٦٨ - ٱلْقَلَم
68 - Al-Qalam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: لأجل أن كان ذا مال وبنين، جحد وكفر وعصى وتمرد، وكان هذا استفهاماً على سبيل الإنكار بين في هذه الآية أنه تعالى إنما أعطاه المال والبنين على سبيل الابتلاء والامتحان، وليصرفه إلى طاعة الله، وليواظب على شكر نعم الله، فإن لم يفعل ذلك فإنه تعالى يقطع عنه تلك النعم، ويصب عليه أنواع البلاء والآفات فقال: {إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } أي كلفنا هؤلاء أن يشكروا على النعم، كما كلفنا أصحاب الجنة ذات الثمار، أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، روي أن واحداً من ثقيف وكان مسلماً، كان يملك ضيعة فيها نخل وزرع بقرب صنعاء، وكان يجعل من كل ما فيها عند الحصاد نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه، ثم قالوا: عيالنا كثير، والمال قليل، ولا يمكننا أن نعطي المساكين، مثل ما كان يفعل أبونا، فأحرق الله جنتهم، وقيل: كانوا من بني إسرائيل، وقوله: {إِذْ أَقْسَمُواْ } إذ حلفوا: {لَيَصْرِمُنَّهَا } ليقطعن ثمر نخيلهم مصبحين، أي في وقت الصباح، قال مقاتل: معناه أغدوا سراً إلى جنتكم، فاصرموها، ولا تخبروا المساكين، وكان أبوهم يخبر المساكين، فيجتمعون عند صرام جنتهم، يقال: قد صرم العذق عن النخلة، وأصرم النخل إذا حان وقت صرامه، وقوله: {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ } يعني ولم يقولوا: إن شاء الله، هذا قول جماعة المفسرين، يقال: حلف فلان يميناً ليس فيها ثنيا ولا ثنوى، ولا ثنية ولا مثنوية ولا استثناء وكله واحد، وأصل هذا كله من الثنى وهو الكف والرد، وذلك أن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد انعقاد ذلك اليمين، واختلفوا في قوله: {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ } فالأكثرون أنهم إنما لم يستثنوا بمشيئة الله تعالى لأنهم كانوا كالواثقين بأنهم يتمكنون من ذلك لا محالة، وقال آخرون: بل المراد أنهم يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إلى المساكين.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} يريد أهل مكة. والابتلاء الاختبار. والمعنى أعطيناهم أموالاً ليشكروا لا لَيْبَطروا؛ فلما بَطِرُوا وعادَوْا محمداً صلى الله عليه وسلم ابتليناهم بالجوع والقَحْط كما بلونا أهل الجنة المعروف خبرها عندهم. وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من صنعاء ـ ويقال بفرسخين ـ وكانت لرجل يؤدي حق الله تعالى منها؛ فلما مات صارت إلى ولده، فمنعوا الناس خيرها وبَخِلُوا بحقّ الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حلّ بها. قال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان؛ ابتلاهم الله بأن أحرق جنتهم. وقيل: هي جنة بضَوْران، وضوران على فرسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى عليه السلام بيسير ـ وكانوا بخلاء ـ فكانوا يَجُدّون التمر ليلاً من أجل المساكين، وكانوا أرادوا حصاد زرعها وقالوا: لا يدخلها اليوم عليكم مسكين، فغَدَوْا عليها فإذا هي قد ٱقْتُلِعَت من أصلها فأصبحت كالصَّرِيم؛ أي كالليل. ويقال أيضاً للنهار صرِيم. فإن كان أراد الليل فِلاسوداد موضعها. وكأنهم وجدوا موْضِعَها حَمْأة. وإن كان أراد بالصَّريم النهار فلذهاب الشجر والزرع ونقاء الأرض منه. وكان الطّائف الذي طاف عليها جبريل عليه السلام فاقتلعها. فيقال: إنه طاف بها حَوْل البيت ثم وضعها حيث مدينة الطائف اليوم؛ ولذلك سُمِّيت الطائف. وليس في أرض الحجاز بلدة فيها الشجر والأعناب والماء غيرها. وقال البكري في المُعْجَم: سُميِّت الطائف لأن رجلاً من الصَّدِف يقال له الدَّمُون، بنى حائطاً وقال: قد بَنَيْتُ لكم طائفاً حول بلدكم؛ فسُمِّيت الطائف. والله أعلم. الثانية: قال بعض العلماء: على من حصد زَرْعاً أوجَدّ ثمرة أن يواسي منها من حضره؛ وذلك معنى قوله: {أية : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} تفسير : [الأنعام:141] وأنه غير الزكاة على ما تقدّم في «الأنعام» بيانه. وقال بعضهم: وعليه ترك ما أخطأه الحصّادون. وكان بعض العباد يتحرّون أقواتهم من هذا. وروي أنه نُهي عن الحصاد بالليل. فقيل: إنه لِما ينقطع عن المساكين في ذلك من الرفق. وتأوّل من قال هذا الآية التي في سورة «نۤ وَالْقَلَمِ». وقيل: إنما نهى عن ذلك خشية الحيّات وهوامّ الأرض. قلت: الأوّل أصح؛ والثاني حسن. وإنما قلنا الأول أصح لأن العقوبة كانت بسبب ما أرادوه من منع المساكين كما ذكر الله تعالى. روى أسباط عن السُّدِّي قال: كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلاً صالحاً، وكان إذا بلغ ثمارهُ أتاه المساكين فلم يمنعهم من دخولها وأن يأكلوا منها ويتزوّدوا؛ فلما مات قال بَنُوه بعضهم لبعض: عَلاَمَ نُعطي أموالنا هؤلاء المساكين! تعالَوْا فلْنُدْلج فنصْر منّها قبل أن يعلم المساكين؛ ولم يستثنوا؛ فٱنطلقوا وبعضهم يقول لبعض خَفْتاً: لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين؛ فذلك قوله تعالى: {إِذْ أَقْسَمُواْ} يعني حلفوا فيما بينهم {لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} يعني لنجدنها وقت الصبح قبل أن تخرج المساكين؛ ولا يستثنون؛ يعني لم يقولوا إن شاء الله. وقال ابن عباس: كانت تلك الجنة دون صنعاء بفرسخين، غرسها رجل من أهل الصلاح وكان له ثلاثة بنين، وكان للمساكين كل ما تعدّاه المِنْجَل فلم يجذّه من الكَرْم، فإذا طُرح على البساط فكل شيء سقط عن البساط فهو أيضاً للمساكين، فإذا حصدوا زرعهم فكل شيء تعدّاه المِنْجَل فهو للمساكين، فإذا دَرَسُوا كان لهم كل شيء انتثر؛ فكان أبوهم يتصدّق منها على المساكين، وكان يعيش في ذلك في حياة أبيهم اليتامى والأراملُ والمساكين، فلما مات أبوهم فعلوا ما ذكر الله عنهم. فقالوا: قلّ المالُ وكثر العيال؛ فتحالفوا بينهم ليغدُون غدوة قبل خروج الناس ثم ليَصْرِمنها ولا تعرف المساكين. وهو قوله: {إِذْ أَقْسَمُواْ} أي حلفوا {لَيَصْرِمُنَّهَا} ليقطعن ثمر نخيلهم إذا أصبحوا بسُدْفة من الليل لئلا ينتبه المساكين لهم. والصرم القطع. يقال: صرم العِذق عن النخلة. وأصرم النخلُ أي حان وقت صِرامه. مثل أرْكَبَ المهرُ وأحصدَ الزرعُ، أي حان ركوبه وحَصاده. {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} أي ولم يقولوا إن شاء الله. {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} ينادي بعضهم بعضاً. {أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ} عازمين على الصّرام والجداد. قال قتادة: حاصدين زرعكم. وقال الكلبي: ما كان في جنتهم من زرع ولا نخيل. وقال مجاهد: كان حرثهم عِنَباً ولم يقولوا إن شاء الله. وقال أبو صالح: كان استثناؤهم قولهم سبحان الله رَبّنا. وقيل: معنى {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} أي لا يستثنون حق المساكين؛ قاله عكرمة. فجاءوها ليلاً فرأوا الجنة مسودّة قد طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. قيل: الطائف جبريل عليه السلام؛ على ما تقدّم ذكره. وقال ابن عباس: أمْرٌ من ربك. وقال قتادة: عذاب من ربّك. ابن جريج: عُنُق من نار خرج من وادي جهنم. والطائف لا يكون إلا بالليل؛ قاله الفرّاء. الثالثة: قلت: في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : .[الحج:25] وفي الصحيح: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» تفسير : قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «حديث : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»تفسير : . وقد مضى مبيَّناً في سورة «آل عمران» عند قوله تعالى: {أية : وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} تفسير : [آل عمران:135]
ابن كثير
تفسير : هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعمة الجسيمة، وهو بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة، ولهذا قال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ} أي: اختبرناهم {كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ} وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه {إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} أي: حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلاً؛ لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل؛ ليتوفر ثمرها عليهم، ولا يتصدقوا منه بشيء { وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} أي: فيما حلفوا به، ولهذا حنثهم الله في أيمانهم، فقال تعالى: { فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ} أي: أصابتها آفة سماوية، { فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} قال ابن عباس: كالليل الأسود. وقال الثوري والسدي: مثل الزرع إذا حصد، أي: هشيماً يبساً. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن أحمد بن الصباح، أنبأنا بشير بن زاذان عن عمر بن صبيح عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إياكم والمعاصي، إن العبد ليذنب الذنب، فيحرم به رزقاً قد كان هيّىء له» تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ } قد حرموا خير جنتهم بذنبهم. { فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} أي: لما كان وقت الصبح، نادى بعضهم بعضاً؛ ليذهبوا إلى الجذاذ، أي: القطع: { أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰرِمِينَ} أي: تريدون الصرام. قال مجاهد: كان حرثهم عنباً. { فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ} أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحداً كلامهم. ثم فسر الله سبحانه وتعالى عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به، فقال تعالى: { فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ } أي: يقول بعضهم لبعض: لا تمكنوا اليوم فقيراً يدخلها عليكم، قال الله تعالى: {وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ} أي: قوة وشدة. وقال مجاهد {وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ} أي: جدّ، وقال عكرمة: على غيظ، وقال الشعبي: {عَلَىٰ حَرْدٍ} على المساكين، وقال السدي: {عَلَىٰ حَرْدٍ} أي: كان اسم قريتهم حرد، فأبعد السدي في قوله هذا. {قَـٰدِرِينَ} أي: عليها، فيما يزعمون ويرومون { فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ} أي: فلما وصلوا إليها، وأشرفوا عليها، وهي على الحالة التي قال الله عز وجلّ قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة، لا ينتفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطأوا الطريق، ولهذا قالوا: {إِنَّا لَضَآلُّونَ} أي: قد سلكنا إليها غير الطريق، فتهنا عنها. قاله ابن عباس وغيره، ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي، فقالوا: { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي: بل هي هذه، ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب. {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع بن أنس والضحاك وقتادة: أي: أعدلهم وخيرهم: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ}؟ قال مجاهد والسدي وابن جريج: {لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} أي: لولا تستثنون. قال السدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحاً. وقال ابن جرير: هو قول القائل: إن شاء الله، وقيل: معناه: قال أوسطهم: ألم أقل لكم لولا تسبحون؟ أي: هلا تسبحون الله، وتشكرونه على ما أعطاكم، وأنعم به عليكم { قَالُواْ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} أتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع، ولهذا قالوا: { إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَـٰوَمُونَ } أي: يلوم بعضهم بعضاً على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجذاذ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب { قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَـٰغِينَ} أي: اعتدينا وبغينا، وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا. { عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ} قيل: رغبوا في بذلها لهم في الدنيا، وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة، والله أعلم. ثم قد ذكر بعض السلف: أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن، قال سعيد بن جبير: كانوا من قرية يقال لها ضروان على ستة أميال من صنعاء. وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب. وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل، فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئاً للفقراء، ولو أنا منعناهم، لتوفر ذلك علينا، فلما عزموا على ذلك، عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية؛ رأس المال، والربح، والصدقة، فلم يبق لهم شيء. قال الله تعالى: {كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ} أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات، وبدل نعمة الله كفراً {وَلَعَذَابُ ٱلاَْخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي: هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم، وعذاب الآخرة أشق، وقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الجذاذ بالليل، والحصاد بالليل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا بَلَوْنَٰهُمْ } امتحنا أهل مكة بالقحط والجوع {كَمَا بَلَوْنآ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ } البستان {إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا } يقطعون ثمرتها {مُّصْبِحِينَ } وقت الصباح، كي لا يشعر بهم المساكين فلا يعطونهم منها ما كان أبوهم يتصدَّق به عليهم منها.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ } يعني: كفار مكة، فإن الله ابتلاهم بالجوع والقحط بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، والابتلاء الاختبار، والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا ابتليناهم بالجوع والقحط {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } المعروف خبرهم عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدّي حق الله منها، فمات، وصارت إلى أولاده، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحقّ الله فيها. قال الواحدي: هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزرع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظاً للمساكين عند الحصاد والصرام، فقالت بنوه: المال قليل والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قصّ الله في كتابه. قال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ابتلاهم الله بأن حرق جنتهم. وقيل: هي جنة كانت بصوران، وصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بيسير {إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } أي: حلفوا ليقطعنها داخلين في وقت الصباح، والصرم القطع للثمر والزرع، وانتصاب {مُّصْبِحِينَ } على الحال من فاعل ليصرمنها، والكاف في: {كَمَا بَلَوْنَا } نعت مصدر محذوف أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، وما مصدرية، أو بمعنى الذي، وإذ ظرف لبلونا منتصب به، وليصرمنها جواب القسم {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ } يعني: ولا يقولون إن شاء الله، وهذه الجملة مستأنفة لبيان ما وقع منهم أو حال. وقيل المعنى: ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إليهم، قاله عكرمة. {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ } أي: طاف على تلك الجنة طائف من جهة الله سبحانه، والطائف قيل: هو نار أحرقتها حتى صارت سوداء، كذا قال مقاتل. وقيل: الطائف جبريل اقتلعها، وجملة {وَهُمْ نَائِمُونَ } في محل نصب على الحال {فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ } أي: كالشيء الذي صرمت ثماره أي: قطعت، فعيل بمعنى مفعول، وقال الفرّاء: كالصريم كالليل المظلم، ومنه قول الشاعر:شعر : تطاول ليلك الجون الصريم فما ينجاب عن صبح بهيم تفسير : والمعنى: أنها حرقت فصارت كالليل الأسود، قال: والصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة. وقال الأخفش: أي كالصبح انصرم من الليل، يعني: أنها يبست وابيضت. وقال المبرد: الصريم الليل، والصريم النهار أي: ينصرم هذا عن هذا، وذاك عن هذا، وقيل: سمي الليل صريماً لأنه يقطع بظلمته عن التصرّف، وقال المؤرج: الصريم الرملة؛ لأنها لا يثبت عليها شيء ينتفع به، وقال الحسن: صرم منها الخير أي: قطع {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ } أي: نادى بعضهم بعضاً داخلين في الصباح. قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض {أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ } و «أن» في قوله: {أَنِ ٱغْدُواْ } هي المفسرة لأنّ في التنادي معنى القول، أو هي المصدرية أي: بأن اغدوا، والمراد اخرجوا غدوة، والمراد بالحرث: الثمار والزرع {إِن كُنتُمْ صَـٰرِمِينَ } أي: قاصدين للصرم، والغدوّ يتعدّى بإلى وعلى، فلا حاجة إلى تضمينه معنى الإقبال كما قيل، وجواب الشرط محذوف أي: إن كنتم صارمين فاغدوا، وقيل: معنى صارمين ماضين في العزم، من قولك سيف صارم {فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ } أي: ذهبوا إلى جنتهم وهم يسرّون الكلام بينهم؛ لئلا يعلم أحد بهم، يقال: خفت يخفت، إذا سكن ولم ينبس، ومنه قول دريد بن الصمة:شعر : وإني لم أهلك ملالا ولم أمت خفاتا وكلا ظنه بي عويمر تفسير : وقيل المعنى: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم، فيقصدوهم، كما كانوا يقصدون أباهم وقت الحصاد، والأوّل أولى لقوله: {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ } فإنّ «أن» هي المفسرة للتخافت المذكور لما فيه من معنى القول، والمعنى: يسرّ بعضهم إلى بعض هذا القول، وهو لا يدخل هذه الجنة اليوم عليكم مسكين، فيطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه أبوكم. {وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَـٰدِرِينَ } الحرد يكون بمعنى المنع والقصد. قال قتادة، ومقاتل، والكلبي، والحسن، ومجاهد: الحرد هنا بمعنى القصد؛ لأن القاصد إلى الشيء حارد. يقال: حرد يحرد إذا قصد، تقول: حردت حردك أي: قصدت قصدك، ومنه قول الراجز:شعر : أقبل سيل جاء من عند الله يحرد حرد الجنة المغلة تفسير : وقال أبو عبيدة، والمبرد، والقتيبي: على حرد على منع، من قولهم: حردت الإبل حرداً: إذا قلت ألبانها، والحرود من النوق هي القليلة اللبن. وقال السديّ، وسفيان، والشعبي {عَلَىٰ حَرْدٍ }: على غضب، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا جياد الخيل جاءت تردى مملوءة من غضب وحرد تفسير : وقول الآخر: شعر : تساقوا على حرد دماء الأساود تفسير : ومنه قيل: أسد حارد، وروي عن قتادة، ومجاهد أيضاً أنهما قالا: على حرد أي: على حسد. وقال الحسن أيضاً: على حاجة وفاقة. وقيل: على حرد: على انفراد، يقال: حرد يحرد حرداً أو حروداً: إذا تنحى عن قومه، ونزل منفرداً عنهم ولم يخالطهم، وبه قال الأصمعي، وغيره. وقال الأزهري: حرد اسم قريتهم، وقال السديّ: اسم جنتهم. قرأ الجمهور: {حرد} بسكون الراء. وقرأ أبو العالية، وابن السميفع بفتحها، وانتصاب {قَـٰدِرِينَ } على الحال. قال الفراء: ومعنى {قَـٰدِرِينَ }: قد قدروا أمرهم وبنوا عليه، وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبي: يعني قادرين على المساكين {فَلَمَّا رَأَوْهَا } أي: لما رأوا جنتهم، وشاهدوا ما قد حلّ بها من الآفة التي أذهبت ما فيها {قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ } أي: قال بعضهم لبعض: قد ضللنا طريق جنتنا، وليست هذه. ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم، وأن الله سبحانه قد عاقبهم بإذهاب ما فيها من الثمر والزرع، قالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } أي: حرمنا جنتنا بسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها، فأضربوا عن قولهم الأوّل إلى هذا القول، وقيل: معنى قولهم: {إِنَّا لَضَالُّونَ } أنهم ضلوا عن الصواب بما وقع منهم. {قَالَ أَوْسَطُهُمْ } أي: أمثلهم وأعقلهم وخيرهم {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ } أي: هلا تسبحون يعني: تستثنون، وسمي الاستثناء تسبيحاً؛ لأنه تعظيم لله وإقرار به، وهذا يدلّ على أن أوسطهم كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه، وقال مجاهد، وأبو صالح، وغيرهما: كان استثناؤهم تسبيحاً. قال النحاس: أصل التسبيح التنزيه لله عزّ وجلّ، فجعل التسبيح في موضع إن شاء الله، وقيل المعنى: هلا تستغفرون الله من فعلكم، وتتوبون إليه من هذه النية التي عزمتم عليها، وكان أوسطهم قد قال لهم ذلك، فلما قال لهم ذلك بعد مشاهدتهم للجنة على تلك الصفة قالوا:{سُبْحَـٰنَ رَبّنَا إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } أي: تنزيهاً له عن أن يكون ظالماً فيما صنع بجنتنا، فإن ذلك بسبب ذنبنا الذي فعلناه. وقيل: معنى تسبيحهم الاستغفار أي: نستغفر ربنا من ذنبنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا للمساكين. {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَـٰوَمُونَ } أي: يلوم بعضهم بعضاً في منعهم للمساكين وعزمهم على ذلك، ثم نادوا على أنفسهم بالويل حيث قالوا: {يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَـٰغِينَ } أي: عاصين متجاوزين حدود الله بمنع الفقراء وترك الاستثناء. قال ابن كيسان: أي: طغينا نعم الله، فلم نشكرها كما شكرها أبونا من قبل، ثم رجعوا إلى الله وسألوه أن يعوّضهم بخير منها، فقالوا: {عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مّنْهَا } لما اعترفوا بالخطيئة رجوا من الله عزّ وجلّ أن يبدلهم جنة خيراً من جنتهم، قيل: إنهم تعاقدوا فيما بينهم، وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع أبونا، فدعوا الله وتضرّعوا، فأبدلهم من ليلتهم ما هو خير منها. قرأ الجمهور: {يبدلنا} بالتخفيف، وقرأ أبو عمرو، وأهل المدينة بالتشديد، وهما لغتان، والتبديل تغيير ذات الشيء، أو تغيير صفته، والإبدال رفع الشيء جملة، ووضع آخر مكانه، كما مضى في سورة سبأ {إِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا رٰغِبُونَ } أي: طالبون منه الخير راجون لعفوه راجعون إليه، وعدي بإلى، وهو إنما يتعدى بعن أو في لتضمينه معنى الرجوع {كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ } أي: مثل ذلك العذاب الذي بلوناهم به، وبلونا أهل مكة عذاب الدنيا، والعذاب مبتدأ مؤخر، و{كذلك} خبره {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أي: أشد وأعظم لو كان المشركون يعلمون أنه كذلك، ولكنهم لا يعلمون. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } قال: هم ناس من الحبشة كان لأبيهم جنة، وكان يطعم منها المساكين، فمات أبوهم، فقال بنوه: أن كان أبونا لأحمق كان يطعم المساكين فـ {أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } وأن لا يطعموا مسكيناً. وأخرج ابن جرير عنه {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ } قال: أمر من الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والمعصية، فإن العبد ليذنب الذنب الواحد، فينسّى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب، فيحرم به قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب، فيحرم به رزقاً قد كان هيىء له. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَطَافَ عَلَيْهِا طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ } قد حرموا خير جنتهم بذنبهم»تفسير : وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كَٱلصَّرِيمِ } قال: مثل الليل الأسود. وأخرج ابن المنذر عنه: {وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ } قال: الإسرار والكلام الخفيّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً {عَلَىٰ حَرْدٍ قَـٰدِرِينَ } يقول: ذو قدرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {إِنَّا لَضَالُّونَ } قال: أضللنا مكان جنتنا. وأخرجا عنه أيضاً {قَالَ أَوْسَطُهُمْ } قال: أعدلهم.
الماوردي
تفسير : {إنا بَلَوناهم كما بَلَوْنا أَصْحابَ الجَنَّةِ} فيهم قولان: أحدهما: إن الذين بلوناهم أهل مكة بلوناهم بالجوع كرتين، كما بلونا أصحاب الجنة حتى عادت رماداً. الثاني: أنهم قريش ببدر. حكى ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر خذوهم أخذاً واربطوهم في الحبال، ولا تقتلوا منهم أحداً، فضرب اللَّه بهم عند العدو مثلاً بأصحاب الجنة. {إذ أَقْسموا لَيَصرِمُنّها مُصْبِحينَ} قيل إن هذه الجنة حديقة كانت باليمن بقرية يقال لها ضَروان، بينها وبين صنعاء اليمن اثنا عشر ميلاً، وفيها قولان: أحدهما: أنها كانت لقوم من الحبشة. الثاني: قاله قتادة أنها كانت لشيخ من بني إسرائيل له بنون، فكان يمسك منها قدر كفايته وكفاية أهله، ويتصدق بالباقي، فجعل بنوه يلومونه ويقولون: لئن ولينا لنفعلن، وهو لا يطيعهم حتى مات فورثوها، فقالوا: نحن أحوج بكثرة عيالنا من الفقراء والمساكين " فأقسموا ليصرُمنّها مصبحين" أي حلفوا أن يقطعوا ثمرها حين يصبحون. {ولا يَسْتَثْنونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يستثنون من المساكين، قاله عكرمة. الثاني: استثناؤهم قول سبحان ربنا، قاله أبو صالح. الثالث: قول إن شاء اللَّه. {فطاف عليها طائفٌ مِن ربِّك وهم نائمونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أمر من ربك، قاله ابن عباس. الثاني: عذاب من ربك، قاله قتادة. الثالث: أنه عنق من النار خرج من وادي جنتهم، قاله ابن جريج. {وهم نائمون} أي ليلاً وقت النوم، قال الفراء: الطائف لا يكون إلا ليلاً. {فأصبحت كالصَريم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كالرماد الأسود، قاله ابن عباس. الثاني: كالليل المظلم، قاله الفراء، قال الشاعر: شعر : تطاولَ ليلُكَ الجَوْنُ البهيمُ فما ينجاب عن صبحٍ، صَريمُ تفسير : الثالث: كالمصروم الذي لم يبق فيه ثمر. روى أسباط عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أياكم والمعاصي، إن العبد ليذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيىء له تفسير : ، ثم تلا: {فطاف عليها طائف من ربك...} الآيتين قد حرموا خير جنتهم بذنبهم. {فتنادَوْا مُصبِحينَ} أي دعا بعضعهم بعضاً عند الصبح. {أنِ اغْدُوا على حَرْثِكم} قال مجاهد: كان الحرث عنباً. {إن كنتم صارمين} أي عازمين على صرم حرثكم في هذا اليوم. {فانْطَلَقُوا وهم يتخافتونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يتكلمون، قاله عكرمة. الثاني: يخفون كلامهم ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. الثالث: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم. الرابع: لا يتشاورون بينهم. {أن لا يدخُلَنّها اليومَ عليكم مِسكين} قاله يحيى بن سلام. {وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادرين} فيه تسعة أوجه: أحدها: على غيظ، قاله عكرمة. الثاني: على جَدٍّ، قاله مجاهد. الثالث: على منع، قاله أبو عبيدة. الرابع: على قصد، ومنه قول الشاعر: شعر : أقْبَلَ سيلٌ جاء من عندِ اللّه يحْرِدُ حَرْدَ الجَنّة المُغِلّة تفسير : اُي يقصد قصد الجنة المغلة. الخامس: على فقر، قاله الحسن. السادس: على حرص، قاله سفيان. السابع: على قدرة، قاله ابن عباس. الثامن: على غضب، قاله السدي. التاسع: أن القرية تسمى حرداً، قاله السدي. وفي قوله: " قادرين" ثلاثة أوجه: أحدها: يعني قادرين على المساكين، قاله الشعبي. الثاني: قادرين على جنتهم عند أنفسهم، قاله قتادة. الثالث: أن موافاتهم إلى جنتهم في الوقت الذي قدروه، قاله ابن بحر. ويحتمل رابعاً: أن القادر المطاع بالمال والأعوان، فإذا ذهب ماله تفرق أعوانه فعُصيَ وعجز. {فلمّا رأوْها قالوا إنا لَضالُّون} أي أنهم لما رأوا أرض الجنة لا ثمرة فيها ولا شجر قالوا إنا ضالون الطريق وأخطأنا مكان جنتنا، ثم استرجعوا فقالوا: {بل نحن محرومون} أي حُرمنا خير جنتنا، قال قتادة: معناه جوزينا فحُرمنا. {قال أَوْسَطُهم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أعدلهم، قاله ابن عباس. الثاني: خيرهم، قاله قتادة. الثالث: أعقلهم، قاله ابن بحر. {أَلَمْ أقُل لكم لولا تُسَبَّحونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لولا تستثنون عند قولهم " ليصرمنها مصبحين"، قاله ابن جريج. الثاني: أن التسبيح هو الاستثناء، لأن المراد بالاستثناء ذكر اللَّه، وهو موجود من التسبيح. الثالث: أن تذكروا نعمة اللَّه عليكم فتؤدوا حقه من أموالكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَلَوْنَاهُمْ} أهل مكة بالجوع كرتين كما بلونا أصحاب الجنة حتى عادت رماداً أو قريش يوم بدر. قال أبو جهل خذوهم أخذاً واربطوهم في الحبال ولا تقتلوا منهم أحداً فضرب بهم عند القدرة عليهم مثلاً بأصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها. {الْجَنَّةِ} حديقة باليمن بينها وبين صنعاء أثنا عشر ميلاً لقوم من الحبشة أو لشيخ من بني إسرائيل يمسك منها كفايته وكفاية أهله ويتصدق بالباقي فلامه بنوه فلم يطعهم فلما ورثوها عنه قالوا: نحن أحق بها من الفقراء لكثرة عيالنا فأقسموا: أي حلفوا {لَيَصْرِمُنَّهَا} ليقطعن ثمرها صباحاً.
ابن عادل
تفسير : قوله {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ}. يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صلى الله عليه وسلم ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من "صنعاء"، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين "صنعاء" فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عليه الصلاة والسلام - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: {لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ} فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها {فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله "إذ أقْسَمُوا"، أي: حلفوا فيما بينهم "ليَصْرِمُنَّهَا" أي: ليجذُّنها "مُصْبحِيْنَ" أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين "ولا يَسْتَثْنُونَ"، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: "مُصْبحِيْنَ" حال من فاعل "ليَصْرمُنَّها" وهو من "أصبح" التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ}تفسير : [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في "كما" في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و"ما" مصدرية، أو بمعنى "الذي" و"إذَا" منصوبة بـ"بَلَوْنَا" و"ليَصْرمُنَّهَا" جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: "لنَصْرمُنَّهَا" بنون المتكلم. قوله: {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ}. هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي بـ "لا" كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: "قمت وأصك عينه" مستغنى عنه. ومعنى: "لا يَسْتثْنُونَ" لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ}. أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله {أية : إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ}تفسير : [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: "طَيْفٌ". قوله "مِن ربِّك". يجوز أن يتعلق بـ"طاف" وأن يتعلق بمحذوف صفة لـ"طَائِفٌ". قوله: {فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ}. والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي تفسير : ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] شعر : 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ تفسير : والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله "كالصَّريمِ". قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون "فَعِيْل"، بمعنى "فاعل". قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الحج: 25]. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ"تفسير : . وقد مضى في آل عمران عند قوله: {أية : وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ}تفسير : [آل عمران: 135]. قوله: {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ}. قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: {ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ} يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: "صَارمِيْنَ"، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. "أن اغْدُوْا" يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟. قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح" انتهى. فجعل "غَدَا" متعدياً في الأصل بـ"إلى" فاحتاج إلى تأويل تعديه بـ"عَلَى"، وفيه نظر؛ لورود تعديه بـ"عَلَى" في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] شعر : 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ تفسير : وإذا كانوا قد عدوا مرادفه بـ"عَلَى" فليعدوه بها، ومرادفه "بكر" تقول: بكرتُ عليه و"غدوتُ عليه" بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] شعر : 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه تفسير : قوله {إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ}. جوابه محذوف، أي فاغدوا و"صارمين": قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله {فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ}. أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: "وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء". وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: {وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} جملة حالية من فاعل "انْطَلقُوا". قوله: {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ}. "أنْ" مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: {لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ}. قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: "لا يدْخُلنَّهَا" بإسقاط "أنْ" إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء "يَتَخافتُونَ" مجراه كقول الكوفيين. قوله: {وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ}. يجوز أن يكون "قَادِريْنَ" حالاً من فاعل "غَدَوْا" و"عَلى حَرْدٍ" متعلق به وأن يكون "على حَردٍ" هو الحال و"قَادِريْنَ" إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] شعر : 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ تفسير : قيل: ومثله: [الرجز] شعر : 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ تفسير : عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] شعر : 4827 -........................... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا تفسير : قال أبو عبيدة والقتيبي: "عَلى حَرْدٍ" على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] شعر : 4828 -........................... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ تفسير : ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] شعر : 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ تفسير : وقال قتادة ومجاهدٌ: "عَلى حَرْدٍ"، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: "وهذا معنى القصدِ". وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و"قَادِريْنَ" إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير "قادرين" قال الفرَّاء: ومعنى "قادرين" قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله {فَلَمَّا رَأَوْهَا}. يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: "إنَّا لضالُّونَ" أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: "إنَّا لضالُّون" عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له" ثم تلا: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ}" تفسير : الآيتين. قوله: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ}، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: "هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ"، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عز وجل -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: "إن شاء الله" مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: {ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ}. أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: {يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل {عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ} تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: "يبدلنا" بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ} أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ} لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟. قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: {كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ}. مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. قال ابنُ زيدٍ: "كذَلكَ العَذابُ" أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى {أية : أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}تفسير : [القلم: 14 - 15]، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}. أي امتحنَّاهم... حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فابتلاهم الله بالجوع، حتى أكلوا الجِيَف - كما بلونا أصحاب الجنة، قيل: إن رجلاً من أهل اليمن كانت له جنة مثمرة وكان له ثلاثة بنين، وكان للمساكين كل ما تَعدّاه المِنْجل فلم يجذه من الكَرْم، فإذا طُرح على البساط فكل شيء سقط عن البساط فهو أيضاً للمساكين، فما أخطأه القطافُ من نخلة وكَرْمه يَدَعه للمساكين، وكان يجتمع منه مال، فلما مات هو قال وَرَثَتُه: إنَّ هذا المالَ تفرَّق فينا، وليس يمكننا أن نفعلَ ما كان يفعله أبونا، وأقسموا ألا يُعْطوا للفقراء شيئاً، فأهلكَ اللَّهُ جَنَّتهَم؛ فنَدموا وتابوا. وقيل: أَبدْلَهُم اللَّهُ جنةً حسنة، فأقسموا ليصرمُنَّ جنَّتهم وقت الصبح قبلَ أَنْ تفطِنَ المساكينُ، ولم يقولوا: إن شاء الله: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ}. أرسل عليها من السماء آفةً فأحرقت ثمارهم. وأصبحت {كَٱلصَّرِيمِ} أي كالليل المسودِّ، فنادى بعضُهم بعضاً وقت الصبح: أن اغدوا على حرثكم إن أردتم الصرام، فانطلقوا لا يرفعون أصواتهم فيما بينهم لئلا يسمعَهم أحدٌ. وقصدوا إلى الصرام {عَلَىٰ حَرْدٍ} أي: قادرين عند أنفسهم، ويقال: على غضبٍ منهم على المساكين. فلمّا رأوا الجنةَ وقد استؤصلَتْ قالوا: ليست هذه جنتنا!! ثم قالوا: بل هذه جَنّتُنا... ولكنّا حُرِمْنا خيرَها. قال أوسطُهم: أي أعدلُهم طريقةَ وأحسنُهم قولاً: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ}. أي: تستثنون وتقولون: {أية : إِن شَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 70]. {قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}. ثم أقبل بعضُهم على بعض يتلاومون، ويقولون: {عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ}. قال تعالى: {كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ} لأهل مكة {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ} وهكذا تكون حالُ مَنْ له بدايةٌ حسنةٌ ويجدُ التوفيق على التوالي، ويجتنبُ المعاصي، فيُعَوضه اللَّهُ في الوقتِ نشاطاً، وتلوحُ في باطنه الأحوالُ... فإذْا بَدَرَ منه سوءٌ دعوى أو تَرْكَ أدبٍ من آداب الخدمة تَنْسَدُّ عليه تلك الأحوالُ ويقع في قرْةٍ من الأعمال فإذا حَصَلَ منه بالعبادات إخلالٌ، ولبعض الفرائض إهمالٌ - انقلب حالُه، ورُدَّ من الوصال إلى البعاد، ومن الاقتراب إلى الاغتراب عن الباب، فصارت صفوتُه قسوةً. وإن كان له بعد ذلك توبة، وعلى مَا سَلَفَ منه ندامة - فقد فات الأمُرُ من يده، وقلَّما يصل إلى حاله. ولا يبعد أن ينظر إليه الحقُّ بأفضاله، فيقبله بعد ذلك رعايةً لما سَلَفَ في بدايته من أحواله... فإنَّ الله تعالى رؤوفٌ بعباده.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا بلوناهم} يقال بلى الثوب بلى اى خلق بلوته اختبرته كأنى اخلقته من كثرة اختبارى له والبلايا اختبارات والمعنى انا ابتلينا اهل مكة بالقحط والجوع سبع سنين بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اكلوا الجيف والجلود والعظام والدم لتمردهم وكفرانهم نعم الله تعالى {كما بلونا اصحاب الجنة} اى ابتلاء مثل ابتلاء اصحاب الجنة المعروف خبرها عندهم واللام للعهد والكاف فى موضع النصب على انها نعت المصدر محذوف وما مصدرية والجنة البستان وبالفارسية باغ. واصحاب الجنة قوم من اهل صنعاء وفى كشف الاسرار سه برادر بودند. كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين وقال السهيلى هى جنة بضروان وضروان على فراسخ من صنعاء وفى فتح الرحمن الجنة بستان يقال له ضروان باليمين وكان اصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى عليه السلام بيسير وكانوا بخلاء وكان ابوهم يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقى وكان ينادى الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما اخطأ المنجل وما فى اسفل الا كداس وما اخطأه القطاف من العنب وما بقى على البساط الذى يبسط تحت النخلة اذا صرمت (قال الكاشفى) وده ازبك حاصل نيز برايشان قسمت كردى. فكان يجتمع لهم شئ كثير ويتزودون به اياما كثيرة فلما مات ابوهم قال بنوه ان فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الامر ونحن اولوا عيال فحلفوا فيما بينهم وذلك قوله تعالى {اذ قسموا} ظرف لبلونا والاقسام سوكند خوردن يعنى سوكند خوردند وارثان باغ كه بنهان ازفقرا {ليصر منها} الصرام والصرم قطع ثمار النخيل وبالفارسية بار خرما بريدن. من صرمه اذا قطعه اى ليقطعن ثمارها من الرطب والعنب ويجمعن محصولها من الحرث وغيره {مصبحين} اى داخلين فى الصباح مبكرين وسواد الليل باق قوله {ليصرمنها} جواب للقسم وجاء على خلاف منطوقهم ولو جاء على منطوقهم لقيل النصر منها بنون المتكلم ومصبحين حال من فاعل ليصر منها.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا بلوناهم}؛ أهل مكة، أي: امتحنّاهم بالقحط والجوع، حتى أكلوا الجِيفَ الرِّممَ، بدعاء النبي صلى الله عليه سلم حيث قال: "حديث : اللهم اشدُدْ وطأتَك على مُضَرَ، واجعلها عليهم سِنينَ كسِني يوسفَ "تفسير : . {كما بلونا أصحابَ الجنةِ}، وهم قوم من أهل الصلاة، قيل: كانوا مؤمنين، أهل كتاب، بعد رفع عيسى عليه السلام وكانوا بـ"ضرْوان" على فراسخ من صنعاء اليمن. قال ابن جزي: كانوا من بني إسرائيل. هـ. والجنة، قال ابن عباس: هو بستان، يقال له: الضّروان، دون صنعاء بفرسخين، يطؤه أهل الطريق، كان غَرَسه رجل من أهل الصلاح، فورثه ثلاثة بنين، فإذا أصرموه كان للمساكين كل ما تعدّاه المنجل والقِطاف، فإذا طرح من فوق النخل إلى البساط، فكل شيء سقط عن البساط؛ فهو للمساكين، فكان أبوهم يتصدّق منها على المساكين، فكان يعيش من ذلك في حياة أبيهم اليتامى والأرامل والمساكين، وفي رواية: كان يأخذ قوت سنة، ويتصدّق بالباقي، وكان ينادي على الفقراء وقت الصرام، فلما مات أبوهم؛ قالوا: لقد قلَّ المال، وكثر العيال، فتحالفوا بينهم ليغدوا غدوة قبل خروج الناس، ويصرمونه، ولا يشعر المساكين، وهو قوله تعالى: {إِذْ أقسَموا}؛ حلفوا {لَيَصْرِمُنَّهَا مصبحين}؛ ليقطفنّها داخلين في الصباح، قبل انتشار الفقراء، {ولا يستثنون}؛ لا يقولون إن شاء الله، وسمي استثناء، وإن كان شرطاً صورةً؛ لأنه يؤدي مؤدّى الاستثناء؛ لأنّ قولك: لأخرجنّ إن شاء الله، و: لا أخرج إلاّ أن يشاء الله، واحدٌ، أو: لا يستثنون؛ حصة المساكين، كما كان يفعل أبوهم. {فطاف عليها} أي: على الجنة {طائف من ربك} أي: نزل عليها بلاء من جهته تعالى، قيل: أنزل الله عليها ناراً فأحرقتها، وقيل: طاف بها جبريل، لأنه الموكل بالخسف، فاقتلعها، وطاف بها حول البيت، ثم وضعها بالطائف، وليس بمكة وما قرب منها بستان غيرها، وهي مدينة الطائف. انظر اللباب. {وهم نائمون} أي: في حال نومهم، أو: غافلون عما جرت به المقادير، {فأصبحتْ} أي: فصارت الجنة {كالصَّرِيم}؛ كالبستان الذي صرمت ثماره، بحيث لم يبقَ فيها شيء، وقيل: كالليل المُظلم، احترقت فاسودّت، أو: كالصبح، أي: صارت أرضاً بيضاء بلا شجر. وفي القاموس: الصريم: الأرض المحصود زرعها، والصبح والليل. هـ. {فَتَنَادَوا} أي: نادى بعضُهم بعضاً {مصبحين}؛ داخلين في الصباح: {أَنِ اغْدوا} أي: اخرجوا غدوه {على حَرْثِكم}؛ بستانكم وضيعتكم، وتعدية الغدو بـ"على" لتضمنه معنى الإقبال والاستيلاء، {إِن كنتم صارمين}؛ قاصدين الصرم. {فانطلقوا وهم يتخافتون}؛ يتساررون فيما بينهم بطريق المخافتة، لئلا يسمع المساكين {أن لا يدخلنَّها} أي: الجنة، و"أن" مفسرة، أي: قائلين في تلك المخافتة: لايدخلنها {اليومَ عليكم مسكين}، والنهي عن دخول المساكين نهي عن التمكين على وجه المبالغة، أي: لا تُمكنوهم من الدخول. {وغَدَوا على حَرْدٍ}؛ على جِدٍّ في المنع {قادرين} عند أنفسهم على المنع، كذا عن نفطوية، من قولهم: حردت الإبل إذا قلَّت ألبانها فمنعتها، و"حاردت السنة" إذا كانت شهباء، من قلة مطرها، أو: الحرد: القصد والسرعة، يقال: حَرَدَ حَرْده، أي: قصد قصده، قال الشاعر: شعر : أقْبَـلَ سَيْـلٌ جـاء من أَمْـرِ الله يَـحْـرِدُ حَـرْدَ الجَـنــةِ المُـغِلَّـهْ تفسير : أي: يقْصد قصدها، أي: وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة قادرين على صِرامها عند أنفسهم، وقيل: معنى الحرد: الغضب، يقال: حَرِدَ الرجل حَرْداً: غضب، أي: غدوا على غضبٍ على المسكين قادرين على المنع، أو على صِرامها في زعمهم، وقيل: الحرد: اسم للجنة، أي: غدوا على تلك الجنة قادرين على صِرامها عند أنفسهم. {فلما رَأَوها} أي: جنتهم محترقة {قالوا إِنَّا لضالون} أي: ضللنا جنتنا، وما هي بها، لِما رأوا من هلاكها، فلما تأمّلوا وعرفوا أنها هي، قالوا: {بل نحن محرومون}؛ حُرمنا خيرها بجنايتنا على أنفسنا، {قال أوسطُهم} أي: أعدلُهم وخيرُهم رأياً، أو: أكبرهم سنًّا: {ألم أقل لكم لولا تُسبِّحون}؟ تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نياتكم، وقد كان قال لهم حين عزموا على ذلك: اذكروا الله، وتوبوا إليه من هذه الجريمة الخبيثة من فوركم، وسارِعوا إلى حَسْم شرها قبل حلول النقمة، فَعَصوه. وقيل: المراد بالتسبيح: الاستثناء؛ لأنه تعظيم لله تعالى في الجملة؛ لأنَّ الاستثناء تفويض إليه، والتسبيح تنزيه، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم، والأول أنسب بقوله: {قالوا سبحان ربنا إِنَّا كنا ظالمين} فيما عزمنا عليه من المنع، أو: في عدم الاستثناء، فتكلّموا بعد نزول العذاب بما كان يدعوهم إلى التكلُّم به قبل نزوله. {فأقبل بعضُهم على بعض يتلاومون} أي: يلوم بعضُهم بعضاً بما فعلوا من الهرب من المساكين، ويُحيل كلُّ واحد منهم اللائمة على الآخر، ثم اعترفوا جميعاً بأنهم تجاوزوا الحد بقوله: {قالوا يا ويلنا إِنَّا كنا ظالمين}؛ متجاوزين حدود الله بمنع الفقراء حقهم، وتَرْكِ الاستثناء، {عسى ربُّنا أن يُبْدلنا خيراً منها} أي: يعطينا خيراً من جنتنا ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة، {إِنَّا إِلى ربنا راغبون}؛ طالبون منه الخير، راجون العفو منه. وعن مجاهد: ثابوا فأُبدلوا خيراً منها، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: بلغني أنهم أخلصوا، فأبدلهم الله جنة تُسمى الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً، وعن أبي خالد اليماني أنه رآها، ورأى كل عنقود منها كالرجُل الأسود القائم، وقد تقدّم أنهم مؤمنون، إمّا من بني إسرائيل أو غيرهم، فلا معنى لمَن توقف في قولهم: {إِنَّا إِلى ربنا راغبون} هل يكون إسلاماً أم لا؟ نعم، قد قيل: إنهم كانوا كفاراً، فيحتمل أن يكون قولهم هذا إسلاماً، أو يكون على حد ما يكون من المشركين إذا أصابتهم شدة. قال تعالى: {كذلك العذابُ} أي: مثل ذلك العذاب الذي ذكرناه في حق أصحاب الجنة هو عذاب الدنيا لمَن تخالف أمرنا، ولم يشكر نِعمنا، {ولَعذابُ الآخرة أكبرُ}؛ أعظم منه وأشد، {لو كانوا يعلمون} أنه أكبر لا حترزوا عما يؤديهم إليه. قال الطيبي: قال الإمام ـ أي الفخر ـ: المقصود من القصة أنه تعالى قال: {أن كان ذا مال وبنين إِذا تُتلى عليه آياتنا قال...} الخ؛ أي: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله, إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمّر الله عليه؛ لأنّ أصحاب الجنة لَمَّا أَتوا بهذا القدر اليسير من المعصية، دمَّر الله على جنتهم، فكيف حال مَن عاند الرسولَ، وأصرّ على الكفر والمعصية؟ أو: لأنَّ أصحاب الجنة خرجوا لينتفعوا بالجنة، ويمنعوا الفقراء منها، فقلب الله عليهم القضية، فكذا أهل ممكة، حَردُوا إلى بدر أرادوا الكيد بمحمد وأصحابه ـ صلوات الله عليه ـ فأخلف الله ظنّهم، فقُتلوا وأُسروا. هـ. الإشارة: مَن كان يفعل الإحسان، ويُوسع في العطاء، ثم قبض يده، فإنَّ الله يقبض فيضه عنه، كما قبض هو إحسانه عن عباده، فما دام يُوسّع فإنَّ الله يُوسّع عليه، فإذا قبض قبض الله عنه، {أية : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ }تفسير : [الأنعام:139]، وكذلك مَن خالف عادة أسلافه في العطاء وشدّ يده؛ فإنَّ الله يُخالف عنه ما كان يفعل مع أسلافه، من فَيْض الأرزاق الحسية أو المعنوية، فإن تاب ورجع إلى فعل ما كان عليه أسلافه؛ أعاد الله عليه إحسانه، كما فعل بأصحاب الجنة حين تابوا، وهذا صريح الآية، وتَصْدق أيضاً بمَن كان يُنفق من سعة علومه ومواهبه، ثم قبض ذلك من غير عذر، فإنَّ الله تعالى يقبض عنه زيادة المواهب، وربما يطوف على باطنه طائف من الله، فيُصبح خالياً من ثمار المواهب، حتى يتوب ويرجع إلى ما كان عليه، وبالله التوفيق. ثم شفع بضد ذلك، فقال: {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ}.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى {إنا بلوناهم} يعني هؤلاء الكفار أي اختبرناهم {كما بلونا أصحاب الجنة} يعني البستان {إذ أقسموا} أي حين اقسموا فيما بينهم {ليصرمنها مصبحين} ووجه الكلام إنا بلونا أهل مكة بالجدب والقحط، كما بلونا اصحاب الجنة بهلاك الثمار التي كانت فيها حين دعا النبي صلى الله عليه وآله عليهم، فقال "حديث : اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف"تفسير : فالبلوى المحنة بشدة التعبد على ما يقتضيه الحال فى صحة التكليف. والصرم قطع ثمر النخل: صرم النخلة يصرمها صرماً، فهو صارم، ومنه الصريمة القطيعة عن حال المودة. وهم عشرة أولاد كانوا لرجل من بني إسرائيل، وكان يأخذ من بستانه كفاية سنته ويتصدق بالباقي، فقال أولاده: ليس يكفينا، وحلفوا أنهم يصرمون بستانهم ليلا وابى عليهم ابوهم، فأقسموا أنهم ليصرمون ثمر نخل البستان إذا اصبحوا، ولم يستثنوا، ومعناه لم يقولوا إن شاء الله فقول القائل: لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله استثناء ومعناه إن شاء الله منعي او تمكين ما نعي، فقال الله تعالى {فطاف عليها} يعني على تلك الجنة {طائف من ربك} أي طرقها طارق من أمر الله، فالطائف الطارق ليلا، فاذا قيل أطاف به صلح فى الليل والنهار، وانشد الفراء: شعر : اطفت به نهاراً غير ليلى والهي ربها طلب الرخال تفسير : الرخال أولاد الضان واحدها رخل وفى الانثى رخلة {وهم نائمون} أي فى حال نومهم {فأصبحت} يعني الجنة {كالصريم} أي كالليل الأسود - فى قول ابن عباس - وانشد ابو عمرو بن العلا: شعر : ألا بكرت وعاذلني تلوم تجهلني وما انكشف الصريم تفسير : وقال: شعر : تطاول ليلك الجون البهيم فيما ينجاب عن صبح صريم إذا ما قلت اقشع او تناهى جرت من كل ناحية غيوم تفسير : وقال قوم: الصريم هو المصروم، وقال سعيد بن جبير: الصريم أرض معروفة باليمين لا نبات فيها تدعى صروان، وإنما قيل لليل صروم، لانه يقطع بظلمته عن التصرف في الامور. وقيل: إنما فعل الله بهم ذلك لانهم منعوا الحقوق اللازمة من ثمار هذه الجنة. والصرم قطع الثمر. والصريم المصروم جميع ثماره. وقوله {فتنادوا مصبحين} اخبار عن حالهم أنهم لما اصبحوا نادى بعضهم بعضاً يا فلان يا فلان، والتنادي دعاء بعض الناس بعضاً بطريقة يا فلان وأصله من الندى بالقصر، لأن النداء الدعاء بندى الصوت الذي يمتد على طريقة يا فلان، لان الصوت إنما يمتد للانسان بندى حلقه. والنادي مجلس الرفد وهو الندي {أن اغدوا على حرثكم} أى نادى بعضهم بعضاً بأن اغدوا، او قالوا: {اغدوا على حرثكم} والحرث الزرع الذي قد حرثت له الأرض، حرث يحرث حرثاً والحراث الذى يحرث الأرض، ومنه الحارث، ومنه الحرث، كناية عن الجماع. ويقال: احترث لأهله إذا اكتسب بطلب الرزق، كما يطلب الحراث {إن كنتم صارمين} أى قاطعين لثماركم، فالصارم قاطع ثمر الشجر على الاستئصال. واكثر ما يستعمل ذلك في النخل، ويجوز في الشجر، وأصله القطع. وقد تصرم النهار إذا مضى قطعة قطعة حتى انقضى. وقيل: معناه إن كنتم حاصدين زرعكم. ثم قال {فانطلقوا} أى ذهبوا، وهم {يتخافتون} فالتخافت التقابل في اخفاء الحركة، وأصله الخفاة من خفت فلان يخفت إذا اخفى نفسه ومعناه - ها هنا - يتسارون بينهم {أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين} في - قول قتادة - وقوله {وغدوا على حرد} فالحرد القصد، حرد يحرد حرداً فهو حارد. قال الشاعر: شعر : اقبل سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الجنة المغلة تفسير : أى يقصد، وقال الحسن: معناه على جهة من الفاقة. وقال مجاهد: معناه على جد من أمرهم، وهو قول قتادة وابن زيد: وقال سفيان: معناه على حنق، وذلك من قول الأشهب بن رميلة: شعر : اسود شرى لاقت اسود خفية فساقوا على حرد دماء الاساود تفسير : أي على غضب. وقيل: معناه على منع من قولهم حاردت السنة إذا منعت قطرها، وحاردت الناقة إذا منعت لبنها. والأصل القصد. وقوله {قادرين} معناه مقدرين انهم يصرمون ثمارهم، ويجوز ان يكون المراد وغدوا على حرد قادرين عند انفسهم على صرام جنتهم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} اى اهل مكّة بالقحط والجوع {كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} المعهودة الّتى كانت مالكوها مستعدّين لان يصرموها فلمّا دخلوها وجدوها بلا ثمرٍ لانّهم لم يستثنوا وكانت تلك الجنّة على تسعة اميالٍ من صنعاء اليمن وكانت يقال لها الرّضوان {إِذْ أَقْسَمُواْ} اى المالكون لها {لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} وقت الصّباح.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} امتحانا اهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ كذبوه. {كَمَا بَلَوْنَا أًَصْحَابَ الجَنَّةِ} أي البستان واصحابه قوم من اهل الاسلام وكان دون صنعاء بفرسخين في اليمن يقال له صوران وكان ابوهم صالحا يأخذ منه وقت سنة ويتصدق بالباقي وقيل: كان ينادي الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما خطاه المحل وما القته الريح وما بعد من البساط وما يبقى فيه بعد الرفع وما في اسفل الاكدس وكل ما ينتثر وكذا في العنب والزرع وغيرهما فكان يجتمع لهم كثير ولما مات ترك ثلاثة بنين وهم اصحاب الجنة وقالوا فعل ابونا ذلك حين كثر المال وقل العيال ونحن اليوم في عيال كثير ومال قليل ويضيق ذلك علينا فحلفوا ليصرمنها وقت الصباح خيفة من المساكين كما قال الله عنهم. وقيل كانوا من بني اسرائيل وقالوا ان فعل ابينا كان خطأ ولا سبيل علينا لمسكين وكان ابوهم يعطي منه المساكين وابن السبيل {إِذْ أَقْسَمُوا} اذ ظرف او للتعليل حلفوا بالله {لَيَصْرِمُنَّهَا} ليقطعن ثمر الجنة {مُصْبِحِينَ} حال من الواو المحذوفة للساكن أي حال الاصباح وهو وقت يغفل المساكين عن الخروج اليها وقيل كانوا اذ ذاك مشركين وهو تفسير مجاهد ثم تابوا.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} أهل مكة بقحط سبع. {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} وهم موحدون عند الجمهور، وعن الحسن أنهم مشركون، وكما تتعلق حروف الجر غير الزائدة أو ما يشبه الزائد تتعلق الكاف على الصحيح فتتعلق بالفعل قبلها هنا ولو قلت: فعلت كفعل زيد لعلقت الكاف بالفعل قبلها، وما مصدرية أى بلوناهم كبلائنا أصحاب الجنة فلا حاجة إِلى جعلها اسماً مفعولا، أى بلوناهم مثل بلائنا أصحاب الجنة، ولا إِلى جعل ما اسماً أى كالبلاء الذى بلوناه أصحاب الجنة، بلاء كبلاء بلوناه أصحاب الجنة، والجنة فى أرض اليمن قريباً من صنعاء بنحو ستة أميال تسمى تلك الأَرض صوران وكانت لرجل مؤمن من الحبشة يخرج منها حق الله عز وجل ويطعم منها المساكين ومات فقال بنوه إِن ما يفعله أبونا لأَحمق، يطعم المساكين، وأقسموا لا يعطون منهامسكيناً. وبه قال ابن عباس، وقيل كانت لشيخ من بنى إِسرائيل يمسك قوت سنة ويتصدق بالباقى ويقول بنوه: لا تصدق، ولما مات أقسموا لا يعطون منهامسكيناً، وقيل كانت لرجل صالح على فرسخين من صنعاء فى اليمن يترك للمساكين ما أخطأَه النجل وما فى أسفل الأَكداس وما أخطأَه القطاف من العنب وما بقى على البساط تحت النخلة إِذا صرمت وما ينتثر إِذا داسوا فكان يجتمع لهم كثير من ذلك فالحديقة كبيرة جداً تثمر كثيراً أو المساكين الطالبون لذلك قليل. وقال بنوه بعده نصيبنا من المال قليل والله ما نعطى مسكيناً نحن كثيرون ذوو عيال فبكروا إِلى الحديقة خفية. {إِذْ} متعلق ببلى الثانى. {أَقْسَمُوا لَيصْرِمُنَّهَا} يقطعن ثمارها. {مُصْبِحِينَ} وقت الدخول فى الصباح وهذا ذكر لحاصل كلامهم ولو روعى الحال لقيل لنصرمنها بالنون، تقول حلف الزيدون أنهم لا يقومون أو حلف الزيدون إِنا لا نقوم فإِن لفظهم والله لا نقوم بالنون وتقول حلف زيد لا يقوم أو حلف لا تقوم بالخطاب، والخطاب لفظه حال الحلف، ولو حلف على الغيبة لقيل حلف لا يقوم عمرو.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ } أي أصبنا أهل مكة ببلية وهي القحط بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله((حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف))تفسير : {كَمَا بَلَوْنَا } أي مثل ما بلونا فالكاف في محل نصب صفة مصدر مقدر و(ما) مصدرية، وقيل بمعنى الذي أي كالبلاء الذي بلوناه {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } المعروف خيرها عندهم كانت بأرض اليمن بالقرب منهم قريباً من صنعاء لرجل كان يؤدي حق الله تعالى منها فمات فصارت إلى ولده فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله تعالى منها فكان ما ذكره الله تعالى. وكانت على ما أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جرير بأرض في اليمن يقال لها صوران بينها وبين صنعاء ستة أميال. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس هم ناس من الحبشة كانت لأبيهم جنة وكان يطعم منها المساكين فمات فقال بنوه إن كان أبونا لأحمق حين يطعم المساكين فأقسموا على أن لا يطعموا منها مسكيناً. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال كانت لشيخ من بني إسرائيل وكان يمسك قوت سنته ويتصدق بالفضل وكان بنوه ينهونه عن الصدقة فلما مات أقسموا على منع المساكين وفي رواية أنها كانت لرجل صالح على فرسخين من صنعاء وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل وما في أسفل الأكداس وما أخطأه القطاف من العنب وما بقي على البساط تحت النخلة إذا صرمت فكان يجتمع لهم شيء كثير فلما مات قال بنوه إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال فحلفوا ليصرمنها وقت الصباح / خفية عن المساكين كما قال عز وجل: {إِذْ أَقْسَمُواْ } معمول لبلونا {لَيَصْرِمُنَّهَا } ليقطع من ثمارها بعد استوائها {مُّصْبِحِينَ } داخلين في الصباح، وهذا حكاية لقسمهم لا على منطوقهم وإلا لقيل لنصرمنها بنون المتكلمين وكلا الأمرين جائز في مثله.
ابن عاشور
تفسير : ضمير الغائيبن في قوله: {بلوناهم} يعود إلى المكذبين في قوله: {أية : فلا تطع المكذبين}تفسير : [القلم: 8]. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً دَعت إليه مناسبة قوله: {أية : أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه ءاياتُنا قال أساطير الأولين}تفسير : [القلم: 14ــ 15] فإن الازدهاء والغرور بسعة الرزق المفضيين إلى الاستخفاف بدعوة الحق وإهمال النظر في كنهها ودلائلها قد أوقعا من قديم الزمان أصحابهما في بَطَر النعمة وإهمال الشكر فجَرَّ ذلك عليهم شر العواقب، فضرب الله للمشركين مثلاً بحال أصحاب هذه الجَنة لعلهم يستفيقون من غفلتهم وغرورهم. كما ضرب المثل بقريب منه في سورة الكهف، وضرب مثلاً بقارون في سورة القصص. والبلْوى حقيقتها: الاختبار وهي هنا تمثيل بحال المبتلَى في إرخاء الحبل له بالنعمة ليشكر أو يكفر، فالبلوى المذكورة هنا بلوى بالخير فإن الله أمدّ أهل مكة بنعمة الأمن، ونعمة الرزق، وجعل الرزق يأتيهم من كل جهة، ويسر لهم سبل التجارة في الآفاق بنعمة الإِيلاف برحلة الشتاء ورحلة الصيف، فلما أكمل لهم النعمة بإرسال رسول منهم ليكمل لهم صلاح أحوالهم ويهديهم إلى ما فيه النعيم الدائم فدعاهم وذكّرهم بنعم الله أعرضوا وطَغوا ولم يتوجهوا إلى النظر في النعم السالفة ولا في النعمة الكاملة التي أكمَلَتْ لهم النعم. ووجه المشابهة بين حالهم وحال أصحاب الجنّة المذكورة هنا هو الإِعراض عن طلب مرضاة الله وعن شكر نعمته. وهذا التمثيل تعريض بالتهديد بأن يلحقهم ما لحق أصحاب الجنة من البؤس بعد النعيم والقحط بعد الخصب، وإن اختلف السبب في نوعه فقد اتحد جنسه. وقد حصل ذلك بعد سنين إذْ أخذهم الله بسبع سنين بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وهذه القصة المضروب بها المثل قصة معروفة بينهم وهي أنه كانت ببلد يقال له: ضَرَوان (بضاد معجمة وراء وواو مفتوحات وألف ونون) من بلاد اليمن بقرب صنعاء. وقيل: ضروان اسم هذه الجنة، وكانت جنّة عظيمة غرسها رجل من أهل الصلاح والإيمان من أهل الكتاب قاله ابن عباس. ولم يبين من أي أهل الكتاب هو: أمِن اليهود أم من النصارى؟ فقيل: كان يهودياً، أي لأن أهل اليمن كانوا تديّنوا باليهودية من عهد بلقيس كما قيل أو بعدها بِهجرة بعض جنود سليمان، وكانت زكاة الثمار من شريعة التوراة كما في الإِصحاح السادس والعشرين من سفر اللاويين. وقال بعض المفسرين: كان أصحابُ هذه الجنة بعد عيسى بقليل، أي قبل انتشار النصرانية في اليمن لأنها ما دخلت اليمن إلاّ بعد دخول الأحباش إلى اليمن في قصة القَليس وكان ذلك زمان عام الفيل. وعن عكرمة: كانوا من الحبشة كانت لأبيهم جنة وجعل في ثمرها حقاً للمساكين وكان يدخل معه المساكين ليأخذوا من ثمارها فكان يعيش منها اليتامى والأَراملُ والمساكين وكان له ثلاثة بنين، فلما توفي صاحب الجنة وصارت لأولاده أصبحوا ذوي ثروة وكانوا أشحة أو كان بعضهم شحيحاً وبعضهم دونه فتمالؤوا على حرمان اليتامى والمساكين والأَرامل وقالوا: لنغدون إلى الجنة في سدفة من الليل قبل انبلاج الصباح مثل وقت خروج الناس إلى جناتهم للجذاذ فلنجذنها قبل أن يأتي المساكين. فبيتوا ذلك وأقسموا أيماناً على ذلك، ولعلهم أقسموا ليُلزموا أنفسهم بتنفيذ ما تداعَوا إليه. وهذا يقتضي أن بعضهم كان متردداً في موافقتهم على ما عَزموا عليه وأنهم ألجموه بالقسم وهذا الذي يلتئم مع قوله تعالى: {أية : قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون}تفسير : [القلم: 28]، قيل كان يقول لهم: اتقوا الله واعدلوا عن خبث نيتكم من منع المساكين، وذكرهم انتقام الله من المجرمين، أي فغلبوه ومضَوا لما عزموا عليه، ولعلهم أقسموا على أن يفعلوا وأقسموا عليه أن يفعل معهم ذلك فأقسم معهم أو وافقهم على ما أقسموا عليه، ولهذا الاعتبار أسند القسم إلى جميع أصحاب الجنة. فلما جاءوا جنتهم وجدوها مسودّة قد أصَابها ما يشبه الاحتراق فلما رأوها بتلك الحالة علموا أن ذلك أصابهم دون غيرهم لعزمهم على قطع ما كان ينتفع به الضعفاء من قومهم وأنابوا إلى الله رجاء أن يعطيهم خيراً منها. قيل: كانت هذه الجنة من أعناب. والصرم: قطع الثمرة وجذاذها. ومعنى {مُصبحين} داخلين في الصباح أي في أوَائل الفجر. ومعنى {لا يستثنون}: أنهم لا يستثنون من الثمرة شيئاً للمساكين، أي أقسموا ليَصْرِمُنّ جميع الثمر ولا يتركون منه شيئاً. وهذا التعميم مستفاد مما في الصرم من معنى الخزن والانتفاع بالثمرة وإلاّ فإن الصرم لا ينافي إعطاءَ شيء من المجذوذ لمن يريدون. وأُجمل ذلك اعتماداً على ما هو معلوم للسامعين من تفصيل هذه القصة على عادة القرآن في إيجاز حكاية القصص بالاقتصار على موضع العبرة منها. وقيل معناه: {لا يستثنون} لإِيمانهم بأن يقولوا إن شاء الله كما قال تعالى: {أية : ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاّ أن يشاء الله}تفسير : [الكهف: 23ــ 24]. ووجه تسميته استثناء أن أصل صيغته فيها حرف الاستثناء وهو (إلاّ)، فإذا اقتصر أحد على «إن شاء الله» دون حرف الاستثناء أطلق على قوله ذلك استثناءٌ لأنه على تقدير: إلا أن يشاء الله. على أنه لما كان الشرط يؤول إلى معنى الاستثناء أُطلق عليه استثناء نظراً إلى المعنى وإلى مادة اشتقاق الاستثناء. وعلى هذا التفسير يكون قوله: {ولا يستثنون} من قبيل الإِدماج، أي لِمبلغ غرورهم بقوة أنفسهم صاروا إذا عزموا على فعل شيء لا يتوقعون له عائقاً، والجملة في موضع الحال، والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار حالتهم العجيبة من بُخلِهم على الفقراء والأيتام. وعلى الروايات كلها يعلم أن أهل هذه الجنة لم يكونوا كفاراً، فوجه الشبه بينهم وبين المشركين المضروب لهم هذا المثل هو بطر النعمة والاغترار بالقوة. وقوله: {فطاف عليها طائف من ربّك}، الطواف: المشي حول شيء من كل جوانبه يُقال: طاف بالكعبة، وأريد به هنا تمثيل حالة الإِصابة لشيء كله بحال من يطوف بمكان، قال تعالى: {أية : إذا مسهم طائف من الشيطان}تفسير : الآية [الأعراف: 201]. وعُدّي (طاف) بحرف (على) لتضمينه معنى: تسلط أو نزل. ولم يعين جنس الطائف لظهور أنه من جنس ما يصيب الجنات من الهلاك، ولا يتعلق غرض بتعيين نوعه لأن العبرة في الحاصل به، فإسناد فعل (طاف) إلى {طائف} بمنزلة إسناد الفعل المبني للمجهول كأنه قيل: فطِيف عليها وهم نائمون. وعن الفراء: أن الطائف لا يكون إلاّ بالليل، يعني ومنه سمي الخيال الذي يراه النائم في نومه طَيفاً. قيل هو مشتق من الطائفة وهي الجزء من الليل، وفي هذا نظر. فقوله: {وهم نائمون} تقييد لوقت الطائف على التفسير الأول، وهو تأكيد لمعنى {طائف} على تفسير الفراء، وفائدته تصوير الحالة. وتنوين {طائف} للتعظيم، أي أمر عظيم وقد بينه بقوله: {فأصبحت كالصريم} فهو طائف سوء، قيل: أصابها عنق من نار فاحترقت. و {من ربّك} أي جائياً من قِبَل ربّك، فــ {مِن} للابتداء يعني: أنه عذاب أرسل إليهم عقاباً لهم على عدم شكر النعمة. وعُجل العقاب لهم قبل التلبس بمنع الصدقة لأن عزمهم على المنع وتقاسمهم عليه حقق أنهم مانعون صدقاتهم فكانوا مانعين. ويؤخذ من الآية موعظة للذين لا يواسون بأموالهم. وإذْ كان عقاب أصحاب هذه الجنة دنيوياً لم يكن في الآية ما يدل على أن أصحاب الجنة منعوا صدقة واجبة. والصريم قيل: هو الليل، والصريم من أسماء الليل ومن أسماء النهار لأن كل واحد منهما ينصرم عن الآخر كما سمي كل من الليل والنهار مَلْواً فيقال: المَلوَانِ، وعلى هذا ففي الجمع بين (أصبحتْ) و (الصريم) محسن الطباق. وقيل الصريم: الرماد الأسود بلغة جذيمة أو خزيمة. وقيل الصريم: اسم رملة معروفة باليمن لا تُنبت شيئاً. وإيثار كلمة الصريم هنا لكثرة معانيها وصلاحية جميع تلك المعاني لأن تراد في الآية. وبين (يصرِمُنَّها) و (الصريم) الجناس. وفاء {فتنادوا} للتفريع على {أقسموا ليَصْرِمُنَّها مُصْبِحين}، أي فلما أصبحوا تنادوا لإنجاز ما بيّتوا عليه أمرهم. والتنادي: أي ينادي بعضُهم بعضاً وهو مشعر بالتحريض على الغدوّ إلى جنتهم مبكرين. والغدوّ: الخروج ومغادرة المكان في غُدوة النهار، أي أوله. وليس قوله: {إن كنتم صارمين} بشرط تعليق ولكنه مستعمل في الاستبطاء فكأنهم لإبطاء بعضهم في الغُدوِّ قد عدل عن الجذاذ ذلك اليوم. ومنه قول عبد الله بن عُمر للحجاج عند زوال عرفة يحرضه على التهجير بالرواح إلى الموقف الرواحَ إن كنت تُريد السنة. ونظير ذلك كثير في الكلام. و {على} من قوله: {على حرثكم} مستعملة في تمكن الوصول إليه كأنه قيل: اغدوا تكونوا على حرثكم، أي مستقرين عليه. ويجوز أن يضمن فعل الغدوّ معنى الإِقبال كما يقال: يُغدى عليه بالجَفْنة ويُراح. قال الطيبي: «ومثله قيل في حق المطلب تَغدُو دِرَّتُه (التي يضرب بها) على السفهاء، وجَفنته على الحُلماء». والحرث: شق الأرض بحديدة ونحوها ليوضع فيها الزريعة أو الشجر وليزال منها العشب. ويطلق الحرث على الجنة لأنهم يتعاهدونها بالحرث لإِصلاح شجرها، وهو المارد هنا كقوله تعالى: {أية : وحرثٌ حِجْر} تفسير : في سورة الأنعام (138)، وتقدم في قوله: {أية : والأَنعامِ والحرثِ} تفسير : في سورة آل عمران (14). والتخافت: تفاعل من خَفَتَ إذا أسرّ الكَلام. و {أن لا يدخلنَّها اليوم عليكم مسكين} تفسير لفعل {يتخافتون} و {أن} تفسيرية لأن التخافت فيه معنى القول دون حروفه. وتأكيد فعل النهي بنون التوكيد لزيادة تحقيق ما تقاسموا عليه. وأسند إلى {مسكين} فعل النهي عن الدخول والمراد نهي بعضهم بعضاً عن دخول المسكين إلى جنتهم، أي لا يترك أحد مسكيناً يدخلها. وهذا من قبيل الكناية وهو كثير في استعمال النهي كقولهم: لا أعرفنَّك تَفْعَلُ كذا. وجملة {وغَدوا على حَردٍ قادرين} في موضع الحال بتقدير (قد)، أي انطلقوا في حال كونهم غادين قادرين على حَرد. وذُكِر فعل {غَدَوا} في جملة الحال لقصد التعجيب من ذلك الغدوِّ النحس كقول امرىء القيس:شعر : وباتَ وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد تفسير : بعد قوله:شعر : تَطاول ليلك بالأثمُد وباتَ الخَلي ولم تَرْقُد تفسير : يخاطب نفسه على طريقة فيها التفات أو التفاتان. والحرد: يطلق على المنع وعلى القصد القوي، أي السرعة وعلى الغضب. وفي إيثار كلمة {حَرْد} في الآية نكتة من نكت الإِعجاز المتعلق بشرف اللفظ ورشاقته من حيث المعنى، ومن جهة تعلق المجرور به بما يناسب كل معنى من معانيه، أي بأن يتعلق {على حرد} بـ {قادرين}، أو بقوله {غَدوا}، فإذا علق بـ {قادرين}، فتقديم المتعلِّق يفيد تخصيصاً، أي قادرين على المنع، أي منع الخير أو منع ثمر جنتهم غير قادرين على النفع. والتعبير بقادرين على حرد دون أن يقول: وغدوا حاردين تهكم لأن شأن فعل القدرة أن يذكر في الأفعال التي يشق على الناس إتيانها قال تعالى: {أية : لا يَقدرون على شيء مما كسبوا}تفسير : [البقرة: 264] وقال: {أية : بلى قادرين على أن نسوي بنانه}تفسير : [القيامة: 4] فقوله: {على حرد قادرين}على هذا الاحتمال من باب قولهم: فلان لا يملك إلاّ الحِرمان أو لا يقدر إلاّ على الخيبة. وإذا حمل الحرد على معنى السرعة والقصد كان {على حرد} متعلقاً بـ {غَدَوا} مبيناً لنوع الغُدو، أي غدوا غدُوَّ سرعة واعتناء، فتكون {على} بمعنى باء المصاحبة، والمعنى: غدوا بسرعة ونشاط، ويكون {قادرين} حالاً من ضمير {غدوا} حالاً مقدَّرة، أي مقدِّرين أنهم قادرون على تحقيق ما أرادوا. وفي الكلام تعريض بأنهم خابوا، دل عليه قوله بعده {أية : فلما رأوها قالوا إنا لضالون}تفسير : [القلم: 26]، وقولُه قبله {فطاف عليها طائف من ربّك وهم نائمون}. وإذا أريد بالحرد الغضب والحَنق فإنه يقال: حَرَدٌ بالتحريك وحَرْدٌ بسكون الراء ويتعلق المجرور بـ {قادرين} وتقديمه للحصر، أي غدوا لا قدرة لهم إلاّ على الحَنق والغضب على المساكين لأنهم يقتحمون عليهم جنتهم كل يوم فتحيلوا عليهم بالتبكير إلى جذاذها، أي لم يقدروا إلاّ على الغضب والحنق ولم يقدروا على ما أرادوه من اجتناء ثمر الجنة. وعن السدي: أن {حَرد} اسم قريتهم، أي جنتهم. وأحسب أنه تفسير ملفق وكأنَّ صاحبه تصيده من فعلي {اغْدُوا وغَدوا}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنا بلوناهم: أي امتحنا كفار مكة بالمال والولد والجاه والسيادة فلم يشكروا نعم الله عليهم بل كفروا بها بتكذيبهم رسولنا وإنكارهم توحيدنا فأصبناهم بالقحط والقتل لعلهم يتوبون كما امتحنا أصحاب الجنة المذكورين في هذا السياق. ليصرمنها: أي ليجدُنَّها أي يقطعون ثمارها صباحاً. فطاف عليها طائف من ربك وهو نائمون: أي نار فأحرقتها. فأصبحت كالصريم: أي كالليل الأسود الشديد الظلمة والسواد. على حرثكم: أي غلة جنتكم وقيل حرث لأنهم عملوا فيها. وهم يتخافتون: أي يتشاورون بأصوات مخفوضة غير رفيعة حتى لا يسمع بهم. وغدوا على حرد قادرين: أي وغدوا صباحا على قصد قادرين على صرمها قبل أن يطلع عليهم المساكين. إنا لضالون: أي مخطئوا الطريق أي ما هذا طريق جنتنا ولا هي هذه. بل نحن محرومون: أي لما علموا أنها هي وقد احترقت قالوا بل نحن محرومون منها لعزمنا على حرمان المساكين منها. قال أوسطهم: خيرهم تقوى وأرجحهم عقلا. لولا تسبحون: أي تسبحون الله وتستثنون عندما قلتم لنصرمنها مصبحين. يتلاومون: أي يلوم بعضهم بعضاً تندماً وتحسراً. إنا إلى ربنا راغبون: أي طامعون. كذلك العذاب: أي مثل هذا العذاب بالحرمان العذاب لمن خالف أمرنا وعصانا. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في مطلب هداية قريش قوم محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} يعني كفار قريش أي امتحناهم واختبرناهم بالآلاء والنعم لعلهم يشكرون فلم يشكروا ثم بالبلاء والنقم اي بالقحط والجدب والقتل لعلهم يتوبون كما بلونا أصحاب الجنة فتابوا ثم ذكر تعالى قصة أصحاب الجنة الذين ابتلاهم فتابوا إليه ورجعوا الى طاعته فقال {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ} - حلفوا - {لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} أي ليقطعن ثمارها ويجدونه في الصباح الباكر قبل أن يعلم المساكين حتى لا يعطوهم شيئاً. ولا يستثنون أي لم يستثنوا في حلفهم لم يقولوا إلا أن يشاء الله. {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ} يا رسولنا وهو نار أحرقتها {فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} أي الليل المظلم الأسود الشديد السواد. {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} أي نادى بعضهم بعضاً وهو إخوة كثير في أول الصباح قائلين {ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ} إن كنتم فعلاً جادين في الصرام هذا الصباح. {فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} يتشاورون في صوت خافت حتى لا يفطن لهم فقراء البلد ومساكينها وأجمعوا على {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ} كما كانوا يدخلونها ويأخذون منها أيام حياة والدهم رحمة الله عليه قال تعالى {وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ} أي وانطلقوا صباحا على حرد أي قصد تام قادرين على أن لا يدخلنها اليوم عليهم مسكين بل يجدونها ويحملونها إلى مخازنهم ولا يشعر بهم أحد من الفقراء والمساكين. قال تعالى {فَلَمَّا رَأَوْهَا} محترقة سوداء مظلمة {قَالُوۤاْ} ما هذه جنتنا {إِنَّا لَضَآلُّونَ} عنها بأن أخطئنا الطريق إليها، ولما علموا أنها هي ولكن احترقت ليلا اضربوا عن قولهم الأول وقالوا {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي منها لعزمنا على منع المساكين منها وقد كان والدنا يمنحهم منها ويعطيهم شكراً لله وأداء لحقه. وهنا تكلم أوسطهم أي خيرهم تقوى وأرجحهم عقلاً بما أخبر تعالى عنه في قوله {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} أي ألم يسبق لي أن قلت لكم لما قلتم لنصرمنها مصبحين ولم تستثنوا فقلت لكم هلا تستثنون وأطلق لفظ التسبيح على الاستثناء لأن التسبيح تنزيه لله عن الشرك وسائر النقائص ومنها العجر والاستثناء تنزيه لله عن ذلك لأن الذي يقول أفعل ولم يستثن أعطى لنفسه قدرة كقدرة الله الذي إذا قال أفعل فعل ولا يعجز فهو هنا أشرك نفسه في صفة من صفات الله تعالى فلذا كان الاستثناء تسبيحاً لله وتنزيهاً له عن المشارك في صفاته وأفعاله. فلما ذكرهم أخوهم العاقل الرشيد قالوا {سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} فنابوا بهذا الاعتراف قال تعالى {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ} أي يلوم بعضهم بعضاً على خطأهم في عزمهم على حرمان المساكين وعلى عدم الاستثناء في اليمين قالوا من جملة ما قالوا {يٰوَيْلَنَا} أي يا هلاكنا احضر {إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} أي متجاوزين حدود الله التي حد لنا غفلة منا وجهلا بأنفسنا وبما يعاقب به أمثالنا. وهنا بعد أن رجعوا على أنفسهم باللوم وإلى الله بالتوبة رجوا ربهم ولم ييأسوا من رحمته فقالوا {عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ} هكذا ابتلوا بالنعمة ثم بسلبها فتابوا فهل كفار قريش وقد ابتلوا بالنعمة ثم سلبوها فهل يتوبون كما تاب أصحاب الجنة؟ إنما سيقت هذه القصة تذكيراً وتعليما فهلا يتذكرون فيتوبوا؟ قال تعالى {كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ} أي مثل هذا العذاب بالحرمان العذاب لمن خالف أمر الله وعصاه {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} فإن عذاب الدنيا وقته محدود وأجله معدود أما عذاب الآخرة فإنه أبديٌ لا يحول ولا يزول. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الابتلاء يكون بالسراء والضراء أي بالخير والشر وأسعد الناس الشاكرون عند السراء الصابرون على طاعة الله ورسوله عند الضراء. 2- مشروعية التذكير بأحوال المبتلين والمعافين ليتخذ من ذلك طريق إلى الشكر والصبر. 3- صلاح الآباء ينفع أبناء المؤمنين فقد انتفع أصحاب الجنة بصلاح أبيهم الذي كان يتصدق على المساكين من غلة بستانه وعلامة انتفاعهم توبتهم. 4- مشروعية الاستثناء في اليمين وأنه تسبيح لله تعالى، وأن تركه يوقع في الإثم ولذا إذا حنث الحالف الذي لم يستثن تلوثت نفسه بإِثم كبير لا يُمحى إلا بالكفارة الشرعية التي حددها الشارع وهي إطعام أو كسوة عشرة مساكين أو عتق رقبة فإِن لم يقدر على واحدة من هذه الأنواع صام ثلاثة أيام ليمحي ذلك الذنب من نفسه.
القطان
تفسير : بلوناهم: اختبرناهم، امتحناهم. الجنة: البستان. ليصرمنّها: ليقطفنّ ثمارها. مصبحين: وقت الصباح. ولا يستثنون: ولا يقولون: ان شاء الله. طائفٌ من ربك: عذاب من الله، فقد أرسل عليها صاعقة من السماء فأحرقها. كالصّريم: كالليل المظلم. فتنادَوا: فنادى بعضهم بعضا. ان اغدوا: اخرجوا غدوة مبكّرين. حَرْثكم: زرعكم. صارمين: قاطعين الثمار. يتخافتون: يتحدثون بصوت ضعيف، همساً حتى يسمعهم أحد. على حَرْد: على المنع، اي يمنعون كل احد. محرومون: حرمنا خير جنتنا بجنايتنا على انفسنا. قال اوسطهم: أفضلهم رأيا. لولا تسبّحون: ليتكُم تذكرون الله وتشكرونه على ما انعم عليكم. يتلاومون: يلوم بعضهم بعضا على اصرارهم على منع المساكين. يا ويلنا: دعاء على انفسهم بالهلاك. طاغين: متجاوزين حدود الله. إنا امتحنّا كفارَ قريشٍ بأن أغدقنا عليهم النِعَم والأمن لنعلمَ: أيشكرون هذه النعم ام يكفرونها، كما اختبرنا اصحابَ الجنّة التي يعرفون قصتها. فقد كان لرجلٍ بستانٌ كبير فيه من شتى أنواع الفاكهة، وكان هذا الرجل يتصدَّق منه ويعطي الفقراءَ والمساكين والمحتاجين. فلما تُوفي قال أولادُه: لو أعطينا الفقراءَ والمساكين من بستاننا هذا لما بقيَ لنا شيء. فاتفقوا ان يذهبوا الى جنّتهم صباحاً مبكّرين، وأقسموا بان لا يدخلنّها عليهم مسكين. فأرسل الله عليها آفة أحرقتْها وهم نائمون لا يدرون ماذا جرى لها. فأصبحت جنتهم سوداء خاوية. فلما أصبحوا نادى بعضُهم بعضا ليذهبوا إليها ويقطفوا ثمارها. وانطلقوا خِلسة وهم يتهامسون حتى لا يسمع بهم أحدٌ من المحتاجين فيلحقَهم. وغدَوا إليها في حماسة وهم يظنّون أنهم قادرون على تنفيذ ما خطّطوا له {وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ}. ولكنّهم فوجئوا عندما رأوها سوداء محترقة خاوية من الثمار فقالوا: {إِنَّا لَضَآلُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}... لقد سَلَبَنا اللهُ ما رزقَنا. فقال لهم {أَوْسَطُهُمْ} أي أعدلُهم وأرجحهم عقلا: أَلم أقل لكم هلاَّ تسبِّحون اللهَ وتشكرونه على ما أَولاكم من النعم، فتؤدوا حقَّ المساكين والمحتاجين! وبعد ان سمعوا ما قال أخوهم وثابوا الى رُشدِهم اعترفوا بذنوبهم و {قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}، وندموا على ما عمِلوا. ثم بعد ذلك ألقى كل واحدٍ منهم تَبِعَة ما وقع على الآخر كما قال تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ} ثم نادَوا على أنفسِهم بالويل والثبور، واعترفوا بذنبهم، ورجعوا الى الله، وتابوا، وسألوه ان يعوّضهم خيراً من جنتهم {عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ} لعلّه يعطينا خيراً من جنّتنا بتوبتنا، ويكفّر عنا سيئاتنا. {كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} هكذا كان عذابُ من خالف أمرَ الله وبَخِل بما آتاه وأنعم عليه، وذلك في الدنيا، أما عذابُ الآخرة فهو أشدّ وأعظم، لو كان قومكَ أيها الرسول يعلمون ذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَلَوْنَاهُمْ} {أَصْحَابَ} (17) - رُوِي أَنَّ أَبَا جَهْلٍ طَلَبَ مِنْ قُرَيشٍ، حِينَ خُرُوجِهِمْ إِلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، أَنْ يَأْخُذُوا مَعَهُمْ حِبَالاً لِيَشُدُّوا بِهَا وَثَاقَ الأَسْرَى مِنَ المُسْلِمِينَ، الذِينَ سَيَقَعُونَ فِي أَسْرِهِمْ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَشَكُّونَ فِي أَنَّهُمْ هُمُ الغَالِبُونَ. وَيُبَيِّنُ تَعَالَى أَنَّهُ اخْتَبَرَ كُفَّارَ مَكَّةَ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعَمِ الوَاسِعَةِ، وَبِمَا رَحِمَهُمْ بِهِ مِنْ وَاسِعِ العَطَاءِ، لِيَنْظُرَ حَالَهُمْ أَيَشْكُرُونَ النِّعَمَ، وَيُؤَدُّونَ حَقَّهَا، وَيَتَّبِعُونَ دَاعِيَ اللهِ وَرَسُولِهِ، أَمْ يَكْفُرُونَ بِاللهِ، وَيُكَذِّبُونَ رَسُولَهُ، فَيَصُبُّ اللهُ عَلَيهِم العَذَابَ مِنْ عِنْدِهِ، كَمَا اخْتَبَرَ أَصْحَابَ البُسْتَانِ الذِينَ مَنَعُوا حَقَّ اللهِ فِيهِ، وَعَزَمُوا عَلَى أَلاَّ يُؤَدُّوا زَكَاتَهُ لِلْبُؤَسَاءِ وَالفُقَرَاءِ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى فِعْلِهِمْ بِأَنْ دَمَّرَ بُسْتَانَهُمْ شَرَّ تَدْمِيرٍ، فَقَدْ حََلَفَ أَصْحَابُ البُسْتَانِ ليَقْطِفُنَّ ثِمَارَهُ فِي غُدْوَةِ اليَوْمِ التَّالِي، حَتَّى لاَ يَعْلَمَ بِهِمْ سَائِلٌ وَلاَ فَقِيرٌ. بَلَوْنَاهُمْ - امْتَحَنَّاهُمْ. الجَنَّةِ - البُسْتَانِ. مُصْبِحِينَ - دَاخِلِينَ فِي وَقْتِ الصَّبَاحِ. الصَّرْمُ - قَطْفُ الثَّمَارِ.
الثعلبي
تفسير : {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} قال ابن عباس: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه قال: فقاتل يوم بدر: فخطم بالسيف بالقتال، وقال قتادة: سنخلق به شيئاً، يقول العرب للرجل يسبّ الرجل سبّة قبيحة باقية: قد وسمه ميسم سوء، يريدون الصق به عاراً لا يفارقه، كما أنّ السمة لا تنمحي ولا يعفو أثرها. قال جرير: شعر : لما وضعت على الفرزدق ميسمي وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل تفسير : أراد به الهجاء. وقال أبو العالية ومجاهد: سنسمه على أنفه ونسوّد وجهه فنجعل له علامة في الآخرة يعرف سواد وجهه، الضحاك والكسائي: يشكونه على وجهه. وقال حريز بن محمد بن جرير: سنبين أمره بياناً واضحاً حتى يعرفوه ما يخفى عليهم كما لا تخفى السمة على الخراطيم. قال الفرّاء: وإن كان الخرطوم قد خص بالسمة فإنّه في مذهب الوجه. لأنّ بعض الشيء يعبّر به عن كله، وقد مرّ هذا الباب. قال النضر بن شميل: معناه سنحدّه على شربه الخمر، والخرطوم: الخمر وجمعه خراطيم. وقال الشاعر: شعر : تظل يومك في لهو وفي طرب وأنت بالليل شرّاب الخراطيم تفسير : قوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} يعني اختبرنا وامتحنّا أهل مكّة بالقحط والجوع. {كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ}. أخبرنا أبو عمرو الفرابي أخبرنا أبو موسى أخبرنا الحريري حدّثنا فارس بن عمر حدّثنا صالح بن محمد حدّثنا محمد بن مزوان عن الكليني عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} قال: بستان باليمن يقال لها القيروان دون صنعاء بفرسخين، يطأه أهل الطريق، وكان غرسه قوم من أهل الصلاة، وكانت لرجل فمات فورثه بنين له، فكان يكون للمساكين إذا صرموا نخلهم كل شيء تعداه المنجل فلم تجدّه، فإذا طرح من فوق المنجل أملى البساط، فكل شيء يسقط على البساط فهو أيضاً للمساكين، فإذا حصدوا زروعهم فكل شيء تعدّاه المنجل فهو للمساكين، وإذا داسوا كان لهم كل شيء ينثر، فلما مات الأب ورثها هؤلاء الأخوة عن أبيهم، فقالوا: والله إنّ المال لقليل وإنّ العيال لكثير إنّما كان يفعل هذا الأمر إذا كان كثيراً والعيال قليلا، فأمّا إذا قلّ المال وكثر العيال فإنّا لا نستطيع أن نفعل هذا، فتحالفوا بينهم يوماً ليعدون عدوة قيل خروج الناس فليصرمن نخلهم ولم يستثنوا لم يقولوا إن شاء الله فغدا القوم بسدف من الليل إلى جنّتهم ليصرموها فرأوها مسودّة، وقد طاف عليها من الليل طائف من عذاب أصابها فأحرقها فأصبحت كالصريم فذلك قوله تعالى: {إِذْ أَقْسَمُواْ} حلفوا، {لَيَصْرِمُنَّهَا} لتجدّيها ولتقطيع ثمرها، {مُصْبِحِينَ} إذ أصبحوا قبل أن يعلم المساكين، {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} لا يقولون إن شاء الله، {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ} عذاب {مِّن رَّبِّكَ} ولا يكون الطائف إلاّ بالليل، وكان ذلك الطائف ناراً أنزلت من السماء فأحرقتها. {وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} كالليل المظلم الأسود، قال الشاعر: شعر : تطاول ليلك الجون البهيم فما ينجاب عن صبح صريم تفسير : وقال الحسن: صرم عنها الخير فليس فيها شيء، ابن كيسان: كالجرة السوداء، ابن زيد: كالأرض المصرومة، الأخفش: كالصبح انصرم من الليل، وقال المروّج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، وأصل الصريم: المصروم، وكلّ شيء قطع من شيء فهو صريم، فالليل صريم والصبح صريم، لأنّ كلّ واحد منهما ينصرم عن صاحبه. قال ابن عباس: كالرماد الأسود بلغة حذيم. {فَتَنَادَوْاْ} نادى بعضهم بعضاً {مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَٱنطَلَقُواْ} فمضوا إليها {وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} يتشاورون يقول بعضهم لبعض: {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ * وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ}. قال ابن عباس: على قدرة قادرين في أنفسهم. وقال أبو العالية والحسن: على جد وجهد. وللنخعي والقرطبي ومجاهد وعكرمة: على أمر مجتمع قد أسّسوه بينهم. وروى معمر عن الحسن قال: على فاقة، وقيل: على قوّة، وقال السدي: الحرد: اسم الجنّة. وقال سفيان: على حنق وغضب، ومنه قول الأشهب بن رملة: شعر : أسود شرى لاقت أسود خفية تساقوا على حرد دماء الأساود تفسير : وفيه لغتان حرّد وحَرَد، مثل الدرّك والدرك، وقال أبو عبيدة والقتيبي: على منع والحرد، والمحاردة: المنع، تقول العرب: حاردت السنة، إذا لم يكن فيها مطر، وحاردت الناقة إذا لم يكن لها لبن. قال الشاعر: شعر : فإذا ما حاردت أو بكأت فت عن حاجب أخرى طينها تفسير : وقيل: على قصد، قال الراجز: شعر : وجاء سيل كان من أمر الله يحرد حرد الجنّة المغلة تفسير : وقال آخر: شعر : إمّا إذا حردت حردي فمجرية ضبطاء تسكن غيلا غير مقروب تفسير : {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ} لمخطئوا الطريق فليس هذه بجنتنا. فقال بعضهم: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} حرمنا خيرها ونفعها لمنعنا المساكين وتركنا الإستثناء {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} أعدلهم وأعقلهم وأفضلهم، {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ } هلاّ تستثنون، قال أبو صالح: إستثناءهم: سبحان الله. وقيل: هلا تسبحون الله وتقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقيل: هلاّ تستغفرونه من فعلكم. {قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ} ننزهه على أن يكون ظالماً، وأقرّوا على أنفسهم بالظلم فقالوا: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ * قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} في منعنا حقّ الفقراء وتركنا الاسثناء، وقال ابن كيسان: طغينا نعم الله فلم نشكرها. {عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ}، قرأ الحسن وعاصم والأخفش وابن محيص بالتخفيف، وغيرهم بالتشديد، وهما لغتان وفرق قوم بينهما، فقال: التبديل تغيير الشيء أو تغيير حاله وعين الشيء قائم، والابدال رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه. قال عبد الله بن مسعود: بلغني أنّ القوم أخلصوا وعرف الله تعالى منهم الصدق، فأبدلهم بها جنّة يقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً. وقال بكر بن سهل الدمياطي: حدّثني أبو خالد اليمامي أنه رأى تلك الجنّة، وقال: رأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم. {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ} أي كفعلنا بهم نفعل بمن تعدّى حدودنا وخالف أمرنا. { وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ} نزل من عند الله سبحانه وتعالى. {فِيهِ تَدْرُسُونَ} تقرؤون ما فيه. {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ} في ذلك الكتاب {لَمَا تَخَيَّرُونَ} تختارون وتشتهون {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ} عهود ومواثيق {عَلَيْنَا بَالِغَةٌ} كما عهدناكم علمه ووعدناكم فاستوثقتم بها منا، فلا ينقطع عهدكم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ} كسر {أَن} لدخول اللام فيه في ذلك العهد. {لَمَا تَحْكُمُونَ} تقضون وتريدون فيكون لكم حكمكم. {سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ} الذي ذكرت {زَعِيمٌ} كفيل، والزعيم: الرسول هاهنا قاله الحسن وابن كيسان قائم بالحجة والدعوى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ} أرباب تفعل هذا. وقيل: شهداء يشهدون لهم بصدق ما يدّعونه. {فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} أي خَبَّرنَاهم {كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} وهي بستانٌ باليمن بِقَريةٍ يُقالُ لَها ضَروانُ، بينها وبينَ صَنعاء ستةُ أميالٍ. ويقالُ: عَشرَ ميلاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : إلى آخر القصة يقول تعال: إنا بلونا هؤلاء المكذبين بالخير وأمهلناهم، وأمددناهم بما شئنا من مال وولد، وطول عمر، ونحو ذلك، مما يوافق أهواءهم، لا لكرامتهم علينا، بل ربما يكون استدراجًا لهم من حيث لا يشعرون فاغترارهم بذلك نظير اغترار أصحاب الجنة، الذين هم فيها شركاء، حين زهت ثمارها أينعت أشجارها، وآن وقت صرامها، وجزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرهم، [وأنه] ليس ثم مانع يمنعهم منها، ولهذا أقسموا وحلفوا من غير استثناء، أنهم سيصرمونها أي: يجذونها مصبحين، ولم يدروا أن الله بالمرصاد، وأن العذاب سيخلفهم عليها، ويبادرهم إليها. { فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ } أي: عذاب نزل عليها ليلا { وَهُمْ نَائِمُونَ } فأبادها وأتلفها { فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ } أي: كالليل المظلم، ذهبت الأشجار والثمار، هذا وهم لا يشعرون بهذا الواقع الملم، ولهذا تنادوا فيما بينهم، لما أصبحوا يقول بعضهم لبعض: { أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا } قاصدين له { وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ } فيما بينهم، ولكن بمنع حق الله، ويقولون: { لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ } أي: بكروا قبل انتشار الناس، وتواصوا مع ذلك، بمنع الفقراء والمساكين، ومن شدة حرصهم وبخلهم، أنهم يتخافتون بهذا الكلام مخافتة، خوفًا أن يسمعهم أحد، فيخبر الفقراء. { وَغَدَوْا } في هذه الحالة الشنيعة، والقسوة، وعدم الرحمة { عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ } أي: على إمساك ومنع لحق الله، جازمين بقدرتهم عليها. { فَلَمَّا رَأَوْهَا } على الوصف الذي ذكر الله كالصريم { قَالُوا } من الحيرة والانزعاج. { إِنَّا لَضَالُّونَ } [أي: تائهون] عنها، لعلها غيرها، فلما تحققوها، ورجعت إليهم عقولهم قالوا: { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } منها، فعرفوا حينئذ أنه عقوبة، فـ { قَالَ أَوْسَطُهُمْ } أي: أعدلهم، وأحسنهم طريقة { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ } أي: تنزهون الله عما لا يليق به، ومن ذلك، ظنكم أن قدرتكم مستقلة، فلولا استثنيتم فقلتم: { إِنْ شَاءَ اللَّهُ } وجعلتم مشيئتكم تابعة لمشيئتة الله، لما جرى عليكم ما جرى، فقالوا { سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } أي: استدركوا بعد ذلك، ولكن بعد ما وقع العذاب على جنتهم، الذي لا يرفع، ولكن لعل تسبيحهم هذا، وإقرارهم على أنفسهم بالظلم، ينفعهم في تخفيف الإثم ويكون توبة، ولهذا ندموا ندامة عظيمة. { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ } فيما أجروه وفعلوه، { قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ } أي: متجاوزين للحد في حق الله، وحق عباده. { عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ } فهم رجوا الله أن يبدلهم خيرًا منها، ووعدوا أنهم سيرغبون إلى الله، ويلحون عليه في الدنيا، فإن كانوا كما قالوا، فالظاهر أن الله أبدلهم في الدنيا خيرًا منها لأن من دعا الله صادقًا، ورغب إليه ورجاه، أعطاه سؤله. قال تعالى مبينا ما وقع: { كَذَلِكَ الْعَذَابُ } [أي:] الدنيوي لمن أتى بأسباب العذاب أن يسلب الله العبد الشيء الذي طغى به وبغى، وآثر الحياة الدنيا، وأن يزيله عنه، أحوج ما يكون إليه. { وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ } من عذاب الدنيا { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فإن من علم ذلك، أوجب له الانزجار عن كل سبب يوجب العذاب ويحل العقاب.
همام الصنعاني
تفسير : 3285- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}: [الآية: 17]، قال: كانت الجنة لِشيخٍ، وكان يتصدق، وكَانَ بنوه ينهونه عن الصدقة، وكان يَمْسِكُ قُوتَ سنة، ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عَلَيْهَا فقالوا: {لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ} [الآية: 24]، قال: {وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ}: [الآية: 25]، يقُولُ عَلَى جُهُدٍ مِنْ أمْرِهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):