٦٨ - ٱلْقَلَم
68 - Al-Qalam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: روي عن ابن عباس أنه عليه السلام غاب عن خديجة إلى حراء، فطلبته فلم تجده، فإذا به وجهه متغير بلا غبار، فقالت له مالك؟ فذكر نزول جبريل عليه السلام وأنه قال له: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } تفسير : [العلق: 1] فهو أول ما نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض فتوضأ وتوضأت، ثم صلى وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة يا محمد، فذكر عليه الصلاة والسلام ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عمها، وكان قد خالف دين قومه، ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إليَّ محمداً، فأرسلته فأتاه فقال له: هل أمرك جبريل عليه السلام أن تدعو إلى الله أحداً؟ فقال: لا، فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول، ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش فقالوا: إنه لمجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آيات من أول هذه السورة، ثم قال ابن عباس: وأول ما نزل قوله: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ } تفسير : [الأعلى: 1] وهذه الآية هي الثانية. المسألة الثانية: قال الزجاج: {أَنتَ } هو اسم {مَا } و{بِمَجْنُونٍ } الخبر، وقوله: {بِنِعْمَةِ رَبّكَ } كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك كما يقال: أنت بحمد الله عاقل، وأنت بحمد الله لست بمجنون، وأنت بنعمة الله فهم، وأنت بنعمة الله لست بفقير، ومعناه أن تلك الصفة المحمودة إنما حصلت، والصفة المذمومة إنما زالت بواسطة إنعام الله ولطفه وإكرامه، وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة، وهو جواب لقولهم: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الحجر: 6] واعلم أنه تعالى وصفه ههنا بثلاثة أنواع من الصفات. الصفة الأولى: نفي الجنون عنه ثم إنه تعالى قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها وذلك لأن قوله: {بِنِعْمَةِ رَبّكَ } يدل على أن نعم الله تعالى كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة المرضية، والبراءة من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون، فالله تعالى نبه على هذه الدقيقة لتكون جارية مجرى الدلالة اليقينية على كونهم كاذبين في قولهم له: إنه مجنون. الصفة الثانية: قوله: {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ } وفي الممنون قولان: أحدهما: وهو قول الأكثرين، أن المعنى غير منقوص ولا مقطوع يقال: منَّه السير أي أضعفه، والمنين الضعيف ومنَّ الشيء إذا قطعه، ومنه قول لبيد:شعر : غبش كواسب ما يمن طعامها تفسير : يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى: {أية : عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } تفسير : [هود: 108]. والقول الثاني: وهو قول مجاهد ومقاتل والكلبي، إنه غير مقدر عليك بسبب المنة، قالت المعتزلة في تقرير هذا الوجه: إنه غير ممنون عليك لأنه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضل ابتداء، والقول الأول أشبه لأن وصفه بأنه أجر يفيد أنه لا منة فيه فالحمل على هذا الوجه يكون كالتكرير، ثم اختلفوا في أن هذا الأجر على أي شيء حصل؟ قال قوم معناه: إن لك على احتمال هذا الطعن والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً، وقال آخرون: المراد إن لك في إظهار النبوة والمعجزات، في دعاء الخلق إلى الله، وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم، فلا تمنعك نسبتها إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم، فإن لك بسببه المنزلة العالية عند الله. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا كالتفسير لما تقدم من قوله: {بِنِعْمَةِ رَبّكَ } وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب، وخطأ وذلك لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، ومن كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال لم يجز إضافة الجنون إليه لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة ولهذا قال: {أية : قُلْ مَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلّفِينَ } تفسير : [صۤ: 86] أي لست متكلفاً فيما يظهر لكم من أخلاقي لأن المتكلف لا يدوم أمره طويلاً بل يرجع إلى الطبع، وقال آخرون: إنما وصف خلقه بأنه عظيم وذلك لأنه تعالى قال له: {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] وهذا الهدى الذي أمر الله تعالى محمداً بالاقتداء به ليس هو معرفة الله لأن ذلك تقليد وهو غير لائق بالرسول، وليس هو الشرائع لأن شريعته مخالفة لشرائعهم فتعين أن يكون المراد منه أمره عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء المتقدمين فيما اختص به من الخلق الكريم، فكأن كل واحد منهم كان مختصاً بنوع واحد، فلما أمر محمد عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بالكل فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحد من الأنبياء قبله، لا جرم وصف الله خلقه بأنه عظيم، وفيه دقيقة أخرى وهي قوله: {لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } وكلمة على للاستعلاء، فدل اللفظ على أنه مستعمل على هذه الأخلاق ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الجميلة كالمولى بالنسبة إلى العبد وكالأمير بالنسبة إلى المأمور. المسألة الثانية: الخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة. واعلم أن الإتيان بالأفعال الجميلة غير وسهولة الإتيان بها غير، فالحالة التي باعتبارها تحصل تلك السهولة هي الخلق ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح والبخل والغضب، والتشديد في المعاملات والتحبب إلى الناس بالقول والفعل، وترك التقاطع والهجران والتساهل في العقود كالبيع وغيره والتسمح بما يلزم من حقوق من له نسب أو كان صهراً له وحصل له حق آخر. وروي عن ابن عباس أنه قال معناه: وإنك لعلى دين عظيم، وروي أن الله تعالى قال له: «لم أخلق ديناً أحب إلي ولا أرضى عندي من هذا الدين الذي اصطفيته لك ولأمتك» يعني الإسلام، واعلم أن هذا القول ضعيف، وذلك لأن الإنسان له قوتان، قوة نظرية وقوة عملية، والدين يرجع إلى كمال القوة النظرية، والخلق يرجع إلى كمال القوة العملية، فلا يمكن حمل أحدهما على الآخر، ويمكن أيضاً أن يجاب عن هذا السؤال من وجهين: الوجه الأول: أن الخلق في اللغة هو العادة سواء كان ذلك في إدراك أو في فعل الوجه الثاني: أنا بينا أن الخلق هو الأمر الذي باعتباره يكون الإتيان بالأفعال الجميلة سهلاً، فلما كانت الروح القدسية التي له شديدة الاستعداد للمعارف الإلهية الحقة وعديمة الاستعداد لقبول العقائد الباطلة، كانت تلك السهولة حاصلة في قبول المعارف الحقة، فلا يبعد تسمية تلك السهول بالخلق. المسألة الثالثة: قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: «أخبريني عن خلق رسول الله، قالت ألست قرأ القرآن؟ قلت: بلى قالت: فإنه كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام» وسئلت مرة أخرى فقالت: كان خلقه القرآن، ثم قرأت: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [المؤمنون: 1] إلى عشرة آيات، وهذا إشارة إلى أن نفسه المقدسة كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيب، وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة عن اللذات البدنية والسعادة الدنيوية بالطبع ومقتضى الفطرة، اللهم ارزقنا شيئاً من هذه الحالة. وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك» فلهذا قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } وقال أنس: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي في شي فعلته لم فعلت، ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت» وأقول: إن الله تعالى وصف ما يرجع إلى قوته النظرية بأنه عظيم، فقال: {أية : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } تفسير : [النساء: 113] ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } فلم يبق للإنسان بعد هاتين القوتين شيء، فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية كانت عظيمة عالية الدرجة، كأنها لقوتها وشدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة. واعلم أنه تعالى لما وصفه بأنه على خلق عظيم قال:
المحلي و السيوطي
تفسير : {مآ أَنتَ } يا محمد {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } أي انتفى الجنون عنك بسبب إنعام ربك عليك بالنبوّة وغيرها. وهذا رد لقولهم: إنه مجنون.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} برحمته ويحتمل أن يكون فيما نفى عنه ما نسبوه إليه من الجنون وقال الكلبي: ما أنت بنعمة ربك بمخفق.
الخازن
تفسير : {ما أنت} يا محمد {بنعمة ربك بمجنون} هذا جواب القسم أقسم الله بنون والقلم وما يسطرون وما أنت بنعمة ربك بمجنون وهو رد لقولهم {أية : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}تفسير : [الحجر: 6] والمعنى إنك لا تكون مجنوناً وقد أنعم الله عليك بالنبوة والحكمة فنفى عنه الجنون وقيل معناه ما أنت بمجنون والنعمة لله وهو كما يقال ما أنت بمجنون والحمد لله وقيل إن نعمة الله كانت ظاهرة عليه من الفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة المرضية والأخلاق الحميدة والبراءة من كل عيب والاتصاف بكل مكرمة وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة فوجودها ينفي حصول الجنون فنبه الله تعالى بهذه الآية على كونهم كاذبين في قولهم إنك لمجنون {وإن لك لأجراً غير ممنون} أي غير منقوص ولا مقطوع ومنه قول لبيد: شعر : عبس كواسب ما يمن طعامها تفسير : أي ما يقطع يصف بذلك كلاباً ضارية، وقيل في معنى الآية إنه غير مكدر عليك بسبب المنة والقول هو الأول ومعناه إن لك على احتمالك الطعن وصبرك على هذا القول القبيح وافترائهم عليك أجراً عظيماً دائماً لا ينقطع، وقيل إن لك على إظهار النبوة وتبليغ الرسالة ودعاء الخلق إلى الله تعالى والصبر على ذلك وبيان الشرائع لهم أجراً عظيماً فلا تمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الأمر العظيم الذي قد حملته ثم وصفه بما يخالف حال المجنون فقال تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} وهذا كالتفسير لقوله {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة عليه ومن كان كذلك لم تجز إضافة الجنون إليه ولما كانت أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم كاملة حميدة وأفعاله المرضية الجميلة وافرة وصفها الله تعالى بأنها عظيمة وحقيقة الخلق قوى نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة والآداب المرضية فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح والبخل والتشديد في المعاملات ويستعمل في حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول والفعل والبذل وحسن الأدب والمعاشرة بالمعروف مع الأقارب والأجانب والتساهل في جميع الأمور والتسامح بما يلزم من الحقوق وترك التقاطع والتهاجر واحتمال الأذى من الأعلى والأدنى مع طلاقة الوجه وإدامة البشر فهذه الخصال تجمع جميع محاسن الأخلاق ومكارم الأفعال ولقد كان جميع ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا وصفه الله تعالى بقوله {وإنك لعلى خلق عظيم}، وقال ابن عباس معناه على دين عظيم لا دين أحب إليّ ولا أرضى عندي منه وهو دين الإسلام وقال الحسن هو آداب القرآن سئلت عائشة رضي الله عها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن وقال قتادة هو ما كان يأتمر من أوامر الله وينتهي عنه من مناهي الله تعالى والمعنى وإنك لعلى الخلق الذي أمرك الله به في القرآن وقيل سمى الله خلقه عظيماً لأنه امتثل تأديب الله إياه بقوله {أية : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}تفسير : [الأَعراف: 199] والله سبحانه وتعالى أعلم. (فصل: في فضل حسن الخلق وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) من ذلك ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال" تفسير : (م) "حديث : عن النواس بن سمعان قال "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس""تفسير : ، عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" تفسير : أخرجه أبو داود وعنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وله عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن من أحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً"تفسير : ، (ق) عن البراء رضي الله عنه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً ليس بالطويل ولا بالقصير" (ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً" وكان يقول "حديث : خياركم أحاسنكم أخلاقاً" تفسير : (ق) "حديث : عن أنس رضي الله عنه قال "خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين والله ما قال لي أف قط ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا""تفسير : زاد الترمذي "حديث : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً وما مسست خزاً قط ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت مسكاً قط ولا عطراً كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم"تفسير : ، (خ) عنه قال "حديث : إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت"تفسير : زاد في رواية "حديث : ويجيب إذا دعي" تفسير : وعنه قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده ولا يصرف وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه ولم ير مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له" تفسير : أخرجه الترمذي، (ق) عن عائشة رضي الله عنها قالت "حديث : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم"تفسير : ، زاد مسلم عنها "حديث : وما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى" تفسير : (ق) "حديث : عن أنس قال "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك وأمر له بعطاء""تفسير : ، (ق) عنه رضي الله عنه قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً وكان لي أخ يقال له أبو عمير وكان فطيماً كان إذا جاءنا قال يا أبا عمير ما فعل النغير لنغير كان يلعب به" تفسير : النغير طائر صغير يشبه العصفور إلا أنه أحمر المنقار (م) "حديث : عن الأسود قال "سألت عائشة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة"" تفسير : المهنة الخدمة عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال "حديث : ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم" تفسير : أخرجه الترمذي.
البقلي
تفسير : اى لست باصطفائيتك ونعمة ربك من النبوة والولاية مثل ما يزعمون هؤلاء الظلمة بل انت سيد حبيب صفى بنى مرسل زعما لانف الكفرة قال سهل النون اسم من اسماء الله وذاك انه اذا جمعت اوايل هذه السور الثلاث الروح ومن يكون الرحمن وقال جعفر نور الازلية الذى اخترع منه الانوار كلها فجعل ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم فلذلك قيل له وانك لعلى خلق عظيم اى على نور الذى خصصت به فى الازل وقال بعضهم النون القدرة والقلم القضاء وما يسطرون الملائكة كرام الكاتبين.
الجنابذي
تفسير : {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} بنعمة ربّك حالٌ والباء للمصاحبة، والعامل فيها معنى النّفى، او للسّببيّة ومتعلّقة بمعنى النّفى.
اطفيش
تفسير : {مَا أَنتَ} يا محمد {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} جواب القسم رد به على القائلين يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمدجنون والباء الاولى متعلقة بحرف النفي أي انتفى الجنون عنك بنعمة الله أو بمحذوف حال منا سم ما والعامل معنى النفي وقيل: صاحب لحال ضمير مجنون والعامل لفظ مجنون والباء الزائدة لاتمنع من ذلك وقيل: تتعلق بمجنون وفي هذين القولين نفي جنون خاص وهو الذي يكون من نعمة الله وليس في الوجود جنون هو نعمة ولا المراد نفي جنون خاص والجمهور لا يعلقون بحرف المعنى فيعلقون الباء بانتفى محذوفا دل عليه ما وعلى الحالية فالمعنى كيف يكون مجنونا وانت بحال النبوة والحكمة والفصاحة والعقل الكامل.
اطفيش
تفسير : {مَا أنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} الباء الأُولى متعلقة بمحذوف حال من المستتر فى مجنون لأَنه اسم مفعول يتحمل الضمير، وهى للملابسة، والباء الداخلة على مجنون صلة فى خبر ما لتأكيد النفى لا تمنع من تقدم الحال وهى حال لازمة، فلا يقال يوهم أنه يصيبه الجنون إِذا لم يلتبس بنعمة ربه، أو تعلق هذه الباء الأُولى بما لتضمنه معنى انتفى، أى انتفى بنعمة ربك عنك الجنون، وليس المراد بالجنون الجنون حال حدوثه فإِن الجنون مستمر منفى عنه، ويجوز أن تكون الباء الأُولى هذه للقسم وجملة ما أنت بمجنون فى نية التقديم مغنية عن جوابه، والاية رد لقولهم يا أيها الذى نزل عليه الذكر إِنك لمجنون. ومثل ذلك، وقيل المعنى ما أنت مجنوناً والنعمة لله كما تقول ما كان كذا والحمد لله فبنعمة خبر لمحذوف أى بنعمة ربك، أى انتفاء الجنون ثابت بنعمة ربك.
الالوسي
تفسير : جواب القسم والباء الثانية مزيدة لتأكيد النفي و{بِمَجْنُونٍ} خبر (ما) والباء الأولى للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من الضمير في الخبر والعامل فيها معنى النفي والمعنى انتفى عنك الجنون في حال كونك ملتبساً بنعمة ربك أي منعماً عليك بما أنعم من حصافة الرأي والنبوة والشهامة، واختاره ناصر الدين، وقريب منه جعل الباء للسببية، والجار والمجرور متعلقاً بالنفي كالظرف اللغو كأنه قيل انتفى عنك الجنون بسبب نعمة ربك عليك. وجوز أن تكون الباء للملابسة في موضع الحال والعامل {مَجْنُونٍ} وباؤه لا تمنع العمل لأنها مزيدة. وتعقبه ناصر الدين بأن فيه نظراً من حيث المعنى. ووجه بأن محصله على هذا التقدير أنه انتفى عنك الجنون وقت التباسك بنعمة ربك ولا يفهم منه انتفاء مطلق الجنون عنه صلى الله عليه وسلم وهل المراد إلا هذا، وقيل عليه لا يخفى أنه وارد على ما اختاره هو أيضاً أي وذلك لأن المعنى حينئذ انتفى عنك ملتبساً بنعمة ربك الجنون ولا يفهم منه انتفاؤه عنه عليه الصلاة والسلام في جميع الأوقات وهو المراد. وأجيب بأن تلك الحالة لازمة له صلى الله عليه وسلم غير منفكة عنه فنفيه عنه فيها مستلزم لنفيه عنه دائماً وسائر الحالات. وتعقب بأن هذا متأت على كلا التقديرين لا اختصاص له بأحدهما دون الآخر. وأنت خبير بأنه فرق بينهما إذ يصير المعنى على تقدير كون العامل مجنون كما أشير إليه أنه انتفى عنك الجنون الواقع عليك حالة الالتباس المذكور وهذا يدل على إمكان وقوعه في تلك الحالة بل على تحققه أيضاً وهو معنى لاغ إذ كيف يتصور وجود الجنون ووقوعه وقت التباسه صلى الله عليه وسلم بالنعمة ومن جملتها الحصافة، ولا يرد هذا على التقدير المختار إذ الانتفاء المفهوم حينئذ لا يكون وارداً على الجنون المقيد بما ذكر وهو وإن كان مقيداً فيه أيضاً لا ضير به لكون قيده لازماً لذات المنفي عنه كما عرفت هذا وقيل إذا حمل الباء على السببية واعتبر الظرف لغواً يظهر عدم جواز تعلقه بما بعده من حيث المعنى :شعر : ظهور نار القرى ليلاً على علم تفسير : ولهم في الجملة الحالية والحال إذا وقعت بعد النفي كلام ذكره الخفاجي وحقق أنه حينئذ إنما يلزم انتفاء مقارنة الحال لذي الحال لا نفيها نفسها فتدبر ولا تغفل. وجوز كون {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} قسماً متوسطاً في الكلام لتأكيده من غير تقدير جواب / أو يقدر له جواب يدل عليه الكلام المذكور واستظهر هذا الوجه أبو حيان. والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى معارج الكمال مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم والإيذان بأنه تعالى يتم نعمته عليه ويبلغه في العلو إلى غاية لا غاية وراءها والمراد تنزيهه صلى الله عليه وسلم عما كانوا ينسبونه إليه صلى الله عليه وسلم من الجنون حسداً وعداوة ومكابرة فحاصل الكلام أنت منزه عما يقولون.
الشنقيطي
تفسير : تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان الرد على مقالتهم تلك عند قوله تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [المؤمنون: 70] الآية من سورة المؤمنون. وساق النصوص، وقال: إن في الآية ما يرد عليهم، وهو قوله تعالى: {أية : بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [المؤمنون: 70] اهـ. وهكذاهنا في الآية ما يدل على بطلان دعواهم، ويرد عليهم، وهو قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي على ما جئت به من الحق وقمت به من البلاغ عن الله والصبر عليه، كما رد عليهم بقوله: {أية : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}تفسير : [التكوير: 22]. وكذلك قوله تعالى في حق رسوله الكريم الأعظم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} لأن المجنون سفيه لا يعني ما يقول ولا يحسن أي تصرف. والخلق العظيم أرقى منازل الكمال في عظماء الرجال. وقوله تعالى: {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ}، المن: القطع. أي إن أجره صلى الله عليه وسلم عند الله غير منقطع. قال الشاعر: شعر : لمقفر قهر تنازع شلوه عبس كواسب لا يمن طعامها تفسير : وقد بين تعالى دوام أجره دون انقطاع في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}تفسير : [الأحزاب: 56]. وصلوات الله تعالى عليه وصلوات الملائكة والمؤمنين لا تنقطع ليلاً ولا نهاراً وهي من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة والمؤمنين دعاء. وفي سورتي: الضحى وألم نشرح، بكاملها {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}تفسير : [الضحى: 3-5]. وقوله {أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}تفسير : [الشرح: 4]. ومعلوم من السنة أن من دل على خير فله مثل من عمل به، فما من مسلم تكتب له حسنة في صحيفته إلى وللرسول صلى الله عليه وسلم مثلها. وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"تفسير : ، ومنها: "حديث : أو علم ينتفع به"تفسير : . وأي علم أعم نفع مما جاء به صلى الله عليه وسلم وتركه في الأمة حتى قال:"حديث : تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً كتاب الله وسنتي"تفسير : إلى غير ذلك من النصوص الدالة على دوام أجره. أما جزاؤه عند الله فلا يقدر قدره إلا الله تعالى. وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} تقدم أن هذه بمثابة الرد على ادعاء المشركين أولاً عليه صلى الله عليه وسلم ورميه بالجنون. لأن أخلاق المجانين مذمومة بل لا أخلاق لهم، وهنا أقصى مراتب العلو في الخلق. وقد أكد هذا السياق بعوامل المؤكدات باندراجه في جواب القسم الأول في أول السورة، وبإن اللام في لعلى، وجاء بعلى الدالة على الاستعلاء والتمكن بدل من ذو مثلاً (ذو خلق عظيم) لبيان قوة التمكن والاستعلاء، وأنه صلى الله عليه وسلم فوق كل خلق عظيم متمكّن منه مستعل عليه. وقد أجمل الخلق العظيم هنا وهو من أعم ما امتدح الله به رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه، وقد أرشدت عائشة رضي الله عنها إلى ما يبين هذا الإجمال حينما سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم الذي امتدح به فقالت "حديث : كان خلقه القرآن"تفسير : ، تعني والله تعالى أعلم: أنه صلى الله عليه وسلم يأتمر بأمره وينتهي بنواهيه، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. وكما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9]. وكما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لن يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"تفسير : ، فكان هو صلى الله عليه وسلم ممتثلاً لتعاليم القرآن في سيرته كلها، وقد أمرنا بالتأسي به صلوات الله وسلامه عليه، فكان من أهم ما يجب على الأمة معرفة تفصيل هذا الإجمال ليتم التأسي المطلوب. وقد أخذت قضية الأخلاق عامة، وأخلاقه صلى الله عليه وسلم خاصة. محل الصدارة من مباحث الباحثين وتقرير المرشدين، فهي بالنسبة للعموم أساس قوام الأمم، وعامل الحفاظ على بقائها، كما قيل: شعر : إنَّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ فإنْ هم ذهبتْ أخلاقهم ذَهبوا تفسير : وقد أجمل صلى الله عليه وسلم البعثة كلها في مكارم الأخلاق في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". تفسير : وقد عنى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم بقضية أخلاقه بعد نزول هذه الآية، فسألوا عائشة رضي الله عنها عن ذلك فقالت: "حديث : كان خلقه القرآن"تفسير : وعني بها العلماء بالتأليف، كالشمائل للترمذي. أما أقوال المفسرين في الخلق العظيم المعنى هنا فهي على قولين لا تعارض بينهما. منها: أنه الدين، قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. والآخر قول عائشة: "حديث : كان خلقه القرآن"تفسير : والقرآن والدين مرتبطان. ولكن لم يزل الإجمال موجوداً. وإذا رجعنا إلى بعض الآيات في القرآن نجد بعض البيان لما كان عليه صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق مثل قوله تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [الأعراف: 199]. وقوله: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128]. وقوله: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ}تفسير : [آل عمران: 159]. وقوله: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125]. ومثل ذلك من الآيات التي فيها التوجيه أو الوصف بما هو أعظم الأخلاق، وإذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم هو القرآن، فالقرآن يهدي للتي هي أقوم. والمتأمل للقرآن في هديه يجد مبدأ الأخلاق في كل تشريع فيه حتى العبادات. ففي الصلاة خشوع وخضوع وسكينة ووقار، فأتوها وعليكم السكينة والوقار. وفي الزكاة مروءة وكرم {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ}تفسير : [البقرة: 264]. وقوله: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً}تفسير : [الإنسان: 9]. وفي الصيام "حديث : من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ". تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصيام جنة " تفسير : وفي الحج: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ}تفسير : [البقرة: 197]. وفي الاجتماعيات: خوطب صلى الله عليه وسلم بأعلى درجات الأخلاق، حتى ولو لم يكن داخلاً تحت الخطاب لأنه ليس خارجاً عن نطاق الطلب {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء: 24]، ثم يأتي بعدها {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}تفسير : [الإسراء: 23-24]، مع أن والديه لم يكن أحدهما موجوداً عند نزولها، إلى غير ذلك من التعاليم العامة والخاصة التي اشتمل عليها القرآن. وقد عني صلى الله عليه وسلم بالأخلاق حتى كان يوصي بها المبعوثين في كل مكان، كما أوصى معاذ بن جبل رضي الله عنه بقوله: "حديث : اتق الله حيث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما تشاء"تفسير : أي إن الحياء وهو من أخص الأخلاق سياج من الرذائل، وهذا مما يؤكد أن الخلق الحسن يحمل على الفضائل، ويمنع من الرذائل، كما قيل في ذلك: شعر : إن الكريم إذا تمكن من أذى جاءته أخلاق الكرام فأقلعا وترى اللَّئيم إذا تمكن من أذى يطغى فلا يبقى لصلح موضعا تفسير : وقد أشار القرآن إلى هذا الجانب في قوله تعالى:{أية : ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 134]. تنيبه إن من أهم قضايا الأخلاق بيانه صلى الله عليه وسلم لها بقوله: "حديث : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". تفسير : مع أن بعثته بالتوحيد والعبادات والمعاملات وغير ذلك مما يجعل الأخلاق هي البعثة. وبيان ذلك في قضية منطقية قطعية حملية، مقدمتها حديث صحيح، وهو "حديث : الدين حسن الخلق"تفسير : ، والكبرى آية كريمة. قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 177]. ولمساواة طرفي الصغرى في الماصدق، وهو الدين حسن الخلق، يكون التركيب المنطقي بالقياس الاقتراني حسن الخلق هو البر، والبر هو الإيمان بالله واليوم الآخر، إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة، ينتج حسن الخلق هو الإيمان بالله واليوم الآخر وما عطف عليه. وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الدين كله بأقسامه الثلاثة: الإسلام من صلاة وزكاة. إلخ. والإيمان بالله وملائكته. إلخ. ومن إحسان في وفاء وصدق وصبر وتقوى الله تعالى، إذ هي مراقبة الله سرّاً وعلناً، وقد ظهرت نتيجة عظم هذه الأخلاق في الرحمة العامة الشاملة في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 107]. وكذلك للأمة يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ". تفسير : وهي قضية منطقية أخرى "حديث : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 107]. فمكارم الأخلاق رحمة للعالمين في الدّنيا، ومنزلة عليا للمؤمنين في الآخرة. تنبيه آخر اتفق علماء الاجتماع أن أسس الأخلاق أربعة: هي: الحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدالة، ويقابلها رذائل أربعة: هي الجهل، والشره، والجبن، والجور، ويتفرع عن كل فضيلة فروعها: الحكمة: الذكاء وسهولة الفهم، وسعة العلم، وعن العفة، القناعة والورع والحياء والسخاء والدعة والصبر والحريَّة، وعن الشجاعة النجدة وعظم الهمة، وعن السماحة الكرم والإيثار والمواساة والمسامحة. أما العدالة وهي أم الفضائل الأخلاقية، فيتفرع عنها الصداقة والألفة وصلة الرحم وترك الحقد ومكافأة الشر بالخير واستعمال اللطف. فهذه أصول الأخلاق وفروعها فلم تبق خصلة منها إلا وهي مكتملة فيه صلى الله عليه وسلم. وقد برأه الله من كل رذيلة، فتحقق أنه صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم فعلاً وعقلاً. وقال الفخر الرازي: لقد كان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم. والخلق ما تخلق به الإنسان، لأن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }تفسير : [الأنعام: 90]، ولا بد لكل نبي من خصلة فاضلة. فاجتمع له صلى الله عليه وسلم جميع خصال الفضل عند جميع الأنبياء. وهذا وإن كان له وجه إلا أن واقع سيرته صلى الله عليه وسلم أعم من ذلك. فقد كان قبل البعثة والوحي ملقباً عند القرشيين بالأمين، كما في قصة وضع الحجر في الكعبة إذ قالوا عنه الأمين ارتضيناه. وجاء حديث : عن زيد بن حارثة لما أخذ أسيراً وأهدته خديجة رضي الله عنها لخدمته صلى الله عليه وسلم. وجاء أهله بالفداء يفادونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: "ادعوه وأخبروه فإن اختاركم فهو لكم بدون فداء"، فقال زيد: والله لا أختار على صحبتك أحداً أبداً، فقال له أهله: ويحك أتختار الرق على الحرية؟ فقال: نعم، والله لقد صحبته فلم يقل لي لشيء فعلته لم فعلته قط. ولا لشيء لم أفعله لمَ لمْ تفعله قط" ورجع قومه وبقي هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده وأعلن تبنيهتفسير : على ما كان معهوداً قبل البعثة. إننا لو قلنا: إن اختيار الله إياه قبل وجوده وتعهد الله إياه بعد وجوده من شق الصدر في طفولته ومن موت أبويه ورعاية الله له. كما في قوله تعالى: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}تفسير : [الضحى: 3] إلى قوله: {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}تفسير : [الضحى: 6-11]. إنها نعمة الله تعال عليه وعلى أمته معه صلوات الله وسلامه عليه، ورزقنا التأسي به.
د. أسعد حومد
تفسير : (2) - لَسْتَ يَا مُحَمَّدُ، بِنِعْمَةِ اللهِ وَفَضْلِهِ عَلَيكَ، بِمَجْنُونٍ، كَمَا يَقُولُ الجَهَلَةُ المُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمِكَ، الذِينَ جِئْتَهُمْ بِالهُدَى فَاتَّهَمُوكَ بِالجُنُونِ. و(مَا أَنْتَ بِمَجْنُونٍ) - جَوَابُ القَسَمِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):