٦٨ - ٱلْقَلَم
68 - Al-Qalam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: الوسم أثر الكية وما يشبهها، يقال: وسمته فهو موسوم بسمة يعرف بها إما كية، وإما قطع في أذن علامة له. المسألة الثانية: قال المبرد: الخرطوم ههنا الأنف، وإنما ذكر هذا اللفظ على سبيل الاستخفاف به، لأن التعبير عن أعضاء الناس بالأسماء الموضوعة، لأشباه تلك الأعضاء من الحيوانات يكون استخفافاً، كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر. المسألة الثالثة: الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لارتفاعه عليه، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف في الأنف وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين، وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين، فكيف على أكرم موضع من الوجه. المسألة الرابعة: منهم من قال: هذا الوسم يحصل في الآخرة، ومنهم من قال: يحصل في الدنيا، أما على القول الأول: ففيه وجوه أولها: وهو قول مقاتل وأبي العالية واختيار الفراء: أن المراد أنه يسود وجهه قبل دخول النار، والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة فإن المراد هو الوجه لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض وثانيها: أن الله تعالى سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل القيامة، إنه كان غالياً في عداوة الرسول، وفي إنكار الدين الحق وثالثها: أن في الآية احتمالاً آخر عندي، وهو أن ذلك الكافر إنما بالغ في عداوة الرسول وفي الطعن في الدين الحق بسبب الأنفة والحمية، فلما كان منشأ هذا الإنكار هو الأنفة والحمية كان منشأ عذاب الآخرة هو هذه الأنفة والحمية، فعبر عن هذا الاختصاص بقوله: {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ }، وأما على القول الثاني: وهو أن هذا الوسم إنما يحصل في الدنيا ففيه وجوه: أحدها: قال ابن عباس سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش. وروي أنه قاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال وثانيها: أن معنى هذا الوسم أنه يصير مشهوراً بالذكر الرديء والوصف القبيح في العالم، والمعنى سنلحق به شيئاً لا يفارقه ونبين أمره بياناً واضحاً حتى لا يخفى كما لا تخفى السمة على الخراطيم، تقول العرب للرجل الذي تسبه في مسبة قبيحة باقية فاحشة: قد وسمه ميسم سوء، والمراد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه كما أن السمة لا تنمحي ولا تزول ألبتة، قال جرير:شعر : لما وضعت على الفرزدق ميسمي وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل تفسير : يريد أنه وسم الفرزدق (والبعيث) وجدع أنف الأخطل بالهجاء أي ألقى عليه عاراً لا يزول، ولا شك أن هذه المبالغة العظيمة في مذمة الوليد بن المغيرة بقيت على وجه الدهر فكان ذلك كالموسم على الخرطوم، ومما يشهد لهذا الوجه قول من قال في {زَنِيمٍ } إنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها وثالثها: يروى عن النضر بن شميل أن الخرطوم هو الخمر وأنشد:شعر : تظل يومك في لهو وفي طرب وأنت بالليل شراب الخراطيم تفسير : فعلى هذا معنى الآية: سنحده على شرب الخمر وهو تعسف، وقيل للخمر الخرطوم كما يقال لها السلافة، وهي ما سلف من عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {سَنَسِمُهُ} قال ابن عباس: معنى «سَنَسِمُهُ» سَنخْطِمه بالسيف. قال: وقد خُطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف؛ فلم يزل مخطوماً إلى أن مات. وقال قتادة: سنسمه يوم القيامة على أنفه سِمَةً يُعرف بها؛ يقال: وسَمْتَه وسْماً وسِمَةً إذا أثّرت فيه بِسِمَةٍ وَكَيّ. وقد قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}تفسير : .[آل عمران:106] فهذه علامة ظاهرة. وقال تعالى: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} تفسير : [طه:102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. فأفادت هذه الآية علامة ثالثةً وهي الوسم على الأنف بالنار؛ وهذا كقوله تعالى: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} تفسير : [الرحمن:41] قاله الكلبي وغيره. وقال أبو العالية ومجاهد: {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} أي على أنفه، ونسوّد وجهه في الآخرة فَيُعْرف بسواد وجهه. والخرطوم: الأنف من الإنسان. ومن السباع: موضع الشَّفَة. وخراطيم القوم: ساداتهم. قال الفراء: وإن كان الخُرْطُوم قد خُصّ بالسِّمة فإنه في معنى الوجه؛ لأن بعض الشيء يعبّر به عن الكل. وقال الطبري: نبيّن أمره تبياناً واضحاً حتى يعرفوه فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمة على الخراطيم. وقيل: المعنى سَنُلْحِقُ به عاراً وسُبَّةً حتى يكون كمن وُسِم على أنفه. قال القُتَبيّ: تقول العرب للرجل يُسَبّ سُبّة سوء قبيحة باقية: قد وُسِم مِيسَم سوء؛ أي أُلْصِق به عارٌ لا يفارقه؛ كما أن السَّمة لا يُمْحَي أثرها» قال جرير:شعر : لمّا وضعتُ على الفَرَزْدَق مِيسَمِي وعلى البَعِيث جَدَعْتُ أنفَ الأخْطَلِ تفسير : أراد به الهجاء. قال: وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة. ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه؛ فألحقه به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة؛ كالوَسْم على الخرطوم. وقيل: هو ما ابتلاه الله به في الدنيا في نفسه وماله وأهله من سوء وذُلّ وصَغار؛ قاله ابن بحر. واستشهد بقول الأعشى: شعر : فدعها وما يغنيك وٱعْمِد لغيرها بشعرك وٱعْلُب أنف من أنت واسم تفسير : وقال النَّضْر بن شُمَيل: المعنى سنحُدّه على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه خراطيم، قال الشاعر:شعر : تَظَلَّ يومك في لَهْوٍ وفي طَرَب وأنت بالليل شَرّاب الخراطيم تفسير : قال الراجز:شعر : صَهْبَـاء خُـرْطوماً عُقـاراً قَرْقَفَـا تفسير : وقال آخر:شعر : أبا حاضر من يَزْن يُعرف زناؤه ومن يشرب الخُرْطوم يُصبح مسكرا تفسير : الثانية: قال ابن العربي: «كان الوسم في الوجه لذي المعصية قديماً عند الناس، حتى أنه روي ـ كما تقدم ـ أن اليهود لما أهملوا رَجْم الزاني اعتاضوا منه بالضرب وتحميم الوجه؛ وهذا وضع باطل. ومن الوسم الصحيح في الوجه: ما رأى العلماء من تسويد وجه شاهد الزور، علامةً على قُبْح المعصية وتشديداً لمن يتعاطاها لغيره ممن يرجى تجنبه بما يرجى من عقوبة شاهد الزور وشهرته؛ فقد كان عزيزاً بقول الحق وقد صار مَهيناً بالمعصية. وأعظم الإهانة (إهانةُ الوجه). وكذلك كانت الاستهانة به في طاعة الله سبباً لخيرة الأبد والتحريم له على النار؛ فإن الله تعالى قد حرم على النار أن تأكل من ٱبن آدم أثَرَ السجود؛ حسب ما ثبت في الصحيح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ } سنجعل على أنفه علامة يعير بها ما عاش فخطم أنفه بالسيف يوم بدر.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَنَسِمُهُ} سمة سوداء على أنفه يوم القيامة يتميز بها أو يضرب في النار على أنفه أو وسمه بإشهار ذكره بالقبح أو ما يبتلى به في الدنيا في نفسه وولده وماله من سوء وذل وصغار. المبرد: الخرطوم من الناس الأنف ومن البهائم الشفة.
الخازن
تفسير : {سنسمه على الخرطوم} أي على الأنف والمعنى نسود وجهه فنجعل له علماً يعرف به في الآخرة وهو سواد الوجه فعبر بالأنف عن الوجه وقال ابن عباس سنسمه بالسيف وفعل به ذلك يوم بدر، وقيل معناه سنلحق به شيئاً لا يفارقه أي سنسمه ميسم سوء يريد نلحق به عاراً لا يفارقه كما أن السمة لا تمحى ولا يعفى أثرها. وقد ألحق الله به بما ذكر من عيوبه عاراً لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة كالوسم على الخرطوم الذي لا يخفى قط وقيل معناه سنكويه على وجهه. وقوله تعالى: {إنا بلوناهم} أي اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع {كما بلونا أصحاب الجنة} روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة} قال بستان باليمن يقال له الضروان دون صنعاء بفرسخين يطؤه أهل الطريق وكان غرسه قوم من أهل الصلاة وكان لرجل فمات فورثه ثلاث بنين له وكان يترك للمساكين إذا صرموا نخلهم كل شيء تعداه المنجل إذا طرح من فوق النخل إلى البساط وكل شيء يخرج من المنجل إلى البساط فهو أيضاً للمساكين وإذا حصدوا زرعهم فكل شيء تعداه المنجل فهو للمساكين وإذا داسوه كان لهم كل شيء ينتثر أيضاً فلما مات الأب وورثه بنوه هؤلاء الإخوة الثلاثة قالوا والله إن المال قليل وإن العيال كثير وإنما كان هذا الأمر يفعل لما كان المال كثيراً والعيال قليلاً فأما إذا قل المال وكثر العيال فإنا لا نستطيع أن نفعل فتحالفوا بينهم يوماً أن يغدوا غدوة قبل خروج الناس فليصر من نخلهم فذلك قوله تعالى: {إذ أقسموا} أي تحالفوا {ليصرمنها} أي ليقطعن ثمرها {مصبحين} أي إذا أصبحوا قبل أن يخرج إليهم المساكين وقبل أن يعلم بها المساكين، {ولا يستثنون} أي ولم يقولوا إن شاء الله وقيل لا يستثنون شيئاً للمساكين من ثمر جنتهم {فطاف عليها طائف من ربك} أي عذاب من ربك ولا يكون الطائف إلا بالليل وهو قوله تعالى: {وهم نائمون} وكان ذلك الطائف ناراً أنزلت من السماء فأحرقتها وهو قوله تعالى: {فأصبحت} أي الجنة {كالصريم} أي كالليل الأسود المظلم وقيل تصرم منها الخير فليس فيها شيء ينتفع به وقال ابن عباس كالرماد الأسود وهو بلغة خزيمة.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} معناه: على الأَنْفِ. قَالَ ابنُ عَبّاسٍ: هُو الضَّرْب بالسَّيْفِ في وَجْهِهِ وعَلَى أنْفِه، وَقَدْ حَلَّ ذَلِكَ به يومَ بَدْرٍ، وقيل: ذلك الوَسْمُ هو في الآخرةِ، وقال قتادة وغيره: معناه سَنَفْعَلُ به في الدنيا مِنَ الذَّمِّ لهُ والمَقْتِ والاشْتِهَارِ بالشر، ما يَبْقَى فِيه وَلاَ يَخْفَى به، فيكونُ ذلكَ كالْوَسِمِ عَلَى الأنف. وقوله سبحانه: {إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ} يريد: قريشاً، أي: امْتَحَنَّاهُم، و{أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ} فيما ذُكِرَ كانوا إخوةً، وكانَ لأَبِيهم جَنَّةٌ وحَرْثٌ يَغْتَلُّه، فَكَان يُمْسِكُ منه قُوتَه، وَيَتَصَدَّقُ على المساكين بِبَاقِيهِ، وقيل: بلْ كَانَ يَحْمِلُ المساكِينَ مَعَه في وَقْتِ حَصَادِهِ وجَذِّه فَيُجْدِيهم منه، فماتَ الشيخُ، فقال ولدُه: نَحْنُ جَماعَةٌ وفِعْلُ أبينَا كَانَ خطأً فَلْنَذْهَبْ إلى جنَّتِنَا، ولا يَدْخُلَنَّها عَلَيْنَا مِسْكِينٌ، ولا نُعْطِي منها شيئاً، قَال: فَبَيَّتُوا أمْرَهُمْ وَعَزْمَهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا طائفاً من نارِ أو غيرِ ذلكَ، فاحْتَرَقَتْ، فقيلَ: فأصْبَحَتْ سَودَاء، وقيل: بَيْضَاء كالزَّرْعِ اليَابِسِ المَحْصُودِ، فلما أصْبَحوا إلى جنتهم؛ لم يَرَوْهَا فَحسبوا أنهم قَد أَخْطَؤُوا الطريقَ، ثم تَبَيَّنُوها فعلموا أنَّ اللَّهَ أَصَابَهُم فِيها، فتَابوا حينئذٍ فَكَانُوا مُؤمنِينَ أهْلَ كِتَابٍ، فَشَبَّه اللَّهُ قُرَيْشاً بهم في أنّه ٱمْتَحَنَهُمْ بالمصَائِبِ، في دُنْيَاهُمْ لِعَدَمِ اتّبَاعِهِمْ للنبي صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ التوبةُ مُعَرَّضَةٌ لِمَنْ بَقِيَ منهم. وقوله تعالى: {لَيَصْرِمُنَّهَا} أي: ليَجُذُّنَّهَا، و{مُصْبِحِينَ} معناه: دَاخِلينَ في الصباح. وقوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} [أي: لا يَنْثَنُونَ] عن رأْيِ مَنْعِ المساكين، وقَالَ مجاهد: معناه ولاَ يَقُولُونَ إنْ شَاءَ اللَّه. والصَّرِيمُ، قال جماعة: أرادَ بهِ اللَّيْلَ مِنْ حيثُ اسْوَدَّتْ جَنَّتُهم، وقَالَ ابن عباس: الصَّرِيمُ: الرَّمَادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ، وقولهم: {إِن كُنتُمْ صَـٰرِمِينَ} يَحْتَمِلُ أنْ يكُونَ مِنْ صرام النخلِ، ويحتملُ أنْ يريدَ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ عزم وإقْدَامٍ على رأيكم، من قولك سَيْفٌ صارم، و{يَتَخَـٰفَتُونَ}: معناه يَتَكَلَّمُونَ كَلاَماً خَفِيًّا، وكان هذا التخافتُ خَوْفاً مِنْ أنْ يَشْعُرَ بهمُ المساكينُ، وكان لفظُهم الذي يتخافتون به: {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ}. وقوله: {عَلَىٰ حَرْدٍ} يَحْتَمِلُ أنْ يريدَ عَلى مَنْعٍ، من قولهم: حَارَدَتِ الإبِلُ إذا قَلَّتْ ألبانُها فمنَعتْهَا، وحَارَدَتِ السنةُ إذا كَانَتْ شَهْبَاء لاَ غَلَّةَ لها، ويحتملُ أن يريدَ بالحَرْدِ الغَضَبَ، يقال حَرَدَ الرجلُ حَرْداً إذَا غَضِبَ، قال البخاريّ قَالَ قتادة: {عَلَىٰ حَرْدٍ} [أي: على جدٍّ] في أنفسهم، انتهى. وقوله تعالى: {قَـٰدِرِينَ} يحتملُ أن يكون من القُدْرَةِ، أي: قادرون في زعمهِم ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن التَّقْدِيرِ الذي هو تَضْيِيقٌ، كأنّهم قَدْ قَدَرُوا عَلَى المسَاكِينِ، أي ضَيَّقُوا عليهم، {فَلَمَّا رَأَوْهَا} أي: مُحْتَرِقَةً {قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ} طريقَ جَنَّتِنَا فَلَما تَحقَّقُوها عَلِمُوا أَنها قَدْ أصيبتْ فقالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي: قَدْ حُرِمْنَا غَلَّتَها وبَرَكَتها، فقال لهم أعدلهُم قَوْلاً وعَقْلاً وخُلُقاً وهو الأوسَط؛ {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} قِيلَ هي عبارةٌ عَنْ تعظيمِ اللَّهِ والعَمَلِ بطاعتهِ سبحانَه، فَبادَرَ القَوْمُ عَنْدَ ذَلِكَ وَتَابُوا وسبَّحُوا، واعترفُوا بظلمِهم في اعتقادهم مَنْعَ الفقراءِ، ولاَمَ بعضُهم بَعْضاً واعترفوا بأنهم طَغَوا، أي: تَعَدَّوْا مَا يَلْزَم مِنْ مُوَاسَاةِ المساكينِ، ثم انصرفوا إلى رَجَاءِ اللَّه سبحانَه وانتظارِ الفَضْلِ من لَدُنْهُ في أن يُبْدِلَهُمْ، بِسَبَبِ تَوْبَتِهم، وإنابتِهم خَيْراً من تلك الجنة، قال الثعلبي: قال ابن مسعود: بلغني أن القومَ لما أخْلَصُوا وَعَلِمَ اللَّهُ صدقَهم أبْدَلَهُمْ اللَّهُ ـــ عز وجل ـــ بها جنةً يقال لها الحَيَوَانُ، فيها عِنَبٌ يَحْمِلُ البغلُ العنقُودَ منها، وعن أبي خالد اليماني أَنه رأَى تلكَ الجنةَ ورَأَى كُلَّ عُنْقُودٍ منها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِم، انتهى،، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ فلا يُسْتَغْرَبُ هذا إنْ صَحّ سنده.
اسماعيل حقي
تفسير : {سنسمه على الخرطوم} اصله سنوسمه من الوسم وهو احداث السمة بالكسر اى العلامة وبالفارسية داغ كردن. والميسم بالكسر المكواة اى آلة الكى والخرطوم كزنبور الالف او مقدمه او ما ضممت عليه الحنكين كالخرطم كقنفذ كما فى القاموس والمعنى سنجعل له سمة وعلامة يعرف بها بالكى على اكرم مواضعه لغاية اهانته واذلاله اذ الانف اكرم موضع من الوجه لتقدمه له ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الانفة وقالوا الانف بالانف وحمى انفه وفلان شامخ العرنين وقالوا فى الذليل جدع انفسه ورغم انفه ولقد وسم العباس رضى الله عنه ابا عره فى وجوهها فقال له رسول الله عليه السلام حديث : اكرموا الوجوه فوسمها فى جواعرهاتفسير : اى فى ادبارها وفى التعبير عن الانفس بلفظ الخرطوم استهانة بصاحبه واستقباح له لانه لا يستعمل الا فى الفيل وخنزير وكلما كان الحيوان اخبث واقبح كانت الاستهانة والاستقباح اشد واكثر قيل اصاب انف الوليد جراحة يوم بدر فبقيت علامتها قال صاحب الكشف هو ضعيف فان الوليد مات قبله فلم يوسم بوسم بقى اثره مدة حياته وقال الراغب نلزمه عارا لا ينمحى عنه كما قال صاحب الكشاف هو عبارة عن ان يذله غاية الاذلال وذلك لان الوجه اكرم موضع والانف ابين عضو منه فالوسم على الانف غاية الاذلال والاهانة لان الوسم على الوجه شين فكيف اذا كان على اظهر موضع منه وكما قال العتبى وصف الله الوليد بالحلف والمهانة والهمزة والمشى بالنميمة والبخل والظلم والاثم والجفوة والدعوة فألحق به عارا لا يفارقه فى الدنيا والآخرة قال والذى يدل على هذا ما روى عن الشعبى فى قوله عتل حيث قال العتل الشديد والزنيم الذى له زنمة من الشر يعرف بها كما تعرف الشاة وقيل سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يعلم بها من سائر الكفرة بأن نسود وجه غاية التسويد اذ كان بالغا فى عداوة سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام اقصى مراتب العداوة فيكون الخرطوم مجازا عن الوجه على طريق ذكر الجزء وارادة الكل وفى التأويلات النجمية نكوى خرطوم استعداده بكى نار الحجاب والبعد حتى لا يشم النفحات الالهية والنسمات الربانية.
الجنابذي
تفسير : {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} على الانف قيل: قد اصاب انف الوليد جراحة يوم بدرٍ فبقى اثره، وقيل: انّه كناية عن ان يذلّه غاية الاذلال، وقال القمّىّ: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} اى اكاذيب الاوّلين {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} قال فى الرّجعة اذا رجع امير المؤمنين (ع) ويرجع اعداؤه فيسمهم بميْسمٍ معه كما يوسم البهائم على الخراطيم الانف والشّفتان.
اطفيش
تفسير : {سَنَسِمُهُ} أي سنعجل له علامة {عَلَى الخُرْطُومِ} على الانف يعير ما عاش خطم انفه بالسيف يوم بدر أعني الوليد وقيل سنسمه بالكي على وجهه وقد أصابه جراحه يوم بدر بقى أثرها والاول قول ابن عباس وقيل: نسمه في الآخرة بسواد الانف والوجه بسمه يمتاز بها عن سائر الكفار كما امتاز وفي الدنيا بعداوة شديدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم او سمة يعلمها الله وقيل سنشهره بهذه السمة في الدارين جميعا فلا تخفى كما لا تخفى السمة على الخرطوم. وقال قتادة وغيره: ذلك عبارة عن ان يذله غاية الاذلال والاهانة لان السمة على الوجه شين ظاهر فيكف بها على اكرم موضع منه وهو الانف وقد حديث : وسم العباس رضي الله عنه اباعر في وجهها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكرموا الوجوه"تفسير : فوسموها في جواعرها وقالوا في العزيز الأنف في الأنَفَة وحمى انفه وفلان شامخ العرنين وفي الذليل جدع أنفه ورغم انفه وفي لفظ الخرطوم استخفاف واستهانة به وعن النظر بن شميل: ان الخرطوم الخمر وان المعنى سنحده على شربها وهو تعسف وقيل للخمر الخرطوم كما قيل لها السلافة لتسلفها وتقدمها من سائر الخمر ولانها تصير في الخياشيم من الانف.
اطفيش
تفسير : {سَنَسِمُهُ} نجعل له سمة {عَلَى الْخُرْطُومِ} الأَنف يوم القيامة بالنار، قيل هو تعذيب أنفه فى جهنم وهو قول المبرد، وقيل يوسم يوم القيامة على أنفه بالنار فى المحشر، يعرف أهل المحشر بها كفره، وقيل الخرطوم وجهه يوسم بالسواد قبل دخول النار تسمية للوجه باسم بعضه، وقيل الوسم على الخرطوم فى الدنيا خطم انفه يوم بدر بالسيف سمة يبعث بها، ويبحث بأَن هذا واحد والآية كلية، وبحث بأَن أبا جهل قتل يوم بدر والباقين ماتوا قبل بدر إِلا الحكم لم يوسم هو ولا هم، وقيل الوسم فى الدنيا بالإِهانة والإِذلال بحيث يكون كالوسم على الأَنف فهو يتلى ذمه أبداً فى القرآن فى حياته وبعدها وفىتسمية أنفه خرطوماً إِهانة لاشتهار الخرطوم فى أنف الخنزير والفيل وكأَنه خنزير، فإِما أنه شبه بأَحدهما ورمز إِليه بذكر لازمه وإِما أنه سمى المطلق بالمقيد، ولا يصح أن يكون سمى أنفه بالخرطوم للشبه لأَن أنفه لم يشبه أنف الخنزير وصح هذا فى الاخرة بأَن يبعث وأنفه كأنف أحدهما، واختير الأَنف لأَنه عضو يذكر بالعز وكذا الوجه فإِذا وسم فيه فذلك غاية فى الهوان، وقد لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كوى دابة فى وجهها فكيف فى اكرم موضع منه وهو الأَنف، ومما يقال الجمال فى الأَنف قال بعض الناس: شعر : وحسن الفتى فى الوجه والوجه عاطل فكيف إِذا ما الخال كاله له حلياً تفسير : واشتق منه الأَنف فى التعزز، ويقال فلان شامخ الأَنف، ويقال حمى أنفه، وفى الذم جذع أنفه ورغم أنفه، وقال النضر بن شميل المعنى سنحده على الخمر أى شربها، ويبحث بأَن هؤلاء الكفرة ماتوا قبل تحريم الخمر إِلا الحكم فبعده ولم يحد عليها ولا يعاقبون عليها إِذا ماتوا فى الآخرة إِذ ماتوا قبل تحريمها.
الالوسي
تفسير : {سَنَسِمُهُ } سنجعل له سمة وعلامة {عَلَى ٱلْخُرْطُومِ } أي على الأنف، وهو من باب إطلاق مشفر على شفة غليظة لإنسان كما سنشير إليه / إن شاء الله تعالى. وعبر بذلك عن غاية الإذلال لأن السمة على الوجه شين حتى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه في الحيونات ولعن فاعله، فكيف على أكرم موضع منه وهو الأنف لتقدمه، وقد قيل الجمال في الأنف وعليه قول بعض الأدباء: شعر : وحسن الفتى في الأنف والأنف عاطل فكيف إذاما الخال كان له حليا تفسير : وجعلوه مكان العزة والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا الأنف في الأنف وحمي أنفه وفلان شامخ العرنين وقالوا في الذليل جدع أنفه ورغم أنفه ومنه قول جرير: شعر : لما وضعت على الفرزدق ميسمي وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل تفسير : وفي لفظ الخرطوم استهانة لأنه لا يستعمل إلا في الفيل والخنزير، ففي التعبير عن الأنف بهذا الاسم ترشيح لما دل عليه الوسم على العضو المخصوص من الإذلال والمراد سنهينه في الدنيا ونذله غاية الإذلال. وكون الوعيد المذكور في الدنيا هو المروي عن قتادة وذهب إليه جمع، إلا أنهم قالوا المعنى سنفعل به في الدنيا من الذم والمقت والاشتهار بالشر ما يبقى فيه ولا يخفى فيكون ذلك كالوسم على الأنف ثابتاً بيناً كما تقول سأُطوقك طوق الحمامة أي أثبت لك الأمر بيناً فيك، وزاد ذلك حسناً ذكر الخرطوم انتهى وبينه وبين ما تقدم فرق لا يخفى. وقال بعض: هو في الآخرة ومن القائلين بأن هذا وعيد بأمر يكون فيها من قال هو تعذيب بنار على أنفه في جهنم وحكي ذلك عن المبرد، وقال آخرون منهم يوسم يوم القيامة على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره، وقال أبو العالية ومقاتل واختاره الفراء: المراد يسود وجهه يوم القيامة قبل دخول النار، وذكر الخرطوم والمراد الوجه مجازاً. ومن القائلين بأنه يكون في الدنيا من قال هو وعيد بما أصابه يوم بدر فإنه خطم فيه بالسيف فبقيت سمة على خرطومه، وروي هذا عن ابن عباس. والمعروف في كتب السير والأحاديث أن أبا جهل قتل يوم بدر والباقين ما عدا الحكم ماتوا قبله فلم يسم أحد منهم بذلك الوسم وكذا الحكم لم يعلم أنه وسم بذلك وإن كان لم يمت قبل. وعن النضر بن شميل أن الخرطوم الخمر وأنشد: شعر : تظل يومك في لهو وفي لعب وأنت بالليل شراب الخراطيم تفسير : وأن المعنى سنحده على شربها. وتعقب بأنه تنفيه الرواية بأن أولئك الكفرة هلكوا قبل تحريم الخمر ما عدا الحكم وهو لم يثبت أنه حد، على أنهم لم يكونوا ملتزمي الأحكام والدراية أيضاً لتعقيد اللفظ وفوات فخامة المعنى.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني جواباً لسؤال ينشأ عن الصفات الذميمة التي وصفوا بها أن يسأل السامع: ما جزاء أصحاب هذه الأوصاف من الله على ما أتوه من القبائح والاجتراء على ربِّهم. وضمير المفرد الغائب في قوله: {سنسمه} عائد إلى كُل حلاّف باعتبار لفظه وإن كان معناه الجماعات فإفراد ضميره كإفراد ما أضيف إليه {أية : كلَّ}تفسير : [القلم: 10] من الصفات التي جاءت بحالة الإِفراد. والمعنى: سنسم كل هؤلاء على الخراطيم، وقد علمت آنفاً أن ذلك تعريض بمعيّن بصفة قوله: {أية : أساطير الأولين}تفسير : [القلم: 15] وبأنه ذو مال وبنين. و {الخرطوم}: أريد به الأنف. والظاهر أن حقيقة الخرطوم الأنف المستطيل كأنف الفيل والخنزير ونحوهما من كل أنف مستطيل. وقد خلط أصحاب اللّغة في ذكر معانيه خلطاً لم تتبين منه حقيقته من مجازه. وذكر الزمخشري في «الأساس» معانيه المجازية ولم يذكر معناه الحقيقي، وانبهم كلامه في «الكشاف» إلاّ أن قوله فيه: وفي لفظ {الخُرطوم} استخفاف وإهانة، يقتضي أن إطلاقه على أنف الإِنسان مجاز مرسل، وجزم ابن عطية: أن حقيقة الخرطوم مَخْطَمِ السَبع أي أنف مثل الأسد، فإطلاق الخرطوم على أنف الإِنسان هنا استعارة كإِطلاق المِشفر وهو شفة البعير على شفة الإِنسان في قول الفرزدق:شعر : فلو كنتَ ضبيّاً عرفتَ قرابتي ولكنَّ زنجيٌّ غَليظُ المشافر تفسير : وكإطلاق الجحفلة على شفة الإِنسان (وهي للخيل والبغال والحمير) في قول النابغة يهجو لبيد بنَ ربيعة:شعر : ألا مَن مبلغٌ عني لبيداً أبا الوَرداء جَحْفَلةَ الأَتان تفسير : والوسم للإبل ونحوها، جعل سِمة لها أنها من مملوكات القبيلة أو المالك المعيَّن. فالمعنى: سنعامله معاملةً يُعرف بها أنه عبدُنا وأنه لا يغني عنه ماله وولده منا شيئاً. فالوسم: تمثيل تتبعه كناية عن التمكن منه وإظهار عجزه. وأصل (نسمه) نَوْسِمه مثل: يَعِد ويَصِل. وذِكر الخرطوم فيه جمع بين التشويه والإِهانة فإن الوسم يقتضي التمكن وكونَه في الوجه إذلالاً وإهانة، وكونه على الأنف أشد إذلالاً، والتعبير عن الأنف بالخرطوم تشويه، والضرب والوسم ونحوهما على الأنف كناية عن قوة التمكن وتمام الغلبة وعجز صاحب الأنف عن المقاومة لأن الأنف أبرز ما في الوجه وهو مجرى النفَس، ولذلك غلَب ذكر الأنف في التعبير عن إظهار العزة في قولهم: شمخ بأنفه، وهُو أشمّ الأنف، وهُم شمّ العرانين، وعبر عن ظهور الذلة والاستكانة بكسر الأنف، وجَدْعِه، ووقوعه في التراب في قولهم: رَغِم أنفه، وعلَى رغْم أنفه، قال جرير:شعر : لما وَضَعْت على الفرزدق ميسَمي وعلى البعيث جَدَعْتُ أنفَ الأخطل تفسير : ومُعظم المفسرين على أن المعنيَّ بهذا الوعيد هو الوليد بن المغيرة. وقال أبو مسلم الأصفهاني في تفسيره قوله: {سنسمه على الخرطوم} هو ما ابتلاه الله به في نفسه وماله وأهله من سوء وذل وصغار. يريد: ما نالهم يوم بدر وما بعده إلى فتح مكة. وعن ابن عباس معنى {سنسمه على الخرطوم} سنخطمه بالسيف قال: وقد خُطم الذي نزلت فيه بالسيف يوم بدر فلم يزل مخطوماً إلى أن مات ولم يعيّن ابن عباس من هو. وقد كانوا إذا ضربوا بالسيوف قصدوا الوجوه والرؤوس. قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر لعمر بن الخطاب لما بلغه قول أبي حذيفة لئن لقيتُ العباس لألجمنَّه السيفَ، فقال رسول الله: «يا أبا حفص أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟». وقيل هذا وعيد بتشويه أنفه يوم القيامة مثل قوله: {أية : يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه}تفسير : [آل عمران: 106] وجعل تشويهه يومئذٍ في أنفه لأنه إنما بالغ في عداوة الرسول والطعن في الدين بسبب الأنفة والكبرياء، وقد كان الأنف مظهر الكِبر ولذلك سمي الكِبر أنفة اشتقاقاً من اسم الأنف فجعلت شوهته في مظهر آثار كبريائه.
د. أسعد حومد
تفسير : (16) - وَيَتَهَدَّدُ اللهُ تَعَالَى هَذَا العتُلَّ الزَّنِيمَ الذِي لاَ يَشْكُرُ اللهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيهِ مِنْ أَمْوَالٍ وَبَنِينَ، بِأَنَّهُ سَيُبَيِّنُ أَمْرَهُ لِلنَّاسِ حَتَّى يَعْرِفُوهُ، كَمَا يَعْرَفُ الفِيلُ بِالسِّمَةِ عَلَى الخُرْطُومِ. (وَقِيلَ إِنَّ السَّيْفَ حَطَّمَ أَنْفَهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَعَرَفَ النَّاسُ مَنْ هُوَ هَذَا العَبْدُ الكَافِرُ بِأَنْعُمُ اللهِ، الذِي أَرَادَ اللهُ تَعَالَى إِذْلاَلَهُ وَتَحْقِيرَهُ، جََزَاءً لَهُ عَلَى عُتُوِّهِ، وَتَكَبُّرِهِ عَلَى اللهِ، وَهُوَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ). سَنَسِمُهُ - سَنُلْحِقُ بِهِ عَاراً لاَ يُمْحَى كَالوَسْمِ عَلَى الأَنْفِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} أي عَلَى الأَنفِ.
الجيلاني
تفسير : وبالجملة: لا تعطه يا أكمل الرسل، ولا تلتفت إلى ثروته وسيادته، فإنَّا بمقتضى قهرنا وجلالنا {سَنَسِمُهُ} ونُعلِّمه بالكيِّ {عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} [القلم: 16] أي: أنفه، بحيث يعرف به في عرصات المحشر. {إِنَّا} بمقتضى قهرنا وانتقاما من أهل مكة {بَلَوْنَاهُمْ} أصبناهم وابتليناهم بالقحط سبع سنين؛ لكفرانهم بنعمنا التي من معظمها: بعثة الرسول الذي هو أكمل الرسل منهم فكذبوه، وأنكروا دينه وكتابه، واستهزءوا به {كَمَا بَلَوْنَآ} وأصبنا {أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} التي اسمها ضروان، كانت دون صنعاء بفرسخين لصالحٍ، كان ينادي الفقراء وقت الصرام، فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا لضاق علينا، فإن المال قليل والعيال كثير، وكان مال أبينا كثيراً وعياله قليلاً، فحلفوا ليصرمنها مصبحين خيفةً من المساكين، كما حكى عنهم سبحانه: {إِذْ أَقْسَمُواْ} يعني: أولاد الصالح وورثته {لَيَصْرِمُنَّهَا} وليقطعنها {مُصْبِحِينَ} [القلم: 17] داخلين في الصباح. {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} [القلم: 18] أي: لا يتكلمون بكلمة: إن شاء الله حين تقاولوا وتقاسموا. وبعدما اتفقوا على تحريم الفقراء، ولم يفوضوا أمرهم إلى مشيئة الله {فَطَافَ عَلَيْهَا} أي: على الجنة {طَآئِفٌ} بلا مخصوص بها أحاط جميع جوانبها، لا لما في حواليها من البساتين الأخرى، ناشئة {مِّن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل {وَهُمْ} حينئذٍ {نَآئِمُونَ} [القلم: 19] في بيوتهم. {فَأَصْبَحَتْ} الجنة، وصارت {كَٱلصَّرِيمِ} [القلم: 20] أي: صارت كالتي صُرم ثمَّارها بحيث لم يبق فيها شيء، أو صارت كالليل في أسودادها وإحراقها، أو كالنهار من غاية يبسه وجفافه. {فَتَنَادَوْاْ} أي: نادى بعضهم بعضاً حال كونهم {مُصْبِحِينَ} [القلم: 21] داخلين في الصباح المعهود للصرام. {أَنِ ٱغْدُواْ} واخرجوا غدوة أيها المُلاَّك {عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ} [القلم: 22] قاصدين صرمها وقطعها. {فَٱنطَلَقُواْ} بأجمعهم نحوها {وَهُمْ} حينئذٍ {يَتَخَافَتُونَ} [القلم: 23] ويكتمون ذهابهم عن الناس، ويسرون كلامهم فيما بينهم. مخافة {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ} [القلم: 24]. {وَ} بالجملة: {غَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ} قصد ت ام، وسرعة كاملة {قَادِرِينَ} [القلم: 25] على القطع بلا مشارك ومعين. {فَلَمَّا} وصلوا إليها {رَأَوْهَا} كذلك {قَالُوۤاْ} في بادئ الرأي: ما هي جنتنا هذه، بل {إِنَّا لَضَآلُّونَ} [القلم: 26] طريقها. ثمَّ لمَّا تأملوا في أمَارتها قالوا على سبيل الإضراب عن القول الأول من كمال الأسف والحسرة: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [القلم: 27] حرمنا عنها وعن خيراتها؛ لخساستنا وخباثة نفوسنا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} [القلم: 16]؛ يعني: سوف يجعل في نفسها وسم سواد فساد اعتقادها؛ لتعرف به بين القوى، لئلا يفتروا بنميمتها ونفاقها ومداهنتها، {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} [القلم: 17]؛ يعني: اختبرناهم كما اختبرنا القوى السالكة المجاهدة على وفق هوى أنفسكم من غير الاقتداء، فتظهر لهم جنة المعرفة النفسانية أعمالهم فاستبشروا بها وظنوا أنهم {لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: 17] ويتنعمون بها أبد الآباد، {إِذْ أَقْسَمُواْ} [القلم: 17]؛ أي: حلفوا {لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: 17] ليقطعن ثمر المعرفة، {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} [القلم: 18]؛ يعني: كانوا غافلين عن ذكر الله وأن الأمر بمشيئة الله، معتقدين بأنفسهم غير مقلدين لأهل الحق؟ {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ} [القلم: 19]؛ يعني: نار الغيرة من الله طافت على جنتهم، {وَهُمْ نَآئِمُونَ} [القلم: 19]؛ يعني: غافلون عن ذكر الله تعالى، {فَأَصْبَحَتْ} [القلم: 20] فجعلت جنتها {كَٱلصَّرِيمِ} [القلم: 20]؛ يعني: كالليل المظلم، {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ} [القلم: 21-22]، فتنادت القوى بعضهم بعضاً في صبح طلع من أفق الصدر أن اغدوا على جنة معارفكم وحرث أعمالكم؛ لتقطعوا وتدخروا بها، {فَٱنطَلَقُواْ} [القلم: 23]؛ أي: انطلقت القوى {وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} [القلم: 23]؛ أي: يتشاورون {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ} [القلم: 24]؛ يعني: لا تأذنوا للخواطر المسكينة لئلا يشوِّشهم؛ لأن هذا الخاطر يقول معهم: إن جنة معارفكم ليست بشيء، وحاصلها مثل {أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً}تفسير : [النور: 39]. {وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ} [القلم: 25]؛ يعني: [تحركوا] على قصد أنهم قادرون على حرثهم، {فَلَمَّا رَأَوْهَا} [القلم: 26]؛ يعني: جنة معارفهم وحرث أعمالهم، {قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ}[القلم: 26]؛ يعني: لمخطئون الطريق، وهذا مقام إذا وصل إليه السالك ويظن أن أعماله كانت أعمال بدعية هوائية غير مستنة بسنة مقتداه، فشاهد موضع حرثه {أية : كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ}تفسير : [يونس: 24]، يقول في نفسه أخطأت الطريق، ليس هذا موضع حرثي، ولا يعلم أنه أخطأ الطرق وقت الزرع؛ فلأجل هذا حرم وقت الحصاد، من ثمرة عمله وزرعه فالواجب على السالك أن يقتدي بمقتداه في جميع أعماله وأقواله، وحركاته وسكناته، لئلا يحرم وقت الحصاد من زرعه، ولا [يتأسف] على ضياع عمله وفوات استعداده، ومضي زمان زرعه، يقولون: ما نحن بضالين ومخطئين الطريق، {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [القلم: 27] عن نفع زرعنا؛ لتركنا الاقتداء وغفلتنا عن الذكر في الاستثناء، وقصدنا على أن يدخل علينا خاطر السكينة، {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28]؛ يعني: أعلمهم وأخبرهم وأعدلهم من القوة المكدرة، لهم: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} [القلم: 28]؛ أ ي: هلاَّ تذكرون فتغفلون عن ذكر الرب، {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} [القلم: 18]، {قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [القلم: 29]؛ يعني: منزه ربنا عن أن يظلم علينا، بل كنا ظلمنا أنفسنا بغفلتنا عن ذكر ربنا.
همام الصنعاني
تفسير : 3288- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ}: [الآية: 16]، قال: سيما على أنفه. 3289- قال عبد الرزاق، قال معمر، قلت لقتادة: أمن أهل الجنَّةِ هم أم من أهْلِ النَّار؟ فقال: لقد كلفتني تعباً. 3290- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني (تميم بن عبد الرحمن) أنه سمع ابن جبير يقول: هي أرْضُ اليمن يقا: لها "ضَرَوَان".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):