Verse. 5315 (AR)

٦٨ - ٱلْقَلَم

68 - Al-Qalam (AR)

فَذَرْنِيْ وَمَنْ يُّكَذِّبُ بِہٰذَا الْحَدِيْثِ۝۰ۭ سَنَسْتَدْرِجُہُمْ مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۴۴ۙ
Fatharnee waman yukaththibu bihatha alhadeethi sanastadrijuhum min haythu la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فذرني» دعني «ومن يكذب بهذا الحديث» القرآن «سنستدرجهم» نأخذهم قليلا قليلا «من حيث لا يعلمون».

44

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف فخوفهم بما عنده، وفي قدرته من القهر، فقال: ذرني وإياه، يريد كله إليَّ، فإني أكفيكه، كأنه يقول: يا محمد حسبك انتقاماً منه أن تكل أمره إلي، وتخلي بيني وبينه، فإني عالم بما يجب أن يفعل به قادر على ذلك، ثم قال: {سَنَسْتَدْرِجُهُم } يقال: استدرجه إلى كذا إذا استنزله إليه درجة فدرجة، حتى يورطه فيه. وقوله: {مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } قال أبو روق: {سَنَسْتَدْرِجُهُم } أي كلما أذنبوا ذنباً جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار، فالاستدراج إنما حصل في الاغتناء الذي لا يشعرون أنه استدراج، وهو الإنعام عليهم لأنهم يحسبونه تفضيلاً لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة سبب لهلاكهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَذَرْنِي} أي دَعْنِي. {وَمَن يُكَذِّبُ} «مَنْ» مفعول معه أو معطوف على ضمير المتكلم. {بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} يعني القرآن؛ قاله السدّيّ. وقيل: يوم القيامة. وهذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي فأنا أجازيهم وأنتقم منهم. ثم قال: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} معناه سنأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون؛ فعُذّبوا يوم بَدْر. وقال سفيان الثَّوْريّ: نُسبغ عليهم النعم ونُنسيهم الشكر. وقال الحسن: كم مستدرَج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالسّتر عليه. وقال أبو رَوْق: أي كلّما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار. وقال ابن عباس: سنمكر بهم. وقيل: هو أن نأخذهم قليلاً ولا نباغتهم. وفي حديث «حديث : أن رجلاً من بني إسرائيل قال يا ربّ كم أعصيك وأنت لا تعاقبني ـ قال ـ فأوحى الله إلى نبيّ زمانهم أن قل له كم من عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر. إن جمود عينيك وقَسَاوَةَ قلبك استدراجٌ منيّ وعقوبةٌ لو عَقَلت»تفسير : . والاستدراج: ترك المعاجلة. وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرّج. ومنه قيل درجة؛ وهي منزلة بعد منزلة. واستدرج فلان فلاناً؛ أي استخرج ما عنده قليلاً. ويقال: درّجه إلى كذا واستدرجه بمعنًى؛ (أي) أدناه منه على التدريج فتدرّج هو. {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي أمهلهم وأطيل لهم المدّة. والملاوة: المُدة من الدهر. وأملى الله له أي أطال له. والملَوان: الليل والنهار. وقيل: {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي لا أعاجلهم بالموت؛ والمعنى واحد. وقد مضى في «الأعراف» بيان هذا. {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي إن عذابي لقوِيّ شديد فلا يفوتني أحد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَذَرْنِى } دعني {وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ } القرآن {سَنَسْتَدْرِجُهُم } نأخذهم قليلاً قليلاً {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِهَذَا الْحَدِيثِ} القرآن {سَنَسْتَدْرِجُهُم} نأخذهم في غفلة أو نتبع السيئة السيئة وننسيهم التوبة "ح" أو أخذهم حيث درجوا ودبوا أو تدريجهم بإدنائهم من العذاب قليلاً بعد قليل حتى يلاقيهم من حيث لا يعلمون لأنهم لو علموا وقت العذاب لارتكبوا المعاصي واثقين بإمهالهم أو يستدرجون بالإحسان والاستدراج النقل من حال إلى حال ومنه الدرجة لأنها منزلة بعد منزلة.

النسفي

تفسير : {فَذَرْنِى }. يقال: ذرني وإياه أي كله إليّ فإني أكفيكه {وَمَن يُكَذِّبُ } معطوف على المفعول أو مفعول معه {بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ } بالقرآن، والمراد كل أمره إليَّ وخل بيني وبينه فإني عالم بما ينبغي أن يفعل به، مطيق له، ولا تشغل قلبك بشأنه وتوكل عليّ في الانتقام منه، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد للمكذبين {سَنَسْتَدْرِجُهُم } سندنيهم من العذاب درجة درجة. يقال: استدرجه إلى كذا أي استنزله إليه درجة فدرجة حتى يورطه فيه، واستدراج الله تعالى العصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة فيجعلون رزق الله ذريعة إلى ازياد المعاصي {مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج. قيل: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها. قال عليه السلام «حديث : إذا رأيت الله تعالى ينعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج وتلا الآية»تفسير : {وَأُمْلِى لَهُمْ } وأمهلهم {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } قوي شديد فسمى إحسانه وتمكينه كيداً كما سماه استدراجاً لكونه في صورة الكيد حيث كان سبباً للهلاك. والأصل أن معنى الكيد والمكر والاستدراج هو الأخذ من جهة الأمن، ولا يجوز أن يسمى الله كائداً وماكراً ومستدرجاً. {أَمْ تَسْـئَلُهُمْ } على تبليغ الرسالة {أَجْراً فَهُم مّن مَّغْرَمٍ } غرامة {مُّثْقَلُونَ } فلا يؤمنون استفهام بمعنى النفي أي لست تطلب أجراً على تبليغ الوحي فيثقل عليهم ذلك فيمتنعوا لذلك {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ } أي اللوح المحفوظ عند الجمهور {فَهُمْ يَكْتُبُونَ } منه ما يحكمون به {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ } وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم لأنهم وإن أمهلوا لم يهملوا {وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلْحُوتِ } كيونس عليه السلام في العجلة والغضب على القوم حتى لا تبتلى ببلائه. والوقف على الحوت لأن «إذ» ليس بظرف لما تقدمه، إذ النداء طاعة فلا ينهى عنه بل مفعول محذوف أي اذكر {إِذْ نَادَىٰ } دعا ربه في بطن الحوت بـــ {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [الأنبياء: 87] {وَهُوَ مَكْظُومٌ } مملوء غيظاً من كظم السقاء إذا {لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ } رحمة {مّن رَّبِّهِ} أي لولا أن الله أنعم عليه بإجابة دعائه وقبول عذره {لَنُبِذَ } من بطن الحوت {بِٱلْعَرَآءِ} بالفضاء { وَهُوَ مَذْمُومٌ } معاتب بزلته لكنه رحم فنبذ غير مذموم {فَٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُ } اصطفاه لدعائه وعذره {فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } من المستكملين لصفات الصلاح ولم يبق له زلة. وقيل: من الأنبياء. وقيل: من المرسلين. والوجه هو الأول لأنه كان مرسلاً ونبياً قبله لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ }تفسير : [الصافات: 139-140]. الآيات. {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ } وبفتح الياء: مدني. «إن» مخففة من الثقيلة واللام علمها. زلقة وأزلقة أزاله عن مكانه أي قارب الكفار من شدة نظرهم إليك شزراً بعيون العداوة أن يزيلوك بأبصارهم عن مكانك، أو يهلكوك لشدة حنقهم عليك. وكانت العين في بني أسد فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا هلك. فأريد بعض العيّانين على أن يقول في رسول الله مثل ذلك فقال: لم أر كاليوم مثله رجلاً فعصمه الله من ذلك. وفي الحديث: «حديث : العين حق وإن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر»تفسير : وعن الحسن: رقية العين هذه الآية: {لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِكْرَ } القرآن {وَيَقُولُونَ } حسداً على ما أوتيت من النبوة {إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } إن محمداً لمجنون حيرة في أمره وتنفيراً عنه {وَمَا هُوَ } أي القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ } وعظ {لّلْعَـٰلَمِينَ } للجن والإنس يعني أنهم جننوه لأجل القرآن وما القرآن إلا موعظة للعالمين، فكيف يجنن من جاء بمثله؟ وقيل: لما سمعوا الذكر ـ أي ذكره عليه السلام ـ وما هو ـ أي محمد عليه السلام ـ إلا ذكر شرف للعالمين فكيف ينسب إليه الجنون؟ والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} أي دعني والمكذبين بالقرآن وخل بيني وبينهم ولا تشغل قلبك بهم وكلهم إليّ فإني أكفيك إياهم {سنستدرجهم} أي سنأخذهم بالعذاب {من حيث لا يعلمون} فعذبوا يوم بدر بالقتل والأسر، وقيل في معنى الآية كلما أذنبوا ذنباً جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار والتوبة. وهذا هو الاستدراج لأنهم يحسبونه تفضيلاً لهم على المؤمنين وهو في الحقيقة سبب إهلاكهم فعلى العبد المسلم إذا تجددت عنده نعمة أن يقابلها بالشكر وإذا أذنب ذنباً أن يعاجله بالاستغفار والتوبة. {وأملي لهم} أي أمهلهم وأطيل لهم المدة. وقيل معناه أمهلهم إلى الموت فلا أعاجلهم بالعقوبة {إن كيدي متين} أي عذابي شديد وقيل الكيد ضرب من الاحتيال فيكون بمعنى الاستدراج المؤدي إلى العذاب {أم تسألهم أجراً} أي على تبليغ الرسالة {فهم من مغرم مثقلون} المغرم الغرامة والمعنى أتطلب منهم أجراً فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم فيثبطهم ذلك عن الإيمان {أم عندهم الغيب فهم يكتبون} أي عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون منه ما يحكمون به وهو استفهام على سبيل الإنكار {فاصبر لحكم ربك} أي اصبر على أذاهم لقضاء ربك قيل إنه منسوخ بآية السيف {ولا تكن} في الضجر والعجلة {كصاحب الحوت} يعني يونس بن متى {إذ نادى} ربه أي في بطن الحوت {وهو مكظوم} أي مملوء غماً {لولا أن تداركه نعمة من ربه} أي حين رحمه وتاب عليه، {لنبذ بالعراء} أي لطرح بالفضاء من بطن الحوت على الأرض {وهو مذموم} أي يذم ويلام بالذنب. وقيل في معنى الآية لولا أن تداركته نعمة من ربه لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة ثم ينبذ بعراء القيامة أي بأرضها وفضائها فإن قلت هل يدل قوله وهو مذموم على كونه كان فاعلاً للذنب. قلت الجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن كلمة لولا دلت على أنه لم يحصل منه ما يوجب الذم الثاني لعل المراد منه ترك الأفضل فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين الثالث لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة يدل عليه قوله تعالى: {فاجتباه ربه} والفاء للتعقيب أي اصطفاه ورد عليه الوحي وشفعه في قومه {فجعله من الصالحين} أي النبيين. قوله تعالى: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} وذلك أن الكفار أرادوا أن يصيبوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعين فنظرت قريش إليه وقالوا ما رأينا مثله ولا مثل حججه، وقيل كانت العين في بني أسد حتى أن كانت الناقة أو البقرة لتمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول لجاريته خذي المكتل والدراهم فائتينا بلحم من لحم هذه فما تبرح حتى تقع بالموت فتنحر. وقيل كان رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثة ثم يرفع جانب خبائه فتمر به الإبل فيقول لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه فما تذهب إلا قليلاً حتى يسقط ما عناه فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين ويفعل به مثل ذلك فعصم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم قال ابن عباس: معناه ينفذونك وقيل يصيبونك بعيونهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه. وقيل يصرعونك وقيل يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظراً شديداً بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك، ومنه قولهم نظر إلي نظراً يكاد يصرعني أو يكاد يهلكني يدل على صحة هذا المعنى أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن وهو قوله {لما سمعوا الذكر} لأنهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة ويحدون النظر إليه بالبغضاء {ويقولون إنه لمجنون} أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن قال تعالى رداً عليهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} الآية، وَعِيدٌ وتهديدٌ والحديثُ المشَارُ إليه هو القرآن، وباقي الآية بيّن مِمّا ذُكِرَ في غير هذا الموضع، ثم أمَرَ اللَّه ـــ تعالى ـــ نبيَّه بالصَّبْرِ لِحُكْمِهِ وأنْ يَمْضِيَ لِمَا أُمِرَ بهِ من التبليغِ واحْتِمالِ الأذَى والمشقة، ونُهِيَ عَنِ الضَّجَرِ والعَجَلَةِ التي وَقَعَ فيها يونُسَ صلى الله عليه وسلم ثم اقْتَضَبَ القصَّةَ وذَكَرَ ما وَقَعَ في آخرها من ندائِه من بطن الحوت، {وَهُوَ مَكْظُومٌ} أي: وَهُو كَاظِمٌ لحُزْنِه ونَدَمِه، وقال الثعلبيّ، ونحوُه في البخاري: {وَهُوَ مَكْظُومٌ} أي: مملوءٌ غَمًّا وكَرْبَاً، انتهى وهُوَ أقْرَبُ إلى المعنى، وقال النَّقَّاشُ: المكظومُ الذي أُخِذَ بِكَظْمِه، وهي مَجَارِي القلبِ، وقرأ ابن مسعود وغيره: «لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَتْهُ نِعْمَةُ» والنعمة التي تداركته هي الصَّفْحُ والاجتباء الذي سَبَقَ له عَنْدَ اللَّهِ ـــ عز وجل ـــ {لَنُبِذَ بِٱلْعَرَاءِ} أي: لَطُرِحَ بالعرَاءِ وهُوَ الفَضَاءُ الَّذِي لاَ يُوارِي فيه جَبَلٌ ولاَ شَجَرٌ وَقَدْ نُبِذَ يونس ـــ عليه السلام ـــ بالعَرَاءِ وَلَكِنْ غَيْر مَذْمُومٍ، وجاء في الحديث عن أسماء بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «حديث : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ أَوْ في الكَرْبِ، اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لاَ أَشْرِكُ بِه شَيْئاً»تفسير : رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأخرجَهُ الطبرانيُّ في كتاب «الدعاء»، انتهى من «السلاح»، ثم قال تعالى لنبيه: {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ} المعنى يكادُوْنَ مِنَ الغَيْظِ والعداوةِ يُزْلِقُونَه فَيُذْهِبُونَ قدمَه مِنْ مَكَانِها، ويُسْقِطُونَه، قال عياض: وقَدْ رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: كلُّ مَا في القرآن: «كاد» فَهُو مَا لاَ يَكُونُ، قال تعالى: {أية : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [النور:43] وَلَمْ يُذْهِبْهَا و{أية : أَكَادُ أُخْفِيهَا}تفسير : [طه:15] وَلَمْ يَفْعَلْ، انتهى؛ ذكره إثرَ قَوْلِه تعالى: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ }تفسير : [الإسراء:73]. وقرأ الجمهور: «لَيُزْلِقُونَكَ» ـــ بِضَمِّ اليَاءِ ـــ مِنْ: أزْلَقَ، ونَافِعٌ بِفَتْحِها، من: زُلِقَتِ الرّجْلُ، وفي هذا المعنى قولُ الشاعر: [الكامل] شعر : يَتَقَارَضُونَ إذَا ٱلْتَقَوْا في مَجْلِس نَظَراً يَزِلُّ مَوَاطِىءَ الأَقْدَامِ تفسير : وَذَهَبَ قَوْمٌ من المفسرينَ على أن المعنى: يأخذونَك بالعَيْنِ، وقال الحسَنُ: دَوَاءُ مَنْ أَصَابَتْهُ العينُ أن يقرأَ هذهِ الآيةَ، والذِّكْرُ في الآيةِ: القرآنُ.

البقاعي

تفسير : ولما علم بهذا أنه سبحانه المتصرف وحده بما يشاء كيف يشاء من المنع والتمكين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجد من تكذيبهم له - مع إتيانه بما لا يحتمل التكذيب بوجه - من المشقة ما لا يعلم مقداره إلا الله سبحانه وتعالى، وكان علم المغموم بأن له منقذاً يخفف عنه، وكان علمه باقتداره على ما يراد منه أقر لعينه سبب عن كمال اقتداره قوله مخففاً عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، لافتاً القول إلى التكلم بالإفراد تنصيصاً على المراد زيادة في تسكين القلب وشرح الصدر: {فذرني} أي اتركني على أي حالة اتفقت {ومن يكذب} أي يوقع التكذيب لمن يتلو ما جددت إنزاله من كلامي القديم على أي حالة كان إيقاعه، وأفرد الضمير نصاً على تهديد كل واحد من المكذبين: {بهذا الحديث} أي بسببه أي خل بيني وبينهم وكل أمرهم إليَّ ولا تكترث بشيء منه أصلاً فإني أكفيكهم لأنه لا مانع منهم فلا تهتم بهم أصلاً. ولما كان كأنه قيل: وماذا تعمل فيه إذا خليت بينك وبينه؟ أجابه بقوله جامعاً الضمير ليكون الواحد مهدداً من باب الأولى: {سنستدرجهم} أي فنأخذهم بعظمتنا عما قليل على غرة بوعد لا خلف فيه وندنيهم إلى الهلاك درجة درجة بواسطة من شئنا من جنودنا وبغير واسطة بما نواتر عليهم من النعم التي توجب عليهم الشكر فيجعلونها سبباً لزيادة الكفر فنوجب لهم النقم. ولما كان أخذ الإنسان من مأمنه على حالة غفلة بتوريطه في أسباب الهلاك لا يحس بالهلاك إلا وهو لا يقدر على التفصي فيها بوجه قال تعالى: {من حيث} أي من جهات {لا يعلمون *} أي لا يتجدد لهم علم ما في وقت من الأوقات بغوائلها، وذلك أنه سبحانه يغرهم بالإمهال ولا يعاجلهم بالعقاب في وقت المخالفة كما يتفق لمن يراد به الخير فيستيقظ بل يمهلهم ويمدهم بالنعم حتى يزول عنهم خاطر التذكر فيكونوا منعمين في الظاهر مستدرجين في الحقيقة فيقولون: قد قلتم: إن القدر فائض عن القضاء وأن الأعمال قضاء وجزاءها قدر، ويقولون: إن أفعالنا في الدنيا قبيبحة ونحن لا نرى جزاءها إلا ما يسرنا لولا يعذبنا الله بما نقول فأنتم كاذبون في توعدنا فإنا كلما أحدثنا ما تسمونه معصية تجددت لنا نعمة، وذلك كما قادهم إلى تدريجهم وهم في غاية الرغبة، قال القشيري: والاستدراج أن يريد السيىء ويطوي عن صاحبه وجه القصد حتى يأخذه بغتة فيدرج إليه شيئاً بعد شيء. ولما كان الاستدراج يكون بأسباب كثيرة من بسط النعم وغيرها، فأبرزه بالنون المشتركة بين الاستتباع والعظمة، وكان تأخير الأجل لا يكون إلا لله وحده بغير واسطة شيء قال سبحانه: {وأملي} أي أوخر أنا وحدي في آجالهم وأوسع لهم في جميع تمتعهم ليزدادوا إثماً {لهم} لأنه لا يقدر على مد الأجل وترفيه العيش غيري. ولما سلاه صلى الله عليه وسلم بهذا غاية التسلية، علل أو استأنف في جواب من لعله يقول: لم يكون أحدهم على هذا الوجه؟ مسمياً إنعامه كيداً: {إن كيدي} أي ستري لأسباب الهلاك عمن أريد إهلاكه وإبدائي ذلك له في ملابس الإحسان وخلع البر والامتنان {متين *} أي في غاية القوة حيث كان حاملاً للإنسان على إهلاك نفسه باختياره وسيعلم عند الأخذ أني لما أمهلته ما أهملته وأن إمهالي إنما كان استدراجاً. ولما كان هذا القرآن أعظم إحسان، ساقه سبحانه وتعالى إليهم فكان موجباً للشكر عليهم للذي أنزله ولإكرام الآتي به، فكان سبباً لمباشرتهم من التكذيب به والأذى للآتي به إليهم ما يوجب أخذهم، قال دالاً على متانة كيده سبحانه ودقة استدراجه عاطفاً على ما تقديره لبيان أنهم يباشرون ما يهلكهم باختيارهم من غير موجب: أكان تكذيبهم هذا الذكر لشيء فيه يرتابون؟ قوله منكراً عليهم، مبيناً أن تكذيبهم إنما هو لأنه طبع وخبث سجية لا شهوة لهم فيه ولا شبهة: {أم تسئلهم} أنت يا أعف الخلق وأعلاهم همماً {أجراً} على إبلاغك إياهم {فهم} أي فتسبب عن ذلك وتعقب أنهم {من مغرم} كلفتهم به فهم لشدته {مثقلون *} أي واقع إثقالهم به حتى أوجب لهم ذلك الغرم الناقص لأموالهم التقاعد عن التصديق بما جئت به إليهم من عندنا فصاروا يشتهون إقلاعك عنه. ولما نفى أن يكون تكذيبهم بشهوة دعتهم إلى ذلك نفى أن يكون لهم في ذلك شبهة من شك في الذكر أو حيف في المذكر وأن يكونوا على ثقة أو ظن من سلامة العاقبة فقال: {أم عندهم} أي خاصة {الغيب} أي علموه من اللوح المحفوظ أو غيره {فهم} بسبب ذلك {يكتبون *} أي ما يريدون منه ليكونوا قد اطلعوا على أن هذا الذكر ليس من عند الله أو على أنهم لا درك عليهم في التكذيب به، فقد علم بهذا أنه لا شهوة لهم في ذلك عادية ولا شبهة، وإنما تكذيبهم مجرد خبث طباع، وظلمة نفوس وأمالي فارغة وأطماع. ولما انتفى جميع ذلك فثبت أنهم على خطر عظيم، وأنه سبحانه المختص بعلم الغيب، وقد أخبر بإهلاكهم من أجله صلى الله عليه وسلم، وأن كفر من كفر وإيمان من آمن بقضائه وتقديره، فكان لا بد منهما، كان ذلك سبباً حاملاً له على الصبر إلى الوقت الذي ضربه سبحانه للفرج، فقال مسبباً عما تقديره: لم يكن له شيء مما ذكر، وإنما هو القضاء والقدر: {فاصبر} أي أوفر الصبر وأوجده على كل ما يقولون فيك وعلى غير ذلك من كل ما يقع منهم ومن غيره من مر القضاء والقدر {لحكم ربك} أي للقضاء الذي قضاه وقدره المحسن إليك الذي أكرمك بما أكرمك به من الرسالة وألزمك بما ألزمك من البلاغ وخذلهم بالتكذيب ومد لهم على ذلك في الآجال وأوسع عليهم النعم وأخر ما وعدك به من النصر. ولما كان حاصل قصة يونس - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام - أنه استثقل الكرامة بالرسالة لما فيها من الأمور الشديدة من معالجة الخلق فامتحن، كان سبباً لقبوله ذلك، ثم كان سبب إسلام قومه إدناء العذاب منهم وتقريب غشيانه لهم، أشار له بقصته إلى أنه يراد إعلاؤه - صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء - وإعلاء أمته على سائر الأمم بما يحتاج إلى صبر على ما يستثقل من ضر أو أمر شديد مر فقال: {ولا تكن} أي ولا يكن حالك في الضجر والعجلة إلى غير ذلك. ولما كان قد افتتح السورة بالنون الذي من مدلولاته الحوت، عبر به هنا تحقيقاً لإرادته فقال: {كصاحب} أي كحال صاحب {الحوت} وهو يونس بن متى عليه الصلاة والسلام {إذ} أي حين، والعامل في هذا الظرف المضاف المحذوف من الحال ونحوها، أو يكون التقدير: لا يكن حالك كحاله يحصل لك مثل ما حصل له حين {نادى} أي ربه المربي له بإحاسنه في الظلمات من بطن الحوت وظلمة ما يحيط به من الجثة وظلمة لحج البحار {وهو} أي والحال أنه عند ندائه {مكظوم *} أي مملوء كرباً وهماً وشدة وغماً محمول على السكوت ببطنه فهو لا ينطق من شدة حزنه، ومحبوس عن جميع ما يريد من التصرف إلى أن ألجأه سبحانه بذلك إلى الدعاء والتضرع، من الكظم، وهو السكوت عن امتلاء وتجرع للمرارات، ومن هذا كظمت السقاء أي شددته وملأته فكان مكظوماً، والمكظوم: المكروب - كأنه قد أخذ بكظمه وهو مخرج نفسه.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ}[44] قال: يعني كِلْهُ إلي، فإني أكفيك أمره، ولا تشغل به قلبك. قوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}[44] قال: سنمدهم إطراقاً إليهم، مشتغلين به عما لنا عليهم من الواجبات، فينسون شكرنا، فنأخذهم من حيث لا يعلمون.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الآية: 44]. قال القتاد: لم يعاقبهم فى وقت مخالفتهم فيستيقظوا بل أمهلناهم ومددناهم فى النعم حتى زال عنهم خاطر التذكير وكانوا منعمين فى الظاهر مستدرجين فى الحقيقة. قال بعضهم: إذا استقل النعم واشتكى فهو مستدرج. قال الواسطى: لو كشف للخلق لصاروا حيارى ولكن بدأهم بالتلبيس والستر ثم يكشف ليعرفوا قدر ماهم عليه وأما الغاية فهو الاستدراج. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وننسيهم الاستغفار. وقال أبو الحسن بن هند: المستدرج سكران والسكران لا يصل إليه ألم فجع المصيبة إلا بعد إفاقة فإذا أفاقوا من سكرتهم خلص إلى قلوبهم ذلك فانزعجوا ولم يطمئنوا والاستدراج هو السكون إلى اللذات والتنعم بالنعمة ونسيان ما تحت النعم من المحن والاعتداد بحكم الله عز وجل. قال الخراز: الاستدراج فقدان اليقين لأن باليقين تستبين فوائد باطنه فإذا فقد اليقين فقد فوائد باطنه واشتغل بظاهره واستكثر من نفسه حركاته وسعيه لغيبوبته عن المنة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} وصف الله سبحانه فى حقيقة الاشارة اهل السكر فى المشاهدة اذا وصلوا محض الاتصاف والاتحاد غابوا فى غيبه واستغرقوا فى بحار الوهيته وفنوا من اوصاف الحدوثية بعد انتعاتهم بنعوت الالوهية وصاروا باقين بنعته لا يرون وصفهم ويرون وصف الحق فكادوا ان يخرجا بدعوى الانائية الالوهية وصاروا باقين بنعته لا يرون وصفهم ويرون وصف الحق فكادوا ان يخرجوا بدعوى الانائية فان الله سبحانه سياخذ انوار شموس الذات واقمار الصفات عن عيون ارواحهم قليلا قليلا وهم لا يعلمون من غلبة سكرهم وحلاوة احوالهم حتى يغيب انوار الغيب عن ابصار اسرارهم ويبقيهم فى عرصات الحصو حتى يروا انفسهم فى مقام الغيبة والاستتار قال الواسطى لو كشف للخق لصاروا حيارى ولكن يبدأهم بالتلبيس والسر ثم يكشف ليعرفوا قدر ما هم عليه واما الغاية فهو الاستدراج قال ابو الحسين بن هند المستدرج السكران والسكران لا يصل اليه الم فجع المصيبة الا بعد افاقته فاذا فاقوا من سكرتهم خلص الى قلوبهم ذلك فانزعجوا ولم يطمانوا والاستدراج هو السكون الى الذات والتنعم بالنعمة ونسيان ما تحت النعم من المحن والاغرار بحلم الله عز وجل قال ابو سعيد الحراز الاستدراج فقدان اليقين لان باليقين تستبين فوائد باطنه فاذا فقد اليقين فقد فوايد باطنه واشتغل بظاهره واستكثر عن نفسه حركاته وسعيه لغيبوبته عن المنته قال بعضهم لولا الاستدارج لا يخلوا العبد منه فى وقت من الاوقات ولولا الاستدراج لما عرف العبد طعم الكرامة لما انزجر عن العقوبة فبالاستدراج يعرف العقوبة ويخلق المقت وبالانتباه يعرف النعمة ويرجوا القربة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث} من منصوب للعطف على ضمير المتكلم او على انه مفعول معه وهو مرجوح لا مكان العطف من غير ضعف اى واذا كان حالهم فى الآخرة كذلك فدعنى ومن يكذب القرءآن وخل بينى وبينه ولا تشغل قلبك بشأنه وتوكل على فى الانتقام منه فانى عالم بما يستحقه من العذاب ويطيق له وكافيك امره يقال ذرنى واياه يريدون كله الى فانى اكفيك قال فى فتح الرحمن وعيد ولم يكن ثمة مانع ولكنه كما تقول دعنى مع فلان اى سأعاقبه والحديث القرءآن لان كل كلام يبلغ الانسان من جهة السمع او الوحى فى يقظته او منامه يقال له حديث {سنستدرجهم} يقال استدرجه الى كذا اذا استنزله اليه درجة درجة حتى يورطه فيه وفى تاج المصادر الاستدراج اندك اندك نزديك دانيدن خداى بنده را بخشم وعقوبت خود. والمعنى سنستزلهم الى العذاب درجة فدرجة بالاحسان وادامة الصحة وازدياد النعمة حتى نوقعهم فيه فاستدراج الشخص الى العذاب عبارة عن هذا الاستنزال والاستدناء {من حيث لا يعلمون} اى من الجهة الى لا يشعرون انه استدراج وهو الانعام عليهم لانهم يحسونه ايثارا لهم وتفضيلا على المؤمنين وهو سبب لهلاكهم وفى الحديث "حديث : اذا رأيت الله ينعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم انه مستدرج وتلا هذه الآية"تفسير : وقال امير المؤمنين رضى الله عنه من وسع عليه دنياه فلم يعلم انه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله (وروى) ان رجلا من بنى اسرآئيل قال يا رب كم اعصيك ولم أنت لا تعاقبنى فأوحى الله الى نبى زمانه ان قل له كم من عقوبة لى عليك وان لا تشعر كونها عقوبة ان جمود عينك وقساوة قلبك استدراج منى وعقوبة لو عقلت قال بعض المكاشفين من المكر الالهى بالعبد أن يرزق العلم ويحرم العمل به او يرزق العمل ويحرم الاخلاص فيه فمن علم اتصافه بهذا من نفسه فليعلم انه ممكور به واخفى ما يكون المكر الالهى فى المتأولين من اهل الاجتهاد وغيرهم ومن يعتقد أن كل مجتهد مصيب يدعو الناس على بصيرة وعلم قطعى وكذلك مكر الله بالخاصة خفى مستور فى ابقاء الحال عليهم وتأييدهم بالكرامات مع سوء الأدب الواقع منهم فتراهم يتلذذون باحوالهم ويهجمون على الله فى مقام الادلال وما عرفوا ما ادخر لهم من المؤاخذات نسأل الله العافية وقال بعض العارفين مكر الله فى نعمه اخفى منه فى بلائه فالعاقل من لا يأمن مكر الله فى شئ وأدنى مكر بصاحب النعمة الظاهرة او الباطنة انه يخطر فى نفسه انه مستحق لتلك النعمة وانها من اجل اكرامه خلقت ويقول ان الله ليس بمحتاج اليها فهى لى بحكم الاستحقاق وهذا يقع فيه كثيرا من لا تحقيق عنده من العارفين لان الله انما خلق الاشياء بالاصالة لتسبح بحمده واما انتفاع عباده بها فبحكم التبعية لا بالاول وقال بعض المحققين كل علم ضرورى وجده العبد فى نفسه من غير تعمل فكر فيه ولا تدبر فهو عطاء من الله لوليه الخاص بلا واسطة ولكن لا يعرف ان ذلك من الله الا الكمل من الرجال ويحتاج صاحب مقام الفتوح الى ميزان دقيق لانه قد يكون فى الفتوح مكر خفى واستدراج ولذلك ذكره تعالى فى القرآن على نوعين بركات وعذاب حتى لا يفرح العاقل بالفتح قال تعالى {أية : ولو أن اهل الكتاب آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء}تفسير : وقال تعالى {أية : فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد}تفسير : وتأمل قول قوم عاد هذا عارض ممطرنا لما حجبتهم العادة فقيل لهم بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم. واعلم ان كل فتح اعطاك أدبا وترقيا فليس هو بمكر بل عناية من الله لك وكل فتح اعطى العبد أحوالا وكشفا واقبالا من الحق فليحذر منه فانه نتيجة عجلت فى غير موطنها فينقلب صاحبها الى الدار الآخرة صفر اليدين نسأل الله اللطف قال أبو الحسين رضى الله عنه المستدرج سكران والسكران لا يصل اليه ألم فجع المعصية الا بعد افاقته فاذا افاقوا من سكرتهم خلص ذلك الى قلوبهم فانزعجوا ولم يطمئنوا والاستدراج هو السكون الى اللذات والتنعم بالنعمة ونسيان ما تحت النعم من المحن والاغترار بحلم الله تعالى وقال أبو سعيد الخرازقدس سره الاستدراج فقدان اليقين فالمستدرج من فقد فوآئد باطنه واشتغال بظاهره واستكثر من نفسه حركاته وسعيه لغيبوبته عن المنه وقال بعضهم بالاستدراج تعرف العقوبة ويخاف المقت وبالانتباه تعرف النعمة ويرجى القرب.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فَذَرْني ومَن يُكذِّب بهذا الحديث} أي: القرآن، والمعنى: كِلّ أمره لي، وخلِّ بيني وبينه، فإني أكفيك أمره؛ لأني عليم بما يستحق من العذاب، ومطيق له. والفاء لترتيب الأمر على ما قبلها من أحوالهم المحكية، أي: إذا كان حالهم في الآخرة كذلك فذرْني ومَن يُكَذِّب بالقرآن، وتوكل عليّ في الانتقام منه، {سنستدرجُهم}؛ سنُدْنيهم من العذاب درجة درجة، يقال: استدرجه إلى كذا، أي: استنزله إليه درجة بدرجة حتى يورطه فيه، واستدراجه تعالى للعصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة، فيجعلون رزقَ الله ذريعة إلى معاصيه. والجملة استئناف مسوق لبيان التعذيب المستفاد من الأمر إجمالاً في قوله: {فذرني} والضمير لـ"من"، والجمع باعتبار معناها، كما أنَّ الإفراد في "يُكذِّب" باعتبار لفظها، أي: سنسوقهم إلى العذاب {من حيث لا يعلمون} أي: من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج، قيل: كلما جدّدوا معصيةً جدّدنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا رأيت الله تعالى يُنعم على عبد، وهو مقيم على معصية، فاعلم أنه مُستدرج "تفسير : ثم تلا هذه الآية. {وأُمْلِي لهم}؛ وأمهلهم ليزدادوا إثماً، وهم يظنون أنه لإرادة الخير بهم، {إِنَّ كيدي متينٌ}؛ قوي شديد، لا يوقف عليه، فسمّى إحسانه وتمكينه كيداً كما سمّاه استدراجاً؛ لكونه في صورة الكيد، حيث كان سبباً للهلاك. والحاصل: أن معنى الكيد والمكر والاستدراج، هو الأخذ من جهة الأمن، ولا يجوز أن يُسمى الله كائداً وماكراً ومُسْتَدْرِجاً؛ لعدم التوقيف، وأسماؤه تعالى توقيفيه. {أم تسألهم} على تبليغ الرسالة {أجراً} دنيوياً {فهم من مَّغْرَمٍ} أي: من أجل غرامة {مثقَلُون}؛ مكلفون حملاً ثقيلاً، فيعرضون عنك لأجل ما تكلفهم به؟ والاستفهام بمعنى النهي. {أم عندهم الغيب} أي: اللوح المحفوظ، أو علم المغيبات، {فهم يكتبون} منه ما يحكمون به، فيستغنون عن علمه؟ {فاصبرْ لحُكم ربك} أي: ما حكم به، وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم؛ لأنهم وإن أُمهلوا لم يُهمَلوا، {ولا تكن كصاحِب الحوت}؛ يونس عليه السلام في العَجَلة والغضب على القوم حتى ابتلي ببلائه، {إِذ نادَى} في بطن الحوت {وهو مكظوم} مملوء غيظاً. والجملة حال من ضمير "نادى" وعليه يدور النهي، لا على النداءِ؛ فإنه أمر مستحسن، ولذلك لم يذكر المنادَى، و "إذ" منصوب بمضاف محذوف، أي: لا يكن حالك كحاله وقت ندائه، أي: لا يوجد منك ما وُجد منه من الضجر والمغاضبة فتُبتلى ببلائه، {لولا أن تدارَكه نعمةٌ}؛ رحمة {من ربه} أي: لولا أنَّ الله أنعم عليه بإجابة دعائه، وقبول عذره، أو: لتوفيقه للتوبة وقبولها منه، {لنُبذ بالعراءِ}؛ بالأرض الخالية من الأشجار {وهو مذموم}؛ معاتَب بعجلته، لكنه رُحم، فنُبذ غير مذموم، بل مَرْضِي مقبول. {فاجتباه ربُّه}؛ اصطفاه لرسالته ببركة دعائه وتسبيحه، فأعاد إليه الوحي، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، وقيل: استنبأه، وكان لم يُنبأ قبل هذه الواقعة، {فجعله من الصالحين}؛ من الكاملين في الصلاح، أو: من الأنبياء والمرسَلين. والوجه هو الأول؛ لأنه كان نبياً مرسَلاً قبل، لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إلىَ ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } تفسير : [الصافات:139، 140] الخُ. رُوي أنها نزلت بأُحد، حين هَمّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المنهزمين من المؤمنين، وهو ضعيف؛ لأنَّ السورة كلها مكية. والله تعالى أعلم. الإشارة: ذَرني ومَن يُكذِّب بهذا الحديث؛ حديث أهل الخصوصية، وهو الكلام في علم أسرار التوحيد، الذي هو مدار علم الباطن، فمَن يُنكره أو يُنكر وجودَ أهله فهو مستدرَج مغرور، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، أي: ندرجهم إلى مقام البُعد درجة درجة، من حيث لا يشعرون، فهم يحسبون أنهم يصعدون، وهم يسقطون، يطنون أنهم يُرقِّقون الحجاب بينهم وبين الله، وهم يغلظونه. قيل: حقيقة الاستدراج هو السكون إلى اللذات، والتنعُّم بالنعمة، ونسيان ما تحت النِعم من النقم. هـ. وهذا حال مَن يُنكر وجود التربية، أو دخل فيها ولم يمتثل ما يُشير به عليه شيخُه. ويقال لمَن يدعو الناس إلى الله، وهم يفرُّون: أم تسألهم أجراً فهم من مَغرم مُثقلون، وإنما يثقل العطاء على مَن لم يذق، وأمّا مَن ذاق فلا يثقل عليه الوجود بأسره، بل يبذل مُهجته ورُوحه وماله، ويستصغره في جانب ما نال من أسرار المعرفة. ويقال له أيضاً حين يُؤذَى: فاصبر لحُكم ربك، ولا تستعجل حتى يجتبيك ربُّك، فتكون من الصالحين لحضرته، قال الواسطي: الاجتبائية أورثت الصلاح، لا الصلاح أورث الاجتبائية. هـ. ثم رَدَّ على الكفرة رميَهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالجنون، فقال: {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ}.

الجنابذي

تفسير : {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} اى حديث ولاية علىٍّ (ع)، تهديد بليغ لهم {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} قد مضى الآية فى سورة الاعراف.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} يعني القرآن. وهذا وعيد بالعذاب لمن كذب بالقرآن. {سَنَسْتَدْرِجُهُم} يعني المكذبين {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} وهذا مثل قوله عز وجل: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَدْنَآ أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ)تفسير : أي: مكانِ الشِدة الرخاء (أية : حَتَّى عَفَواْ) تفسير : أي حتى كثروا (أية : وَقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَآءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) تفسير : [الأعراف:94-95] أي أخذناهم أحسن ما كانوا حالاً وآمنه، فأهلكهم، فحذّر المشركين ذلك. قوله عز وجل: {وَأُمْلِي لَهُم} [أي: أطيل لهم وأمهلهم] حتى يبلغوا الوقت الذي آخذهم فيه. {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي شديد. وكيده أخذه إياهم بالعذاب. وقد عذّب الله أوائل هذه الأمة أبا جهل وأصحابه بعذاب شديد. قال تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُم} يقول للنبي عليه السلام: أم تسأل المشركين على القرآن {أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} أي: قد أثقلهم الغرم. وهذا استفهام. أي: إنك لست تسألهم أجراً على القرآن.

اطفيش

تفسير : {فَذَرْنِى} دعني {وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الحَدِيثِ} القرآن والواو للمعية أي كلني معه فاني اكفيكيه فلا تشتغل به فاني عالم بجزائه فهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد للمذكبين. {سَنَسْتَدْرِجُهُم} نقربهم من العذاب درجة درجة بالامهال وادامة الصحه وازدياد النعمة يتدرعون بذلك الى زيادة الكفر والمعاصي {مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ} من الجهة التي لا يشعرون أنها استدراج وهو الانعام والتصحيح ايحسبونهما ايثارا وتفضيلا على المؤمنين وذلك هو سبب هلاكهم.

اطفيش

تفسير : {فذرْنِي} إِذا كان الأَمر هكذا من حالهم فذرنى أو عطف على يدعون الأَخير عطف إِنشاء على إِخبار، {ومَن يُكَذِّبُ} مع من يكذب، والوو للمعية، {بِهذَا الْحَدِيثِ} القرآن، لا تطلب أن تشفع لهم ولا يرق قلبك عليهم أو أنى كافيك شأنهم فى التعذيب. {سَنَسْتَدْرِجُهُم} ننزلهم فى العذاب درجة بالإِمهال وإِدامة الصحة وازدياد النعم كما جاء الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أنه إِذا رأيت أحداً مقيماً على المعاصي والنعم تزداد عليه فاعلم أنه مستدرج"تفسير : ، وقرأ الآية، والمؤمن إِذا أذنب عجل الاستغفار والتوبة وإِذا تجددت نعمة قابلها بالشكر، والمعنى كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها وهى سبب إِهلاكهم. {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُون} إِن ذلك استدراج، ويتوهمون أن ذلك تفضيل لهم على المؤمنين.

الالوسي

تفسير : {فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ } أي إذا كان حالهم ما سمعت فَكِلْ من يكذب بالقرآن إليَّ واستكفنيه فإن فيَّ ما يفرغ بالك ويخلي همك، وهو من بليغ الكلام يفيد أن المتكلم واثق بأنه يتمكن من الوفاء بأقصى ما يدور حول أمنية المخاطب وبما يزيد عليه، وقد حققه جار الله بما حاصله أن من استكفى أحداً ترك الأمر إليه وإلا كان استعانة لا استكفاء فأقيم الرادف أعني التخلية وأن يذره وإياه مقام الاستكفاء مبالغة وإنباء عن الكفاية البالغة كيف وهذا الكافي طلب الاستكفاء بقوله {ذَرْنِى} وأبرز ترك الاستكفاء في صورة المنع مبالغة على مبالغة فلو لم يكن شديد الوثوق بتمكنه من الوفاء أقصى التمكن وفوق ما يحوم حول خاطر المستكفي لما كان للطلب على هذا الوجه الأبلغ وجه و(مَنْ) في موضع نصب إما عطفاً على المنصوب في {ذَرْنِى} أو على أنه مفعول معه. وقوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالاً، والضمير لمن والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في {يكذب} باعتبار لفظها، أي سنستنزلهم إلى العذاب درجة فدرجة بالإمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة {مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه استدراج بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم وتفضيل على المؤمنين مع أنه سبب لهلاكهم.

ابن عاشور

تفسير : الفاء لتفريع الكلام الذي عطفته على الكلام الذي قبله لكون الكلام الأول سبباً في ذكر ما بعده، فبعد أن استُوفي الغرض من موعظتهم ووعيدهم وتزييف أوهامهم أعقب بهذا الاعتراض تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله تكفل بالانتصاف من المكذبين ونصْره عليهم. وقوله: {فذرني ومن يُكذّب} ونحوه يفيد تمثيلاً لحال مفعول (ذر) في تعهده بأن يكفي مؤونة شيء دون استعانةٍ بصاحبِ المؤونةِ بحال من يرى المخاطب قد شرع في الانتصار لنفسه ورأى أنه لا يبلغ بذلك مبلغ مفعول (ذَرْ) لأنه أقدر من المعتدَى عليه في الانتصاف من المعتدي فيتفرغ له ولا يطلب من صاحب الحق إعانة له على أخذ حقه، ولذلك يؤتى بفعل يدل على طلب الترك ويؤتى بعده بمفعولٍ معه ومنه قوله تعالى: {أية : وذرني والمكذبين}تفسير : [المزمل: 11] {أية : ذَرني ومن خلقتُ وحيداً}تفسير : [المدثر: 11] وقال السهيلي في «الروض الأنف» في قوله تعالى: {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً}تفسير : [المدثر: 11] فيه تهديد ووعيد، أي دعني وإياه فسترى ما أصنع وهي كلمة يقولها المغتاظ إذا اشتد غيظه وغضبه وكره أن يشفع لمن اغتاظ عليه فمعنى الكلام لا شفاعة في هذا الكافر. والواو واو المعية وما بعدها مفعول معه، ولا يصح أن تكون الواو عاطفة لأن المقصود: اتركني معهم. و {الحديث} يجوز أن يراد به القرآن وتسميته حديثاً لما فيه من الإِخبار عن الله تعالى، وما فيه من أخبار الأمم وأخبار المغيبات، وقد سمي بذلك في قوله تعالى: {أية : فبأي حديث بعده يؤمنون}تفسير : في سورة الأعراف (185) وقوله تعالى: {أية : أفمِن هذا الحديث تعجبون وتضحكون} تفسير : الآية في} [سورة النجم: 59ــ 60]، وقوله: {أية : أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} تفسير : في سورة الواقعة (81). واسم الإِشارة على هذا للإِشارة إلى مقدر في الذهن مما سبق نزوله من القرآن. ويجوز أن يكون المراد بالحديث الإِخبار عن البعث وهو ما تضمنه قوله تعالى: {أية : يوم يكشف عن ساق}تفسير : الآية [القلم: 42]. ويكون اسم الإشارة إشارة إلى ذلك الكلام والمعنى: حسبك إيقاعاً بهم أن تكل أمرهم إليّ فأنَا أعلم كيف أنتصف منهم فلا تشغل نفسك بهم وتوكل عليَّ. ويتضمن هذا تعريضاً بالتهديد للمكذبين لأنهم يسمعون هذا الكلام. وهذا وعد للنبي صلى الله عليه وسلم بالنصر ووعيد لهم بانتقام في الدنيا لأنه تعجيل لتسلية الرسول. وجملة {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}، بيان لمضمون {ذَرني ومن يكذّب بهذا الحديث} باعتبار أن الاستدراج والإِملاء يعقبهما الانتقام فكأنه قال: سنأخذهم بأعمالهم فلا تستبطىء الانتقام فإنه محقق وقوعه ولكن يؤخر لحكمة تقتضي تأخيره. والاستدراج: استنزال الشيء من دَرَجة إلى أخرى في مثل السُّلم، وكان أصل السين والتاء فيه للطلب أي محاولة التدرج، أي التنقل في الدَّرج، والقرينة تدل على إرادة النزول إذ التنقل في الدرَج يكون صعوداً ونزولاً، ثم شاع إطلاقه على معاملة حسنة لمُسيءٍ إلى إبَّان مقدرٍ عند حلوله عقابُه ومعنى {من حيث لا يعلمون} أن استدراجهم المفضي إلى حلول العقاب بهم يأتيهم من أحوال وأسباب لا يتفطنون إلى أنها مفضية بهم إلى الهلاك، وذلك أجلب لقوة حسرتهم عند حلول المصائب بهم، فــ {مِن} ابتدائية، و {حيث} للمكان المجازي، أي الأسباب والأفعال والأحوال التي يحسبونها تأتيهم بخير فتنكشف لهم عن الضر، ومفعول {لا يعلمون} ضمير محذوف عائد إلى {حيث}. {وأُملي}: مضارع أمَلى، مقصوراً بمعنى أمْهَل وأخَّر وهو مشتق من المَلاَ مقصوراً، وهو الحِين والزمن، ومنه قيل لليلِ والنهار: المَلَوَان، فيكون أملى بمعنى طَوَّل في الزمان، ومصدره إملاء. ولام {لهم} هي اللام المسماة لام التبيين، وهي التي تُبين اتصال مدخولها بعامله لخفاءٍ فيه فإن اشتقاق فعل أمَلى من الملْوِ، وهو الزمان اشتقاق غيرُ بيّن لخفاء معنى الحَدَث فيه. ونون {سنستدرجهم} نون المتكلم المشارك، والمراد الله وملائكته الموكلون بتسخير الموجودات وربط أحوال بعضها ببعض على وجه يتم به مراد الله فلذلك جيء بنون المتكلم المشارك فالاستدراج تعلق تنجيزي لقدرةِ الله فيحصل بواسطة الملائكة الموكلين كما قال تعالى: {أية : إذْ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبِّتُوا الذين ءامنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق} تفسير : الآية [الأنفال: 12]. وأما الإِملاء فهو علم الله بتأجيل أخْذِهم. وتعلُق العلم ينفرد به الله فلذلك جيء معه بضمير المفرد. وحصل في هذا الاختلاف تفنن في الضميرين. ونظير هذه الآية قوله في الأعراف (182 ــــ 183): {أية : والذين كذبُوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأُملي لهم إن كيدي متين} تفسير : باعتبار أنهما وعد للنبيء بالنصر وتثبيت له بأن استمرار الكافرين في نعمة إنما هو استدراج وإملاء وضرب يشبه الكيد وأن الله بالغ أمره فيهم، وهذا كقوله: {أية : لا يغرنَّك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل}تفسير : [آل عمران: 196 ــــ 197]. وموقع {إنَّ} موقع التسبب والتعليل كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : إن أول بيت وضع للناس} تفسير : في سورة آل عمران (96). وإطلاق الكيد على إحسان الله لقوم مع إرادة إلحاق السوء بهم إطلاق على وجه الاستعارة لمشابهته فعل الكائد من حيث تعجيل الإِحسان وتعقيبه بالإِساءة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 44- فدعنى - يا محمد - ومن يكذِّب بهذا القرآن سندنيهم من العذاب درجة درجة من الجهة التى لا يعلمون أن العذاب يأتى منها. 45- وأمهلهم بتأخير العذاب. إن تدبيرى قوى لا يفلت منه أحد. 46- بل أتسألهم أجراً على تبليغ الرسالة، فهم من غرامة كلفتهم إيَّاها مثقلون؟! 47- بل أعندهم علم الغيب فهم يكتبون عنه ما يحكمون به؟ 48- فاصبر لإمهالهم وتأخير نصرك عليهم، ولا تكن كيونس صاحب الحوت - فى العجلة والغضب على قومه - حين نادى ربه وهو مملوء غيظاً وغضباً طالباً تعجيل عذابهم. 49- لولا أن تداركته نعمة ربه بقبول توبته، لطرح من بطن الحوت بالفضاء، وهو معاقب بزلته. 50- فاصطفاه ربه بقبول توبته، فجعله من الصالحين. 51- وإن يكاد الكافرون ليزيلونك عن مكانك، بنظرهم إليك - عداوةً وبُغْضاً - حين سمعوا القرآن، ويقولون: إنك لمجنون. 52- وما القرآن إلا عظة وحكمة وتذكير للعالمين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ذرني ومن يكذب: أي دعني ومن يكذب أي لا يصدق. بهذا الحديث: أي بالقرآن الكريم. سنستدرجهم: أي نستنزلهم درجة درجة حتى نصل بهم إلى العذاب. وأُملي لهم: أي وأمهلهم. إن كيدي متين: أي شديد قويّ لا يطاق. فهم من مغرم مثقلون: أي فهم مما يعطونكه مكلفون حملا ثقيلا. أم عندهم الغيب: أي اللوح المحفوظ. فهم يكتبون: أي ينقلون منه ما يدعونه ويقولونه. ولا تكن كصاحب الحوت: أي يونس في الضجر والعجلة. وهو مكظوم: أي مملوء غماً. بالعراء: أي الأرض الفضاء. وهو مذموم: لكن لما تاب نُبِذَ وهو غير مذموم. فاجتباه ربه: أي اصطفاه. ليزلقونك بأبصارهم: أي ينظرون إليك نظرا شديدا يكاد أن يصرعك. وما هو إلا ذكر: أي محمد صلى الله عليه وسلم. للعالمين: أي الإِنس والجن فليس بمجنون كما يقول المبطلون. معنى الآيات: بعد ذلك التقريع الشديد للمشركين المكذبين الذي لم يؤثر في نفوسهم أدنى تأثير قال تعالى لرسوله {فَذَرْنِي} أي بناء على ذلك فذرني ومن يكذب بهذا الحديث أي دعني وإياهم، والمراد من الحديث القرآن الكريم {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} أي نستنزلهم درجة درجة {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} حتى تنتهي بهم إلى عذابهم المترتب على تكذيبهم وشركهم. وقوله تعالى {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي وأمهلهم فلا أعاجلهم بالعذاب فأوسع لهم في الرزق وأصحح لهم الجسم حتى يروا أن هذا لكرامتهم عندنا وأنهم خيرٌ من المؤمنين ثم نأخذهم. وهذا من كيدي الشديد الذي لا يطاق، وقوله تعالى {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} أي بل أتسألهم على تبليغ الدعوة أجراً مقابل التبليغ فهم من مغرم مثقلون أي فهم يشعرون بحمل ثقيل من أجل ما يعطونك من الأجر فلذا هم لا يؤمنون بك ولا يتابعونك على دعوتك. أم عندهم الغيب أي اللوح المحفوظ فهم يكتبون منه ما هم يقولون به ويُقرُّونه والجواب لا إذاً فاصبر يا رسولنا لحكم ربك فيك وفيهم وامض في دعوتك ولا يثني عزمك تكذيبهم ولا عنادهم ولا تكن كصاحب الحوت يونس بن متَّى أي في الضجر وعدم الصبر. إذ نادى وهو مكظوم أي مملوء غمّاً فقال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وقوله لولا أن تداركه نعمة من ربّه لنبذ بالعراء وهو مذموم أي لولا أن أدركته رحمة الله تعالى حيث ألهمه الله التوبة ووفقه لها لنبذ أي لطرح بالفضاء وهو مذموم ولكن لما تاب الله عليه طُرح على ساحل البحر وهو غير مذموم بل محمود فاجتباه ربّه أي اصطفاه مرة ثانية بعد الأولى فجعله من الصالحين أي الكاملي الصلاح من الأنبياء والمرسلين، ومعنى اجتباه مرة ثانية لأن الاجتباء الأول إذ كان رسولا في أهل نينوي وغاضبوه فتركهم ضجراً منهم فعوقب وبعد العقاب والعتاب اجتباه مرة أخرى وأرسله إلى أهل بلاده بعد ذلك الانقطاع قال تعالى من سورة اليقطين فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين. وقوله تعالى {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ} أي وإن يكاد الذين كفروا ليصرعونك من شدة النظر إليك وكلهم غيظ وحنق عليك بأبصارهم {لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ} أي القرآن نقرأه عليهم. ويقولون إنه لمجنون حسداً لك، وصرفاً للناس عنك، وما هو أي محمد صلى الله عليه وسلم إلا ذكر للعالمين أي يذكر به الله تعالى الإِنس والجن فليس هو بمجنون كما يقول المكذبون المفتونون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- ردّ الأمور إلى الله إذا استعصى حلّها فالله كفيل بذلك. 2- لا يصح أخذ أجرة على تبليغ الدعوة. 3- وجوب الصبر على الدعوة مهما كانت الصعاب فلا تترك لأذىً يصيب الداعي. 4- بيان حال المشركين مع الرسول صلى الله عليه وسلم وما كانوا يضمرونه له من البغض والحسد وما يرمونه به من الاتهامات الباطلة كالجنون والسحر والكذب.

القطان

تفسير : ذرني ومن يكذّب....: كِلْه اليّ واتركه لي، فإني أكفيك أمره. بهذا الحديث: بهذا القرآن. سنستدرجهم: سننتقل بهم من حال الى حال. وأملي لهم: أُمهلهم، وأطيل لهم المدة. كيدي متين: تدبيري قوي. مغرم: غرامة. مثقلون: ثقيلة عليهم. صاحب الحوت: النبي يونس. مكظوم: مملوء غيظا. العراء: الفضاء، الارض الخالية. فاجتباه: فاصطفاه. يُزلقونك: ينظرون اليك بغيظ وحنق حتى تزلّ وتنزلق. لمّا سمعوا الذِكر: القرآن الكريم. ذِكر للعالمين: تذكير للعالمين. اترك يا محمد من يكذّب بالقرآن لي، فإني عالم بما ينبغي ان أفعلَ بهم.... سنُدْنِيهم من العذابِ درجةً بعد درجة فتزدادُ معاصيهم من حيث لا يشعرون، وأُمهلهم بتأخير العذاب، إن تدبيري حين آخذُهم قويٌّ لا يفلت منه أحد. وفي الحديث الصحيح: إن الله تعالى لَيُمْلِي للظالمِ حتى إذا أخذَه لم يُفلتْه. وإن أمْرَهم لَعجيب، فأنت تدعوهم الى الله بلا أجرٍ تأخذُه منهم، {فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} فهل كُلّفوا ان يدفعوا أجراً لك فهم من هذه الغرامة مثقلون؟ وهل عندَهم علمٌ بالغيب فهم يكتبون ما يريدون وما يحكمون؟. ثم بعد ذلك أمر رسولَه الكريم ان يصبر على أذاهم فقال: {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ....} اصبر أيها الرسولُ على قضاء ربك.. لا تكن كيونسَ صاحبِ الحوت حينَ ذهبَ مغاضِبا لقومه فكان من أمرِه ما كان، فنادى ربَّه في الظلمات وهو مملوء غيظا {أية : سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنبياء: 87، 88]. ولولا أن تداركته نعمةُ ربه بقَبول توبته لَطُرِحَ في الأرض الفضاء وهو مذموم. {فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} وردّه الى قومه نبيّاً فانتفعوا به. ثم بين الله تعالى كيف ظهرتْ عداوتُهم للنبي الكريم، وكيفَ كانوا ينظُرون إليه بحقدٍ وضِيق فقال: {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} إنهم لِشدةِ عداوتهم لك ينظُرون إليك بهذه الكراهية حتى لَيكادون يُزِلّون قدمك حسداً وبغضا حين سمعوا القرآن، ثم يزيدون في كُرههم ويقولون إنك لَمجنون. وما هذا القرآن الا عِظةٌ وحِكمة وتذكيرٌ للعالمين، والذِكر لا يقوله مجنون، فصدَقُ الله وكذَب المفترون. قراءات: قرأ نافع وحده: ليزلقونك بفتح الياء والباقون: بضمها، وهما لغتان زَلِق وأزلق.

د. أسعد حومد

تفسير : (44) - كِلْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ إِلَيِّ أَمْرَ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ، وَلاَ تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِشَأْنِهِمْ فَأَنَا أَكْفِيكَ أمْرَهُمْ، وَسَأَسْتَدْرِجُهُمْ إِلَى العَذَابِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً بِالإِمْهَالِ، وَبِإِدَامَةِ الصّحَةِ، وَزِيَادَةِ النِّعْمَةِ، مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ اسْتِدْرَاجٌ، فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ إِيثَارٌ لَهُمْ مِنَ اللهِ، وَتَفْضِيلُ لَهُمْ عَلَى المُؤْمِنِينَ. سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ - فَنُمِدُّهُمْ بِالأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ وَنُمِدُّهُمْ فِي الأَرْزَاق والأَعْمالِ لِيَغْتَرُّوا وَيَسْتَمِرُّوا عَلَى مَا يَضُرُّهُمْ وَهَذَا مِنْ كَيْدِ اللهِ لَهُمْ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: دعني والمكذبين بالقرآن العظيم فإن علي جزاءهم، ولا تستعجل لهم، فـ { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ } فنمدهم بالأموال والأولاد، ونمدهم في الأرزاق والأعمال، ليغتروا ويستمروا على ما يضرهم، فإن وهذا من كيد الله لهم، وكيد الله لأعدائه، متين قوي، يبلغ من ضررهم وعذابهم فوق كل مبلغ. { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ } أي: ليس لنفورهم عنك، وعدم تصديقهم لما جئت به ، سبب يوجب لهم ذلك، فإنك تعلمهم، وتدعوهم إلى الله، لمحض مصلحتهم، من غير أن تطلبهم من أموالهم مغرمًا يثقل عليهم. { أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ } ما كان عندهم من الغيوب، وقد وجدوا فيها أنهم على حق، وأن لهم الثواب عند الله، فهذا أمر ما كان، وإنما كانت حالهم حال معاند ظالم. فلم يبق إلا الصبر لأذاهم، والتحمل لما يصدر منهم، والاستمرار على دعوتهم، ولهذا قال: { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } أي: لما حكم به شرعًا وقدرًا، فالحكم القدري، يصبر على المؤذي منه، ولا يتلقى بالسخط والجزع، والحكم الشرعي، يقابل بالقبول والتسليم، والانقياد التام لأمره. وقوله: { وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ } وهو يونس بن متى، عليه الصلاة والسلام أي: ولا تشابهه في الحال، التي أوصلته، وأوجبت له الانحباس في بطن الحوت، وهو عدم صبره على قومه الصبر المطلوب منه، وذهابه مغاضبًا لربه، حتى ركب في البحر، فاقترع أهل السفينة حين ثقلت بأهلها أيهم يلقون لكي تخف بهم، فوقعت القرعة عليه فالتقمه الحوت وهو مليم [وقوله] { إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ } أي: وهو في بطنها قد كظمت عليه، أو نادى وهو مغتم مهتم بأن قال: {أية : لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } تفسير : فاستجاب الله له، وقذفته الحوت من بطنها بالعراء وهو سقيم، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، ولهذا قال هنا: { لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ } أي: لطرح في العراء، وهي الأرض الخالية { وَهُوَ مَذْمُومٌ } ولكن الله تغمده برحمته فنبذ وهو ممدوح، وصارت حاله أحسن من حاله الأولى، ولهذا قال: { فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ } أي: اختاره واصطفاه ونقاه من كل كدر،. { فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } أي: الذين صلحت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم، [وأحوالهم] فامتثل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أمر ربه، فصبر لحكم ربه صبرًا لا يدركه فيه أحد من العالمين. فجعل الله له العاقبة {أية : والعاقبة للمتقين } تفسير : ولم يدرك أعداؤه فيه إلا ما يسوءهم، حتى إنهم حرصوا على أن يزلقوه بأبصارهم أي: يصيبوه بأعينهم، من حسدهم وغيظهم وحنقهم، هذا منتهى ما قدروا عليه من الأذى الفعلي، والله حافظه وناصره، وأما الأذى القولي، فيقولون فيه أقوالا بحسب ما توحي إليهم قلوبهم، فيقولون تارة "مجنون" وتارة "ساحر" وتارة "شاعر". قال تعالى { وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } أي: وما هذا القرآن الكريم، والذكر الحكيم، إلا ذكر للعالمين، يتذكرون به مصالح دينهم ودنياهم. تم تفسير سورة القلم، والحمد لله رب العالمين.