Verse. 5279 (AR)

٦٨ - ٱلْقَلَم

68 - Al-Qalam (AR)

فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِيْنَ۝۸
Fala tutiAAi almukaththibeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلا تطع المكذبين».

8

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر ما عليه الكفار في أمر الرسول ونسبته إلى الجنون مع الذي أنعم الله به عليه من الكمال في أمر الدين والخلق، أتبعه بما يدعوه إلى التشدد مع قومه وقوى قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة الكفار، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل فقال: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذّبِينَ } يعني رؤساء أهل مكة، وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه فنهاه الله أن يطيعهم، وهذا من الله إلهاب وتهييج التشدد في مخالفتهم. ثم قال:

القرطبي

تفسير : نهاه عن ممايلة المشركين؛ وكانوا يدعونه إلى أن يكُفّ عنهم ليكفُّوا عنه، فبيّن الله تعالى أن ممايلتهم كفر. وقال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}تفسير : .[الإسراء:74] وقيل: أي فلا تطع المكذبين فيما دَعوك إليه من دينهم الخبيث. نزلت في مشركي قريش حين دَعَوه إلى دين آبائه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: كما أنعمنا عليك، وأعطيناك الشرع المستقيم، والخلق العظيم، { فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } قال ابن عباس: لو ترخص لهم، فيرخصون. وقال مجاهد: {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ}: تركن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحق. ثم قال تعالى: { وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجترىء بها على أسماء الله تعالى، واستعمالها في كل وقت في غير محلها، قال ابن عباس: المهين: الكاذب. وقال مجاهد: هو الضعيف القلب. قال الحسن: كل حلاف مكابر مهين ضعيف. وقوله تعالى: {هَمَّازٍ} قال ابن عباس وقتادة: يعني: الاغتياب {مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ} يعني: الذي يمشي بين الناس، ويحرش بينهم، وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي الحالقة. وقد ثبت في الصحيحين من حديث مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: «حديث : إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما، فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة» تفسير : الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم من طرق عن مجاهد به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن همام أن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يدخل الجنة قتات» تفسير : رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن إبراهيم به، وحدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري عن منصور عن إبراهيم عن همام عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يدخل الجنة قتات» تفسير : يعني: نماماً، وحدثني يحيى بن سعيد القطان، حدثنا أبو سعيد الأحول عن الأعمش، حدثني إبراهيم منذ نحو ستين سنة عن همام بن الحارث قال: مرّ رجل على حذيفة، فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، أو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يدخل الجنة قتات»تفسير : . وقال أحمد: حدثنا هشام، حدثنا مهدي عن واصل الأحدب عن أبي وائل قال: بلغ حذيفة عن رجل أنه ينمّ الحديث، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يدخل الجنة نمام»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن ابن خثيم عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا أخبركم بخياركم؟» تفسير : قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «حديث : الذين إذا رؤوا ذكر الله عز وجلّ» تفسير : ثم قال: «حديث : ألا أخبركم بشراركم؟ المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت» تفسير : ورواه ابن ماجه عن سويد بن سعيد عن يحيى بن سليم عن ابن خثيم به. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت»تفسير : وقوله تعالى: { مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} أي: يمنع ما عليه وما لديه من الخير {مُعْتَدٍ} في تناول ما أحل الله له يتجاوز فيها الحد المشروع {أَثِيمٍ} أي: يتناول المحرمات، وقوله تعالى: { عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} أما العتل، فهو الفظّ الغليظ الصحيح الجموع المنوع. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن عن سفيان عن معبد بن خالد عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر» تفسير : وقال وكيع: «حديث : كل جواظ جعظري مستكبر» تفسير : أخرجاه في الصحيحين، وبقية الجماعة، إلا أبا داود، من حديث سفيان الثوري وشعبة، كلاهما عن سعيد بن خالد به. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن علي قال: سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند ذكر أهل النار: «حديث : كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع» تفسير : تفرّد به أحمد. قال أهل اللغة: الجعظري: الفظ الغليظ. والجواظ: الجموع المنوع. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العتل الزنيم، فقال: «حديث : هو الشديد الخلق المصحح، الأكول الشروب، الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس، رحيب الجوف» تفسير : وبهذا الإسناد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري العتل الزنيم» تفسير : وقد أرسله أيضاً غير واحد من التابعين. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه، وأرحب جوفه، وأعطاه من الدنيا مقضماً، فكان للناس ظلوماً ــــ قال ــــ فذلك العتل الزنيم» تفسير : وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين، ونص عليه غير واحد من السلف، منهم مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم: أن العتل هو المصحح الخلق، الشديد القوي في المأكل والمشرب والمنكح وغير ذلك، وأما الزنيم، فقال البخاري: حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن أبي حصين عن مجاهد عن ابن عباس: { عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} قال: رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة، ومعنى هذا أنه كان مشهوراً بالسوء كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين أخواتها، وإنما الزنيم في لغة العرب هو الدعي في القوم، قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة، وقال: ومنه قول حسان بن ثابت، يعني: يذم بعض كفار قريش:شعر : وأنتَ زَنيمٌ نِيْطَ في آلِ هاشِمٍ كما نِيطَ خلفَ الراكبِ القدَحُ الفَرْدُ تفسير : وقال آخر:شعر : زَنيمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبوهُ بَغِيُّ الأُمِّ ذو حسبٍ لَئيمِ تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا أسباط عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {زَنِيمٍ} قال: الدعي الفاحش اللئيم. ثم قال ابن عباس:شعر : زَنيمٌ تداعاهُ الرجالُ زيادةً كما زِيْدَ في عرضِ الأديمِ الأكارعُ تفسير : وقال العوفي عن ابن عباس: الزنيم: الدعي، ويقال: الزنيم: رجل كانت به زنمة يعرف بها، ويقال: هو الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، وزعم أناس من بني زهرة أن الزنيم الأسود بن عبد يغوث الزهري، وليس به. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس: أنه زعم أن الزنيم: الملحق النسب، وقال ابن أبي حاتم: حدثني يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني سليمان بن بلال عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب: أنه سمعه يقول في هذه الآية: { عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} قال سعيد: هو الملصق بالقوم ليس منهم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج: حدثنا عقبة بن خالد عن عامر بن قدامة قال: سئل عكرمة عن الزنيم، قال: هو ولد الزنا. وقال الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله تعالى: { عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} قال: يعرف المؤمن من الكافر مثل الشاة الزنماء، والزنماء من الشياه التي في عنقها هنتان معلقتان في حلقها. وقال الثوري عن جابر عن الحسن عن سعيد بن جبير قال: الزنيم: الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها، والزنيم: الملصق. رواه ابن جرير، وروي أيضاً من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس: أنه قال في الزنيم: نعت، فلم يعرف حتى قيل: زنيم. قال: وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها، قال: وقال آخرون: كان دعياً. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس عن أبيه عن أصحاب التفسير قالوا: هو الذي تكون له زنمة مثل زنمة الشاة، وقال الضحاك: كانت له زنمة في أصل أذنه، ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب، وقال أبو إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو المريب الذي يعرف بالشر، وقال مجاهد: الزنيم: الذي يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة، وقال أبو رزين: الزنيم علامة الكفر، وقال عكرمة: الزنيم: الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها. والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر الذي يعرف به من بين الناس، وغالباً يكون دعياً ولد زنا، فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره؛ كما جاء في الحديث: «حديث : لا يدخل الجنّة ولد زنا» تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه»تفسير : وقوله تعالى: { أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } يقول تعالى: هذه مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين، كفر بآيات الله عز وجل، وأعرض عنه، وزعم أنها كذب مأخوذ من أساطير الأولين؛ كقوله تعالى: {أية : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ إِنَّهُ كان لأَيَـٰتِنَا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لاَ تُبْقِى وَلاَ تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} تفسير : [المدثر: 11 ــــ 30]. وقال تعالى ههنا: { سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} قال ابن جرير: سنبين أمره بياناً واضحاً حتى يعرفوه، ولا يخفى عليهم؛ كما لا تخفى عليهم السمة على الخراطيم، وهكذا قال قتادة: { سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ}: شين لا يفارقه آخر ما عليه، وفي رواية عنه: سيما على أنفه، وكذا قال السدي، وقال العوفي عن ابن عباس: { سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} يقاتل يوم بدر، فيخطم بالسيف في القتال. وقال آخرون: {سَنَسِمُهُ} سمة أهل النار، يعني: نسود وجهه يوم القيامة، وعبر عن الوجه بالخرطوم. حكى ذلك كلّه أبو جعفر بن جرير، ومال إلى أنه لا مانع من اجتماع الجميع عليه في الدنيا والآخرة، وهو متجه. وقد قال ابن أبي حاتم في سورة: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [النبأ: 1]: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني خالد بن سعيد عن عبد الملك بن عبد الله، عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن العبد يكتب مؤمناً أحقاباً ثم أحقاباً، ثم يموت والله عليه ساخط، وإن العبد يكتب كافراً أحقاباً ثم أحقاباً، ثم يموت والله عليه راضٍ، ومن مات همازاً لمازاً ملقباً للناس، كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشفتين».

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ }.

الماوردي

تفسير : {وَدُّوا لو تُدْهِنُ فَيدْهِنونَ} فيه ستة تأويلات: أحدها: معناه ودوا لو تكفر فيكفرون، قاله السدي والضحاك. الثاني: ودوا لو تضعُف فيضعُفون، قاله أبو جعفر. الثالث: لو تلين فيلينون، قاله الفراء. الرابع: لو تكذب فيكذبون، قاله الربيع بن أنس. الخامس: لو ترخص لهم فيرخصون لك، قاله ابن عباس. السادس: أن تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك، قاله قتادة. وفي أصل المداهنة وجهان: أحدهما: مجاملة العدو وممايلته، قال الشاعر: شعر : لبَعْضُ الغَشْم أحزْم أمورٍ تَنوبُك مِن مداهنةِ العدُوِّ. تفسير : الثاني: أنها النفاق وترك المناصحة، قاله المفضل، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة. {ولا تُطِعْ كلَّ حَلاَّفٍ مَهينٍ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه الكذاب، قاله ابن عباس. الثاني: الضعيف القلب، قاله مجاهد. الثالث: أنه المكثار من الشر، قاله قتادة. الرابع: أنه الذليل بالباطل، قاله ابن شجرة. ويحتمل خامساً: أنه الذي يهون عليه الحنث. وفي من نزل ذلك فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، قاله السدي. الثاني: الأسود بن عبد يغوث، قاله مجاهد. الثالث: الوليد بن المغيرة، عرض على النبي صلى الله عليه وسلم مالاً وحلف أن يعطيه إن رجع عن دينه، قاله مقاتل. {هَمَّازٍ مَشّاءٍ بِنميمٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الفتّان الطعان، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه الذي يلوي شدقيه من وراء الناس، قاله الحسن. الثالث: أنه الذي يهمزهم بيده ويضربهم دون لسانه، قاله ابن زيد، والأول أشبه لقول الشاعر: شعر : تُدْلي بِوُدٍّ إذا لاقيتني كذباً وإن أغيبُ فأنت الهامز اللُّمَزة. تفسير : {مشّاءٍ بنميم} فيه وجهان: أحدهما: الذي ينقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض، قاله قتادة. الثاني: هو الذي يسعى بالكذب، ومنه قول الشاعر: شعر : ومَوْلى كبيْتِ النمل لا خير عنده لمولاه إلا سعية بنميم تفسير : وفي النميم والنميمة وجهان: أحدهما: أنهما لغتان، قاله الفراء. الثاني: أن النميم جمع نميمة. {منّاعٍ للخيْرِ} فيه وجهان: أحدهما: للحقوق من ظلم. الثاني: الإسلام يمنع الناس منه. {عُتُلٍّ بَعْد ذلك زنيمٍ} يعني بعد كونه " منّاعٍ للخيرٍ" معتدٍ أثيم، هو عتل زنيم، وفيه تسعة أوجه: أحدها: أن العُتُلّ الفاحش، وهو مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: الثاني: أنه القوي في كفره، قاله عكرمة. الثالث: أنه الوفير الجسم، قاله الحسن وأبو رزين. الرابع: أنه الجافي الشديد الخصومة بالباطل، قاله الكلبي. الخامس: أنه الشديد الأسر، قاله مجاهد. السادس: أنه الباغي، قاله ابن عباس. السابع: أنه الذي يعتِل الناس، أي يجرهم إلى الحبس أو العذاب، مأخوذ من العتل وهو الجر، ومنه قوله تعالى: {أية : خذوه فاعتِلوه} تفسير : [الحاقة:30]. الثامن: هو الفاحش اللئيم، قاله معمر، قال الشاعر: شعر : يعتل من الرجال زنيم غير ذي نجدةٍ وغير كريم. تفسير : التاسع: ما رواه شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غَنْم، ورواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يدخل الجنةَ جواظٌ ولا جعظري ولا العتلّ الزنيم" تفسير : فقال رجل: ما الجواظ وما الجعظري وما العتل الزنيم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : الجواظ الذي جمع ومنع، والجعظري الغليظ، والعتل الزنيم الشديد الخلق الرحيب الجوف، المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام، الظلوم للناس . تفسير : وأما الزنيم ففيه ثماني تأويلات: أحدها: أنه اللين، رواه موسى بن عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: أنه الظلوم، قاله ابن عباس في رواية ابن طلحة عنه. الثالث: أنه الفاحش، قاله إبراهيم. الرابع: أنه الذي له زنمة كزنمة الشاة، قال الضحاك: لأن الوليد بن المغيرة كان له أسفل من أذنه زنمة مثل زنمة الشاة، وفيه نزلت هذه الآية، قال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق لأنه حليف ملحق ولذلك سمي زنيماً. الخامس: أنه ولد الزنى، قاله عكرمة. السادس: أنه الدعيّ، قال الشاعر: شعر : زنيمٌ تَداعاه الرجالُ زيادةً كما زِيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكارعُ تفسير : السابع: أنه الذي يعرف بالأُبنة، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. الثامن: أنه علامة الكفر كما قال تعالى: {سنسمه على الخرطوم}، قاله أبو رزين. {أنْ كان ذا مالٍ وبنينَ} قيل إنه الوليد بن المغيرة، كانت له حديقة بالطائف، وكان له اثنا عشر ابناً، حكاه الضحاك. وقال عليّ بن أبي طالب: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة. {إذا تتْلى عليه آياتُنا} يعني القرآن. {قال أساطيرُ الأوّلين} يعني أحاديث الأولين وأباطيلهم. {سَنَسِمُهُ على الخُرطومِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها سمة سوداء تكون على أنفه يوم القيامة يتميز بها الكافر، كما قال تعالى: {أية : يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم} تفسير : [الرحمن:41]. الثاني: أنه يضرب في النار على أنفه يوم القيامة، قاله الكلبي. الثالث: أنه إشهار ذكره بالقبائح، فيصير موسوماً بالذكر لا بالأثر. الرابع: هو ما يبتليه اللَّه به في الدنيا في نفسه وماله وولده من سوء وذل وصَغار، قاله ابن بحر واستشهد بقول الأعشى. شعر : فدَعْها وما يَغنيك واعمد لغيرها بشِعرك واغلب أنف من أنت واسم. تفسير : وقال المبرد: الخرطوم هو من الناس الأنف، ومن البهائم الشفة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ} يعني: قريشاً، وذلك أنهم قَالُوا في بعضِ الأوْقَاتِ للنبي صلى الله عليه وسلم: لَوْ عَبَدْتَ آلهتَنَا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنَا إلٰهك وعظمناه، وَوَدُّوا أنْ يُدَاهِنَهم النبي صلى الله عليه وسلم ويميلَ إلى مَا قالوا، فَيمِيلُوا هُمْ أيضاً إلى قَولهِ ودِينِهِ، والإدْهَانُ الملايَنَةُ فيما لاَ يَحِلُّ، والمُدَارَاةُ الملاينة فيما يحل. وقوله: {فَيُدْهِنُونَ} معطوفٌ وليس بجَوابٍ، لأنَّه لَوْ كَانَ لَنُصِبَ، والحلاّفُ المردِّد لِحَلفِهِ الذي قد كثرَ منه، والمُهينُ الضَّعِيفُ الرأيِ، والعَقْلِ؛ قاله مجاهد، وقال ابن عباس: المهينُ الكذَّابُ، والهمَّازُ الذي يَقَعُ في النّاسِ بلسَانِه، قال منذر بن سعيد: وبعَيْنِهِ وإشارَتِه، والنَّمِيمُ مَصْدَرٌ كالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلَ مَا يَسْمَعُ مما يسوءُ ويُحَرِّشُ النفوسَ، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمَّى بـ«بهجةِ المجالس» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ كَفَّ عَنْ أعْرَاضِ المُسْلِمِينَ لِسَانَه؛ أقَالَه اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَثَرَتَه»تفسير : ، وقال ـــ عليه الصَّلاةُ والسَّلام ـــ: «حديث : شِرَارُكُمْ أيُّهَا النَّاسُ المشَّاؤُونَ بالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ لأَهْلِ البِرِّ العَثَرَاتِ» تفسير : انتهى، ورَوَى حذيفةُ أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ»تفسير : ، وهو النَّمَّامُ، وذَهَبَ كثيرٌ مِنَ المفسِّرِينَ إلى أنَّ هذهِ الأوْصَافَ هي أجْنَاس لَمْ يُرَدْ بها رجلٌ بعينهِ، وقالت طائفة: بَلْ نزلت في معيَّنٍ، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الوليدُ بن المغيرةِ، وقيل هو: الأخْنَسُ بن شريق، ويؤيد ذلكَ أنه كانَتْ له زَنَمَةٌ في حَلْقِه كَزَنَمَةِ الشَّاةِ، وأيضاً فكانَ من ثَقِيفٍ مُلْصَقاً في قُرَيْشٍ، وقيل: هو أبو جهلٍ، وقيل: هو الأسودُ بن عَبْدِ يَغُوثَ، قال * ع *: وظاهرُ اللفظ عمومُ مَنِ اتَّصَفَ بهذهِ الصفاتِ، والمخاطبَةُ بهذا المعنى مستمرة بَاقِيَ الزَّمانِ، لا سيما لِوُلاَةِ الأُمور.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ} نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه. قوله: {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}. المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: "فَيُدهِنُونَ" بثبوت نون الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على "تُدهِنُ" فيكون داخلاً في حيز "لَوْ". والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون. وقال الزمخشريُّ: "فإن قلت: لم رفع "فَيُدْهنُونَ" ولم ينصب بإضمار "أن" وهو جواب التمني؟. قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله: {أية : فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً}تفسير : [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا" انتهى. وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان: أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق بـ"أنْ" فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية "لَوْ"، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في "البقرة". والثاني: أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من "ودّ". والظاهر أن "لَوْ" حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة "لَو" وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك. فصل في معنى الآية قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك. وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث. وقال مجاهدٌ: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك. وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون. وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا. وقال الحسنُ: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم. وقال زيد بن أسلم: ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون. وقيل: ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر. وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة. وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى {أية : لَوْ تَكْفُرُونَ}تفسير : [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم "ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون". وقال القرطبيُّ: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة. وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل شيء منها لم يكن. وقال المبردُ: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله "فيُدْهِنُونَ" ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال: "فيُدْهِنُوا"، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير. قوله: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ}. قال السديُّ والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق. وقال مجاهدٌ: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود. وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صلى الله عليه وسلم مالاً، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه. وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام. والحلاف: الكثير الحلف. و"المَهين" قال مجاهد: هو الضعيف القلب. وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين. وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر. وقال الكلبي: المهين: الفاجر. وقال عبد الله: هو الحقير. وقال ابن بحر: هو الذليل. وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح. وهو "فعيل" من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، أو هو "فعيل" بمعنى "مُفْعَل" والمعنى "مُهَان". قوله {هَمَّازٍ}، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب طعناً باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم بإيذائه. قال ابن زيد: الهمَّاز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمّاز: باللسان. وقيل الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللمَّازُ: الذي يذكرهم في مغيبهم. وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة. قال الشاعر: [البسيط] شعر : 4811 - تُدْلِي بودٍّ إذَا لاقَيْتنِي كَذِباً وإنْ تغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ تفسير : والنميم: قيل: هو مصدر النميمة. وقيل: هو جمعها أي اسم جنس كـ"تمرةٍ وتمرٍ"، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه، ويحرش بين الناس. وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز] شعر : 4812 - تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّميمهْ تَمْشِي بِهَا زَهْراً إلى تَمِيْمَه تفسير : والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نَمَّ يَنِمُّ نميماً ونَمِيمَة، أي: يمشي ويسعى بالفسادِ. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا يَدخُلُ الجَنَّة نَمَّامٌ ". تفسير : والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضربٍ ومنه: {أية : خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ}تفسير : [الدخان: 47]. وقيل: العتل: الشديد الخصومة. وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم. وأنشد: شعر : 4813 - بِعُتُلٍّ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٍ غيْرِ ذِي نَجْدةٍ وغَيْرِ كَريمِ تفسير : وقيل: الغليظ الجافي. ويقال: عَتَلْتُه وعَتنتُهُ باللام والنون. نقله يعقوب. وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره. وقال الكلبيُّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل. قال الجوهري: ويقال: عَتَلْتُ الرجل أعْتِلُهُ وأعْتُلُهُ إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل - بالكسر -، والعَتَل أيضاً: الرمح الغليظ، ورجل عَتِلٌ - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشَّر ويقال: لا أنعتل معك، أي: لا أبرح مكاني. وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً. والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم. قال حسانُ رضي الله عنه: [الطويل] شعر : 4814 أ- زَنِيمٌ تَداعَاهُ الرِّجالُ زِيادَةً كَمَا زيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكَارعُ تفسير : وقال أيضاً: [الوافر] شعر : 4814 ب - زَنِيمُ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسب لَئِيمُ تفسير : وقال أيضاً: [الطويل] شعر : 4815 - وأنْتَ زَنِيمٌ نيطَ في آلِ هَاشمٍ كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْد تفسير : وأصله: من الزنمةِ، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقاً في حلقها يترك عند القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه. فصل فيمن هو الحلاف المهين تقدم القول في "الحلاف المَهين"، عن الشعبي والسديِّ وابن إسحاقَ: أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم تفسير "الهَمَّاز والمشَّاء بنميمٍ". وأما قوله "منَّاعٍ للخَيْرِ" أي: للمال أن ينفق في وجوهه. وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته. قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرةٌ من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم محمداً منعته رفدي. وقال الحسنُ: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً. وقوله "مُعْتَدٍ" أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، وقوله "أثيمٍ" أي: ذا إثمٍ، ومعناه "أثُوم"، فهو "فعيل" بمعنى "فَعُول". قال البغوي: "أثيم فاجر". وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : ألاْ أخْبرُكمْ بأهْلِ الجنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُلُّ ضعيفٍ مُتضعَّفٍّ، لَوْ أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخْبركُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبرٍ" تفسير : وفي رواية: "حديث : كُلُّ جوَّاظٍ زَنيمٍ مُستَكْبرٍ ". تفسير : "الجوَّاظ" الجموع المنوع. وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته. وقيل: القصير البطين. وذكر الماورديُّ عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يَدخُل الجنَّة جوَّاظ ولا جَعْظَرِي ولا العُتلُ الزَّنِيمُ ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجوَّاظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر ". تفسير : قال ابن الأثير: "وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر". قال القرطبيُّ: وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : الشَّدِيدُ الخُلقِ، الرَّحيبُ الجوْفِ، المصحُّ الأكولُ، الشَّروبُ، الواجدُ للطعامِ، الظَّلُومُ للنَّاسِ ". تفسير : وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ ". تفسير : وقوله "بَعْدَ ذلِكَ" أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به "زنيم" وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة. وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها. وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم. وقال مجاهدٌ: "زَنِيمٍ" كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة. وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم. وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده. قال الشاعر: [الوافر] شعر : 4816 - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم تفسير : قيل: بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا خبثت خبث الولدُ، كا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ ". تفسير : وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ ". تفسير : وقالت ميمونة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ ". تفسير : وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر. قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخلن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً؛ فقيل: "منَّاعٍ للخَيرِ"، وفيه نزل:{أية : وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ}تفسير : [فصلت: 6، 7]. وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها. قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة. فصل قرأ الحسن: "عُتُلٌّ" بالرفع، أي هو عتل. وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: "بَعْدَ ذلِكَ" أي: بعدما وصفناه به. قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه. وقال الزمخشريُّ: "بَعْدَ ذَلِكَ" أي: بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه قسا قلبُه واجترأ على كل معصية. ونظير قوله: {بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}{أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ}تفسير : [البلد: 17]. قوله: {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ}. العامة: على فتح همزة "أن" ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: بالاستفهام. وباقي السبعة بالخبر. والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو أصلهما. وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف. وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ألفاً بينهما. فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة. وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: "إن" بكسر الهمزة على الشرط. فأما قراءة "أنْ" - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنها "أن" المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولاً وصاحب بنين. الثاني: أنها متعلقة بـ"عُتُل" وإن كان قد وصف. قاله الفارسي. وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار. الثالث: أن يتعلق بـ"زَنِيمٍ"، ولا سيما عند من يفسره بقبيح الأفعال. الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره لكونه متمولاً، مستظهراً بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشريُّ. قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب "إذا" لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملةُ من معنى التكذيب. وقال مكيٌّ، وتبعه أبو البقاء: "لا يجوز أن يكون العامل "تُتْلَى" لأن ما بعد "إذَا" لا يعمل فيما قبلها، لأن "إذَا" تضاف إلى الجمل، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف" انتهى. وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمرٌ معنوي، حتى لو فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل تلاوة آياتِ اللَّهِ عليه بكونه ذا مالٍ وبنين. وأما قراءة "آنْ كان" على الاستفهام، ففيها وجهان: أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون طواعية لأن كان. والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد. وأما قراءة "إنْ كَانَ" - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده. وقال الزمخشريُّ: والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طه: 44]. وجعله أبو حيَّان من دخول شرط على شرط، يعني "إن، وإذا" إلا أنه قال: ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دُريْدٍ: [الرجز] شعر : 4817 - فإن عَثَرتُ بعْدها إنْ وألَتْ نَفْسِيَ مِنْ هَاتَا فَقُولاَ لاَ لَعَا تفسير : قال: "لأن الحامل على تدبر آياتِ اللَّهِ كونه ذا مالِ وبنينَ، وهو مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدُّنيا وأنظرته". وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخٍ، على قوله حين تليت عليه آيات الله: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}. فصل في توجيه قراءة الآية قال القرطبيُّ: فمن قرأ بهمزة مُطوَّلةٍ، أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على "زَنِيمٍ"، ويبتدىء "أنْ كَانَ" على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من الكلامِ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ "أن كَانَ" بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} ولا يعمل في "أن": "تُتْلَى" ولا "قَالَ"، لأن ما بعد "إذَا" لا يعمل فيما قبلها؛ لأن "إذَا" تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف و"قال" جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدماً مؤخراً في حالة واحدةٍ، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد. قال ابن الأنباريُّ: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على "زَنيمٍ" لأن المعنى: لأن كان ذا مالٍ كان، فـ"أنْ" متعلقة بما قبلها. وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله "مشَّاءٍ بنمِيمٍ"، والتقدير: يمشي بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق بـ"عُتُلٍّ" ومعنى "أسَاطيرُ الأوَّليْنَ" أباطيلهم، وتُرهاتُهُم. قوله: "سَنَسِمُهُ". أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها. قال جرير: [الكامل] شعر : 4818 - لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ تفسير : والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً: الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن؛ فجعلت كالأنف لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط] شعر : 4819 - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ تفسير : وأنشد نضر بن شميل: [البسيط] شعر : 4820 - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ تفسير : فصل في تفسير "سنسمه" قال ابن عباس: "سَنَسِمُهُ" سنحطمه بالسَّيفِ، قال: وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات. وقال قتادةُ: سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها، يقال: وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ. قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}تفسير : [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً}تفسير : [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}تفسير : [الرحمن: 41]. قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ: {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه. قال القرطبيُّ: "والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم: سادتهم". قال الفراء: وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل. وقال الطبريُّ: نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم. وقال: المعنى: سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه. قال القتيبي: تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية قد وسم ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها. وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم. وقيل: ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر. وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم. قال ابن الخطيب: "وهذا تعسفٌ".

اسماعيل حقي

تفسير : {فلا تطع المكذبين} اى اذا تبين عندك ما تقدم فدم على ما انت عليه من عدم طاعتهم فيما يدعونك اليه من الكف عنهم ليكفو عنك وتصلب فى ذلك امره عليه السلام بالتشدد مع قومه وقوى قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة الكفار فان هذه السورة من اوآئل ما نزل دلت الآية على ان الاطاعة للعاصى عصيان والاقتدآء بالطاغى طغيان.

الجنابذي

تفسير : {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ} لله اولك فى علىٍ (ع) او لعلىٍّ.

اطفيش

تفسير : {فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ} في عبادة آلهتهم او مسحها وذلك تهييج واغراء على معاصاتهم.

اطفيش

تفسير : {فَلاَ تُطعِ} يا محمد {الْمُكذِّبِينَ} الفاء تفريع على الوعيد الذى تضمنته الآية قبلها، أو يقدر إِذا تقرر فى عقلك ما ذكر من أول السورة إِلى هنا فلا تطع المكذبين وهو لم يطعهم ولا يطيعهم وهو بعيد عن ذلك ولكن ألهَبَه وهيجه بأَن قال له دم على مخالفتهم لتكذيبهم وكل مكذب للحق تجب مخالفته، أو المراد النهى عن ملاينتهم ومداراتهم مع أنه لا يلاينهم إِلا استجلاباً إِلى الدين، وسمَّى الملاينة طاعة لهم كطاعة الله تعالى أو بمعنى الإِذعان لهم تنفيراً عنها ولأنه العمدة فى الدين فلا يليق تغيير خلاصة الدين به على وجه ما، ويناسب هذا قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فيُدْهِنُونَ} أحبوا وتمنوا إِدهانك أى ملاينتك لهم فكانوا لذلك يدهنون لك ليحصل منك الإِدهان، ولو للتمنى وهى وما بعدها تفسير لودوا ومفعوله محذوف، أى ودوا الإِدهان، ويجوز أن تكون مصدرية أى ودوا منك إِدهاناً يترتب عليه إِدهانهم أو ودوا صدور الإِدهان منك ومنهم، وإِدهانهم ملاينة مخالفة لباطنهم وإِدهانه ملاينة لهم، ولا يحبون مخالفة باطنه لها، ويقال ودوا أن تعبد آلهتهم مع إِلهك ويعبدون إِلهك مع آلهتهم، أو تترك بعض ما يكرهون ويتركون بعض ما تكره، وطلبوا منه أن يمسح بعض آلهتهم بيده.

الالوسي

تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذّبِينَ } لترتيب النهي على ما ينبىء عنه ما قبله من اهتدائه صلى الله عليه وسلم وضلالهم، أو على جميع ما فصل من أول السورة وهذا تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم أي دم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم وتصلب في ذلك. وجوز أن يكون نهيا عن مداهنتهم ومداراتهم بإظهار خلاف ما في ضميره صلى الله عليه وسلم استجلاباً لقلوبهم لا عن طاعتهم حقيقة وينبىء عنه قوله تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ}.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على جملة {أية : إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله}تفسير : [القلم: 7] إلى آخرها، باعتبار ما تضمنته من أنه على الهدى، وأن الجانب الآخر في ضلال السبيل، فإن ذلك يقتضي المشادة معهم وأن لا يلين لهم في شيء، فإن أذاهم إياه آل إلى محاربة الحق والهدى، وتَصلّب فيما هم عليه من الضلال عن سبيل الله فلا يستأهلون به لِيناً ولكن يستأهلون إغلاظاً. رُوي عن الكلبي وزيد بن أسلم والحسن بألفاظ متقاربة تحوم حول أن المشركين ودّوا أن يمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن مجاهرتهم بالتضليل والتحقير فيمسكوا عن أذاه، ويصانعَ بعضُهم بعضاً فنهاه الله عن إجابتهم لما وَدُّوا. ومعنى {ودُّوا}: أحبوا. وليس المراد أنهم ودُّوا ذلك في نفوسهم فأطْلَع الله عليه رسوله صلى الله عليه وسلم لعدم مناسبته لقوله: {فلا تطع المكذبين} وورد في كتب السيرة أن المشركين تقدموا للنبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا العرض ووسطوا في ذلك عمه أبا طالب وعتبة بن ربيعة. فينتظم من هذا أن قوله {فلا تطع المكذبين} نهي عن إجابتهم إلى شيء عرضوه عليه عندما قرعهم بأول هذه السورة وبخاصة من وقْع معنى التعريض البديع الممزوج بالوعيد بسوء المستقبل من قوله: {أية : فستبصُر ويبصرون بأيكم المفتون}تفسير : إلى قوله: {أية : بالمهتدين}تفسير : [القلم: 5 ـــ 7] فلعلهم تحدثوا أو أوعَزُوا إلى من يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو صارحوه بأنفسهم بأنه إن ساءه قولهم فيه {أية : إنه لمجنون}تفسير : [القلم: 51] فقد ساءهم منه تحقيرهم بصفات الذم وتحقير أصنامهم وآبائهم من جانب الكفر فإن أمسك عن ذلك أمسكوا عن أذاه وكان الحال صلحاً بينهم ويترك كلّ فريق فريقاً وما عبده. والطاعة: قبول ما يُبتغَى عمله، ووقوع فعل {تطع} في حيز النهي يقتضي النهي عن جنس الطاعة لهم فيعم كل إجابة لطلب منهم، فالطاعة مراد بها هنا المصالحة والملاينة كما في قوله تعالى: {أية : فلا تطع الكافرين وجَاهدهم به جهاداً كبيراً}تفسير : [الفرقان: 52]، أي لا تلن لهم. واختير تعريفهم بوصف المكذبين دون غيره من طرق التعريف لأنه بمنزلة الموصول في الإِيماء إلى وجه بناءِ الحكم وهو حكم النهي عن طاعتهم فإن النهي عن طاعتهم لأنهم كذبوا رسالته. ومن هنا يتضح أن جملة {ودُّوا لو تُدهِنُ فيدهنون} بيان لمتعلق الطاعة المنهي عنها ولذلك فصلت ولم تعطف. وفعل {تدهن} مشتق من الإدهان وهو الملاينة والمصانعة، وحقيقة هذا الفعل أن يجعل لشيء دهناً إما لتليينه وإما لتلوينه، ومن هاذين المعنيين تفرعت معاني الإِدهان كما أشار إليه الراغب، أي ودّوا منك أن تدهن لهم فيدهنوا لك، أي لو تُواجههم بحسن المعاملة فيواجهونك بمثلها. والفاء في {فيدهنون} للعطف، والتسبب عن جملة {لو تدهن} جواباً لمعنى التمني المدلول عليه بفعل {ودُّوا} بل قصد بيان سبب ودادتهم ذلك، فلذلك لم ينصب الفعل بعد الفاء بإضمار (أنْ) لأن فاء المتسبب كافية في إفادة ذلك، فالكلام بتقدير مبتدأ محذوف تقديره: فهم يدهنون. وسلك هذا الأسلوب ليكون الاسم المقدر مقدماً على الخبر الفعلي فيفيد معنى الاختصاص، أي فالإِدهان منهم لا منك، أي فاترك الإِدهان لهم ولا تتخلق أنت به، وهذه طريقة في الاستعمال إذا أريد بالترتبات أنه ليس تعليق جواب كقوله تعالى: {أية : فمن يؤمنْ بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً}تفسير : [الجنّ: 13]، أي فهو لا يخاف بخساً ولا رهقاً. وحرف {لو} يحتمل أن يكون شرطياً ويكونَ فعل {تدهن} شرطاً، وأن يكون جوابُ الشرط محذوفاً ويكون التقدير: لو تدهن لحصل لهم ما يودون. ويحتمل أن يكون {لو} حرفاً مصدرياً على رأي طائفة من علماء العربية أن {لو} يأتي حرفاً مصدرياً مثل (أنْ) فقد قال بذلك الفراء والفارسي والتبريزي وابن مالك فيكون التقدير: ودوا إدهانك. ومفعول {وَدُّوا} محذوف دل عليه {لو تدهن}، أو هو المصدر بناء على أن {لو} تقع حرفاً مصدرياً، وتقدم في قوله تعالى: {أية : يوَدُّ أحدهم لو يُعَمّر ألف سنة} تفسير : في سورة البقرة (96). وقد يفيد موقع الفاء تعليلاً لمودتهم منه أن يدهن، أي ودوا ذلك منك لأنهم مدهنون، وصاحب النية السيئة يود أن يكون الناس مثله.

الشنقيطي

تفسير : إذا كان في مجيء الآية قبل هذه {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 4] رد على دعواهم الكاذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون. ففي هذه الآية تنزيهه صلى الله عليه وسلم مما اشتملت عليه من رذائل ونقائص وافتضاح لهم. وبيان الفرق والبون الشاسع بينه وبينهم. ففي الوقت الذي وصفة بأنه على خلق عظيم وصفهم بعكس ذلك من كذب ومداهنة وكثرة حلف ومهانة وهمز ومشي بنميمة ومنع للخير وعتل وتجبر واعتداء، وظلم، وانقطاع زنيم، عشر خصال ذميمة، ونتيجتها الوسم بالخزي على الأنوف صغاراً لهم. وقد جاءت آيات القرآن تبين مساوئ تلك الصفات وتحذر منها، ولا يسعنا إيرادها كلها وتكفي الإشارة إلى بعضها تنبيهاً على جميعها في قوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [الحجرات: 11-12]. قوله تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}. ذكر القرطبي لمعاني المداهنة فوق عشرة أقوال أرجحها الملاينة، وقد ذكر هنا ودادتهم وتمنيهم المداهنة، ولم يذكر لنا هل داهنهم صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وهل يريدون بذلك مصلحة أم لا؟ وقد جاء بيان ذلك مفصلاً بأنهم أرادوا التدرج من المداهنة وملاينته صلى الله عليه وسلم معهم إلى ما بعدها من تعطيل الدعوة. وقد رجح ابن جرير ذلك بقوله: ود هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادتك إلهك، كما قال جل ثناؤه: {أية : وَلَوْلآَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 74] اهـ. ويشهد لما قاله ابن جرير هذا ما جاء في سبب نزول سورة الكافرون. فأنزل الله تعالى {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ}تفسير : [الكافرون: 1-3] السورة. ومما هو صريح في قصدهم بالمداهنة والدافع عليها والجواب عليهم قد جاء موضحاً في قوله تعالى: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ}تفسير : [البقرة: 109]، ثم قال تعالى مبيناً موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه المحاولة بقوله: {أية : فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}تفسير : [البقرة: 109]. وقد جاء الله بأمره حكماً بينه وبينهم، وهنا يمكن أن يقال: إن كل مداهنة في الدين مع المشركين تدخل في هذا الموضوع. وقد جاء بعد قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} إشارة إلى أنهم لا يطاعون في مداهنتهم، وأنهم سيبذلون كل ما في وسعهم لترويج مداهنتهم ولو بكثرة الحلف، وفرق بين المداهنة في الدين، والملاطفة في الدنيا أو التعاون وتبادل المنافع الدنيوية، كما قدمنا عند قوله تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ}تفسير : [الممتحنة: 8] الآية، والله تعالى أعلم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ودّوا لو تدهن: أي تمنوا وأحبوا لو تلين لهم بأن لا تذكر آلهتهم بسوء. فيُدهنون: فيلينون لك ولا يغلظون لك في القول. كل حلاف مهين: أي كثير الحلف بالباطل حقير. هماز مشاء بنميم: أي عيّاب مغتاب. معتد أثيم: أي على الناس بأذيتهم في أنفسهم وأموالهم أثيم يرتكب الجرائم والآثام. عتل بعد ذلك زنيم: أي غليظ جاف. زنيم دعي في قريش وليس منهم وهو الوليد بن المغيرة. قال أساطير الأولين: أي ما روته الأولون من قصص وحكايات وليس بوحي قرآني. سنسمه على الخرطوم: أي سنجعل على أنفه علامة يعيّر بها ما عاش فخطم أنفه بالسيف يوم بدر. معنى الآيات: قوله تعالى {فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي بناء على أنك أيها الرسول مهتد وقومك ضالون فلا تطع هؤلاء الضالين المكذبين بالله ولقائه وبك وبما جئت به من الدين الحق وقوله {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} أي ومما يؤكد لك عدم مشروعية طاعتهم فيما يطالبون ويقترحونه عليك أنهم ودوا أي تمنوا وأحبوا لو تلين لهم فتمالئهم بسكوتك عن آلهتهم فيدهنون بالكف عن أذيتك بترك السبّ والشتم. وقوله تعالى {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} بعدما نهاه عن إطاعة الكافرين عامة نهاه عن طاعة أفراد شرّيرين لا خير فيهم البتة كالوليد بن المغيرة فقال: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ} كثير الحلف بالباطل {مَّهِينٍ} أي حقير. {هَمَّازٍ} عيّاب {مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ} أي مغتاب نمام ينقل الحديث على وجه الإِفساد {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أي يبخل بالمال أشد البخل {مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} أي ظالم للناس معتدٍ على أموالهم وأنفسهم {أَثِيمٍ} كثير الإثم لغشيانه المحرمات وقوله {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} أي غليظ الطبع جاف لا أدب معه. {زَنِيمٍ} أي دعيّ في قريش وليس منهم. وقوله تعالى {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي لأجل إن كان ذا مال وبنين حمله الشعور بالغنى على التكذيب بآيات الله فإذا تُليت عليه وسمعها قال أساطير الأولين ردّاً لها ووصفها بأنها أسطورة أي أكذوبة مسطرة ومكتوبة من أساطير الأولين من الأمم الماضية. قال تعالى {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} أي نجعل له سمة شر وقبح يُعرف بها مدى حياته تكون بمثابة من جدع أنفه أو رسم على أنفه فكل من رآه استقبح منظره. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التنديد بأصحاب الصفات التالية كثرة الحلف بالكذب، المهانة، الهمزة النميمة، الغيبة، البخل، الاعتداء، غشيان الذنوب، الغلظة والجفاء، الشهرة بالشر. 2- التحذير من كثرة المال والولد فإنها سبب الطغيان {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. 3- التنديد بالمكذبين بآيات الله تعالى جملة أو تفصيلاً. والعياذ بالله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (8) - وَكَمَا أَنْعَمْنَا عَلَيْكَ بِالخُلُقِ العَظِيمِ، وَالشَّرْعِ المُسْتَقِيمِ، فَأَقِمْ عَلَى طَاعَةِ رَبِّكَ، وَلاَ تُطِعِ المُكَذِّبِينَ، وَلاَ تُدَارِهِمْ، وَلاَ تلاَيِنْهُمْ، طَمَعاً فِي أَنْ يَتَّبِعُوكَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول الله تعالى، لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ } الذين كذبوك وعاندوا الحق، فإنهم ليسوا أهلا لأن يطاعوا، لأنهم لا يأمرون إلا بما يوافق أهواءهم، وهم لا يريدون إلا الباطل، فالمطيع لهم مقدم على ما يضره، وهذا عام في كل مكذب، وفي كل طاعة ناشئة عن التكذيب، وإن كان السياق في شيء خاص، وهو أن المشركين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسكت عن عيب آلهتهم ودينهم، ويسكتوا عنه، ولهذا قال: { وَدُّوا } أي: المشركون { لَوْ تُدْهِنُ } أي: توافقهم على بعض ما هم عليه، إما بالقول أو الفعل أو بالسكوت عما يتعين الكلام فيه، { فَيُدْهِنُونَ } ولكن اصدع بأمر الله، وأظهر دين الإسلام، فإن تمام إظهاره، بنقض ما يضاده، وعيب ما يناقضه. { وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ } أي: كثير الحلف، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كذاب، ولا يكون كذابًا إلا وهو { مُهِينٌ } أي: خسيس النفس، ناقص الهمة، ليس له همة في الخير، بل إرادته في شهوات نفسه الخسيسة. { هَمَّازٍ } أي: كثير العيب [للناس] والطعن فيهم بالغيبة والاستهزاء، وغير ذلك. { مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } أي: يمشي بين الناس بالنميمة، وهي: نقل كلام بعض الناس لبعض، لقصد الإفساد بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء. { مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ } الذي يلزمه القيام به من النفقات الواجبة والكفارات والزكوات وغير ذلك، { مُعْتَدٍ } على الخلق في ظلمهم، في الدماء والأموال والأعراض { أَثِيمٍ } أي: كثير الإثم والذنوب المتعلقة في حق الله تعالى. { عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ } أي: غليظ شرس الخلق قاس غير منقاد للحق { زَنِيمٍ } أي: دعي، ليس له أصل و [لا] مادة ينتج منها الخير، بل أخلاقه أقبح الأخلاق، ولا يرجى منه فلاح، له زنمة أي: علامة في الشر، يعرف بها. وحاصل هذا، أن الله تعالى نهى عن طاعة كل حلاف كذاب، خسيس النفس، سيئ الأخلاق، خصوصًا الأخلاق المتضمنة للإعجاب بالنفس، والتكبر على الحق وعلى الخلق، والاحتقار للناس، كالغيبة والنميمة، والطعن فيهم، وكثرة المعاصي. وهذه الآيات - وإن كانت نزلت في بعض المشركين، كالوليد بن المغيرة أو غيره لقوله عنه: { أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أي: لأجل كثرة ماله وولده، طغى واستكبر عن الحق، ودفعه حين جاءه، وجعله من جملة أساطير الأولين، التي يمكن صدقها وكذبها- فإنها عامة في كل من اتصف بهذا الوصف، لأن القرآن نزل لهداية الخلق كلهم، ويدخل فيه أول الأمة وآخرهم، وربما نزل بعض الآيات في سبب أو في شخص من الأشخاص، لتتضح به القاعدة العامة، ويعرف به أمثال الجزئيات الداخلة في القضايا العامة. ثم توعد تعالى من جرى منه ما وصف الله، بأن الله سيسمه على خرطومه في العذاب، وليعذبه عذابًا ظاهرًا، يكون عليه سمة وعلامة، في أشق الأشياء عليه، وهو وجهه.