٦٨ - ٱلْقَلَم
68 - Al-Qalam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {خَٰشِعَةً } حال من ضمير يدعون، أي ذليلة {أَبْصَٰرُهُمْ } لا يرفعونها {تَرْهَقُهُمْ } تغشاهم {ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ } في الدنيا {إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ } فلا يأتون به بأن لا يصلّوا.
الخازن
تفسير : {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة} وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم من السجود ووجوههم أشد بياضاً من الثلج وقد علاها النور والبهاء وتسود وجوه الكفار والمنافقين ويغشاهم ذل وخسران وندامة {وقد كانوا يدعون إلى السجود} يعني في دار الدنيا كانوا يدعون إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة وذلك أنهم كانوا يسمعون حي على الصلاة حي على الفلاح فلا يجيبون {وهم سالمون} يعني أنهم كانوا يدعون إلى الصلاة وهم أصحاء فلا يأتونها قال كعب الأحبار والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعة.
اسماعيل حقي
تفسير : {خاشعة ابصارهم} حال من مرفوع يدعون على ان ابصارهم مرتفع به على الفاعلية ونسبة الخشوع الى الابصار لظهور اثره فيها والا فالاعضاء ايضا خاشعة ذليلة متواضعه بل الخاشع فى الحقيقه هو القلب لكونه مبدأ الخشوع (وقال الكاشفى) يعنى خداوندان ابصار سر دربيش افكنده وشر منده باشد. قال ابو الليث وذلك ان المسلمين اذا رفعوا رؤوسهم من السجود صارت بيضاء كالثلج فيما نظر اليهم اليهود والنصارى والمنافقون وهم الذين لم يقدروا على السجود حزنوا واغتموا واسودت وجوههم كما قال تعالى {ترهقهم} تلحقهم وتغشاهم فان الرهق غشيان الشئ الشئ {ذلة} شديدة تخزيهم كأنه تفسير لخشوع ابصارهم يقال ذل يذل ذلا بالضم وذلة بالكسر وهو ذليل يعنى خوار {وقد كانوا} فى الدنيا {يدعون} دعوة التكليف {الى السجود} اى اليه والاظهار فى الموضع الاضمار لزيادة التقرير او لان المراد به الصلاة او ما فيها من السجود وخص السجود بالذكر من حيث انه اعظم الطاعات قال بعضهم يدعون بدعوة الله صريحا مثل قوله تعالى {أية : فاسجدوا لله واعبدوا}تفسير : او ضمنا مثل قوله تعالى {أية : اقيموا الصلاة}تفسير : فان الدعوة الى الصلاة دعوة الى السجدة وبدعوة رسول الله عليه السلام صريحا كقوله عليه السلام حديث : اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فاكثروا الدعاءتفسير : قالوا اى السجود او ضمنا كقوله عليه عليه السلام حديث : صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة اموالكم واطيعوا اذا امركم تدخلوا جنة ربكمتفسير : وبدعوة علماء كل عصر ومن اعظم الدعوة الى السجود اذان المؤذنين واقامتهم فان قولهم حى على الصلاة دعوة بلا مرية فطوبى لمن اجاب دعوتهم بطوع لا باكراه امتثالا لقوله تعالى اجيبوا داعى الله والجملة حال من ضمير يدعون {وهم سالمون} حال من مرفوع يدعون الثانى اى اصحاء فى الدنيا سلمت اعضاؤهم ومفاصلهم من الآفات والعلل متمكنون من ادآء السجدة وقبول الدعوة اقوى تمكن اى فلا يجيبون اليه ويابونه وانما ترك ذكره ثقة بظهوره وبالفارسية وايشان تندرست بودند وقادر بران جون فرصت فوت كردند درين روز جز حسرت وندامت بهره ندارند شعر : مده فرصت از دست كر بايدت كه كوى سعادت زميدان برى كه فرصت عزييزست جون فوت شد بسى دست حسرت بدندان برى تفسير : وفى الآية وعيد لمن ترك الصلاة المفروضة او تخلف عن الجماعة المشروعة قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرزقنى مرافقتك فى الجنة فقال اعنى بكثرة السجود وكان السلف يعزون انفسهم ثلاثة ايام اذا فاتهم التكبير الاول وسبعة اذا فاتهم الجماعة قال ابو سليمان الدارانى قدس سره أقمت عشرين سنة ولم أحتلم فدخلت مكة فأحدثت بها حدثا فما اصبحت الا احتلمت وكان الحدث ان فاتته صلاة العشاء بجماعة وقال الشيخ ابو طالب المكى قدس سره فى قوت القلوب ولا بد من صلاة الجماعة سيما اذا سمع التأذين او كان فى جوار المسجد وحد الجوار أن يكون بينه وبين المسجد مائة دار واولى المساجد التى يصلى فيها اقربها اليه الا أن يكون له نية فى الا بعد لكثرة الخطى او لفضل امام فيه فالصلاة خلف العالم الفاضل افضل او يريد اى يعمر بيتا من بيوت الله بالصلاة فيه وان بعد وقال سعيد ابن المسيب رحمه الله من صلى الخمس فى جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة وقال ابو الدردآء رضى الله عنه حالفا بالله تعالى من احب الاعمال الى الله ثلاثة امر بصدقة وخطوة الى صلاة جماعة واصلاح بين الناس وفى الآية اشارة الى انه يرفع الحجاب ويبقى المحجوبون فى حجاب انا نيتهم ويشتد عليهم الامر ويدعون الى الفناء فى الله فلا يستطيعون لافساد استعدادهم الفطرى بالركون الى الدنيا وشهواتها ذليلة ابصارهم متحيرة لذهاب قوتها النورية تلحقهم ذلة الحجاب وهو ان الاحتجاب وقد كانوا فى زمان استعدادهم يدعون الى سجود الفناء بترك اللذات والشهوات وهم نائمون فى نوم الغفلة لا يرفعون له رأسا الفساد استعداد مزاجهم بالعلل النفسانية والامراض الهيولانيه.
الجنابذي
تفسير : {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} من شدّة الهول وكثرة الشّدائد {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} فى الدّنيا، وعن الصّادق (ع) وهم سالمون اى مستطيعون، وقال القمّىّ: يكشف عن الامور الّتى خفيت وما غصبوا آل محمّدٍ (ص) حقّهم ويدعون الى السّجود قال: يكشف لامير المؤمنين (ع) فيصير اعناقهم مثل صياصى البقر يعنى قرونها فلا يستطيعون ان يسجدوا وهى عقوبة لهم لانّهم لم يطيعوا الله فى الدّنيا فى امره وهو قوله {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} قال الى ولايته فى الدّنيا وهم يستطيعون.
اطفيش
تفسير : {خَاشِعَةً} حال من واو يدعون او من ولو يستطيعون ومعناه ذليلة {أَبْصَارُهُمْ} فاعل خاشعة أي لايرفعون ابصارهم {تَرْهَقُهُمْ} تغشاهم {ذِلَّةٌ} أي نوع عظيم من الذل يسجد المؤمنون يوم القيامة فيرفعون وجوههم اشد بياضا من الثلج وقد علاه النور وتسود وجوه الكفار والمنافقين ويغشاهم ذل وحسرة وندامة {وَقَدْ كَانُوا} في الدنيا في حال الصحة {يُدْعَوْنَ} بالنداء والاقامة على ما قدروا {إِلَى السُّجُودِ} الصلاة المفروضة {وَهُمْ سَالِمُونَ} قادرون قال كعب الاحبار والله ما نزلت هذه الآية الا في الذين يتخلفون عن الجماعة.
اطفيش
تفسير : {خَاشِعَةً} حال من الواو فى يدعون أو فى لا يستطيعون {أبْصَارُهُمْ} فاعل خاشعة وإِسناد الخشوع إِلى الأَبصار لظهور أثره فيه وحقيقته للقلوب. {تَرْهَقُهُمْ} تغشاهم. {ذِلَّةٌ} عظيمة والجملة مستأْنفة أو حال. {وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنُ إِلَى السُّجُودِ} فى الدنيا ولا يأْتونه وحذف هذا لظهوره والجملة حال محكية يدعوهم الرسول والمؤمنون إِلى السجود لله وحده مطلقاً ومقتضى الظاهر يدعون إِليه وأظهره لزيادة التقرير أو لأَن هذا السجود سجود خاص وهو سجود الصلوات الخمس، أو المراد به الصلوات الخمس سميت باسم جزئها الأَعظم وهو السجود أقرب ما يكون العبد من ربه إِذا كان ساجداً، أو لأَن السجود هنا جميع الطاعات معبراً به عن الصلاة المعبر بها عن مطلق العبادات إِذ كانت أفضلها فهو من بناء المجاز على المجاز، والدعاء دعوة التكليف، وقيل الأَذان والإِقامة. {وَهمْ سالِمُون} قادرون عليه.
الالوسي
تفسير : {خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ } حال من مرفوع {أية : يُدْعَوْنَ }تفسير : [القلم: 42] على أن (أبصارهم) مرتفع به على الفاعلية، ونسبة الخشوع إلى الأبصار لظهور أثره فيها {تَرْهَقُهُمْ } تلحقهم وتغشاهم {ذِلَّةٌ } شديدة {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ } في الدنيا. والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير أو لأن المراد به الصلوات المكتوبة كما قال النخعي والشعبـي، أو جميع الطاعات كما قيل. والدعوة دعوة التكليف. وقال ابن عباس وابن جبير كانوا يسمعون الأذان والنداء للصلاة فلا يجيبون {وَهُمْ سَـٰلِمُونَ } متمكنون منه أقوى تمكن أي فلا يجيبون إليه ويأبونه، وترك ذكر هذا ثقة بظهوره.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَاشِعَةً} {أَبْصَارُهُمْ} {سَالِمُونَ} (43) - وَحِينَ يُدْعَى هَؤُلاَءِ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، تَكُونُ أَبْصَارُهُمْ خَاشِعَةً ذَلِيلَةً، وَتَعْلُوهُمْ ذِلَّةٌ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَقَدْ كَانُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا مُتَكَبِّرِينَ مُتَجَبِّرِينَ. وَلَمَّا دُعُوا إِلَى السُّجُودِ فِي الدُّنْيَا، وَهُمْ أَصِحَّاءِ سَالِمُونَ فِي أَبْدَانِهِمْ، وَامْتَنَعُوا عَاقَبَهُمْ اللهُ بِأَن جَعَلَهُمْ غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَى السُّجُودِ حِينَمَا يَتَجَلَّى الرَّبُّ سُبْحَانَهُ، وَيَسْجُدُ المُؤْمِنُونَ تَعْظِيماً لِجَلاَلِهِ الكَرِيمِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تَرْهَقُهُمْ} معناه تَغشَاهُم.
الجيلاني
تفسير : بل صاروا {خَٰشِعَةً} ذليلة حاسرة {أَبْصَٰرُهُمْ} هائمة عقولهم، وبالجملة: {تَرْهَقُهُمْ} وتلحقهم {ذِلَّةٌ} محيطة بجميع جوانبهم {وَ} كيف لا يكونون كذلك يومئذٍ؛ إذ هم {قَدْ كَانُواْ} في نشأة الاخيتار {يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} حينئذٍ {وَهُمْ سَٰلِمُونَ} [القلم: 43] متمكنون قادرون عليه، فلم يفعلوا عناداً ومكابرةً؟! فالآن قد انقضى وقت الاعتبار، فلا ينفعهم التذلل والانكسار سواء قدروا أو لم يقدروا. وبعدما بالغ المنكرون المكذِّبون في قدح القرآ، وطعنه، وأصروا على العناد والاستكبار. {فَذَرْنِي} أي: خلني يا أكمل الرسل {وَ} وفوض عليّ أمر {مَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} يعني: القرآن، ولا تُتعب نفسك في معارضتهم ومجادلهم، ولا تعجل في أخذهم وانتقامهم، فإني أنتقم منهم، وأكفيك مؤنة شرورهم، فاعلم أنَّا {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} أي: ندنيهم درجة درجة إلى سوء العذاب بأن نهملهم في الدنيا، وننعم عليهم، ونديم صحتهم ونوفر عليهم أسباب الشقاوة حتى صاروا مغمرين في الكفر والطغيان، منهمكين في الضلال والعصيان، ثمَّ نبطشهم {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [القلم: 44] أي: من جهة وطريقة لا يفهمون أنه من جهته وطريقه مكراً عليهم، وزجراً لهم. {وَ} بالجملة: {أُمْلِي لَهُمْ} وأمهلهم كيداً عليهم، وهم لا يشعرون {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: 45] محكم لا يفهمه أحد، ولا يدفعه شيء. أينكرون إرشادك وتبليغك إياهم عناداً ومكابرةً؟! {أَمْ} يظنون أنك {تَسْأَلُهُمْ أَجْراً} جعلاً على إرشادك وتكميلك إياهم؟! {فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ} أي: من أجل غرامة {مُّثْقَلُونَ} [القلم: 46] بحملها فيعرضون عنك، ويكذبونك بسببها. {أَمْ} يدَّعون الاطلاع على المغيبات، ويزعمون أن {عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ} أي: لوح القضاء {فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [القلم: 47] منه جميع ما يحكمون به من الإقرار والإنكار، وبه يستغنون عن تعليمك وإرشادك؛ لذلك يكذبونك وينكرون عليك؟! وهم وإن بالغوا في العناد والإنكار {فَٱصْبِرْ} أنت يا أكمل الرسل {لِحُكْمِ رَبِّكَ} وهو تأخير نصرك عليهم، وإمهالهم زماناً على حالهم، ولا تستعجل في مؤاخذتهم {وَلاَ تَكُن} في الاستعجال {كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} يعني: أخاك يونس بن متى عليه السلام، فاستعجل العذاب القومه، ثمَّ لمَّا ظهرت أماراته خرج من بينهم مغاضباً عليهم حتى اقتحرم البحر {أية : فَسَاهَمَ}تفسير : [الصافات: 141] في السفينة {أية : فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ * فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}تفسير : [الصافات: 141- 142]، اذكر {إِذْ نَادَىٰ} ربه في بطن الحوت {وَهُوَ} حينئذٍ {مَكْظُومٌ} [القلم: 48] مملوء غضباً وغيظاً، مبتلى بالبلاء العظيم. {لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ} أدركته {نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} يعني: لو لم يوفقه سبحانه على نعمة التوبة، والإنابة والرجوع إليه على وجه الإخلاص والندامة {لَنُبِذَ} وطرح ألبتة {بِٱلْعَرَآءِ} أي: الأرض الخالية عن الشجر {وَهُوَ} حينئذٍ {مَذْمُومٌ} [القلم: 49] مليم مطرود من الرحمة والكرامة. لكن أدركته العناية الإلهية، وانفتح له باب التوبة والاستغفار على وجه الندم والانكسار، فاستغفر ربه وتاب عليه، وأجاب له تفضلاً عليه وامتناناً {فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} أيضاً لمصلحة النبوة فأرسله إلى قومه {فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [القلم: 50] الكاملين في الصلاح، الفائزين بالعصمة والفلاح. {وَ} من غلظ غيظهم معك يا أكمل الرسل، وشدة شكيمتهم وضغينتهم بالنسبة إليك {إِن يَكَادُ} أي: إنه يقرب {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله، وستروا محامد أخلاقك، ومحاسن شيمك {لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ} أي: حين سمعوا منك تلاوة القرآن المعجز، وتعجبوا من بدائع نظمه، وغرائب أسلوبه، وكمال فصاحته وبلاغته، ومتانة تركيباته الفائقة على تراكيب عموم أرباب اللسن والفصاحة، وعجائب معانيه التي قرعت أسماعهم؛ لذلك حسدوك خفية، وقصدوا مقتك بإصابة العين {وَ} إن كانوا {يَقُولُونَ} عند الملأ: {إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} [القلم: 51] يتكلم بكلام المجانين، ما هو من جنس كلام الناس تلبيساً على ضعفاء الأنام، وتغريراً لهم؛ لئلا يتفطنوا على عظمة شأنك، ورفعة قدرك ومكانك. وهم في خلواتهم على ظنة تامة، وحسد كامل مما صار منك وظهر عليك من الخوارق {وَ} كيف يقولون لك: مجنون، وينسبون كلامك إلى الجنون، مع أنه {مَا هُوَ} أي: القرآن المعجز الذي {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}تفسير : [فصلت: 42]، {إِلاَّ ذِكْرٌ} هداية ورشد وتبصرة كاملة، وتذكير شامل {لِّلْعَالَمِينَ} [القلم: 52] أي: لعموم المكلفين ممن يوفقهم الحق إلى صراط مستقيم. جعلنا الله ممن تذكر به، واتعظ بما فيه بمنِّه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها المريد القاصد لسلوك طريق التوحيد - هداك الله إلى سواء السبيل - أن تتصبر على مشاق الطاعات، ومتاعب التكاليف الواقعة في سلوك طريق الفناء، سيما أذيات الزائفين الضالين، المائلين عن سبيل الرشاد، المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية، فعليك ألاَّ تلتفت نحوهم، ولا تبال بشأنهم، ولا تستعجل بانتقامهم، فأن الله يكفي عنك مؤنة شرورهم، فعليك الاصطبار والوقار، والأمر بيد الله الحكيم الجبار، القدير القهار، فسينتقم من أهل البغي والإنكار على أبلغ وجه وآكده.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ} [القلم: 43]؛ أي: ذليلة مهينة ينظرون إلى وجوههم المظلمة المكدرة و[أُنوفِهم] المسوَّدة، {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [القلم: 43]؛ يعني يغشاهم ذل الندامة، وغضبة الحسرة، وهوان الفضيحة، {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ} [القلم: 43]؛ يعني: في دار الكسب عند سلامة استعداداتهم يدعون إلى طاعة الحق، وتذليل النفس بالانقياد لأمر اللطيفة المرسلة إليهم أَبَوا وطغوا وعتوا، وكذبوا اللطيفة المبلغة {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} [القلم: 44]؛ يعني: دعني ومن يكذب بالوارد {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [القلم: 44]؛ أي: يمهلهم قليلاً في رزق مكاشفاتهم النفسية ليزدادوا في إنكار اللطيفة، ويفتروا ببعض الكرامات التي هي عين المكر مما يقدر العدو على إتيان مثلها مثل المرور على الماء، والطيران في الهواء، والإسراف على الخواطر حتى يظن أنه عند الله من المكرمين، وينكر المقتدى فيأخذهم بغتة، وينزع منهم الآيات والآدوات، ويكشف عليهم أحوال زرعهم وحرثهم فصاروا عارفين بالمقتدى متحرين على فوات الوقت وضياع الاستعداد معذبين أبد الآباد، {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}[القلم: 45]؛ يعني: مهلتي في تلك المكاشفات والكرامات كان من كيد المتين القوي، {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} [القلم: 46]؛ يعني: اللطيفة المبلغة يسأل عن إبلاغها الأحكام أجراً يثقل عليهم ولم يطيعون، {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [القلم: 47]؛ يعني: أم عندهم كتب الغيب فهم يكتبون منها. {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [القلم: 48] أيتها اللطيفة المبلغة؛ يعني: اصبري على أذاهم وتكذيبهم لكن {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]؛ يعني: لا تكن ضجراً ولا تستعجل بالدعاء على قواك قبل نزع الآلات والأدوات عنها فربما يهتدون إلى طريق الحق، ويتوبون إلى الله ويتركون الغفلة، والكظم من أشرف الأخلاق، والصبر على الكظم أمر الدواء وأنفع لداء الحادث من الغيب والضجر. {لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} [القلم: 49]؛ يعني: لولا أن أدركته الداخلة في النون {لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ} [القلم: 49]؛ أي: طرح بالفضاء في جوف الحوت بالولاية الحيوانية النباتية وكان محروماً من نعمة النبوة النونية، {وَهُوَ مَذْمُومٌ} [القلم: 49] يذم ويلام بنزوله وبانحطاطه من مربتة النبوية والولاية، وهذا سالك دعا على أممه على سبيل الضجارة بالعجلة وقت عروجه على معارج قلبه، ثم أخذ منه آلات الترقي بدعائه على أممه وطرح في جوف حوت الصدر فبقي فيه بحيث لا تزيد مرتبته ولا يترقى من حاله، وهذه حسرة عظيمة للسالك ولو ألهم في قلب السالك أنك وصلت إلى سدرة المنتهى منتهيك وأعطيت درجات جميع المقربين وليس لك الترقي بعد هذه المرتبة ينبغي أن يعري نفسه بنزع الآلات والأدوات عنها ووقوفها في مرتبتها؛ لأن المراتب الإنسانية والدرجات النفسانية غير منتهية إذا دخل السالك في عالم اللاهوت كل ساعة ونفس ولمحة لا يترقى فيها السالك من مقامه فهو مغبون كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استوى يوماه فهو مغبون كل الغبن"،تفسير : من رضي بالدون وكل ما سوى الحق فهو دون، فاحذر عن الهمة الدنية وعليك بالهمة العلية، كما قال سلطان العارفين طيفور البسطامي - قُدِّس سرّه - ليحيى بن معاذ الرازي حين سأله عن فضلات وارده الذي ورد عليه ليلة من الليالي وجاءه يحيى ورآه في تلك الحالة فقام وراءه من إقباله إلى السحر وهو على تلك الحالة فلما أفاق والتفت سلم يحيى عليه وقال: أفض ما أفاض الله عليك، فقال: لو أعطاك الله درجات جميع الأنبياء والأولياء لا تقنع بها ولا تسكت عن الطلب؛ لأن عنده أكثر منها لا يتناهى أبد الآبدين ودهر الداهرين، {فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [القلم: 50]؛ يعني: اصطفاه بنعمة النبوة التي أعطاه إياها، {فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [القلم: 50]؛ يعني: من اللطيفة المستخفلة عن الأباطيل الصالحة لدعوة الأمم. {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ} [القلم: 51]؛ يعني: إذا أرادوا القوى الحاسدة ليحسدوا بالوارد والذي يرد عليك، ويزلقونك بأعينهم لما عظموا أمرك {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} [القلم: 51] لبعض القوى الجاهلة فاستعذ بالله منهم، وتيقن أنك لست بمجنون، والوارد الذي يرد عليك ما هو إلا ذكر وموعظة وغيرة لقواك، كما يقول الله تعالى: {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [القلم: 52]، فيا أيها الطالب تفسير بطن القرآن ينبغي أن تطلع أولاً على ظهر القرآن، ويستقيم ظاهرك على أوامره ونواهيه، ثم تشتغل ثانياً بتطهير باطنك لتفهم بطن القرآن بتعليم الرحمن وإلهام الملك الديان، وتطلع على معرفة حده ثالثاً في عالم الجنان، وتشرف بمشاهدة مطلعه رابعاً من غير ظن وحسبان، وهو المستعان وعليه التكلان، اللهم ثبتنا على متابعة حبيبك سيد الإنس والجان صلى الله على آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الفرقان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):