قوله عليه السلام فوضع كفه على كتفى فوجدت بردها بين ثديى فعلمت ما كان وما سيكون قال الامام القشيرى قدس سره فى شرح الاسماء الحسنى نصرة الحق لعبده اتم من نصرة العبد لنفسه قال تعالى لنبيه عليه السلام ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون ثم انظر بما ذا سلاه وبأى شئ خفيف عليه تحمل اثقال الأذى حيث قال فسبح بحمد ربك يعنى اذا تأذيت بسماع السوءة فيك منهم فاسترح بروح ثنائك علينا ولذة التنزيه والذكر لنا فان ذلك يريحك ويشغلك عنهم ثم انه عليه السلام لما قبل هذه النصيحة وامتثل بأمر ربه تولى نصرته والرد عنه فلما قيل انه مجنون اقسم على نفى ذلك بقوله ن والقلم الخ تحقيقا لتنزيهه لما اشتغل عنهم بتنزيه ربه ثم عاب الله القادح فيه بالجنون بعشر خصال ذميمة بقوله {أية : ولا تطع كل حلاف مهين}تفسير : الى قوله {أية : اساطير الاولين}تفسير : وكان رد الله عنه وذبه اتم من رده عن نفسه حيث كان من جملة القرءآن باقيا على الألسنة الى يوم القيامة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {نۤ}، هو من جملة الرموز، كـ{ص} و {ق}، وكأنه ـ والله أعلم ـ يُشير إلى ما خصّ به نبيَّه من أسرار النبوة والخلافة، أي: نبأناك ونبَّهناك ونوّبناك خليفة عنا، أو نوّهنا بك في مُلكنا وملكوتنا، أو: أيها النبي المفخّم، والرسول المعظّم، وحق نون والقلم ما أنت بمجنون. وقيل: مختصر من نور وناصر ونصير، وقيل: من الرحمن، لكن ورد في الحديث: "حديث : أول ما خلق اللهُ القلم، ثم خَلَقَ النون"تفسير : ، وهو الدواة، وذلك قوله: {ن والقلم} فإن صَحّ الحديث فهو أولى في تفسير الآية، وقد رُوي عن ابن عباس وغيره، في تفسير الآية: أنه الدواة والقلم الذي بأيدي الناس، ورُوي عن ابن عباس أيضاً: أنه الحوت الأعظم، الذي عليه الأرضون السبع. قال الكلبي ومقاتل: اسمه يهموت ـ بالياء ـ وقيل: ليُوثا، وقيل: باهوتا. رُوي: أنّ الله تعالى لمّا خلق الأرض وفَتَقَها، بعث مِن تحت العرش ملكاً، فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع، فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق، والأخرى بالمغرب، باسطتين، قابضتين على الأرضين السبع، فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله من الفردوس ثوراً، له أربعون ألف قرنٍ، وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم تستقر قدماه، فأهبط الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس، غلظها خمسمائة عام، فوضعها على سنام الثور إلى أذنه، فاستقرت قدما المَلك عليه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخاره في البحر، فهو يتنفس كل يوم نفساً، فإذا تنفّس مدَّ البحرُ، وإذا هدأ نَفَسُه جزرَ البحر، فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله صخرة خضراء، كغلظ سبع سموات وسبع أرضين، فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: {أية : فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ } تفسير : [لقمان:16] الآية، فلم تستقر الصخرة، فخلق الله نوناً ـ وهو الحوت العظيم ـ فوضع الصخرة على ظهره، وسائر جسده عارٍ، والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القدرة الأزلية، يُقلُّ الدنيا بما فيها حرفان "كن فيكون". هـ. من الثعلبي، وهذا من باب عالَم الحكمة، وإلاّ فما ثَمَّ إلا تجليات الحق وأسرار الذات، والصفات الأزلية. وتفسير {ن} بهذا الحوت ضعيف. قال ابن جزي: ويُبطل قول مَن قال: إنه الحوت أو الدواة، بأنه لو كان كذلك لكان مُعرباً، ولَكَان في آخره تنوين، فكونه موقوفاً دليل على أنه حرف هجاء، نحو: {الـۤم} وغيره. هـ. ثم أقسم بالقلم، فقال: {والقلم وما يسطرون}، قيل: هو القلم الذي كتب اللوح المحفوظ، فالضمير في {يسطرون} للملائكة، وقيل: القلم المعروف عند الناس، أقسم له بِما فيه من المنافع والحِكم. قال ابن الهيثم: من جلالة القلم أنه لم يكتب الله كتاباً إلا به، ولذلك أقسم به. الأقلام مطايا الفِطن ورسل الكرام، وقيل: البيان اثنان: بيان لسان، وبيان بَنَان، ومِن فضل بيان البنان أنَّ ما تبيَّنته الأقلام باق على الأيام، وبيان اللسان تدْرُسه الأعوام، ولبعض الحكماء: قِوام أمور الدين والدنيا: القلم، والسيف تحت القلم. وأنشد بعضهم في هذا المعنى: شعر : قَلَمٌ مِنَ القَصَبِ الضَّعيف الأجْوفِ أَمضَى من الرُّمْح الطويل الأهيَفِ ومِن النِّصال إذا انْبَرَتْ لِقسِيِّها ومِن المُهَنَّد في الصِّقـال المُـرْهَـفِ وأَشَـدُّ إِقدَامـاً من الليْـثِ الـذي يَكْوِي القُلوبَ إذا بدا في الموقِفِ تفسير : وقال آخر: شعر : قَوْمٌ إذا عَرَفوا عَداوةَ حَاسِدٍ سَفَـكُـوا الـدِّمَـا بأَسِـنَّـةِ الأَقْـلامِ ولَضَرْبَةٌ مِـن كـاتـبٍ بِبَنَـانِـهِ أَمْضَـى وأَبْـلَـغُ من رقيـق حُسَـامِ تفسير : فالضمير في {يَسْطُرون} على هذا لبني آدم، فالضمير يعود على الكتبة المفهومة من القلم اللازمة له. ثم ذكر المقسَم عليه، فقال: {ما أنت بنعمةِ ربك بمجنونٍ} أي: ليس بك جنون كما يزعمه الكفرة، فـ(بنعمة ربك): اعتراض بين "ما" وخبرها، كما تقول: أنت بحمد الله فاضل، وقيل: المجرور في موضع الحال، والعامل فيه معنى النفي، كأنه قيل: أنت بريء من الجنون، ملتبساً بنعمة ربك، التي هي النبوة والرسالة. والتعبير بعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى معاريج الكمال، مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه السلام والإيذان بأنه تعالى يُتم نعمته عليه، ويُبلغه من العلو إلى غاية لا غاية وراءه، والمراد: تنزيهه عليه السلام عما كانوا ينسبونه من الجنون حسداً وعداوة ومكابرة، مع جزمهم بأنه صلى الله عليه وسلم في غاية الغايات القاصية، ونهاية النهايات الثابتة من حصافة العقل، ورزانة الرأي. {وإِنَّ لك} في مقابلةِ مقاساتك ألوان الشدائد من جهتهم، وتحمُّلك لأعباء الرسالة {لأجراً} عظيماً لا يُقادَر قدره {غيرَ ممنونٍ}؛ غير مقطوع، أو: غير ممنون به عليك من جهة الناس، بأن أعطاه تعالى لك بلا واسطة. {وإنك لعلى خُلُقِ عظيم} لا يُدْرِك شأوَه أحدٌ مِن الخلق، ولذلك تَحْتَمِل من جهتهم ما لا يحتمله أحد من البشر. وسُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلقة صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خُلقه القرأن، ألست تقرأ القرآن: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ...}تفسير : [المؤمنون:1] الآية. وقيل: المراد: التأدُّب بآداب القرآن، بامتثال أمره واجتناب نهيه. قال ابن جُزي: وتفصيل ذلك: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جمع كل فضيلة، وحاز كل خصلة جميلة، فمن ذلك: شرف النسب، ووفور العقل، وكثرة العلم والعبادة، وشدة الحياء، والسخاء، والصدْق، والشجاعة، والصبر، والشكر، والمروءة، والتوءدة، والاقتصاد، والزهد، والتواضع، والشفقة، والعدل، والعفو، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، وحُسن المعاشرة، وحسن التدبير، وفصاحة اللسان، وقوة الحواس، وحسن الصورة، وغير ذلك، حسبما ورد في أخباره وسِيرَه صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال: " حديث : بُعثت لأتمم مكارمَ الأخلاق" تفسير : ، قال الجنيد: سُمي خُلقه عظيماً؛ لأنه لم تكن له همة سوى الله عزّ وجل. هـ. والخُلق: السجية والطبع. قال في القاموس: الخُلْق بالضم وبضمتين: السجية، والطبع، والمروءة والدين. هـ. وعرَّف بعضهم حقيقة الخُلق، فقال: مَلكة للنفس، تصدر عنها الأفعال بسهولة، من غير فكر ولا رَوية، فخرج الصبر؛ لأنه بصُعوبة، والفكرة؛ لأنها تكون بروية، ثم ينظر في تلك الأفعال الصادرة عن تلك المَلكة؛ فإن كانت سيئة، كالغضب، والعَجَلة، والكِبر، والفظاظة، والغلظة، والقسوة، والبُخل، والجُبن، وغير ذلك من القبائح، سُمي خُلقاً سيئاً، وإن كانت تلك الأفعال حسنة، كالعفو، والحلم، والجود، والصبر، والرحمة، ولين الجانب، وتحمل الأذى، سُمي خلقاً حسناً، الذي اتصف به صلى الله عليه سلم على أكمل الوجوه، ومَدَحه بقوله: "حديث : ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق يبلغ درجة الصائم القائم "تفسير : وبقوله: " حديث : أفضل ما أُعطي المرء الخلق الحسن" تفسير : في أحاديث كثيرة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد يُقال: أشار بقوله: {ن} إلى سرعة إنفاذ أمره بين الكاف والنون، ثم أقسم بالقلم على تنزيه نبيه من الجنون، ويُقال مثل ذلك لخلفائه، إذا رُمُوا بالجنون أو السحر أو سخافة العقل، ويُقال لهم في إرشاد الناس وتذكيرهم ما قيل لنبيّهم: {وإِنَّ لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم}، فحُسن الخلق دليل على ثبوت الخصوصية، وعدمه دليل على عدم وجودها؛ لأنّ الخمرة إذا دخلت القلب والروح هَذّبت أخلاقهما، وطهّرت أكدارهما، وما تُبقي إلاَّ الذهب الإبريز. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن العارف: كان صلى الله عليه وسلم على خُلقٍ عظيم؛ لشرح صدره بالنور، كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }تفسير : [الشرح:1]، ولحديث شرح صدره وشقه وتطهيره، ونزع حظ الشيطان منه، ثم إفراغ الحكمة والنور فيه، حتى مُلىء بذلك، فكان شيئاً محضاً لله تعالى، لا تعلُّق له بغيره، فناسب القرأن، وصار خُلقاً له، منقوشاَ فيه، من غير روية، ولا تكسب في ذلك، بل طُبع على ذلك، وسرى فيه أمر الوحي، وجرى على مقتضاه في جميع أحواله، ولذلك تجد السُنة مشرعة من القرآن، وخارجة منه خروج اللبن من الضرع، والزبد من اللبن، فصار متخلّقاً بالقرآن، وفي الحقيقة متخلّقاً بخُلق الله، ومظهرَ أوصافه، ومجلاة سره وشأنه، {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللهَ }تفسير : [الفتح:10] الآية، ومَن رآه فقد رأى الحق. والله أعلم. هـ. فعائشة رضي الله عنها احتشمت وسترت حيث عبّرت بالقرآن، ولم تقل كان خلقه خلق الرحمن. ثم ردّ عليهم نسبة الجنون لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ الكسائي وابو بكر عن عاصم {ن والقلم} بالاخفاء. الباقون بالاظهار. والاظهار اقوى، لان النية بها الوقف إذ هي حرف هجاء. ويجوز ادغام النون الثانية في الواو المقارنة على قياس (من واقد) ولم يقرأ به احد. وقرأ {آن كان ذا مال} بهمزة واحدة ممدودة يعقوب وابو جعفر وابن عامر - وبهمزتين - حمزة وابو بكر، الباقون بهمزة واحدة. واختلفوا في معنى (ن) فى هذا الموضع. فقال قوم: هو اسم من أسماء السورة مثل (حم، والم وص، وق) وما اشبه ذلك. وهو الذى قلنا إنه اقوى الأقوال. وقال ابن عباس - فى رواية عنه - إن النون الحوت الذى عليه الارضون. وفي رواية أخرى عنه إن النون الدواة. وهو قول الحسن وقتادة، وروي في خبر عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال:حديث : (نون) لوح من نورتفسير : . وقال قوم: تقديره ورب نون والقلم. والقلم آلة مبرية للكتابة. والمقلمة وعاء القلم، وجمعه أقلام، ومنه قلامة الظفر، لانه يؤخذ منه كالأخذ بالقط. وانجرّ القلم بالقسم. وقوله {وما يسطرون} (ما) في موضع جر بالعطف على {والقلم} وكان القسم بالقلم وما يسطر بالقلم، ويجوز ان تكون (ما) مصدرية، وتقديره: ن والقلم وسطركم، فيكون القسم بالكتابة، وعلى الأول بالمكتوب والسطر الكتابة، وهو وضع الحروف على خط مستقيم: سطر يسطر سطراً إذا كتب، وأسطر إذا كتب. وجمع السطر سطور واسطار، قال رؤبة: شعر : اني وأسطار سطرن سطراً تفسير : والمسطرة آلة التسطير. وقوله {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} هو المحلوف عليه، وهو جواب القسم، ومعناه لست يا محمد بمجنون بنعمة ربك، كما تقول ما انت بنعمة ربك بجاهل، وجاز تقديم معمولها بعد الباء، لأنها زائدة مؤكدة في ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وتقديره انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، وإنما قال {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} مع ان الجنة قد تكون نعمة، لأن الجنة لا تكون نعمة من حيث هي جنة، وإنما تكون نعمة من حيث تؤدي إلى مصلحة في الدين. والعافية تكون نعمة من حيث هي عافية، فلهذا حسن ما أنت بنعمة ربك بمجنون والجنون غمور العقل بستره عن الادراك به بما يخرج عن حكم الصحيح، وأصله الستر من قوله {أية : جن عليه الليل}تفسير : إذا ستره. وقيل إن قوله {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} جواب لقول المشركين حين قالوا {أية : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}تفسير : فقال الله تعالى {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}. وقوله {وإن لك} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول له {وإن لك} يا محمد {لأجراً} أى ثواباً من الله على قيامك بالنبوة وتحملك بأعبائها {غير ممنون} أى غير مقطوع من قولهم منه السير يمنه مناً إذا قطعه، ويقال: ضعفت منتي عن السفر، ورجل منين أى ضعيف، ويجوز ان يكون المراد به إنه غير مكدر بالمن الذى يقطع عن لزوم الشكر، من قولهم: المنة تكدر الصنيعة. وقال الحسن: معناه لا يمن عليك بأجرك. ثم وصف النبي صلى الله عليه وآله فقال {وإنك} يا محمد {لعلى خلق عظيم} قال الحسن: على دين عظيم، وهو الاسلام. وقيل أدب القرآن. وقال المؤرج: معناه على دين عظيم بلغة قريش. وقالت عائشة: كانت خلق النبي صلى الله عليه وآله ما تضمنه العشر الاول من سورة {المؤمنون}، فالخلق المرور فى الفعل على عادة، فالخلق الكريم الصبر على الحق وسعة البذل، وتدبير الأمور على مقتضى العقل. وفي ذلك الرفق والأناة والحلم والمداراة. ومن وصفه الله بأنه على خلق عظيم فليس وراء مدحه مدح. وقيل: وإنك لعلى خلق عظيم بحكم القرآن وكل ذلك عطف على جواب القسم. وقوله {فستبصر ويبصرون} معناه فستعلم يا محمد يوم القيامة ويعلمون، يعني هؤلاء الكفار الذين يرمونك بالجنون تارة وبالكهانة أخرى {بأيكم المفتون} وقيل فى معناه قولان: احدهما - باي فرقكم المفتون بما يجري مجرى الجنون. والثاني - ان يكون معنى {بأيكم المفتون} كما يقال: ليس له معقول أي عقل وتقديره ستعلم ويعلمون بمن منكم الجنون، وقيل: معنى الباء (فى) وكأنه قال فى أيكم الجنون المفتون المبتلى بتخييل الرأي كالمجنون، وذلك كما يبتلى بشدة الهوى المجنون. فيقال: فتن فلان بفلانة، وعلى هذا المعنى قال ابن عباس: بايكم المجنون وقال قتادة: معناه أيكم اولى بالشيطان جعل الباء زائدة كما قال الراجز: شعر : نحن بنو جعدة اصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج تفسير : ومعناه ونرجوا الفرج. وقال مجاهد: معناه أيكم المفتون كأنه قال فى أيكم المفتون. ثم قال {إن ربك يا محمد هو أعلم بمن ضل عن سبيله} الذي هو سبيل الحق أى بمن عدل عنها وجار عن السلوك فيها {وهو أعلم بالمهتدين} أى بمن اهتدى اليها وعمل بموجبها. ثم نهى النبي صلى الله عليه وآله فقال له {فلا تطع المكذبين} بتوحيد الله والجاحدين لنبوتك ولا توافق ما يريدونه. وقوله {ودّوا لو تدهن فيدهنون} قال ابن عباس: معناه ودوا لو تكفر فيكفرون، وهو قول الضحاك، وفى رواية أخرى عن ابن عباس: إن معناه ود هؤلاء الكفار لو تلين في دينك، فيلينون في دينهم، فشبه التليين في الدين بتليين الدهن. وقيل: معناه ودوا لو تركن إلى عبادة الأوثان فيما لونك. والادهان الجريان في ظاهر الحال على المقاربة مع إضمار العداوة. وهو مثل النفاق. ورفع {فيدهنون} بالعطف على قوله {لو تدهن} ولم يجعله جواب التمني. ثم قال له صلى الله عليه وآله {ولا تطع} يا محمد {كل حلاف} أى من يقسم كثيراً بالكذب {مهين} يعني مكثار في الشر - في قول الحسن وقتادة - والمهين الوضيع باكثاره من القبيح، ومن عرف بأنه يحلف على الكذب، فهو مهين. وقال البلخي: المهين الفاجر - في هذا الموضع -. وقوله {هماز مشاء بنميم} أى وقاع في الناس بما ليس له أن يعيبهم به. والاصل فيه الدفع بشدة اعتماد، ومنه الهمزة حرف من حروف المعجم، وهي همزة تخرج من الصدر بشدة اعتماد، وقال ابن عباس: الهماز المغتاب. وقوله {مشاء بنميم} فالنميم التضريب بين الناس بنقل الكلام يغلظ لقلوب بعضهم على بعض ومنه النمام المشموم، لأنه يججد ريحه كالمخبر عن نفسه، والنميم والنميمة مصدران. وهو نقل الاحاديث بالتضريب: نم ينم نميماً ونميمة {مناع للخير} أى يمنع خيره ونفعه، فلا ينتفع أحد به {معتد} قال قتادة: معناه متجاوز للحد فى المعاملة {أثيم} أي آثم فهو (فعيل) بمعنى (فاعل) وهو الذي فعل ما يأثم به {عتل بعد ذلك} فالعتل الجافي الغليظ. ومنه قوله {أية : خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم}تفسير : أي اذهبوا به بعنف وغلظة يقال: عتله يعتله ويعتله عتلا إذا زعزعه بغلظ وجفاء. وقال ذو الاصبع: شعر : والدهر يغدو معتلا جذعاً تفسير : وقيل: العتل الفاحش اللئيم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله ذلك. و "الزنيم" الدعي وهو الملصق بالقوم، وليس منهم. وأصله الزنمة وهي الهينة التي تتحرك تحت حلق الجدى وقال حسان: شعر : وانت زنيم نيط فى آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد تفسير : و (بعد) ها هنا معناه (مع) وقال آخر شعر : زنيم ليس يعرف من أبوه بغي الأم ذو حسب لئيم تفسير : ويقال للتيس: زنيم له زنمتان، والزنيم الدعي - عن ابن عباس - وقيل: هو الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها. وقوله {أن كان ذا مال وبنين} من قرأ على الاستفهام، وهو حمزة وابو بكر عن عاصم أراد، ألان كان ذا مال وبنين؟! على وجه التوبيخ له {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} ويحتمل ان يكون المراد لأن كان ذا مال وبنين يطاع. وقيل: كان له ألف دينار وعشرة بنين {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} أي أحاديث الأولين التي سطرت وكتبت لا أصل لها وواحد الاساطير أسطورة - فى قول الزجاج. وقرأ حمزة وابو بكر عن عاصم {أأن كان ذا مال وبنين} بهمزتين. وقرأ ابن عامر بهمزة ممدودة. الباقون بهمزة واحدة. وقد فسرناه. فقال الله تعالى مهدداً له ومتوعداً {سنسمه على الخرطوم} أي سنعلم على أنفه علامة يعرف بها الملائكة انه من أهل النار، فالسمة العلامة المفرقة بالرؤية بين الأشياء المختلطة، كسمة الخيل إذا أرسلت فى المروج، وسمه يسمه وسماً وسمة، فهو موسوم. والخرطوم الانف، وهو الناتئ فى الوجه الذي يقع به الشم. ومنه خرطوم الفيل، وخرطمه إذا قطع أنفه وجعله خراطيم. وقال ابن عباس: معنى {سنسمه على الخرطوم} نحطمه بالسيف فى القتال، كما فعل بهم يوم بدر. وقال قتادة: معناه سنعلمه بشيء يبقى على الابد. وقال بعضهم معناه: سنسود وجهه فعبر عن الوجه بالخرطوم، لانه فيه. وقيل: نزلت هذه الآيات فى الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل: نزلت فى الأخنس بن شريق الثقفي، كانت به زنمة يعرف بها - ذكره ابن عباس -
الجنابذي
تفسير : {نۤ} روى عن الصّادق (ع) وامّا نۤ فهو نهرٌ فى الجنّة قال الله عزّ وجلّ: اجمد، فجمد، فصار مداداً ثمّ قال عزّ وجلّ للقلم: اكتب، فسطر القلم فى اللّوح المحفوظ ما كان وما هو كائن الى يوم القيامة فالمداد مداد من نورٍ والقلم قلمٌ من نورٍ، واللّوح لوحٌ من نورٍ، وبهذا المعنى مع اختلافٍ فى اللّفظ اخبارٌ كثيرةٌ، وقيل: المراد به الحوت الّذى عليه الارضون، وقيل: هو لوحٌ من نورٍ، وقيل: هو الدّواة، وقيل: هو مطلق الحوت فى البحر، وقيل: هو من اسماء السّورة، وقيل: هو من حروف اسم الرّحمن، وقيل: هو من أسماء محمّدٍ (ص) ولعلّك بعد ما سبق فى اوّل البقرة يسهل عليك التّوفيق بين هذه الاقوال؛ وتعلم انّ نۤ كناية عن مرتبةٍ من مراتب العالم وانّ محمّداً (ص) متّحد مع جميع مراتب العالم وانّ مراتب العالم مراتب سعة وجود الله تعالى، وانّ السّورة ظهور لتلك المرتبة {وَٱلْقَلَمِ} قيل: المراد به مطلق القلم، اقسم الله به لكثرة منافع الخلق به، اذ هو احد لسانى الانسان بل هو اشرف لسانيه لانّ لسانه لا يبلّغ ما فى جنانه الى من بعد منه زماناً او مكاناً، والقلم يبلّغ ما فى جنان الانسان الى الاباعد منه، والكلام يفنى من حينه ولو بقى اثره فى قلب السّامع لم يبق فى الاغلب الى آخر عمره، ولو بقى لم يبق بعده بخلاف كتاب القلم كما قيل: انّ البيان بيانان، بيان اللّسان وبيان البنان، وبيان اللّسان تدرسه الاعوام، وبيان الاقلام باقٍ على مرّ الايّام، وبالقلم يحفظ احكام الاديان وبه يستقيم امور العالمين كما قيل: انّ قوام الدّنيا بشيئين، القلم والسّيف، والسّيف تحت القلم، وقد قيل: شعر : ان يخدم القلَم السّيفُ الّذى خضعت له الرّقاب ودانت حذره الاممُ كذا قضى الله للاقلام مذ برئت انّ السّيوف لها مذ اُرهفت خدمٌ تفسير : وروى انّ المراد به القلم الاعلى الّذى سطر ما كان وما هو كائن وهو ملك من الملائكة {وَمَا يَسْطُرُونَ} اقسم بالمسطورات او بالملائكة الّذين يسطرون ما كان وما هو كائنٌ او الملائكة الّذين يسطرون احوال الارضيين، او كُتّاب الاعمال الّذين يسطرون اعمال بنى آدم، او النّاس الّذين يسطرون الكتب السّماويّة والاحكام الالهيّة والشّرائع الحقّة والفنون والصّناعات المعاشيّة والدّيون والمعاملات والمحاسبات الخلقيّة.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم الحسني [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما نزلت ولاية علي [عليه السلام. أ، ر] أقامه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:حديث : من كنت مولاه فعلي مولاهتفسير : . فقال رجل: لقد فتن بهذا الغلام، فأنزل الله تعالى: [{ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم. أ، ب] فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون}. فرات قال: حدثني عبد السلام بن مالك معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر]: {ن}: السمكة التى على ظهرها الأرضين وتحت الحوت الثور وتحت الثور الصخرة وتحت الصخرة الثرى وما يعلم تحت الثرى إلا الله [تعالى. ب] واسم السمكة ليواقن واسم الثور يهموث {والقلم} هو الذي يكتب به الذكر الحكيم الذي عند رب العالمين {وما يسطرون} يقول: يكتب الملائكة أعمال بني آدم {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} يقول: ما أنت بما أنعم الله عليك من النبوة والقرآن يا محمد بمجنون. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي حباب: أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: حديث : لما أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فرفعها وقال: [من كنت مولاه فعلي مولاه. قال] ناس من الناس إنّما فتن بابن عمه فنزلت الآية: {فستبصر و يبصرون بأيكم المفتون} . تفسير : فرات قال: حدثني علي بن حمدون [قال: حدثنا عباد عن رجل قال: أخبرنا زياد بن المنذر عن أبي عبد الله الجدلي.ش]: [عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه و: أ، ب] عن كعب بن عجرة حديث : قال ابن مسعود. غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه فدخلت المسجد والناس أحفل ما كانوا كأن على رؤوسهم الطير إذ أقبل علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ، ب] حتى سلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتغامز به بعض من كان عنده فنظر إليهم النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] فقال: ألا تسألون عن أفضلكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله.قال: أفضلكم علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ] أقدمكم إسلاماً وأوفركم إيماناً وأكثركم علماً وأرجحكم حلماً و أشدكم لله غضباً وأشدكم نكاية في الغزو والجهاد. فقال له بعض من حضر: يا رسول الله وإن علياً قد فضلنا بالخير كله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أجل هو عبد الله وأخو رسول الله فقد علمته علمي واستودعته سري وهو أميني على أمتي تفسير : . فقال بعض من حضر: لقد أفتن علي رسول الله حتى لا يرى به شيئاً. فأنزل الله الآية: {فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون}. فرات قال: حدثنا علي بن محمد بن مخلد الجعفي [معنعناً]: عن طاوس عن أبيه! قال: سمعت محمد بن علي عليهما السلام يقول: حديث : نزل جبرئيل [عليه السلام. أ، ر] على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعرفات يوم الجمعة فقال: يا محمد إن الله يقرؤك السلام ويقول [لك. أ، ب]: قل لأمتك: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام فذكر كلاماً فيه طول - فقال بعض المنافقين لبعض: ما ترون عينيه تدوران؟ - يعنون النبي - كأنه مجنون وقد افتتن بابن عمه ما باله رفع بضبعه لو قدر أن يجعله مثل كسرى وقيصر لفعل. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم [وبارك. ر]: بسم الله الرحمان الرحيم.- يعلم [ب: فعلم] الناس أن القرآن قد نزل عليه فأنصتوا فقرأ: {ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون} تفسير : يعني من قال من المنافقين {وإن لك لأجراً غير ممنون} بتبليغك ما بلغت في علي {وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون} قال: وهكذا نزلت. وذكر الحديث.
الأعقم
تفسير : {ن}، قيل: هو الحوت الذي عليه الأرضون، وقيل: هو حرف من حروف الرحمان، وقيل: النون: الدواة، وقيل: ن لوح من نور، وقيل: السورة، وقيل: قسم أقسم الله به {والقلم} الواو واو القسم قيل: أقسم بالقلم تنبيهاً على عظم شأنه لأنه أحد لساني الإِنسان يؤدي عنه، وقيل: أول ما خلق الله القلم يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقيل: هو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض، وقيل: أراد بالقلم الخط والكتابة من قوله: {علم بالقلم}، وقيل: أقسم برب القلم ورب نون {وما يسطرون} قيل: ما سطر في اللوح، وقيل: ما سطره الحفظة من أعمال العباد، وقيل: ما يكتبوا بنو آدم وغيرهم {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} هذا جواب القسم، يعني لا يكون مجنوناً من أنعمنا عليه بالنبوة والحكمة، ومتى قيل: كيف نسبوه إلى الجنون مع علمهم بكمال عقله؟ قلنا: إيهاماً على العوام، وقيل: ـــــ للنظر في حاله {وإن لك لأجراً غير ممنون} أي جزاء غير مقطوع وهو ثواب الجنة {وإنك} يا محمد {لعلى خلقٍ عظيم}، قيل: على دين عظيم وهو دين الاسلام، وسُئِلت عائشة عن خُلق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: كان خُلُقه القرآن {أية : خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين} تفسير : [الأعراف: 199] {فستبصر ويبصرون} وهذا وعيد، والمراد من رماه بالجنون {بأيَّكم المفتون} قيل: أيَّكم المجنون، وقيل: أولى بالشيطان {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} فيجازي كلا بما يستحقه {فلا تطع المكذبين} يعني الكفار، نزل قوله: {ودّوا لو تدهن} الآية في مشركي قريش حين دعوا إلى دين الآباء، قيل: ودوا لو تكفر فيكفرون، وقيل: تلين في دينك فيلينون.
الهواري
تفسير : تفسير سورة ن، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {نۤ والْقَلَمِ} ذكروا عن الحسن قال: نون: الدواة (والقلم) هذا القلم الذي يكتب به. وتفسير الكلبي: القلم الذي يكتب به الملائكة الذكر وأعمال العباد. قوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ} أي: وما يكتبون، يعني الملائكة {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}. ذكروا أن عليا قال: (الۤر) و (حمۤ) و (نۤ): الرحمن. وبعضهم يقول: (نۤ) الحوت الذي عليه قرار الأرض. أقسم بهذا كله للنبي عليه السلام {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} لقول المشركين إنه مجنون. ومقرأ العامة ن; بالوقف والإِسكان ووقع القسم على القلم وما يسطرون وبعضهم يجرّون ن والقلم وما يسطرون ويحمله كله على القسم. قال تعالى: {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً} أي: ثواباً، يعني الجنة {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: غير محسوب، في تفسير مجاهد: وتفسير الحسن: غير ممنون عليك منَّ أذى. قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ أي: لعلى دين عظيم، يعني الإٍسلام. ذكروا عن سعيد بن هشام عن عائشة قالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن. قالت: والقرآن فيه الدين.
اطفيش
تفسير : {نَ} من أسماء الحروف ويؤيده قراءته باسكان النون الثانية وكتبها بصورة الحروف، وقيل اسم السورة وغير ذلك من الخلاف في أوائل السور معنى واعرابا وقرىء بفتح النون الثانية وكسرها على حد مامر في ص، وقال ابن عباس: هو حرف من حروف الرحمن وأن هذا الاسم تفرق في أوائل سورة، ففي بعضها الراء وفي بعضها حـم وفي بعضها ن وقيل مفتاح اسمه ناصر ونصير، وقال: الحسن: الدواة ويؤيده ذكر القلم والظاهر انه وضع لغوي قال الشاعر: شعر : اذا ما الشوق رحبي اليهم القت النون بالدمع السجام تفسير : أي الدواة ويشكل عليه انه إن كان ينكره فأين الاعراب والتنوين او علم جنس أو شخص فأين الاعراب واين التنوين إن صرف نعم قرىء بفتح النون فلعل فتحة اعراب نصب أو جر مع منع الصرف فيهما على القسم بحرف مقدر أو النصب بفعل محذوف وعلى التنكير يكون المراد دواة مبهمة. وفي حديث رواه معاوية بن قرة أن ن لوح من نور وقيل: لوح من ذهب وقيل: نهر في الجنة وقيل: حوت، وفي هذه الاقوال مافي القول بالدواة. وعن مجاهد وابن عباس: ن هو الحوت الذي ظهره الاراضون اسمه البهموت، قال أول ماخلق الله القلم فجرى بما هو كائن ثم النون وهو الحوت، وفي عرايس القرآن اسمه لوتيا وكنيته بلهوت ولقبه بهموت وقيل اسمه لفوتان وقيل الارض على ثور اسمه ليوتا وهو على حوت اسمه بهموت. قال ابن الاعرابي: روى الوليد بن مسلم عن مالك عن موسى مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول؛ "حديث : أو ما خلق الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة وذلك قوله تعالى {نَ وَالقَلَمُ}"تفسير : وفي حديث صريح بمعنى النون ثم قال له اكتب قال: وما اكتب قال: ماكان وما هو كائن الى يوم القيامة ثم ختم فلا يكتب ثم خلق العقل فقال له منا خلقت خلقا أعجب منك وعزتي لأكلمنك فيمن أحببت ولأنقضنك فيمن أبغضت ثم قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أكمل الناس عقلا أطوعهم لله وأعلمهم بطاعته"تفسير : وقيل: اسم ذلك الحوت ليونا. وعن علي: بلهوت بسط الارض على ظهره فتحرك بها فأثبتها بالجبال فهي تفخر على الارض، وقيل: فتق الارض سبعا وأمر ملكا فحملهن واهبط له ثورا من جنة الفردوس له اربعون الف قرن واربعون الف قائمة وجعل قدمه على سنامه ولم يستقر ثم أتى بياقوته خضراء من أعلى درجات الفردوس غلظها خمسمائة سنة وجعلت بين سنام الثور وأذنه فاستقرت عليها قدماه وقرون الثور خارجه من أقطار الارض وهو كل يوم يتنفس تنفسا واحدا، اذا تنفس مد البحر، واذا رد نفسه زجر. وخلق للثور صخره كغلظ سبع سماوات وسبع أراضين وضع عليها أقدامه قيل وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه فتكن في صخرة وخلق لها الحوت المسمى نونا وهذا الحوت على البحر والبحر على الريح والريح على الظلمة والظلمة على القدرة. وعن كعب الاحبار: أن ابليس بلغ الحوت وقال له: لو نفضت ما على ظهرك لاسترحت فهم فبعث الله له دابة دخلت منخرة فوصلت الى دماغه فجع الى الله فأذن لها فخرجت فهو ينظر اليها وهي تنظر اليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت، وقيل تحت السابعة أرض من نار وخلق لايعلمه الا الله وبحر من تحتها نار وأرض من نار وبحر من نار وهكذا الى سبع أراضين من نار وسبعة أبحر من نار وتحت ذلك صخرة وتحتها ماء وتحته حوت وتحته ظلمة الهواء ولايعلم ما بعده الا الله، وقيل: الماسك للارض التي نحن عليها صخرة خضراء في كف ملك قائم على ظهر حوت منطو بالسماوات الى تحت العرش وبين الحوت والقلم مناسبة فان بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشد سوادا من المداد يكتب به وادغم الكساءي وابن عامر ويعقوب النون الثانية في الواو إجراء الواو المنفصل مجرى المتصل فان النون المسكن يدعم في حروف الفم. وقد روى ذلك عن نافع وعاصم في رواية أبي بكر عنه وروى أن ورشا وأبا بكر وابن عامر الكسائي يدغمون ويبقون الغنة. {وَالقَلَمِ} قال الحسن: والذي يكتب به الملائكة الذكر واعمال العباد وقيل الذي كتب به الكتابات في اللوح المحفوظ وهو من نور طوله ما بين السماء والارض انشق نصفين هيبة لله عز وجل فقال له: اجر بما هو كائن الى يوم القيامة فجرى فانما يجري الخلق على أمر فرغ منه وقيل: القلم جنس اقلامنا هذه أقسم بها لكثرة فوائدها فانها قوام الدنيا والاخرة فانها أخو اللسان وعضد الانسان ونعمة عامة. {وَمَايَسْطُرُونَ} أي ما يكتب الملائكة من خير وشر وما تكتبه الحفظة أو ما يكتبون من كتب الله أو ما يكتب الناس بأقلامهم نص عليه ابن عباس ويجوز عود الضمير للملائكة والناس ويجوز عودة القلم تعظيما له كما قيل أن الواو في رب ارجعون لله عز وجل واسناد للفعل الى الاله واجراء له مجرى العقلاء ويجوز كون ما موصولا اسميا وكونه موصولا حرفيا.
اطفيش
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ن} اسم لهذه السورة ثلاثى كتب منه حرف واحد وهو الحرف الأَخير منه لأَنه صورته فى الخط، وأُسقطت الأُولى والواو بعدها أو هو النون الأُولى لأَن الأُولى أولى بالثبوت والأَواخر أولى بالتغيير. أى هذه نون أى سورة تسمى فى اللوح المحفوظ نوناً أو هو الحوت كقوله تعالى: "أية : وذا النون " تفسير : [الأنبياء: 87] وهو حوت يسمى البهموت بفتح الموحدة وإِسكان الهاء، وقيل ليوتا، وقيل ليوثيا، وعن علي بلهوت، وزعموا عن كعب الأَحبار أن إِبليس وصل ذلك الحوت فقال ألق ما على ظهرك من الناس والجن والحيوان والشجر والدواب والجبال فهمت بذلك فأدخل دابة فى منخرها وضجت إِلى الله تعالى فأَخرجها فهى كلما أرادت الإِلقاء عادت الدابة، فهى تنظر إِليها، والله أعلم بصحة ذلك، وأيضا ذلك مبنى على أن الأَرض واحدة وهو لا يصح بل سبع بسط الله الأَرض على ظهره فتحرك وتحركت الأَرض ومدها الله بالجبال، وقيل الدواة وهو ضعيف غير راسخ فى العربية، وإِن صح فى لغة فهى ضعيفة وقوله: شعر : إِذا ما الشوق برح بى إِليهم ألقت النون بالدمع السجوم تفسير : أظنه مصنوعاً ويقال هو نهر فى الجنة، وقيل نون الرحمن فرقت حروفه فى الرحم، وقيل مفتاح ناصر ونصير، وقيل تنبيه عن أنه يوحى إِليه الآن كلام وإن جعل قسماً فالوان بعدها عاطفة أو غير قسم فالواو حرف قسم، كذا قيل وفيه أنها إِذا جعل قسماً والواو عاطفة لزم دخول حرف قسم عليه حتى يكون مجروراً عطف عليه مجرور وأين الجر فى نون، وأى اسم فى العربية معرب صحيح الآخر مسكن وصلاً ووقفاً، لا يعرف ذلك فى قراءة من القراءات، والحق عندى إِدغام النون فى الواو بغنه ولم تكتب شدة الواو لئلا يتوهم الإِدغام الصريح، بخلاف ما إِذا ضبط النون قبلها بوقفة فوقفتها دليل الغنة {وَالْقَلَمِ} جنس الأَقلام الكاتبين من الجن والإِنس والملائكة وقلم اللوح المحفوظ، اقسم الله تعالى به لكثرة منافع الكتابة إِذ كتبت كتب الله تعالى وسائر وحيه بالقلم وما نزل مكتوبا كتبه الناس أيضا، ويكتب به العلوم وسائر المنافع، وشمل أقلام الكرام الكاتبين وعظم شأن القلم فى اللوح المحفوظ وهو أول مخلوق بعد روح نبينا -صلى الله عليه وسلم- ونوره ولا آلة أنفع منه، وال للجنس، وقيل المراد أقلام الكرام الكاتبين، وقيل للعهد وهو قلم اللوح المحفوظ، وعن معاوية بن قرة مرفوعاً (ن) لوح من نور والقلم قلم من نور يجرى بما هو كائن إِلى يوم القيامة والسكون للوقف الجارى مجرى الوصل. {وَمَا يَسْطُرُونَ} الواو للكاتبين المدلول عليهم بالقلم، وما اسم أى يسطرونه أو حرف مصدر أى وسطرهم، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه وهو مطلق المكتوب أو الكتابة من حيث أنها صنعة خلقها أو مصنوع خلقه فله أن يقسم بأجسام الكافرين من حيث أنها مخلوقات له، وخلقه فعل عظيم، وقيل الواو ضمير القلم المراد به قلم اللوح المحفوظ عبر عنه بضمير جماعة الذكور تعظيماً له.
الالوسي
تفسير : {نۤ } بالسكون على الوقف. وقرأ الأكثرون بسكون النون وإدغامها في واو {وَٱلْقَلَمِ } بغنة عند بعض وبدونها عند آخرين، وقرىء بكسر النون، وقرأ ابن عباس وابن أبـي إسحٰق وعيسى بخلاف عنه بفتحها، وكل لالتقاء الساكنين، وجوز أن يكون الفتح بإضمار حرف القسم في موضع الجر كقولهم: الله لأفعلن بالجر وأن يكون ذلك نصباً بإضمار اذكر ونحوه لا فتحاً، وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث على أنه علم للسورة ثم إن جعل اسماً للحرف مسروداً على نمط التعديد للتحدي على ما اشتهر وبين في موضعه، أو اسماً للسورة، منصوباً على الوجه المذكور أو مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف فالواو في قوله تعالى {وَٱلْقَلَمِ} للقسم وإن جعل مقسماً به فهي للعطف عليه على الشائع. واختار السلف أن {نۤ} من المتشابه وغير واحد من الخلف أنه هنا من أسماء الحروف، وقالوا يؤيد ذلك أنه لو كان اسم جنس أو علماً لأعرب منوناً أو ممنوعاً من الصرف ولكتب كما يتلفظ به، وكون كتابته كما ترى لنية الوقف وإجراء الوصل مجراه خلاف الأصل وكون خط المصحف لا يقاس مسلم إلا أن الأصل إجراؤه على القياس ما أمكن. وقيل هو اسم لحوت عليه الأرض يقال له اليهموت بفتح الياء المثناة التحتية وسكون الهاء ففي حديث رواه الضياء في «المختارة» والحاكم وصححه وجمع عن ابن عباس: خلق الله تعالى النون فبسطت الأرض عليه فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالحبال ثم قرأ {ن وَٱلْقَلَمِ} الخ وروي ذلك عن مجاهد، وروي عن ابن عباس أيضاً والحسن وقتادة والضحاك أنه اسم للدواة وأنكر الزمخشري ورود النون بمعنى الدواة في اللغة أو في الاستعمال المعتد به. وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون لغة لبعض العرب أو لفظة أعجمية عربت وأنشد قول الشاعر: شعر : إذا ما الشوق برح بـي إليهم ألقت النون بالدمع السجوم تفسير : والأولون، منهم من فسر القلم بالذي خط في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة، ومنهم من فسره بقلم الملائكة الكرام الكاتبين، وال فيه على التفسيرين للعهد، والآخرون، منهم من فسره بالجنس على أن التعريف فيه جنسي، ومنهم وهم قليل من فسره بما تقدم أيضاً، لكن الظاهر من كلامهم أن الدواة ليست عبارة عن الدواة المعروفة بل هي دواة خلقت يوم خلق ذلك القلم. وعن معاوية بن قرة يرفعه أن نۤ لوح من نور والقلم قلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة. وعن جعفر الصادق أنه نهر من أنهار الجنة وفي «البحر» لعله لا يصح شيء من ذلك أي من جميع ما ذكر في نۤ ما عدا كونه اسماً من أسماء الحروف وكأنه إن كان مطلعاً على الروايات التي ذكرناها لم يعتبر تصحيح الحاكم فيما روى أولاً عن ابن عباس ولا كون أحد رواته الضياء في «المختارة» التي هي في الاعتبار قرينة من «الصحاح» ولا كثرة راويه عنه وهو الذي يغلب على الظن لكثرة الاختلاف فيما روي عنه في تعيين المراد به حتى أنه روي عنه أنه آخر حرف من حروف الرحمن وأن هذا الاسم الجليل فرق في الۤر وحـمۤ ونۤ ولا يخفى أنه إن أريد الحوت أو نهر في الجنة يصير الكلام من باب كم الخليفة وألف بادنجانة، وأما إن أريد الدواة فالتنكير آب عن ذلك أشد الإباء على أنه كما سمعت / عن الزمخشري لغة لم تثبت والرد عليه إنما يتأتى بإثبات ذلك عن الثقات وأنى به وذِكْرُ صاحب «القاموس» لا ينتهض حجة على أنه معنى لغوي وفي صحة الروايات كلام والبيت الذي أنشده ابن عطية لم يثبت عربياً وكونه بمعنى الحوت أطلق على الدواة مجازاً بعلاقة المشابهة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشد سواداً من النقس يكتب به لا يخفى ما فيه من السماجة فإن ذلك البعض لم يشتهر حتى يصح جعله مشبهاً به مع أنه لا دلالة للمنكر على ذلك الصنف بعينه وكونه بمعنى الحرف مجازاً عنها أدهى وأمر كذا قيل، وللبحث في البعض مجال وللقصاص [في] هذا الفصل روايات لا يعول عليها ولا ينبغي الإصغاء إليها. ثم إن استحقاق القلم للإعظام بالإقسام به إذا أريد به قلم اللوح الذي جاء في الأخبار أنه أول شيء خلقه الله تعالى أو قلم الكرام الكاتبين ظاهر، وأما استحقاق ما في أيدي الناس إذا أريد به الجنس لذلك فلكثرة منافعه ولو لم يكن له مزية سوى كونه آلة لتحرير كتب الله عز وجل لكفى به فضلاً موجباً لتعظيمه. والضمير في قوله سبحانه: {وَمَا يَسْطُرُونَ } أي يكتبون إما للقلم مراداً به قلم اللوح وعبر عنه بضمير الجمع تعظيماً له، أو له مراداً به جنس ما به الخط فضمير الجمع لتعدده لكنه ليس بكاتب حقيقة بل هو آلة للكاتب فالإسناد إليه إسناد إلى الآلة مجازاً والتعبير عنه بضمير العقلاء لقيامه مقامهم وجعله فاعلاً أو للكتبة أو الحفظة المفهومين من القلم أو لهم باعتبار أنه أريد بالقلم أصحابه تجوزاً أو بتقدير مضاف معه ولا يخفى ما هو الأوجه من ذلك وأما كونه لما وهي بمعنى من فتكلف بارد والظاهر فيها أنها إما موصولة أي والذي يسطرونه أو مصدرية أي وسطرهم.
سيد قطب
تفسير : لا يمكن تحديد التاريخ الذي نزلت فيه هذه السورة سواء مطلعها أو جملتها. كما أنه لا يمكن الجزم بأن مطلعها قد نزل أولاً، وأن سائرها نزل أخيراً ـ ولا حتى ترجيح هذا الاحتمال. لأن مطلع السورة وختامها يتحدثان عن أمر واحد، وهو تطاول الذين كفروا على شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ وقولهم: إنه مجنون! والروايات التي تقول: إن هذه السورة هي الثانية في النزول بعد سورة العلق كثيرة، ومن المتفق عليه في ترتيب المصاحف المختلفة أنها هي السورة الثانية؛ ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها يجعلنا نرجح غير هذا. حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة، التي جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية، في الوقت الذي أخذت فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها، فتقول عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلك القولة الفاجرة؛ وأخذ القرآن يردها وينفيها، ويهدد المناهضين للدعوة، ذلك التهديد الوارد في السورة. واحتمال أن مطلع السورة نزل مبكراً وحده بعد مطلع سورة العلق. وأن الجنون المنفي فيه: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}.. جاء بمناسبة ما كان يتخوفه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على نفسه في أول الوحي، من أن يكون ذلك جنوناً أصابه.. هذا الاحتمال ضعيف. لأن هذا التخوف ذاته على هذا النحو ليست فيه رواية محققه، ولأن سياق السورة المتماسك يدل على أن هذا النفي ينصب على ما جاء في آخرها من قوله تعالى: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون: إنه لمجنون}.. فهذا هو الأمر الذي افتتح السورة بنفيه، كما يتبادر إلى الذهن عند قراءة السورة المتماسكة الحلقات. كذلك ذكرت بعض الروايات أن في السورة آيات مدنية من الآية السابعة عشرة إلى نهاية الآية الثالثة والثلاثين. وهي الآيات التي ذكرت قصة أصحاب الجنة وابتلاءهم، والآيات من الثانية والأربعين إلى نهاية الخمسين وهي التي تشير إلى قصة صاحب الحوت.. ونحن نستبعد هذا كذلك. ونعتقد أن السورة كلها مكية. لأن طابع هذه الآيات عميق في مكيته. وهو أنسب شيء لأن يجيء في سياق السورة عند نزولها متسقاً مع الموضوع ومع الحالة التي تعالجها. والذي نرجحه بشأن السورة كلها أنها ليست الثانية في ترتيب النزول؛ وأنها نزلت بعد فترة من البعثة النبوية بعد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدعوة العامة. وبعد قول الله تعالى له: {أية : وأنذر عشيرتك الأقربين}.تفسير : وبعد نزول طائفة من القرآن فيها شيء من قصص الأولين وأخبارهم، التي قال عنها قائلهم: {أساطير الأولين}.. وبعدما أصبحت قريش مدعوة إلى الإسلام كافة، وأصبحت تدفع هذه الدعوة بالاتهامات الباطلة والحرب العنيفة التي اقتضت تلك الحملة العنيفة الواردة في السورة على المكذبين، والتهديد القاصم في أولها وفي آخرها على السواء.. والمشهد الأخير في السورة يوحي بهذا كذلك: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون: إنه لمجنون}.. فهو مشهد دعوة عامة لمجموعة كبيرة. ولم يكن الأمر كذلك في أول الدعوة. إنما كانت الدعوة توجه إلى أفراد. بوسيلة فردية. ولا تلقى إلى الذين كفروا وهم متجمعون. ولم يقع شيء من هذا ـ كما تقول الروايات الراجحة ـ إلا بعد ثلاث سنوات من بدء الدعوة. والسورة تشير إلى شيء من عروض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم ـ للالتقاء في منتصف الطريق، والتهادن على تراض في القضية التي يختلفون عليها وهي قضية العقيدة: {ودوا لو تدهن فيدهنون}.. وظاهر أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية، ولا خطر منها. إنما تكون بعد ظهورها، وشعور المشركين بخطرها. وهكذا تتضافر الشواهد على أن هذه السورة نزلت متأخرة عن أيام الدعوة الأولى. وأن هناك ثلاث سنوات على الأقل ـ قابلة للزيادة ـ بين بدء الدعوة وبين وقت نزولها. ولا يعقل أن ثلاث سنوات مرت لم يتنزل فيها قرآن. والطبيعي أن تكون هناك سور كثيرة، وأجزاء من سور قد نزلت في هذه الفترة، تتحدث عن ذات العقيدة بدون مهاجمة عنيفة للمكذبين بها كالوارد في هذه السورة منذ مطلعها. ولكن هذا لا ينفي أن تكون هذه السورة وسورتا المدثر والمزمل قد نزلت في الفترة الأولى من الدعوة. وإن لم يكن ذلك أول ما نزل كما هو وارد في المصاحف، للأسباب التي أوردناها هنا. وهي تكاد تنطبق كذلك على سورتي المزمل والمدثر. لقد كانت هذه الغرسة ـ غرسة العقيدة الإسلامية ـ تودع في الأرض لأول مرة في صورتها الرفيعة المجردة الناصعة. وكانت غريبة على حس الجاهلية السائدة، لا في الجزيرة العربية وحدها بل كذلك في أنحاء الأرض جميعاً. وكانت النقلة عظيمة بين الصورة الباهتة المحرفة المشوهة من ملة إبراهيم التي يستمسك بخيوط حائلة منها مشركو قريش، ويلصقون بها الترهات والأساطير والأباطيل السائدة عندهم، وبين الصورة الباهرة العظيمة المستقيمة الواضحة البسيطة الشاملة المحيطة التي جاءهم بها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ متفقة في أصولها مع الحنيفية الأولى ـ دين إبراهيم عليه السلام ـ وبالغة نهاية الكمال الذي يناسب كونها الرسالة الأخيرة للأرض، الباقية لتخاطب الرشد العقلي في البشرية إلى آخر الزمان. وكانت النقلة عظيمة بين الشرك بالله وتعدد الأرباب، وعبادة الملائكة وتماثيلها، والتعبد للجن وأرواحها، وسائر هذه التصورات المضطربة المفككة التي تتألف منها العقيدة الجاهلية.. وبين الصورة الباهرة التي يرسمها القرآن للذات الإلهية الواحدة وعظمتها وقدرتها، وتعلق إرادتها بكل مخلوق. كذلك كانت النقلة عظيمة بين الطبقية السائدة في الجزيرة، والكهانة السائدة في ديانتها، واختصاص طبقات بالذات بالسيادة والشرف وسدانة الكعبة والقيام بينها وبين العرب الآخرين.. وبين البساطة والمساواة أمام الله والاتصال المباشر بينه وبين عباده كما جاء بها القرآن. ومثلها كانت النقلة بين الأخلاق السائدة في الجاهلية والأخلاق التي جاء القرآن يبشر بها، وجاء محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو إليها ويمثلها. وكانت هذه النقلة وحدها كافية للتصادم بين العقيدة الجديدة وبين قريش ومعتقداتها وأخلاقها. ولكن هذه لم تكن وحدها. فقد كان إلى جانبها اعتبارات ـ ربما كانت أضخم في تقدير قريش من العقيدة ذاتها ـ على ضخامتها. كانت هناك الاعتبارات الاجتماعية التي دعت بعضهم أن يقول كما حكى عنهم القرآن الكريم: {أية : لولا نزل هـذا القرآن على رجل من القريتين عظيم!}..تفسير : والقريتان هما مكة والطائف. فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع شرف نسبه، وأنه في الذؤابة من قريش، لم تكن له مشيخه فيهم ولا رياسة قبل البعثة. بينما كان هناك مشيخة قريش ومشيخة ثقيف وغيرهما، في بيئة تجعل للمشيخة والرياسة القبلية كل الاعتبار. فلم يكن من السهل الانقياد خلف محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من هؤلاء المشيخة! وكانت هناك الاعتبارات العائلية التي تجعل رجلاً كأبي جهل (عمرو بن هشام) يأبى أن يسلم بالحق الذي يواجهه بقوة في الرسالة الإسلامية، لأن نبيها من بني عبد مناف.. وذلك كما ورد في قصته مع الأخنس بن شريق وأبي سفيان بن حرب، حين خرجوا ثلاث ليال يستمعون القرآن خفية، وهم في كل ليلة يتواعدون على عدم العودة خيفة أن يراهم الناس فيقع في نفوسهم شيء. فلما سأل الأخنس بن شريق أبا جهل رأيه فيما سمع من محمد كان جوابه: "ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا. حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه!". وكانت هناك اعتبارات أخرى نفعية وطبقية ونفسية من ركام الجاهلية في المشاعر والتصورات والأوضاع كلها تحاول قتل تلك الغرسة الجديدة في مغرسها بكل وسيلة قبل أن تثبت جذورها وتتعمق، وقبل أن تمتد فروعها وتتشابك. وبخاصة بعد أن تجاوزت دور الدعوة الفردية؛ وأمر الله تعالى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجهر بالدعوة؛ وأخذت معالم الدعوة الجديدة تبرز، كما أخذ القرآن يتنزل بتسفيه عقيدة الشرك وما وراءها من الآلهة المدعاة والتصورات المنحرفة والتقاليد الباطلة. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولو أنه نبي، ولو أنه يتلقى من ربه الوحي، ولو أنه يتصل بالملأ الأعلى.. هو بشر، تخالجه مشاعر البشر. وكان يتلقى هذه المقاومة العنيفة، وتلك الحرب التي شنها عليه المشركون، ويعاني وقعها العنيف الأليم، هو والحفنة القليلة التي آمنت به على كره من المشركين. وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسمع والمؤمنون به يسمعون، ما كان يتقوله عليه المشركون، ويتطاولون به على شخصه الكريم، {ويقولون: إنه لمجنون}.. ولم تكن هذه إلا واحدة من السخريات الكثيرة، التي حكاها القرآن في السور الأخرى؛ والتي كانت توجه إلى شخصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلى الذين آمنوا معه. وغير الأذى كان يصيب الكثيرين منهم على أيدي أقربائهم الأقربين! والسخرية والاستهزاء ـ مع الضعف والقلة ـ مؤذيان أشد الإيذاء للنفس البشرية، ولو كانت هي نفس رسول. ومن ثم نرى في السور المكية ـ كسور هذا الجزء ـ أن الله كأنما يحتضن ـ سبحانه ـ رسوله والحفنة المؤمنة معه، ويواسيه ويسري عنه، ويثني عليه وعلى المؤمنين. ويبرز العنصر الأخلاقي الذي يتمثل في هذه الدعوة وفي نبيها الكريم. وينفي ما يقوله المتقولون عنه، ويطمئن قلوب المستضعفين بأنه هو يتولى عنهم أعدائهم، ويعفيهم من التفكير في أمر هؤلاء الأعداء الأقوياء الأغنياء! ونجد من هذا في سورة القلم مثل قوله تعالى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {ن. والقلم وما يسطرون. مآ أنت بنعمة ربك بمجنون. وإن لك لأجراً غير ممنون. وإنك لعلى خلق عظيم}.. وقوله تعالى عن المؤمنين: {إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم. أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ ما لكم؟ كيف تحكمون؟!}.. ويقول عن أحد أعداء النبي البارزين: {ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشآء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم. أن كان ذا مال وبنين. إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين. سنسمه على الخرطوم!}.. ثم يقول عن حرب المكذبين عامة: {فذرني ومن يكذب بهـذا الحديث. سنستدرجهم من حيث لا يعلمون.؟ وأملي لهم إن كيدي متين}.. وذلك غير عذاب الآخرة المذل للمتكبرين: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون. خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون}.. ويضرب لهم أصحاب الجنة ـ جنة الدنيا ـ مثلاً على عاقبة البطر تهديداً لكبراء قريش المعتزين بأموالهم وأولادهم ممن لهم مال وبنون؛ الكائدون للدعوة بسبب ما لهم من مال وبنين. وفي نهاية السورة يوصي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصبر الجميل: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت..}. ومن خلال هذه المواساة وهذا الثناء وهذا التثبيت، مع الحملة القاصمة على المكذبين والتهديد الرهيب، يتولى الله ـ سبحانه ـ بذاته حربهم في ذلك الأسلوب العنيف.. من خلال هذا كله نتبين ملامح تلك الفترة، فترة الضعف والقلة، وفترة المعاناة والشدة، وفترة المحاولة القاسية لغرس تلك الغرسة الكريمة في تلك التربة العنيدة! كذلك نلمح من خلال أسلوب السورة وتعبيرها وموضوعاتها ملامح البيئة التي كانت الدعوة الإسلامية تواجهها. وهي ملامح فيها سذاجة وبدائية في التصور والتفكير والمشاعر والاهتمامات والمشكلات على السواء. نلمح هذه السذاجة في طريقة محاربتهم للدعوة بقولهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ {إنه لمجنون}! وهو اتهام لا حبكة فيه ولا براعة، وأسلوب من لا يجد إلا الشتمة الغليظة يقولها بلا تمهيد ولا برهان، كما يفعل السذج البدائيون. ونلمحها في الطريقة التي يرد الله بها عليهم فريتهم رداً يناسب حالهم: {مآ أنت بنعمة ربك بمجنون. وإن لك لأجراً غير ممنون. وإنك لعلى خلق عظيم. فستبصر ويبصرون. بأيكم المفتون}.. وكذلك في التهديد المكشوف العنيف: {فذرني ومن يكذب بهـذا الحديث. سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملي لهم إن كيدي متين}.. ونلمحها في رد هذا السب على رجل منهم: {ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشآء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم...}. ونلمحها في القصة ـ قصة أصحاب الجنة ـ التي ضربها الله لهم. وهي قصة قوم سذج في تفكيرهم وتصورهم وبطرهم، وفي حركاتهم كذلك وأقوالهم {وهم يتخافتون. ألاَّ يدخلنَّها اليوم عليكم مسكين.. الخ}. وأخيراً نلمح سذاجتهم من خلال ما يوجهه إليهم من الجدل: {أم لكم كتاب فيه تدرسون. إن لكم فيه لما تخيرون؟ أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون؟ سلهم أيهم بذلك زعيم؟}.. وهي ملامح تظهر بوضوح من خلال التعبير القرآني، وتفيد في دراسة السيرة ووقائعها وخطوات الدعوة فيها؛ ومدى ما ارتفع القرآن بعد ذلك بهذه البيئة وبتلك الجماعة في أواخر عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومدى ما نقلها من هذه السذاجة في التفكير والتصور والشعور والاهتمام. كما يتضح في أساليب الخطاب فيما بعد، وفي الحقائق والمشاعر والتصورات والاهتمامات بعد عشرين عاماً لا تزيد. وهي في حياة الأمم ومضة لا تذكر. ولا تقاس إليها تلك النقلة الواسعة الشاملة.. التي انتقلتها الجماعة في هذا الوقت القصير. والتي تسلمت بها قيادة البشرية فارتفعت بتصوراتها وأخلاقها إلى القمة التي لم ترتفع إليها قيادة قط في تاريخ البشرية، لا من ناحية طبيعة العقيدة، ولا من ناحية آثارها الواقعية في حياة الإنسان في الأرض، ولا من ناحية السعة والشمول لتضم الإنسانية كلها بين جوانحها في سماحة وعطف، وفي تلبية لكل حاجاتها الشعورية، وحاجاتها الفكرية، وحاجاتها الاجتماعية، وحاجاتها التنظيمية في شتى الميادين.. إنها المعجزة تتجلى في النقلة من هذه السذاجة التي تبدو ملامحها من خلال مثل هذه السورة إلى ذلك العمق والشمول. وهي نقلة أوسع وأكبر من تحول القلة إلى كثرة، والضعف إلى قوة، لأن بناء النفوس والعقول أعسر من بناء الأعداد والصفوف. {ن، والقلم وما يسطرون. مآ أنت بنعمة ربك بمجنون. وإن لك لأجراً غير ممنون. وإنك لعلى خلق عظيم. فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين. فلا تطع المكذبين. ودوا لو تدهن فيدهنون. ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشآء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم. أن كان ذا مال وبنين. إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين. سنسمه على الخرطوم}.. يقسم الله ـ سبحانه ـ بنون، وبالقلم، وبالكتابة. والعلاقة واضحة بين الحرف (نون). بوصفه أحد حروف الأبجدية وبين القلم، والكتابة.. فأما القسم بها فهو تعظيم لقيمتها، وتوجيه إليها، في وسط الأمة التي لم تكن تتجه إلى التعلم عن هذا الطريق، وكانت الكتابة فيها متخلفة ونادرة، في الوقت الذي كان دورها المقدر لها في علم الله يتطلب نمو هذه المقدرة فيها، وانتشارها بينها، لتقوم بنقل هذه العقيدة وما يقوم عليها من مناهج الحياة إلى أرجاء الأرض. ثم لتنهض بقيادة البشرية قيادة رشيدة. وما من شك أن الكتابة عنصر أساسي في النهوض بهذه المهمة الكبرى. ومما يؤكد هذا المفهوم أن يبدأ الوحي بقوله تعالى: {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم}..تفسير : وأن يكون هذا الخطاب موجهاً للنبي الأمي ـ الذي قدر الله أن يكون أمياً لحكمة معينة ـ ولكنه بدأ الوحي إليه منوهاً بالقراءة والتعليم بالقلم. ثم أكد هذه اللفتة هنا بالقسم بنون، والقلم وما يسطرون. وكان هذا حلقة من المنهج الإلهي لتربية هذه الأمة وإعدادها للقيام بالدور الكوني الضخم الذي قدره لها في علمه المكنون. يقسم الله ـ سبحانه ـ بنون والقلم وما يسطرون، منوهاً بقيمة الكتابة معظماً لشأنها كما أسلفنا لينفي عن رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلك الفرية التي رماه بها المشركون، مستبعداً لها، ونعمته على رسوله ترفضها. {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}.. فيثبت في هذه الآية القصيرة وينفي.. يثبت نعمة الله على نبيه، في تعبير يوحي بالقربى والمودة: حين يضيفه سبحانه إلى ذاته: {ربك}. وينفي تلك الصفة المفتراة التي لا تجتمع مع نعمة الله، على عبد نسبه إليه وقربه واصطفاه.. وإن العجب ليأخذ كل دارس لسيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قومه، من قولتهم هذه عنه، وهم الذين علموا منه رجاحة العقل حتى حكموه بينهم في رفع الحجر الأسود قبل النبوة بأعوام كثيرة. وهم الذين لقبوه بالأمين، وظلوا يستودعونه أماناتهم حتى يوم هجرته، بعد عدائهم العنيف له، فقد ثبت أن عليا ـ كرم الله وجهه ـ تخلف عن رسول الله أياماً في مكة، ليرد إليهم ودائعهم التي كانت عنده؛ حتى وهم يحادونه ويعادونه ذلك العداء العنيف. وهم الذين لم يعرفوا عليه كذبة واحدة قبل البعثة. فلما سأل هرقل أبا سفيان عنه: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل نبوته؟ قال أبو سفيان ـ وهو عدوه قبل إسلامه ـ لا، فقال هرقل: ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله! إن الإنسان ليأخذه العجب أن يبلغ الغيظ بالناس إلى الحد الذي يدفع مشركي قريش إلى أن يقولوا هذه القولة وغيرها عن هذا الإنسان الرفيع الكريم، المشهور بينهم برجاحة العقل وبالخلق القويم. ولكن الحقد يعمي ويصم، والغرض يقذف بالفرية دون تحرج! وقائلها يعرف قبل كل أحد، أنه كذاب أثيم! {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}.. هكذا في عطف وفي إيناس وفي تكريم، رداً على ذلك الحقد الكافر، وهذا الافتراء الذميم. {وإن لك لأجراً غير ممنون}.. وإن لك لأجراً دائماً موصولاً، لا ينقطع ولا ينتهي، أجراً عند ربك الذي أنعم عليك بالنبوة ومقامها الكريم.. وهو إيناس كذلك وتسرية وتعويض فائض غامر عن كل حرمان وعن كل جفوة وعن كل بهتان يرميه به المشركون. وماذا فقد من يقول له ربه: {وإن لك لأجراً غير ممنون}؟ في عطف وفي مودة وفي تكريم؟ ثم تجيء الشهادة الكبرى والتكريم العظيم: {وإنك لعلى خلق عظيم}.. وتتجاوب أرجاء الوجود بهذا الثناء الفريد على النبي الكريم؛ ويثبت هذا الثناء العلوي في صميم الوجود! ويعجز كل قلم، ويعجز كل تصور، عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود، وهي شهادة من الله، في ميزان الله، لعبد الله، يقول له فيها: {وإنك لعلى خلق عظيم}. ومدلول الخلق العظيم هو ما هو عند الله مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين! ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ تبرز من نواح شتى: تبرز من كونها كلمة من الله الكبير المتعال، يسجلها ضمير الكون، وتثبت في كيانه، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله. وتبرز من جانب آخر، من جانب إطاقة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتلقيها. وهو يعلم من ربه هذا، قائل هذه الكلمة. ما هو؟ ما عظمته؟ ما دلالة كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة، التي يدرك هو منها ما لا يدركه أحد من العالمين. إن إطاقة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتلقي هذه الكلمة، من هذا المصدر، وهو ثابت، لا ينسحق تحت ضغطها الهائل ـ ولو أنها ثناء ـ ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب.. تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن.. وهو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل. ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة، وعلى لسان أصحابه روايات منوعة كثيرة. وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روي عنه. ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شيء آخر. أعظم بصدورها عن العلي الكبير. وأعظم بتلقي محمد لها وهو يعلم من هو العلي الكبير، وبقائه بعدها ثابتاً راسخاً مطمئناً. لا يتكبر على العباد، ولا ينتفخ، ولا يتعاظم، وهو الذي سمع ما سمع من العلي الكبير! والله أعلم حيث يجعل رسالته. وما كان إلا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعظمة نفسه هذه ـ من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكل عظمتها الكونية الكبرى. فيكون كفئاً لها، كما يكون صورة حية منها. إن هذه الرسالة من الكمال والجمال، والعظمة والشمول، والصدق والحق، بحيث لا يحملها إلا الرجل الذي يثني عليه الله هذا الثناء. فتطيق شخصيته كذلك تلقي هذا الثناء. في تماسك وفي توازن، وفي طمأنينة. طمأنينة القلب الكبير الذي يسع حقيقة تلك الرسالة وحقيقة هذا الثناء العظيم. ثم يتلقى ـ بعد ذلك ـ عتاب ربه له ومؤاخذته إياه على بعض تصرفاته، بذات التماسك وذات التوازن وذات الطمأنينة. ويعلن هذه كما يعلن تلك، لا يكتم من هذه شيئاً ولا تلك.. وهو هو في كلتا الحالتين النبي الكريم. والعبد الطائع. والمبلغ الأمين. إن حقيقة هذه النفس من حقيقة هذه الرسالة. وإن عظمة هذه النفس من عظمة هذه الرسالة. وإن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية لأبعد من مدى أي مجهر يملكه بشر. وقصارى ما يملكه راصد لعظمة هذه الحقيقة المزدوجة أن يراها ولا يحدد مداها. وأن يشير إلى مسارها الكوني دون أن يحدد هذا المسار! ومرة أخرى أجد نفسي مشدوداً للوقوف إلى جوار الدلالة الضخمة لتلقي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذه الكلمة من ربه، وهو ثابت راسخ متوازن مطمئن الكيان.. لقد كان ـ وهو بشر ـ يثني على أحد أصحابه، فيهتز كيان صاحبه هذا وأصحابه من وقع هذا الثناء العظيم. وهو بشر وصاحبه يعلم أنه بشر. وأصحابه يدركون أنه بشر. إنه نبي نعم. ولكن في الدائرة المعلومة الحدود. دائرة البشرية ذات الحدود.. فأما هو فيتلقى هذه الكلمة من الله. وهو يعلم من هو الله. هو بخاصة يعلم من هو الله! هو يعلم منه ما لا يعلمه سواه. ثم يصطبر ويتماسك ويتلقى ويسير.. إنه أمر فوق كل تصور وفوق كل تقدير!!! إنه محمد ـ وحده ـ هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة.. إنه محمد ـ وحده ـ هو الذي يبلغ قمة الكمال الإنساني المجانس لنفخة الله في الكيان الإنساني. إنه محمد ـ وحده ـ هو الذي يكافئ هذه الرسالة الكونية العالمية الإنسانية؛ حتى لتتمثل في شخصه حية، تمشي على الأرض في إهاب إنسان.. إنه محمد ـ وحده الذي علم الله منه أنه أهل لهذا المقام. والله أعلم حيث يجعل رسالته ـ وأعلن في هذه أنه على خلق عظيم. وأعلن في الأخرى أنه ـ جل شأنه وتقدست ذاته وصفاته، يصلي عليه هو وملائكته {أية : إن الله وملائكـته يصلون على النبي}.تفسير : وهو ـ جل شأنه ـ وحده القادر على أن يهب عبداً من عباده ذلك الفضل العظيم.. ثم إن لهذه اللفتة دلالتها على تمجيد العنصر الأخلاقي في ميزان الله؛ وأصالة هذا العنصر في الحقيقة الإسلامية كأصالة الحقيقة المحمدية. والناظر في هذه العقيدة، كالناظر في سيرة رسولها، يجد العنصر الأخلاقي بارزاً أصيلاً فيها، تقوم عليه أصولها التشريعية وأصولها التهذيبية على السواء.. الدعوة الكبرى في هذه العقيدة إلى الطهارة والنظافة والأمانة والصدق والعدل والرحمة والبر وحفظ العهد، ومطابقة القول للفعل، ومطابقتهما معاً للنية والضمير؛ والنهي عن الجور والظلم والخداع والغش وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الحرمات والأعراض، وإشاعة الفاحشة بأية صورة من الصور.. والتشريعات في هذه العقيدة لحماية هذه الأسس وصيانة العنصر الأخلاقي في الشعور والسلوك، وفي أعماق الضمير وفي واقع المجتمع. وفي العلاقات الفردية والجماعية والدولية على السواء. والرسول الكريم يقول: "حديث : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"تفسير : .. فيلخص رسالته في هذا الهدف النبيل. وتتوارد أحاديثه تترى في الحض على كل خلق كريم. وتقوم سيرته الشخصية مثالاً حياً وصفحة نقية، وصورة رفيعة، تستحق من الله أن يقول عنها في كتابة الخالد: {وإنك لعلى خلق عظيم}.. فيمجد بهذا الثناء نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما يمجد به العنصر الأخلاقي في منهجه الذي جاء به هذا النبي الكريم، ويشد به الأرض إلى السماء، ويعلق به قلوب الراغبين إليه ـ سبحانه ـ وهو يدلهم على ما يحب ويرضى من الخلق القويم. وهذا الاعتبار هو الاعتبار الفذ في أخلاقية الإسلام. فهي أخلاقية لم تنبع من البيئة، ولا من اعتبارات أرضية إطلاقاً؛ وهي لا تستمد ولا تعتمد على اعتبار من اعتبارات العرف أو المصلحة أو الارتباطات التي كانت قائمة في الجيل. إنما تستمد من السماء وتعتمد على السماء. تستمد من هتاف السماء للأرض لكي تتطلع إلى الأفق. وتستمد من صفات الله المطلقة ليحققها البشر في حدود الطاقة، كي يحققوا إنسانيتهم العليا، وكي يصبحوا أهلاً لتكريم الله لهم واستخلافهم في الأرض؛ وكي يتأهلوا للحياة الرفيعة الأخرى: {أية : في مقعد صدق عند مليك مقتدر}.. تفسير : ومن ثم فهي غير مقيدة ولا محدودة بحدود من أي اعتبارات قائمة في الأرض؛ إنما هي طليقة ترتفع إلى أقصى ما يطيقه البشر، لأنها تتطلع إلى تحقيق صفات الله الطليقة من كل حد ومن كل قيد. ثم إنها ليست فضائل مفردة.. صدق. وأمانة، وعدل، ورحمة. وبر.... إنما هي منهج متكامل، تتعاون فيه التربية التهذيبية مع الشرائع التنظيمية؛ وتقوم عليه فكرة الحياة كلها واتجاهاتها جميعاً، وتنتهي في خاتمة المطاف إلى الله. لا إلى أي اعتبار آخر من اعتبارات هذه الحياة! وقد تمثلت هذه الأخلاقية الإسلامية بكمالها وجمالها وتوازنها واستقامتها واطرادها وثباتها في محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتمثلت في ثناء الله العظيم، وقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم}.. وبعد هذا الثناء الكريم على عبده يطمئنه إلى غده مع المشركين، الذين رموه بذلك البهت اللئيم؛ ويهددهم بافتضاح أمرهم وانكشاف بطلانهم وضلالهم المبين: {فستبصر ويبصرون. بأيكم المفتون. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}.. والمفتون الذي يطمئن الله نبيه إلى كشفه وتعيينه هو الضال. أو هو الممتحن الذي يكشف الامتحان عن حقيقتة. وكلا المدلولين قريب من قريب.. وهذا الوعد فيه من الطمأنينة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللمؤمنين معه، بقدر ما فيه من التهديد للمناوئين له المفترين عليه.. أياً كان مدلول الجنون الذي رموه به. والأقرب إلى الظن أنهم لم يكونوا يقصدون به ذهاب العقل. فالواقع يكذب هذا القول. إنما كانوا يعنون به مخالطة الجنة له، وإيحاءهم إليه بهذا القول الغريب البديع ـ كما كانوا يظنون أن لكل شاعر شيطاناً هو الذي يمده ببديع القول! ـ وهو مدلول بعيد عن حقيقة حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغريب عن طبيعة ما يوحى إليه من القول الثابت الصادق المستقيم. وهذا الوعد من الله يشير إلى أن الغد سيكشف عن حقيقة النبي وحقيقة مكذبيه. ويثبت أيهم الممتحن بما هو فيه؛ أو أيهم الضال فيما يدعيه. ويطمئنه إلى أن ربه {هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}.. وربه هو الذي أوحى إليه، فهو يعلم أنه المهتدي ومن معه. وفي هذا ما يطمئنه وما يقلق أعداءه، وما يبعث في قلوبهم التوجس والقلق لما سيجيء! ثم يكشف الله له عن حقيقة حالهم، وحقيقة مشاعرهم، وهم يخاصمونه ويجادلونه في الحق الذي معه، ويرمونه بما يرمونه. وهم مزعزعو العقيدة فيما لديهم من تصورات الجاهلية، التي يتظاهرون بالتصميم عليها. إنهم على استعداد للتخلي عن الكثير منها في مقابل أن يتخلى هو عن بعض ما يدعوهم إليه! على استعداد أن يدهنوا ويلينوا ويحافظوا فقط على ظاهر الأمر لكي يدهن هو لهم ويلين.. فهم ليسوا أصحاب عقيدة يؤمنون بأنها الحق، وإنما هم أصحاب ظواهر يهمهم أن يستروها: {فلا تطع المكذبين. ودوا لو تدهن فيدهنون}.. فهي المساومة إذن، والالتقاء في منتصف الطريق. كما يفعلون في التجارة. وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير! فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها؛ لأن الصغير منها كالكبير. بل ليس في العقيدة صغير وكبير. إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء. لا يطيع فيها صاحبها أحداً، ولا يتخلى عن شيء منها أبداً. وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، ولا أن يلتقيا في أي طريق. وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان. جاهلية الأمس وجاهلية اليوم، وجاهلية الغد كلها سواء. إن الهوة بينها وبين الإسلام لا تعبر، ولا تقام عليها قنطرة، ولا تقبل قسمة ولا صلة. وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق! ولقد وردت روايات شتى فيما كان يدهن به المشركون للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليدهن لهم ويلين؛ ويترك سب آلهتهم وتسفيه عبادتهم، أو يتابعهم في شيء مما هم عليه ليتابعوه في دينه، وهم حافظون ماء وجوههم أمام جماهير العرب! على عادة المساومين الباحثين عن أنصاف الحلول! ولكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان حاسماً في موقفه من دينه، لا يدهن فيه ولا يلين. وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانباً وأحسنهم معاملة وأبرهم بعشيرة وأحرصهم على اليسر والتيسير. فأما الدين فهو الدين! وهو فيه عند توجيه ربه: {فلا تطع المكذبين}! ولم يساوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في دينه وهو في أحرج المواقف العصبية في مكة. وهو محاصر بدعوته. وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون. ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين، تأليفاً لقلوبهم، أو دفعاً لأذاهم. ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد.. روى ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق قال: "فلما بادى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قومه بالإسلام. وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه ـ فيما بلغني ـ حتى ذكر آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته ـ إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون ـ وحدب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمه أبو طالب ومنعه، وقام دونه، ومضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أمر الله مظهراً لأمره، لا يرده عنه شيء". "فلما رأت قريش أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب.. عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب بن أمية. وأبو البختري واسمه العاص بن هشام. والأسود بن المطلب بن أسد. وأبو جهل (واسمه عمرو بن هشام وكان يكنى ابا الحكم) والوليد بن المغيرة، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر.. أو من مشى منهم.. فقالوا: يا أبا طالب. إن ابن اخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه؛ فنكفيكه! فقال لهم أبو طالب قولاً وفيقاً، وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه. "ومضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ما هو عليه: يظهر دين الله، ويدعو إليه. ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعدوا وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتذامروا فيه. وحض بعضهم بعضاً عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى. فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا. وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا؛ وإنا والله لا نصبر على هذا: من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ـ أو كما قالوا له.. ثم انصرفوا عنه. فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم ولا خذلانه. قال ابن إسحق: وحدثني يعقوب بن عقبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدّث، أن قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له: يا بن أخي. إن قومك قد جاءوني فقالوا لي: كذا وكذا (للذي كانوا قالوا له) فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. قال: فظن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. قال: فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"تفسير : .. قال: واستعبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبكى. ثم قام. فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا بن أخي. قال: فأقبل عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً". فهذه صورة من إصرار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على دعوته في اللحظة التي تخلى عنه فيها عمه. حاميه وكافيه، وآخر حصن من حصون الأرض يمنعه المتربصين به المتذامرين فيه! هذه هي صورة قوية رائعة جديدة في نوعها من حيث حقيقتها، ومن حيث صورها وظلالها ومن حيث عباراتها وألفاظها.. جديدة جدة هذه العقيدة، رائعة روعة هذه العقيدة، قوية قوة هذه العقيدة. فيها مصداق قول الله العظيم: {وإنك لعلى خلق عظيم}.. وصورة أخرى رواها كذلك ابن اسحق، كانت في مساومة مباشرة من المشركين لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد إذ أعياهم أمره، ووثبت كل قبيلة على من أسلم منها تعذبه وتفتنه عن دينه. قال ابن إسحق: وحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالس في المسجد وحده: "حديث : يا معشر قريش. ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يزيدون ويكثرون. فقالوا: يا أبا الوليد قم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا بن أخي. إنك منا حيث علمت: من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم. فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "قل يا أبا الوليد أسمع". قال: يا بن أخي. إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت إنما تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك. وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوي منه! ـ أو كما قال له ـ حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستمع منه قال: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟" قال: نعم. قال: "فاستمع مني". قال: أفعل. فقال: {بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون. بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون؟ وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون. قل: إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنمآ إلـهكم إلـه واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين...} ثم مضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت لها. وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه. ثم انتهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السجدة منها فسجد. ثم قال. "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت. فأنت وذاك".. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أنني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم. فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم. وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.. " تفسير : وفي رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى قوله تعالى: {أية : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}..تفسير : فقام مذعوراً فوضع يده على فم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: أنشدك الله والرحم يا محمد! وذلك مخافة أن يقع النذير. وقام إلى القوم فقال ما قال! وعلى أية حال فهذه صورة أخرى من صور المساومة. وهي كذلك صورة من صور الخلق العظيم. تبدو في أدبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يستمع إلى عتبة حتى يفرغ من قوله الفارغ الذي لا يستحق الانتباه من مثل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تصوره لقيم هذا الكون، وفي ميزانه للحق ولعرض هذه الأرض. ولكن خلقه يمسك به لا يقاطع ولا يتعجل ولا يغضب ولا يضجر، حتى يفرغ الرجل من مقالته، وهو مقبل عليه. ثم يقول في هدوء: "حديث : أقد فرغت يا أبا الوليد؟"تفسير : زيادة في الإملاء والتوكيد. إنها الطمأنينة الصادقة للحق مع الأدب الرفيع في الاستماع والحديث.. وهما معاً بعض دلالة الخلق العظيم. وصورة ثالثة للمساومة فيما رواه ابن اسحق قال: "واعترض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يطوف بالكعبة ـ فيما بلغني ـ الأسود بن المطلب بن أسد ابن عبد العزى والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي. وكانوا ذوي أسنان في قومهم. فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر. فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه! فأنزل الله تعالى فيهم: {أية : قل: يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون}: تفسير : السورة كلها.. وحسم الله المساومة المضحكة بهذه المفاصلة الجازمة. وقال لهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أمره ربه أن يقول.. ثم يبرز قيمة العنصر الأخلاقي مرة أخرى في نهي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن إطاعة أحد هؤلاء المكذبين بالذات، ويصفه بصفاته المزرية المنفرة، ويتوعده بالإذلال والمهانة: {ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشآء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم. أن كان ذا مال وبنين. إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين. سنسمه على الخرطوم}.. وقد قيل: إنه الوليد بن المغيرة، وإنه هو الذي نزلت فيه كذلك آيات من سورة المدثر: {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً، وجعلت له مالاً ممدوداً، وبنين شهودا، ومهدت له تمهيداً. ثم يطمع أن أزيد. كلا!! إنه كان لآياتنا عنيدا. سأرهقه صعوداً. إنه فكَّر وقدَّر. فقتل! كيف قدر؟ ثم قتل! كيف قدر؟ ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فقال: إن هـذآ إلا سحر يؤثر. إن هـذآ إلا قول البشر. سأصليه سقر }.. تفسير : ورويت عنه مواقف كثيرة في الكيد لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنذار أصحابه، والوقوف في وجه الدعوة، والصد عن سبيل الله.. كما قيل: إن آيات سورة القلم نزلت في الأخنس بن شريق.. وكلاهما كان ممن خاصموا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولجوا في حربة والتأليب عليه أمداً طويلاً. وهذه الحملة القرآنية العنيفة في هذه السورة، والتهديدات القاصمة في السورة الأخرى، وفي سواها، شاهد على شدة دوره سواء كان هو الوليد أو الأخنس والأول أرجح، في حرب الرسول والدعوة، كما هي شاهد على سوء طويته، وفساد نفسه، وخلوها من الخير. والقرآن يصفه هنا بتسع صفات كلها ذميم.. فهو حلاف.. كثير الحلف. ولا يكثر الحلف إلا إنسان غير صادق، يدرك أن الناس يكذبونه ولا يثقون به، فيحلف ويكثر من الحلف ليداري كذبه، ويستجلب ثقة الناس. وهو مهين.. لا يحترم نفسه، ولا يحترم الناس قوله. وآية مهانته حاجته إلى الحلف، وعدم ثقته بنفسه وعدم ثقة الناس به. ولو كان ذا مال وذا بنين وذا جاه. فالمهانة صفة نفسية تلصق بالمرء ولو كان سلطاناً طاغية جباراً. والعزة صفة نفسية لا تفارق النفس الكريمة ولو تجردت من كل أعراض الحياة الدنيا! وهو هماز.. يهمز الناس ويعيبهم بالقول والإشارة في حضورهم أو في غيبتهم سواء. وخلق الهمز يكرهه الإسلام أشد الكراهية؛ فهو يخالف المروءة، ويخالف أدب النفس، ويخالف الأدب في معاملة الناس وحفظ كراماتهم صغروا أم كبروا. وقد تكرر ذم هذا الخلق في القرآن في غير موضع؛ فقال: {أية : ويل لكل همزة لمزة}.. تفسير : وقال: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيراً منهن. ولا تلمزوا أنفسكم. ولا تنابزوا بالألقاب}تفسير : وكلها أنواع من الهمز في صورة من الصور.. وهو مشاء بنميم. يمشي بين الناس بما يفسد قلوبهم، ويقطع صلاتهم، ويذهب بموداتهم. وهو خلق ذميم كما أنه خلق مهين، لا يتصف به ولا يقدم عليه إنسان يحترم نفسه أو يرجو لنفسه احتراماً عند الآخرين. حتى أولئك الذين يفتحون آذانهم للنمام، ناقل الكلام، المشاء بالسوء بين الأوداء. حتى هؤلاء الذين يفتحون آذانهم له لا يحترمونه في قرارة نفوسهم ولا يودونه. ولقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينهى أن ينقل إليه أحد ما يغير قلبه على صاحب من أصحابه. وكان يقول: "حديث : لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ". تفسير : وثبت في الصحيحين من حديث مجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال: "حديث : مر رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ". تفسير : وروى الإمام أحمد ـ بإسناده ـ عن حذيفة قال: "حديث : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: لا يدخل الجنة قتات"تفسير : أي نمام (ورواه الجماعة إلا ابن ماجه). وروى الإمام أحمد كذلك ـ بإسناده ـ عن يزيد بن السكن. أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الذين إذا رؤوا ذكر الله عز وجل" ثم قال: ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب ". تفسير : ولم يكن بد للإسلام أن يشدد في النهي عن هذا الخلق الذميم الوضيع، الذي يفسد القلب، كما يفسد الصحب، ويتدنى بالقائل قبل أن يفسد بين الجماعة، ويأكل قلبه وخلقه قبل أن يأكل سلامة المجتمع، ويفقد الناس الثقة بعضهم ببعض، ويجني على الأبرياء في معظم الأحايين! وهو مناع للخير.. يمنع الخير عن نفسه وعن غيره. ولقد كان يمنع الإيمان وهو جماع الخير. وعرف عنه أنه كان يقول لأولاده وعشيرته، كلما آنس منهم ميلاً إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لئن تبع دين محمد منكم أحد لا أنفعه بشيء أبدا. فكان يمنعهم بهذا التهديد عن الإسلام. ومن ثم سجل القرآن عليه هذه الصفة {مناع للخير} فيما كان يفعل ويقول. وهو معتد.. متجاوز للحق والعدل إطلاقاً. ثم هو معتد على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى المسلمين وعلى أهله وعشيرته الذين يصدهم عن الهدى ويمنعهم من الدين..والاعتداء صفة ذميمة تنال من عناية القرآن والحديث اهتماماً كبيراً.. وينهى عنها الإسلام في كل صورة من صورها، حتى في الطعام والشراب: {كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه}.. لأن العدل والاعتدال طابع الإسلام الأصيل. وهو أثيم.. يرتكب المعاصي حتى يحق عليه الوصف الثابت. {أثيم}.. بدون تحديد لنوع الآثام التي يرتكبها. فاتجاه التعبير إلى إثبات الصفة، وإلصاقها بالنفس كالطبع المقيم! وهو بعد هذا كله {عتل}.. وهي لفظة تعبر بجرسها وظلها عن مجموعة من الصفات ومجموعة من السمات، لا تبلغها مجموعة ألفاظ وصفات. فقد يقال: إن العتل هو الغليظ الجافي. وإنه الأكول الشروب. وإنه الشره المنوع. وإنه الفظ في طبعه، اللئيم في نفسه، السِّيئ في معاملته.. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: "العتل كل رغيب الجوف، وثيق الخلق، أكول شروب، جموع للمال، منوع له".. ولكن تبقى كلمة {عتل} بذاتها أدل على كل هذا، وأبلغ تصويراً للشخصية الكريهة من جميع الوجوه. وهو زنيم.. وهذه خاتمة الصفات الذميمة الكريهة المتجمعة في عدو من أعداء الإسلام ـ وما يعادي الإسلام ويصر على عداوته إلا أناس من هذا الطراز الذميم ـ والزنيم من معانيه اللصيق في القوم لا نسب له فيهم، أو أن نسبه فيهم ظنين. ومن معانيه، الذي اشتهر وعرف بين الناس بلؤمه وخبثه وكثرة شروره. والمعنى الثاني هو الأقرب في حالة الوليد بن المغيرة. وإن كان إطلاق اللفظ يدمغه بصفة تدعه مهيناً في القوم، وهو المختال الفخور. ثم يعقب على هذه الصفات الذاتية بموقفه من آيات الله، مع التشنيع بهذا الموقف الذي يجزي به نعمة الله عليه بالمال والبنين: {أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين}.. وما أقبح ما يجزي إنسان نعمة الله عليه بالمال والبنين؛ استهزاء بآياته، وسخرية من رسوله، واعتداء على دينه.. وهذه وحدها تعدل كل ما مر من وصف ذميم. ومن ثم يجيء التهديد من الجبار القهار، يلمس في نفسه موضع الاختيال والفخر بالمال والبنين؛ كما لمس وصفه من قبل موضع الاختيال بمكانته ونسبه.. ويسمع وعد الله القاطع: {سنسمه على الخرطوم}.. ومن معاني الخرطوم طرف أنف الخنزير البري.. ولعله هو المقصود هنا كناية عن أنفه! والأنف في لغة العرب يكنى به عن العزة فيقال: أنف أشم للعزيز. وأنف في الرغام للذليل.. أي في التراب! ويقال ورم أنفه وحمي أنفه، إذا غضب معتزاً. ومنه الأنفة.. والتهديد بوسمه على الخرطوم يحوي نوعين من الإذلال والتحقير.. الأول الوسم كما يوسم العبد.. والثاني جعل أنفه خرطوماً كخرطوم الخنزير! وما من شك أن وقع هذه الآيات على نفس الوليد كان قاصماً. فهو من أمة كانت تعد هجاء شاعر ـ ولو بالباطل ـ مذمة يتوقاها الكريم! فكيف بدمغه بالحق من خالق السماوات والأرض. بهذا الأسلوب الذي لا يبارى. في هذا السجل الذي تتجاوب بكل لفظ من ألفاظه جنبات الوجود. ثم يستقر في كيان الوجود.. في خلود.. إنها القاصمة التي يستأهلها عدو الإسلام وعدو الرسول الكريم صاحب الخلق العظيم.. وبمناسبة الإشارة إلى المال والبنين، والبطر الذي يبطره المكذبون، يضرب لهم مثلاً بقصة يبدو أنها كانت معروفة عندهم، شائعة بينهم، ويذكرهم فيها بعاقبة البطر بالنعمة، ومنع الخير والاعتداء على حقوق الآخرين؛ ويشعرهم أن ما بين أيديهم من نعم المال والبنين، إنما هو ابتلاء لهم كما ابتلي أصحاب هذه القصة، وأن له ما بعده، وأنهم غير متروكين لما هم فيه: {إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين، ولا يستثنون. فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون، فأصبحت كالصريم. فتنادوا مصبحين: أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين. فانطلقوا وهم يتخافتون: أن لاَّ يدخلنها اليوم عليكم مسكين. وغدوا على حرد قادرين. فلما رأوها قالوا: إنا لضآلون، بل نحن محرومون. قال أوسطهم: ألم أقل لكم لولا تسبحون! قالوا: سبحان ربنآ إنا كنا ظالمين. فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، قالوا: يا ويلنا إنا كنا طاغين، عسى ربنآ أن يبدلنا خيراً منهآ إنآ إلى ربنا راغبون.. كذلك العذاب، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}.. وهذه القصة قد تكون متداولة ومعروفة، ولكن السياق القرآني يكشف عما وراء حوادثها من فعل الله وقدرته، ومن ابتلاء وجزاء لبعض عباده. ويكون هذا هو الجديد في سياقها القرآني. ومن خلال نصوصها وحركاتها نلمح مجموعة من الناس ساذجة بدائية أشبه في تفكيرها وتصورها وحركتها بأهل الريف البسطاء السذج. ولعل هذا المستوى من النماذج البشرية كان أقرب إلى المخاطبين بالقصة، الذين كانوا يعاندون ويجحدون، ولكن نفوسهم ليست شديدة التعقيد، إنما هي أقرب إلى السذاجة والبساطة! والقصة من ناحية الأداء تمثل إحدى طرق الأداء الفني للقصة في القرآن؛ وفيه مفاجآت مشوقة، كما أن فيه سخرية بالكيد البشري العاجز أمام تدبير الله وكيده. وفيه حيوية في العرض حتى لكأن السامع ـ أو القارئ ـ يشهد القصة حية تقع أحداثها أمامه وتتوالى. فلنحاول أن نراها كما هي في سياقها القرآني: ها نحن أولاء أمام أصحاب الجنة ـ جنة الدنيا لا جنة الآخرة ـ وها هم أولاء يبيتون في شأنها أمراً. لقد كان للمساكين حظ من ثمرة هذه الجنة ـ كما تقول الروايات ـ على أيام صاحبها الطيب الصالح. ولكن الورثة يريدون أن يستأثروا بثمرها الآن، وأن يحرموا المساكين حظهم.. فلننظر كيف تجري الأحداث إذن! {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة. إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون}. لقد قر رأيهم على أن يقطعوا ثمرها عند الصباح الباكر، دون أن يستثنوا منه شيئاً للمساكين. وأقسموا على هذا، وعقدوا النية عليه، وباتوا بهذا الشر فيما اعتزموه.. فلندعهم في غفلتهم أو في كيدهم الذي بيتوه، ولننظر ماذا يجري من ورائهم في بهمة الليل وهم لا يشعرون. فإن الله ساهر لا ينام كما ينامون، وهو يدبر لهم غير ما يدبرون، جزاء على ما بيتوا من بطر بالنعمة ومنع للخير، وبخل بنصيب المساكين المعلوم.. إن هناك مفاجأة تتم في خفية. وحركة لطيفة كحركة الأشباح في الظلام. والناس نيام: {فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون. فأصبحت كالصريم}.. فلندع الجنة وما ألم بها مؤقتاً لننظر كيف يصنع المبيتون الماكرون. ها هم أولاء يصحون مبكرين كما دبروا، وينادي بعضهم بعضاً لينفذوا ما اعتزموا: {فتنادوا مصبحين: أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين}.. يذكر بعضهم بعضاً ويوصي بعضهم بعضاً، ويحمس بعضهم بعضاً! ثم يمضي السياق في السخرية منهم، فيصورهم منطلقين، يتحدثون في خفوت، زيادة في إحكام التدبير، ليحتجنوا الثمر كله لهم، ويحرموا منه المساكين! {فانطلقوا وهم يتخافتون: أن لاَّ يدخلنها اليوم عليكم مسكين}!!! وكأنما نحن الذين نسمع القرآن أو نقرؤه نعلم ما لا يعلمه أصحاب الجنة من أمرها.. أجل فقد شهدنا تلك اليد الخفية اللطيفة تمتد إليها في الظلام، فتذهب بثمرها كله. ورأيناها كأنما هي مقطوعة الثمار بعد ذلك الطائف الخفي الرهيب! فلنمسك أنفاسنا إذن، لنرى كيف يصنع الماكرون المبيتون. إن السياق ما يزال يسخر من الماكرين المبيتين: {وغدوا على حرد قادرين}! أجل إنهم لقادرون على المنع والحرمان.. حرمان أنفسهم على أقل تقدير!! وها هم أولاء يفاجأون. فلننطلق مع السياق ساخرين. ونحن نشهدهم مفجوئين: {فلما رأوها قالوا: إنا لضالون}.. ما هذه جنتنا الموقرة بالثمار. فقد ضللنا إليها الطريق!.. ولكنهم يعودون فيتأكدون: {بل نحن محرومون}.. وهذا هو الخبر اليقين! والآن وقد حاقت بهم عاقبة المكر والتبييت، وعاقبة البطر والمنع، يتقدم أوسطهم وأعقلهم وأصلحهم ـ ويبدو أنه كان له رأي غير رأيهم. ولكنه تابعهم عندما خالفوه وهو فريد في رأيه، ولم يصر على الحق الذي رآه فناله الحرمان كما نالهم. ولكنه يذكرهم ما كان من نصحه وتوجيهه: {قال أوسطهم: ألم أقل لكم: لولا تسبحون}؟! والآن فقط يسمعون للناصح بعد فوات الأوان: {قالوا: سبحان ربنا، إنا كنا ظالمين}.. وكما يتنصل كل شريك من التبعة عند ما تسوء العاقبة، ويتوجه باللوم إلى الآخرين.. ها هم أولاء يصنعون: {فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون}! ثم ها هم أولاء يتركون التلاوم ليعترفوا جميعاً بالخطيئة أمام العاقبة الرديئة. عسى أن يغفر الله لهم، ويعوضهم من الجنة الضائعة على مذبح البطر والمنع والكيد والتدبير: {قالوا: يا ويلنا! إنا كنا طاغين. عسى ربنا أن يبدلنا خيراً منها إنا إلى ربنا راغبون}.. وقبل أن يسدل السياق الستار على المشهد الأخير نسمع التعقيب: {كذلك العذاب. ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}.. وكذلك الابتلاء بالنعمة. فليعلم المشركون أهل مكة. {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة} ولينظروا ماذا وراء الابتلاء.. ثم ليحذروا ما هو أكبر من ابتلاء الدنيا وعذاب الدنيا: {ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}! وكذلك يسوق إلى قريش هذه التجربة من واقع البيئة، ومما هو متداول بينهم من القصص، فيربط بين سنته في الغابرين وسنته في الحاضرين؛ ويلمس قلوبهم بأقرب الأساليب إلى واقع حياتهم. وفي الوقت ذاته يشعر المؤمنين بأن ما يرونه على المشركين ـ من كبراء قريش ـ من آثار النعمة والثروة إنما هو ابتلاء من الله، له عواقبه، وله نتائجه. وسنته أن يبتلي بالنعمة كما يبتلي بالبأساء سواء. فأما المتبطرون المانعون للخير المخدوعون بما هم فيه من نعيم، فذلك كان مثلاً لعاقبتهم: {ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}.. وأما المتقون الحذرون فلهم عند ربهم جنات النعيم: {إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم}.. وهو التقابل في العاقبة، كما أنه التقابل في المسلك والحقيقة.. تقابل النقيضين اللذين اختلفت بهما الطريق، فاختلفت بهما خاتمة الطريق! وعند هاتين الخاتمتين يدخل معهم في جدل لا تعقيد فيه كذلك ولا تركيب. ويتحداهم ويحرجهم بالسؤال تلو السؤال عن أمور ليس لها إلا جواب واحد يصعب المغالطة فيه؛ ويهددهم في الآخرة بمشهد رهيب، وفي الدنيا بحرب من العزيز الجبار القوي الشديد: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ ما لكم؟ كيف تحكمون؟ أم لكم كتاب فيه تدرسون؟ إن لكم فيه لما تخيرون؟ أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون؟ سلهم أيهم بذلك زعيم؟ أم لهم شركآء؟ فليأتوا بشركآئهم إن كانوا صادقين. يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون. خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون. فذرني ومن يكذب بهـذا الحديث، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملي لهم إن كيدي متين. أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون؟ أم عندهم الغيب فهم يكتبون}؟! والتهديد بعذاب الآخرة وحرب الدنيا يجيء ـ كما نرى ـ في خلال ذلك الجدل، وهذا التحدي. فيرفع من حرارة الجدل، ويزيد من ضغط التحدي. والسؤال الاستنكاري الأول: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟} يعود إلى عاقبة هؤلاء وهؤلاء التي عرضها في الآيات السابقة. وهو سؤال ليس له إلا جواب واحد.. لا. لا يكون. فالمسلمون المذعنون المستسلمون لربهم، لا يكونون أبداً كالمجرمين الذين يأتون الجريمة عن لجاج يسمهم بهذا الوصف الذميم! وما يجوز في عقل ولا في عدل أن يتساوى المسلمون والمجرمون في جزاء ولا مصير. ومن ثم يجيء السؤال الاستنكاري الآخر: {ما لكم؟ كيف تحكمون؟}.. ماذا بكم؟ وعلام تبنون أحكامكم؟ وكيف تزنون القيم والأقدار؟ حتى يستوي في ميزانكم وحكمكم من يسلمون ومن يجرمون؟! ومن الاستنكار والإنكار عليهم ينتقل إلى التهكم بهم والسخرية منهم: {أم لكم كتاب فيه تدرسون؟ إن لكم فيه لما تخيرون؟}.. فهو التهكم والسخرية أن يسألهم إن كان لهم كتاب يدرسونه، هو الذي يستمدون منه مثل ذلك الحكم الذي لا يقبله عقل ولا عدل؛ وهو الذي يقول لهم: إن المسلمين كالمجرمين! إنه كتاب مضحك يوافق هواهم ويملق رغباتهم، فلهم فيه ما يتخيرون من الأحكام وما يشتهون! وهو لا يرتكن إلى حق ولا إلى عدل، ولا إلى معقول أو معروف! {أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون؟}.. فإن لا يكن ذلك فهو هذا. وهو أن تكون لهم مواثيق على الله، سارية إلى يوم القيامة، مقتضاها أن لهم ما يحكمون، وما يختارون وفق ما يشتهون! وليس من هذا شيء. فلا عهود لهم عند الله ولا مواثيق. فعلام إذن يتكلمون؟! وإلام إذن يستندون؟! {سلهم أيهم بذلك زعيم؟}.. سلهم من منهم المتعهد بهذا؟ من منهم المتعهد بأن لهم على الله ما يشاءون، وأن لهم ميثاقاً عليه ساري المفعول إلى يوم القيامة أن لهم ما يحكمون؟! وهو تهكم ساخر عميق بليغ يذيب الوجوه من الحرج والتحدي السافر المكشوف! {أم لهم شركاء؟ فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين}.. وهم كانوا يشركون بالله. ولكن التعبير يضيف الشركاء إليهم لا لله. ويتجاهل أن هناك شركاء. ويتحداهم أن يدعوا شركاءهم هؤلاء إن كانوا صادقين.. ولكن متى يدعونهم؟ {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون. خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون}.. فيقفهم وجهاً لوجه أمام هذا المشهد كأنه حاضر اللحظة، وكأنه يتحداهم فيه أن يأتوا بشركائهم المزعومين. وهذا اليوم حقيقة حاضرة في علم الله لا تتقيد في علمه بزمن. واستحضار للمخاطبين على هذا النحو يجعل وقعها عميقاً حياً حاضراً في النفوس على طريقة القرآن الكريم. والكشف عن الساق كناية ـ في تعبيرات اللغة العربية المأثورة ـ عن الشدة والكرب. فهو يوم القيامة الذي يشمر فيه عن الساعد ويكشف فيه عن الساق، ويشتد الكرب والضيق.. ويدعى هؤلاء المتكبرون إلى السجود فلا يملكون السجود، إما لأن وقته قد فات، وإما لأنهم كما وصفهم في موضع آخر يكونون: {مهطعين مقنعي رؤوسهم} وكأن أجسامهم وأعصابهم مشدودة من الهول على غير إرادة منهم! وعلى أية حال فهو تعبير يشي بالكرب والعجز والتحدي المخيف.. ثم يكمل رسم هيئتهم: {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة}.. هؤلاء المتكبرون المتبجحون. والأبصار الخاشعة والذلة المرهقة هما المقابلان للهامات الشامخة والكبرياء المنفوخة. وهي تذكر بالتهديد الذي جاء في أول السورة: {سنسمه على الخرطوم}.. فإيحاء الذلة والانكسار ظاهر عميق مقصود! وبينما هم في هذا الموقف المرهق الذليل، يذكرهم بما جرهم إليه من إعراض واستكبار: {وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون}.. قادرون على السجود. فكانوا يأبون ويستكبرون.. كانوا. فهم الآن في ذلك المشهد المرهق الذليل. والدنيا وراءهم. وهم الآن يدعون إلى السجود فلا يستطيعون! وبينما هم في هذا الكرب، يجيئهم التهديد الرعيب الذي يهد القلوب: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث}.. وهو تهديد مزلزل.. والجبار القهار القوي المتين يقول للرسول ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : خل بيني وبين من يكذب بهذا الحديث. وذرني لحربه فأنا به كفيل "! تفسير : ومن هو هذا الذي يكذب بهذا الحديث؟ إنه ذلك المخلوق الصغير الهزيل المسكين الضعيف! هذه النملة المضعوفة. بل هذه الهباءة المنثورة.. بل هذا العدم الذي لا يعني شيئاً أمام جبروت الجبار القهار العظيم! فيا محمد. خل بيني وبين هذا المخلوق. واسترح أنت ومن معك من المؤمنين. فالحرب معي لا معك ولا مع المؤمنين. الحرب معي. وهذا المخلوق عدوي، وأنا سأتولى أمره فدعه لي، وذرني معه، واذهب أنت ومن معك فاستريحوا! أي هول مزلزل للمكذبين! وأي طمأنينة للنبي والمؤمنين.. المستضعفين...؟ ثم يكشف لهم الجبار القهار عن خطة الحرب مع هذا المخلوق الهزيل الصغير الضعيف! {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملي لهم إن كيدي متين}.. وإن شأن المكذبين، وأهل الأرض أجمعين، لأهون وأصغر من أن يدبر الله لهم هذه التدابير.. ولكنه ـ سبحانه ـ يحذرهم نفسه ليدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان. وليعلموا أن الأمان الظاهر الذي يدعه لهم هو الفخ الذي يقعون فيه وهم غارّون. وأن إمهالهم على الظلم والبغي والإعراض والضلال هو استدراج لهم إلى أسوأ مصير. وأنه تدبير من الله ليحملوا أوزارهم كاملة، ويأتوا إلى الموقف مثقلين بالذنوب، مستحقين للخزي والرهق والتعذيب.. وليس أكبر من التحذير، وكشف الاستدراج والتدبير، عدلاً ولا رحمة. والله سبحانه يقدم لأعدائه وأعداء دينه ورسوله عدله ورحمته في هذا التحذير وذلك النذير. وهم بعد ذلك وما يختارون لأنفسهم، فقد كشف القناع ووضحت الأمور! إنه سبحانه يمهل ولا يهمل. ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. وهو هنا يكشف عن طريقته وعن سنته التي قدرها بمشيئته. ويقول لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذرني ومن يكذب بهذا الحديث، وخل بيني وبين المعتزين بالمال والبنين والجاه والسلطان. فسأملي لهم، واجعل هذه النعمة فخهم! فيطمئن رسوله، ويحذر أعداءه.. ثم يدعهم لذلك التهديد الرعيب! وفي ظل مشهد القيامة المكروب وظل هذا التهديد المرهوب يكمل الجدل والتحدي والتعجيب من موقفهم الغريب: {أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون؟}.. فثقل الغرامة التي تطلبها منهم أجراً على الهداية هو الذي يدفعهم إلى الإعراض والتكذيب، ويجعلهم يؤثرون ذلك المصير البشع، على فداحة ما يؤدون؟! {أم عندهم الغيب فهم يكتبون؟}.. ومن ثم فهم على ثقة مما في الغيب، فلا يخيفهم ما ينتظرهم فيه، فقد اطلعوا عليه وكتبوه وعرفوه؟ أو أنهم هم الذين كتبوا ما فيه. فكتبوه ضامناً لما يشتهون؟ ولا هذا ولا ذاك؟ فما لهم يقفون هذا الموقف الغريب المريب؟! وبذلك التعبير الموحي الرعيب: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث}.. وبالإعلان عن خطة المعركة والكشف عن سنة الحرب بين الله وأعدائه المخدوعين.. بهذا وذلك يخلي الله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين من المعركة بين الإيمان والكفر. وبين الحق والباطل. فهي معركته ـ سبحانه، وهي حربه التي يتولاها بذاته. والأمر كذلك في حقيقته، مهما بدا أن للنبي ـ صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين دوراً في هذه الحرب أصيلاً. إن دورهم حين ييسره الله لهم هو طرف من قدر الله في حربه مع أعدائه. فهم أداة يفعل الله بها أو لا يفعل. وهو في الحالين فعال لما يريد. وهو في الحالين يتولى المعركة بذاته وفق سنته التي يريد. وهذا النص نزل والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مكة، والمؤمنون معه قلة لا تقدر على شيء. فكانت فيه الطمأنينة للمستضعفين، والفزع للمغترين بالقوة والجاه والمال والبنين. ثم تغيرت الأحوال والأوضاع في المدينة. وشاء الله أن يكون للرسول ومن معه من المؤمنين دور ظاهر في المعركة. ولكنه هنالك أكد لهم ذلك القول الذي قاله لهم وهم في مكة قلة مستضعفون. وقال لهم وهم منتصرون في بدر: {أية : فلم تقتلوهم ولـكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولـكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً، إن الله سميع عليم }.. تفسير : وذلك ليقر في قلوبهم هذه الحقيقة. حقيقة أن المعركة معركته هو سبحانه. وأن الحرب حربه هو سبحانه. وأن القضية قضيته هو سبحانه. وأنه حين يجعل لهم فيها دوراً فإنما ذلك ليبليهم منه بلاء حسناً. وليكتب لهم بهذا البلاء أجراً. أما حقيقة الحرب فهو الذي يتولاها. وأما حقيقة النصر فهو الذي يكتبها.. وهو سبحانه يجريها بهم وبدونهم. وهم حين يخوضونها أداة لقدرته ليست هي الأداة الوحيدة في يده! وهي حقيقة واضحة من خلال النصوص القرآنية في كل موضع، وفي كل حال، وفي كل وضع. كما أنها هي الحقيقة التي تتفق مع التصور الإيماني لقدرة الله وقدره، ولسنته ومشيئته، ولحقيقة القدرة البشرية التي تنطلق لتحقيق قدر الله.. أداة.. ولن تزيد على أن تكون أداة.. وهي حقيقة تسكب الطمأنينة في قلب المؤمن، في حالتي قوته وضعفه على السواء. ما دام يخلص قلبه لله، ويتوكل في جهاده على الله. فقوته ليست هي التي تنصره في معركة الحق والباطل والإيمان والكفر، إنما هو الله الذي يكفل له النصر. وضعفه لا يهزمه لأن قوة الله من ورائه وهي التي تتولى المعركة وتكفل له النصر. ولكن الله يملي ويستدرج ويقدر الأمور في مواقيتها وفق مشيئته وحكمته، ووفق عدله ورحمته. كما أنها حقيقة تفزع قلب العدو، سواء كان المؤمن أمامه في حالة ضعف أم في حالة قوة. فليس المؤمن هو الذي ينازله، إنما هو الله الذي يتولى المعركة بقوته وجبروته. الله الذي يقول لنبيه {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} وخل بيني وبين هذا البائس المتعوس! والله يملي ويستدرج فهو في الفخ الرعيب المفزع المخيف، ولو كان في أوج قوته وعدته.. فهذه القوة هي ذاتها الفخ وهذه العدة هي ذاتها المصيدة.. {وأملي لهم إن كيدي متين}! أما متى يكون. فذلك علم الله المكنون! فمن يأمن غيب الله ومكره؟ وهل يأمن مكر الله إلا القوم الفاسقون؟ وأمام هذه الحقيقة يوجه الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الصبر. الصبر على تكاليف الرسالة. والصبر على التواءات النفوس. والصبر على الأذى والتكذيب. الصبر حتى يحكم الله في الوقت المقدر كما يريد. ويذكره بتجربة أخ له من قبل ضاق صدره بهذه التكاليف، فلولا أن تداركته نعمة الله لنبذ وهو مذموم: {فاصبر لحكم ربك، ولا تكن كصاحب الحوت. إذ نادى وهو مكظوم. لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء وهو مذموم. فاجتباه ربه فجعله من الصالحين}.. وصاحب الحوت هو يونس ـ عليه السلام ـ كما جاء في سورة الصافات. وملخص تجربته التي يذكر الله بها محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتكون له زاداً ورصيدا، وهو خاتم النبيين، الذي سبقته تجارب النبيين أجمعين في حقل الرسالة، ليكون هو صاحب الحصاد الأخير، وصاحب الرصيد الأخير، وصاحب الزاد الأخير. فيعينه هذا على عبئه الثقيل الكبير. عبء هداية البشرية جميعها لا قبيلة ولا قرية ولا أمة. وعبء هداية الأجيال جميعها لا جيل واحد ولا قرن واحد كما كانت مهمة الرسل قبله. وعبء إمداد البشرية بعده بكل أجيالها وكل أقوامها بمنهج دائم ثابت صالح لتلبية ما يجد في حياتها من أحوال وأوضاع وتجارب. وكل يوم يأتي بجديد.. ملخص تلك التجربة أن يونس بن متى ـ سلام الله عليه ـ أرسله الله إلى أهل قرية. قيل اسمها نينوى بالموصل. فاستبطأ إيمانهم، وشق عليه تلكؤهم، فتركهم مغاضباً قائلاً في نفسه: إن الله لن يضيق عليّ بالبقاء بين هؤلاء المتعنتين المعاندين، وهو قادر على أن يرسلني إلى قوم آخرين! وقد قاده الغضب والضيق إلى شاطئ البحر، حيث ركب سفينته، فلما كانوا في وسط اللج ثقلت السفينة وتعرضت للغرق. فأقرعوا بين الركاب للتخفف من واحد منهم لتخف السفينة.. فكانت القرعة على يونس.. فألقوه في اليم فابتلعه الحوت. عندئذ نادى يونس ـ وهو كظيم ـ في هذا الكرب الشديد في الظلمات في بطن الحوت، وفي وسط اللجة، نادى ربه: {أية : لا إلـه إلا أنت سبحانك! إني كنت من الظالمين}تفسير : فتداركته نعمة من ربه، فنبذه الحوت على الشاطئ.. لحماً بلا جلد.. ذاب جلده في بطن الحوت. وحفظ الله حياته بقدرته التي لا يقيدها قيد من مألوف البشر المحدود! وهنا يقول: إنه لولا هذه النعمة لنبذه الحوت وهو مذموم. أي مذموم من ربه. على فعلته. وقلة صبره. وتصرفه في شأن نفسه قبل أن يأذن الله له. ولكن نعمة الله وقته هذا، وقبل الله تسبيحه واعترافه وندمه. وعلم منه ما يستحق عليه النعمة والاجتباء. {فاجتباه ربه فجعله من الصالحين}.. هذه هي التجربة التي مر بها صاحب الحوت. يذكر الله بها رسوله محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ في موقف العنت والتكذيب. بعد ما أخلاه من المعركة كما هي الحقيقة، وأمره بتركها له يتولاها كما يريد. وقتما يريد. وكلفه الصبر لحكم الله وقضائه في تحديد الموعد، وفي مشتقات الطريق حتى يحين الموعد المضروب! إن مشقة الدعوة الحقيقية هي مشقة الصبر لحكم الله، حتى يأتي موعده، في الوقت الذي يريده بحكمته. في الطريق مشقات كثيرة. مشقات التكذيب والتعذيب. ومشقات الالتواء والعناد. ومشقات انتفاش الباطل وانتفاخه. ومشقات افتتان الناس بالباطل المزهو المنتصر فيما تراه العيون. ثم مشقات إمساك النفس على هذا كله راضية مستقرة مطمئنة إلى وعد الله الحق، لا ترتاب ولا تتردد في قطع الطريق، مهما تكن مشقات الطريق.. وهو جهد ضخم مرهق يحتاج إلى عزم وصبر ومدد من الله وتوفيق.. أما المعركة ذاتها فقد قضى الله فيها، وقدر أنه هو الذي يتولاها، كما قدر أنه يملي ويستدرج لحكمة يراها. كذلك وعد نبيه الكريم، فصدقه الوعد بعد حين. وفي الختام يرسم مشهداً للكافرين وهم يتلقون الدعوة من الرسول الكريم، في غيظ عنيف، وحسد عميق ينسكب في نظرات مسمومة قاتلة يوجهونها إليه، ويصفها القرآن بما لا مزيد عليه: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر. ويقولون: إنه لمجنون}. فهذه النظرات تكاد تؤثر في أقدام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتجعلها تزل وتزلق وتفقد توازنها على الأرض وثباتها! وهو تعبير فائق عما تحمله هذه النظرات من غيظ وحنق وشر وحسد ونقمة وضغن، وحمى وسم.. مصحوبة هذه النظرات المسمومة المحمومة بالسب القبيح، والشتم البذيء، والافتراء الذميم: {ويقولون: إنه لمجنون}.. وهو مشهد تلتقطه الريشة المبدعة وتسجله من مشاهد الدعوة العامة في مكة. فهو لا يكون إلا في حلقة عامة بين كبار المعاندين المجرمين، الذين ينبعث من قلوبهم وفي نظراتهم كل هذا الحقد الذميم المحموم! يعقب عليه بالقول الفصل الذي ينهي كل قول: {وما هو إلا ذكر للعالمين}. والذكر لا يقوله مجنون، ولا يحمله مجنون.. وصدق الله وكذب المفترون.. ولا بد قبل نهاية الحديث من لفتة إلى كلمة {للعالمين}.. هنا والدعوة في مكة تقابل بذلك الجحود، ويقابل رسولها بتلك النظرات المسمومة المحمومة، ويرصد المشركون لحربها كل ما يملكون.. وهي في هذا الوقت المبكر، وفي هذا الضيق المستحكم، تعلن عن عالميتها. كما هي طبيعتها وحقيقتها. فلم تكن هذه الصفة جديدة عليها حين انتصرت في المدينة ـ كما يدعي المفترون اليوم ـ إنما كانت صفة مبكرة في أيام مكة الأولى. لأنها حقيقة ثابتة في صلب هذه الدعوة منذ نشأتها. كذلك أرادها الله. وكذلك اتجهت منذ أيامها الأولى. وكذلك تتجه إلى آخر الزمان. والله الذي أرادها كما أرادها هو صاحبها وراعيها. وهو المدافع عنها وحاميها. وهو الذي يتولى المعركة مع المكذبين. وليس على أصحابها إلا الصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين..
ابن عاشور
تفسير : افتتاح هذه السورة بأحد حروف الهجاء جار على طريقة أمثالها من فواتح السور ذوات الحروف المقطعة المبيّنة في سورة البقرة وهذه أول سورة نزلت مفتتحة بحرف مقطع من حروف الهجاء. ورَسمُوا حرف {ن} بصورته التي يرسم بها في الخط وهي مسمّى اسمه الذي هو {نُون} (بنوننٍ بعدها واو ثم نون) وكان القياس أن تكتب الحُروف الثلاثةُ لأن الكتابة تبَع للنطق والمنطوق به هو اسم الحرف لا ذاته، لأنك إذا أردتَ كتابةَ سيف مثلاً فإنما ترسم سينا، وياء، وفَاء، ولا ترسم صورة سَيْف. وإنما يُقرأ باسم الحرف لا بهجائه كما تقدم في أول سورة البقرة. ويُنطق باسم نون ساكنَ الآخر سكون الكلمات قبل دخول العوامل عليها، وكذلك قرىء في القراءات المتواترة. {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} يجري القَسَم هنا على سنن الأقسام الصادرة في كلام الله تعالى أن تكون بأشياء معظمة دالة على آثار صفات الله تعالى. و {القلم} المقْسَم به قيل هو ما يكنى عنه بالقلم من تعلق علم الله بالموجودات الكائنة والتي ستكون، أو هو كائن غيبي لا يعلمه إلاّ الله. وعن مجاهد وقتادة: أنه القلم الذي في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} تفسير : [العلق: 4- 5]. قلت: وهذا هو المناسب لقوله: {وما يسطرون} في الظاهر وهو الذي يقتضيه حال المشركين المقصودين بالخطاب الذين لا يعرفون إلاّ القلم الذي هو آلة الكتابة عند أهل الكِتاب وعند الذين يعرفون الكتابة من العرب. ومن فوائد هذا القسم أن هذا القرآن كتاب الإِسلام، وأنه سيكون مكتوباً مقروءاً بين المسلمين، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بكتابة ما يوحى به إليه وتعريف {القلم} تعريف الجنس. فالقسم بالقلم لشرفه بأنه يُكتب به القرآن وكتبت به الكتب المقدسة وتكتب به كتب التربية ومكارم الأخلاق والعلوم وكل ذلك مما له حظ شرف عند الله تعالى. وهذا يرجحه أن الله نوّه بالقلم في أول سورة نزلت من القرآن بقوله: {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}تفسير : [العلق: 3- 5]. و {ما يسطرون} هي السطور المكتوبة بالقلم. و {مَا} يجوز أن تكون موصولة، أي وما يكتبونه من الصحف، ويجوز أن تكون مصدرية، والمعنى: وسَطْرِهم الكتابة سطوراً. ويجوز أن يكون قسَماً بالأقلام التي يكتب بها كتَّاب الوحي القرآن، {وما يسطرون} قَسَماً بكتابهم، فيكون قَسَماًَ بالقرآن على أن القرآن ما هو بكلام مجنون كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً}تفسير : [الزخرف: 2- 3]، وتنظيره بقول أبي تمام: شعر : وثناياكِ إنها أغريض... البيت تفسير : و {يسطرون}: مضارع سطَر، يقال: سَطَر من باب نصر، إذا كتب كلمات عدة تحصل منها صفوف من الكتابة، وأصله مشتق من السّطر وهو القطع، لأن صفوف الكتابة كأنها قِطَع. وضمير {يسطرون} راجع إلى غير مذكور في الكلام وهو معلوم للسامعين لأن ذكر القلم يُنبىء بِكَتَبةٍ يكتبون به فكان لفظ القَسم متعلقاً بآلة الكتابة والكتابةِ، والمقصود: المكتوب في إطلاق المصدر على المفعول، فهو بمنزلة الفعل المبني للمجهول لأن الساطرين غير معلومين، فكأنه قيل: والمَسطور، نظير قوله تعالى: {أية : وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ}تفسير : [الطور: 2- 3]. ومن فسر {القلم} بمعنى تعلق علم الله تعالى بما سيكون جَعَل ضمير {يسطرون} راجعاً إلى الملائكة فيكون السّطر رمزاً لتنفيذ الملائكة ما أمر الله بتنفيذه حين تلقي ذلك، أي يكتبون ذلك للعمل به أو لإِبلاغه مِن بعضهم إلى بعض على وجه لا يقبل الزيادة ولا النقصان، فشبه ذلك الضبط بضبط الكاتب ما يريد إبلاغه بدون تغيير. وأوثر القسم بالقلم والكتابة للإِيماء إلى أن باعث الطاعنين على الرسول صلى الله عليه وسلم واللاَّمِزين له بالجنون، إنما هو أتاهم به من الكتاب. والمقْسَمُ عليه نفيُ أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مجنوناً والخطاب له بهذا تسلية له لئلا يحزنه قول المشركين لمَّا دعاهم إلى الإسلام: هو مجنون، وذلك ما شافهوا به النبي صلى الله عليه وسلم وحكاه الله عنهم في آخر السورة [القلم: 51] {أية : وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}. تفسير : وهكذا كل ما ورد فيه نفي صفة الجنون عنه فإنما هو رد على أقوال المشركين كقوله: {أية : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}تفسير : [التكوير: 22]. وقد زل فيه صاحب "الكشاف" زلة لا تليق بعلمه. والمقصود من نفي الجنون عنه إثبات ما قصد المشركون نفيه وهو أن يكون رسولاً من الله لأنهم لما نفَوا عنه صفة الرسالة وضعوا موضعَها صفة الجنون، فإذا نفي ما زعموه فقد ثبت ما ادعاه. وقد أُجيب قولهم وتأكيدهم ذلك بحرف (إن) ولام الابتداء إذ قالوا {أية : إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [القلم: 51] بمؤكدات أقوى مما في كلامهم إذ أقسم عليه وجيء بعد النفي بالباء التي تزاد بعد النفي لتأكيده، وبالجملة الإسمية منفية لدلالة الجملة الإسمية على ثبات الخبر، أي تحققه فهذه ثلاثة مؤكدات. وقوله: {بنعمة ربك} جعله في "الكشاف" حالاً من الضمير الذي في مجنون المنفي. والتقدير: انتفى وصف المجنون بنعمة ربك عليك، والباء للملابسة أو السببية، أي بسبب إنعام الله إذ برأك من النقائص. والذي أرى أن تكون جملة معترضة وأن الباء متعلقة بمحذوف يدل عليه المقام وتقديره: أن ذلك بنعمة ربك، على نحو ما قيل في تعلق الباء في قوله: {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 41] وهو الذي يقتضيه استعمالهم كقول الحماسي الفضل بن عباس اللهبي: شعر : كُل له نيةٌ في بغض صاحبه بنعمةِ الله نَقْليكم وتَقْلُونا تفسير : وذهب ابن الحاجب في "أماليه" أن {بنعمة ربك} متعلق بما يتضمنه حرف {مَا} النافية من معنى الفعل وقدّره: انتفى أن تكون مجنوناً بنعمة ربك. ولا يصح تعلقه بقوله: (مجنون) إذ لو علق به لأوْهم نفي جنون خاص وهو الجنون الذي يكون من نعمة الله وليس ذلك بمستقيم، واستحسن هذا ابن هشام في "مغني اللبيب" في الباب الثالث لَولا أنه مخالف لاتفاق النحاة على عدم صحة تعلق الظرف بالحرف ولم يخالفهم في ذلك إلاّ أبو علي وأبو الفتح في خصوص تعلق المجرور والظرف بمعنى الحرف النائب عن فعل مثل حرف النداء في قولك: يَا لَزْيد (يريد في الاستغاثة)، وتقدم نظيره في قوله: {أية : فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ} تفسير : في سورة الطور (29). ولما ثبَّت الله رسوله صلى الله عليه وسلم فدفع بهتان أعدائه أعقبه بإكرامه بأجر عظيم على ما لَقيه من المشركين من أذى بقوله: {وإن لك لأجراً غير ممنون} بقرينة وقوعه عقب قوله: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}، مؤكداً ذلك بحرف {إنَّ} وبلام الابتداء وبتقديم المجرور وهو في قوله {لك}. وهذا الأجر هو ثواب الله في الآخرة وعناية الله به ونصره في الدنيا. و {مَمنون} يجوز أن يكون مشتقاً من مَنّ المعطِي على المعطَى إذا عَدّ عليه عطاءَه وذكَره له، أو افتخر عليه به فإن ذلك يسوء المعطَى، قال النابغة: شعر : عليَّ لعَمْرو نعمةٌ بعدَ نعمةٍ لوالدِهِ ليست بذاتِ عقارب تفسير : أي ليس فيها أذى، والمنَّ من الأذى قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} تفسير : [البقرة: 264]. وقد انتزع من هذه الآية عبد الله بن الزَّبير (بكسر الموحدة) أو غيرهُ في قوله: شعر : أياديَ لَم تُمْنَنْ وإن هِيَ جلّت تفسير : قبله: شعر : سأشكرُ عَمْراً إنْ تراخت منيتي تفسير : ومراده عَمْرو بن سعيد المعروف بالأشدق. ويجوز أن يكون المنون {ممنون} مشتقاً من قولهم: منَّ الحبلَ، إذا قطعه، أي أجراً غير مقطوع عنك، وهو الثواب المتزايد كل يوم، أو أجراً أبدياً في الآخرة، ولهذا كان لإِيثار كلمة {ممنون} هنا من الإِيجاز بجمع معنيين بخلاف قوله:{أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}تفسير : في سورة هود (108) لأن ما هنا تكرمة للرسول صلى الله عليه وسلم. وبعد أن آنسَ نفس رسوله صلى الله عليه وسلم بالوعد عاد إلى تسفيه قول الأعداء فحقق أنه متلبس بخلق عظيم وذلك ضد الجنون مؤكداً ذلك بثلاثة مؤكدات مثل ما في الجملة قبله. والخُلق: طباع النفس، وأكثر إطلاقه على طباع الخير إذا لم يُتْبع بنعت، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ}تفسير : في سورة الشعراء (137). والعظيم: الرفيع القدر وهو مستعار من ضخامة الجسم، وشاعت هذه الاستعارة حتى ساوت الحقيقة. و (على) للاستعلاء المجازي المراد به التمكن كقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} تفسير : [البقرة: 5] ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [النمل: 79]، {أية : إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 43]، {أية : إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الحج: 67]. وفي حديث عائشة "حديث : أنها سُئلت عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن"تفسير : أي ما تضمنه القرآن من إيقاع الفضائل والمكارم والنهي عن أضدادها. والخلق العظيم: هو الخُلق الأكرم في نوع الأخلاق وهو البالغ أشد الكمال المحمود في طبع الإِنسان لاجتماع مكارم الأخلاق في النبي صلى الله عليه وسلم فهو حسن معاملته الناسَ على اختلاف الأحوال المقتضية لحسن المعاملة، فالخلق العظيم أرفَعُ من مطلق الخلُق الحسن. ولهذا قالت عائشة: "حديث : كان خلقه القرآن"تفسير : ، ألستَ تقرأ: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1] الآيات العشر. وعن عليّ: الخلقُ العظيم: هو أدب القرآن ويشمل ذلك كل ما وصف به القرآن محامد الأخلاق وما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم من نحو قوله: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} تفسير : [آل عمران: 159] وقوله: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 199] وغير ذلك من آيات القرآن. وما أخذ به من الأدب بطريق الوحي غير القرآن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما بعثت لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاق"تفسير : ، فجعل أصل شريعته إكمال ما يحتاجه البشر من مكارم الأخلاق في نفوسهم، ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكبر مظهر لما في شرعه قال تعالى: {أية : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا}تفسير : [الجاثية: 18] وأمرَه أن يقول: {أية : وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 163]. فكما جعل الله رسوله صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم جعل شريعته لحمل الناس على التخلق بالخلق العظيم بمنتهى الاستطاعة. وبهذا يزداد وضوحاً معنى التمكن الذي أفاده حرف الاستعلاء في قوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} فهو متمكن منه الخلق العظيم في نفسه، ومتمكن منه في دعوته الدينية. واعلم أن جُماع الخلق العظيم الذي هو أعلى الخلق الحسن هو التدين، ومعرفة الحقائق، وحلم النفس، والعدل، والصبر على المتاعب، والاعتراف للمحسن، والتواضع، والزهد، والعفة، والعفو، والجمود، والحياء، والشجاعة، وحسن الصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسنُ المعاملة والمعاشرة. والأخلاق كامنة في النفس ومظاهرها تصرفات صاحبها في كلامه، وطلاقة وجهه، وثباته، وحُكمه، وحركته وسكونه، وطعامه وشرابه، وتأديب أهله ومَن لنظره، وما يترتب على ذلك من حرمته عند الناس، وحسن الثناء عليه والسُّمعة. وأما مظاهرها في رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي ذلك كله وفي سياسته أمته، وفيما خص به فصاحة كلامه وجوامع كلمه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {نۤ}. تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور عند الكلام على أول سورة هود: وذكر الأقوال كلها، وهي خمسة أقوال. فقيل: إنها مما استأثر الله بعلمه أو أنها من أسماء الله، أو مركبة من عدة حروف كل حرف من اسم، أو أسماء للسور، أو أنها للأعجاز، وبين رحمه الله وجه كل قول منها، ورجح الأخير، وأنها للإعجاز بدليل أنه يأتي بعدها دائماً الانتصار للقرآن، وقد بسط البحث بما يكفي ويشفي. وقال ابن كثير بأقوال أخرى، منها أن {نۤ} [القلم: 1] بمعنى الدواة أي بمناسبة ذكر القلم، وعزاه إلى الحسن وقتادة، وقال إن فيه حديثاً مرفوعاً، ولكن غريب جداً، وهو عن ابن عباس: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: أكتب الحديث. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : خلق الله النون وهي الدواة " تفسير : وذكر ابن جرير كل هذه الأوجه وزاد أوجهاً أخرى: منها انها افتتاحيات لأوائل السور تسترعي انتباه المستمعين، ثم يتلى عيهم ما بعدها. وقيل: هي من حساب الجمل وغير ذلك. وقد ذكر ابن جرير عند أول سورة الشورى: {أية : حـمۤ * عۤسۤقۤ}تفسير : [الشورى: 1-2] أثراً نقله عنه ابن كثير واستغربه واستنكره، ولكن وقع ما يقرب من مصداقه ومطابقته مطابقة تامة. ونصه من ابن جرير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قول الله: {حـمۤ * عۤسۤقۤ}، قال فأطرق ثم أعرض عنه، ثم كرر مقالته فأعرض فلم يجبه بشيء، وكره مقالته، ثم كررها الثالثة فلم يجبه شيئاً. فقال له حذيفة: أنا أنبئك بها، وقد عرفت بم كرهها، نزلت في رجل من أهل بيته يقال له: عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق تنبني عليه مدينتان فشق النهر بينهما شقاً، فإذا أذن الله في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدنهم، بعث الله على إحداهما ناراً ليلاً فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت، فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم، ثم يخسف الله بها وبهم جميعاً، فذلك قوله: {حـمۤ * عۤسۤقۤ} يعني عزيمة من الله وفتنة وقضاء. {حـمۤ * عۤسۤقۤ} يعني عدلاً منه (سين) يعني سيكون {قۤ} يعني واقع بهاتين المدينتين اهـ. ومع استغراب ابن كثير إياه واستنكاره له، فقد وقع مثل ما يشير إليه الحديث على ثورة العراق على عبد الإله في بغداد، حيث يشقها النهر شقين، وأنه من آل البيت، وقد وقع بها ما جاء وصفه في الأثر المذكور.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- ن: حرف من حروف المعجم التى بدئت بعض السور بها تحدياً للمكذبين وتنبيهاً للمصدقين. 2- أقسم بالقلم الذى يكتب به الملائكة وغيرهم، وبما يكتبونه من الخير والمنافع، ما أنت - وقد أنعم الله عليك بالنبوة - بضعيف العقل، ولا سفيه الرأى. 3- وإن لك على ما تلقاه فى تبليغ الرسالة لثواباً عظيماً غير مقطوع. 4- وإنك لمستمسك بمحاسن الصفات ومحاسن الأفعال التى فطرك الله عليها. 5، 6- فعن قريب تبصر - يا محمد - ويبصر الكافرون بأيكم الجنون.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: نۤ: هو أحد الحروف المقطعة يكتب هكذا نۤ ويُقرأ نُون. والقلم وما يسطرون: أي والقلم الذي كتب به الذكر "القدر" والذي يخطون ويكتبون. ما أنت بنعمة ربك: أي لست بما أنعم الله عليك من النبوة وما وهبك من الكمال. بمجنون: أي بذي جنون كما يزعم المشركون. غير ممنون: أي غير مقطوع بل هو دائم أبدا. بأيكم المفتون: أي بأيّكم الجنون. معنى الآيات: قوله تعالى {نۤ} هذا أحد الحروف المقطعة نحو قۤ، وصۤ، وحـمۤ الله أعلم بمراده به وقوله تعالى {وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} أي والقلم الذي كتب أول ما خلق وقال له اكتب فقال ما اكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى بذلك وما يسطرون أي وما تسطره وتكتبه الملائكة نقلا من اللوح المحفوظ، وما يكتبه الكرام الكاتبون من أعمال العباد قسمي أي أقسم تعالى بشيئين الأول القلم، والثاني ما سطر به وكتب مما خلق من كل شيء. والمقسم عليه قوله {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} تكذيب للمشركين الذين قالوا إن محمداً مجنون بسبب ما رأوا من الوحي والتأثير به على من هداه الله للإِيمان، وقوله تعالى {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} هذا داخل تحت القسم أي مقسم عليه وهو أن للنبي صلى الله عليه وسلم أجراً غير مقطوع أبداً بسبب ما قدمه من أعمال صالحة أعظمها ما بينّه من الهدى وما سنّه من طرق الخير إذ من سنّ سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم الدين كما أن الجنة أجر كل عمل صالح وللرسول فيها أجر غير مقطوع بل له أعلاها وأفضلها وقوله {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} هذا أيضاً داخل في حيز المقسم عليه وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم لعلى خلق أي أدب عظيم حيث أدبه ربّه فكيف لا يكون أكمل الخلق أدباً وسيرته وما خوطب به في القرآن من مثل خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. ومثل وشاورهم في الأمر ومثل لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك إلى غير ذلك من الآداب الرفيعة التي أدب الله بها رسوله مما جعله أكمل الناس أدباً وخلقاً وقد سُئلت عائشة عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن وقال هو عن نفسه أدبني ربي فأحسن تأديبي وقال إنما بعثت لأُتمم مكارم الأخلاق. وقوله تعالى {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} أي دم على ما أنت عليه من الكمال يا رسولنا واصبر على دعوتنا فستبصر بعد قليل من الزمن ويبصر قومك المتهمون لك بالجنون بأيكم المفتون أي المجنون أنت - وحاشاك - أو هم. وقوله تعالى {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} في هذا الخبر تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له ليصبر على دعوة الله وفيه تهديد ووعيد للمشركين المكذبين فكون الله أعلم من كُل أحد بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين معناه أنه سيعذب حسب سنته الضال وسيرحم المهتدي. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير مسألة أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه. 2- بيان فضل القلم الذي يكتب به الهدى والخير. 3- تقرير عقيدة القضاء والقدر إذ كان ذلك بالقلم الذي أول ما خلق الله. 4- بيان كمال الرسول صلى الله عليه وسلم في أدبه وأخلاقه وجعله قدوة في ذلك.
القطان
تفسير : وما يسطرون: وما يكتبون. غير ممنون: غير مقطوع. فستبصر: فستعلم. ويبصرون: ويعلمون. بأيكم المفتون: بأيكم المجنون الذي ابتلي بآراء فاسدة. ودُّوا لو تدهن: احبوا ان تداري وتَلين لهم بالمصانعة والمقاربة بالكلام. فيدهنون: فيقاربون ويدارون. والمداهنة: ان يُظهر الرجل في امره خلاف ما يضمر. ولا تطع كل حلاف مهين: حلاف كثير الحلف، مهين: محتقر، حقير. همّاز: عياب طعان. مشّاء بنميم: كثير الوشاية والنميمة بين الناس. مناع للخير: بخيل، ويمنع الناس من عمل الخير. معتد: ظالم. أثيم: كثير الذنوب. عُتلّ: فظ، غليظ القلب. زنيم: دعيّ، يُعرف بالشر واللؤم. سنسِمه على الخرطوم: نجعل له علامة على أنفه. ن: حرف من حروف المعجم التي بُدئت بها بعض السور، وقد تقدّم الكلام عليها. أقسَم اللهُ تعالى بالقلم وما يُسطَر من الكتب، وفي هذا تعظيمٌ للقلم والكتابة والعِلم الذي جاء به الإسلام وحثّ عليه من أول آية نزلت {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ....} تفسير : [العلق: 1]. يقسم الله تعالى بنون والقلم وما يسطرون، منوّهاً بقيمة الكتابة معظّماً لشأنها، لينفيَ عن رسول الله ما كان يقوله المشركون عنه بأنه مجنون، فيردّ الله عليهم بقوله: {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}. لستَ يا محمد مجنوناً كما يزعمون، فقد أنعم اللهُ عليك بالنبوّة والرسالة، والعقل الراجح. {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} إن لك على ما تَلْقاه في تبليغ الرسالة الأجرَ العظيم الدائم الّذي لا ينقطع أبدا. {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} وهذه اكبرُ شهادة من عند ربّ العالمين. وهل هناك أعظمُ من هذه الشهادة للرسول الأمين الذي طُبع على الحياء والكرم والشجاعة والصفْح والحِلم وكل خلُق كريم!. روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "حديث : خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍّ قطّ، ولا قال لشيءٍ فعلتُه لِمَ فعلتَهُ؟ ولا لشيء لم أفعلُه ألا فعلتَه؟ ". تفسير : وروى الإمام أحمد عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: "حديث : ما ضرب رسولُ الله بيدِه خادماً قطّ ولا ضرب امرأةً، ولا ضرب بيدِه شيئا قط إِلا أَن يُجاهِد في سبيل الله، ولا خُيِّر بين شيئين قطّ الا كان أحبُّهما اليه أيسَرَهما. وكان أبعدَ الناس عن الإثم، ولا انتقمَ لنفسه من شيء يؤتى إليه الا أن تُنتَهك حرماتُ الله ". تفسير : ثم بعد ان نفَى عنه ما يقوله المشركون، ومدَحه بشهادةٍ عظمى، جاء يطمئنُهُ بأنه هو الفائز وأنهم هم الخاسرون فيقول: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} ستعلمُ أيها الرسولُ، وسَيعلمُ الكافرون الجاحدون من هو الضالّ المفتون. ثم أكد ذلك بقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} وهذا وعدٌ من الله يشير الى أن المستقبلَ سيكشف عن الحقيقة ويُثبِت أن هذا الرسول جاءَ برسالةٍ من عند الله، وهو على هدىً وحق، والمشركون على ضلالٍ مبين. وقد صدق وعدُ الله وظهرت الحقيقة، ونصره اللهُ وأظهر هذا الدينَ القيّم. {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}. إيّاك أن تلينَ لهؤلاء الجاحدين المكذّبين، فدُمْ على ما أنت عليه، فقد تمنَّوا لو تتركُ بعضَ ما أنتَ عليه وتلينُ لهم وتصانِعُهم فَيَلينون لك طمعاً في تَجاوُبك معهم. وقد حاول زعماءُ قريشٍ ان يساوموه، وأن يجمعوا له الأموال، وان يُمَلِّكوه عليهم، وهم لا يَعلمون أن هذا الرسول الكريم فوقَ هذا كلّه، لا يريدُ منهم جزاءً ولا شُكورا، ولا يريد إلا هدايتَهم إلى هذا الدينِ القويم. ثم بيّن بعضَ صفات أولئك المكذّبين الذين هانت عليهم نفوسُهم فقال: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ}. وفي هذه الآيات عدّد تسع صفات من صفات السوء أثبتنا تفسيرَها في أول الكلام على السورة. ويقول المفسّرون ان هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان من زعماء قريش الأثرياء. وهناك أقوال كثيرةٌ لا حاجة الى إيرادها، فالآياتُ عامة في كلّ من يكذِب ويحلِف كذبا، وينمُّ ويمشي بالسوءِ بين الناس، ويثير الفتنَ والشرَّ بينهم. وهذه الأصنافُ من البشَر موجودةٌ في كل زمانٍ فَلْنحذَرْها ونتقي شرّها. وقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه ان ينقلَ إليه أحدٌ منهم ما يُغيِّر قلبه على صاحبٍ من أصحابه. وكان يقول: "حديث : لا يبلّغني أحدٌ عن أحدٍ من أصحابي شيئا، فإني أُحبّ أن أخرجَ إليكم وأنا سليمُ الصدر"تفسير : ، رواه ابو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يدخلُ الجنةَ فتّان" تفسير : والفتان هو النمّام. وهناك أحاديثُ كثيرة تحذّر من هذه الأخلاق الفاسدة، فالإسلامُ جاء لينقِّيَ الأخلاقَ، ويعلّم الناسَ الخير، ورفيعَ الاخلاق، والمعاملةَ الطيبة، وحُسنَ المعاشرة، وهو يشدِّد في النهي عن الخلُق الذميم الوضيع. وكان صاحبُ هذا الخلق الذميم في أيامه ذا مالٍ كثيرٍ وعدد من البنين، وهذا سببٌ كبير في كذبه وسوء خلقه، فلا تطعْه أيها الرسول، فإنه جاحد. {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} إنه يكذّب بالقرآن الكريم ويقول عن آياته إنها خرافات من قصص الأولين لا آياتٍ من عند الله. وبعد ان ذكَر قبائح أفعاله توعّده بشرٍ عظيم فقال: {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} سنجعلُ له وسْماً وعلامةً على أنفه يوم القيامة، أي أنّنا سنفضح أمره حتى لا يخفى على أحدٍ في الدنيا، ثم يأتي يومَ القيامة وعلى انفه وسمٌ ظاهر. قراءات: قرأ حمزة ويعقوب وابو بكر: أأن كان ذا مال، على الاستفهام. وقرأ ابن عامر آن كان بمد الهمزة. والباقون: أن كان ذا مال كما هو في المصحف.
د. أسعد حومد
تفسير : {نۤ} (1) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِحَرْفِ النُّونِ، وَبِالقَلَمِ وَمَا يَكْتُبُ النَّاسُ. (وَقِيلَ إِنَّ المَقْصُودَ بـ (نۤ) هِيَ الدَّوَاةُ لأَِنَّهَا عَلَى شَكْلِ حَرْفِ النُّونِ، وَقِيلَ إِنَّ المَقْصُودَ بِالقَلَمِ القَلَمُ الذِي أَجْرَاهُ اللهُ بِالقَدَرِ). (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: حديث : إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ. فَقَالَ: يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ. قَالَ: اكْتُبِ القَدَرَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِتفسير : ). (رَوَاهُ التِّرْمَذيُّ وَأَحْمَدُ). وَمَا يَسْطُرُونَ - وَالذِي يَكْتُبُونَ بِالقَلَمِ.
الثعلبي
تفسير : {نۤ} اختلف القراء فيه، فأظهر بعضهم نونه، وأخفاها الآخرون، وقرأ ابن عباس (ن) بكسر النون على إضمار حرف القسم، وقرأ عيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعّل، واختلف المفسّرون في معناه، فقال مجاهد ومقاتل ومرة الهمداني وعطاء الخراساني والسدي والكلبي : هو الحوت الذي يحمل الأرض، وهي رواية أبي طيسان عن ابن عباس قال : أوّل ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن، ثمّ رفع فخلق الماء فخلق منه السماوات، ثمّ خلق النون فبسط الأرض على ظهر النون، فتحرّكت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإنّ الجبال لتفخر على الأرض، ثمّ قرأ ابن عباس : {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} واختلفوا في اسمه: فقال الكلبي ومقاتل : يهموت، وقال أبو اليقظان والواقدي وأبو كعب: لوسا، وقال عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه : يلهوت، وقال الراجز: شعر : ما لي أراكم كلكم سكوتاً والله ربي خالق اليلهوتا تفسير : قالت الرواة : لمّا خلق الله تعالى الأرض وفتقها بعث الله سبحانه من تحت العرش ملكاً، فهبط إلى الأرض حتّى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب باسطتين قابضتين على الأرضين السبع، حتى ضبطها ولم يكن لقدمه موضع قرار، فأهبط الله تعالى من الفردوس ثوراً له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم يستقر قدماه، فاحدر الله تعالى ياقوتة حمراء من أعلى درجة في الفردوس، غلظها مسيرة خمس مائة عام، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر، فهو يتنفس كلّ يوم نفساً فإذا تنفس مد البحر، وإذا مدّ نفسه جزر فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله صخرة خضراء كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرّت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لأبنه: {أية : فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} تفسير : الآية [لقمان: 16]، فلم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله تعالى نوناً وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وبسائر جانبه، والحوت على البحر على متن الريح، والريح على القدرة وثقل الدنيا كلّها بما عليها حرفان من كتاب الله تعالى قال لها الجبّار: كوني، فكانت. وقال كعب الأحبار: إنّ إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلّها فوسوس إليه، وقال: أتدري ما على ظهرك يالوتيا من الأمم والدواب والشجر والجبال وغيرها لو نفضتهم ألقيتهم من ظهرك أجمع، قال: فهمّ لوتيا أن يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابّة فدخلت منخره ووصلت إلى دماغه فضج الحوت إلى الله تعالى منها، فأذن لها فخرجت، قال كعب: والذي نفسي بيده لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت. وقال بعضهم: هي آخر حروف الرحمن، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: ألر وحم ونون، حروف الرحمن تبارك وتعالى مقطعة. وقال الحسن وقتادة والضحاك: النون: الدواة، وهي رواية ثابت اليماني عن ابن عباس، وقال فيه الشاعر: شعر : إذا ما الشوق يرح بي إليهم ألقت النون بالدمع السجوم تفسير : وقال معاوية بن قرة: هو لوح من نور، ورفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد: هو قسم أقسم الله تعالى به، ابن كيسان: فاتحة السورة، عطاء: افتتاح اسمه نور وناصر ونصير [القرظي]: أقسم الله تعالى بنصرته المؤمنين بيانه قوله: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ}تفسير : [الروم: 47]، جعفر الصادق: هو نهر في الجنّة. {وَٱلْقَلَمِ} وهو الذي كتب به الذكر، وهو قلم من نور ما بين السماء والأرض ويقال: لمّا خلق الله تعالى القلم وهو أوّل ما خلقه نظر إليه فانشقّ نصفين، ثمّ قال: اجرِ، فقال: يا ربّ بم أجري، فقال: بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك. قال عطا: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت، كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: دعاني فقال: أي بني اتقِ الله واعلم أنّك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده والقدر خيره وشره، إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنّ أوّل ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: يا ربّ وما أكتب؟ فقال: اكتب العلم وقال: فجرى القلم في تلك الساعة وما هو كائن إلى الأبد ". تفسير : وحكي أنّ ابن الزيّات دخل على بعض الخلفاء فوجده مغموماً، وقال له: روّح عني يابن الزيّات، فأنشأ يقول: شعر : اللهم فضل والقضاء غالب وكان الخطّ في اللوح انتظر الروح وأسبابه أيئس ما كنت في الروح تفسير : وهل أراد بالقلم الخطّ والكتابة الذي امننّ الله تعالى على عباده بتعليمه إياهم؟ ذلك كما قال: {أية : عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ} تفسير : [العلق: 4]. وقد أكثر الحكماء والبلغاء في وصف القلم ونفعه فلم أُراد إخلال هذا الكتاب عن تدبر فصوصه؟ فقال ابن هيثم: من جلالة القلم أنّه لم يكتب لله تعالى كتاب إلاّ به لذلك أقسم الله تعالى به. وقيل: الأقلام مطايا الفطن ورسل الكرام. وقيل: القلم الظِلم الأكبر. وقيل: البيان اثنان: بيان لسان وبيان بنان، وفضل بيان البنان أنّ ما تثبته الأقلام باق على الأَيام، وبيان اللسان تدرسه الأعوام. وقال بعض الحكماء: قوام أمور الدين والدنيا شيئان: القلم والسيف، والسيف تحت العلم وفيه يقول شاعرهم: شعر : إن يخدم القلم السيف الذي خضعت له الرقاب ودانت دون حذره الأمم فالموت والموت لا شيء يغالبه ما زال يتبع ما يجرى به القلم كذا قضى الله للأقلام مذ بُرئت إن السيوف لها مذ أرهفت خدم تفسير : وللصنوبري: شعر : قلم من القصب الضعيف الأجوف أمضى من الرمح الطويل الأثيف ومن النصال إذا بدت لقيتها ومن المهنّد للصقال المرهفِ وأشدّ إقداماً من الليث الذي يكوي القلوب إذا بدا في الموقف تفسير : أنشد أبو القيّم السدوني، قال: أنشدني عبد السميع الهاشمي، قال: أنشدني ابن صفون لأبي تمّام في معناه: شعر : ولضربة من كاتب في بيانه أمضى وأبلغ من رقيق حُسام قوم إذا عزموا عداوة حاسد سفكوا الدماء بأسنّة الأقلام تفسير : وللبحتري: شعر : قوم إذا أجدوا الأقلام عن غضب ثمّ استمدّوا بها ماء المنيّاتِ نالوا بها من أعاديهم وأن كثروا ما لا ينالوا على المشرفيات تفسير : وقال آخر: شعر : ما السيف غضباً يضيء رونقه أمضى على النائبات من قلمه تفسير : ولأبن الرومي: شعر : في كفّه قلم ناهيك من قلم نبلاً وناهيك من كفّ به اتّشحا يمحو ويُثبت أرزاق العباد به فما المقادير إلاّ ما وحى ومحا تفسير : قال: وأنشد بعضهم في وصفه: شعر : وأخرس ينطق بالمحكمات وجثمانه صامت أجوف كلّه ينطق في جفنه وبالثام منطقه يُعرف تفسير : والآخر في وصفه: شعر : نحف الشوى بعد ما على أم رأسه ويحفى ويقوى عدوه حين يقطع لجّ ظلاماً في نهار لسانه ويُفهم عمّن قال ما ليس يسمع اخذه وما شجرات نابتات بفقره إذا قطعت حارت مطايا الأصابع لهن بكاء العاشقين ولونهم سوى أيّها يبكن سود المدامع تفسير : آخر: هذا هو البيت الأول للبيتين التاليين. شعر : يناط نحدّه الأفراد طرّاً يمحي بعض خلق أو ممات بمشيه حيّة وبلون جان وجرم متيم وشيما الطيبات تفسير : قوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ} يكتبون، ويجوز أن يكون معناه ويسطرهم يعني السفرة. وقيل: جمع الكتبة {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} يعني أنّك لا تكون مجنوناً وقد أنعم الله عليك بالنبوّة. وقيل: بعصمة ربّك. وقيل: هو كما يُقال: ما أنت بمجنون والحمد لله. وقيل: معناه ما أنت بمجنون والنعمة لربّك كقولهم: سبحانك اللّهمّ وبحمدك، أي والحمد لك. وقال لبيد: شعر : وأُفردت في الدنيا بفقد عشيرتي وفارقني جار بأربد نافع تفسير : أي: وهو أربد. وقال النابغة: شعر : لم يحرموا حسن الغداء وأمّهم طفحت عليك بناتق مذكار تفسير : أي: وهو ناتق. {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} غير مقطوع ولا منقوص من قولهم: حبل منين إذا كان غير متين. {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال ابن عباس ومجاهد: دين عظيم، وقال الحسن: كان خلقه آداب القرآن، ونقلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها فقالت: كان خلقه القرآن. وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله، وقال جنيد: سمي خلقه عظيماً لأنّه لم يكن له همّة سوى الله. وقال الواسطي: لأنّه جاد بالكونين عوضاً عن الحقّ. وقيل: لأنّه عاشرهم بخلقه وزايلهم بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق، وأوصى بعض الحكماء رجلا فقال: عليك بالحقّ مع الخلق والصدق مع الحقّ. وقيل: لأنّه امتثل بالدنيا لله تعالى إياه بقوله: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ} تفسير : [الأعراف: 199] الآية. وقيل: عظم لَه خُلقه حيث صغّر الألوان في عينه ليعرف لهذه مكونها. وقيل: سمّي خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه تدلّ عليه ما أخبرنا أبو القيّم الحسن ابن محمد المفسّر، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفّار، حدّثنا ابن أبي الرما حدّثنا الدراوردي، عن ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بُعثت لأتُمّم مكارم الأخلاق ". تفسير : وقال: "حديث : أدّبني ربّي فأحسن تأديبي ". تفسير : أخبرنا أبو عمر وأحمد بن أبي الفرابي جد أبو العباس الأصم، حدّثنا ابن عبد الحكم أخبرنا أبي وشعيب، وأخبرنا الليث عن عمر بن أبي عمرو عن المطّلب بن عبد الله عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار ". تفسير : قال: وأخبرنا أحمد بن أبي الفرابي، أخبرنا منصور بن محمد السرخسي، حدّثنا محمد بن أيوب الرازي حدّثنا أبو الوليد حدّثنا شعبة عن القاسم وأبي قرة قال: سمعت عطاء الكيخاراني عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما شيء أثقل في الميزان من خُلق حسن ". تفسير : أخبرنا أحمد بن السري العروضي في درب الحاجب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن أحمد ابن جعفر العماني، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، حدثني أبي، حدّثنا عليّ بن موسى الرضا حدّثنا أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب رضي اله عنه قال: قال رسول الله: "حديث : عليكم بحسن الخُلق فإنّ حُسن الخُلق في الجنّة لا محالة، وإياكم وسوء الخُلق فإنّ سوء الخُلق في النار لا محالة ". تفسير : أخبرنا ابن فنجويّه حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شِنبه، حدّثنا سمعان عن ابن الجارود حدّثنا صالح عن سعيد بن جبير عن أبي عثمان اليهري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحبّكم إلى الله أحسنكم أخلاقاً الموطؤن أكنافاً الذين يألفون ويُؤلفون، وأبغضكم إلى الله المشّاؤون بالنميمة المفرّقون بين الأخوان الملتمسون للبراء العنت ".
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا شريك عن أَبي اليقظان، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس في قوله: {نۤ وَٱلْقَلَمِ} [الآية: 1]. قال: النون. الدواة، والقلم القلم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب، عن أَبي الضحى، عن ابن عباس قال: أَن أَول ما خلق الله، عز وجل، القلم قال له: اكتب ما هو كائن إِلى يوم القيامة. فكتب ما هو كائن إِلى يوم القيامة. ثم خلق "النون"، وهو الحوت، فكبس عليه الأَرض. فذلك قوله "نون" يعني الحوت [الآية:1]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا سليمان ابن حبان، عن الأَعمش، عن أَبي ظبيان، عن ابن عباس مثله.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {يَسْطُرُونَ} يكتبون، سَطَر العلمَ كتبه بالقلم {مَمْنُونٍ} مقطوع يقال: مننتُ الحبل إذا قطعته {عُتُلٍّ} العُتل: الغليظ الجافي، السريع إلى الشر، مأخوذ من العَتل وهو الجر {أية : خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ}تفسير : [الدخان: 47] قال في الصحاح: عَتلت الرجل إذا جذبته جذباً عنيفاً {زَنِيمٍ} الزنيمُ: الملصق بالقوم وليس منهم، وهو الدعيُّ الذي لا يعرف أبوه قال الشاعر: شعر : زنيمٌ ليس يُعرف من أبوه بغيُّ الأم ذو حَسبٍ لئيم تفسير : {صَارِمِينَ} صرم الشيء قطعه، وصرم النخلة قطع ثمرها {حَرْدٍ} قصد وعزم {زَعِيمٌ} كفيل وضمين {مَكْظُومٌ} مملوءٌ غيظاً وغماً. التفسِير: {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} نون حرف من الحروف المقطعة، ذكر للتنبيه على إِعجاز القرآن.. أقسم تعالى بالقلم الذي يكتب الناس به العلوم والمعارف، فإِن القلم أخو اللسان ونعمة من الرحمن على عباده والمعنى: أُقسم بالقلم وما يكتبه الكاتبون على صدق محمد وسلامته مما نسبه إِليه المجرمون من السفه والجنون، وفي القسم بالقلم والكتابة إِشادة بفضل الكتابة والقراءة، فالإِنسان من بين سائر المخلوقات خصه الله بمعرفة الكتابة ليفصح عما في ضميره {أية : ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}تفسير : [العلق: 4-5] وحسبك دليلاً على شرف القلم أن الله أقسم به في هذه السورة تمجيداً لشأن الكاتبين، ورفعاً من قدر أهل العلم، ففي القلم البيان كما في اللسان، وبه قوام العلوم والمعارف قال ابن كثير: والظاهر من قوله تعالى {وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} أنه جنس القلم الذي يكتب به، وهو قسم منه تعالى لتنبيه خلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} أي لست يا محمد بفضل الله وإنعامه عليك بالنبوة بمجنون، كما يقول الجهلة المجرمون، فأنت بحمد الله عاقل لا كما قالوا {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}تفسير : [الحجر: 6] قال ابن عطية: هذا جواب القسم، وقوله {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} اعتراض كما تقول للإِنسان: أنت - بحمد الله - فاضل {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي وإنّ لك لثوابا على ما تحملت من الأذى في سبيل تبليغ دعوة الله غير مقطوع ولا منقوص {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} أي وإِنك يا محمد لعلى أدب رفيع جم، وخلق فاضل كريم، فقد جمع الله فيك الفضائل والكمالات.. يا له من شرف عظيم، لم يدرك شأوه بشر، فرب العزة جل وعلا يصف محمداً بهذا الوصف الجليل {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} وقد كان من خلقه صلى الله عليه وسلم العلم والحلم، وشد الحياء، وكثرة العبادة والسخاء، والصبر والشكر، والتواضع والزهد، والرحمة والشفقة، وحسن المعاشرة والأدب، إلى غير ذلك من الخلال العلية، والأخلاق المرضية ولقد أحسن القائل: شعر : إذا الله أثنى بالذي هو أهله عليك فما مقدار ما تمدح الورى؟ تفسير : {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} أي فسوف ترى يا محمد، ويرى قومك ومخالفوك - كفار مكة - إذا نزل بهم العذاب {بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} أي أيكم الذي فتن بالجنون؟ هل أنت كما يفترون، أم هم بكفرهم وانصرافهم على الهدى؟ قال القرطبي: والمفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان، ومعظم السورة نزل في "الوليد بن المغيرة" و"أبي جهل" وقد كان المشركون يقولون: إن بمحمد شيطاناً، وعنوا بالمجنون هذا، فقال الله تعالى سيعلمون غداً بأيهم المجنون أي الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي هو سبحانه العالم بالشقي المنحرف عن دين الله وطريق الهدى {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أي وهو العالم بالتقي المهتدي إِلى الدين الحق، وهو تعليل لما قبله وتأكيد للوعد والوعيد كأنه يقول: إنهم هم المجانين على الحقيقة لا أنت، حيث كانت لهم عقول لم ينتفعوا بها، ولا استعملوها فيما ينجيهم ويسعدهم {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي فلا تطع رؤساء الكفر والضلال الذين كذبوا برسالتك وبالقرآن، فيما يدعونك إليه قال الرازي: دعاه رؤساء أهل مكة إلى دين آبائه، فنهاه الله أن يطيعهم، وهذا من الله إلهاب وتهييج للتشدد في مخالفتهم {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} أي تمنوا لو تلين لهم يا محمد، وتترك بعض ما لا يرضونه مصانعة لهم، فيلينوا لك ويفعلوا مثل ذلك في التسهيل: المداهنة: هي الملاينة والمداراة فيما لا ينبغي، روي أن الكفار قالوا النبي صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا لعبدنا إلهك فنزلت الآية {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ} أي ولا تطع يا محمد كثير الحلف بالحق والباطل، الذي يكثر من الحلف مستهيناً بعظمة الله {مَّهِينٍ} أي فاجر حقير {هَمَّازٍ} أي مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والعيب {مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ} أي يمشي بالنميمة بين الناس، وينقل حديثهم ليوقع بينهم وهو الفتان، وفي الحديث الصحيح "حديث : لا يدخل الجنة نمام"تفسير : {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أي بخيل ممسك عن الإِنفاق في سبيل الله {مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} أي ظالم متجاوز في الظلم والعدوان، كثير الآثام والإِجرام، وجاءت الأوصاف {حلاف، هماز، مشاء، مناع} بصيغة المبالغة للدلالة على الكثرة {عُتُلٍّ} أي جاف غليظ، قاسي القلب عديم الفهم {بَعْدَ ذَلِكَ} أي بعد تلك الأوصاف الذميمة التي تقدمت {زَنِيمٍ} أي ابن زنا، وهذه أشد معايبه وأقبحُها، أنه لصيق دعي ليس له نسب صحيح قال المفسرون: نزلت في "الوليد بن المغيرة" فقد كان دعياً في قريش وليس منهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة - أي تبناه ونسبه لنفسه بعد أن كان لا يعرف له أب - قال ابن عباس: لا نعلم أحداً وصفه الله بهذه العيوب غير هذا، فألحق به عاراً لا يفارقه أبداً، وإِنما ذُمَّ بذلك لأن النطفة إِذا خبثت خبث الولد، وروي أن الآية لما نزلت جاء الوليد إِلى أمه فقال لها: إن محمداً وصفني بتسع صفات، كلها ظاهرة فيَّ اعرفها غير التاسع منها يريد أنه {زَنِيمٍ} فإن لم تصدقيني ضربت عنقك بالسيف، فقالت له: إن أباك كان عنيناً - أي لا يستطيع معاشرة النساء - فخفت على المال فمكنت راعياً من نفسي فأنت ابن ذلك الراعي، فلم يعرف أنه ابن زنا حتى نزلت الآية {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} أي لأن كان ذا مال وبنين قال في القرآن ما قال، وزعم أنه أساطير الأولين؟ وكان ينبغي أن يقابل النعمة بالشكر لا بالجحود والتكذيب {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي إذا قرئت آيات القرآن على ذلك الفاجر قال مستهزئاً ساخراً: إنها خرافات وأباطيل المتقدمين اختلقها محمد ونسبها إِلى الله، قال تعالى رداً عليه متوعداً له بالعذاب {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} أي سنجعل له علامة على أنفه بالخطم عليه يعرف بها إِلى موته، وكنى بالخرطوم عن أنفه على سبيل الاستخفاف به، لأن الخرطوم للفيل والخنزير، فإِذا شبه أنف الإِنسان به كان ذلك غاية في الإِذلال والإِهانة كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، قال ابن عباس: سنخطم أنفه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش، وقد خطم يوم بدر بالسيف قال الإِمام الفخر: لما كان الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لارتفاعه عليه، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأَنفَة، وقالوا في الذليل: رغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإِذلال والإِهانة، لأن السمة على الوجه شين، فكيف على أكرم موضع من الوجه!! ثم ذكر تعالى قصة أصحاب الحديقة وما ابتلاهم تعالى به من إتلاف الزروع والثمار وضربه مثلاً لكفار مكة فقال {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} أي إنا اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اختبرنا أصحاب البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، وكلفنا أهل مكة أن يشكروا ربهم على النعم، كما كلفنا أصحاب الجنة أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم قال المفسرون: كان لرجل مسلم بقرب صنعاء بستان فيه من أنواع النخيل والزروع والثمار، وكان إذا حان وقت الحصاد دعا الفقراء فأعطاهم نصيباً وافراً منه وأكرمهم غاية الإِكرام فلما مات الأب ورثه أبناؤه الثلاثة فقالوا: عيالنا كثير والمال قليل ولا يمكننا أن نعطي المساكين كما كان يفعل أبونا، فتشاوروا فيما بينهم وعزموا على ألا يعطوا أحداً من الفقراء شيئاً، وأن يجنوا ثمرها وقت الصباح خفية عنهم، وحلفوا على ذلك، فأرسل الله تعالى ناراً على الحديقة ليلاً أحرقت الأشجار وأتلفت الثمار، فلما أصبحوا ذهبوا إِلى حديقتهم فلم يروا فيها شجراً ولا ثمراً، فظنوا أنهم أخطأوا الطريق، ثم تبين لهم أنها بستانهم وحديقتهم وعرفوا أن الله تعالى عاقبهم فيها بنيتهم السيئة، فندموا وتابوا بعد أن فات الأوان {إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} أي حين حلفوا ليقطعن ثمرها وقت الصباح، قبل أن يخرج اليهم المساكين {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} أي ولم يقولوا إن شاء الله حين حلفوا، كأنهم واثقون من الأمر {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ} أي فطرقها طارق من عذاب الله، وهم في غفلة عما حدث لأنهم كانوا نياماً، قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت وهم نائمون {فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} أي فأصبحت كالزرع المحصود إِذا أصبح هشيماً يابساً قال ابن عباس: أصبحت كالرماد الأسود، قد حرموا خير جنتهم بذنبهم {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} أي نادى بعضهم بعضاً حين أصبحوا ليمضوا على الميعاد إِلى بستانهم {أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ} أي اذهبوا مبكرين إلى ثماركم وزروعكم وأعنابكم إن كنتم حاصدين للثمار تريدون قطعها {فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} أي فانطلقوا نحو البستان وهم يخفون كلامهم خوفاً من أن يشعر بهم المساكين قائلين {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ} أي لا تدخلوا في هذا اليوم أحداً من الفقراء إلى البستان ولا تمكنوه من الدخول {وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ} أي ومضوا على قصد وقدرة في أنفسهم يظنون أنهم تمكنوا من مرادهم قال ابن عباس: {عَلَىٰ حَرْدٍ} على قدرة وقصد وقال السدي: على حنق وغضب وقال الحسن: على فاقة وحاجة، وقول ابن عباس أظهر {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ} أي فلما رأوا حديقتهم سوداء محترقة، قد استحالت من النضارة والبهجة إلى السواد والظلمة، قالوا لقد ضللنا الطريق إليها وليست هذه حديقتنا قال أبو حيان: كان قولهم ذلك في أول وصولهم إليها، أنكروا أنها هي واعتقدوا أنهم أخطأوا الطريق، ثم وضح لهم أنها هي وأنه أصابها من عذاب الله ما أذهب خيرها فقالوا عند ذلك {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي لسنا مخطئين للطريق بل نحن محرومون، حرمنا ثمرها وخيرها بجنايتنا على أنفسنا {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ}؟ أي قال أعقلهم وأفضلهم رأياً: هلا تسبحون الله فتقولون "سبحان الله" أو "إن شاء الله" قال في البحر: نبههم ووبخهم على تركهم ما حضهم عليه من التسبيح، ولو ذكروا الله وإحسانه إليهم لامتثلوا ما أمر به من مواساة المساكين، واقتفوا سنة أبيهم في ذلك، فلما غفلوا عن ذكر الله وعزموا على منع المساكين ابتلاهم الله وقال الرازي: إن القوم حين عزموا على منع الزكاة واغتروا بمالهم وقوتهم، قال الأوسط لهم توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذاب، فلما رأوا حالة البستان ذكرهم بالكلام الأول، فاشتغلوا بالتوبة ولكن بعد خراب البصرة {قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} أي فقالوا حينئذٍ: تنزه الله ربنا عن الظلم فيما فعل، بل نحن كنا الظالمين لأنفسنا في منعنا حق المساكين {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ} أي يلوم بعضهم بعضاً يقول هذا أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذاك: بل أنت، ويقول آخر: أنت الذي خوفتنا الفقر ورغبتنا في جمع المال، فهذا هو التلاوم {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} أي قالوا يا هلاكنا وتعاستنا إن لم يغفر لنا ربنا، فقد كنا عاصين وباغين في منعنا الفقراء، وعدم التوكل على الله، فقال الرازي: والمراد أنهم استعظموا جرمهم {عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ} أي لعل الله يعطينا أفضل منها بسبب توبتنا واعترافنا بخطيئتنا {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ} أي فنحن راجون لعفوه، طالبون لإِحسانه وفضله.. ساق تعالى هذه القصة ليعلمنا أن مصير البخيل ومانع الزكاة إِلى التلف، وأنه يضن ببعض ماله في سبيل الله فيهلك كل ماله مصحوباً بغضب الله، ولذلك عقب تعالى بعد ذكر هذه القصة بقوله {كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي مثل هذا العذاب الذي نزل بأهل الجننة ينزل بقريش، ولعذاب الآخرة أعظم وأشد من عذاب الدنيا لو كان عندهم فهم وعلم، قال ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إِلى بدر، وحلفوا ألا يرجعوا إلى مكة حتى يقتلوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويشربوا الخمور، وتضرب القينات - المغنيات - على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، فقتلوا وأُسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرام فخابوا.. ثم أخبر تعالى عن حال المؤمنين المتقين بعد أن ذكر حال المجرمين من كفار مكة فقال {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} أي إن للمتقين في الآخرة حدائق وبساتين ليس فيها إلا النعيم الخالص، الذي لا يشوبه كدر ولا منغص كما هو حال الدنيا {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ}؟ الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي أفنساوي بين المطيع والعاصي، والمحسن والمجرم؟ {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟ تعجب منهم حيث أنهم يسوُّون المطيع بالعاصي، والمؤمن بالكافر، فإن مثل هذا لا يصدر عن عاقل {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ}؟ أي هل عندكم كتاب منزل من السماء تقرءون وتدرسون فيه {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} هذه الجملة مفعول لتدرسون أي تدرسون في هذا الكتاب أن لكم ما تشتهون وتطلبون؟ وهذا توبيخ آخر للمشركين فيما كانوا يزعمونه من الباطل حيث قالوا: إن كان ثمة بعث وجزاء، فسنعطى خيراً من المؤمنين كما أعطينا في الدنيا قال الطبري: وهذا توبيخ لهؤلاء القوم وتقريع لهم فيما كانوا يقولون من الباطل، ويتمنون من الأماني الكاذبة {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي هل لكم عهود ومواثيق مؤكدة من جهتنا ثابتة إلى يوم القيامة؟ {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} هذا جوابه أي إن لكم الذي تريدونه وتحكمون به؟ قال ابن كثير: المعنى أمعكم عهود ومواثيق مؤكدة أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون {سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} أي سل يا محمد هؤلاء المكابرين أيهم كفيل وضامن بهذا الذي يزعمون؟ وفيه نوع من السخرية والتهكم بهم، حيث يحكمون بأمور خارجة عن العقول، يرفضها المنطق وتأباها العدالة {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} أي أم لهم شركاء وأرباب يكفلون لهم بذلك، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في دعواهم قال في التسهيل: وهذا تعجيز للكفار والمراد إن كان لكم شركاء يقدرون على شيء، فأتوا بهم وأحضروهم حتى نرى حالهم.. ولما أبطل مزاعمهم وسفه أحلامهم، شرع في بيان أهوال الآخرة وشدائدها فقال {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} أي اذكر يا محمد لقومك ذلك اليوم العصيب الذي يكشف فيه عن أمر فظيع شديد في غاية الهول والشدة، قال ابن عباس: هو يوم القيامة يوم كرب وشدة قال القرطبي: والأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها موضع الشدة كقول الراجز: شعر : قد كشفت عن ساقها فشدوا وجدَّت الحرب بكم فجدوا تفسير : {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} أي ويدعى الكفار للسجود لرب العالمين فلا يستطيعون لأن ظهر أحدهم يصبح طبقاً واحداً، وفي الحديث "حديث : يسجد لله كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً"تفسير : {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} أي ذليلة متواضعة أبصارهم لا يستطيعون رفعها {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي تغشاهم وتلحقهم الذلة والهوان {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} أي والحال أنهم كانوا في الدنيا يدعون إلى السجود وهم أصحاء الجسم معافون فيأبون قال الإِمام الفخر: لا يدعون إلى السجود تعبداً وتكليفاً، ولكن توبيخاً وتعنيفاً على تركهم السجود في الدنيا، ثم إنه تعالى يسلب عنهم القدرة على السجود ويحول بينهم وبين الاستطاعة حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا فيه، حين دعوا إليه في الدنيا وهم سالمو الأطراف والمفاصل {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} أي اتركني يا محمد ومن يكذب بهذا القرآن لأكفيك شره وأنتقم لك منه!! وهذا منتهى الوعيد {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} أي سنأخذهم بطريق الاستدراج بالنعم، إلى الهلاك والدمار، من حيث لا يشعرون قال الحسن: كم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه قال الرازي: الاستدراج أن يستنزله إليه درجة درجة حتى يورطه فيه، فكلما أذنبوا ذنباً جدَّد الله لهم نعمة وأنساهم الاستغفار، فالاستدراج إنما حصل لهم من الإِنعام عليهم، لأنهم يحسبونه تفضيلاً لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة سبب لهلاكهم {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي أُمهلهم وأُطيل في اعمارهم ليزدادوا إثماً {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي إن انتقامي من الكافرين قوي شديد وفي الحديث "حديث : إن الله ليملي للظالم حتى إِذا أخذه لم يفلته"تفسير : ثم قرأ صلى الله عليه وسلم {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وإنما سمى إِحسانه كيداً كما سماه استدراجاً لكونه في صورة الكيد، فما وقع لهم من سعة الأرزاق، وطول الأعمار، وعافية الأبدان، إحسانٌ في الظاهر، وبلاء في الباطن، لأن المقصود معاقبتهم وتعذيبهم به {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} أي أتسألهم يا محمد غرامة مالية على تبليغ الرسالة، فهم معرضون عن الإِيمان بسبب ذلك التكليف الثقيل ببذلهم المال؟ والغرض توبيخهم في عدم الإِيمان فإن الرسول لا يطلب منهم شيئاً من الأجر قال الخازن: المعنى أتطلب منهم أجراً فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم فيثبطهم عن الإِيمان {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أي أم هل عندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيب، فهم ينقلون منه أنهم خير من أهل الإِيمان، فلذلك أصروا على الكفر والطغيان؟ وهو استفهام على سبيل الإِنكار والتوبيخ {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي فاصبر يا محمد على أذاهم، وامض لما أُمرت به من تبليغ رسالة ربك {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} أي ولا تكن في الضجر والعجلة، كيونس بن متى عليه السلام، لما غضب على قومه لأنهم لم يؤمنوا فتركهم وركب البحر ثم التقمه الحوت، وكان من أمره ما كان {إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} أي حين دعا ربه في بطن الحوت وهو مملوء غماً وغيظاً بقوله {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87] {لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} أي لولا أن تداركته رحمة الله {لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} أي لطرح في الفضاء الواسع الخالي من الأشجار والجبال، وهو ملام على ما ارتكب، ولكن الله أنعم عليه بالتوفيق للتوبة فلم يبق مذموماً {فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي فاصطفاه ربه واختاره لنفسه فجعله من المقربين قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في قومه {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} أي ولقد كاد الكفار من شدة عداوتهم لك يا محمد أن يصرعوك بأعينهم ويهلكوك، من قولهم نظر إلي نظراً كاد يصرعني قال ابن كثير: وفي الآية دليل على أن العين وإصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل، ويؤيده حديث "حديث : لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين"تفسير : {لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} أي حين سمعوك تقرأ القرآن، ويقولون من شدة بغضهم وحسدهم لك، إن محمداً مجنون، قال تعالى رداً عليهم {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} أي وما هذا القرآن المعجز إلا موعظة وتذكير للإِنس والجن، فكيف ينسب من نزل عليه إلى الجنون؟! ختم تعالى السورة ببيان عظمة القرآن، كما بدأها ببيان عظمة الرسول، ليتناسق البدء مع الختام في أروع بيان وأجمل ختام. البَلاَغَة: تمضنت السورة الكريمة وجوهاً من الفصاحة والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الجناس الناقص بين لفظي {مَجْنُونٍ} و{مَمْنُونٍ} لاختلاف الحرف الثاني. 2- الوعيد والتهديد {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} وحذف المفعول للتهويل. 3- صيغ المبالغة في {حَلاَّفٍ}، {هَمَّازٍ}، {مَّشَّآءٍ}، {مَّنَّاعٍ} وكذلك في {أَثِيمٍ.. وزَنِيمٍ}. 4- الاستعارة الفائقة {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} استعار الخرطوم للأنف لأن أصل الخرطوم للفيل، واستعارته لأنف الإِنسان تجعله في غاية الإِبداع لأن الغرض الاستهانة به والاستخفاف. 5- الطباق بين {ٱلْمُسْلِمِينَ وٱلْمُجْرِمِينَ} وبين {ضَلَّ .. وٱلْمُهْتَدِينَ} وهو من المحسنات البديعية. 6- جناس الاشتقاق {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ}. 7- التقريع والتوبيخ {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ}؟ والجمل التي بعدها. 8- التشبيه المقلوب بجعل المشبه به مشبهاً والعكس {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ}؟ لأن الأصل أفنجعل المجرمين كالمسلمين في الأجر والمثوبة؟ فقلب التشبيه ليكون أبلغ وأروع. 9- الكناية الرائقة الفائقة {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} كناية عن شدة الهول، وتفاقم الخطب يوم القيامة. 10- السجع المرصع المحبوك، كأنه الدر المنظوم إقرأ الآيات الكريمة {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} الخ وتدبر روعة القرآن!!
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ {[نۤ] وَٱلْقَلَمِ} النُّونُ: الدّواةُ والقَلَمُ: الذي يُكتبُ بِهِ. وقوله تعالى: {وَمَا يَسْطُرُونَ} معناه ما يَكتُبونَ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} هذه السورة مكية ومعظمها نزل في الوليد بن المغيرة وأبي جهل ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى فيما قبلها ذكر أشياء من أحوال السعداء والأشقياء وذكر قدرته الباهرة وعلمه الواسع وأنه تعالى لو شاء لخسف بهم أو لأرسل عليهم حاصباً وكان ما أخبر به هو مما تلقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي وكان الكفار ينسبونه مرة إلى السحر ومرة إلى الشعر ومرة إلى الجنون فبدأ تعالى هذه السورة ببراءته مما كانوا ينسبونه إليه من الجنون وتعظيم أجره على صبره على أذاهم وبالثناء على خلقه. {نۤ} حرف من حروف المعجم نحو، ص، وق وهو غير معرب كبعض الحروف التي جاءت مع غيرها مهملة من العوامل فالحكم على موضعها بالإِعراب تخرص والعلم هو المعهود الذي للكتابة وجعل الضمير في يسطرون للناس فجاء القسم على هذا المجموع أمر الكتاب الذي هو قوام للعلوم وأمور الدنيا والآخرة فإِن القلم أخو اللسان ومطية الفطنة ونعمة من الله تعالى عامة وجواب القسم. {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} ويظهر أن بنعمة ربك قسم اعترض به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التوكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم عنه عليه السلام. {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً} أي على ما تحملت من أثقال النبوة ومن أذاهم بما ينسبون إليك مما أنت لا تلتبس به من المعايب. {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي غير مقطوع مننت الحبل قطعته. {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} أي دين عظيم وهو من الثناء عليه. {بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} الباء ظرفية تقديره في أيكم والمفتون مصدر على وزن مفعول كالمعقول والمجلود بمعنى العقل والجلد وقيل الباء زائدة وأيكم مبتدأ زيدت الباء فيه كما زادوها في قوله: بحسبك درهم أي حسبك والمفتون في هذا الوجه إسم مفعول والجملة في موضع نصب بالفعل الذي قبله وهو ويبصرون لأنه بمعنى يعلمون. {إِنَّ رَبَّكَ} وعيد للضال وهم المجانين على الحقيقة حيث كانت لهم عقول فلم ينتفعوا بها ولا استعملوها في اتباع ما جاءت به الرسل أو يكون أعلم كناية عن جزاء الفريقين. {فَلاَ تُطِعِ} أي الذين كذبوا ما أنزل الله عليك من الوحي وهذا نهي عن طواعيتهم في شىء مما دعوه إليه من تعظيم آلهتهم. {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ} لو هنا على رأي بعض النحويين مصدرية بمعنى أن أي ودوا ادهانكم. {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} تقدم تفسير مهين وما بعده في المفردات وجاءت هذه الصفات صفات مبالغة ونوسب فيها فجاء حلاف وبعده مهين لأن النون فيها مع الميم تواخ ثم جاء هماز مشاء بنميم بصفتي المبالغة ثم جاء مناع للخير فمناع وأثيم صفتا مبالغة والظاهر أن الخير هنا يراد به العموم فيما يطلق عليه خير والزنيم. قال ابن عباس: الذي له زغة في عنقه كزنمة الغنمة والظاهر أن هذه الأوصاف ليست لمعنى ألا ترى إلى قوله كل حلاف وقوله كل حلاف وقوله انا بلوناهم فإِنما وقع النهي عن طواعية من هو بهذه الصفات ولما ذكر قبائح أفعاله وأقواله ذكر ما يفعل به على سبيل التوعد فقال: {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} والسمة العلامة ولما كان الوجه أشرف ما في الإِنسان والأنف أكرم ما في الوجه لتقدمه ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة قالوا: حمى الأنف شامخ العرنين وقالوا في الذليل جدع أنفه ورغم أنفه ولما ذكر المتصف بتلك الأوصاف الذميمة وهم كفار قريش أخبر عن ما حل بهم من الإِبتلاء بالقحط والجوع بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف تفسير : الحديث. {كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} المعروف من خبرها عندهم أنها كانت بصوران على فراسخ من صنعاء لناس بعد رفع عيسى عليه السلام وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل وما في أسفل الأكراس وما أخطأه القطاف من العنب وما بقي على البساط تحت النخلة إذا صرمت فكان يجتمع لهم شىء كثير فلما مات قال بنوه إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاف علينا الأمر ونحن أولو عيال فحلفوا ليصرفها مصبحين فبكروا في الغد وخيفة من المساكين ولم يستثنوا في يمينهم بقولهم إن شاء الله والكاف في كما بلونا في موضع نصب وما مصدرية. {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ} والطائف الأمر الذي قال الفراء يأتي بالليل ورد عليه بقوله: {أية : إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ} تفسير : [الأعراف: 201] فلم يخصص بالليل وطائف وليس في أرض الحجاز بلدة فيها الشجر والماء والعنب وغير ذلك غيرها. {فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} قال ابن عباس: كالرماد الأسود بلغة خزيمة. {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} دعا بعضهم بعضاً إلى المضي إلى ميعادهم. {أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ} قال الزمخشري: فإِن قلت هلا قيل اغدوا إلى حرثكم وما معنى علي قلت لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدوا عليه كما تقول غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإِقبال كقولهم يغدي عليهم بالحفنة ويراح أي فاقبلوا على حرثكم باكرين "انتهى". واستسلف الزمخشري أن غدا يتعدى بإِلى ويحتاج ذلك إلى نقل بحيث يكثر ذلك فيصير أصلاً فيه ويتأول ما خالفه والذي نحفظه أنه معدى بعلى كقول الشاعر: شعر : وقد أغدوا على ثبة كرام نشاوي واجدين كما نشاء تفسير : وكذا عدي مرادفه قال: بكرت عليه غدوة فرأيته قعود الدية بالصريم عواد له. {إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ} هو من صرام النخل. {يَتَخَافَتُونَ} يخفون كلامهم خوفاً من أن يشعر بهم المساكين. {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا} أي يتخافتون بهذا الكلام. {قَادِرِينَ} أي على قصد وقدرة في أنفسهم يظنون أنهم ملكوا مرادهم والحرد المنع. {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} أي أرجحهم عقلاً. {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} أنبهم وبخهم على تركهم ما حضهم عليه وهو تسبيح الله تعالى ولما غفلوا عن ذكر الله وعزوا على منع المساكين ابتلاهم الله تعالى ولما أنبهم رجعوا إلى ذكر الله تعالى واعترفوا على أنفسهم بالظلم وبادروا إلى تسبيح الله تعالى فقالوا: {سُبْحَانَ رَبِّنَآ} قال ابن عباس: أي نستغفر الله من ذنبنا ولما أقروا على أنفسهم بظلمهم لام بعضهم بعضاً إذ كان منهم من زين ومنهم من قبل ومنهم من أمر بالكف ومنهم من عصى الأمر ومنهم من سكت على رضا منه ثم اعترفوا بأنهم طغوا. {عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا} أي بهذه الجنة. {خَيْراً مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ} أي طالبون إيصال الخير إلينا منه والظاهر أن أصحاب هذه الجنة كانوا مؤمنين أصابوا معصية وتابوا والإِشارة بذلك إلى العذاب الذي نزل بالجنة أي كذلك العذاب الذي ينزل بقريش بغتة ثم عذاب الآخرة بعد ذلك أشد عليهم من عذاب الدنيا. {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} لأنه لما ذكر تعالى أنه بلا كفار قريش وشبه بلاءهم ببلاء أصحاب الجنة أخبر بحال أضدادهم وهم المتقون فقال ان للمتقين أي الكفر جنات النعيم لأن النعيم لا يفارقها إذ ليس فيها إلا هو ولا يشوبه كدر كما يشوب جنات الدنيا وروي أنه لما نزلت هذه قالت قريش إن كان ثم جنة فلنا فيها أكبر الخط فنزلت. {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} أي لا يستوي المطيع والعاصي وهو استفهام فيه توقيف على خطأ ما قالوا وتوبيخ ثم التفت إليهم فقال: {مَا لَكُمْ} أي شىء لكم فيما تزعمون وهو استفهام إنكار عليهم ثم قال: {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} وهو استفهام ثالث على سبيل الإِنكار عليهم استفهم من هيئة حكمهم ففي قوله ما لكم استفهام عن كينونة مبهمة وفي كيف تحكمون استفهام عن هيئة حكمهم ثم أضرب من هذا اضراب انتقال لشىء آخر لا إبطال لما قبله فقال: {أَمْ لَكُمْ} أي بل ألكم. {كِتَابٌ} أي من عند الله. {فِيهِ تَدْرُسُونَ} ان ما تختارونه يكون لكم وما في قوله لما موصولة بمعنى الذي وهي إسم ان والجار والمجرور قبله في موضع الخبر. و{تَخَيَّرُونَ} حذفت منه التاء أصله تتخيرون. {سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} أي ضامن بما يقولونه ويدعونه صحته وسل معلقة عن مطلوبها الثاني لما كان السؤال سبباً لحصول العلم جاز تعليقه كالعلم ومطلوبها الثاني أصله أن يعدى بعن أو بالباء كما قال {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 217] ولو كان غير اسم إستفهام لتعدى إليه بعن أو بالباء كما تقول سل زيداً عمن ينظر في كذا لكنه علق سلهم فالجملة في موضع نصب. {فَلْيَأتُواْ} المراد الأصنام أو ناس يشاركونهم في قولهم ويوافقونهم فيه أي لا أحد يقول بقولهم كما أنه لا كتاب لهم ولا عهد من الله ولا زعيم بذلك فليأتوا هذا استدعاء وتوقيف قيل في الدنيا أي ليحضروهم حتى ترى هل هم بحال من يضر وينفع أم لا وقيل في الآخرة على أن يأتوا بهم. {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} كناية عن شدّة الأمر وتفاقمه في ذلك اليوم والناصب له محذوف تقديره يكون كيت وكيت من الأمور الصعبة الشاقة. {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} ظاهر أنهم يدعون وتقدّم ان ذلك على سبيل التوبيخ لا على سبيل التكليف وخاشعة حال. {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} أي في الدنيا. {وَهُمْ سَٰلِمُونَ} أي الأعضاء قادرين على السجود. {تَرْهَقُهُمْ} وتغشاهم. {ذِلَّةٌ} فذرني المعنى خل بيني وبينه فإِني سأجازيه وليس ثم مانع منه وهذا وعيد شديد لمن يكذب بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الآخرة وغيره وكان تعالى قد قدم أشياء من أحوال السعداء والأشقياء ومن في موضع نصب إما عطفاً على الضمير في ذرني إما على أنه مفعول معه. {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} تقدّم الكلام عليه. {أَمْ تَسْأَلُهُمْ} تقدم أيضاً روي أنه عليه السلام أراد أن يدعو على الذين انهزموا بأحد حين اشتد بالمسلمين الأمر وقيل حين أراد أن يدعو على ثقيف فنزلت: {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} وهو إمهالهم وتأخير نصرك عليهم وامض لما أمرت به من التبليغ واحتمال الأذى. {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} هو يونس عليه السلام. {إِذْ نَادَىٰ} أي في بطن الحوت وليس النهي منصباً على الذوات إنما المعنى لا يكن حالك مثل إذ نادى فالعامل في إذ هو المحذوف المضاف أي كحال أو قصة صاحب الحوت إذ نادى. {وَهُوَ مَكْظُومٌ} مملوء غيظاً على قومه إذ لم يؤمنوا لما دعاهم إلى الإِيمان وأحوجوه إلى استعجال مفارقته إياهم. {لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ} معناه لولا هذه الحال المرجوة كانت له من نعمة الله تعالى. {لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ} وجواب لولا لنبذ بالعراء والمعتمد فيه على الحال لا على النبذ لما أمره تعالى بالصبر لما أراده تعالى ونهاه عن ما نهاه فقال: {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ} أي ليزلقون قومك بنظرهم الحال الدال على العداوة المفرطة. {لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ} أي القرآن. {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} تنفيراً عنه وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أكملهم فضلاً وأرجحهم عقلاً. {وَمَا هُوَ} أي القرآن. {إِلاَّ ذِكْرٌ} عظة وعبرة. {لِّلْعَالَمِينَ} أي للجن والإِنس فكيف ينسبون إلى الجن من جاء به.
الجيلاني
تفسير : {نۤ} أيها النبي النائب عن الحق، الناظر بنور الله، النقي عن جميع الرذائل والآثام المنافية لمرتبة النبوة والولاية {وَ} حق {ٱلْقَلَمِ} الأعلى {وَ} بحق {مَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1] ويكتبون بها الملأ الأعلى من الأسماء والصفات المأمورة بتصويرات الأشياء الكائنة في النشأة الأولى والأخرى حسب آثار الأوصاف والأسماء الإلهية التي لا تُعدّ ولا تُحصى. {مَآ أَنتَ} يا أكمل الرسل المبعوث إلى كافة البرايا {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} الذي ربَّاك على الهداية العامة، والولاية المطلقة، وأعطاك من الفضائل والكمالات المتعلقة لمرتبتي النبوة والولاية {بِمَجْنُونٍ} [القلم: 2] أي: ما أنت غافل عنها، ذاهل عن أداء حقها، جاهل بشكر نعمها ومولاها. {وَإِنَّ لَكَ} يا أكمل الرسل باحتمالك أعباء الرسالة والتبليغ، وتصبرك على أذيات أصحاب الزيغ والضلال {لأَجْراً} عظيماً من عند الله {غَيْرَ مَمْنُونٍ} [القلم: 3] منقطع أبد الآبدين؛ إذ ما يترتب على مرتبتك الجامعة من الكرامات اللائقة البديعة، لا انقطاع لها أصلاً. {وَإِنَّكَ} من كمال تخلقك بالأخلاق الإلهية، وتحققك بقمام الخلة والخلافة {لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] لا خلق أعظم من خلقك؛ لحيازتك وجمعك خُلق الأولين والآخرين حسب جامعية مرتبتك. وبالجملة: {فَسَتُبْصِرُ} يا أكمل الرسل {وَيُبْصِرُونَ} [القلم: 5] أولئك المصرفون المفرِّطون بنسبتك إلى الجنون حين تبلى السرائر، وينكشف ما في الضمائر، وينزل العذاب على أهله. {بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} [القلم: 6] أي: أيكم يفتن بالجنون: المؤمنون المهتدون بهدايتك، أو الكافرون الضالون بغوايتهم؟. وبالجملة: {إِنَّ رَبَّكَ} الذي ربَّاك على الرشد والهداية {هُوَ أَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {بِمَن ضَلَّ} وانحرف {عَن سَبِيلِهِ} الموصل إلى توحيده {وَهُوَ} أيضاً {أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} [القلم: 7] المتمكنين منهم على جادة التوحيد، والصراط المستقيم الموصل إلى جنة الرضا، وروضة التسليم. وبعدما سمعت نبذاً من شأنك في شأنك في النشأة الأخرى: {فَلاَ تُطِعِ} أيها النبي المجبول على الهداية والفلاح {ٱلْمُكَذِّبِينَ} [القلم: 8] المجبولين على الغواية و الضلال؛ يعني: مشركي مكة؛ لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه سبحانه أن يطيعهم، ويقبل منهم دعوتهم. فإنهم {وَدُّواْ} وأحبُّوا {لَوْ تُدْهِنُ} وتلائم معهم، وتوافقهم في دينهم {فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] معك، ويلاينونك ويوافقون معك، ولا يطعنون بدينك. {وَ} بعدما صرت متخلفاً بالخلق العظيم، ومتصفاً بالأوصاف الحميدة الإلهية {لاَ تُطِعْ} آراء ذوي الأخلاق الذميمة، والأطوار القبيحة مطلقاً، سيما {كُلَّ حَلاَّفٍ} مبالغ بالحلف الكاذب؛ لترويج آراء ذوي الباطل الزاهق الزائل {مَّهِينٍ} [القلم: 10] مهان عند الناس؛ بسبب الكذب والحلف عليه. {هَمَّازٍ} عيَّاب طعَّان يغتاب ويطعن بعض الناس عند بعضهم {مَّشَّآءٍ} يدور بين الناس {بِنَمِيمٍ} [القلم: 11] أي: ينقل حديث بعض عن بعض؛ حتى يوقع بينهم الفتنة والبغضاء. {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} شحيح بخيل لا ينفق من ماله على من يستحقه، ويمنع أيضاً صاحبه وصديقه عن الإنفاق؛ لئلا يلحق العار عليه خاصة {مُعْتَدٍ} مجاوز الحد في أنواع الظلم، وأصناف الفسوق والعصيان {أَثِيمٍ} [القلم: 12] مبالغ في اقتراف الإثمَّ والعدوان بلا مبالاة. {عُتُلٍّ} غليظ الهيكل، قاس القلب، كريه المنظر، عريض القفا، متناهٍ في البلادة {بَعْدَ ذَلِكَ} الاتصاف بالأوصاف المذمومة المذكورة {زَنِيمٍ} [القلم: 13] دعي بين القوم، لا يكون له نسب معروف، ولا حسب مستحسن مقبول. ومن كمال دناءته وخساسته {أَن كَانَ} أي: أنه كان {ذَا مَالٍ} عظيم {وَبَنِينَ} [القلم: 14] كثيرة مستحقة شكر المنعم المفضل، ولم يشكره. بل يكفره؛ لأنه {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا} الدالة على وحدة ذاتنا، وكمالات أسمائنا وصفاتنا {قَالَ} من كمال كفره وكفرانه، وبغيه وعدوانه: ما هذا إلاَّ {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [القلم: 15] أي: الأكاذيب القديمة التي سطرها الأولون ودونوها. قيل: هذا الوليد بن المغيرة الذي جمع الله فيه هذه المثالب الذميمة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا صائد نون النبوة في قعر بحر النون بشبكة القالب، لتشويشه في تنور [الناقور] بنار الذكر المروية قلب الذاكر من ملاطفات المذكور، تفكر فيما يقول الله تعالى في كتابه حيث يقول: {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1]؛ يعني: بحق النور الذي أودعنا في نون النبوة القائمة بواو الولاية، الثابتة بألف الألوهية، المتصلة بوجود سواده وبياضه في دائرة الأزل إلى الأبد، وهو نور المداد الذي خلقه الله تعالى في دواة روح النون؛ ليكتب بقلم قدرته على لوح العقل ما كان في علمه القديم، وأشار إليه لنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "حديث : أول ما خلق الله تعالى في مقام المرادية نوري، وأول ما خلق الله تعالى روحي في مقام الدواتية، وأول ما خلق الله تعالى القلم في مقام الفاعلية، وأول ما خلق الله العقل في مقام القابلية"تفسير : وظلالها ي عالم السفل العناصر الأربعة؛ فالنار ظل العالم الخفي، والهوى ظل دواة الروح، والماء ظل مراد السر، والتراب ظل لوح القلم؛ يعني: أقسم بنور النبوة. {وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم: 1-2] جواب القسم؛ يعني: لست أيتها اللطيفة الخفية المبلغة المذكرة بالنعمة التي أنعمنا في حقك، وهم الوارد القدسي بمجنون فيما تأمر القوى به وتنهاهم عنه، وتتلو عليهم من الآيات البينات مما يرد عليك من الحق، فلا تبال مما تقول القوى المكذبة الحاسدة، {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} [القلم: 3]؛ يعني: في إبلاغ الوالد، والصبر على أذى القوى المكذبة لأجراً غير منقطع أبد الآباد، {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]؛ يعني: حصلت الأخلاق منا وتأدبت بآدابنا، حيث سمعت منا ما قلنا معك في كتابنا، ولا تكن {أية : فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ}تفسير : [آل عمران: 159]، وقولنا: {أية : فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ}تفسير : [آل عمران: 159]، وقولنا: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [الأعراف: 199]؛ يعني لا تشتغل بمكافآتهم. {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} [القلم: 5]؛ يعني: ستري أيتها اللطيفة وقت كشف الغطاء، وتبصري أيضاً القوى المكذبة، {بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} [القلم: 6]؛ يعني: بأيكم المفتون الذي فتن به {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}[القلم: 7]؛ يعني: هو أعطاهم الاستعدادات المتصلة والمهدية، {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [القلم: 8]؛ يعني: لا تطع القوى النفسية المكذبة إذا تملقت معك بالمداهنة، {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] يتمنون أنك تداهنهم كما يداهنوك، وتشتغل أيضاً بأباطيلهم والاستيفاء من الحظوظ النفسانية، وترافقهم وتلين لهم ولا تؤمهم بترك مشتيهات أنفسهم؛ [ليثبوا لك] في المرافقة معك في طلب الحظوظ، لهم أنفسهم. {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} [القلم: 10]؛ يعني: القوى الحالفة بالله كذباً لتميل خاطرك اللطيفة المذكرة إليها، {مَّهِينٍ} [القلم: 10] ذليل عند الله، {هَمَّازٍ} [القلم: 11]؛ أي: مغتاب، وهي القوة النفسية تغتاب عند اللطيفة قوة القالبية، وتغتاب عند القوى المكذبة القالبية اللطيفة، {مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 11]، وهي أيضاً للقوة النفسية القريبة إلى عالم الصدر، تمشي بنميمة من عالم القلب عند طلب حظها من القوى الفاعلية العلوية، ثم يرجع إلى القوى القابلة القالبية السفلية لطلب حظها من عالم القلب، وتتم اللطيفة المبلغة وأقواها المتابعة لها، {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} [القلم: 12]؛ يعني: يمنع الوارد القدسي في الطريق لئلا صل إلى القوى القالبية ويكدره في عالمه؛ لأن عالم النفس عاجز بين عالم الصدر وعالم القلب، {مُعْتَدٍ} [القلم: 12]؛ أي: ظالم على القوى القابلة، يمنع الوارد وغلظه بالخواطر المكدرة النفسية، {أَثِيمٍ} [القلم: 12]؛ أي: كثر الإثم، فاجر في فعله يمنع الخير عن غيره، {عُتُلٍّ} [القلم: 13] غليظ الوصف، قبيح الخلق، يدفع العنف الوارد لئلا يصل إلى القلب، {بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم: 13]؛ يعني: بعدما وصفناها من الأخلاق الذميمة والأخلاق الكريمة، زنيمة؛ يعني: تنسب نفسها إلى العالم العلوي وليست في ذلك العالم بشيء؛ لأن هذه القوة المنتجة من الهوى لا من الروح. {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} [القلم: 14] لا يغرنك بأن كان له استعداد ومعارف هي نتيجة طبعها المكدرة الهودية، بأن لها نسبة إلى الروح {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [القلم: 15]؛ يعني: إن كانت لها نسبة إلى الروح وما كانت زنيمة ولها حظ من المعارف، ما قالت: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا} [القلم: 15] الأنفسية أنها {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}[القلم: 15]؛ وعرفت حقيقة الوارد النازل من حضرة رب العالمين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقسم تعالى بالقلم، وهو اسم جنس شامل للأقلام، التي تكتب بها [أنواع] العلوم، ويسطر بها المنثور والمنظوم، وذلك أن القلم وما يسطرون به من أنواع الكلام، من آيات الله العظيمة، التي تستحق أن يقسم الله بها، على براءة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مما نسبه إليه أعداؤه من الجنون فنفى عنه الجنون بنعمة ربه عليه وإحسانه، حيث من عليه بالعقل الكامل، والرأي الجزل، والكلام الفصل، الذي هو أحسن ما جرت به الأقلام، وسطره الأنام، وهذا هو السعادة في الدنيا، ثم ذكر سعادته في الآخرة، فقال: { وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا } . أي: عظيمًا، كما يفيده التنكير، { غير ممنون } أي: [غير] مقطوع، بل هو دائم مستمر، وذلك لما أسلفه النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال الصالحة، والأخلاق الكاملة، ولهذا قال: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } أي: عاليًا به، مستعليًا بخلقك الذي من الله عليك به، وحاصل خلقه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين، [عائشة -رضي الله عنها-] لمن سألها عنه، فقالت: "كان خلقه القرآن"، وذلك نحو قوله تعالى له: {أية : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } تفسير : [الآية]، {أية : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيُصُ عَلَيْكُم بِالمْؤُمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، [والآيات] الحاثات على الخلق العظيم فكان له منها أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا، فكان صلى الله عليه وسلم سهلا لينا، قريبًا من الناس، مجيبًا لدعوة من دعاه، قاضيًا لحاجة من استقضاه، جابرًا لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائبًا، وإذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور، وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عشرة وأحسنها، فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ عليه في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال صلى الله عليه وسلم. فلما أنزله الله في أعلى المنازل من جميع الوجوه، وكان أعداؤه ينسبون إليه أنه مجنون مفتون قال: { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ } وقد تبين أنه أهدى الناس، وأكملهم لنفسه ولغيره، وأن أعداءه أضل الناس، [وشر الناس] للناس، وأنهم هم الذين فتنوا عباد الله، وأضلوهم عن سبيله، وكفى بعلم الله بذلك، فإنه هو المحاسب المجازي. و { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } وهذا فيه تهديد للضالين، ووعد للمهتدين، وبيان لحكمة الله، حيث كان يهدي من يصلح للهداية، دون غيره.
همام الصنعاني
تفسير : 3273- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله تعالى: {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}: [الآية: 1]، [قال: الدواة والقلم، {وَمَا يَسْطُرُونَ}: [الآية: 1]]، ومَاك يكتبونَ. 3274- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، والثَّوري، عن الأعْمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عَبَّاس، قال: إنَّ أوَّلَ ما خَلق الله من شيء، خلق القلم، فقال: اكتب. فقال: أي رب، ومَا أكتب؟ قال: اكتُب القدر فَجَرَى بِمَا هو كائنٌِ في ذلك اليوم إلى أن تقوم السَّاعَة، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ وَرُفِعَ القلم، فارتفع بخار الماء، فَفَتَقَ السماوات، ثم خلق النون، ثم بسط الأرض عليها، فاضطربت النون، فمادت الأرض، فخلق الجبال فوتدها، فإنها لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، إلى {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}: [الآية: 2].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):