٦٨ - ٱلْقَلَم
68 - Al-Qalam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
الرازي
تفسير : {عِندَ رَبّهِمْ } أي في الآخرة {جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } أي جنات ليس لهم فيه إلا التنعم الخالص لا يشوبه ما ينغصه، كما يشوب جنات الدنيا، قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضلنا عليكم في الدنيا، فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل، فلا أقل من المساواة. ثم إن الله تعالى أجاب عن هذا الكلام بقوله:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} تقدم القول فيه؛ أي إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغّصه كما يشوب جنات الدنيا. وكان صناديد قريش يرون وفور حظّهم من الدنيا وقلّة حظوظ المسلمين منها؛ فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المؤمنين قالوا: إن صَحَّ أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا. فقال: {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} أي كالكفار. وقال ٱبن عباس وغيره: قالت كفار مكة: إنا نُعطَى في الآخرة خيراً مما تُعْطَوْن؛ فنزلت {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} ثم وبخهم فقال: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} هذا الحكم الأعوج؛ كأن أمر الجزاء مفوّض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم أن لكم من الخير ما للمسلمين. {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} أي ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصي. {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} تختارون وتشتهون. والمعنى: أَنّ لكم (بالفتح) ولكنه كسر لدخول اللام؛ تقول علمت أنك عاقل (بالفتح)، وعلمت إنك لعاقل (بالكسر). فالعامل في {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} {تَدْرُسُونَ } في المعنى. ومنعت اللام من فتح «إن». وقيل: تم الكلام عند قوله: {تَدْرُسُونَ } ثم ابتدأ فقال: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} أي إن لكم في هذا الكتاب إذاً ما تخيرون؛ أي ليس لكم ذلك. والكناية في «فيه» الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. ثم زاد في التوبيخ فقال: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ} أي عهود ومواثيق. {عَلَيْنَا بَالِغَةٌ} مؤكدة. والبالغة المؤكّدة بالله تعالى. أي أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} كُسرت «إن» لدخول اللام في الخبر. وهي من صلة «أيمان»، والموضع النصب ولكن كسرت لأجل اللام؛ تقول: حلفت إن لك لكذا. وقيل: تم الكلام عند قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} ثم قال: {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} إذاً؛ أي ليس الأمر كذلك. وقرأ ٱبن هُرْمُز «أَيْنَ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تخّيرون» «أين لكم لَمَا تحكمون»؛ بالاستفهام فيهما جميعاً. وقرأ الحسن البصري «بالغةً» بالنصب على الحال؛ إما من الضمير في «لكم» لأنه خبر عن «أيمان» ففيه ضمير منه. وإما من الضمير في «عَلَيْنَا» إن قدّرت «علينا» وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمان؛ لأن فيه ضميراً منه، كما يكون إذا كان خبراً عنه. ويجوز أن يكون حالاً من «أيمان» وإن كانت نكرة، كما أجازوا نصب «حَقًّا» على الحال من «متاع» في قوله تعالى: {أية : مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : .[البقرة:241] وقرأ العامة «بالغةٌ» بالرفع نعت لـ «ـأيمان».
ابن كثير
تفسير : لما ذكر الله تعالى حال أهل الجنة الدنيوية، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله عز وجل، وخالفوا أمره، بيّن أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفرغ، ولا ينقضي نعيمها. ثم قال تعالى: { أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ}؟ أي: أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا ورب الأرض والسماء، ولهذا قال: {مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }؟ أي: كيف تظنون ذلك؟ ثم قال تعالى: { أَمْ لَكُمْ كِتَـٰبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ } يقول تعالى: أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه، وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف، متضمن حكماً مؤكداً كما تدعونه؟ { إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ عَلَيْنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ } أي: أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة؟ {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} أي: إنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون { سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ} أي: قل لهم: من هو المتضمن المتكفل بهذا؟ قال ابن عباس: يقول: أيهم بذلك كفيل؟ {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ}؟ أي: من الأصنام والأنداد، {فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَـٰدِقِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ }.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر حال الكفار، وتشبيه ابتلائهم بابتلاء أصحاب الجنة المذكورة، ذكر حال المتقين وما أعدّه لهم من الخير، فقال: {إِنَّ لّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } أي: المتقين ما يوجب سخطه من الكفر والمعاصي عنده عزّ وجلّ في الدار الآخرة جنات النعيم الخالص الذي لا يشوبه كدر، ولا ينغصه خوف زوال {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ } الاستفهام للإنكار، وكان صناديد كفار قريش يرون وفور حظهم في الدنيا وقلة حظوظ المسلمين فيها، فلما سمعوا بذكر الآخرة، وما يعطي الله المسلمين فيها قالوا: إن صح ما يزعمه محمد لم يكن حالنا وحالهم إلاّ مثل ما هي في الدنيا، فقال الله مكذباً لهم رادّاً عليهم: {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } الآية، والفاء للعطف على مقدر كنظائره. ثم وبخهم الله، فقال: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوّض إليكم تحكمون فيه بما شئتم {أَمْ لَكُمْ كِتَـٰبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ } أي: تقرءون فيه، فتجدون المطيع كالعاصي، ومثل هذا قوله تعالى: {أية : أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌ مُّبِينٌ * فَأْتُواْ بِكِتَـٰبِكُمْ } تفسير : [الصافات: 56 ـ 57] ثم قال سبحانه: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ } قرأ الجمهور بكسر إن على أنها معمولة لتدرسون أي: تدرسون في الكتاب {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ } فلما دخلت اللام كسرت الهمزة كقوله: علمت إنك لعاقل بالكسر، أو على الحكاية للمدروس، كما في قوله: {أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلأَخِرِينَ * سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الصافات: 78، 79]. وقيل: قد تمّ الكلام عند قوله: {تَدْرُسُونَ } ثم ابتدأ فقال: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ } أي: ليس لكم ذلك، وقرأ طلحة بن مصرف، والضحاك "أن لكم" بفتح الهمزة على أن العامل فيه تدرسون مع زيادة لام التأكيد، ومعنى {تَخَيَّرُونَ }: تختارون وتشتهون. ثم زاد سبحانه في التوبيخ فقال: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ عَلَيْنَا بَـٰلِغَةٌ } أي: عهود مؤكدة موثقة متناهية، والمعنى أم لكم أيمان على الله استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة، وقوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } متعلق بالمقدر في لكم أي: ثابتة لكم إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها حتى يحكمكم يومئذٍ، وجواب القسم قوله: {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ } لأن معنى: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ } أي: أم أقسمنا لكم. قال الرازي: والمعنى أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد. وقيل: قد تمّ الكلام عند قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ثم ابتدأ، فقال: {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ } أي: ليس الأمر كذلك. قرأ الجمهور: {بالغة} بالرفع على النعت لأيمان، وقرأ الحسن، وزيد بن عليّ بنصبها على الحال من أيمان؛ لأنها قد تخصصت بالوصف، أو من الضمير في لكم؛ أو من الضمير في علينا {سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذٰلِكَ زَعِيمٌ } أي: سل يا محمد الكفار موبخاً لهم ومقرّعاً، أيهم بذلك الحكم الخارج عن الصواب كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها. وقال ابن كيسان: الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم الرسول. {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء } يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم فيه {فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُواْ صَـٰدِقِينَ } فيما يقولون، وهو أمر تعجيز، وجواب الشرط محذوف، وقيل: المعنى أم لهم شركاء يجعلونهم مثل المسلمين في الآخرة. {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } يوم ظرف لقوله: {فَلْيَأْتُواْ } أي: فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق، ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل مقدّر أي: اذكر يوم يكشف. قال الواحدي: قال المفسرون في قوله: {عَن سَاقٍ } عن شدّة من الأمر. قال ابن قتيبة: أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجدّ فيه شمر عن ساقه، فيستعار الكشف عن الساق في موضع الشدّة، وأنشد لدريد بن الصمة:شعر : كميش الإزار خارج نصف ساقه صبور على الجلاء طلاع أنجد تفسير : وقال: وتأويل الآية يوم يشتدّ الأمر كما يشتدّ ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق. قال أبو عبيدة: إذا اشتدّ الحرب، والأمر قيل: كشف الأمر عن ساقه، والأصل فيه من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجدّ شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عن موضع الشدّة، وهكذا قال غيره من أهل اللغة، وقد استعملت ذلك العرب في أشعارها، ومن ذلك قول الشاعر:شعر : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا تفسير : وقول آخر: شعر : والخيل تعدو عند وقت الإشراق وقامت الحرب بنا على ساق تفسير : وقول آخر أيضاً:شعر : قد كشفت عن ساقها فشدّوا وجدّت الحرب بكم فجدّوا تفسير : وقول آخر أيضاً في سنة:شعر : قد كشفت عن ساقها حمرا ء تبرى اللحم عن عراقها تفسير : وقيل: ساق الشيء: أصله وقوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان أي: يوم يكشف عن ساق الأمر فتظهر حقائقه، وقيل: يكشف عن ساق جهنم، وقيل: عن ساق العرش، وقيل: عبارة عن القرب، وقيل: يكشف الربّ سبحانه عن نوره، وسيأتي في آخر البحث ما هو الحق، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. قرأ الجمهور: {يكشف} بالتحية مبنياً للمفعول، وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة "تكشف" بالفوقية مبنياً للفاعل أي: الشدّة أو الساعة، وقرىء بالفوقية مبنياً للمفعول، وقرىء بالنون، وقرىء بالفوقية المضمومة وكسر الشين من أكشف الأمر أي: دخل في الكشف {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } قال الواحدي: قال المفسرون: يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة، ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون؛ لأن أصلابهم تيبست فلا تلين للسجود. قال الربيع بن أنس: يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا، فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون؛ لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا، وانتصاب {خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ } على الحال من ضمير يدعون، وأبصارهم مرتفع به على الفاعلية، ونسبة الخشوع إلى الأبصار، وهو الخضوع والذلة لظهور أثره فيها {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } أي: تغشاهم ذلة شديدة وحسرة وندامة {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ } أي في الدنيا {وَهُمْ سَـٰلِمُونَ } أي معافون عن العلل متمكنون من الفعل. قال إبراهيم التيمي: يدعون بالأذان والإقامة فيأبون. وقال سعيد بن جبير: يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون. قال كعب الأحبار: والله ما نزلت هده الآية إلاّ في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: يدعون بالتكليف المتوجه عليهم بالشرع فلا يجيبون، وجملة: {وَهُمْ سَـٰلِمُونَ } في محل نصب على الحال من ضمير يدعون. {فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ } أي: خل بيني وبينه، وكل أمره إليّ فأنا أكفيكه. قال الزجاج: معناه لا يشتغل به قلبك، كله إليّ فأنا أكفيك أمره. والفاء لترتيب ما بعدها من الأمر على ما قبلها، و«من» منصوب بالعطف على ضمير المتكلم، أو على أنه مفعول معه، والمراد بهذا الحديث القرآن، قاله السديّ. وقيل: يوم القيامة، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملة {سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } مستأنفة لبيان كيفية التعذيب لهم المستفاد من قوله: {ذَرْنِى وَمَنْ يُكَذّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ }، والضمير عائد إلى من باعتبار معناها، والمعنى: سنأخذهم بالعذاب على غفلة، ونسوقهم إليه درجة فدرجة حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج؛ لأنهم يظنونه إنعاماً، ولا يفكرون في عاقبته وما سيلقون في نهايته. قال سفيان الثوري: يسبغ عليهم النعم وينسيهم الشكر. وقال الحسن: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه. والاستدراج ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال إلى حال، ويقال: استدرج فلان فلاناً أي: استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال: درّجه إلى كذا واستدرجه يعني: أدناه إلى التدريج، فتدرج هو. ثم ذكر سبحانه أنه يمهل الظالمين، فقال: {وَأُمْلِى لَهُمْ } أي: أمهلهم ليزدادوا إثماً، وقد مضى تفسير هذا في سورة الأعراف والطور، وأصل الملاوة المدّة من الدهر، يقال: أملى الله له أي: أطال له المدّة، والملا: مقصور الأرض الواسعة، سميت به، لامتدادها {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } أي: قويّ شديد، فلا يفوتني شيء، وسمى سبحانه إحسانه كيداً، كما سماه استدراجاً لكونه في صورة الكيد باعتبار عاقبته، ووصفه بالمتانة لقوّة أثره في التسبب للهلاك {أَمْ تَسْـئَلُهُمْ أَجْراً } أعاد سبحانه الكلام إلى ما تقدّم من قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء } أي أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله {فَهُم مّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } المغرم: الغرامة أي: فهم من غرامة ذلك الأجر، ومثقلون أي: يثقل عليهم حمله لشحهم ببذل المال، فأعرضوا عن إجابتك بهذا السبب، والاستفهام للتوبيخ والتقريع لهم، والمعنى: أنك لم تسألهم ذلك ولم تطلبه منهم {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ } أي: اللوح المحفوظ، أو كلّ ما غاب عنهم، فهم من ذلك الغيب يكتبون ما يريدون من الحجج التي يزعمون أنها تدلّ على قولهم، ويخاصمونك بما يكتبونه من ذلك، ويحكمون لأنفسهم بما يريدون، ويستغنون بذلك عن الإجابة لك والامتثال لما تقوله. {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ } أي: لقضائه الذي قد قضاه في سابق علمه، قيل: والحكم هنا هو إمهالهم وتأخير نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، وقيل: هو ما حكم به عليه من تبليغ الرسالة، قيل: وهذا منسوخ بآية السيف {وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلْحُوتِ } يعني: يونس عليه السلام، أي: لا تكن مثله في الغضب والضجر والعجلة، والظرف في قوله: {إِذْ نَادَىٰ } منصوب بمضاف محذوف أي: لا تكن حالك كحاله وقت ندائه، وجملة {وَهُوَ مَكْظُومٌ } في محل نصب على الحال من فاعل نادى، والمكظوم: المملوء غيظاً وكرباً. قال قتادة: إن الله يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم، ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت، وقد تقدّم بيان قصته في سورة الأنبياء ويونس والصافات، وكان النداء منه بقوله: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 87] وقيل: إن المكظوم: المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس. قاله المبرّد، وقيل: هو المحبوس، والأوّل أولى، ومنه قول ذى الرّمة:شعر : وأنت من حبّ ميّ مضمر حزنا عانى الفؤاد قريح القلب مكظوم تفسير : {لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مّن رَّبّهِ } أي لولا أن تدارك صاحب الحوت نعمة من الله، وهي توفيقه للتوبة، فتاب الله عليه {لَنُبِذَ بِٱلْعَرَاء } أي: لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات {وَهُوَ مَذْمُومٌ } أي: يذمّ ويلام بالذنب الذي أذنبه، ويطرد من الرحمة، والجملة في محل نصب على الحال من ضمير نبذ. قال الضحاك: النعمة هنا النبوّة. وقال سعيد بن جبير: عبادته التي سلفت. وقال ابن زيد: هي نداؤه بقوله: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [الأنبياء: 87] وقيل: مذموم مبعد. وقيل: مذنب. قرأ الجمهور: {تداركه} على صيغة الماضي، وقرأ الحسن، وابن هرمز، والأعمش بتشديد الدال، والأصل: تتداركه بتاءين مضارعاً فأدغم، وتكون هذه القراءة على حكاية الحال الماضية، وقرأ أبيّ، وابن مسعود، وابن عباس "تداركته" بتاء التأنيث. {فَٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُ } أي: استخلصه واصطفاه، واختاره للنبوّة {فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي: الكاملين في الصلاح، وعصمه من الذنب. وقيل: ردّ إليه النبوّة وشفعه في نفسه وفي قومه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، كما تقدّم. {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ } «إن» هي المخففة من الثقيلة. قرأ الجمهور: {ليزلقونك} بضم الياء من أزلقه أي: أزلّ رجله، يقال: أزلقه عن موضعه إذا نحاه، وقرأ نافع، وأهل المدينة بفتحها من زلق عن موضعه: إذا تنحى. قال الهروي: أي: فيغتالونك بعيونهم، فيزلقونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك، وقرأ ابن عباس، وابن مسعود، والأعمش، ومجاهد، وأبو وائل "ليرهقونك" أي: يهلكونك. وقال الكلبي: {يزلقونك} أي: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة، وكذا قال السديّ، وسعيد بن جبير. وقال النضر بن شميل، والأخفش: يفتنونك. وقال الحسن، وابن كيسان: ليقتلونك. قال الزجاج: في الآية مذهب أهل اللغة، والتأويل أنهم من شدّة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك، وهذا مستعمل في الكلام، يقول القائل: نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني، ونظراً يكاد يأكلني. قال ابن قتيبة: ليس يريد الله أنهم يصيبونك بأعينهم، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظراً شديداً بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك، كما قال الشاعر:شعر : يتعارضون إذا التقوا في مجلس نظراً يزيل مواطىء الأقدام تفسير : {لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِكْرَ } أي وقت سماعهم للقرآن، لكراهتهم لذلك أشدّ كراهة، ولما ظرفية منصوبة بيزلقونك، وقيل: هي حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه أي: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ مَّجْنُونٍ } أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن، فردّ الله عليهم بقوله: {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ } والجملة مستأنفة، أو في محل نصب على الحال من فاعل يقولون: أي: والحال أنه تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون إليه، أو شرف لهم، كما قال سبحانه: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44]. وقيل: الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه مذكر للعالمين، أو شرف لهم. وقد أخرج البخاري، وغيره عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً»تفسير : وهذا الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما، وله ألفاظ في بعضها طول، وهو حديث مشهور معروف. وأخرج ابن منده عن أبي هريرة في الآية قال: يكشف الله عزّ وجلّ عن ساقه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن منده عن ابن مسعود في الآية قال: يكشف عن ساقه تبارك وتعالى. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء، والصفات، وضعفه، وابن عساكر عن أبي موسى عن النبيّ في الآية قال: «حديث : عن نور عظيم، فيخرّون له سجداً»تفسير : وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن منده، والبيهقي عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس في الآية قال: يكشف عن أمر عظيم، ثم قال: قد قامت الحرب على ساق. قال: وقال ابن مسعود: يكشف عن ساقه فيسجد كلّ مؤمن، ويقسو ظهر الكافر فيصير عظماً واحداً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } قال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر:شعر : وقامت الحرب بنا على ساق تفسير : قال ابن عباس: هذا يوم كرب شديد. روي عنه نحو هذا من طرق أخرى، وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله، كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً، فليس كمثله شيء.شعر : دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَـٰلِمُونَ } قال: هم الكفار يدعون في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وأخرج البيهقي في الشعب عنه في الآية قال: الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ } قال: ينفذونك بأبصارهم.
الماوردي
تفسير : {أم لكم أيْمانٌ علينا بالغةٌ} والبالغة المؤكدة باللَه. {إنّ لكم لما تحْكُمُون} فيه وجهان: أحدهما: أم لكم أيمان عيلنا بالغة أننا لا نعذبكم في الدنيا إلى يوم القيامة. {سَلْهم أيُّهم بذلك زعيمٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن الزعيم الكفيل، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الرسول، قاله الحسن. ويحتمل ثالثاً: أنه القيم بالأمر لتقدمه ورئاسته.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ}، أي: جناتٌ ليس فيها إلا النعيمُ الخالصُ لا يشوبه ما ينغصُه كما يشوب جناتِ الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفَّارُ مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضَّلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يُفضِّلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيلُ، فلا أقل من المساواةِ. فأجاب الله عن هذا الكلام بقوله: {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ}، أي: إن التسوية بين المُطيع والعاصي غيرُ جائزة ثم وبَّخهُمْ فقال: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاءِ مفوضٌ إليكم حتى تحكموا فيه. قوله: "عِندَ ربِّهِمْ". يجوز أن يكون منصوباً بالاستقرار، وأن يكون حالاً من "جنَّاتِ". فصل في رد كلام القاضي قال القاضي: في الآية دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي، والفاسق لما كان مجرماً، وجب أن لا يكون مسلماً. وأجيب بأنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلاً للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما متماثلان في الجوهرية، والجسمية، والحدوث، والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد: إنكارُ استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثارِ هذين الأمرينِ، فالمراد: أن يكون إنكار أثر الإسلام مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع فيه كونه مسلماً ومجرماً؟. فصل في رد كلام الجبائي قال الجبائيُّ: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتةَ في الجنةِ؛ لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم، إذا كان المجرمُ أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعته غير محبطةٍ. والجوابُ: هذا ضعيفٌ، لأنا بينا التسوية في درجة الثوابِ، ولعلهما لا يستويان فيه بل يكون ثواب المسلمِ الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة، لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرفِ. قوله: {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ}. أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصِي. وهذا كقوله {أية : أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ}تفسير : [الصافات: 156 - 157]. قوله: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ}. العامة على كسر الهمزة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معمولة لـ"تَدْرُسُونَ"، أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تحتاجونه، فلما دخلت اللامُ كسرت الهمزة، كقولك: علمت أنك عاقل - بالفتح - وعلمت إنك لعاقل - بالكسر -. والثاني: أن تكون على الحكايةِ للمدروسِ كما هو، كقوله: {أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الصافات: 78، 79]، قالهما الزمخشري. وفي الفرق بين الوجهين عسرٌ، قال: "وتخير الشيء واختاره، أخذ خيره، كتنخله وانتخله، أخذ منخوله". الثالث: أنها على الاستئناف على معنى "إن كَان لَكُمْ كتابٌ فلكُمْ متخير". قال القرطبي: تم الكلام عند قوله "تَدْرسُونَ" ثم ابتدأ فقال: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لمَا تَخَيَّرُونَ} أي: إن لكم في هذا الكتاب إذن ما تخيرون، أي: ليس لكم ذلك، والكناية في "فِيْهِ" الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. وقرأ طلحة والضحاك: "أنَّ لَكُمْ" بفتح الهمزة. وهو منصوب بـ"تَدْرسُونَ" إلا أن فيه زيادة لام التأكيد، وهي نظير قراءة {أية : إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ}تفسير : [الفرقان: 20] بالفتح. وقرأ الأعرج وابن هرمز: "أإنَّ لَكُمْ" في الموضعين، يعني "أإنَّ لكُمْ فيْهِ لمَا تخيَّرُونَ" "أإنَّ لَكُمْ لمَا تَحْكُمونَ" بالاستفهام فيهما جميعاً. ثم إنه تعالى زاد في التوبيخ فقال: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ}، أي: عهود ومواثيق {عَلَيْنَا بَالِغَةٌ} مؤكدة والبالغة المؤكدة بالله تعالى، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. قال ابن الخطيب: والمعنى: أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلطة متناهية في التوكيد. قوله: "بَالِغَةٌ". العامة على رفعها نعتاً لـ"أيْمَانٌ" و{إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} متعلق بما تعلق به "لَكُمْ" زمن الاستقرار أي كائنة لكم إلى يوم، أو "ببالغة"، أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وقرأ زيد بن علي والحسن: بنصبها. فقيل: على الحال من "أيْمَانٌ" لأنها تخصصت بالعمل، أو بالوصف. وقال القرطبيُّ: "على الحال من الضمير في "لَكُمْ" لأنه خبر عن "أيمانٌ" ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في "عليْنَا" إن قدرت "علينا" وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمانِ؛ لأن فيه ضميراً منه كما يكون إذا كان خبراً عنه. وقيل: من الضمير في "علينا إن قدرت علينا" وصفاً للأيمان". وقوله: {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ}. أي: لأنفسكم من الخير والكرامة. قوله: {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ}، جواب القسم في قوله: "أيْمانٌ" لأنها بمعنى أقسام. قوله: {سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ}. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين عليَّ: أيهم كفيل بما تقدم ذكره، والزعيم: الكفيل والضمين، قاله ابن عباس وقتادة، لقوله تعالى: {أية : وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ}تفسير : [يوسف: 72]. وقال ابنُ كَيْسَان: الزعيم هنا: القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم: الرسول. قوله: "أَيُّهم" متعلق بـ"سَلْهُمْ" و"بذلك" متعلق بـ"زعيمٌ"، أي: ضمين وكفيل وقد تقدم أن "سَألَ" تعلق لكونه سبباً في العلم، وأصله أن يتعدى بـ"عَنْ"، أو الباء كقوله: {أية : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}تفسير : [الفرقان: 59]، وقوله: [الطويل] شعر : 4830 - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّساءِ... ............................. تفسير : والجملة في موضع نصب بعد إسقاط الخافض كما تقدم تقريره. قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ}. هذه قراءة العامة. وقرأ عبد الله: {أم لهم شرك فليأتوا بشركهم} بلفظ المصدرِ. قال القرطبيُّ: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ}، أي: ألهم، والميم صلة، ومعنى: شركاءُ، أي: شهداء {فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ} يشهدون على ما زعموا {إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} في دعواهم. وقيل: فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر تعجيز. وقال ابن الخطيب: "في تفسيره وجهان: الأول: أن المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء لله ويعتقدون أن أولئك شركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب، والخلاص من العقابِ، وإنما إضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوها شركاء للَّهِ، كقوله: {أية : هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ}تفسير : [الروم: 40]. الثاني: أم لهم أناسٌ يشاركونهم في هذا المذهب، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين فليأتوا بهم إن كانوا صادقينَ في دعواهم، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي، ولا دليل من كتاب يدرسونه، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القولِ، فدل ذلك على بطلانه".
السلمي
تفسير : قال جعفر: من اتقى الذنوب كان مأواه الجنة ومن اتقى الله كشف عنه الغطاء والحجب حتى يشاهد الحق فى جميع الأحوال.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ}. الذين يتقون الشِّرْكَ والكُفْر، ثم المعاصيَ والفِسْقَ، لهم عند الله الثوابُ والأجْر. قوله جلّ ذكره: {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ}. كيف تحكمون؟ هل لديكم حجة؟ {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ}؟ أم لكم منا عهود فيها تحكمون؟ والمقصود من هذه الأسئلة نفي ذلك.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان للمتقين} اى من الكفر والمعاصى {عند ربهم} اى فى الآخرة وذكر عند للتشريف والتكريم وذلك لانه لا ملك فيها حقيقة وصورة الا لله فكأنها حاضرة عنده تعالى يتصرف فيها كيف يشاء والافمحال كون عندية الجنة بالنسبة الى الله تعالى مكانية وهى ظرف معمول للاستقرار الذى تعلق به للمتقين ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف منصوب على الحالية من المنوى فى قوله للمتقين ولا يجوز ان يكون حالا من جنات لعدم العامل والاظهر ان معنى عند ربهم فى جوار القدس فالمراد عندية المكانة المنزهة عن الجهة والتحيز لا عندية المكان كما فى قوله تعالى {أية : عند مليك مقتدر}تفسير : اذ للمقربين قرب معنوى من الله تعالى قال الراغب عند لفظ موضوع للقرب فتارة يستعمل فى المكان وتارة يستعمل فى الاعتقاد نحو عندى كذا وتارة فى الزلفى والمنزلة كقوله تعالى {أية : بل احياء عند ربهم}تفسير : وعلى ذلك قيل الملائكة المقربون {جنات النعيم} جنات ليس فيها الا التنعم الخالص عن شائبة ما ينغصه من الكدورات وخوف الزوال كما عليه نعيم الدنيا واستفيد الحصر من الاضافة اللامية الاختصاصية فانها تفيد اختصاص المضاف اليه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ للمتقين عند ربهم} في الآخرة، أو: في جوار القدس {جناتِ النعيم} أي: جنات ليس فيها إلاَّ التنعُّم الخالص عن شائبة ما ينقصه من المكدّرات، وخوف الزوال، بخلاف جنات الدنيا ونعيمها، وقال بعضهم: لهم جنات النعيم، مِن صفتها: أنَّ العبد فيها مُقيم، والنبي فيها نديم، والمضيف فيها الكريم، والثواب فيها عظيم، والعطاء فيها جسيم، والحزن فيها عديم. هـ. {أفنجعلُ المسلمين كالمجرمين}، تقرير لِما قبله من فوز المتقين بجنات النعيم، ورَدٌّ لما يقوله الكفرة عند سماعهم لحديث الآخرة، وما أعدّ للمسلمين، فإنهم كانوا يقولون: إن صحّ أنَّا نُبعث كما يزعم محمد ومَن معه، لم يكن حالنا وحالهم إلاَّ مثل ما هي في الدنيا، لم يزيدوا علينا، ولم يفضلونا، فرَدّ الله عليهم. والهمزة للإنكار، والعطف على مُقدّر يقتضيه المقام، أي: أنحِيفُ في الحُكم، فنجعل المسلمين الذين كابدوا مشاقَ الطاعات، وترك المخالفات، كالكافرين الذين عُجِّلت طيباتهم في الحياة الدنيا، ثم قيل لهم بطريق الالتفات؛ لتأكيد الرد والتشديد: {ما لكم كيف تحكمون} هذا الحُكم الأعوج، وهو التسوية بين المطيع والعاصي، كأنَّ أمر الجزاء مُفوض إليكم، تحكمون فيه كيف شئتم! وهو تعجيب واستبعاد وإيذان بأنه لا يصدر عن عاقل. {أم لكم كتاب} نازل من السماء {فيه تدرُسُون}؛ تقرؤون في ذلك الكتاب، {إنَّ لكم فيه} أي: في ذلك الكتاب {لَمَا تخيَّرون} أي: إن ما تختارونه وتشتهونه حاصل لكم! والأصل: تدرسون أنَّ لكم ما تتخيرون، بفتح "أنّ" لأنه مدروس، لوقوع الدرس عليه، وإنما كسرت لمجيء اللام في خبره، ويجوز أن يكون حكاية للمدروس بلفظه، كقوله: {أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلأَخِرِينَ سَلَـٰم عَلَى نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِين}تفسير : [الصافات:78، 79] أي: تركنا عليه السلام على قولٍ. وتخيّر الشيء واختاره: أخذ خيره. {أم لكم أَيْمَانٌ علينا} أي: عهود مؤكدة بالأيمان {بالغةٌ}؛ متناهية في التوكيد {إِلى يوم القيامة} متعلق بالمقدّر في {لكم} أي: ثابتة لكم إلى يوم القيامة، أو: بـ"بالغة"، أي: تبلغ ذلك اليوم وتنتهي إليه، وافرة لم تبطل منها يمين، إلى أن يحصل المقسَم عليه من التحكيم، {إِنَّ لكم لَمَا تحكمون} به لأنفسكم، وهو جواب القسم، لأنَّ معنى {أم لكم أَيمان علينا}: أم أقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد وقلنا والله إنَّ لكم لَمَا تحكمون {سَلْهُمْ} أي: المشركين، وهو تلوين للخطاب، وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسقاطهم عن رتبة الخطاب، أي: سَلْهم مبكتاً لهم: {أَيُّهُم بذلك} الحكم {زعيمٌ}؛ كفيل بأنه لا بد أن يكون ذلك. {أم لهم شركاءُ} أي: ناس يُشاركونهم في هذا القول، ويذهبون مذهبهم فيه؟ {فليأتوا بشركائهم إِن كانوا صادقين} في دعواهم، إذ لا أقل من التقليد فيه، يعني: أنَّ أحداً لا يسلّم لهم هذا، ولا يساعدهم عليه، كما أنه لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم بعد عند الله، ولا زعيم لهم يضمن لهم من الله هذا، وإنما هو اختلاق وأماني من أنفسهم. وقيل: المراد بالشركاء: الأصنام، أي: أم لهم أصنام يعبدونها تضمن لهم ذلك؟ فليحضروها حتى يسمعوا منهم ذلك، وهو تهكُّم به. واذكر {يومَ يُكشَفُ عن ساقٍ}، وجمهور المفسرين على أن الكشف عن ساق عبارة عن شدة الأمر، وصعوبة الخطب، أي: يوم يشتد الأمر ويصعب، وقيل: ساق الشيء: أصله الذي به قوامه، كساق الشجرة وساق الإنسان، أي: يوم يُكشف عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور وأصولها، بحيث تصير عياناً. وتنكيره للتهويل العظيم. قال النسفي: ولا كشف ثمَّ ولا ساق، ولكن كنّى به عن شدة الأمر؛ لأنهم إذا ابتلوا بالشدّة كَشفوا عن الساق، وقال: كشفت الحرب عن ساقها، وهذا كما تقول للشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثَمَّ ولا غل، وإنما هو كناية عن البخل، وأمّا مَن شبّه فلِضيق عِطفه وقلّة نظره في علم البيان، ولو كان الأمر كما زعم المشبَّه؛ لكان من حقِّ الساق أن يُعرَّف؛ لأنها ساق معهودة عنده. هـ. قلت: انظر الثعلبي، فقد نقل أحاديث الحشر، وكلها تدل على أنَّ كشف الساق حقيقة، وذكر حديث أبي موسى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : {يوم يُكشف عن ساق} قال: عن نور عظيم، يخرُّون له سجداً"تفسير : ، ثم ذكر حديث الحشر بتمامه، ومَن كحّل عينيه بإثمد التوحيد الخاص لم يصعب عليه أمثال هذه المتشابهات؛ إذ الحق جلّ جلاله غير محصور، بل يتجلّى كيف شاء، وقد ورد أنه يتجلّى لفصل عباده، فيجلس على كرسيه، وورد أيضاً في حديث كشف الساق: أنه يتقدّم أمامهم بعد كشف الساق وسجود المؤمنين له، ثم ينطلق بهم إلى الجنة. ذكر الحديث المنذري وغيره، ونقله المحشي الفاسي في سورة البقرة، عند قوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلآ أّن يَأْتِيَهُمُ ٱللهُ }تفسير : [البقرة:210] الآية، وليس هذا تجسيم ولا حصر؛ إذا ما في الوجود إلاّ تجليات الحق، ومظاهر ذاته. ثم قال تعالى: {ويُدْعَون إِلى السجود} توبيخاً وتعنيفاً على تركهم له في الدنيا، وتحسُّراً لهم على تفريطهم في ذلك، لا تكليفاً، إذ ليست دار تكليف، {فلا يستطيعون} ذلك؛ لأنَّ ظهورهم تصير كصياصي البقر، وفيه دلالة على أنهم يقصدون السجود فلا يتأتى منهم ذلك. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: تَفقُم أصلابهم، أي: تُرد عظماً بلا مفاصل، لا تثنى عند الرفع والخفض. وفي الحديث الصحيح: "حديث : يخرُّون لله سُجداً أجمعون، ولا يبقى أحد كان يسجد لله رياء وسمعة ونفاقاً إلاَّ صار ظهره طبقاً واحداً، كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه ". تفسير : {خاشعةً أبصارُهم} أي: ذليلة، حال من الضمير في "يُدْعَون"، أي: يُدعون في حال خشوع أبصارهم، ونسبة الخشوع إلى الأبصار؛ لظهور أثره فيها، {تَرْهَقهم} أي: تلحقهم وتغشاهم {ذلَّةٌ} شديدة، {وقد كانوا} في الدنيا {يُدْعَون} على ألسنة الرسل {إِلى السجود}، والأصل: إليه، وإنما أظهر لزيادة التقرير، أو: لأنَّ المراد به الصلاة بما فيها من السجود، والدعوة دعوة تكليف، {وهم سالِمون} متمكنون منه أقوى تمكُّن، فلا يُجيبون إليه ويأبونه، وإنما لم يذكره معه لظهوره. الإشارة: إنَّ للمتقين ما سوى الله عند ربهم؛ في حضرة قدسه، جناتِ النعيم، وهي جنات المعارف في نعيم دوام الشهود والرؤية، أفنجعل المسلمين المنقادين لأحكامنا القهرية والتكليفية، كالمجرمين العاصين، ثم وبَّخ مَن سوَّى بينهم وطالبه بالحجة. وقوله تعالى: {يوم يُكشف عن ساق} أي: يوم يتجلّى لعباده بنور من نور ذاته، على صورة آدم، تشريفاً لهذا الآدمي، وفي الحديث: "حديث : إن الله خلق آدم على صورته "تفسير : أي: على صورته التي يتجلّى بها لعباده في المحشر وفي الجنة، ولا يفهم هذا إلاَّ الغواصون في بحر الأحدية، وحسْب مَن لم يبلغ مقامهم التسليم ونفي التشبيه، فالعارفون يعرفون الله في جميع تجلياته، ولا ينكرونه في شيء منها، وأمّا ما ورد في حديث التجلِّي الأول لأهل المحشر فيُنكرونه، ويقولون: "حتى يأتينا ربنا"، فإنما يقول ذلك علماء الظاهر، أهل الدليل، وأما العارفون فقد عرفوه وأقرُّوه، وسكتوا ستراً للسر الذي عرّفهم به، ولذلك كتب ابن العربي الحاتمي إلى الفخر الرازي فقال: تعال نعرِّفك بالله اليوم، قبل أن يتجلّى لك يوم القيامة، فتُنكره فيمن يُنكره. هـ. وقال الورتجبي: أخبر الله سبحانه أنه يكشف يوم الشهود لعشاقه وأحبابه ومُشتاقيه وعُرفائه عن بعض صفاته الخاصة، ويتجلّى منها لهم، وهو كشف في ستر الغَيرة عن أسرار القِدَم، فيُشاهدونها، فيُدعَون إلى السجود من حيث غشيتهم أنوار العظمة، حتى لا يحرقوا في كَشفِ سر الصفة؛ فإنها موضع العظمة والكبرياء، وبُدُوّ لطائف أنوار أسرار الذات تظهر في لباس الالتباس، حتى لا يفنيهم فناء لا بقاء بعده، والمقصود منه زوائد المحبة، والنظر إلى وجود العظمة. هـ. قلت: وحاصل كلامه: أنّ الحق تعالى إنما تجلّى لعباده في الصورة الآدمية، حتى كشف عن ساقه غِيرةَ على سر الربوبية أن يظهر، وهو المراد بقوله: يكشف لعشاقه عن بعض صفاته، ويتجلى منها ـ أي: من تلك الصورة ـ لهم، وهو كشف في ستر الغيرة. وأيضاً: لو كشف لهم عن أسرار جبروته بلا واسطة لاحترقوا، لكن تجلّى بأنوار صفاته ليطيقوا رؤيته، يظهر لهم في لباس الالتباس، وهو إظهار الصورة الآدمية، ليبقوا بين فناء وبقاء، بين سكر وصحو، ولو تجلّى بأسرار ذاته الأصلية لاحترقوا، أو سكروا بلا صحو، وفنوا بلا بقاء. والله تعالى أعلم. ثم ذكر استدراجه للكفرة، فقال: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ}.
الطوسي
تفسير : لما اخبر الله تعالى ما حل بالكفار، وما هو معد لهم في الآخرة أخبر بما للمؤمنين من أهل الطاعات، فقال {إن للمتقين} يعني للذين أمنوا عقاب الله باتقاء معاصيه وفعل طاعاته {عند ربهم جنات النعيم} أي بساتين يتنعمون فيها ويتلذذون بها. ثم قال على وجه الانكار على الكفار وانه لا يسوى بينهم وبين المؤمنين فقال {أفنجعل المسلمين} الذين أسلموا لله وانقادوا لطاعته وامتثلوا ما أمرهم به {كالمجرمين} أى مثل من عصاه وخرج عن طاعته وارتكب ما نهاه عنه؟! فهذا لا يكون أبداً. وقوله {ما لكم كيف تحكمون} تهجين لهم وتوبيخ. ومعناه أعلى حال الصواب أم على حال الخطاء؟ وعلى حال الرشاد أم الغي، فعلى أي حال تحكمون في الاحوال التي تدعون إلى الفعل أحال الباطل أم حال الحق؟ وقوله {أم لكم كتاب فيه تدرسون} معناه ألكم كتاب تدرسون فيه خلاف ما قد قامت عليكم الحجة به فأنتم متمسكون به ولا تلتفتون إلى خلافه؟! وليس الأمر على ذلك فاذ قد عدمتم الثقة بما أنتم عليه، وفي هذا عليكم أكبر الحجة وأوكد الموعظة، لأن الكتاب الذي تقوم به الحجة حتى لا يجوز خلافه إلى أن تقوم الساعة هو الذي تشهد له المعجزة من غير اجازة نسخ له في حال ثانية، وهو القرآن الذي فيه معنى الاعجاز من غير نسح له فيما بعد في باقى الزمان. وقوله {إن لكم فيه لما تخيرون} يحتمل امرين: احدهما - أن يكون تقديره أم لكم كتاب فيه تدرسون بأن لكم ما تخيرون إلا انه حذفت الباء وكسرت (إن) لدخول اللام في الخبر، الثاني - ان يكون ذلك خرج مخرج التوبيخ، وتقديره وإن لكم لما تخيرون عند أنفسكم، والأمر بخلاف ظنكم،، لانه لا يجوز ان يكون ذلك خبراً مطلقاً. وقوله {أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون} كسرت (إن) لدخول اللام في الخبر، والحكم خبر بمعنى يفصل الأمر على جهة القهر والمنع وأصله المنع من قول الشاعر: شعر : ابني حنيفة احكموا سفهاءكم إني اخاف عليكم ان اغضبا تفسير : أي امنعوهم. ومنه الحكمة، لانها معرفة تمنع الفساد يصرفها عنه بما يذم به. والحكمة في الفعل المنعة من الفساد منه، ومنه حكمة الدابة لمنعها إياها من الفساد. وقوله {سلهم أيهم بذلك زعيم} قال ابن عباس وقتادة: زعيم أي كفيل والزعيم والكفيل والضمين والقبيل نظائر. والمعنى سلهم أيهم زعيم ضامن يدعي علينا ان لهم علينا أيماناً بالغة؟ فلا يمكنهم ادعاء ذلك.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ} عن المعاصى او عن رؤية انفسهم {عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ أَ} لم نجعل لهم جنّاتٍ {فَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} كانوا يقولون ان كان بعث وجزاء كما يقوله محمّد (ص) فانّ حالنا يكون افضل فى الآخرة كما فى الدّنيا ولو لم يكونوا يقولون ذلك بالسنتهم فانّهم كانوا يقولون ذلك بلسان حالهم فقال الله تعالى، ذلك ظنٌّ فاسدٌ وزعمٌ باطل.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} أي: كالمشركين. أي: لا نفعل ذلك. ثم قال الله عزّ وجلّ للمشركين: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي: ليس لكم حكم أن نجعل المسلمين في الآخرة كالمشركين. ذكروا عن ابن مسعود قال: ثلاثة أحلف عليهن ولا أستثني: لا يجعل الله من له سهم في الإِسلام كمن لا سهم له، ولا ولى الله عبداً في الدنيا فيوليه غيره [ في الآخرة]، ولا يحِب عبد قوماً إلا كان معهم. والرابعة لو حلفت عليها لبررت: لا يستُرُ الله على عبد في الدنيا إلا ستر عليه غدا في الآخرة. قال الله: {أَمْ لَكُمْ} يقوله للمشركين. {كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} أي: تقرأون.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ لِلمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي في الاخرة {جَنَّاتِ النَّعِيمِ} ما فيهن الا النعيم الخالص عما يشوب جنات الدنيا. لما نزلت هذه الآية قالت عظماء قريش ان كان ثم جنات نعيم فلنا هنالك اكبر الحظ فنزل انكارا عليهم.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ لِلْمُتقِينَ} للشرك والإِصرار على الذنب، والتقديم للحصر والاهتمام بما سبق والتشويق إِلى اللاحق. {عِندَ رَبِّهِمْ} فى علمه أو فى الآخرة لأَنه لا يتصرف فيها غيره متعلق به اللام على حد ما مر. {جنَّاتِ النَّعِيمِ} الخالص الذى لا يكدره شئ من مرض أو فقر أو ذل أو زوال أو غير ذلك أو ألم جسد أو استعلاء عدو وهكذا.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ لّلْمُتَّقِينَ } أي من الكفر كما في «البحر» أو منه ومن المعاصي كما في «الإرشاد» {عِندَ رَبّهِمْ } أي في الآخرة فإنها مختصة به عز وجل إذ لا يتصرف فيها غيره جل جلاله أو في جوار قدسه {جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } جنات ليس فيها إلا النعيم الخالص عن شائبة ما ينغصه من الكدورات وخوف الزوال. وأخذ الحصر من الإضافة إلى النعيم لإفادتها التميز من جنات الدنيا والتعريض بأن جنات الدنيا لغالب عليها النغص: شعر : طبعت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذار والأكدار
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لأن من شأن ما ذكر من عذاب الآخرة للمجرمين أن ينشأ عنه سؤال في نفس السامع بقول: فما جزاء المتقين؟ وهو كلام معترض بين أجزاء الوعيد والتهديد وبين قوله: {أية : سنسمه على الخرطوم}تفسير : [القلم: 16] وقوله: {أية : كذلك العذاب}تفسير : [القلم: 33]. وقد أشعر بتوقع هذا السؤال قوله بعده: {أية : أفنجعل المسلمين كالمجرمين}تفسير : [القلم: 35] كما سيأتي. وتقديم المسند على المسند إليه للاهتمام بشأن المتقين ليسبق ذكرُ صفتهم العظيمة ذكْرَ جزائها. واللام للاستحقاق. و {عند} ظرف متعلق بمعنى الكون الذي يقتضيه حرف الجر، ولذلك قُدم متعلَّقُه معه على المسند إليه لأجل ذلك الاهتمام. وقد حصل من تقديم المسند بما معه طولٌ يثير تشويق السامع إلى المسند إليه. والعِندية هنا عندية كرامةٍ واعتناء. وإضافة {جنات} إلى {النعيم} تفيد أنها عُرفت به فيشار بذلك إلى ملازمة النعيم لها لأن أصل الإِضافة أنها بتقدير لام الاستحقاق فـ {جنات النعيم}مفيد أنها استحَقها النعيم لأنها ليس في أحوالها إلاّ حال نعيم أهلها، فلا يكون فيها ما يكون في جنات الدّنيا من المتاعب مثل الحَرّ في بعض الأوقات أو شدة البرد أو مثل الحشرات والزنانير، أو ما يؤذي مثل شوك الأزهار والأشجار وروث الدواب وذرق الطير.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن للمتقين: أي الذين اتقوا ربهم فآمنوا به ووحدوه فاتقوا بذلك الشرك والمعاصي. عند ربهم جنات النعيم: أي لهم جنات النعيم يوم القيامة عند ربهم عز وجل. أفنجعل المسلمين كالمجرمين: أي أنحيف في الحكم ونجور فنجعل المسلمين والمجرمين متساوين في العطاء والفضل والجواب لا، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة. أم لكم كتاب فيد تدرسون: أي تقرأون فعلمتم بواسطته ما تدعون. أن لكم فيه لما تخيّرون: أي فوجدتم في الكتاب الذي تقرأون أن لكم فيه ما تختارونه. أم لكم أيمان علينا بالغة: أي ألكم عهود منا موثقة بالأيمان لا نخرج منها ولا نتحلل إلى يوم القيامة. إن لكم لما تحكمون: أي أعطيناكم عهودنا الواثقة أن لكم ما تحكمون به لأنفسكم كما تشاءون. سلهم أيهم بذلك زعيم: أي سلهم يا رسولنا عن زعيمهم الذي يكفل لهم مضمون الحكم الذي يحكمون به لأنفسهم من أنهم يعطون في الآخرة أفضل مما يُعطى المؤمنون. أم لهم شركاء: أي أعندهم شركاء موافقون لهم في هذا الذي قالوا يكفلون لهم به ما ادعوه وحكموا به لأنفسهم وهو أنهم يعطون أفضل مما يعطى المؤمنون يوم القيامة. يوم يكشف عن ساق: أي يوم يعظم الهول ويشتد الكرب ويكشف الرب عن ساقه الكريم التي لا يشبهها شيء عندما يأتي لفصل القضاء. ترهقهم ذلة: أي تغشاهم ذلة يالها من ذلة. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون: أي وقد كانوا يدعون في الدنيا إلى الصلاة وهو سالمون من أيّة علة ولا يصلون حتى لا يسجدوا تكبراً وتعظماً. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ} الآيات نزلت رداً على المشركين الذين ادعوا متبجحين أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يعطون أفضل مما يعطى المؤمنون قياساً منهم على حالهم في الدنيا حيث كانوا أغنياء والمؤمنون فقراء فقال تعالى {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} أي جنات كلها نعيم لا شيء فيها غيره. ثم قال في الرد منكرا على المشركين دعواهم مقرعا مؤنبا إياهم في سبعة استفهامات إنكارية تقريعية أولها قوله تعالى {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} الذين أسلموا لله وجوههم وأطاعوه بكل جوارحهم كالمجرمين الذين أجرموا على أنفسهم بارتكاب أكبر الكبائر كالشرك وسائر الموبقات أي نحيف ونجور في حكمنا فنجعل المسلمين كالمجرمين في الفضل والعطاء يوم القيامة، فنسوي بينهما وثانيها قوله: ما لكم؟ أي أي شي حصل لكم حتى ادّعيتم هذه الدعوى وثالثها كيف تحكمون أي كيف أصدرتم هذا الحكم ما حجتكم فيه ودليلكم عليه؟ ورابعها قوله {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} أي أعندكم كتاب جاءكم به رسول من عند الله تقرأون فيه هذا الحكم الذي حكمتم به لأنفسكم بأنكم تعطون يوم القيامة أفضل مما يعطى المؤمنون إن لكم فيه لما تخيرون أي ألكم في هذا الكتاب ما تختارون والجواب. لا. لا وخامسها قوله {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} أي أي ألكم عهودنا موثقة بأيمان لا نتحلل منها إلى يوم القيامة بأن لكم ما حكمتم به لأنفسكم من أنكم تعطون أفضل مما يعطى المؤمنون وسادسها {سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} أي سلهم يا رسولنا عن زعيمهم الذي يكفل لهم مضمون الحكم الذي يحكمون به لأنفسهم من أنهم يعطون في الآخرة أفضل مما يعطى المؤمنون سابعها قوله {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} أي ألهم شركاء موافقون لهم في هذا الذي قالوه يكفلونه لهم فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في ذلك. بهذه الاستفهامات الإِنكارية التقريعية السبعة نفى تعالى عنهم كل ما يمكنهم أن يتشبثوا به في تصحيح دعواهم الباطلة عقلاً وشرعاً. وقوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} أي اذكر لهم يا رسولنا مبينا واقع الأمر يوم القيامة، ليخجلوا من تشدقهم بدعواهم الساقطة الباردة اذكر لهم يوم يعظم الهول ويشتد الكرب، ويأتي الرب لفصل القضاء ويكشف عن ساق فيخر كل مؤمن ومؤمنة ساجداً ويحاول المنافقون والمنافقات السجود فلا يستطيعون إذ يكون ظهر أحدهم طبقاً واحداً أي عظماً واحداً فلا يقدر على السجود وذلك علامة شقائه المترتب على نفاقه في الدنيا. ويدعون إلى السجود أي امتحانا لهم ليعرف من كان يسجد إيماناً واحتساباً ممن كان يسجد نفاقاً ورياء فلا يستطيعون لأن ظهر أحدهم يصبح عظماً واحداً خاشعة أبصارهم لا تطرف من شدة الخوف ترهقهم ذلة أي تغشاهم ذلة عظيمة وقوله وقد كانوا يدعون إلى السجود أي في الدنيا وهم سالمون معافون في أبدانهم ولا يسجدون تكبراً وكفراً بالله ربهم وبشرعه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير أن المجرمين لا يساوون المؤمنين يوم القيامة أذ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فمن زعم أنه يعطى ما يُعطاه المؤمنون من جنات النعيم فهو مخطئ في تصوره كاذب في قوله. 2- بيان عظم هول يوم القيامة وأن الرب تبارك وتعالى يأتي لفصل القضاء ويكشف عن ساق فلا يبقى أحد إلا سجد وأن الكافر والمنافق لا يستطيع السجود عقوبة له وفضيحة إذ كان في الدنيا يدعى إلى السجود لله فلا يسجد أي إلى الصلاة فلا يصلي تكبراً وكفراً.
القطان
تفسير : تدرسون: تقرؤون. تخيّرون: أصلها تتخيرون بتاءين ومعناها تختارون. بالغة: مؤكدة مغلّظة. إن لكم لَما تحكمون: انه سيحصل لكم كل ما تريدون يوم القيامة. أيهم بذلك زعيم: من منهم الذي يكفل لهم هذا. يومَ يُكشف عن ساق: يوم الشدة. والعرب تكنّي بكشف الساق عن الشدة: شعر : قد شمّرتْ عن ساقِها فشدّوا وجدّت الحربُ بكم فجِدّوا تفسير : ترهقهم ذلة: تلحقهم ذلة. بعد ان ذَكر سبحانه حالَ الذين دُمرت جنتهم في الدنيا، وما أصابهم من النقمة حين عَصَوه - بين هنا حال المتقين وما ينتظرهم من جنّات النعيم الخالدة في الآخرة. {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} الخالصِ الدائم. وعندما سمع كفارُ قريش هذه الآية قالوا: إن الله فضّلنا عليكم في الدنيا، فلا بدّ ان يفضّلنا عليكم في الآخرة، فردّ الله تعالى عليهم ما قالوا وأكد فوزَ المتقين فقال: {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ!} لا يجوز ان نظلمَ في حُكمنا فنجعلَ المسلمين كالكافرين ونسوّيَ بينهم. ماذا أصابكم؟ كيف تحكمون مثلَ هذا الحكم الجائر؟ وهل عندَكم كتابٌ نزل من السماءِ تقرؤون فيه أنّ لكم فيه ما تختارون؟ أم أقسَمْنا لكم أيماناً مؤكدة باقيةً الى يوم القيامة؟ {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} وسيحصل لكم كل ما تشتهون. {سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} اسأل المشركين أيها الرسول: من الذي يكونُ كفيلاً بتنفيذ هذا؟ {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} في دعواهم الكاذبة. {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ....}. يوم يشتد الأمر ويصعُب، ويُدعى الكفارُ إلى السجود فلا يستطيعون، كما أنه لن يُجديَهم التلاومُ ولا السجودُ في ذلك اليوم نفعا، فتزداد حسرتُهم وندامتهم على ما فرّطوا فيه. ويأتون في ذلك اليوم خاشعةً ابصارُهم منكسرةً تغشاهم ذلةٌ مرهِقة، وقد كانوا يُدعون الى السجود في الدنيا وهم قادرون.... فلا يسجدون!.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتِ} (34) - وَلِلَّذِينَ يَتَّقُونَ رَبَّهُمْ، فَيُؤَدُّونَ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَاتٍ، وَيَجْتَنِبُونَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، جَنَّاتٌ يَنْعَمُونَ فيهَا بِمَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى بما أعده للمتقين للكفر والمعاصي، من أنواع النعيم والعيش السليم في جوار أكرم الأكرمين، وأن حكمته تعالى لا تقتضي أن يجعل المسلمين القانتين لربهم، المنقادين لأوامره، المتبعين لمراضيه كالمجرمين الذين أوضعوا في معاصيه، والكفر بآياته، ومعاندة رسله، ومحاربة أوليائه، وأن من ظن أنه يسويهم في الثواب، فإنه قد أساء الحكم، وأن حكمه حكم باطل، ورأيه فاسد، وأن المجرمين إذا ادعوا ذلك، فليس لهم مستند، لا كتاب فيه يدرسون [ويتلون] أنهم من أهل الجنة، وأن لهم ما طلبوا وتخيروا. وليس لهم عند الله عهد ويمين بالغة إلى يوم القيامة أن لهم ما يحكمون، وليس لهم شركاء وأعوان على إدراك ما طلبوا، فإن كان لهم شركاء وأعوان فليأتوا بهم إن كانوا صادقين، ومن المعلوم أن جميع ذلك منتف، فليس لهم كتاب، ولا لهم عهد عند الله في النجاة، ولا لهم شركاء يعينونهم، فعلم أن دعواهم باطلة فاسدة، وقوله: { سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ } أي: أيهم الكفيل بهذه الدعوى الفاسدة، فإنه لا يمكن التصدر بها، ولا الزعامة فيها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):