٦٨ - ٱلْقَلَم
68 - Al-Qalam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : فقال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: يوم منصوب بماذا؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب، بقوله: {فَلْيَأْتُواْ } في قوله: {أية : فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ } تفسير : [القلم: 41] وذلك أن ذلك اليوم يوم شديد، فكأنه تعالى قال: إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة، لتنفعهم ونشفع لهم وثانيها: أنه منصوب بإضمار اذكر وثالثها: أن يكون التقدير يوم يكشف عن ساق، كان كيت وكيت فحذف للتهويل البليغ، وأن ثم من الكوائن مالا يوصف لعظمته. المسألة الثانية: هذا اليوم الذي يكشف فيه عن ساق، أهو يوم القيامة أو في الدنيا؟ فيه قولان: الأول: وهو الذي عليه الجمهور، أنه يوم القيامة، ثم في تفسير الساق وجوه: الأول: أنه الشدة، وروي أنه سئل ابن عباس عن هذه الآية، فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر:شعر : سن لنا قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق تفسير : ثم قال: وهو كرب وشدة وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة، وأنشد أهل اللغة أبياتاً كثيرة (منها):شعر : فإن شمرت لك عن ساقها فدنها ربيع ولا تسأم تفسير : ومنها: شعر : كشفت لكم عن ساقها وبدا من الشر الصراح تفسير : وقال جرير:شعر : ألا رب سام الطرف من آل مازن إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا تفسير : وقال آخر: شعر : في سنة قد شمرت عن ساقها حمراء تبرى اللحم عن عراقها تفسير : وقال آخر: شعر : قد شمرت عن ساقها فشدوا وجدت الحرب بكم فجدوا تفسير : ثم قال ابن قتيبة أصل هذا أن الرجل إذاوقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه، يشمر عن ساقه، فلا جرم يقال في موضع الشدة: كشف عن ساقه، واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعمال الساق في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى، يستحيل أن يكون جسماً، فحينئذ يجب صرف اللفظ إلى المجاز، واعلم أن صاحب «الكشاف» أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر، فمعنى قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم، ولا ساق، كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل وإنما هو مثل في البخل، ثم أخذ يعظم علم البيان ويقول لولاه: لما وقفنا على هذه الأسرار وأقول: إما أن يدعى أنه صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو يقول: إنه لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بإجماع المسلمين، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفة في أمر المعاد فإنهم يقولون في قوله: {أية : جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير : [البقرة: 25] ليس هناك لا أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للذة والسعادة، ويقولون في قوله: {أية : ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ } تفسير : [الحج: 77] ليس هناك لا سجود ولا ركوع. وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع وفساد الدين، وأما إن قال: بأنه لا يصار إلى هذا التأويل إلا بعد قيام الدلالة على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا هو الذي لم يزل كل أحد من المتكلمين (إلا) قال به وعول عليه، فأين هذه الدقائق، التي استبد هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطة علم البيان، فرحم الله أمراً عرف قدره، وما تجاوز طوره القول الثاني: وهو قول أبي سعيد الضرير: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ }، أي عن أصل الأمر، وساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر، وساق الإنسان، أي يظهر يوم القيامة حقائق الأشياء وأصولها القول الثالث: يوم يكشف عن ساق جهنم، أو عن ساق العرش، أو عن ساق ملك مهيب عظيم، واللفظ لا يدل إلا على ساق، فأما أن ذلك الساق ساق أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه والقول الرابع: وهو اختيار المشبهة، أنه ساق الله، تعالى الله عنه روى عن ابن مسعود عنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنه تعالى يتمثل للخلق يوم القيامة حين يمر المسلمون، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله فيشهدهم مرتين أو ثلاثاً ثم يقول: هل تعرفون ربكم، فيقولون: سبحانه إذا عرفنا نفسه عرفناه، فعند ذلك يكشف عن ساق، فلا يبقى مؤمن إلا خر ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم كالطبق الواحد كأنما فيها السفافيد» تفسير : واعلم أن هذا القول باطل لوجوه أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم محدث، لأن كل جسم متناه، وكل متناه محدث ولأن كل جسم فإنه لا ينفك عن الحركة والسكون، وكل ما كان كذلك فهو محدث، ولأن كل جسم ممكن، وكل ممكن محدث وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن، أما لو حملناه على الشدة، ففائدة التنكير الدلالة على التعظيم، كأنه قيل: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة، أي شدة لا يمكن وصفها وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه القول الثاني: أن قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } ليس المراد منه يوم القيامة، بل هو في الدنيا، وهذا قول أبي مسلم قال: أنه لا يمكن حمله على يوم القيامة لأنه تعالى قال في وصف هذا اليوم: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ } ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا تكليف، بل المراد منه، إما آخر أيام الرجل في دنياه كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ } تفسير : [الفرقان: 22] ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلوات إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها، وإما حال الهرم والمرض والعجز وقد كانوا قبل ذلك اليوم يدعون إلى السجود وهم سالمون مما بهم الآن، إما من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية قوله: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } تفسير : [الواقعة: 83] واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قاله أبو مسلم، فأما قوله: إنه لا يمكن حمله على القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل ههنا، والتكاليف زائلة يوم القيامة فجوابه أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف، بل على سبيل التقريع والتخجيل، فلم قلتم: إن ذلك غير جائز. المسألة الثالثة: قرىء: {يَوْم نكشف} بالنون و {تكشف} بالتاء المنقوطة من فوق على البناء للفاعل والمفعول جميعاً والفعل للساعة أو للحال، أي يوم يشتد الحال أو الساعة، كما تقول: كشف الحرب عن ساقها على المجاز. وقرىء (تكشف) بالتاء المضمومة وكسر الشين من أكشف إذا دخل في الكشف، ومنه أكشف الرجل فهو مكشف إذا انقلبت شفته العليا. قوله تعالى: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ، خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَـٰلِمُونَ }. اعلم أنا بينا أنهم لا يدعون إلى السجود تعبداً وتكليفاً، ولكن توبيخاً وتعنيفاً على تركهم السجود في الدنيا، ثم إنه تعالى حال ما يدعوهم إلى السجود يسلب عنهم القدرة على السجود، ويحول بينهم وبين الاستطاعة حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا فيه، حين دعوا إلى السجود وهم سالمو الأطراف والمفاصل. قال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل ذلك على أنهم في الدنيا كانوا يستطيعون، فبطل بهذا قول من قال: الكافر لا قدرة له على الإيمان، وإن القدرة على الإيمان لا تحصل إلا حال وجود الإيمان والجواب: عنه أن علم الله بأنه لا يؤمن مناف لوجود الإيمان والجمع بين المتنافيين محال، فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي. أما قوله: {خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ } فهو حال من قوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ... تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم ما كانوا مواظبين على خدمة مولاهم مثل العبد الذي أعرض عنه مولاه، فإنه يكون ذليلاً فيما بين الناس، وقوله: {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَـٰلِمُونَ } يعني حين كانوا يدعون إلى الصلوات بالأذان والإقامة وكانوا سالمين قادرين على الصلاة، وفي هذا وعيد لمن قعد عن الجماعة ولم يجب المؤذن إلى إقامة الصلاة في الجماعة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} يجوز أن يكون العامل في «يَوْمَ» «فَلْيَأْتُوا» أي فليأتوا بشركائهم يوم يكشف عن ساق ليشفع الشركاء لهم. ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل، أي ٱذكر يوم يكشف عن ساق؛ فيوقف على «صَادِقِينَ» ولا يوقف عليه على التقدير الأول. وقرىء «يوم نكشف» بالنون. «وقرأ» ابن عباس «يوم تكشف عن ساق» بتاء مسمَّى الفاعل؛ أي تكشف الشدة أو القيامة عن ساقها؛ كقولهم: شَمّرت الحرب عن ساقها. قال الشاعر:شعر : فتى الحرب إن عضّت به الحربُ عَضَّها وإن شَمّرت عن ساقها الْحَرْبُ شَمّرا تفسير : وقال الراجز:شعر : قد كشفت عن ساقها فشُدُّوا وجَدّت الحربُ بكم فَجِدُّوا تفسير : وقال آخر:شعر : عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طِرَاد الطيرِ عن أرزاقها في سَنة قد كشفت عن ساقها حمراء تَبْري اللحَم عن عُرَاقها تفسير : وقال آخر:شعر : كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشّر الصُّرَاحْ تفسير : وعن ابن عباس أيضاً والحسن وأبي العالية «تُكْشَفُ» بتاء غير مسمّى الفاعل. وهذه القراءة راجعة إلى معنى «يُكْشَف» وكأنه قال: يوم تكْشف القيامة عن شدة. وقرىء «يَوْمَ تُكْشِف» بالتاء المضمومة وكسر الشين؛ من أكشف إذا دخل في الكشف. ومنه: أكشف الرجل فهو مُكْشِف؛ إذا انقلبت شَفَتُه العليا. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال: عن كرب وشدّة. أخبرنا ابن جُريج عن مجاهد قال: شدّة الأمر وجِدّه. وقال مجاهد: قال ابن عباس هي أشد ساعة في يوم القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الحرب والأمر قيل: كشف الأمرُ عن ساقه. والأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجِدّ شَمّر عن ساقه؛ فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ساقُ الشيء أصله الذي به قِوامه؛ كساق الشجرة وساق الإنسان. أي يوم يكشف عن أصل الأمر فتظهر حقائق الأمور وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن؛ أي يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذن إلى الصلاة فلا يمكنه أن يقوم ويخرج. فأما ما رُوِي أن الله يكشف عن ساقه فإنه عز وجل يتعالى عن الأعضاء والتبعيض وأن يكشف ويتغطى. ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره. وقيل: يكشف عن نوره عز وجل. وروى أبو موسى: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: «عَنْ سَاقٍ» قال: «حديث : يكشف عن نور عظيم يخرون له سجدا»تفسير : . وقال أبو الليث السَّمَرْقَنْدِيّ في تفسيره: حدّثنا الخليل بن أحمد قال حدّثنا ابن منيع قال حدّثنا هُدْبة قال حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمارة القرشي عن أبي بُردة عن أبي موسى قال حدّثني أبي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا كان يوم القيامة مُثِّل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم ما تنتظرون وقد ذهب الناس فيقولون إن لنا ربًّا كنا نعبده في الدنيا ولم نره ـ قال ـ وتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقال فكيف تعرفونه ولم تروه قالوا إنه لا شبيه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجدًّا وتبقى أقوام ظهورهم مثل صَيَاصِي البقر فينظرون إلى الله تعالى فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} فيقول الله تعالى عبادي أرفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجلٍ منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار»تفسير : . قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: ٱللّهِ الذي لا إلٰه إلا هو لقد حَدَّثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثةَ أيمان؛ فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثاً هو أحبّ إليّ من هذا. وقال قيس بن السَّكَن: حَدّث عبد الله بن مسعود عند عمر بن الخطاب فقال: إذا كان يوم القيامة قام الناس لربّ العالمين أربعين عاماً شاخصةً أبصارهم إلى السماء، حُفاةً عُراةً يُلْجمهم العرق، فلا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم أربعين عاماً، ثم ينادي منادٍ: أيها الناس، أليس عدلاً من ربكم الذي خلقكم وصوّركم وأماتكم وأحياكم ثم عبدتم غيره أن يُوَلِّيَ كلَّ قوم ما تولَّوْا؟ قالوا: نعم. قال: فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونها حتى تقذفهم في النار، فيبقى المسلمون والمنافقون فيقال لهم: ألا تذهبون قد ذهب الناس؟ فيقولون حتى يأتينا ربنا؛ فيقال لهم: أو تَعرفونه؟ فيقولون: إن اعترف لنا عَرَفناه. قال فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلّى لهم فيخرّ من كان يعبده مخلصاً ساجداً، ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأن في ظهورهم السفافيد، فيذهب بهم إلى النار، ويدخل هؤلاء الجنة؛ فذلك قوله تعالى: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}. {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} أي ذليلةً متواضعةً؛ ونصبها على الحال. {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوهُهم أشدّ بياضاً من الثلج. وتسودّ وجوه المنافقين والكافرين حتى ترجع أشدّ سواداً من القار. قلت: معنى حديثِ أبي موسى وابن مسعود ثابت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ وغيره. قوله تعالى: {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} أي في الدنيا. {وَهُمْ سَالِمُونَ} مُعَافَوْن أصّحاء. قال إبراهيم التَّيْميّ: أي يدعون بالأذان والإقامة فيأبونه. وقال سعيد بن جُبَير: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجيبون. وقال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلّفون عن الجماعات. وقيل: أي بالتكليف المُوَجَّه عليهم في الشرع؛ والمعنى متقارب. وقد مضى في سورة «البقرة» الكلام في وجوب صلاة الجماعة. وكان الربيع بن خَيْثم قد فُلِج وكان يُهَادَي بين الرجلين إلى المسجد؛ فقيل: يا أبا يزيد، لو صلّيتَ في بيتك لكانت لك رخصة. فقال: من سمع حيّ على الفلاح فلْيُجِب ولو حَبْواً. وقيل لسعيد بن المسيّب: إن طارقاً يريد قتلك فتغيّب. فقال: أبحيث لا يَقْدِر الله عليّ؟ فقيل له: اجلس في بيتك. فقال: أسمع حيّ على الفلاح، فلا أجيب
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى أن للمتقين عند ربهم جنات النعيم، بيّن متى ذلك كائن وواقع، فقال تعالى: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} يعني: يوم القيامة، وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء، والامتحان والأمور العظام. وقد قال البخاري ههنا: حدثنا آدم، حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً» تفسير : وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ، وهو حديث طويل مشهور، وقد قال عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال: هو يوم القيامة، يوم كرب وشدة، رواه ابن جرير، ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن مسعود، أو ابن عباس ــــ الشك من ابن جرير ــــ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال: عن أمر عظيم، كقول الشاعر:شعر : وقامتِ الحربُ بنا عن ساقٍ تفسير : وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال: شدة الأمر. وقال ابن عباس: هي أشد ساعة تكون في يوم القيامة. وقال ابن جرير عن مجاهد: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال: شدّة الأمر وجده، وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} هو الأمر الشديد الفظيع من الهول يوم القيامة، وقال العوفي عن ابن عباس: قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} يقول: حين يكشف الأمر، وتبدو الأعمال، وكشفه: دخول الآخرة، وكشف الأمر عنه، وكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس، أورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير، ثم قال: حدثني أبو زيد عمر بن شبَّة، حدثنا هارون بن عمر المخزومي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} يعني: عن نور عظيم يخرّون له سجداً» تفسير : ورواه أبو يعلى عن القاسم بن يحيى عن الوليد بن مسلم به، وفيه رجل مبهم، والله أعلم. وقوله تعالى: {خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: في الدار الآخرة؛ بإجرامهم وتكبّرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السجود في الدنيا، فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى الرب عز وجل، فيسجد له المؤمنون، ولا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقاً واحداً، كلما أراد أحدهم أن يسجد، خرّ لقفاه، عكس السجود، كما كانوا في الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون. ثم قال تعالى: {فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} يعني: القرآن، وهذا تهديد شديد، أي: دعني وإياه، أنا أعلم به منه؛ كيف أستدرجه، وأمده في غيّه، وأنظره، ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: وهم لا يشعرون، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في نفس الأمر إهانة؛ كما قال تعالى: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 55 ــــ 56] وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 44] ولهذا قال ههنا: { وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ} أي: وأؤخرهم وأنظرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ} أي: عظيم لمن خالف أمري، وكذب رسلي، واجترأ على معصيتي. وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله تعالى ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» تفسير : ثم قرأ: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} تفسير : [هود: 102] وقوله تعالى: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ } تقدم تفسيرهما في سورة الطور، والمعنى في ذلك أنك يا محمد تدعوهم إلى الله عز وجل بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله تعالى، وهم يكذبون بما جئتهم به بمجرد الجهل والكفر والعناد.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكر {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } هو عبارة عن شدّة الأمر يوم القيامة للحساب والجزاء. يقال: كَشَفَ الحرب عن ساقٍ: إذا اشتدّ الأمر فيها {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ } امتحاناً لإِيمانهم {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } تصير ظهورهم طبقاً واحداً.
الماوردي
تفسير : {يومَ يُكْشَفُ عن ساقٍ} فيه أربعة أوجه: أحدها: عن ساق الآخرة، قاله الحسن. الثاني: الساق الغطاء، قاله الربيع بن أنس، ومنه قول الراجز: شعر : في سَنَةٍ قد كشفتْ عن ساقها حمراءَ تبري اللحم عن عراقها تفسير : الثالث: أنه الكرب والشدة، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر: شعر : كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر الصُّراح تفسير : الرابع: هو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا، قال الضحاك: لأنه أول الشدائد، كما قال الراجز: شعر : قد كشفت عن ساقها فشُدُّوا وجدّت الحربُ بكم فجدوا تفسير : فأما ما روي أن اللَّه تعالى يكشف عن ساقه فإن اللَّه تعالى منزه عن التبعيض والأعضاء وأن ينكشف أو يتغطى، ومعناه أنه يكشف عن العظيم من أمره، وقيل يكشف عن نوره. وفي هذا اليوم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يوم الكبر والهرم والعجز عن العمل. الثاني: أنه يوم حضور المنية والمعاينة. الثالث: أنه يوم القيامة. {ويُدْعَون إلى السجودِ فلا يستطيعون} فمن قال في هذا اليوم إنه يوم القيامة جعل الأمر بهذا السجود على وجه التكليف. ومن جعله في الدنيا فلهم في الأمر بهذا السجود قولان: أحدهما: أنه تكليف. الثاني: تندم وتوبيخ للعجز عنه، وكان ابن بحر يذهب إلى أن هذا الدعاء إلى السجود إنما كان في وقت الاستطاعة، فلم يستطيعوا بعد العجز أن يستدركوا ما تركوا. {فذرْنِي ومَن يُكذّبُ بهذا الحديث} قال السدي: يعني القرآن. ويحتمل آخر أي بيوم القيامة. {سنستدرجهم مِن حيثُ لا يَعْلمون} فيه خمسة أوجه: أحدها: سنأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون، قاله السدي. الثاني: نتبع النعمة السيئة وننسيهم التوبة، قاله الحسن. الثالث: نأخذهم من حيث درجوا ودبوا، قاله ابن بحر. الرابع: هو تدريجهم إلى العذاب بإدنائهم منه قليلاً بعد قليل حتى يلاقيهم من حيث لا يعلمون، لأنهم لو علموا وقت أخذهم بالعذاب ما ارتكبوا المعاصي وأيقنوا بآمالهم. الخامس: ما رواه إبراهيم بن حماد، قال الحسن: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مغبون بالثناء عيه، وكم من مغرور بالستر عليه. والاستدراج: النقل من حال إلى حال كالتدرج، ومنه قيل درجة وهي منزلة بعد منزلة.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَن سَاقٍ} الآخرة أو غطاء أو كرب وشدة "ع". شعر : كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر الصراح تفسير : أو إقبال الآخرة وإدبار الدنيا لأنه أول الشدائد وروي أن الله تعالى يكشف عن ساقه أي عظم أمره أو نوره وهذا اليوم يوم الموت والمعاينة أو يوم الكبر والهرم والعجز عن العمل أو يوم القيامة. {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} توبيخاً لا تكليفاً عند من رآه يوم القيامة ومن رآه من أيام الدنيا فالأمر بالسجود تكليف أو تنديم وتوبيخ للعجز عنه.
ابن عادل
تفسير : ثم إنه تعالى لما أبطل قولهم شرح بعده عظمة يوم القيامة، وهو قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} "يَوْمَ" منصوب بقوله "فليَأتُوا" أي: فليأتوا بشركائهم يوم يكشفُ عن ساق ليشفع الشركاء لهم وحينئذ لا يوقف على "صَادِقينَ". أو بإضمارِ "اذْكُرْ" فيكون مفعولاً به، أو بمحذوفٍ وهو ظرف، أي: يوم يكشف يكون كيت وكيت. أو بـ"خَاشِعةً". قاله أبو البقاء. و"عَنْ ساقٍ" قائم مقام الفاعل. وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: "تكشف" بالتاء من فوق مبنياً للفاعل، أي: الشدة والساعة. وعنه أيضاً كذلك: مبنياً للمفعول. وهي مشكلة، لأن التأنيث لا معنى له هاهنا إلا أن يقال: إن المفعول مستتر، أي: تكشف هي، أي: الشدة، ويتعلق "عَنْ ساقٍ" بمحذوف، أي: تكشف عن ساقها. ولذلك قال الزمخشري: "وتكشف" بالتاء مبنياً للفاعل والمفعول جميعاً، والفعل للساعة، أو الحال: أي يشتد الحال، أو الساعة. وقرىء: "ويُكشِفُ" - بضم التاء أو الياء وكسر الشين - من "أكشف" إذا دخل في الكشف، وأكشف الرجل إذا انقلبت شفته العليا لانكشاف ما تحتها. ويقال له أيضاً: أخلع وكشف الساق كناية عن الشدة. قال الراجز: [الرجز] شعر : 4831 - عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي ومِنْ إشْفَاقِهَا ومِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أرْزَاقِهَا في سَنةٍ قَدْ كشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا حَمْرَاءِ َبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِهَا تفسير : وقال حاتم الطائيُّ: [الطويل] شعر : 4832 - أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ به الحَرْبُ عضَّهَا وإنْ شَمَّرْتَ عَنْ سَاقهَا الحَرْبُ شَمَّرَا تفسير : وقال الآخر: [مجزوء الكامل] شعر : 4833 - كَشفَتْ لَهُمْ عَنْ سَاقِهَا وبَدَا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ تفسير : وقال الراجز: [الرجز] شعر : 4834 أ - قَدْ شَمرَتْ عَنْ سَاقِهَا فشُدُّوا وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا تفسير : وقال الآخر: [السريع، أو الرجز] شعر : 4834 ب - صَبْراً أُمامُ إنَّهُ شَرُّ بَاقْ وقَامتِ الحَرْبُ بِنَا على سَاقْ تفسير : قال الزمخشريُّ: الكشفُ عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدراتِ عن سوقهن في الهرب وإبداء خدامهن عند ذلك؛ قال حاتم: شعر : 4835أ - أخو الحَرْبِ......... .............................. تفسير : وقال ابن قيس الرُّقيَّاتِ: [الخفيف] شعر : 4835 ب - تُذِهِلُ الشَّيْخَ عنْ بنيهِ وتُبْدِي عَنْ خِدَامِ العَقيلَةُ العَذْراءُ تفسير : انتهى. فصل في "الساق" قال ابن عباس في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}، قال: كرب وشدة. وعن مجاهد: شدة الأمر وحده. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أشد ساعةٍ في القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر، أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه. والأصل فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد، شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ساق الشيء: أصله الذي به قوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان، أي: يوم يكشفُ عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور، وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن، أي: يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذنون إلى الصلاة، فلا يمكنه أن يقوم، ويخرج. فصل في تأويل "الساق" قال القرطبيُّ: فأما ما روي الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه - عز وجل - يتعالى عن الأعضاء، والأبعاض، وأن ينكشف، ويتغطى، ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره وقيل: "يكشف عن نوره عز وجل". ؟؟؟وروى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {عَنْ سَاقٍ} قال: يكشف عن نورٍ عظيمٍ يخِرُّونَ لهُ سُجَّداً. وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامةِ مثِّل لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبدُونَ فِي الدُّنيَا فيَذْهبُ كُل قَوْمٍ إلى مَا كَانُوا يَعَبْدُون ويبقى أهلُ التَّوحيدِ، فيقال لهم: ما تَنْتَظِرُونَ، وقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، فيقولون: لنَا رَبٌّ كنَّا نَعْبدُهُ في الدُّنيَا، ولَمْ نَرَهُ، قال: وتعْرِفُونهُ إذَا رأيتمُوهُ؟ فيقولون: نَعَم، فيُقَالُ لَهُمْ: فَكيْفَ تعرفونه، ولَمْ تَرَوهُ؟ قالوا: إنه لا شبيهَ لَهُ، فيكشفُ لَهُم الحجابُ، فينْظُرونَ إلى اللَّهِ تعالى، فيخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، ويبقى أقوامٌ ظُهُورُهُمْ كَصَياصِي البَقرِ، فينْظرُونَ إلى اللَّهِ تعالى فيريدون السُّجُودَ، فلا يَسْتطِيْعُونَ، فَذلكَ قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} فيقول الله تعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار"تفسير : قال أبو بردةُ: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمانٍ، فقال عمر: سمعتُ في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إليَّ من هذا. قوله {خَاشِعَةٌ}. حال من مرفوع "يُدْعَونَ" و"أبْصَارهُمْ" فاعل به، ونسب الخشوع للأبصار وإن كانت الأعضاء كُلها كذلك لظهور أثره فيها. وقوله: "وهُمْ سَالِمُونَ". حال من مرفوع "يُدعَونَ" الثانية. ومعنى {خَاشِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ}، أي: متواضعةٌ "تَرْهقُهُمْ ذلَّةٌ" وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم، ووجوههم أشد بياضاً من الثلج، وتسود وجوه الكافرين والمنافقين حتى ترجع أشد سواداً من القار. فصل في تقرير كلام أهل اللغة في الساق قال ابن الخطيب بعد أن حكى أقوال أهلِ اللغةِ في الكشف عن الساق: واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعماله في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلامِ إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى يستحيل أن يكون جسماً، فيجب حينئذٍ صرف هذا اللفظ إلى المجاز. واعلم أن صاحب الكشَّاف أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن السَّاق مثلٌ في شدَّة الأمر، فمعنى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} يوم يشتد، ويتعاظم، ولا كشف ثمَّ ولا ساقَ، كما تقول: الشحيح يده مغلولة، ولا يد ثمَّ، ولا غل، وإنما هو مثل في البخلِ، ثم أخذ يعظم علم البيانِ ويقول: لولاه ما وقفنا على هذه الأسرارِ، وأقولُ: إما أن يدعي أنه يجوز صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو تقول: لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بالإجماع، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفةِ في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله: {أية : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}تفسير : [الحج: 23] ليس هناك أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للّذة والسعادة ويقولون في قوله تعالى: {أية : ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ}تفسير : [الحج: 77] وليس هناك ركوع ولا سجود وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع، وفساد الدينِ، وأما من قال: إنه لا يصار إلى التأويل، إلا عند قيام الدليل على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا قولُ كُلِّ أحد من المتكلمين، فأين الدقائق التي استند هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطةِ علم البيان، ثم إن قال بعد أن حكى القول بأن المراد بالساق جهنم، أو ساق العرش، أو ساق ملك عظيم إن اللفظ لا يدل إلا على ساق، وأما أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه، ثم ذكر حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنَّهُ تعالى يتَمثَّلُ للخَلْق يَوْمَ القِيامةِ حِيْنَ يَمُرُّ المُسْلمُونَ فيقول: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فيقولون: نَعْبُدُ اللَّهَ فيُشْهدُهمْ مرَّتينِ، أو ثلاثاً، ثُمَّ يقُولَ: هَلْ تَعْرفُون ربَّكُمْ؟ فيقولون: لَوْ عرَّفنَا نَفسَهُ عرفْناهُ، فعِنْدَ ذلِكَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ فَلا يَبْقَى مُؤمِنٌ إلاَّ خَرَّ للَّه ساجِداً، ويَبْقَى المُنافِقُونَ ظُهُورهُمْ كالطَّبَقِ الوَاحدِ، كأنَّما فيهَا السَّفافِيدُ ". تفسير : قال: واعلم أن هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم متناهي وكل متناهٍ محدث، وأنّ كلَّ جسم ممكن وكل ممكن محدث. وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف أنها ساق مخصوصة معهودة عنده، وهي ساق الرحمن، أما إذا أجملت ففائدة التنكير: الدلالة على التعظيم، كأنه قال: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة لا يمكن وصفها. وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه، ثم حكى قول أبي مسلم: بأنه لا يمكن حمله على يوم القيامة؛ لأنه تعالى قال في وصفه: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} ويوم القيامة ليس فيها تعبد، ولا تكليف، بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ}تفسير : [الفرقان: 22]، وقوله: {أية : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}تفسير : [الأنعام: 158] الآية لأنه الوقت الذي لا تنفع نفساً إيمانها، وإما حال المرض والهرم والعجز، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} مما بهم الآن من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت، أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ}تفسير : [الواقعة: 83]. ثم قال: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قال أبو مسلم، ثم قال: فأما قوله: "إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل في الدنيا والتكاليف زائلة يوم القيامة". فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف بل على سبيل التقريع والتخجيل فلم قلت: إن ذلك غير جائزٍ. قوله {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} في الدنيا {وَهُمْ سَالِمُونَ} معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي: يدعون بالأذان، والإقامة، فيأبون. وقال سعيد بن جبيرٍ: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون، وهم سالمون أصحاء. وقال كعبُ الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: أي: بالتكليف الموجه عليهم في الشرع. قوله: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ}، أي: فدعني والمكذبين بالقرآن وخلّ بيني وبينهم. وقال الزجاجُ: لا تشغل بالك به كِلْهُ إليّ، فإني أكفيك أمره. و"مَنْ" منصوب إما نسقاً على ضمير المتكلم، أو مفعول معه، وهو مرجوح؛ لإمكان النسق من غير ضعف، وتقدم إعراب ما بعده. فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف مما عنده، وفي قدرته من القهر، يقال: ذَرْنِي وإياه أي كِلْهُ إليّ، فأنا أكفيكه. قال السديُّ: والمراد بالحديث القرآن. وقيل: يوم القيامةِ، وهذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. قوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}، أي: سنأخذهم على غفلة، وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر. وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر. وقال الحسن: كم مستدرجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرورٍ بالستر عليه. وقال أبو روق: كلما أحدثوا الخطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار. قال ابن عباسٍ: سنمكر بهم، وروي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: يا ربِّ، كم أعصيك وأنت لا تعاقبني، فأوحى اللَّهُ إلى نبي زمانهم أن قُلْ له: كَمْ مِنْ عقُوبَةٍ لِي عليكَ وأنْتَ لا تَشْعرُ أنَّ جُمُودَ عَيْنِك، وقساوة قلبك استدراجٌ منِّي، وعقُوبةٌ لو عقَلْتَ. والاستدراج: ترك المعالجة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدريج. ومنه قيل: درجات، وهي منزلة واستدرج فلان فلاناً، أي: استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال: درجه إلى كذا، واستدرجه بمعنى أدناه على التدريج، فتدرج. ومعنى الآية: إنا لما أنعمنا عليهم اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة يسبب هلاكهم. قوله: {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي: أمهلهم، وأطيل لهم المدة، كقوله {أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً}تفسير : [آل عمران: 178] والملاوة: المدة من الدهر، وأملى الله له، أي: أطال له، والملوان: الليل والنهار. وقيل: {وَأُمْلِي لَهُمْ}، أي: لا أعاجلهم بالموت، والمعنى واحد، والملا مقصور: الأرضِ الواسعة سميت بها لامتدادها {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي: إن عذابي لقوي شديد؛ فلا يفوتني أحد، وسمى إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً في صورة الكيدِ ووصفه بالمتانة لقوة أثر استحسانه في السبب للهلاك. فصل في إرادة الكائنات قال ابن الخطيبِ: تمسك الأصحاب بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات، لأن هذا الاستدراج والكيد إن لم يكن لهما أثر في الطغيان، فليسا بكيد، ولا استدراج، وإن كان لهما أثر فيه لزم أن يكون الحق سبحانه مريداً له، لأن من فعل شيئاً لحصول شيء وأكده وقواه لا بد وأن يكون مريداً لحصول ذلك الشيء. أجاب الكعبيُّ: بأن المراد استدراجهم إلى الموتِ، أي: يخفى عنهم زمن الموت من حيثُ لا يعلمون، وهو مقتضى الحكمة، وإلا لكان فيه إغراء بالمعاصي، لأنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه أقدموا على المعاصي، ثم صاروا مفتنين. وأجاب الجبائيُّ: بأن معنى قوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُم} أي: إلى العذاب {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} في الآخرة، {وَأُمْلِي لَهُمْ} في الدنيا توكيداً للحجة عليهم {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} فأمهله، وأزيح الأعذار عنه {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}تفسير : [الأنفال: 42]، ويدل على هذا قوله قبل ذلك: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} ولا شك أن هذا التهديد إنما هو بعذاب الآخرة، فوجب أن يكون الاستدراج والكيد المذكور عقيبه هو عذاب الآخرة وأجاب الأصحاب: أن هنا الإمهال إذا كان مؤدياً إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضياً بذلك الطغيان. قوله: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً}. عاد الكلام إلى ما تقدم من قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ} أي: أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله، والمغرم: الغرامة فهم من غرامة ذلك مثقلُون، أي: يثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال، فيثبطهم ذلك عن الإيمان. والمعنى: ليس عليهم كلفة في متابعتك، بل يستولون بالإيمان على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. قوله: {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ}، أي: علم ما غاب عنهم {فَهُمْ يَكْتُبُونَ}. وقيل: أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون، وعن ابن عباسٍ: الغيب هنا هو اللوح المحفوظُ، فهم يكتبون منه ثوابَ ما هم عليه من الكفر، ويخاصمونك به، ويكتبون أنهم أفضل، وأنهم لا يعاقبون. وقيل: "يَكْتُبونَ" أي: يحكمون ما يريدون، وهذا استفهام على سبيل الإنكار.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً ". تفسير : وأخرج ابن مندة في الرد على الجهمية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : {يوم يكشف عن ساق} قال: يكشف الله عز وجل عن ساقه " تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن منده عن ابن مسعود في قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: عن ساقيه تبارك وتعالى. قال ابن منده: لعله في قراءة ابن مسعود "يكشف" بفتح الياء وكسر الشين. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه وابن عساكر عن أبي موسىحديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: عن نور عظيم فيخرون له سجداً ". تفسير : وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن منده والبيهقي في الأسماء والصفات من من طريق إبراهيم النخعي في قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: قال ابن عباس يكشف عن أمر عظيم، ثم قال: قد قامت الحرب على ساق، قال: وقال ابن مسعود: يكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن ويعصو ظهر الكافر فيصير عظماً واحداً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر: شعر : أصبر عناق أنه شر باق قد سن لي قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق تفسير : قال ابن عباس: هذا يوم كرب وشدة. وأخرج الطستي في مسائلة عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: عن شدة الآخرة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : قد قامت الحرب بنا على ساق تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس {يوم يكشف عن ساق} قال: هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة. وأخرج ابن مندة عن ابن عباس في قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: عن شدة الآخرة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن منده عن مجاهد في قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: عن شدة الأمر وجده قال: وكان ابن عباس يقول: هي أشد ساعة تكون يوم القيامة. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قرأ {يوم يكشف عن ساق} قال: يريد القيامة والساعة لشدتها. وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال، وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن منده من طريق عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ "يوم تكشف عن ساق" بفتح التاء، قال أبو حاتم السجستاني: أي تكشف الآخرة عن ساقها يستبين منها ما كان غائباً. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {يوم يكشف عن ساق} بالياء ورفع الياء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن عكرمة أنه سئل عن قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: إن العرب كانوا إذا اشتد القتال فيهم والحرب، وعظم الأمر فيهم قالوا لشدة ذلك: قد كشفت الحرب عن ساق، فذكر الله شدة ذلك اليوم بما يعرفون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله: {يوم يكشف عن ساق} فغضب غضباً شديداً وقال: إن أقواماً يزعمون أن الله يكشف عن ساقه، وإنما يكشف عن الأمر الشديد. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون} قال: هم الكفار كانوا يدعون في الدنيا وهم آمنون فاليوم يدعون وهم خائفون، ثم أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا، فإنه قال: ما كانوا يستطيعون السمع وهي طاعته، وما كانوا يبصرون وأما في الآخرة فإنه قال: لا يستطيعون خاشعة أبصارهم. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: أخبرنا أن بين كل مؤمنين منافقاً يوم القيامة، فيسجد المؤمنان وتقسو ظهور المنافقين، فلا يستطيعون السجود ويزدادون لسجود المؤمنين توبيخاً وحسرة وندامة. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {يوم يكشف عن ساق} قال: عن بلاء عظيم. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي {يوم يكشف عن ساق} قال: عن أمر عظيم الشدة. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس {يوم يكشف عن ساق} قال: عن الغطاء، فيقع من كان آمن به في الدنيا، فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا به في الدنيا، ولا يبصرونه ولا يستطيعون السجود وهم سالمون في الدنيا. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {يوم يكشف عن ساق} قال: أمر فظيع جليل، {ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} قال: ذلكم يوم القيامة ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : يؤذن للمؤمنين يوم القيامة في السجود فيسجد المؤمنون وبين كل مؤمنين منافق، فيتعسر ظهر المنافق عن السجود، ويجعل الله سجود المؤمنين عليهم توبيخاً وصغاراً وذلاً وندامة وحسرة"تفسير : وفي قوله: {وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون} قال: في الصلوات. وأخرج ابن مردويه عن كعب الحبر قال: والذي أنزل التوراة على موسى والإِنجيل على عيسى والزبور على داود والفرقان على محمد أنزلت هذه الآيات في الصلوات المكتوبات حيث ينادي بهن {يوم يكشف عن ساق} إلى قوله: {وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون} الصلوات الخمس إذا نودي بها. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن جبير في قوله: {وقد كانوا يدعون إلى السجود} قال: الصلوات في الجماعات. وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله: {وقد كانوا يدعون إلى السجود} قال: الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يجمع الله الخلائق يوم القيامة ثم ينادي مناد: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع كل قوم ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون وأهل الكتاب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون الله وموسى، فيقال لهم: لستم من موسى وليس موسى منكم، ثم ينصرف بهم ذات الشمال، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون الله وعيسى. فيقال لهم: لستم من عيسى وليس عيسى منكم، ثم يصرف بهم ذات الشمال، ويبقى المسلمون فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: الله، فيقال لهم: هل تعرفونه؟ فيقولون: إن عرّفنا نفسه عرفناه، فعند ذلك يؤذن لهم في السجود بين كل مؤمنين منافق، فتقصم ظهورهم عن السجود، ثم قرأ هذه الآية {ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} . تفسير : وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والطبراني والآجري في الشريعة والدارقطني في الرؤية والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجمع الله الناس يوم القيامة، وينزل الله في ظلل من الغمام فينادي منادٍ يا أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم وصوّركم ورزقكم أن يولي كل إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويتولى أليس ذلك من ربكم عدلاً؟ قالوا: بلى، قال: فينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يعبد في الدنيا ويتمثل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا، فيتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويتمثل لمن كان يعبد عزيراً شيطان عزير، حتى يمثل لهم الشجرة والعود والحجر ويبقى أهل الإِسلام جثوماً فيتمثل لهم الرب عز وجل، فيقول لهم: ما لكم لم تنطلقوا كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا ربّاً ما رأيناه بعد، فيقول: فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه. قال: وما هي؟ قال: {يكشف عن ساق} فيكشف عند ذلك عن ساق فيخر كل من كان يسجد طائعاً ساجداً، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يؤمرون فيرفعوا رؤوسهم، فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك من يعطى نوره على إبهام قدميه يضيء مرة ويطفأ مرة، فإذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفىء قام، فيمر ويمرون على الصراط والصراط كحدّ السيف دحض مزلة، فيقال لهم: انجوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملاً، يمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه يجر يداً ويعلق يداً، ويجر رجلاً ويعلق رجلاً، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد الذي أراناك. لقد أعطانا الله ما لم يعط أحداً، فينطلقون إلى ضحضاح عند باب الجنة، فيغتسلون فيعود إليهم ريح أهل الجنة، وألوانهم، ويرون من خلل باب الجنة وهو يصفق منزلاً في أدنى الجنة فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول لهم: أتسألون الجنة وقد نجيتكم من النار، فيقولون: ربنا أعطنا، حل بيننا وبين النار، هذا الباب لا نسمع حسيسها، فيقول لهم: لعلكم إن أُعْطِيتُمُوهُ أن تسألوا غيره، فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره، وأي منزل يكون أحسن منه؟ قال: فيدخلون الجنة ويرفع لهم منزل أمام ذلك كان الذي رأوا قبل ذلك حلم عنده فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول: لعلكم إن أعطيتكموه أن تسألوا غيره، فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟ فيعطونه، ثم يرفع لهم أمام ذلك منزل آخر كان الذي رأوا قبل ذلك حلم عند هذا الذي رأوا فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول: لعلكم إن أعطيتكموه أن تسألوا غيره، فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره وأي منزل أحسن منه؟ ثم يسكتون فيقولون لهم: ما لكم لا تسألون فيقولون: ربنا قد سألناك حتى استحينا، فيقال لهم: ألم ترضوا أن أعطيكم مثل الدنيا منذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها؟ فيقولون: أتستهزىء بنا وأنت رب العالمين؟ تفسير : قال مسروق: فما بلغ عبد الله هذا المكان من الحديث إلا ضحك، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثه مراراً فما بلغ هذا المكان من الحديث إلا ضحك حتى تبدو لهواته، ويبدو آخر ضرس من أضراسه، يقول: الأسنان. قال:حديث : فيقول لا ولكني على ذلك قادر فاسألوني. قالوا: ربنا ألحقنا بالناس. فيقال لهم: الحقوا الناس، فينطلقون يرملون في الجنة حتى يبدو الرجل منهم في الجنة قصر درة مجوّف فيخر ساجداً، فيقال له: ارفع رأسك، فيرفع رأسه فيقول: رأيت ربي، فيقال له: إنما ذلك منزل من منازلك فينطلق ويستقبله رجل فيتهيأ للسجود فيقال له: ما لك؟ فيقول: رأيت ملكاً، فيقال له: إنما ذلك قهرمان من قهارمتك عبد من عبيدك فيأتيه فيقول: إنما أنا قهرمان من قهارمتك على هذا القصر تحت يدي ألف قهرمان، كلهم على ما أنا عليه، فينطلق به عند ذلك حتى يفتح له القصر، وهي درة مجوّفة سقائفها وأغلاقها وأبوابها ومفاتيحها منها. قال: فيفتح له القصر فتستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء سبعون ذراعاً فيها ستون باباً، كل باب يفضي إلى جوهرة على غير لون صاحبتها، في كل جوهرة سرر وأدراج ونصائف، وقال: وصائف، فيدخل، فإذا هو بحوراء عيناء عليها سبعون حلةٍ يرى مخ ساقها من وراء حللها كبدها مرآته وكبده مرآتها إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفاً عما كانت قبل ذلك، وإذا أعرضت عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفاً عما كان قبل ذلك، فتقول: لقد ازددت في عيني سبعين ضعفاً ويقول لها مثل ذلك. قال: فيشرف على ملكه مد بصره مسيرة مائة عامتفسير : ، قال: فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: ألا تسمع يا كعب ما يحدثنا به ابن أم عبد عن أدنى أهل الجنة ما له، فكيف بأعلاهم؟ قال: يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إن الله كان فوق العرش والماء فخلق لنفسه داراً بيده فزينها بما شاء وجعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه منذ خلقها جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قرأ كعب {أية : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} تفسير : [السجدة: 17] الآية، وخلق دون ذلك جنتين فزينهما بما شاء وجعل فيهما ما ذكر من الحرير والسندس والاستبرق، وأراهما من شاء من خلقه من الملائكة، فمن كان كتابه في عليين نزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عليين في ملكه لم يبقِ خيمة من خيام الجنة إلاّ دخلها من ضوء وجهه حتى إنهم ليستنشقون ريحه ويقولون: واهاً وهذه الريح الطيبة، ويقولون: لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عليين، فقال عمر: ويحك يا كعب إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها فقال كعب: يا أمير المؤمنين إن لجهنم زفرة ما من ملك ولا نبي إلاّ يخر لركبته حتى يقول إبراهيم خليل الله؛ رب نفسي نفسي، وحتى لو كان لك عمل سبعين نبياً إلى عملك لظننت أن لن تنجو منها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن مسعود أنه ذكر عنده الدجال فقال: يفترق ثلاث فرق تتبعه فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها منابت الشيخ، وفرقة تأخذ شط الفرات فيقاتلها ويقاتلونه حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام، فيبعثون إليه طليعة فيهم فارس على فرس أشقر أو أبلق فيقتلون لا يرجع إليهم شيء، ثم ن المسيح ينزل فيقتله ثم يخرج يأجوج ومأجوج فيموجون في الأرض، فيفسدون فيها، ثم قرأ عبد الله {أية : وهم من كل حدب ينسلون} تفسير : [الأنبياء: 96] ثم يبعث الله عليهم دابة مثل هذه النغفة، فتدخل في أسماعهم ومناخرهم، فيموتون منها، فتنتن الأرض منهم، فيجأر أهل الأرض إلى الله فيرسل الله ماء فيطهرها منهم ثم يبعث ريحاً فيها زمهرير باردة فلا تدع على وجه الأرض [7] إلا كفئت بتلك الريح ثم تقوم الساعة على شرار الناس، ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فلا يبقى خلق الله في السموات والأرض إلا مات إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من ابن آدم خلق إلا وفي الأرض منه شيء ثم يرسل الله ماء من تحت العرش منياً كمني الرجال، فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله {أية : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور}تفسير : [الروم: 48] ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها حتى تدخل فيه، فيقومون فيجيئون مجيئة رجل واحد قياماً لرب العالمين، ثم يتمثل الله للخلق فيلقاهم، فليس أحد من الخلق يعبد من دون الله شيئاً إلا هو متبع له يتبعه، فيلقى اليهود فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزيراً، فيقول: هل يسركم الماء؟ قالوا: نعم، فيريهم جهنم كهيئة السراب، ثم قرأ عبد الله {أية : وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً}تفسير : [الكهف: 100] ثم يلقى النصارى فيقولون ما كنتم تعبدون؟ قالوا: المسيح فيقول: هل يسركم الماء؟ قالوا: نعم، فيريهم جهنم كهيئة السراب، وكذلك كل من كان يعبد من دون الله شيئاً، ثم قرأ عبد الله {أية : وقفوهم إنهم مسؤولون} تفسير : [الصافات: 24] حتى يمر المسلمون فيلقاهم فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله، ولا نشرك به شيئاً، فينتهرهم مرة أو مرتين من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله، ولا نشرك به شيئاً، فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحان الله إذا تعرف لنا عرفناه، فعند ذلك {يكشف عن ساق} فلا يبقى مؤمن إلاّ خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كأنما فيها السفافيد، فيقولون: "ربنا فيقول: قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون" ثم يؤمر بالصراط فيضرب على جهنم، فتمر الناس بأعمالهم يمر أوائلهم كلمح البصر أو كلمح البرق، ثم كمر الريح ثم كمر الطير ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك حتى يجيء الرجل سعياً حتى يجيء الرجل مشياً حتى يجيء آخرهم رجل يتكفأ على بطنه، فيقول: يا رب أبطأت بي، فيقول: إنما أبطأ بك عملك ثم يأذن الله في الشفاعة فيكون أول شافع جبريل، ثم إبراهيم خليل الله، ثم موسى، أو قال عيسى، ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم رابعاً لا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله {أية : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} تفسير : [الاسراء: 79] فليس من نفس إلا تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة، فيقال: لو عملتم، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار فيقال: لولا أن منّ الله عليكم ثم يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون، فيشفعهم الله، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين، فيخرج من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق برحمته، حتى ما يترك فيها أحداً فيه خير، ثم قرأ عبد الله يا أيها الكفار {أية : ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين} تفسير : [المدثر: 42] إلى قوله: {أية : وكنا نكذب بيوم الدين}تفسير : [المدثر: 46] قال: ترون في هؤلاء أحداً فيه خير لا وما يترك فيها أحداً فيه خير، فإذا أراد الله أن لا يخرج منها أحداً غير وجوههم وألوانهم فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع، فيقال له: من عرف أحداً فيخرجه فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحداً، فيقول الرجل للرجل: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك، فيقولون: {أية : ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون}تفسير : [المؤمنون: 107] فيقول: {أية : اخسئوا فيها ولا تكلمون}تفسير : [المؤمنون: 108] فإذا قال ذلك أطبقت عليهم، فلم يخرج منهم بشر. أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {ولا تكن كصاحب الحوت} قال: تغاضب كما غاضب يونس. وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن المنذر عن قتادة {ولا تكن كصاحب الحوت} قال: لا تعجل كما عجل، ولا تغاضب كما غاضب. وأخرج الحاكم عن وهب قال: كان في خلق يونس ضيق فلما حملت عليه أثقال النبوة تفسخ منها تفسخ الربع، فقذفها من يديه وهرب، قال تعالى لنبيه {ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم} . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وهو مكظوم} قال: مغموم وفي قوله: {وهو مذموم} قال: مليم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: {وهو مكظوم} قال: مغموم. قوله تعالى: {وإن يكاد الذين كفروا} الآية. أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {ليزلقونك بأبصارهم} قال: ينفذونك بأبصارهم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {ليزلقونك بأبصارهم} لينفذونك بأبصارهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {ليزلقونك بأبصارهم} قال: لينفذونك بأبصارهم معاداة لكتاب الله ولذكر الله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن عطاء قال: كان ابن عباس يقرأ {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} قال: يقول: ينفذونك بأبصارهم من شدة النظر إليك، قال ابن عباس: فكيف يقولون أزلق السهم أو زهق السهم. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير عن ابن مسعود أنه قرأ "ليزهقونك بأبصارهم". وأخرج البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : العين حق ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر ". تفسير : وأخرج البزار عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [الآية: 42]. قال جعفر: عن الأهوال والشدائد والصراط والحساب وعبدى المؤمن الذى سبقت له عنايتى ورحمتى سالم من تلك الأهوال والشدائد ولا يكون له علم بشدائدها وأهوالها وكل ما سبقت له من الله تعالى العناية يسجد بين يديه مفتقرًا ومن سبق له من الله العدل لا يقدر أن يسجد وظهره كالحجر لا يلين بسجود رب العالمين. وقال أيضًا: إذا التقى الولى مع الولى انكشف عنه الشدائد.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}. {عَن سَاقٍ}: أي عن شِدَّةٍ يومَ القيامة. ويقال في التفسير عن ساقِ العرش. يُؤْمَرون بالسجود؛ فأمَّا المؤمنون فيسجدون، وأمَّا الكفار فتُشَدُّ أصلابُهم فلا تنحني. وقيل: يكشف المريضُ عن ساقه - وقت التوفِّي - ليُبْصِرَ ضعفَه - ويقول المؤذَّنُ: حيِّ على الصلاة - فلا يستطيع. وعلى الجملة فقد خَوَّفَهم بهذه القالة: إمَّا عند انتهائهم في الدنيا أو ابتدائهم في الآخرة. {... وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ}. يذكرهم بذلك ليزدادوا حسرةً، ولتكونَ الحجةُ عليهم أبلغَ. قوله جلّ ذكره: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}. سنُقَرِّبُهم من العقوبة بحيث لا يشعرون. والاستدراجُ: أَنْ يريد الشيءَ ويَطْوِي عن صاحبه وَجْهُ القَصْدِ فيه، ويُدْرِجُه إليه شيئاً بعد شيء، حتى يأخذه بغتةً. ويقال: الاستدراج: التمكين من النِّعم مقروناً بنسيان الشكر. ويقال: الاستدراجُ: أنهم كلما ازدادوا معصيةً زادهم نعمةً. ويقال: أَلاَّ يُعاقِبَه في حالِ الزَّلَّة، وإنما يؤخِّر العقوبَة إِلى ما بعدها.. ويقال: هو الاشتغال بالنعمة مع نسيان المنعم. ويقال: الاغترارُ بطول الإمهال. ويقال: ظاهرٌ مغبوط وباطنٌ مُشَوَّش. قوله جلّ ذكره: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}. أُمْهِلُهم... ثم إِذا أَخَذْتُهم فأخْذِي أَليمٌ شديدٌ. قوله جلّ ذكره: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}. أي: ليس عليهم كُلْفة مقابلَ ما تدعوهم إليه، وليست عليهم غرامة إِنْ هم اتبعوك... فأنت لا تسأل أجراً... فما موجِباتُ التأخُّرِ وتركُ الاستجابة؟ {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}؟. أم عندهم شيءٌ من الغيب انفردوا به وأوجب لهم ألا يستجيبوا؟.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} اخبر الله سبحانه انه كشف يوم الشهود لعشاقه واحبائه ومشتاقيه وعرفانه عن بعض صفاته الخاصة ويتجلى منها لهم وهو كشف ستر الغيرة عن عورات اسرار القدم فيشاهدونها بعيون عاشقة حائرة ناظرة الى ربها فيدعون الى السجود من حيث غشيتهم انوار العظمة حتى لا يحترقون فى كشف ستر الصفة فانها موضع العظمة والكبرياء وبدو لطائف انوار اسرار الذات يظهر فى لباس الالتباس حتى لا يفنيهم فناء البقاء بعده والمقصود من زوايد المحبة والنظر وجود العظمة قال جعفر اذا التقى الولى مع الولى انكشف عنه الشدايد.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم يكشف عن ساق} يوم منصوب باذكر المقدر وعن ساق قائم مقام الفاعل ليكشف والمراد يوم القيامة اى اذكر يوم يشتد الامر ويصعب الخطب وكشف الساق مثل فى ذلك ولا كشف ولا ساق ثمة كما تقول للاقطع الشحيح يده مغلولة ولا يد ثمة ولا غل وانما هو مثل فى البخل بأن شبهت حال البخيل فى عدم تيسر الانفاق له بحال من غلت يده وكذا شبهت حال من اشتد عليه الامر فى الموقف بالمخدرات اللاتى اشتد عليهن الامر فاحتجن الى تشمير سوقهن فى الهرب بسبب وقوع امر هائل بالغ الى نهاية الشدة مع انهن لا يخرجن من بيوتهن ولا يبدين زينتهن لغير محارمهن لغاية خوفهن وزوال عقلهن من دهشتهن وفرارهن لخلاص انفسهن فاستعمل فى حق اهل الموقف من الاشقياء ما يستعمل فى حقهن من غير تصرف فى مفردات التركيب بل التصرف انما هو فى الهيئة التركيبية فكشف الساق استعارة تمثيلية فى اشتداد الامر وصعوبته قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحه فالساق التى كشف لهم عبارة عن امر عظيم من اهوال يوم القيامة تقول العرب كشفت الحرب عن ساقها اذا عظم امرها وتقول لمن وقع فى امر عظيم شديد يحتاج فيه الى جهد ومقاساة شمر عن ساقك وكذلك التفت الساق بالساق اى دخلت الاهوال والامور العظام بعضها فى بعض يوم القيامة وقيل ساق الشئ اصله الذى به قوامه كساق الشجر وساق الانسان فان ساق الشجر مثلا اصله والاغصان تنبت على ذلك الاصل وتقوم به فالمعنى حينئذ يوم يكشف عن اصل الامر فتظهر حقائق الامور واصولها بحيث تصير عيانا وتنكيره على الوجه الاول للتهويل لان يوم القيامة يوم يقع فيه امر فظيع هائل منكر خارج عن المألوف وعلى الثانى للتعظيم {ويدعون} اى الكفار والمنافقون {الى السجود} توبيخا وتعنيفا على تركهم اياه فى الدنيا وتحسيرا لهم على تفريطهم فى ذلك لا على سبيل التكليف والتعبد لان يوم القيامة لا يكون فيه تعيد ولا تكليف وسيأتى غير هذا {فلا يستطيعون} لزوال القدرة الحقيقية عليه وسلامة الاسباب والآلات وفيه دلالة على انهم يقصدون السجود فلا يتأتى منهم ذلك ابن مسعود رضى الله عنه تعقم اصلا بهم اى ترد عظاما بلا مفاصل لا تنثنى عند الرفع والخفض فيبقون قياما على حالهم حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على تفريطهم وفى الحديث "حديث : وتبقى اصلابهم طبعا واحدا"تفسير : اى فقارة واحدة. ودرخبرست كه بشت كافر ومنافق جوق سرون كاويك مهره شود (كأن سفافيد الحديد فى ظهورهم) عن ابى بردة عن ابى موسى رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حديث : اذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدونه فى الدنيا فذهب كل قوم الى ما كانوا يعبدون فى الدنيا ويبقى اهل التوحيد فيقال لهم كيف بقيتم فيقولون ذهب الناس فيقولون ان لنا ربا كنا نعبده فى الدنيا ولم نره فيقال تعرفونه اذا رأيتموه فيقولون نعم فيقال لهم كيف ولم تروه قالوا لا يشبهه شئ فيكشف لهم الحجاب فينظرون الى الله تعالى فيخرون له سجدا ويبقى اقوام ظهورهم مثل صياصى البقر فيريدون السجود ولا يستطيعون كقوله تعالى {يوم يكشف} الخ يقول الله يا عبادى ارفعوا رؤوسكم قد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا من اليهود والنصارى فى النارتفسير : قال ابو بردة فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال والله الذى لا اله الا هو أحدثك ابوك بهذا الحديث فحلفت له بثلاث ايمان فقال عمر ما سمعت من اهل التوحيد حديثا هو أحب الى من هذا الحديث وفى تفسير الفاتحة للفنارى رحمه الله يتجلى الحق فى ذلك اليوم فيقول لتتبع كل امة ما كانت تعبد حتى تبقى هذه الامة وفيها منافقوها فيتجلى لهم الحق فى ادنى صورة من الصور التى كان يتجلى لهم فيها قبل ذلك فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا فيقول لهم جل وعلا هل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها فيقولون نعم فيتحول لهم فى الصورة التى عرفوه فيها بتلك العلامة فيقولون أنت ربنا فيأمرهم بالسجود فلا يبقى من كان يسجد لله الا سجد ومن كان يسجد اتقاء ورياء جعل ظهره طبقة نحاس كلما أراد ان يسجد خر على قفاه وذلك قوله تعالى يوم يكشف الخ وقال ايضا يكون على الاعراف من تساوت كفتا ميزانه فهم ينظرون الى النار وينظرون الى الجنة ومالهم رجحان بما يدخلهم احدى الدارين فاذا دعوا الى السجود وهو الذى يبقى يوم القيامة من التكليف يسجدون فيرجح ميزان حسناتهم فيدخلون الجنة انتهى. وكفته اندكه دران روزنورى عظيم بنمايد وخلق بسجده در افتند. فيكون كشف الساق عبارة عن التجلى الالهى كما ذهب اليه البعض وفى الحديث"حديث : يوم يكشف عن ساق"تفسير : قيل عن نور عظيم يخرون له سجدا كما فى كشف الاسرار وفيه ايضا عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قالحديث : يأخذ الله عز وجل للمظلوم من الظالم حتى لا يبقى مظلمة عند احد حتى انه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء فاذا فرغ من ذلك نادى مناد ليسمع الخلائق كلهم ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى احد عبد شيئا من دون الله الا مثلت له آلهته بين يديه ويجعل الله ملكا من الملائكة على صورة عزير ويجعل ملكا من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم فيتبع هذا اليهود ويتبع هذا النصارى ثم تلويهم آلهتهم الى النار وهم الذين يقول الله لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون واذا لم يبق الا المؤمنون وفيهم المنافقون قال الله لهم ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون فيقولون والله ما لنا اله الا الله وما كنا نعبد غيره فيكشف لهم عن ساق ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون به انه ربهم فيخرون سجدا على وجوههم ويخر كل منافق على قفاه وتجعل اصلابهم كصياصى البقر ثم يضرب الصراط بين ظهرانى جهنمتفسير : انتهى. واعلم ان حديث التحول مجمع عليه وهو من آثار الصفات الالهية كرؤيته فى المنام فى الصورة الانسانية والا فالله تعالى بحسب ذاته منزه عن الصورة وما يتبعها ومن مشى على المراتب لم يعثر ثم ان الآية دلت على جواز ورود الامر بتكليف ما لا يطاق والقدرية لا يقولون بذلك ففيها حجة عليهم كما فى اسئلة المقحمة لكن ينبغى أن يعلم ان المراد بما لا يطاق هو المحال العادى كنظر الاعمى الى المصحف ولا نزاع فى تجويز التكليف به وكذا المحال العارضى كايمان أبى جهل فانه صار محالا بسبب عارض وهو اخبار الله تعالى بانه لا يؤمن وقد أجاز الاشاعرة التكليف به ومنعه المعتزلة واما المحال العقلى وهو الممتنع لذاته كاعدام القديم فلم يذهب الى جواز التكليف به احد.
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} ظرف لقوله تعالى:{فَلْيَأتُواْ}، او المعنى فليأتوا بشركائهم فى الدّنيا حتّى نعلم انّ لهم شركاء ويوم يكشف ظرف لقوله تعالى: {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} كناية عن هول اليوم وشدّته، فانّ الامر اذا اشتدّ واحتاج الانسان الى الفرار يكشف عن ساقه يعنى يوم يشتدّ الامر عليهم، او المعنى يوم يكشف عن ساق البدن الاخروىّ فانّ البدن الدّنيوىّ كالحجاب واللّباس للبدن الاخروىّ بل بساق البدن الاخروىّ ولارادة ساق البدن الاخروىّ نكّر السّاق اشارة الى منكوريّته لهم او الى تفخيمه، او المعنى يكشف عن شدّةٍ عظيمةٍ فانّه يكنّى عن الشّدّة بالسّاق، وهذا معنى قوله تعالى: والتفّت السّاق بالسّاق، او المعنى يوم يكشف عن اصل الامور وحقيقتها {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} لانّ استكبارهم عن السّجود فى الدّنيا يظهر بصورة عدم الاستطاعة له فى الآخرة، عنهما (ع) انّهما قالا: افحم القوم ودخلتهم الهيبة وشخصت الابصار وبلغت القلوب الحناجر لما رهقهم من النّدامة والخزى والذّلّة، وعن الرّضا (ع) انّه قال حجاب من نور يكشف فيقع المؤمنون سجّداً ويُدَبَّحُ اصلاب المنافقين فلا يستطيعون السّجود.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} مفعول لمحذوف أي اذكر او ظرف متعلق بيأتوا او بزعيم او بمحذوف للتهويل أي يكون كذا وكذا يوم {يُكْشَفُ} وهو يوم القيامة {عَن سَاقٍ} نائب الفاعل والكشف عن الساق كناية عن شدة الامر للجزاء والحساب ولاساق ثم ولا كشفا عنه كما تقول كشفت الحرب عن ساقها وشمرت وكما يقال أبدت العذراء حزمها والحزام رباط السراويل عند اسفل رجل المرأة وشمرت المخدرات عن سوقهن يقال ذلك عند الشدة كأنهن هربن وكشفن عند ذلك السوق والحزام ليتمكنن من الهرب ولو لم يكن هناك عذراء ولا مخدرة وكما تقول لمن لابد له اذا كان شحيحا يده مغلولة تمثيلا للبخل وتقول للجواد كثير الرماد ولو لم يكن عنده رماد. والمراد بالساق الاصل أي يكشف عن اصل الامر وحقيقته استعارة تحقيقية تصريحية اصلية من ساق الانسان او ساق الشجرة ومن شبه الله بخلقه واثبت له الساق كساق زيد وعمرو فلقلة فهمه لعنه الله وقبحه. قال عاصم بن كليب: رايت ابن عباس غضب غضبا شديدا لم اره غضب مثله قط فقال: انكم تقولون قولا عظيما يعني التشبيه الذي ذكر وانما اراد يكشف عن الامر الشديد قال عاصم: كليب عن ابن عباس لو علمت من يقول هذا التشبيه لفعلت وفعلت وقال ابن عباس: ذلك الوقت هو اشد ساعة في القيامة وعن عمرو بن العاص، يوشك ان ينحل شيطان أوثقه سليمان عليه السلام في البحر فيعلم الناس التشبيه يزينون احاديثهم باحاديث اهل الكتاب في صفة ربهم وعن ابن مسعود لاتسألوا اهل الكتاب عن شيء فلن يهدوكم وقد ضلوا انما هو كذب يصدقونه او صدق يذكبونه. ومن اهل التشبيه مقاتل قال ابو عبيدة: خرج من خراسان رجلان مشبه حتى مثل وهو مقاتل بن سليمان وناف حتى عطل وهو جهم بن صفوان ولا يعلم مقدار عظم هذا العلم ومنافعه الا من أحس بعظم مضار فقده وما قول ابن مسعود يكشف الرحمن عن ساقه فاما المؤمنون فيخرون سجدا واما المنافقون فتكون ظهروهم طبقا طبقا كان فيها السفافيد فمعناه عن هوله الشديد وحقيقة امره او عن ساق آخرته وكذا في الآية يستعار الساق للآخرة وقيل الساق القدرة وعن ابي موسى الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم الساق نور عظيم ومعنى الطبق ان تكون فقرة واحدة لا تنثني وكأنها اقيمت بسفود دخل فيها وتنكير الساق للدلالة على انه امر مبهم في الشدة منكر خارج عن المألوف. وقرىء نكشف بالنون والبناء للفاعل قرىء تكشف بالمثناة فوق والبناء للمفعول ونسبت هذه القراءة لابن عباس وبها مع البناء للفاعل ورويت ايضا عن ابن عباس والنائب والفاعل ضمير الساعة والقيامة او الحال من اسناد الفعل الى زمانه فجاز أو قرىء تكشف بالمثناة الفوقية مضمومة وكسر الشين من كشف الرجل اذا دخل في الكشف واصبح دخل في الصباح واشام واعرق دخل الشام والعراق. قال جار الله ومن حق الساق ان تعرف على ما ذهب اليه المشبه لانها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن وهذا منه رد على المشبه ازراء برأيه {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِِ} امتحانا لايمانهم فانه لو صح تأتي منهم السجود وتوبيخا وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا مع اعقام اصلابهم أي جعلها يابسة لا تنثني وتنديما على تفريطهم في السجود حين كانوا في الدنيا مستطيعين وان اريد باليوم وقت النزع صح التفسير بذلك والدعاء الى الصلوات لاوقاتها لات حين السجود {فَلا يَسْتَطِيعُونَ} السجود لذهاب وقته ولكون ظهرهم طبقة ولذهاب سلامتهم. اذا كان يوم القيامة اذن مؤذن لتتبع كل امة ما كانت تعبد فتتساقط عبدة الاصنام في النار ويقال لليهود ما تعبدون قالوا نعبد عزيز ابن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله صاحبة ولا ولدا فما تبتغون قالوا عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار اليهم لا تردون فيحشرون الى النار كسراب يحكم بعضهم بعضا وكذا النصارى غير انهم يقولون نعبد المسيح ابن الله ويدعو الناس للسجود فيسجد المؤمنون وكلما اراد من كان يسجد رياء او سمعة او نفاقا ان يسجد وقع على قفاه وروي يسجد كل مؤمن وترجع أصلاب المنافقين والكفار كصباص البقر عظما واحدا فلا يستطيعون سجودا ويجعل ظهروهم كصفحة نحاس. واما حديث رؤية الباري فكذب موضوع الحديث اثبات الساق لله افتراء مدفوع وانه كون الصراط جسرا على متن جهنم فكلام مسموع شدد بعض اصحابنا والظاهر انه حق مرفوع وانما الممنوع قطعا هو تفسير الصراط المستقيم في مثل اهدنا الصراط المستقيم به فانه الدين القيم لا الجسر وروى المخالفون عن ابي سعيد: ان العصاة الموحدين من هذه الامة يخرجون من النار فريقا بعد فريق على قدر ايمانهم وطاعتهم وقد اخذتهم النار كذلك الى ساق والى ركبة واقل واكثر وانه قال ان لم تصدقوني فاقرأوا {أية : إِن الله لا يظلم مثقال ذرة وإِن تلك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أَجرا عظيما} تفسير : ويقول الله شفع الملائكة وشفع الانبياء وشفع المؤمنوون ولم يبقى الا ارحم الراحمين فيخرج منها قوما لم يعلموا خيرا قط الى نهر الحياة في فم الجنة فيخرجون كما تنبت الحبة ما يلي الشمس اصفر واخضر ومايلي الظل ابيض فيجعل في رقابهم الخواتم يعرفهم اهل الجنة بعتقاء الرحمن فيدخلهم الجنة ويقول ما رأيتم فهو لكم فيقولون اعطينا ما لم تعط احدا ياربنا فيقول لكم افضل من ذلك فيقولون ياربنا ما افضل منه فيقول رضاي عنكم ابدا وهذا كله غير ثابت عند اصحابنا.
اطفيش
تفسير : {يوْمَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ} متعلق بيأْتوا قبله أو بمحذوف للتهويل يقدر مؤخرا، أى يَوُم يُكْشَفُ عَن سَاقٍ... الخ. يكون كيت وكيت أو بخاشعة أو بتزهق أو هو مفعول به لاذكر وهو يوم القيامة، وقيل هو وقت مرضهم الذى عجزوا فيه، أو يوم الهرم والعجز أو وقت مشاهدة الملائكة عند الموت، لقوله تعالى: {يدعون إِلى السجود} ولا تكليف يوم القيامة ويرده أيضاً أنه تكليف بما لا يطاق فى تلك الأَوقات ولا سيما عند المشاهدة وأيضاً ونحو يمكنه القضاء ولو بالإِيماء، والساق ما فوق الكعب وكشفها كناية عن شدة الأَمر لأَنه إِذا أريد مزاولة أمر عظيم يزال الثوب عن الساق لئلا يعطل عن العمل أو ذلك استعارة تمثيلية أو الساق أصل الشئ وهو ما ينبنى عليه باقي، أى يكشف عن أصل الأَمر وتبدو حقيقته وتعاين فالساق استعارة تصريحية أصلية ويكشف ترشيح مجاز مرسل عن البيان أو باق تبعاً للاستعارة، وذلك اليوم كما قال ابن عباس اشد زمان فى القيامة ومن استعمل الساق فى معنى الشدة قول جرير: شعر : ألا رب ساهى الطرف من آل مازن إِذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا تفسير : وقول قيس بن زهير: شعر : فإِن شمرت لك عن ساقها فدنها ربيع ولا تسأَم تفسير : وقول شاعر: شعر : سن لنا قومك ضرب الأَعناق وقامت الحرب بنا على ساق تفسير : ومن أثبت لله ساقاً على ظاهره أشرك بهذا الاعتقاد وأشرك بتفسير القرآن به، ويكفى فى التشابه ما ورد التصريح به مضافا إِلى الله تعالى مثل: يد الله ووجه الله ويمين الله والاستواء على العرش، فنؤوله بما يليق بوحدانيته، وأما ما لم ينسب إِليه فما الداعى إِلى نسبته إِليه وجعله من المتشابه، وما ورد من إِثباته على ظاهره فى حديث كذب موضوع ولو كان فى الصحيحين وغيرهما، مثل ما يروى عن أبى سعيد، عنه - صلى الله عليه وسلم - حديث : يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد فى الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداًتفسير : ، وإِن صح الحديث فالساق فيه عبارة عن شئ يظهره الله لهم مما شاء أوعن الأَمر الشديد، وكذا حديث حديث : يتبع كل أحد يوم القيامة معبوده إِلا المؤمنون فيبقون حتى يجئ ربهم فيعرفونه بساقه يكشفها لهم وفيها علامةتفسير : ، أعوذ بالله عز وجل من الكفر كله، وإِن صح الحديث فمعناه إِتيان ملك من ملائكة الله تعالى ولا يقولون أنت ربنا وإِن قالوا فالمعنى أنت ملك ربنا وهذا قول عياض وهو عالم عظيم ومن كلامه أيضاً أنه يجوز أن يكون الساق علامة بين الله تعالى وبين المؤمنين من ظهور جماعة من الملائكة على خلقه عظيمة قد تكون ساقاً مخلوقة جعلها الله علامة للمؤمنين خارجة عن السوق المعتادة، ولكن فى كلام آخر له يتجلى الله فى صورة حسنة ولعله أراد يتجلى لهم ملك وأنهم يقولون له أنت ربنا بمعنى أنت ملك ربنا أو رسول ربنا. {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} يدعوهم الله تعالى بما شاء أو الملك، وقيل يدعوهم سجود المؤمنين شكراً يغتبطونه ولا يجدونه، وهو خلاف الظاهر أن الداعى الله لا الملك توبيخاً وتقريعاً على تركهم السجود فى الدنيا وتحسيراً لهم على أمر نافع لهم لو فعلوه فى الدنيا وفاتهم ولا يداركونه لا تكليفاً. {فلاَ يَسْتَطِيعُونَ} لا يستطيعونه وحذف المفعول للفاصلة يريدون السجود فيجعل الله ظهورهم عظماً واحداً لا مفصل له كصياحى البقر.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } متعلق بقوله تعالى{أية : فَلْيَأْتُواْ} تفسير : [القلم: 41] على الوجهين، ويجوز تعلقه بمقدر كاذكر أو يكون كيت وكيت وقيل بخاشعة وقيل بِـ {أية : تَرْهَقُهُمْ}تفسير : [القلم: 43] وأياً ما كان فالمراد بذلك اليوم عند الجمهور يوم القيامة. والساق ما فوق القدم وكشفها والتشمير عنها مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب حتى إنه يستعمل بحيث لا يتصور ساق بوجه كما في قول حاتم:شعر : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا تفسير : وقول الراجز: شعر : عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طواء الخيل عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها حمراء تبرى اللحم عن عراقها تفسير : وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب فإنهن لا يفعلن ذلك إلا إذا عظم الخطب واشتد الأمر فيذهلن عن الستر بذيل الصيانة، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد وإبراهيم النخعي وعكرمة وجماعة، وقد روي أيضاً عن ابن عباس. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في «الأسماء والصفات» من طريق عكرمة عنه أنه سئل عن ذلك فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في / الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر: شعر : صبرا عناق أنه شر باق قد سن لي قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق تفسير : والروايات عنه رضي الله تعالى عنه بهذا المعنى كثيرة. وقيل ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، والمراد يوم يكشف عن أصل الأمر فتظهر حقائق الأمور وأصولها بحيث تصير عياناً وإليه يشير كلام الربيع بن أنس، فقد أخرج عبد بن حميد عنه أنه قال في ذلك: يوم يكشف الغطاء، وكذا ما أخرجه البيهقي على ابن عباس أيضاً قال: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال، وفي الساق على هذا المعنى استعارة تصريحية وفي الكشف تجوز آخر أو هو ترشيح للاستعارة باق على حقيقته. وتنكير {سَاقٍ} قيل للتهويل على الأول وللتعظيم على الثاني وقيل لا ينظر إلى شيء منهما على الأول لأن الكلام عليه تمثيل وهو لا ينظر فيه للمفردات أصلاً. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالساق ساقه سبحانه وتعالى وأن الآية من المتشابه، واستدل على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر وابن مردويه حديث : عن أبـي سعيد قال: سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول: يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً تفسير : وأنكر ذلك سعيد بن جبير، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه سئل عن الآية فغضب غضباً شديداً وقال: إن أقواماً يزعمون أن الله سبحانه يكشف عن ساقه وإنما يكشف عن الأمر الشديد وعليه يحمل ما في الحديث على الأمر الشديد أيضاً. وإضافته إليه عز وجل لتهويل أمره وأنه أمر لا يقدر عليه سواه عز وجل. وأرباب الباطن من الصوفية يقولون بالظاهر ويدعون أن ذلك عند التجلي الصوري وعليه حملوا أيضاً ما أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» والطبراني والدارقطني في «الرؤية» والحاكم وصححه وابن مردويه وغيرهم عن ابن مسعود عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال:((حديث : يجمع الله الناس يوم القيامة وينزل الله في ظلل من الغمام فينادي مناد يا أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم أن يولي كل إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويتولى أليس ذلك عدلاً من ربكم قالوا بلى قال فلينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يتولى في الدنيا ويتمثل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا ويمثل لمن كان يعبد عيسى عليه السلام شيطان عيسى وكذا يمثل لمن كان يعبد عزيراً حتى تمثل لهم الشجرة والعود والحجر ويبقى أهل الإسلام جثوماً فيتمثل لهم الرب عز وجل فيقال لهم ما لكم لم تنطلقوا كما انطلق الناس فيقولون إن لنا رباً ما رأيناه بعد، فيقول فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟ قالوا بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه قال وما هي؟ قالوا: يكشف عن ساق فيكشف عند ذلك))تفسير : الحديث وهو ونظائره من المتشابه عند السلف. وقرأ ابن مسعود وابن أبـي عبلة (يكشف) بفتح الياء مبنياً للفاعل وهي رواية عن ابن عباس، وقرأ ابن هرمز(نكشف) بالنون وقرىء (يكشف) بالياء التحتية مضمومة وكسر الشين من أكشف إذا دخل في الكشف ومنه أكشف الرجل فهو مكشف انقلبت شفته العليا وقرىء (تكشف) بالتاء الفوقية والبناء للفاعل وهو ضمير الساعة المعلومة من ذكر يوم القيامة أو الحال المعلومة من دلالة الحال وبها، والبناء للمفعول وجعل الضمير للساعة أو الحال أيضاً. وتعقب بأنه يكون الأصل حينئذٍ يكشف الله الساعة عن ساقها مثلاً ولو قيل ذلك لم يستقم لاستدعائه إبداء الساق وإذهاب الساعة كما تقول كشفت عن وجهها القناع والساعة ليست ستراً على الساق حتى تكشف. وأجيب أنها جعلت ستراً مبالغة لأن المخدرة تبالغ في الستر جهدها فكأنها نفس الستر فقيل تكشف الساعة وهذا كما تقول كشفت زيداً عن جهله إذا بالغت في إظهار جهله لأنه كان ستراً على جهله يستر معايبه فأبنته وأظهرته إظهاراً لم يخف على أحد وقيل عليه إن الإذهاب حينئذٍ ادعائي / ولا يخفى ما فيه من التكلف ولا عبرة بما ذكر من المثال المصنوع وأقل تكلفاً منه جعل {عَن سَاقٍ} بدل اشتمال من الضمير المستتر في الفعل بعد نزع الخافض منه، والأصل يكشف عنها أي عن الساعة أو الحال فنزع الخافض واستتر الضمير. وتعقب بأن إبدال الجار والمجرور من الضمير المرفوع لا يصح بحسب قواعد العربية فهو ضغث على إبالة وتكلف على تكلف. وقيل أن {عَن سَاقٍ} نائب الفاعل وتعقب بأن حق الفعل التذكير كصرف عن هند ومر بدعد. {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ } توبيخاً وتعنيفاً على تركهم إياه في الدنيا وتحسيراً لهم على تفريطهم في ذلك {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } لزوال القدرة عليه. وفيه دلالة على أنهم يقصدونه فلا يتأتى منهم، وعن ابن مسعود تعقم أصلابهم أي ترد عظاماً بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض. وتقدم في حديث البخاري ومن معه ما سمعت. وفي حديث حديث : تصير أصلاب المنافقين والكفار كصياصي البقر عظماً واحداً تفسير : والظاهر أن الداعي الله تعالى أو الملك وقيل هو ما يرونه من سجود المؤمنين. واستدل أبو مسلم بهذه الآية على أن يوم الكشف في الدنيا قال لأنه تعالى قال: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا تكليف فيراد منه إما آخر أيام الشخص في دنياه حين يرى الملائكة وإما وقت المرض والهرم والمعجزة، ويدفع بما أشرنا إليه.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون {يوم يُكشف} متعلقاً بقوله: {أية : فليأتوا بشركائهم}تفسير : [القلم: 41]، أي فليأتوا بالمزعومين يومَ القيامة، وهذا من حُسن التخلص إلى ذكر أهوال القيامة عليهم. ويجوز أن يكون استئنافاً متعلقاً بمحذوف تقديره: اذكُرْ يوم يُكشف عن ساق ويُدعون إلى السجود الخ للتذكير بأهوال ذلك اليوم. وعلى كلا الوجهين في تعلق {يوم} فالمراد باليوم يوم القيامة. والكشف عن ساق: مثَل لشدة الحال وصعوبة الخطب والهول، وأصله أن المرء إذا هلع أن يسرع في المشي ويشمر ثيابه فيكشف عن ساقه كما يقال: شمر عن ساعد الجد، وأيضاً كانوا في الروع والهزيمة تشمر الحرائر عن سوقهن في الهرب أو في العمل فتنكشف سوقهن بحيث يشغلهن هول الأمر عن الاحتراز من إبداء ما لا تبدينه عادةً، فيقال: كشفت عن ساقها أو شَمَّرت عن ساقها، أو أبْدت عن ساقها، قال عبد الله بن قيس الرقيات:شعر : كيف نوْمي على الفراش ولما تشملْ الشامَ غارةٌ شَعْواء تُذهل الشيخ عن بنيه وتبدي عن خِدَام العقيلة العذراء تفسير : وفي حديث غزوة أحد قال أنس بن مالك: «انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقد رأيت عائشة وأم سليم وأنهما لمشمّرتان أرى خَدَم سوقهمَا تنقلان القِرَب على متُونهما ثم تُفْرِغَانها في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها» الخ، فإذا قالوا: كشف المرء عن ساقه فهو كناية عن هول أصابه وإن لم يكن كشف ساقه. وإذا قالوا: كشف الأمر عن ساق، فقد مثلوه بالمرأة المروعة، وكذلك كشفت الحرب عن ساقها، كل ذلك تمثيل إذ ليس ثمة ساق قال حاتم:شعر : فتى الحرب عضّت به لحرب الحرب عضها وإن شمرت عن سَاقها الحرب شمَّرا تفسير : وقال جد طرفة من الحماسة:شعر : كشفتْ لهم عن ساقها وبدا من الشر البَواح تفسير : وقرأ ابن عباس {يوم تَكشف} بمثناة فوقية وبصيغة البناء للفاعل على تقدير تكشف الشدة عن ساقها أو تكشف القيامة، وقريب من هذا قولهم: قامت الحرب على ساق. والمعنى: يوم تبلغ أحوال الناس منتهى الشدة والروْع، قال ابن عباس: يكشف عن ساق: عن كرب وشدة، وهي أشد ساعة في يوم القيامة. وروى عبد بن حميد وغيره عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن هذا، فقال: «إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب»، أما سمعتم قول الشاعر:شعر : صبراً عَنَاقُ إنه لشِرْباقْ فقد سنّ لي قومُككِ ضربَ الأعناقْ وقامت الحرب بنا على ساق تفسير : وقال مجاهد: {يكشف عن ساق}: شدّة الأمر. وجملة {ويُدْعون} ليس عائداً إلى المشركين مثل ضمير {أية : إِنا بلوناهم}تفسير : [القلم: 17] إذ لا يساعد قوله: {وقد كانوا يدعون إلى السجود} فإن المشركين لم يكونوا في الدنيا يُدْعَون إلى السجود. فالوجه أن يكون عائداً إلى غير مذكور، أي ويُدعَى مدعوون فيكون تعريضاً بالمنافقين بأنهم يحشرون مع المسلمين ويمتحن الناس بدعائهم إلى السجود ليتميز المؤمنون الخُلص عن غيرهم تَميز تشريف فلا يستطيع المنافقون السجود فيفتضح كفرهم، قال القرطبي عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود: فمن كان يعبد الله مخلصاً يخِرُّ ساجداً له ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأنَّ في ظهورهم السفافيد اهـ. فيكون قوله تعالى: {ويُدعون إلى السجود} إدماجاً لذكر بعض ما يحصل من أحوال ذلك اليوم. وفي «صحيح مسلم» من حديث الرؤية وحديث الشفاعة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فيُكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلاّ أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد رياء إلاّ جعل الله ظهره طبقَة واحدة كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه» تفسير : الحديث، فيصلح ذلك تفسيراً لهذه الآية. وقد اتبع فريق من المفسرين هذه الرواية وقالوا: يكشِف الله عن ساقه، أي عن مثل الرِجْل ليراها الناس ثم قالوا هذا من المتشابه، على أنه روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {عن ساقٍِ} قال يكشف عن نور عظيم يَخرون له سجداً. ورُويت أخبار أخرى ضعيفة لا جدوى في ذكرها. و {السجود} الذي يُدعون إليه: سجودُ الضراعة والخضوع لأجل الخلاص من أهوال الموقف. وعدم استطاعتهم السجود لسلب الله منهم الاستطاعة على السجود ليعلموا أنهم لا رجاء لهم في النجاة. والذي يدعوهم إلى السجود الملائكة الموكلون بالمحشر بأمر الله تعالى كقوله تعالى: {أية : يَوم يدعو الداعي إلى شيء نكر} تفسير : إلى قوله: {أية : مهطعين إلى الداعي}تفسير : [القمر: 6ــ 8]، أو يدعو بعضهم بعضاً بإلهام من الله تعالى، وهو نظير الدعوة إلى الشفاعة في الأثر المروي «فيقول بعضهم لبعض: لو استشفعنا إلى ربّنا حتى يريحنا من موقفنا هذا». وخشوع الأبصار: هيئة النظر بالعين بذلة وخَوف، استعير له وصف {خاشعة} لأن الخاشع يكون مطأطئا مختفياً. و {ترهقهم}: تحل بهم وتقترب منهم بحرص على التمكن منهم، رَهِقَ من باب فَرِح قال تعالى: {أية : تَرْهَقُها قَتَرة}تفسير : [عبس: 41]. وجملة {ترهقهم ذِلة} حال ثانية من ضمير {يستطيعون}. وجملة {وقد كانوا يُدْعَوْن إلى السجود وهم سالمون} معترضة بين ما قبلها وما تفرع عنها، أي كانوا في الدّنيا يُدعون إلى السجود لله وحده وهم سالمون من مثل الحالة التي هم عليها في يوم الحشر. والواو للحال وللاعتراض. وجملة {وهم سالمون} حال من ضمير {يُدعون} أي وهم قادرون لا علة تعوقهم عنه في أجسادهم. والسلامة: انتفاء العلل والأمراض بخلاف حالهم يوم القيامة فإنهم مُلْجَأُون لعدم السجود.
د. أسعد حومد
تفسير : (42) - فَلْيَأْتُوا بَهَؤُلاَءِ الشُّرَكَاءِ لِيُعَاوِنُوهُمْ حِينَمَا يَشْتَدُّ الهَوْلُ، وَيَعْظُمُ الخَطْبُ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَحِينَئِذٍ يُدْعَى هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ إِلَى السُّجُودِ، تَوْبِيخاً لَهُمْ عَلَى تَرْكِهِم الصَّلاَةَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ، فَتَزْدَادُ حَسْرَتُهُمْ وَنَدَامَتُهُمْ. يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ - تَعْبِيرٌ يَعْنِي اشْتِدَادَ الأَمْرِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
الثعلبي
تفسير : {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} أي عن أمر شديد فظيع، وهو إقبال الآخرة. قرأه العامة بياء مضمومة، وقرأ ابن عباس بتاء مفتوحة، أي يكشف القيامة عن ساقها. وقرأ الحسن بتاء مضمومة {عَن سَاقٍ} أي عن أمر شديد فظيع، وهو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا وهذا من باب الإستعارة، يقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج فيه إلى جد وجهد ومعاناة ومقاساة للشدة : شمّر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة. قال دريد بن الصمّة يرثي رجلا: شعر : كميش الازار خارج نصف ساقه صبور على الجلاء طلاع أنجد تفسير : ويقال للأمر إذا اشتدّ وتفاقم وظهر وزالت عماه : كشف عن ساقه، وهذا جائز في اللغة، وإن لم يكن للأمر ساق وهو كما يقال : أسفر وجه الأمر، واستقام صدر الرأي. قال الشاعر يصف حرباً: شعر : كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر الصراح تفسير : وأنشد ابن عباس: شعر : اصبر عناق أنّه شرّ باق قد سنّ لي قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق. تفسير : وقال آخر: شعر : قد كشفت عن ساقها فشدّوا وجدت الحرب بكم فجدّوا تفسير : والعرب تقول له : الحرب كشفت عن ساقها. قال الشاعر: شعر : عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طراد الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها حمراء تبري اللحم عن عراقها تفسير : ونحو ذلك قال أهل التأويل. أخبرنا أبو بكر بن عبد أوس، أخبرنا أبو الحسن محفوظ، حدّثنا عبد الله بن هاشم، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفير عن عاصم، عن سعيد بن جبير: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال: عن شدّة الأمر. وقال ابن عباس: هي أشد ساعة في يوم القيامة. وقال الربيع عن العطا: أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن جعفر بن سلم الجتلي، حدّثنا محمد بن عمر وابن مسعدة البيروتي، حدّثنا محمد بن الوزير السلمي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا روح بن جناح عن مولى عمر بن عبد العزيز عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري، حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال: "نور عظيم يخرّون له سجّداً ". تفسير : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الرومي يقرأ أبي عليه في مسجده يوم السبت لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدّثنا زهير بن محمد، حدّثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدّثنا قريش بن حيان العجلي، حدّثنا بكر بن وائل عن الزهري عن أبي عبد الله الأغر حديث : عن أبي هريرة قال: قلنا: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟". قلنا: لا. قال: "فهل تضارون في القمر ليلة البدر؟". قلنا: لا. قال: "فإنّكم ترون كذلك، إذا كان يوم القيامة جُمع الأوّلون والآخرون، ونادى مناد: من كان يعبد شياً فليلزمه، وترفع لهم آلهتهم التي كانوا يعبدون فتمضي ويتبعونها حتى يقذفهم في النار، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيقال لهم: ذهب الناس وبقيتم فيقولون: لنا ربّ لم نره بعد، قال: يقول هل تعرفونه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه آية إذا رأيناه عرفناه، فيكشف لهم عن ساق فيخرون له سجداً، ويبقى أقوام ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون ". تفسير : أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم قراءة عليه في جمادي الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، أخبرنا أبو بكر الشافعي، حدّثنا أبو قلابة الرقاشي، حدّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، حدّثنا إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يأخذ الله تعالى للمظلوم من الظالم، حتى لا يبقى مظلمة عند أحد حتى أنه يكلف شائب اللبن بالماء ثمّ يتبعه أن يخلص اللبن من الماء، فإذا فرغ من ذلك نادى مناد يسمع الخلائق كلهم ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى أحدٌ عبد شيئاً من دون الله إلاّ مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل الله ملكاً من الملائكة على صورة عزير، ويجعل الله ملكاً من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم، فيتبع هذا اليهود ويتبع هذا النصارى، ثمّ يلونهم، وقيل : تلونهم آلهتهم إلى النار، وهم الذين يقول الله تعالى: {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 99] فإذا لم يبق إلاّ المؤمنون، وفيهم المنافقون قال الله لهم: ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: ما لنا إله إلاّ الله وما كنا نعبد غيره، فينصرف الله تعالى فيمكث ما شاء أن يمكث، ثمّ يأتيهم فيقول: أيّها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون والله ما لنا إله إلاّ الله وما كنا نعبد غيره، فيكشف لهم عن ساق ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربّهم، فيخرون سجّداً على وجوههم ويخر كل منافق على قفاه يجعل الله أصلابهم كصياصي البقر، ثمّ يضرب الصراط بين ظهراني جهنم ". تفسير : أخبرنا عقيل بن محمد بن أحمد أن أبا الفرج البغدادي القاضي، أخبرهم عن أبي جعفر الطبري، حدّثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدّثنا أبي وشعيب بن الليث عن الليث، حدّثنا خالد بن يزيد بن أسلم عن أبي هلال، قال أبو جعفر: وحدثني موسى بن عبد الرحمن بن المسروقي، حدّثنا جعفر بن عون، حدّثنا هشام بن سعيد، حدّثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا ليلحق كل أمة بما كانوا يعبدون (فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كلّ آلهة مع آلهتهم) فلا يبقى أحد كان يعبد صنماً ولا وثناً ولا صورة إلاّ ذهبوا حتى يتساقطون في النار، ويبقى من كان يعبد الله وحده من بر وفاجر وغبرات من أهل الكتاب، ثمّ يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب يحطم بعضها، بعضاً ثمّ يدعى اليهود فيقال: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: عزير بن الله فيقول: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تريدون؟ فيقولون: أي ربنا ظمئنا أسقنا فيقول: أفلا تردّون فيذهبون حتى يتساقطون في النار، ثمّ يدعى النصارى فيقول: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيح ابن الله فيقول: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ فيقولون: أي ربّنا ظمئنا اسقنا، فيقول: أفلا تردّون فيذهبون فيتساقطون في النار، فيبقى مَن كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، ثمّ يأتي الله تعالى جل جلاله لنا في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أوّل مرة، فيقول: أيها الناس لحقت كل أمة بما تعبد، ونحن ننظر ربنا الذي كنا نعبد، فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، فيقول: هل بينكم وبين الله من آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فيخرون سجداً لله تعالى أجمعون، ولا يبقى من كان سجد في الدنيا سمعةً ورياءً ولا نفاقاً إلاّ صار ظهره طبقاً واحداً، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثمّ يدفع برّنا ومسيئنا وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أوّل مرّة، فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعم أنت ربّنا ثلاث مرّات ". تفسير : وبه قال أبو جعفر بن جرير الطبري، حدّثنا أبو لهب، حدّثنا أبو بكر، حدّثنا الأعمش، عن المنهال عن قيس بن بكر، قال: حدثني عبد الله وهو عند عمر قال: إذا كان يوم القيامة يقوم الناس بين يدي رب العالمين أربعين عاماً، شاخصة أبصارهم إلى السماء، حفاة عراة يلجمهم العرق، ولا يُكلّمهم بشيء أربعين عاماً، ثمّ ينادي مناد: يا أيها الناس أليس عدلا من ربكم الذي خلقكم وصوّركم ورزقكم ثمّ عبدتم غيره أن يولي كل قوم ما تولوا؟ قالوا: نعم، قال: فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونها حتى تقذفهم في النار، فيبقى المسلمون والمنافقون فيقال: ألا تذهبون قد ذهب الناس؟ فيقولون: حتى يأتينا ربّنا، قال: وتعرفونه؟ قالوا: إن اعترف لنا، قال: فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلى لهم فيخرّ من كان يعبده ساجداً ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأنّ في ظهورهم السفافيد فيذهب بهم إلى النارويدخل هؤلاء الجنّة، فذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ (*) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوههم أشد بياضاً من الثلج، وتسوّد وجوه الكافرين والمنافقين. {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ} في الدنيا. {إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} أصحاء فلا يأتونه ويأبونه. قال إبراهيم: التيمي: يدعون إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة فيأبونه. وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجيئون. قال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلاّ في الذين يتخلّفون عن الجماعات. ويروى أنّ ربيع بن الجثم عرض له الفالج فكان يتهادى بين رجلين إلى المسجد، فقيل له: يا أبا يزيد لو جلست فإن لك رخصة، قال: من سمع حي على الفلاح فليجب ولو حبواً. قيل لسعيد بن المسيب: إنّ طارقاً يريد قتلك فتغيّب، فقال: أحيث لا يقدره عليّ الله، فقيل له: فاجلس، فقال: أسمع حيّ على الفلاح فلا أجيب. {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} أي فدعني والمكذبين بهذا القرآن. {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} سنأخذهم {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} فيعذّبوا يوم بدر. وقيل: معناه سنزيدهم حزناً وخذلاناً فيزدادوا عصياناً وطغياناً. وقال سفيان الثوري: يسبغ عليهم النعم وينسيهم الشكر. وقال [العباد]: لم نعاقبهم في وقت مخالفتهم فيستيقظوا بل أمهلناهم ومددنا لهم في النعم حتى زال عنهم خاطر التدبير، فكانوا منعّمين في الظاهر مستدرجين في الحقيقة. وقال الحسن: كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه. {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} في الضجر والغضب والعجلة وهو يونس (عليه السلام). {إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} مغموم {لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ} أدركه، وفي مصحف عبد الله (تداركته) بالتاء. {نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} حين رحمه وتاب عليه {لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} مليم مجرم. {فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وذلك أنّ الكفار أرادوا أن يعيّنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش، وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه. وقيل: كانت العين في بني أسد، حتى أن كانت الناقة السمينة والبقرة السمينة تمرّ بأحدهم فيعاينها ثمّ يقول: يا جارية خذي المكيل والدرهم فاتينا بلحم من لحم هذه البقرة، فما تبرح حتى تقع بالموت فتنحر. وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثة، ثمّ يرفع جانب خبائه فتمر به الإبل فيقول: لم أرَ كاليوم إبلا ولا غنماً أحسن من هذه، فما تذهب إلاّ قريباً حتى يسقط منها طائفة وعدة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين ويفعل به مثل ذلك، فأجابهم وأنشد: شعر : قد كان قومك يحسبونك سيداً وأخال أنّك سيد معيون تفسير : فعصم الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم وأنزل {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: ويكاد الذين كفروا. {لَيُزْلِقُونَكَ} دخلت اللام لمكان إن، وقرأ الأعمش وعيسى "ليرهقونك"، وهي قراءة ابن عباس وابن مسعود أي يهلكونك، وقرأ أهل المدينة بفتح الياء "لَيَزْلِقُونَكَ"، وقرأ غيرهم بضمه، وهما لغتان، يقال: زلّفه تزلقه زلقاً، أزلقه تزلقه إزلاقاً بمعنى واحد، واختلفت عبارات المفسرون في تأويله. قال ابن عباس: يقذفونك بأبصارهم {لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ}. ويقال: زهق السهم وزلق إذا نفذ، وقال قتادة، بمعنى يزهقونك، معمر عن الكلبي: يصرعونك، حيان عنه: يصرفونك عما أنت عليه من تبيلغ الرسالة، عطية: يرجونك، المؤرخ: يزيلونك، النضر بن شميل والأخفش: يعينونك، قال عبد العزيز بن يحيى: ينظرون إليك نظراً شزراً بتحديق شديد يروّعنك به ويظهرون العداوة لك. السدي: يصيبونك بعيونهم، ابن زيد : ليمسوك، جعفر: ليأكلونك، الحسن وابن كيسان: ليقتلونك، وهذا كما يقال: صرعني بطرفه وقتلني بعينه، وقال الشاعر: شعر : ترميك مزلقة العيون بطرفها وتكلّ عنك نصال نبل الرامي تفسير : وقال آخر: شعر : يتقارضون إذا التقوا في موطن نظراً يزيل مواطئ الأقدام تفسير : وقال الحسن: دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العين حق، وأن العين لتُدخل الرجل القبر، والجمل القدر ". تفسير : {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ} يعني محمداً، وقيل: القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} معناه عن شِدةٍ وكَربٍ. قال الإِمام زيد بن علي عليهما السّلامُ: كانت العَربُ إذا نَزلتْ فيه الحَربُ أو أمرٌ عَظيمٌ الذي لا أَشدَّ منهُ قالوا كَشَفَتْ الحَربُ عَنْ سَاقٍ. قال الله عز وجل: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} قال أبو خالد رحمه الله: سَمِعتُ الإِمامَ زيد بن علي صلواتُ الله عليهِ يَقولُ ذَاتَ يومٍ وقَدْ غَضِبَ غَضباً شَديداً إِنَّ الله يَكْشِفُ عن سَاقٍ إنما هو الأَمرُ الشَّديدُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: إذا كان يوم القيامة، وانكشف فيه من القلاقل [والزلازل] والأهوال ما لا يدخل تحت الوهم، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ومجازاتهم فكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء، ورأى الخلائق من جلال الله وعظمته ما لا يمكن التعبير عنه، فحينئذ يدعون إلى السجود لله، فيسجد المؤمنون الذين كانوا يسجدون لله، طوعًا واختيارًا، ويذهب الفجار المنافقون ليسجدوا فلا يقدرون على السجود، وتكون ظهورهم كصياصي البقر، لا يستطيعون الانحناء، وهذا الجزاء ما جنس عملهم، فإنهم كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود لله وتوحيده وعبادته وهم سالمون، لا علة فيهم، فيستكبرون عن ذلك ويأبون، فلا تسأل يومئذ عن حالهم وسوء مآلهم، فإن الله قد سخط عليهم، وحقت عليهم كلمة العذاب، وتقطعت أسبابهم، ولم تنفعهم الندامة ولا الاعتذار يوم القيامة، ففي هذا ما يزعج القلوب عن المقام على المعاصي، و[يوجب] التدارك مدة الإمكان. ولهذا قال تعالى: { فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 3291- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن أبيه، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}: [الآية: 42]، قال: عن أمر عظيم. وقال: قد قَامَتِ الحرب عَلَى ساق، وقال إبراهيم، قال ابن مَسْعُودٍ: {يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}: [الآية: 42]، قال: قال ابن عباس: يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فيسجد كل مؤمن، ويقسو ظهر الكافِر فيكون عظماً واحِداً. 3293- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}: [الآية: 42]، قال: يُكْشَفُ عن شِدَّة الأمر. 3294- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن (أبي صادق)، عن ابن مَسْعُود، في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}: [الآية: 42]، قال: يعني: ساقيه تبارك وتعالى. 3295- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ}: [الآية: 42]، قال: بلغني أنه يُؤْذَنُ للمؤمنين يوم القيامة في السُّجُود وبين كل مؤمِنين مُنافق، فيسجد المؤمِنُونَ، وَلاَ يستطيع المنافِقُونَ أن يسجدوا أحْسَبُهُ قال: تَقْسُوا ظهورهم، ويكون سجود المؤمنين توبيخاً لهم، قال: {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ}: [الآية: 43].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):