Verse. 5324 (AR)

٦٩ - ٱلْحَاقَّة

69 - Al-Haqqa (AR)

اَلْحَاۗقَّۃُ۝۱ۙ
Alhaqqatu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الحاقة» القيامة التي يحق فيها ما أنكر من البعث والحساب والجزاء، أو المظهرة لذلك.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : المسألة الأولى: أجمعوا على أن الحاقة هي القيامة واختلفوا في معنى الحاقة على وجوه: أحدها: أن الحق هو الثابت الكائن، فالحاقة الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء التي هي آتية لا ريب فيها وثانيها: أنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف حقيقته جعل الفعل لها وهو لأهلها وثالثها: أنها ذوات الحواق من الأمور وهي الصادقة الواجبة الصدق، والثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة أمور واجبة الوقوع والوجود فهي كلها حواق ورابعها: أن الحاقة بمعنى الحقة والحقة أخص من الحق وأوجب تقول: هذه حقتي أي حقي، وعلى هذا الحاقة بمعنى الحق، وهذا الوجه قريب من الوجه الأول وخامسها: قال الليث: {ٱلْحَاقَّةُ } النازلة التي حقت بالجارية فلا كاذبة لها وهذا معنى قوله تعالى: {أية : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ }تفسير : [الواقعة: 2]، وسادسها: {ٱلْحَاقَّةُ } الساعة التي يحق فيها الجزاء على كل ضلال وهدى وهي القيامة وسابعها: {ٱلْحَاقَّةُ } هو الوقت الذي يحق على القوم أن يقع بهم وثامنها: أنها الحق بأن يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين فإن في ذلك اليوم يحصل الثواب والعقاب ويخرج عن حد الانتظار وهو قول الزجاج وتاسعها: قال الأزهري: والذي عندي في الحاقة أنها سميت بذلك لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه من قولك: حاققته فحققته أي غالبته فغلبته وفلجت عليه وعاشرها: قال أبو مسلم: {ٱلْحَاقَّةُ } الفاعلة من حقت كلمة ربك. المسألة الثانية: الحاقة مرفوعة بالابتداء وخبرها {مَا ٱلْحَاقَّةُ } والأصل الحاقة ما هي أي أي شيء هي؟ تفخيماً لشأنها، وتعظيماً لهولها فوضع الظاهر موضع المضمر لأنه أهول لها ومثله قوله: {أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ } تفسير : [القارعة: 1، 2] وقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ } أي وأي شيء أعلمك {مَا ٱلْحَاقَّةُ } يعني إنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها، يعني أنه في العظم والشدة بحيث لا يبلغه دراية أحد ولا وهمه وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك {وَمَا } في موضع الرفع على الابتداء و{أَدْرَاكَ } معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ} يريد القيامة؛ سُميّت بذلك لأن الأمور تُحَقّ فيها؛ قاله الطبري. كأنه جعلها من باب «ليل نائم». وقيل: سُمِّيَت حاقة لأنها تكون من غير شك. وقيل: سُمِّيت بذلك لأنها أحقّت لأقوام الجنة، وأحقّت لأقوام النار. وقيل: سُمِّيَت بذلك لأن فيها يصير كل إنسان حقيقاً بجزاء عمله. وقال الأزهريّ: يقال حاققته فَحَقَقْتُه أُحقّه؛ أي غالبته فغلبته. فالقيامة حاقّة لأنها تَحُقّ كلَّ محاقٍّ في دين الله بالباطل؛ أي كل مخاصم. وفي الصحاح: وحاقّه أي خاصمه وادّعى كل واحد منهما الحق؛ فإذا غلبه قيل حَقّه. ويقال للرجل إذا خاصم في صِغار الأشياء: إنه لَنَزِق الحِقاق. ويقال: ما له فيه حق ولا حِقاق؛ أي خصومة. والتحاقّ التخاصم. والاحتقاق: الاختصام. والحاقة والحَقّة والحقّ ثلاث لغات بمعنًى. وقال الكسائي والمؤَرِّج: الحاقّة يوم الحقّ. وتقول العرب: لمّا عَرَف الحَقّة منّي هرب. والحاقّة الأولى رفع بالابتداء، والخبر المبتدأ الثاني وخبره وهو {مَا ٱلْحَآقَّةُ} لأن معناها ما هي. واللفظ استفهام، معناه التعظيم والتفخيم لشأنها؛ كما تقول: زيد ما زيد! على التعظيم لشأنه. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} استفهام أيضاً؛ أي أيّ شيء أعلمك ما ذلك اليوم. والنبيّ صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالقيامة ولكن بالصفة. فقيل تفخيماً لشأنها: وما أدراك ما هي؛ كأنك لستَ تعلمها إذ لم تعاينها. وقال يحيـى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن «وَمَا أَدْرَاكَ» فقد أدراه إياه وعلمه. وكل شيء قال: «وَمَا يُدْرِيك» فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عُيينة: كل شيء قال فيه: {وَمَآ أَدْرَاكَ} فإنه أُخبر به، وكل شيء قال فيه: «وَمَا يُدْرِيكَ» فإنه لم يخبرَ به.

البيضاوي

تفسير : مكية، وآيها اثنتان وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم {ٱلْحَاقَّةُ} أي الساعة أو الحالة التي يحق وقوعها، أو التي تحق فيها الأمور أي تعرف حقيقتها، أو تقع فيها حواق الأمور من الحساب والجزاء على الإِسناد المجازي، وهي مبتدأ خبرها. {مَا ٱلْحَاقَّةُ} وأصله ما هي أي: أي شيء هي على التعظيم لشأنها والتهويل لها، فوضع الظاهر موضع الضمير لأنه أهول لها. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} وأي شيء أعلمك ما هي، أي أنك لا تعلم كنهها فإنها أعظم من أن تبلغها دراية أحد، و {مَا} مبتدأ و {أَدْرَاكَ} خبره. {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ} بالحالة التي تقرع فيها الناس بالإِفزاع والأجرام بالانفطار والانتشار، وإنما وضعت موضع ضمير {ٱلْحَاقَّةُ} زيادة في وصف شدتها. {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة وهي الصيحة، أو الرجفة لتكذيبهم {بِٱلْقَارِعَةِ}، أو بسبب طغيانهم بالتكذيب وغيره على أنها مصدر كالعاقبة وهو لا يطابق قوله: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ } أي شديدة الصوت أو البرد من الصر أو الصر. {عَاتِيَةٍ} شديدة العصف كأنها عتت على خزانها فلم يستطيعوا ضبطها، أو على {عَادٍ } فلم يقدروا على ردها. {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} سلطها عليهم بقدرته، وهو استئناف أو صفة جيء به لنفي ما يتوهم من أنها كانت من اتصالات فلكية، إذ لو كانت لكان هو المقدر لها والمسبب. {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} متتابعات جمع حاسم من حسمت الدابة إذا تابعت بين كيها، أو نحسات حسمت كل خير واستأصلته، أو قاطعات قطعت دابرهم، ويجوز أن يكون مصدراً منتصباً على العلة بمعنى قطعاً، أو المصدر لفعله المقدر حالاً أي تحسمهم {حُسُوماً} ويؤيده القراءة بالفتح، وهي كانت أيام العجوز من صبيحة أربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر، وإنما سميت عجوزاً لأنها عجز الشتاء، أو لأن عجوزاً من عاد توارت في سرب فانتزعها الريح في الثامن فأهلكتها. {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ} إن كنت حاضرهم {فِيهَا } في مهابها أو في الليالي والأيام. {صَرْعَىٰ} موتى جمع صريع. {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ} أصول نخل. {خَاوِيَةٍ} متأكلة الأجواف. {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مّن بَاقِيَةٍ} من بقية أو نفس باقية، أو بقاء. {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ } ومن تقدمه، وقرأ البصريان والكسائي {وَمِن قَبْلِهِ} أي ومن عنده من أتباعهِ، ويدل عليه أنه قرىء «ومن معه». {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتُ} قرى قوم لوط والمراد أهلها. {بِالْخَاطِئَةِ} بالخطأ أو بالفعلة، أو الأفعال ذات الخطأ. {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبّهِمْ } أي فعصت كل أمة رسولها. {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً } زائدة في الشدة زيادة أعمالهم في القبح.

ابن كثير

تفسير : الحاقة من أسماء يوم القيامة؛ لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد، ولهذا عظم الله أمرها فقال: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ}؟ ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها، فقال تعالى: { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} وهي الصيحة التي أسكتتهم، والزلزلة التي أسكنتهم، هكذا قال قتادة: الطاغية: الصيحة، وهو اختيار ابن جرير، وقال مجاهد: الطاغية: الذنوب، وكذا قال الربيع بن أنس وابن زيد: إنها الطغيان، وقرأ ابن زيد: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ} تفسير : [الشمس: 11] وقال السدي: {فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ}، قال: يعني: عاقر الناقة {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} أي: باردة. قال قتادة والسدي والربيع بن أنس والثوري: {عَاتِيَةٍ} أي: شديدة الهبوب، قال قتادة: عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. وقال الضحاك: {صَرْصَرٍ} باردة {عَاتِيَةٍ} عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، وقال علي وغيره: عتت على الخزنة، فخرجت بغير حساب. {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} أي: سلطها عليهم {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} أي: كوامل متتابعات مشائيم، قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة والثوري وغيرهم: حُسُوماً: متتابعات، وعن عكرمة والربيع بن خثيم: مشائيم عليهم؛ كقوله تعالى: {أية : فِىۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} تفسير : [فصلت: 16] قال الربيع: وكان أولها الجمعة، وقال غيره: الأربعاء، ويقال: إنها التي تسميها الناس الأعجاز، وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} وقيل: لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال: أيام العجوز؛ لأن عجوزاً من قوم عاد دخلت سرباً، فقتلها الريح في اليوم الثامن، حكاه البغوي، والله أعلم. قال ابن عباس: {خَاوِيَةٍ}: خربة، وقال غيره: بالية، أي: جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض، فيخر ميتاً على أم رأسه، فينشدخ رأسه، وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان. وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي، حدثنا ابن فضيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما فتح الله على عاد من الريح التي هلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية، فحملتهم ومواشيهم وأموالهم، فجعلتهم بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد؛ الريح وما فيها، قالوا: هذا عارض ممطرنا، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة» تفسير : وقال الثوري عن ليث عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب { فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} أي: هل تحس منهم من أحد من بقاياهم، أو ممن ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم، ولم يجعل الله لهم خلفاً. ثم قال تعالى: {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ} قرىء بكسر القاف، أي: ومن عنده ممن في زمانه من أتباعه من كفار القبط، وقرأ آخرون بفتحها، أي: ومن قبله من الأمم المشبهين له. وقوله تعالى: {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ} وهم الأمم المكذبون بالرسل {بِالْخَاطِئَةِ} وهي التكذيب بما أنزل الله. قال الربيع: {بِالْخَاطِئَةِ} أي: بالمعصية، وقال مجاهد: بالخطايا، ولهذا قال تعالى: {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ} وهذا جنس، أي: كل كذب رسول الله إليهم؛ كما قال تعالى: {أية : كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} تفسير : [ق: 14] ومن كذب برسول، فقد كذب بالجميع؛ كما قال تعالى: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الشعراء: 105] {أية : كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الشعراء: 123] {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الشعراء: 141] وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد، ولهذا قال ههنا: { فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} أي: عظيمة شديدة أليمة، قال مجاهد: رابية: شديدة، وقال السدي: مهلكة. ثم قال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} أي: زاد على الحد بإذن الله، وارتفع على الوجود، وقال ابن عباس وغيره: طغى الماء: كثر، وذلك بسبب دعوة نوح عليه السلام على قومه حين كذبوه وخالفوه، فعبدوا غير الله، فاستجاب الله له، وعم أهل الأرض بالطوفان، إلا من كان مع نوح في السفينة، فالناس كلهم من سلالة نوح وذرّيته. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن أبي سنان سعيد بن سنان عن غير واحد عن علي بن أبي طالب قال: لم تنزل قطرة من ماء، إلا بكيل على يدي ملك، فلما كان يوم نوح، أذن للماء دون الخزان، فطغى الماء على الخزان، فخرج، فذلك قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} أي: زاد على الحد بإذن الله {حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ} ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك، إلا يوم عاد؛ فإنه أذن لها دون الخزان، فخرجت، فذلك قوله تعالى: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} أي: عتت على الخزان، ولهذا قال تعالى ممتناً على الناس: {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ} وهي السفينة الجارية على وجه الماء {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} عاد الضمير على الجنس؛ لدلالة المعنى عليه، أي: وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار؛ كما قال: {أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} تفسير : [الزخرف: 12 ــــ 13]. وقال تعالى: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } تفسير : [يس: 41 ــــ 42] وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة، والأول أظهر، ولهذا قال تعالى: {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ} أي: وتفهم هذه النعمة وتذكرها أذن واعية، قال ابن عباس: حافظة سامعة. وقال قتادة: {أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ}: عقلت عن الله، فانتفعت بما سمعت من كتاب الله، وقال الضحاك: {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ}: سمعتها أذن، ووعت، أي: من له سمع صحيح، وعقل رجيح، وهذا عام في كل من فهم ووعى. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد بن صبيح الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى، حدثنا علي بن حوشب: سمعت مكحولاً يقول: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سألت ربي أن يجعلها أذن علي» تفسير : قال مكحول: فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فنسيته، وهكذا رواه ابن جرير عن علي بن سهل عن الوليد بن مسلم عن علي بن حوشب عن مكحول به، وهو حديث مرسل. وقد قال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا جعفر بن محمد بن عامر، حدثنا بشر بن آدم، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد، يعني: والد أبي أحمد الزبيري، حدثني صالح بن الهيثم: سمعت بريدة الأسلمي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «حديث : إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحق لك أن تعي» تفسير : قال: فنزلت هذه الآية: {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ}. ورواه ابن جرير عن محمد بن خلف عن بشر بن آدم به. ثم رواه ابن جرير من طريق آخر عن أبي داود الأعمى عن بريدة به، ولا يصح أيضاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلْحَآقَّةُ } القيامة التي يحق فيها ما أنكر من البعث والحساب والجزاء، أو المظهرة لذلك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {ٱلْحَاقَّةُ } هي: القيامة؛ لأن الأمر يحق فيها، وهي تحق في نفسها من غير شك. قال الأزهري: يقال: حاققته، فحققته أحقه: غالبته فغلبته أغلبه. فالقيامة حاقة؛ لأنها تحاق كل محاق في دين الله بالباطل، وتخصم كل مخاصم. وقال في الصحاح: حاقه أي: خاصمه في صغار الأشياء، ويقال: ماله فيها حقّ ولا حقاق ولا خصومة، والتحاقّ: التخاصم، والحاقة والحقة والحقّ ثلاث لغات بمعنى. قال الواحدي: هي القيامة في قول كل المفسرين، وسميت بذلك لأنها ذات الحواقّ من الأمور، وهي الصادقة الواجبة الصدق، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود. قال الكسائي، والمؤرج: الحاقة يوم الحق، وقيل: سميت بذلك لأن كل إنسان فيها حقيق بأن يجزى بعمله، وقيل: سميت بذلك لأنها أحقت لقوم النار، وأحقت لقوم الجنة، وهي مبتدأ، وخبرها قوله: {مَا ٱلْحَاقَّةُ } على أن ما الاستفهامية مبتدأ ثان، وخبره الحاقة، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والمعنى: أيّ شيء هي في حالها أو صفاتها، وقيل: إن ما الاستفهامية خبر لما بعدها، وهذه الجملة، وإن كان لفظها لفظ الاستفهام، فمعناها التعظيم والتفخيم لشأنها، كما تقول: زيد ما زيد، وقد قدّمنا تحقيق هذا المعنى في سورة الواقعة. ثم زاد سبحانه في تفخيم أمرها وتفظيع شأنها وتهويل حالها، فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ } أي: أيّ شيء أعلمك ما هي؟ أي: كأنك لست تعلمها إذا لم تعاينها وتشاهد ما فيها من الأهوال، فكأنها خارجة عن دائرة علم المخلوقين. قال يحيى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن وما أدراك، فقد أدراه إياه وعلمه، وكلّ شيء قال فيه: وما يدريك، فإنه أخبره به. وما مبتدأ، وخبره أدراك، و{ما الحاقة} جملة من مبتدأ، وخبر محلها النصب بإسقاط الخافض؛ لأن أدري يتعدّى إلى المفعول الثاني بالباء، كما في قوله: {أية : وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } تفسير : [يونس: 16] فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له كانت في موضع المفعول الثاني، وبدون الهمزة يتعدى إلى مفعول واحد بالباء نحو دريت بكذا، وإن كان بمعنى العلم تعدى إلى مفعولين، وجملة، وما أدراك معطوفة على جملة: {ما الحاقة}. {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ } أي: بالقيامة، وسميت بذلك لأنها تقرع الناس بأهوالها. وقال المبرّد: عنى بالقارعة القرآن الذي نزل في الدنيا على أنبيائهم، وكانوا يخوّفونهم بذلك فيكذبونهم. وقيل: القارعة مأخوذة من القرعة؛ لأنها ترفع أقواماً وتحط آخرين، والأوّل أولى، ويكون وضع القارعة موضع ضمير الحاقة للدلالة على عظيم هولها وفظاعة حالها، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوال الحاقة. {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ } ثمود: هم قوم صالح، وقد تقدّم بيان هذا في غير موضع، وبيان منازلهم، وأين كانت، والطاغية الصيحة التي جاوزت الحدّ، وقيل: بطغيانهم وكفرهم، واصل الطغيان مجاوزة الحدّ. {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ } عاد: هم قوم هود، وقد تقدّم بيان هذا، وذكر منازلهم، وأين كانت في غير موضع، والريح الصرصر هي الشديدة البرد، مأخوذ من الصرّ، وهو البرد. وقيل: هي الشديدة الصوت. وقال مجاهد: الشديدة السموم، والعاتية التي عتت عن الطاعة، فكأنها عتت على خزانها، فلم تطعهم ولم يقدروا على ردّها لشدّة هبوبها، أو عتت على عاد، فلم يقدروا على ردّها بل أهلكتهم. {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ } هذه الجملة مستأنفة لبيان كيفية إهلاكهم، ومعنى {سَخَّرَهَا } سلطها، كذا قال مقاتل، وقيل: أرسلها. وقال الزجاج: أقامها عليهم كما شاء، والتسخير: استعمال الشيء بالاقتدار، ويجوز أن تكون هذه الجملة صفة لريح، وأن تكون حالاً منها لتخصيصها بالصفة، أو من الضمير في عاتية {وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ } معطوف على {سَبْعَ لَيَالٍ }، وانتصاب {حُسُوماً } على الحال أي: ذات حسوم، أو على المصدر بفعل مقدّر أي: تحسمهم حسوماً، أو على أنه مفعول به، والحسوم التتابع، فإذا تتابع الشيء ولم ينقطع أوّله عن آخره قيل له الحسوم. قال الزجاج: الذي توجبه اللغة في معنى قوله {حُسُوماً } أي: تحسمهم حسوماً تفنيهم وتذهبهم. قال النضر بن شميل: حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم. وقال الفراء: الحسوم الاتباع من حسم الداء، وهو الكيّ؛ لأن صاحبه يكوى بالمكواة ثم يتابع ذلك عليه، ومنه قول أبي دؤاد:شعر : يفرق بينهم زمن طويل تتابع فيه أعواماً حسوماً تفسير : وقال المبرّد: هو من قولك حسمت الشيء: إذا قطعته وفصلته عن غيره. وقيل: الحسم الاستئصال، ويقال للسيف: حسام، لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته، والمعنى: أنها حسمتهم، أو قطعتهم وأذهبتهم، ومنه قول الشاعر:شعر : فأرسلت ريحاً دبوراً عقيما فدارت عليهم فكانت حسوما تفسير : قال ابن زيد: أي: حسمتهم فلم تبق منهم أحداً. وروي عنه أنه قال: حسمت الأيام والليالي حتى استوفتها؛ لأنها بدأت بطلوع الشمس من أوّل يوم، وانقطعت بغروب الشمس من آخر يوم. وقال الليث: الحسوم هي الشؤم أي: تحسم الخير عن أهلها، كقوله: {أية : فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } تفسير : [فصلت: 16]. واختلف في أوّلها. فقيل: غداة الأحد. وقيل: غداة الجمعة. وقيل: غداة الأربعاء. قال وهب: وهذه الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز، كان فيها برد شديد وريح شديدة، وكان أوّلها يوم الأربعاء، وآخرها يوم الأربعاء {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ } الخطاب لكلّ من يصلح له على تقدير أنه لو كان حاضراً حينئذٍ لرأى ذلك، والضمير في: {فيها} يعود إلى الليالي والأيام. وقيل: إلى مهاب الريح، والأوّل أولى. وصرعى جمع صريع يعني: موتى {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } أي: أصول نخل ساقطة أو بالية. وقيل: خالية لا جوف فيها، والنخل يذكر ويؤنث، ومثله قوله: {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ }تفسير : [القمر: 20] وقد تقدّم تفسيره، وهو إخبار عن عظم أجسامهم. قال يحيى بن سلام: إنما قال خاوية؛ لأن أبدانهم خلت من أرواحهم مثل النخل الخاوية {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مّن بَاقِيَةٍ } أي: من فرقة باقية، أو من نفس باقية، أو من بقية على أن باقية مصدر كالعاقبة والعافية. قال ابن جريج: أقاموا سبع ليالٍ وثمانية أيام أحياء في عذاب الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر. {وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ } أي: من الأمم الكافرة. قرأ الجمهور: {قبله} بفتح القاف وسكون الباء أي: ومن تقدّمه من القرون الماضية والأمم الخالية، وقرأ أبو عمرو، والكسائي بكسر القاف وفتح الباء أي: ومن هو في جهته من أتباعه، واختار أبو حاتم، وأبو عبيد القراءة الثانية لقراءة ابن مسعود وأبيّ ومن معه، ولقراءة أبي موسى ومن يلقاه {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ } قرأ الجمهور: {المؤتفكات} بالجمع، وهي قرى قوم لوط، وقرأ الحسن، والجحدري: "المؤتفكة" بالإفراد، واللام للجنس، فهي في معنى الجمع، والمعنى: وجاءت المؤتفكات {بِالْخَاطِئَةِ } أي: بالفعلة الخاطئة، أو الخطأ على أنها مصدر. والمراد: أنها جاءت بالشرك والمعاصي. قال مجاهد: بالخطايا، وقال الجرجاني: بالخطأ العظيم: {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبّهِمْ } أي: فعصت كلّ أمة رسولها المرسل إليها. قال الكلبي: هو موسى، وقيل: لوط لأنه أقرب، قيل: ورسول هنا بمعنى رسالة، ومنه قول الشاعر:شعر : لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسرّ ولا أرسلتهم برسول تفسير : أي: برسالة {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً } أي: أخذهم الله أخذة نامية زائدة على أخذات الأمم، والمعنى: أنها بالغة في الشدّة إلى الغاية، يقال: ربى الشيء يربو: إذا زاد وتضاعف. قال الزجاج: تزيد على الأخذات. قال مجاهد: شديدة: {إِنَّا لَمَّا طَغَىٰ ٱلْمَاء } أي: تجاوز حدّه في الارتفاع والعلوّ، وذلك في زمن نوح لما أصرّ قومه على الكفر وكذبوه. وقيل: طغى على خزانه من الملائكة غضباً لربه، فلم يقدروا على حبسه. قال قتادة: زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً {حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ } أي: في أصلاب آبائكم، أو حملناهم وحملناكم في أصلابهم تغليباً للمخاطبين على الغائبين. والجارية سفينة نوح، وسميت جارية لأنها تجري في الماء، ومحل {في الجارية} النصب على الحال أي: رفعناكم فوق الماء حال كونكم في السفينة، ولما كان المقصود من ذكر قصص هذه الأمم، وذكر ما حلّ بهم من العذاب زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول قال: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً } أي: لنجعل هذه الأمور المذكورة لكم يا أمة محمد عبرة وموعظة تستدلون بها على عظيم قدرة الله وبديع صنعه، أو لنجعل هذه الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين لكم تذكرة {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وٰعِيَةٌ } أي: تحفظها بعد سماعها أذن حافظة لما سمعت. قال الزجاج: يقال: أوعيت كذا أي: حفظته في نفسي أعيه وعياً، ووعيت العلم، ووعيت ما قلته كله بمعنى، وأوعيت المتاع في الوعاء، ويقال لكل ما وعيته في غير نفسك: أوعيته بالألف، ولما حفظته في نفسك وعيته بغير ألف. قال قتادة في تفسير الآية: أذن سمعت وعقلت ما سمعت. قال الفراء: المعنى: لتحفظها كل أذن عظة لمن يأتي بعد. قرأ الجمهور: {تعيها} بكسر العين. وقرأ طلحة بن مصرّف، وحميد الأعرج، وأبو عمرو في رواية عنه بإسكان العين تشبيهاً لهذه الكلمة برحم وشهد وإن لم تكن من ذلك. قال الرازي: وروي عن ابن كثير إسكان العين، جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة كلمة واحدة، فخفف وأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من فخذ وكبد وكتف. انتهى. والأولى أن يكون هذا من باب إجراء الوصل مجرى الوقف، كما في قراءة من قرأ: {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ }تفسير : [الأنعام: 109] بسكون الراء. قال القرطبي: واختلفت القراءة فيها عن عاصم، وابن كثير: يعني: تعيها. {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وٰحِدَةٌ } هذا شروع في بيان الحاقة، وكيف وقوعها بعد بيان شأنها بإهلاك المكذبين. قال عطاء: يريد النفخة الأولى. وقال الكلبي، ومقاتل يريد النفخة الأخيرة. قرأ الجمهور: {نفخة واحدة} بالرفع فيهما على أن نفخة مرتفعة على النيابة، وواحدة تأكيد لها، وحسن تذكير الفعل لوقوع الفصل. وقرأ أبو السماك بنصبهما على أن النائب هو الجار والمجرور. قال الزجاج: قوله: {فِى ٱلصُّورِ } يقوم مقام ما لم يسمّ فاعله {وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ } أي: رفعت من أماكنها وقلعت عن مقارّها بالقدرة الإلٰهية. قرأ الجمهور: {حملت} بتخفيف الميم. وقرأ الأعمش، وابن أبي عبلة، وابن مقسم، وابن عامر في رواية عنه بتشديدها للتكثير أو للتعدية {فَدُكَّتَا دَكَّةً وٰحِدَةً } أي: فكسرتا كسرة واحدة لا زيادة عليها، أو ضربتا ضربة واحدة بعضهما ببعض حتى صارتا كثيباً مهيلاً وهباءً منبثاً. قال الفراء: ولم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة، ومثله قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا } تفسير : [الأنبياء: 30]. وقيل: دكتا بسطتا بسطة واحدة، ومنه اندك سنام البعير: إذا انفرش على ظهره. {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } أي: قامت القيامة. {وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاء فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } أي: انشقت بنزول ما فيها من الملائكة فهي في ذلك اليوم ضعيفة مسترخية. قال الزجاج: يقال لكل ما ضعف جدّاً: قد وهي فهو واهٍ، وقال الفرّاء: وهيها تشققها. {وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا } أي: جنس الملك على أطرافها وجوانبها، وهي جمع رجى مقصور، وتثنيته رجوان مثل قفا وقفوان، والمعنى: أنها لما تشققت السماء، وهي مساكنهم لجئوا إلى أطرافها. قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الربّ، فينزلون إلى الأرض ويحيطون بالأرض ومن عليها. وقال سعيد بن جبير: المعنى، والملك على حافات الدنيا أي: ينزلون إلى الأرض، وقيل: إذا صارت السماء قطعاً يقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في أنفسها {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } أي: يحمله فوق رءوسهم يوم القيامة ثمانية أملاك. وقيل: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله عزّ وجلّ. وقيل: ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، قاله الكلبي وغيره. {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } أي: تعرض العباد على الله لحسابهم، ومثله {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ صَفَّا } تفسير : [الكهف: 48] وليس ذلك العرض عليه سبحانه ليعلم به ما لم يكن عالماً به وإنما عرض الاختبار والتوبيخ بالأعمال، وجملة: {لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ } في محل نصب على الحال من ضمير تعرضون، أي: تعرضون حال كونه لا يخفى على الله سبحانه من ذواتكم أو أقوالكم وأفعالكم خافية كائنة ما كانت، والتقدير: أيّ نفس خافية أو فعلة خافية. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {ٱلْحَاقَّةُ } من أسماء القيامة. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه قال: ما أرسل الله شيئًا من ريح إلاّ بمكيال، ولا قطرة من ماء إلاّ بمكيال إلاّ يوم نوح ويوم عاد. فأما يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه، فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَاء } وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ }. وأخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب نحوه. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور»تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر مرفوعاً: "قال ما أمر الخزّان على عاد إلاّ مثل موضع الخاتم من الريح، فعتت على الخزّان، فخرجت من نواحي الأبواب"، فذلك قوله: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } قال: "عتوّها عتت على الخزّان". وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } قال: الغالبة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: {حُسُوماً } قال: متتابعات. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير من طرق عن ابن عباس في قوله: {حُسُوماً } قال: تباعاً، وفي لفظ: متتابعات. وأخرج ابن المنذر عنه: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ } قال: هي أصولها، وفي قوله: {خَاوِيَةٍ } قال: خربة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {إِنَّا لَمَّا طَغَىٰ ٱلْمَاء } قال: طغى على خزانه فنزل، ولم ينزل من السماء ماء إلاّ بمكيال، أو ميزان إلاّ زمن نوح، فإنه طغى على خزانه فنزل بغير كيل ولا وزن. وأخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية من طريق مكحول عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وٰعِيَةٌ } قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سألت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ»تفسير : فقال عليّ: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا فنسيته. قال ابن كثير: وهو حديث مرسل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والواحدي، وابن مردويه، وابن عساكر، وابن النجار عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: «حديث : إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحقّ لك أن تعي، فنزلت هذه الآية {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وٰعِيَةٌ } فأنت أذن واعيةً، يا عليّ»تفسير : قال ابن كثير: ولا يصح. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عمر في قوله: {أُذُنٌ وٰعِيَةٌ } قال: أذن عقلت عن الله. وأخرج الحاكم، والبيهقي في البعث عن أبي بن كعب في قوله: {وَحُمِلَتِ ٱلأرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وٰحِدَةً } قال: تصيران غبرة على وجوه الكفار لا على وجوه المؤمنين، وذلك قوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ }تفسير : [عبس: 40 ـ 41]. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } قال: متخرقة. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا } قال: على حافاتها على ما لم يهيء منها. وأخرج عبد بن حميد، وعثمان بن سعيد الدارمي في الردّ على الجهمية، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن خزيمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والخطيب في (تالي التلخيص) عنه أيضاً في قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } قال: ثمانية أملاك على صورة الأوعال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً من طرق في الآية قال: يقال: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله، ويقال: ثمانية أملاك رءوسهم عند العرش في السماء السابعة، وأقدامهم في الأرض السفلى، ولهم قرون كقرون الوعلة، ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه خمسمائة عام. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي موسى قال: قال رسول الله: «حديث : يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله»تفسير : وأخرج ابن جرير، والبيهقي في البعث عن ابن مسعود نحوه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {الحاقّةُ ما الحاقّةُ} فيه قولان: أحدهما: أنه ما حقّ من الوعد والوعيد بحلوله، وهو معنى قول ابن بحر. الثاني: أنه القيامة التي يستحق فيها الوعد والوعيد، قاله الجمهور وفي تسميتها بالحاقة ثلاثة أقاويل: أحدها: ما ذكرنا من استحقاق الوعد والوعيد بالجزاء على الطاعات والمعاصي، وهو معنى قول قتادة ويحيى بن سلام. الثاني: لأن فيها حقائق الأمور، قاله الكلبي. الثالث: لأن حقاً على المؤمن أن يخافها. وقوله " ما الحاقة" تفخيماً لأمرها وتعظيماً لشأنها. {وما أدْراكَ ما الحاقّة} قال يحيى بن سلام: بلغني أن كل شىء في القرآن فيه " وما أدراك" فقد أدراه إياه وعلّمه إياه، وكل شيء قال فيه " وما يدريك" فهو ما لم يعلمه إياه. وفيه وجهان: أحدهما: وما أدراك ما هذا الاسم، لأنه لم يكن في كلامه ولا كلام قومه، قاله الأصم. الثاني: وما أدراك ما يكون في الحاقة. {كذّبَتْ ثمودُ وعادٌ بالقارعةِ} أما ثمود فقوم صالح كانت منازلهم في الحجر فيما بين الشام والحجاز، قاله محمد بن إسحاق: وهو وادي القرى، وكانوا عرباً. وأما عاد فقوم هود، وكانت منازلهم بالأحقاف، والأحقاف الرمل بين عُمان إلى حضرموت واليمن كله، وكانوا عرباً ذوي خَلق وبَسطة، ذكره محمد بن إسحاق. وأما " القارعة" ففيها قولان: أحدهما: أنها قرعت بصوت كالصيحة، وبضرب كالعذاب، ويجوز أن يكون في الدنيا، ويجوز أن يكون في الآخرة. الثاني: أن القارعة هي القيامة كالحاقة، وهما اسمان لما كذبت بها ثمود وعاد. وفي تسميتها بالقارعة قولان: أحدهما: لأنها تقرع بهولها وشدائدها. الثاني: أنها مأخوذة من القرعة في رفع قوم وحط آخرين، قاله المبرد. {فأمّا ثمودُ فأهلِكوا بالطاغية} فيها خمسة أقاويل: أحدها: بالصيحة، قاله قتادة. الثاني: بالصاعقة، قاله الكلبي. الثالث: بالذنوب، قاله مجاهد. الرابع: بطغيانهم، قاله الحسن. الخامس: أن الطاغية عاقر الناقة، قاله ابن زيد. {وأمّا عادٌ فأهْلِكوا بريحٍ صَرْصَرٍ عاتيةٍ} روى مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نُصِرْتُ بالصَّبا وأُهلِكتْ عاد بالدَّبور ". تفسير : فأما صرصر ففيها قولان: أحدهما: أنها الريح الباردة، قاله الضحاك والحسن، مأخوذ من الصر وهو البرد. الثاني: أنها الشديدة الصوت، قاله مجاهد. وأما العاتية ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: القاهرة، قاله ابن زيد. الثاني: المجاوزة لحدها. الثالث: التي لا تبقى ولا ترقب. وفي تسميتها عاتية وجهان: أحدهما: لأنها عتت على القوم بلا رحمة ولا رأفة، قاله ابن عباس. الثاني: لأنها عتت على خزانها بإذن اللَّه. {سَخّرها عليهم سَبْعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام حُسوماً} اختلف في أولها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنّ أولها غداة يوم الأحد، قاله السدي. الثاني: غداة يوم الأربعاء، قاله يحيى بن سلام. الثالث: غداة يوم الجمعة، قاله الربيع بن أنس. وفي قوله {حُسُوماً} أربعة تأويلات: أحدها: متتابعات، قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والفراء، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: شعر : وكم يحيى بها من فرط عام وهذا الدهر مقتبل حسوم. تفسير : الثاني: مشائيم، قاله عكرمة والربيع. الثالث: أنها حسمت الليالي والأيام حتى استوفتها، لأنها بدأت طلوع الشمس من أول يوم، وانقطعت مع غروب الشمس من آخر يوم، قاله الضحاك. الرابع: لأنها حسمتهم ولم تبق منهم أحداً، قاله ابن زيد، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : ومن مؤمن قوم هود فأرسل ريحاً دَبوراً عقيماً توالتْ عليهم فكانت حُسوماً تفسير : {فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجازُ نخلٍ خاويةٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: البالية، قاله أبو الطفيل. الثاني: الخالية الأجواف، قاله ابن كامل. الثالث: ساقطة الأبدان، خاوية الأصول، قاله السدي. وفي تشبيههم بالنخل الخاوية ثلاثة أوجه: أحدها: أن أبدانهم خوت من أرواحهم مثل النخل الخاوية، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أن الريح كانت تدخل في أجوافهم من الخيشوم، وتخرج من أدبارهم، فصاروا كالنخل الخاوية، حكاه ابن شجرة. الثالث: لأن الريح قطعت رؤوسهم عن أجسادهم، فصاروا بقطعها كالنخل الخاوية. {وجاءَ فرعونُ ومَن قَبْلَهُ} فيه وجهان: أحدهما: ومن معه من قومه وهو تأويل من قرأ " ومن قِبلَهُ" بكسر القاف وفتح الباء. والثاني: ومن تقدمه، وهو تأويل من قرأ " ومن قَبْلَهُ" بفتح القاف وتسكين الباء. {والمؤتفِكاتُ بالخاطئة} في المؤتفكات قولان: أحدهما: أنها المقلوبات بالخسف. الثاني: أنها الأفكات وهي الاسم من الآفكة، أي الكاذبة. والخاطئة: هي ذات الذنوب والخطايا، وفيهم قولان: أحدهما: أنهم قوم لوط. الثاني: قارون وقومه، لأن اللَّه خسف بهم. {فعصَوْا رسولَ ربِّهم} فيه وجهان: أحدهما: فعصوا رسول الله إليهم بالتكذيب. الثاني: فعصوا رسالة اللَّه إليهم بالمخالفة، وقد يعبر عن الرسالة بالرسول، قال الشاعر: شعر : لقد كذَبَ الواشون ما بُحْت عندهم بسرٍّ ولا أرسلتهم برسول. تفسير : {فَأَخَذَهُمْ أَخذةً رابيةً} فيه خمسة أوجه: أحدها: شديدة، قاله مجاهد. الثاني: مُهلكة، قاله السدي. الثالث: تربوبهم في عذاب اللَّه أبداً، قاله أبو عمران الجوني. الرابع: مرتفعة، قاله الضحاك. الخامس: رابية للشر، قاله ابن زيد. {إنا لما طَغَى الماءُ حَمَلْناكم في الجاريةِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ظَهَر، رواه ابن أبي نجيح. الثاني: زادَ وكثر، قاله عطاء. الثالث: أنه طغى على خزانه من الملائكة، غضباً لربه فلم يقدروا على حبسه، قاله عليّ رضي الله عنه. قال قتادة: زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً. وروي عن ابن عباس أنه قال: ما أرسل من ريح قط إلا بمكيال. وما أنزل الله من قطرة قط إلا بمثقال، إلا يوم نوح وعاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خزانه فلم يكن لهم عيله سبيل، ثم قرأ: " إنا لما طغى الماء" الآية. وإن الريح طغت على خزانها يوم عاد فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ. " بريح صرصر عاتية سخرها عليهم " الآية. {حملناكم في الجارية} يعني سفينة نوح، سميت بذلك لأنها جارية على الماء. وفي قوله حملناكم وجهان: أحدهما: حملنا آباءكم الذين أنتم من ذريتهم. الثاني: أنهم في ظهور آبائهم المحمولين، فصاروا معهم، وقد قال العباس بن عبد المطلب ما يدل على هذا الوجه وهو قوله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: شعر : من قبلها طِبتَ في الظلال وفي مُستودع حيث يُخْصَفُ الورقُ. ثم هبطتَ البلادَ لا بشرٌ أنت ولا مُضْغةٌ ولا عَلَقُ. بل نطفةٌ تركب السَّفينَ وقد ألجَمَ نَسراً وأهلَه الغرقُ. تفسير : {لنجْعلهَا لكم تذكِرةً} يعني سفينة نوح جعلها اللَّه لكم تذكرة وعظة لهذه الأمة حتى أدركها أوائلهم في قول قتادة، وقال ابن جريج: كانت ألواحها على الجودي. {وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيةٌ} فيه أربعة أوجه: أحدها: سامعة، قاله ابن عباس. الثاني: مؤمنة، قاله ابن جريج. الثالث: حافظة، وهذا قول ابن عباس أيضاً. قال الزجاج: يقال وعيت لما حفظته في نفسك، وأوعيت لما حفظته في غيرك. وروى مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية: "حديث : سألت ربي أن يجلعها أُذُنَ عليٍّ، تفسير : قال مكحول: فكان عليٌّ رضي اللَّه عنه يقول: ما سمعت من رسول الله شيئاً قط نسيته إلا وحفظته. الرابع: [أنالأذن الواعية] أُذن عقلت عن اللَّه وانتفعت بما سمعت من كتاب اللَّه، قاله قتادة.

ابن عطية

تفسير : {الحاقة} اسم فاعل، من حق الشيء يحق إذا كان صحيح الوجود، ومنه {أية : حقت كلمة العذاب} تفسير : [الزمر: 71]، والمراد به القيامة والبعث، قاله ابن عباس وقتادة، لأنها حقت لكل عامل عمله. وقال بعض المفسرين: {الحاقة} مصدر كالعاقبة والعافية، فكأنه قال: ذات الحق. وقال ابن عباس وغيره: سميت القيامة حاقة، لأنها تبدي حقائق الأشياء واللفظة رفع بالابتداء، و {ما}، رفع بالابتداء أيضاً، و {الحاقة} الثانية: خبر {ما}، والجملة خبر الأول، وهذا كما تقول: زيد ما زيد، على معنى التعظيم له والإبهام في التعظيم أيضاً، ليتخيل السامع أقصى جهده. وقوله تعالى: {وما أدراك ما الحاقة} مبالغة في هذا المعنى: أي أن فيها ما لم تدره من أهوالها، وتفصيل صفاتها. {وما}، تقرير وتوبيخ. وقوله تعالى: {ما الحاقة} ابتداء وخبر في موضع نصب بـ {أدراك}، و {ما} الأولى، ابتداء وخبرها {أدراك ما الحاقة}، وفي {أدراك}، ضمير عائد على {ما} هو ضمير الفاعل. ثم ذكر تعالى تكذيب {ثمود وعاد} بهذا الأمر الذي هو حق مشيراً إلى أن من كذب بذلك ينزل عليه مثل ما نزل بأولئك. و {القارعة} من أسماء القيامة أيضاً، لأنها تقرع القلوب بصدمتها، و {ثمود} اسم عربي معرفة، فإذا أريد به القبيلة لم ينصرف، وإذا أريد به الحي انصرف، وأما {عاد}: فكونه على ثلاثة أحرف ساكن الوسط دفع في صدر كل علة فهو مصروف. و {الطاغية} قال قتادة: معناه الصيحة التي خرجت عن حد كل صيحة، وقال قوم: المراد بسبب الفئة الطاغية، وقال آخرون منهم مجاهد وابن زيد: المعنى بسبب الفعلة الطاغية التي فعلوها. وقال ابن زيد: ما معناه: {الطاغية} مصدر كالعاقبة فكأنه قال بطغيانهم، وقاله أبو عبيدة ويقوي هذا {أية : كذبت ثمود بطغواها} تفسير : [الشمس: 11] وأولى الأقوال وأصوبها الأول لأنه مناسب لما ذكر في عاد، إذ ذكر فيها الوجه الذي وقع به الهلاك، وعلى سائر الأقوال لا يتناسب الأمران لأن طغيان ثمود سبب والريح لا يناسب ذلك لأنها ليست سبب الإهلاك، بل هي آلة كما في الصيحة، و: "الصرصر" يحتمل أن يكون من الصر أي البرد، وهو قول قتادة، ويحتمل أن يكون من صر الشيء إذا صوت، فقال قوم: صوت الريح {صرصر}، كأنه يحكي هذين الحرفين. و "العاتية" معناه: الشديدة المخالفة، فكانت الريح عتت على الخزان بخلافها وعتت على قوم عاد بشدتها. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنهما قالا: إنه لم ينزل من السماء قطرة ماء إلا بمكيال على يد ملك ولا هبت ريح إلا كذلك إلا ما كان من طوفان نوح وريح عاد، فإن الله أذن لهما في الخروج دون إذن الخزان. والتسخير: استعمال الشيء باقتدار عليه. وروي أن الريح بدأت بهم صبح يوم الأربعاء لثمان بقين لشوال، وتمادت بهم إلى آخر يوم الأربعاء تكملة الشهر. و {حسوماً}، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وأبو عبيدة معناه: كاملة تباعاً لم يتخللها غير ذلك، وهذه كما تقول العرب ما لقيته حولاً محرماً، قال الشاعر [طفيل الغنوي]: [الطويل] شعر : عوازب لم تسمع نبوح مقامة ولم تر ناراً ثم حول محرم تفسير : وقال الخليل: {حسوماً}، أي شؤماً ونحساً، وقال ابن زيد: {حسوماً} جمع حاسم كجالس وقاعد، ومعناه أن تلك الأيتام قطعتهم بالإهلاك، ومنه حسم العلل ومنه الحسام. والضمير في قوله {فيها صرعى} يحتمل أن يعود على دارهم وحلتهم لأن معنى الكلام يقتضيها وإن لم يلفظ بها. قال الثعلبي، وقيل يعود على الريح، وقد تقدم القول في التشبيه بـ "أعجاز النخل" في سورة (اقتربت الساعة). والخاوية: الساقطة التي قد خلت أعجازها بِلىً وفساداً. ثم وقف تعالى على أمرهم توقيف اعتبار ووعظ بقوله: {هل ترى لهم من باقية} اختلف المتأولون في: {باقية}، فقال قوم منهم ابن الأنباري: هي هاء مبالغة كعلامة ونسابة والمعنى من باق. وقال ابن الأنباري أيضاً معناه: من فئة باقية وقال آخرون: {باقية} مصدر فالمعنى من بقاء.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْحَآقَّةُ} ما حق من الوعد والوعيد بحلوله أو القيامة التي يستحق فيها الوعد والوعيد عن الجمهور أو لأنه حق على العاقل أن يخافها أو فيها حقائق الأمور.

النسفي

تفسير : {ٱلْحَاقَّةُ } الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء التي هي آتية لا ريب فيها، من حق يحق بالكسر أي وجب {مَا ٱلْحَاقَّةُ } مبتدأ وخبر وهما خبر{ٱلْحَاقَّةُ } والأصل الحاقة ما هي أي أيّ شيء هي تفخيماً لشأنها وتعظيماً لهولها أي حقها أن يستفهم عنها لعظمها، فوضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التهويل {وَمَا أَدْرَاكَ } وأي شيء أعلمك {مَا ٱلْحَاقَّةُ } يعني أنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها، لأنه من العظم والشدة بحيث لا تبلغه دراية المخلوقين. و «ما» رفع بالابتداء و {أَدْرَاكَ } الخبر، والجملة بعده في موضع نصب لأنها مفعول ثانٍ لـ «أدرى» {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ } أي بالحاقة فوضعت القارعة موضعها لأنها من أسماء القيامة، وسميت بها لأنها تقرع الناس بالأفزاع والأهوال. ولما ذكرها وفخمها أتبع ذكر ذلك ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تذكيراً لأهل مكة وتخويفاً لهم من عاقبة تكذيبهم. {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ } بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة. واختلف فيها فقيل الرجفة، وقيل الصيحة، وقيل الطاغية مصدر كالعافية أي بطغيانهم، ولكن هذا لا يطابق قوله {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ } أي بالدبور لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور»تفسير : {صَرْصَرٍ } شديدة الصوت من الصرة الصيحة، أو باردة من الصر كأنها التي كرر فيها البرد وكثر فهي تحرق بشدة بردها {عَاتِيَةٍ } شديد العصف أو عتت على خزانها فلم يضبطوها بإذن الله غضباً على أعداء الله {سَخَّرَهَا } سلطها {عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ } وكان ابتداء العذاب يوم الأربعاء آخر الشهر إلى الأربعاء الأخرى {حُسُوماً } أي متتابعة لا تنقطع جمع حاسم كشهود تمثيلاً لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء بعد أخرى حتى ينحسم، وجاز أن يكون مصدراً أي تحسم حسوماً بمعنى تستأصل استئصالاً {فَتَرَى } أيها المخاطب {ٱلْقَوْمَ فِيهَا } في مهابها أو في الليالي والأيام {صَرْعَىٰ } حال جمع صريع {كَأَنَّهُمْ } حال أخرى {أَعْجَازُ } أصول {نَخْلٍ } جمع نخلة {خَاوِيَةٍ } ساقطة أو بالية {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مّن بَاقِيَةٍ } من نفس باقية أو من بقاء كالطاغية بمعنى الطغيان. {وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ } ومن تقدمه من الأمم {وَمِن قَبْلِهِ } بصري وعلي أي ومن عنده من أتباعه {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ } قرى قوم لوط فهي ائتفكت أي انقلبت بهم {بِالْخَاطِئَةِ } بالخطأ أو بالفعلة أو بالأفعال ذات الخطأ العظيم {فَعَصَوْاْ } أي قوم لوط {رَسُولَ رَبّهِمْ } لوطاً {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً } شديدة زائدة في الشدة كما زادت قبائحهم في القبح {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَاء } ارتفع وقت الطوفان على أعلى جبل في الدنيا خمسة عشر ذراعاً {حَمَلْنَـٰكُمْ } أي آباءكم {فِى ٱلْجَارِيَةِ } في سفينة نوح عليه السلام {لِنَجْعَلَهَا } أي الفعلة وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين {لَكُمْ تَذْكِرَةً } عبرة وعظة {وَتَعِيَهَا } وتحفظها {أُذُنٌ} بضم الذال: غير نافع {وٰعِيَةٌ } حافظة لما تسمع. قال قتادة: وهي أذن عقلت عن الله وانتفعت بما سمعت. {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وٰحِدَةٌ } هي النفخة الأولى ويموت عندها الناس، والثانية يبعثون عندها {وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ } رفعتا عن موضعهما {فَدُكَّتَا دَكَّةً وٰحِدَةً } دقتا وكسرتا أي ضرب بعضها ببعض حتى تندق وترجع كثيباً مهيلاً وهباء منبثاً {فَيَوْمَئِذٍ } فحينئذ {وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } نزلت النازلة وهي القيامة، وجواب «إذا» {وَقَعَتِ } و {يَوْمَئِذٍ } بدل من «إذا» {وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاءُ} فتّحت أبواباً {فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } مسترخية ساقطة القوة بعد ما كانت محكمة {وَٱلْمَلَكُ } للجنس بمعنى الجمع وهو أعم من الملائكة {عَلَىٰ أَرْجَائِهَا } جوانبها واحدها رجا مقصور لأنها إذا انشقت وهي مسكن الملائكة فيلجؤن إلى أطرافها {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ } فوق الملك الذين على أرجائها {يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } منهم، واليوم تحمله أربعة وزيدت أربعة أخرى يوم القيامة. وعن الضحاك: ثمانية صفوف. وقيل: ثمانية أصناف. {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } للحساب، والسؤال شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرّف أحواله {لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ } سريرة وحال كانت تخفى في الدنيا. وبالياء: كوفي غير عاصم. وفي الحديث: «حديث : يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعندها تطير الصحف فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله»تفسير : {فَأَمَّا } تفصيل للعرض {مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ } سروراً به لما يرى فيه من الخيرات خطاباً لجماعته {هَاؤُمُ } اسم للفعل أي خذوا {ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ } تقديره هاؤم كتابي اقرؤا كتابيه فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، والعامل في {كِتَـٰبيَهْ } {اقرءوا} عند البصريين لأنهم يعملون الأقرب. والهاء في { كِتَـٰبيَهْ } و {حِسَابِيَهْ } و {مَالِيَهْ } و {سُلْطَـٰنِيَهْ } للسكت، وحقها أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، وقد استحب إيثار الوقف إيثاراً لثباتها لثبوتها في المصحف {إِنّى ظَنَنتُ } علمت. وإنما أجرى الظن مجرى العلم، لأن الظن الغالب يقوم مقام العلم في العادات والأحكام، ولأن ما يدرك بالاجتهاد فلما يخلو عن الوسواس والخواطر وهي تفضي إلى الظنون، فجاز إطلاق لفظ الظن عليها لما لا يخلو عنه {أَنّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ } معاين حسابي {فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } ذات رضا يرضى بها صاحبها كلابن {فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } رفيعة المكان أو رفيعة الدرجات أو رفيعة المباني والقصور وهو خبر بعد خبر {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ } ثمارها قريبة من مريدها ينالها القائم والقاعد والمتكىء يقال لهم:

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الحاقة} يعني القيامة سميت حاقة من الحق الثابت يعني أنها ثابتة الوقوع لا ريب فيها. وقيل لأن فيها تحقيق الأمور فتعرف على الحقيقة وفيها يحق الجزاء على الأعمال أي يجب. وقيل الحاقة النازلة التي حقت فلا كاذبة لها. وقيل الحاقة هي التي تحق على القوم أي تقع بهم، {ما الحاقة} استفهام ومعناه التفخيم لشأنها والتهويل لها والمعنى أي شيء هي الحاقة {وما أدراك ما الحاقة} أي إنك لا تعلمها إذ لم تعاينها ولم تر ما فيها من الأهوال على أنه من العظم والشدة أمر لا تبلغه دراية أحد ولا فكره وكيف قدرت حالها فهي أعظم من ذلك.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {وما أدراك} بالإمالة حيث كان: حمزة وخلف والخراز عن هبيرة، وأبو عمرو والنجاري عن ورش، وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان {فهل ترى} كما في الملك {ومن قبله} بكسر القاف وفتح الباء: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون: بفتح القاف وسكون الباء {وتعيها} بسكون العين تشبيهاً بخاء " فخذ ": القواس عن حمزة عن خلف وخلف لنفسه والهاشمي عن قنبل والخزاعي عن ابن فليح وأبو ربيعة عن أصحابه {فهي يومئذ} بالإدغام: شجاع أبو شعيب {لا يخفى} على التذكير: حمزة وعلي وخلف {كتابي} {وحسابي} بغير هاء السكت في الوصل: سهل ويعقوب {مالي} و {سلطاني} بدون الهاء في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب {يؤمنون} و {يذكرون} على الغيبة: ابن كثير وسهل ويعقوب وابن عامر. الوقوف: {الحاقة} ه لا لأن ما بعده خبرها {ما الحاقة} ه لا لاحتمال الواو بعده الحال والاسئناف {الحاقة} ه م {القارعة} ه {بالطاغية} ه ط {عاتية} ط {أيام} لا لأن {حسوماً} صفة الثمانية {صرعى} لا لأن ما بعده صفة {خاوية} ه ج للاستفهام مع الفاء {باقية} ط {بالخاطئة} ه {رابية} ه {الجارية} ه ج {واعية} ه {واحدة} ه لا {واحدة} ه ط {الواقعة} ه لا للعطف {واهية} ه لا لذلك {رجائها} ط لاختلاف النظم {ثمانية} ط {خافية} ه {كتابيه} ه ج {حسابيه} ه ج {راضية} ه لا {عالية} ه لا {دانية} ه {الخالية} ه {كتابيه} ه ج {حسابيه} ه ج {القاضية} ه ج {ماليه} ه كلها جائزات وتفصيلاً بين الندامات مع اتحاد المقولات {سلطانية} ه {فغلوه} ط للعطف {صلوه} ه لا لذلك {فاسلكوه} ه ط {العظيم} ه لا {المسكين} ه ط {حميم} ه لا {غسلين} ه لا {الخاطئون} ه {تبصرون} ه لا {وما لا تبصرون} ه لا {كريم} ه لا {شاعر} ط {تؤمنون} ه {كاهن} ط {تذكرون} ه أي هو تنزيل {العالمين} ه {باليمين} ه لا {الوتين} ه والوصل أجوز لدخول الفاء واتحاد الكلام {حاجزين} ه {للمتقين} ه {مكذبين} ه لا {الكافرين} ه {اليقين} ه {العظيم} ه. التفسير: {الحاقة} وهي القيامة بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في سبب التسمية فقال أبو مسلم: هي الفاعلة من حقت كلمة ربك أي الساعة واجبة الوقوع لا ريب في مجيئها، وقريب منه قول الليث أنها النازلة التي حقت فلا كاذبة لها. وقيل: إنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها، وقيل: هي التي يوجد فيها حواق الأمور وهي الواجبة الحصول من الثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة. وهذا الوجه والذي تقدمه يشتركان في الإسناد المجازي إلا أن الفاعل في الأول بمعنى المفعول والثاني على أصله، وقريب منه قول الزجاج أنها تحق أي يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين ويخرج عن حد الانتظار. قال الأزهري: سميت بذلك أنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه. وأورد في التفسير الكبير وجوهاً أخر إلى تمام العشرة فهي في التحقيق مكررة فلذلك حذفناها. قوله {ما الحاقة} مبتدأ وخبره والمجموع خبر الحاقة. والأصل ما هي يعني وأي شيء هي؟ وفي هذا الاستفهام تعظيم وتفخيم لشأنها، وفي وضع الظاهر موضع المضمر تهويل فوق تهويل وفي قوله {وما أدراك ما الحاقة} مبالغة أخرى والمعنى أي شيء أعلمك ما الحاقة؟ وفيه أن مدى عظمها بحيث لا يبلغه وصف واصف ولا نعت مخبر. قال جار الله: ما يعني في ما الحاقة الثانية في موضع الرفع على الابتداء. {وأدراك} معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام. قلت: ولولا ذلك لنصب الجزأين على أنهما مفعول ثان وثالث كقولك " أعلمتك زيداً فاضلاً ". وحين ذكر الحاقة على أبلغ وجوه التعظيم أتبعها ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تخويفاً لأهل مكة فقال {كذبت ثمود وعاد بالقارعة} والأصل بها أي بالحاقة إلا أنه وضع القارعة موضع الضمير ليدل بذلك على معنى الروع في الحاقة زيادة في وصف شدتها. ولا ريب أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدك، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك. وكانت عادة القرآن جارية بتقديم قصة عاد على ثمود إلا أنه قلب ههنا لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر. قوله {بالطاغية} أي بالواقعة المجاوزة للحد وهي الرجفة أو الصاعقة أو الصحية، وقيل: الطاغية مصدر أي بسبب طغيانهم. واعترض بأنه لا يطابق قصة عاد فأهلكوا بريح. ويمكن أن يجاب بأن السبب الفاعلي والسبب الآلي كلاهما يشتركان في مطلق السببية، وهذا القدر من المناسبة كافٍ في الطباق وعلى هذا القول يحتمل أن تكون الطاغية صفة موصوف أي بشؤم الفرقة الطاغية التي تواطأت على عقر الناقة. ويجوز أن يراد بها عاقر الناقة وحده والتاء للمبالغة. الصرصر الشديد الصوت أو الكثير سميت عاتية بشدة عصوفها. قال جار الله: العتو استعارة قلت: لأنه مستعمل في مجاوزة الإنسان حد الطاعة والانقياد. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببيت واستناد إلى جبل، فإنها كانت تزعجهم من مكانهم. قال الكلبي: عتت على خزانها كما جاء في الحديث "حديث : ما أرسل الله من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان والريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل "تفسير : وقيل: العاتية من عتا النبت أي بلغ منتهاه وجف قال تعالى {أية : وقد بلغت من الكبر عتياً}تفسير : [مريم: 8] أي ريح بالغة منتهاها في الشدة والقوة {سخرها} أي سلطها بدليل {عليهم} وقال الزجاج: أقامها وقيل: أرسلها. قوله {حسوماً} جمع حاسم كشهود جمع شاهد. والتركيب يدور على القطع والاستئصال ومنه الحسام لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ أمله، وذلك أن تلك الريح حسمت كل خير واستأصلت كل بركة. وقيل: إنها تتابعت من غير فتور ولا انقطاع حتى أتت عليهم، فمثل تتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء مرة بعد أخرى إلى أن ينحسم. ويجوز أن يكون {حسوماً} مصدراً كالدخول والخروج وعلى هذا انتصب بفعل مضمر أي يستأصل استئصالاً، أو يكون وصفاً بالمصدر أي ذات حسوم، أو مفعولاً له، وقيل: هي أيام العجوز وذلك أن عجوزاً من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها. والصحيح أنها أيام العجز وهي آخر الشتاء وأساميها. الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر. وقيل: ومكفىء الظعن. والضمير في {فيها} للجهات أو الليالي والأيام الخاوية الساقطة. وقيل: الخاوية لأن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم، وعلى هذا يحتمل أن تكون الخاوية بمعنى البالية لأن النخل إذا بليت خلت أجوافها والباقية مصدر. وقيل: من نفس باقية: قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله، فلما كان اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله {فهل ترى لهم من باقية} وقوله {أية : فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم} تفسير : [الأحقاف: 25] ومن قرأ {ومن قبله} بالفتح والسكون فظاهر أي ومن تقدمه من رؤساء الكفر والضلال كنمرود ونحوه. ومن قرأ بالسكر والفتح أراد ومن عنده من أتباعه وجنوده. والخاطئة مصدر أي بالخطأ أو صفة أي بالفعلة أو الأفعال ذوات الخطأ العظيم {رابية} من ربا الشيء يربو إذا زاد أي زائدة في الشدة كما كانت فعلاتهم زائدة في القبح. وقيل: معنى الزيادة اتصال عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة. {أغرقوا فأدخلوا ناراً}. ولاريب أن عذاب الآخرة أشد وكان عقابهم ينمو ويزيد إلى حد ليس فوقه عذاب. قال الوحدي: الوجه في قوله {رسول ربهم} أن يكون رسول الأمم الماضية كلهم أعني موسى ولوطاً وغيرهما من رسل من تقدم فرعون كقوله {أية : إنا رسول رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 16] ولو جعل عبارة عن موسى عليه السلام لزم التخصيص من غير مخصص. ثم ذكر قصة بعض من تقدم فرعون فقال {إنا لما طغى الماء} وطغيان الماء كعتو الريح وقد سبق في عدة سور. ومعنى {حملناكم} حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم {في الجارية} في السفينة وهي سفينة نوح {لنجعلها} قال الفراء: أي الجارية لأنها المذكور. والأظهر عودة إلى الواقعة والحالة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين فإنها هي التذكرة والعبرة ولقوله {وتعيها أذن واعية} من شأنها حفظ كل ما تسمع لتعمل به. قال أهل اللغة: كل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما تعيه في غير نفسك فقد أوعيته. يقال: أوعيت المتاع في البيت. شعر : والشر أخبث ما أوعيت من زاد تفسير : قال جار الله: إنما قيل {أذن واعية} على التوحيد والتنكير للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت فهي عند الله بمكان وما سواها لا يلتفت إليه وإن ملأ العالم. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه عند نزول هذه الآية: سألت الله يجعلها أذنك يا علي. قال علي رضي الله عنه: فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى. وحين فرغ من بيان القدرة والحكمة عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث الحاقة، والنفخة الواحدة عن ابن عباس أنها الأولى التي عندها خراب العالم، وفي رواية عنه أنها الثانية لقوله بعد ذلك {يومئذ تعرضون} والعرض عند الثانية. ولناصر الرواية الأولى أن يقول: اليوم اسم للحين الواسع الذي يقع فيه النفخات والصعقة والنشور والوقوف والحساب كما تقول " جئته عام كذا " وإنما جئت في وقت واحد من أوقاتها. قوله {واحدة} صفة مؤكدة قوله {وحملت} أي رفعت من جهاتها بريح شديدة أو بملك أو بقدرة الله من غير واسطة. والضمير في {دكتا} لجماعتي الأرض والجبال والمراد أن هاتين الجملتين يضرب بعضها ببعض حتى يندك ويرجع كثيباً مهيلاً منثوراً. والدك أبلغ من الدق. وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعاً صفصفاً من قولك " اندك السنام " إذا انقرش " وبعير أدك" " وناقة دكاء " قوله {فيومئذ} جواب {فإذا نفخ} والواقعة النازلة وهي القيامة {واهية} مسترخية بعد أن كانت مستمسكة {والملك} جنس ولهذا كان أعم من الملائكة لشموله الواحد والاثنين دونها. والأرجاء الجوانب جمع رجا مقصوراً. والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء. سؤال: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء؟ الجواب أنهم يقفون لحظة ثم يموتون أو هم المستثنون بقوله إلا ما شاء الله، والضمير في {فوقهم} عائد إلى الملك على المعنى لأن التقدير الخلق الذي يقال له الملك، والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش، وقال مقاتل: الضمير للحملة أي فوق رؤسهم والإضمار قبل الذكر جائز لأنه بعده حكماً كقوله " في بيته يؤتى الحكم " وعن الحسن: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف. وعن الضحاك: ثمانية صفوف ولا يعلم عددهم إلا الله. قال المفسرون: الحمل على الأشخاص أولى لأن هذا أقل ما يصدق اللفظ عليه والزائد لا دليل له، وكيف لا والمقام مقام تهويل وتعظيم؟ فلو كان المراد ثمانية آلاف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ويؤيده ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى" تفسير : وروي " حديث : ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم مطرقون يسبحون " تفسير : وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر، وروي " حديث : ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً" تفسير : وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك. ولولا هذه الروايات لجاز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر. قالت المشبهة: لو لم يكن الله على العرش لم يكن لحمله فائدة وأكدوا شبهتهم بقوله {يومئذ تعرضون} للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكن الإله حاضراً لم يكن للعرض معنى. وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت فلا بد من التأويل وهو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه فخلق نفسه بيتاً يزورونه ليس ليسكن فيه، وجعل في ذلك البيت حجراً هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه المتعارف. فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم على سرير ويقف الأعوان حواليه صور الله تعالى تلك الصورة المهيبة لا لأنّه يقعد على السرير. روي أن في القيامة ثلاث عرضات. فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب. قوله {لا تخفى منكم خافية} أي تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلاً وقيل: أراد لا يخفى منكم يوم القيامة ما كان مخفياً في الدنيا على غير الله وذلك ليتكامل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين. ثم أخذ في تفصيل عرض الكتب. " وهاء " صوت بصوت به فيفهم منه " خذ " وله لغات واستعمالات مذكورة في اللغة منها ما ورد به الكتاب الكريم وهو " هاء " مثل باع للواحد المذكور " وهاؤما " بضم الهمزة وإلحاق الميم بعدها ألف للتثنية {هاؤم} بضم الهمة بعده ميم ساكنة لجمع المذكر. " هاء " بالكسر للمؤنثة " هاؤن" لجمعها {كتابيه} مفعول {هاؤم} عند الكوفيين و {اقرؤا} عند البصريين لأنه أقرب أصله هاؤم كتابي اقرأوا كتابي فحذف لدلالة الثاني عليه. قال البصريون: ولو كان العامل الأول لقيل اقرأه إذ المختار إضمار المفعول ليكون دليلاً على المحذوف. وأجاب الكوفيون بأن الظاهر قد أغنى عن الضمير كما في قوله {أية : والذاكرين الله كثيراً والذاكرات}تفسير : [الأحزاب: 35] والهاء في {كتابيه} وغيره هاء السكت ومن ههنا تثبت في الوقف وتسقط في الوصل لكنه استحب التلفظ بها في الوصل عند جماعة اتباعاً لوجودها في المصحف، وإنما قال {من أوتي كتابه} {هاؤم اقرؤا كتابيه} ابتهاجاً وفرحاً. وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته. وفي قوله {إني ظننت} وجوه كما مر في قوله {أية : الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} تفسير : [البقرة: 46] ومما يختص بالمقام قول بعضهم أنه أراد الظن في الدنيا لأن أهل الدنيا لا يوقنون بنيل الدرجات، وفي هذا الوجه نظر لأنهم كانوا غير قاطعين بالجنة إلا أنهم يجب أن يقطعوا بالحساب الجزاء. وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال"حديث : إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى بكتابه فتكتب حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فيرى حسناته فيفرح ثم يقول {هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت}" تفسير : عند النظر الأولى {أني ملاق حسابيه} على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا. ثم بين عاقبة أمره قائلاً {فهو في عيشة} فعلة من العيش للنوع {راضية} منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل للمنسوب إلى الدرع والنبل، وهذا من النسبة بالصيغة كما أن قولك " بصري" أو " هاشمي " من النسبة بالحروف، ويجوز أن يكون من الإسناد المجازي كقولك " نهاره صائم " جعل الصوم للنهار وهو لصاحبه كذلك ههنا جعل الرضا للعيشة وهو لصاحبها {في جنة عالية} درجاتها لأنها فوق السموات على تفاوت الطبقات أو في جنة رفعية المباني والقصور والأشجار {قطوفها دانية} ثمارها قريبة التناول. والقطوف جمع قطف بالكسر وهو المقطوف كالطحن بمعنى المطحون. يروى أن ثمارها يقرب تناولها للقائم والجالس والمضطجع وإن أحب أن تدنو دنت {كلوا} على إرادة القول و {هنيئاً} مصدر أو صفة كما مر في " الطور" جمع الخطاب في {كلوا} مع أنه وحد الضمير في قوله {أوتي} وغيره حملاً على لفظ من ثم على معناه. والغرض من هذا الأمر التوقير والعرض لا التكليف. ومن قال بالإباحة ليس بتكليف فلا إشكال. وقوله {بما أسلفتم} كقوله في " الطور " {أية : بما كنتم تعملون} تفسير : [الآية: 19] والإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالافتراض ومنه يقال " أسلف في كذا " إذا قدم فيه ماله. والمعنى بسبب ما عملتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية. وعن مجاهد والكلبي: هي أيام الصيام فيكون الأكل والشرب في الجنة بدل الإمساك عنهما في الدنيا. ثم أخذ في قصة الأشقياء. وإنما تمنى أنه لم يدر أي شيء حسابه لأنه عليه لا يعود منه إليه سوى الضر. والضمير في {يا ليتها} عائد إلى الموتة الأولى يدل عليها سياق الكلام. ولعل في قوله {ولم أدر} إشارة إليها لأنها حالة العدم المستلزمة لعدم الإدراك أي الموتة التي متها يا ليتها {كانت القاضية} لأمري أو للحياة فلم أبعث بعدها. وقيل: هاء الضمير للحال أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ. قال القفال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوى المنقلب ما هو أشد وأشنع من الموت. قوله {ما أغني} نفي. ويجوز أن يكون استفهاماً على سبيل الإنكار ومعناه أي شيء أغنى {عني} ما كان لي من اليسار فإنه لم يبق منه إلا الوبال {هلك عني} تسلطي على الناس وزال عني ما كنت أتصوره حجة وبرهاناً.قال ابن عباس: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا. وقال مقاتل: إنما يقول هذا حين شهدت عليه الجوارح بالشرك. يحكى عن عضد الدولة أنه قال قصيدة مطلعها هذا البيت: شعر : ليس شرب الكاس إلا في المطر وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى ناعمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها ملك الأملاك غلاب القدر تفسير : يروى بضم القاف جمع القدرة وبفتحها وهو ما قدر الله على عباده وقضى. ولا ريب أن المصراع الأخير فيه سوء الأدب والجراءة على الله من وجهين: أحدهما أنه سمى نفسه ملك الأملاك ولا يصلح هذا الاسم إلا لله سبحانه ولهذا جاء في الحديث "حديث : أفظع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" تفسير : ويقال لها بالفارسية شاهنشاه والثاني أنه زعم الغلبة على القدر وهذا أيضاً من أوصاف الله جل وعلا لا يصلح لغيره. وإن زعم أنه قال ذلك بالنسبة إلى ملوك دونه فذلك قيد لا يدل عليه الإطلاق فسوء الأدب باقٍ فمن ههنا روي أن الله تعالى ابتلاه عقيب ذلك بالجهل وفساد الذهن وخور القوى، وكان لا ينطلق لسانه إلا بتلاوة {ما أغني عني ماليه هلك عني سلطانيه} {خذوه} على إرادة القول أي يقال لهم خذوه أيها الخزنة يروى أنهم مائة ألف ملك تجمع يده إلى عنقه. والتصلية في الجحيم وفي النار العظمى، إشارة إلى أنه كان سلطاناً يتعظم على الناس. والسلسلة حق منتظمة كل حلقة منها في حلقة. وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل. والذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد. وقوله {سبعون ذراعاً} يجوز أن يكون محمولاً على الظاهر وأن يراد المبالغة على عادة العرب. وتقديم الجحيم على التصلية والسلسلة على السلك للحصر أي لا تصلوه إلا في الجحيم ولا تسلكوه إلا في هذه السلسلة الطويلة لأنها إذا طالت كانت الكلفة أشد. قالوا: كل ذراع سبعون باعاً أبعد مما بين مكة والكوفة. قال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو قال ابن عباس: تدخل السلسة في دبره وتخرج من حلقه ثم يجمع بين ناصيته وقدميه قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ يجعل في عنقه سلوكها. عن بعضهم أن جمعاً من الكفار يقرن في هذه السلسلة الطويلة ليكون العذاب عليهم أشد وإنما لم يقل فاسلكوا السلسلة فيه لأنه أراد أن السلسلة تكون ملتفة على جسده بحيث لا يقدر على حركة. وقيل: هو كقولهم " أدخلت القلنسوة في رأسي " او " الخاتم في أصبعي". ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة. ثم ذكر سبب هذا الوعيد الشديد وهو عدم الإيمان بالله العظيم وعدم بذل المال للمساكين ولعل الأول إشارة إلى فساد القوة النظرية، والثاني إلى فساد القوة العملية. قال جار الله: وعطف حرمان المساكين على الكفر تغليظ، وفي ذكر الحض دون الفعل تغليظ دون تغليظ ليعلم أن ترك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟ وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلا نخلع نصفها الآخر إلا بالإطعام. والطعام اسم بمعنى الإطعام كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء. وفي الآية دلالة على أن الكفار مخطابون بالفروع. والحميم القريب النافع وقوله {ههنا} إشارة إلى مكان عذابهم أو إلى مقام الوصول إلى هذا الحد من العذاب. يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين فقال: لا أدري. وقال الكلبي: هو ما يسال من أهل النار. فغسلين من الغسالة والطعام ما يهيأ للأكل. ويجوز أن يكون إطلاق الطعام عليه من باب التهكم أو مثل عقابك السيف. قال ابن عباس: الخاطئون في الآية هم المشركون. ثم عظم شأن القرآن بالإقسام بكل الأشياء لأنها إما مصبر أو غير مبصر. وقيل: الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة. والأكثرون على أن الرسول الكريم ههنا هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالعشر والكهانة وإنما يصفون محمداً صلى الله عليه وسلم وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل عليه السلام لأن الأوصاف التي بعده تناسبه كما يجيء. وفي ذكر الرسول إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه وإنما هو قول المؤدي عن الله بطريق الرسالة، وهكذا لو كان المراد جبرائيل. وفي وصفه بالكرم إشارة إلى أمانته وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعاً في أغراض الدنيا الخسيسة. وأيضاً من كرمه أنه أتى بأفضل أنواع المزايا والعطايا وهو المعرفة والإرشاد والهداية. وإنما قال عند نفي الشعر عنه {قليلاً ما تؤمنون} وعند نفي الكهانة {قليلاً ما تذكرون} لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبين المحسوس. أما من حيث اللفظ فظاهر لأن الشعر كلام موزون مقفى وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا ما هو في غاية الندرة بطريق الاتفاق من غير تعمد، وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق البراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدق ولا يعاند. وانتفاء الكهانة عنه أمر يفتقر إلى أدنى تأمل يوقف. على أن كلام الكهان أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها. وأيضاً في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم والكهان إخوان الشياطين فكيف رضوا بإظهار قبائحهم. ثم صرح بالمقصود فقال {تنزيل من رب العالمين} أي هو تنزيل ثم بين أن المفتري لا يفلح وإن فرض أنه نبي فقال {ولو تقول} وهو تكلف القول من غير أن يكون له حقيقة و {الأقاويل} جمع أقوال. وقال جار الله: في اللفظ تصغير وتحقير كالأعاجيب والأضاحيك كأنه جمع " أفعولة " من القول. ومعنى الآية لو نسب إلينا قولاً لم نقله لقتلناه أشنع قتل وهو أن يؤخذ بيمينه وتضرب رقبته وهو ينظر إلى السيف، وهذه فائدة تخصيص اليمين لأن القتال إذا أخذ بيسار المقتول وقع الضرب في قفاه. ومعنى {لأخذنا منه باليمين} لأخذنا بيمينه، وكذا قوله {لقطعنا منه الوتين} لقطعنا وتينه وهذا تفسير منقول عن الحسن البصري. والوتين العرق المتصل من القلب بالرأس فإذا انقطع مات الحيوان: قال ابن قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه كما يفعل الملوك فكان كمن أخذ بيمينه فقطع وتينه ونظيره " ما زالت أكلة خبير تعاودني، فهذا أوان اقطع أبهري ". والأبهر عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم. وعن الفراء والمبرد والزجاج أن اليمين القوة وقوة كل شيء في ميامنه والباء زائدة ومعنى الأخذ السلب أي سلبنا عنه القدرة على التكلم بذلك القول وهذا كالواجب في حكمة الله تعالى كيلا يشتبه الصادق بالكاذب وقال مقاتل: اليمين الحق كقوله {أية : إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين}تفسير : [الصافات: 28] أي من قبل الحق. والمعنى منعناه بواسطة إقامة الحجة وقضينا له من يعارضه فيه فيظهر للناس كذبه {فما منكم من أحد عنه} أي عن الرسول أو عن القتل، والخطاب للناس وأحد في معنى الجمع لأنه في سياق النفي فلذلك قال {حاجزين} أي مانعين. وحين بين أن القرآن تنزيل من عند الله بواسطة جبرائيل على محمد الذي صفته أنه ليس بشاعر ولا كذاب، بين أن القرآن ما هو وإلى أي صنف يعود نفعه فقال {وإنه لتذكرة للمتقين} ثم أوعد على التكذيب. قائلاً {وإنا لنعلم أن منكم مكذبين} ثم بين أن تكذيب القرآن سبب حسرة الكافرين في القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين، لأن القرآن حق اليقين أي حق يقين لا ريب فيه، فأضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد كقوله " هو حق العالم". ثم أمر بالتسبيح شكراً له على الإيحاء إليه، أو على أن عصمه من الافتراء عليه.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَاقَّةُ} المُرَادُ بالحاقَّةِ: القيامةُ، وهي اسْمُ فاعلٍ مِنْ حَقَّ الشَّيءُ يَحِقُّ؛ لأنَها حَقَّتْ لِكُل عَامِلٍ عملَه، قال ابن عباس وغيره: سُمِّيَت القيامةَ حَاقَّةً لأنَّها تُبْدِي حَقَائِقَ الأشْياء، و{ٱلْحَاقَّةُ}: مبتدأ و{مَا} مبتدأُ ثانٍ، والحاقَّةُ الثانية خَبَرُ {مَا} والجملةُ خَبَرُ الأُولى، وهذا كما تقول: زَيْدٌ مَا زَيْدٌ على معنى التعظيمِ له، وإبْهام التعظيمِ أيضاً ليتخَيَّلَ السّامِعُ أقْصَى جُهْدَه. وقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} مبالغة في هذا المعنى: أي: أن فيها مَا لَمْ تَدْرِه مِنْ أهْوَالِها، وتَفَاصِيلِ صِفَاتِها، ثم ذكرَ تعالى تكذيبَ ثَمُودَ وَعَادٍ بهذَا الأَمْرِ الذي هو حَقُّ مشيراً إلى أنْ مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ يَنزلُ به ما نزلَ بأولئك، و{بِٱلْقَارِعَةِ}: من أسماء القيامة أيضاً؛ لأنها تَقْرَعُ القلوبَ بصدمتها.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ}. "الحاقة" مبتدأ، و"ما" مبتدأ ثانٍ، و"الحاقة" خبره، والجملة خبر الأول؛ لأن معناها "ما هي" واللفظُ استفهام، ومعناها التفخيم والتعظيم لشأنها. قال ابن الخطيب: وُضِعَ الظاهرُ موضع المضمرِ؛ لأنه أهولُ لها، ومثله {أية : ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ}تفسير : [القارعة: 1، 2] وقد تقدَّم تحريرُ هذا في "الواقعةِ". و"الحاقَّة" فيها وجهان: أحدهما: انه وصف اسم فاعل بمعنى أنها تبدي حقائق الأشياء. وقيل: إن الأمر يحق فيها فهي من باب "ليل نائم، ونهار صائم" قاله الطبري. وقيل: سميت حاقة؛ لأنها تكون من غير شكٍّ لأنها حقَّت فلا كاذبة لها. وقيل: سميت القيامة بذلك؛ لأنها أحقت لأقوامٍ الجنَّة، وأحقَّت لأقوامٍ النَّار. وقيل: من حق الشيء: ثبت فهي ثابتة كائنة. وقيل: لأنها تحق كل محاق في دين الله أي: تغلبه، من حاققته، فحققته أحقه أي: غلبته. وفي "الصحاح": وحاقه، أي: خاصمه، وادعى كل واحد منهما الحقَّ، فإذا غلبه قيل: حقه، ويقال: ما له فيه حقٌّ، ولا حقاق أي: خصومة، والتحاق: والتخاصم، والاحتقاق: الاختصام، والحاقَّةُ والحقُّ والحقةُ ثلاثُ لغاتٍ بمعنًى. وقال الكسائيُّ والمؤرج: الحاقَّةُ: يوم الحقِّ. والثاني: أنه مصدر كـ"العاقبة" و"العافية". قوله "ما الحَاقَّةُ" في موضع نصب على إسقاط الخافض، لأن "أدرى" بالهمزة يتعدى لاثنين، للأول: بنفسه، والثني: بـ"الباء"، قال تعالى: {أية : وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ}تفسير : [يونس: 16]، فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة لها كانت في موضع المفعولِ الثاني، ودون الهمزة تتعدى لواحدٍ بـ"الباء" نحو: "دريت بكذا" أو يكون بمعنى "علم" فيتعدّى لاثنين. فصل في معنى "ما أدراك". معنى "ما أدراك"، أي شيء أعلمك ما ذاك اليوم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالقيامة، ولكن لا علم له بكونها وصفتها، فقيل ذلك تفخيماً لشأنها، كأنك لست تعلمُها، ولم تعاينها. وقال يحيى بن سلام: بلغني أنَّ كل شيء في القرآن "ومَا أدْراكَ" فقد أدراه وعلمه، وكل شيء قال: "ومَا يُدْريكَ" فهو مما لم يعلمهُ. وقال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: "وما أدْراكَ" فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه: "وما يُدريْكَ"، فإنه لم يخبر به. قوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ}. "القارعةُ" القيامة، سميت بذلك [لأنها] تقرعُ قلوب العبادِ بالمخافةِ. وقيل: لأنها تقرع الناس بأهوالها يقال: أصابتهم قوارعُ الدهرِ، أي: أهواله وشدائده وقوارضُ لسانه؛ جمع قارضة، وهي الكلمة المؤذيةُ، وقوارعُ القرآن: الآيات التي يقرؤها الإنسانُ إذا قُرعَ من الجن والإنس نحو آية "الكرسي" كأنَّه يقرع الشيطان. وقال المبرِّد: القارعة مأخوذةٌ من القرعة من رفع قومٍ وحطِّ آخرين. وقوارعُ القيامة: انشقاقُ السماءِ، وانفطارها، والأرض والجبال بالدكِّ والنسف، والنجوم بالطَّمس والانكدار. وإنما قال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ}، ولم يقل: بها ليدل على أنَّ معنى القرع حاصل في الحاقَّةِ، فيكون ذلك زيادة على وصف شدتها، ولما ذكرها وفخمها أتبع ذلك بذكر من كذب بها، وما حل بهم بسبب التكذيبِ تذكيراً لأهل "مكةَ" وتخويفاً لهم من عاقبةِ تكذيبهم. وقيل: عنى بالقارعةِ: العذاب الذي نزل بهم في الدنيا، وكان نبيُّهم يخوفهم بذلك، فيكذبونه وثمودُ قوم صالح، وكانت منازلهم بـ"الحجر" فيما بين "الشام" و"الحجاز". قال ابن إسحاق: هو وادي "القرى"، وكانوا عرباً، وأما عادٌ فقوم هود، وكانت منازلهم بـ"الأحقاف"، و"الأحقاف": الرمل بين "عمان" إلى "حَضْرمَوْتَ" و"اليمن" كله، وكانوا عرباً ذوي بسطةٍ في الخلق وقد تقدم ذلك في "الأحقاف". قوله: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ}. هذه قراءةُ العامةِ. وقرأ زيدُ بن عليٍّ: "فَهَلكُوا" مبنياً للفاعل. وقوله: "بالطاغية" فيه إضمار أي: بالفعلة الطَّاغية. وقال قتادةُ: بالصَّيحةِ الطاغية المتجاوزةِ للحدِّ، أي: لحد الصيحاتِ من الهولِ، كما قال: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ}تفسير : [القمر: 31]. و"الطغيانُ": مجاوزة الحدِّ، ومنه {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ}تفسير : [الحاقة: 11]، أي: جاوز الحدَّ. وقال ابن زيدٍ: بالرجل الطَّاغية، وهو عاقرُ الناقةِ، و"الهاء" فيه للمبالغة على هذه الأوجه صفة. والمعنى: أهلكوا بما أقدم عليه طاغيهم من عقر الناقة وكان واحداً، وإنما هلك الجميعُ؛ لأنهم رضوا بفعله، ومالئوه. وقيل له: طاغية كما يقال: فلان راويةٌ وداهيةٌ وعلامةٌ ونسابةٌ. ويحتمل أن يقال: بسبب الفِرقةِ الطاغيةِ، وهم: التسعة رهطٍ، الذين كانوا يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، وأحدهم عاقرُ الناقة. وقال الكلبيُّ: "بالطَّاغيةِ": بالصَّاعقةِ. وقال مجاهدٌ: بالذُّنوبِ. وقال الحسنُ: بالطُّغيانِ فهي مصدرٌ كـ"العاقبة" و"الكاذبة"، أي: أهلكُوا بطغيانهم وكفرهم، وبوضحه: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ}تفسير : [الشمس: 11]. قال ابن الخطيب: وهذا منقولٌ عن ابن عبَّاسٍ، قال: وقد طعنوا فيه بوجهين: الأول: قال الزجاجُ: إنه لما ذكر في الجملة الثانية نوع الشيءِ الذي وقع به العذابُ، وهو قوله تعالى: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} وجب أن يكون الحال في الجملة الأولى كذلك حتى تحصل المناسبةُ. والثاني: قال القاضي: لو كان المرادُ ما قالوه لكان من حق الكلام أن يقال: أهْلِكُوا لها ولأجلِها. فـ"الباء" للسببية على الأقوال إلاَّ على قولِ قتادة، فإنها فيه للاستعانة كـ"عملتُ بالقدوم". قوله: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}. أي: باردة تحرق ببردها كإحراق النار مأخوذٌ من الصَّرصر وهو البردُ. قاله الضحاك. وقيل: إنَّها لشديدةُ الصوتِ. وقال مجاهد: إنَّها لشديدة السُّمومِ، و"عَاتِية" عتت على خُزَّانها فلم تطعهم، ولم يطيقوها من شدة هبوبها غضبت لغضبِ اللَّهِ. وقال عطاء عن ابن عباسٍ: عتت على عادٍ فقهرتهم، فلم يقدروا على ردِّها بحيلة من استناد إلى جبل، بل كانت تنزعهم من مكانهم وتهلكهم. وروى سفيانُ الثوريُّ عن موسى بن المسيِّب عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا أرسَلَ اللَّهُ من نسمةٍ من ريْحٍ بمِكْيالٍ ولا قطرة من مَاءٍ إلاَّ بمكيَالٍ إلا يَوْمَ عادٍ ويَوْمَ قوْم نُوحٍ فإنَّ المَاءَ يوْمَ قوْمِ نُوحٍ طَغَى على الخزان فلمْ يكُنْ لهُمْ عليهِ سبيلٌ"تفسير : ، [{إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} الآية والرِّياح لمّا كَانَ يَوْمُ عادٍ غشَتْ على الخزائنِ ولمْ يكُنْ لهُمْ عليْهَا سبيلٌ]، ثم قرأ: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}. وقيل: إنَّ هذا ليس من العتو الذي هو عصيانٌ، إنَّما هو بلوغُ الشيء وانتهاؤه، ومنه قولهم: عتا النَّبْتُ، أي: بلغ منتهاه وجفَّ، قال تعالى: {أية : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}تفسير : [مريم: 8]، أي: بالغة منتهاها في القوّة والشدّة. قوله: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ}، أي: أرسلها وسلَّطها عليهم، والتسخيرُ استعمال الشيء بالاقتدار. وقال الزجاج: أقامها عليهم. والجملة من قوله: "سخَّرها" يجوز أن تكون صفة لـ"رِيْح"، وأن تكون حالاً منها لتخصيصها بالصفة، أو من الضمير في "عاتية"، وأن تكون مستأنفةً. قال ابنُ الخطيب: وعندي أنَّ فيه لطيفة، وذلك أن في الناس من قال: إن تلك الرياحَ إنما اشتدت؛ لاتصال فلكي نجومي اقتضى ذلك، فقوله: "سخَّرهَا" فيه إشارة إلى نفي ذلك المذهب، وأن ذلك إنَّما حصل بتقدير الله وقدرته، فإنه لولا هذه الدقيقةُ لمَا حصل منه التخويفُ، والتحذيرُ عن العقابِ. وقوله: {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} الفائدة فيه أنه - تعالى - لو لم يذكر ذلك لما كان مقدارُ زمان ذلك العذاب معلوماً، فلما قال: {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} احتمل أن يكون متفرقاً في هذه المدةِ، فأزال هذا الظنَّ بقوله: "حُسُوماً" أي: مُتتابِعَةٌ مُتواليةٌ. فصل في تعيين الأيام المذكورة في الآية قال وهبٌ: هي الأيامُ التي تسميها العرب أيام العجوزِ، ذاتُ بردٍ ورياحٍ شديدةٍ. وقيل: سمِّيت عجوزاً لأنها في عجزِ الشتاءِ. وقيل: لأن عجوزاً من قوم عاد دخلت سرباً، فتبعتها الريح فقتلتها في اليومِ الثامنِ من نزول العذاب، وانقطع العذابُ. قوله: "حُسُوْماً". فيه أوجهٌ: أحدها: أن ينتصب نعتاً لما قبلها. الثاني: أن ينتصب على الحالِ، أي: ذات حُسُوم. وقرأ السدِّي: "حَسُوماً" - بالفتح - حالاً من الريح، أي: سخرها عليهم مستأصلة. الثالث: أن ينتصب على المصدر بفعل من لفظها، أي: تحسمهم حُسوماً. الرابع: أن يكون مفعولاً له. ويتضح ذلك بقول الزمخشريِّ: "الحُسُوْم": لا يخلو من أن يكون جمع "حاسم" كـ"شاهد" و"شهود"، أو مصدراً "كالشَّكور"، "والكفُور"، فإن كانت جمعاً، فمعنى قوله: "حُسُوْماً" أي: نحساتٌ حسمتْ كلَّ خيرٍ، واستأصلت كُلَّ بركةٍ، أو متتابعة هبوب الريح ما خفضت ساعة تمثيلاً لتتابعها بتتابُعِ فعل الحاسمِ في إعادة الكيِّ على الدَّاء كرَّة بعد اخرى حتى ينحسمَ. وإن كان مصدراً فإما أن ينتصب بفعله مضمراً، أي: تحسمهم حُسوماً بمعنى استأصل استئصالاً، أو تكون صفة كقولك: ذات حسومٍ، أو يكون مفعولاً له، أي: سخرها عليهم للاستئصال. قال عبد العزيز بن زرارة الكلابي الشاعر: [الوافر] شعر : 4839 - فَفرَّقَ بَيْنَ بيْنِهمُ زمانٌ تَتَابعَ فيهِ أعْوَامٌ حُسُومُ تفسير : انتهى. وقال المبرِّدُ: الحُسومُ: الفصلُ، حسمتُ الشَّيء من الشيء فصلتهُ منه. ومنه الحسام. قال الشاعر: [المتقارب] شعر : 4840 - فأرْسلْتُ رِيحاً دَبُوراً عَقِيماً فَدارَتْ عَليْهِمْ فكَانَتْ حُسُومَا تفسير : وقال الليثُ: هي الشُّؤمُ، يقال: هذه ليالي الحسوم، أي: تحسم الخير عن أهلها: لقوله تعالى: {أية : فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ}تفسير : [فصلت: 16]، وهذان القولان يرجعان إلى القول الأول؛ لأن الفصل قطعٌ وكذلك الشُّؤم لأنه يقطع الخير. قال ابنُ زيدٍ: حَسَمتْهُمْ فلم تُبْقِ منهم أحداً، وعنه أيضاً: أنها حسمت الليالي والأيام حتى استوفتها؛ لأنها بدأ طلوع الشمس أول يوم، وانقطعت غروب الشمس من آخر يوم. واختلف في أولها: فقال السدِّي: غداة يوم الأحدِ. وقال الربيع بن أنس: غداة يوم الجمعة وقال يحيى بن سلام: غداة يوم الأربعاء، وهو يوم النحس المستمر. قيل: كان آخر أربعاء في السَّنة، وآخرها يوم الأربعاء، وهي في "آذار" من أشهر السريانيين، ولها أسماء مشهورة، قال فيها ابن أحمر: [الكامل] شعر : 4841 - كُسِعَ الشِّتاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْرِ أيَّـــامِ شَهْلتِنَــا مــع الشَّهْــرِ فــإذَا انْقَضَــتْ أيَّامُـــهَا ومضَــــتْ صِــنٌّ وصِنَّبـرٌ مـَعَ الوَبْـــرِ وبآمِــــرٍ وأخِيــــــــــهٍ مُؤتَمِــــــرٍ ومُعَلِّـــلٍ وبِمُطفِـىء الجَمْـرِ ذهَــبَ الشِّتـــاءُ مُولِّيـــاً عَجِــــــلاً وأتَتْـكَ واقِـــدَةٌ مـن النَّجْــرِ تفسير : وقال آخر: [الكامل] شعر : 4842 - كُسِيَ الشِّتاءُ بِسبْعَةٍ غُبْرِ بالصِّـــنِّ والصِّنَّبْــرٍ والوبْـــرِ وبآمـــــرٍ وأخِيــــــهِ مُؤتَمِـــــــــرٍ ومُجَلِّــلٍ وبِمُطْفِــىء الجَمْـــرِ تفسير : قوله: {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ} أي: في تلك الليالي والأيَّام "صرعى" جمع صريع، وهي حال نحو: "قتيل وقتلى، وجريح وجرحى". والضمير في "فيها" للأيام والليالي كما تقدم، أو للبيوت أو للريح، والأول أظهرُ لقُربهِ؛ ولأنه مذكور. قوله: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ}. أي: أصول نخلٍ، و"كأنهم أعجازُ" حال من القوم، أو مستأنفة. وقرأ أبو نهيك: "أعْجُز" على وزن "أفْعُل" نحو: "ضَبْع وأضْبُع". وقرىء: "نخيل" حكاه الأخفشُ. وقد تقدَّم أن اسم الجنس يذكَّر ويؤنَّثُ، واختير هنا تأنيثُه للفواصلِ، كما اختير تذكيره لها في سورة "القمر". وقال أبو الطُّفيل: أصول نخل خاوية، أي: بالية. وقيل: خاليةُ الأجوافِ لا شيء فيها. قال القرطبيُّ: وقد قال تعالى في سورة "القمر": {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}تفسير : [القمر: 20] فيحتمل أنَّهم شُبِّهُوا بالنخل التي صُرعت من أصلها وهو أخبار عن عظم أجسامهم، ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع، أي: أنَّ الريح قطعتهم حتى صاروا كأصول النخل خاوية، أي: أن الرِّيح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخل الخاوية الجوف. وقال ابن شجرة: كانت الريحُ تدخل في أفواههم فتخرجُ ما في أجوافهم من الحشوِ من أدبارهم، فصاروا كالنخل الخاوية. وقال يحيى بن سلام: إنما قال: الخاوية، لأن أبدانهم خوت من أرواحهم مثل النخل الخاوية. قوله: {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ}. أدغم اللام في التاء أبو عمرو وحده، وتقدم في "الملك". و"مِنْ بَاقِيَة" مفعوله، و"مِنْ" مزيدة، والهاء في "بَاقِية" قيل: للمبالغة، فيكون المراد بـ"الباقية": البقاءُ، كـ"الطاغية" بمعنى الطُّغيان، أي: من باقٍ. والأحسنُ أن يكون صفةً لفرقةٍ، أو طائفةٍ، أو نفس، أو بقية ونحو ذلك. وقيل: فاعلة بمعنى المصدر كـ"العافية" و"العاقبة". قال المفسرون: والمعنى هل ترى لهم أحداً باقياً. قال ابن جريجٍ: كانوا سبعَ ليالٍ وثمانية أيَّام أحياء في عذابِ الله من الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامنِ ماتوا فاحتملتهم الريحُ، فألقتهم في البحر، فذلك قوله: {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} وقوله: {أية : فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}تفسير : [الأحقاف: 25].

البقاعي

تفسير : لما قدم سبحانه في "نون" الإنكار الشديد لأن يسوي المسيء بالمحسن، وذكر القيامة وبينها بيوم كشف الساق وزيادة المشاق، وهدد التهديد العظيم بآية الاستدراج الذي لا يدفع بعلاج، وختم بأن القرآن ذكر - أي شرف - وتذكير، ومواعظ للعالمين في شمولهم كلهم برحمته، أما من بعد إنزاله فبوعيده ووعده ووعظه وقصه وأمره ونهيه، وأما من قبل إنزاله فبالشهادة لهم وعليهم، وكان تأويل ذلك وجميع آثاره إنما يظهر ظهوراً تاماً يوم الجمع الأكبر، وكان ذلك اليوم أعظم مذكر للعالمين وواعظ لهم وزاجر، تنبني جميع الخيرات على تذكره وتذكر العرض على الملك الديان، والسر في إنزال القرآن هو التذكير بذلك اليوم الذي هو نظام الوجود، قال واصفاً للقيامة واليوم الذي يكشف فيه عن ساق، واعظاً بذكرها ومحذراً من أمرها: {الحاقة *} أي الساعة التي يكذب بها هؤلاء وهي أثبت الأشياء وأجلاها فلا كاذبة لها ولا لشيء عنها، فلا بد من حقوقها فهي ثابتة في نفسها، ومن إحضار الأمور فيها بحقائقها، والمجازاة عليها بالحق الذي لا مرية فيه لأحد من الخلق، فهي فاعلة بمعنى مفعول فيها، وهي فاعلة أيضاً لأنها غالبة لكل خصم، من حاققته فحققته أحقه أي غالبته في الحق فغلبته فيه، فهي تحق الحق ولا بد فتعلو الباطل فتدمغه وتزهقه فتحق العذاب للمجرمين والثواب للمسلمين، وكل ما فيها داثر على الثبات والبيان، لأن ذلك مقتضى الحكمة ولا يرضى لأحد من الحكام ترك رعيته بغير إنصاف بينهم على زعمه فكيف بالحكيم العليم، وقصة صاحب الحوت عليه السلام أدل دليل على القدرة عليها. ولما كان ذلك كله أمراً رائعاً للعقول، هازاً للقلوب، مزعجاً للنفوس، وكان ربما توقف فيه الجلف الجافي، أكد أمره وزاد في تهويله، وأطنب في تفخيمه وتبجيله، إشارة إلى أن هوله يفوت الوصف بقوله، معلماً أنه مما يحق له أن يستفهم عنه سائقاً له بأداة الاستفهام مراداً بها التعظيم للشأن، وأن الخبر ليس كالعيان: {ما الحاقة *} فأداة الاستفهام مبتدأ أخبر عنه بالحاقة وهما خبر عن الأولى، والرابط تكرير المبتدأ بلفظه نحو زيد أي ما هو، وأكثر ما يكون ذلك إذا أريد معنى التعظيم والتهويل. ولما كان السياق لترجمة المراد بكشف الساق، عظم التهويل بقوله: {وما أدراك} أي في الزمن الماضي، وقصره لتذهب النفس فيه كل مذهب، أي وأي شيء أعلمك بشيء من الأشياء مع تعاطيك للبحث والمداورة، ثم زاد التحذير منها بقوله على النهج الأول مستفهماً والمراد به التفخيم ومزيد التعظيم: {ما الحاقة *} أي إنها بحيث لا يعلم كنهها أحد ولا يدركها ولا يبلغها درايته وكيف ما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك، فلا تعلم حق العلم إلا بالعيان. وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما بنيت سورة {ن والقلم} على تقريع مشركي قريش وسائر العرب وتوبيخهم وتنزيه نبي الله صلى الله عليه وسلم عن شنيع قولهم وقبيح بهتهم، وبين حسدهم وعداوتهم{أية : وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم}تفسير : [القلم: 51] أتبعت بسورة الحاقة وعداً لهم وبياناً أن حالهم في سوء ذلك المرتكب قد سبق إليه غيرهم {كذبت ثمود وعاد بالقارعة} [الحاقة: 4]{أية : فهل ترى لهم من باقية}تفسير : [الحاقة: 8] {أية : ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن}تفسير : [الأنعام: 6]{أية : فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم}تفسير : [يونس: 102]، و{أية : كم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً}تفسير : [مريم: 98] فسورة الحاقة جارية مجرى هذه الآي المعقب بها ذكر عناد مشركي العرب ليتعظ بها من رزق التوفيق لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية. ولما ذكر حال من هلك من الأمم السالفة بسوء تكذيبهم وقبيح عنادهم، أتبع ذلك بذكر الوعيد الأخراوي{أية : يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}تفسير : [الحاقة: 18] ثم عاد الكلام إلى ما بنيت عليه سورة {ن والقلم} من تنزيهه صلى الله عليه وسلم وتكريمه مقسماً على ذلك{أية : إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعرٍ ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون}تفسير : [الحاقة: 40 -42] وانتهى نفي ما تقوله منصوصاً على نزاهته عن كل خلة منها في السورتين{أية : ما أنت بنعمة ربك بمجنون}تفسير : [القلم: 2] وما الذي جئت به بقول شاعر ولا بقول كاهن بل هو تنزيل من رب العالمين، وأنه لتذكرة للمتقين وإنه لحق اليقين، فنزه ربك وقدسه من عظيم ما ارتكبوه - انتهى. فلما بلغ التهويل حده، وكان سبب الإنكار للساعة ظن عدم القدرة عليها مطلقاً أو لعدم العلم بالجزئيات، قال دالاً على تمام القدرة والعلم بالكليات والجزئيات، محذراً من أنكرها بأنه قادر على تعجيل الانتقام ولكنه لإكرامه لهذه الأمة أخر عذابها إلى الآخرة إلى لمن كان منهم من الخواص فإنه يظهرهم في الدنيا ليتم نعيمهم بعد الموت بادئاً بأشد القبائل تكذيباً بالبعث لكون ناقتهم أول دليل على القدرة عليه، وقالوا مع ذلك{أية : أبشراً منا واحداً نتبعه}تفسير : [القمر: 24] إلى أن قالوا:{أية : بل هو كذاب أشر}تفسير : [القمر: 25] وقالوا في التكذيب بها{أية : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت}تفسير : [المؤمنون: 35، 36، 37] - الآية، فإن الامر فيهم دائر بين عاد وثمود: {كذبت ثمود} وتقديمهم أيضاً من حيث أن بلادهم أقرب إلى قريش، وواعظ القرب أكبر وإهلاكهم بالصيحة وهي أشبه بصيحة النفخ في الصور المبعثر لما في القبور {وعاد} وكان الأصل أن يقال: بها، ولكنه أظهرها بوصف زادها عظماً وهولاً فقال: {بالقارعة *} أي التي تقرع، أي تضرب ضرباً قوياً وتدق دقاً عنيفاً شديداً للأسماع وجميع العالم بانفطار السماوات وتناثر النيرات ونسف الجبال الراسيات، فلا يثبت لذلك الهول شيء. ولما جمعهم في التكذيب، فصلهم في التعذيب لأجل ذلك التكذيب فقال: {فأما ثمود} وهم قوم صالح عليه السلام. ولما كان الهائل لهم لتقيدهم بالمحسوسات إنما هو العذاب، لا كونه من معين، بنى للمجهول قوله: {فأهلكوا} أي بأيسر أمر من أوامرنا {بالطاغية *} أي الصيحة التي جاوزت الحد في الشدة فرجفت منها الأرض والقلوب. ولما ذكر المهلكين بالصيحة لأجل التكذيب بالقارعة تحذيراً لمن يكذب بها، أتبعه المهلكين بما هو سبب لإنفاذ الصيحة وتقويتها دلالة على تمام القدرة على كل نوع من العذاب بالاختيار فقال تعالى: {وأما عاد} وهم قوم هود عليه السلام {فأهلكوا} أي بأشق ما يكون عليهم وأيسر ما يكون في قدرتنا {بريح صرصر} أي هي في غاية ما يكون من شدة البرد والصوت كأنه كرر فيها البرد حتى صار يحرق بشدته والصوت حتى صار يصم بقوته، وقال الملوي: أصله صر وهو البرد الشديد أو الحر الشديد {عاتية *} أي مجاوزة للحد من شدة عصفها وعظمة قصفها تفعل أفعال المستكبر الذي لا يبالي بشيء فلم يستطع خزانها ضبطها، ولم يملك المعذب بها ردها ولا ربطها، بل كانت تنزعهم من مكامنهم التي احتفروها ومصانعهم التي أتقنوها واختاروها فتهلكهم، قال الملوي: قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: "لم ينزل قط ماء ولا ريح إلا بمكيال على يد ملك إلا يوم الطوفان فإن الله تعالى أذن للماء فطغى على الخزان ويوم عاد أذن للريح فعتت على خزانها" انتهى. ولما وصفها بالعتو على الخلق والغلبة لهم بحيث كانت خارقة للعادة لم يأت مثلها قبل ولا بعد، دل على صغارها بالنسبة إلى عظمته، وأنه هو الذي أوجدها لا الطبيعة ولا غيرها، بل إنما كانت بقدرته واختياره قهراً لمن طعن في ملكه وكذب رسله فيما أخبروا به من أمر الساعة التي هي موضع الحكمة وإظهار جميع العظمة، فقال مستأنفاً دلالة على ذلك: {سخرها} أي قهرها على أن سلطها، والتسخير: استعمال الشيء بالاقتدار، ودل على أنه تسخير تعذيب لا رحمة وتأديب بأداة الاستعلاء، فقال: {عليهم} وكلفها ذلك وذللها له فلم يمكنها مع عتوها إلا أن كانت طوع أمره وصنيعة عظمته وقهره. ولما كانت هذه السورة لتحقيق الأمور، وكشف المشكل وإيضاح الخفي، حقق فيها زمن عذابهم تحقيقاً لم يتقدم مثله، فذكر الأيام والليالي، وقدم الليالي لأن المصايب فيها أفظع وأقبح وأشنع لقلة المغيث والجهل بالمأخذ والخفاء في المقاصد والمنافذ، ولأن عددها مذكر في اللفظ، وتذكير اللفظ أدل على قوة المعنى ولذلك جعل المميز جمع كثرة، ولأنها سبع، والسبع مبالغ فيه وهو أجمع العدد كما يأتي تحقيقه قريباً في حملة العرش ولا يمكن أن يظن بتقديمها أن ابتداء العذاب كان فيها لأنه يلزم حينئذ أن يكون بعدد الأيام فلذلك قال: {سبع ليال} أي لا تفتر فيها الريح لحظة لأنه بولغ في شدتها مبالغة لم يكن مثلها قط ولا يكون بعدها أبداً {وثمانية أيام} كذلك حال كونها {حسوماً} جمع حاسم أي بحس مانع من التصرف دائم متتابع لا فترة له، من حسم الكي - إذا تابع فيه بالمكواة، قاطع لكل خير، مستأصل له، فأتت عليهم من غير فترة أصلاً في جميع الوقت فاستأصلتهم لم تبق منهم أحد حتى أن عجوزاً منهم توارت في سرب فانتزعتها وأهلكتها، وبها سميت أيام العجوز، أو لأنها عجز الشتاء وهي ذات برد ورياح شديدة وهي من صبيحة الأربعاء لثمان بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر وهو آخر الشهر، وقد لزم من زيادة عدد الأيام أن الابتداء كان بها قطعاً وإلا لم تكن الليالي سبعاً - فتأمل ذلك. ولما كان الحاسم المهلك، سبب عنه قوله مصوراً لحالهم الماضية: {فترى القوم} أي الذين هم في غاية القدرة على ما يحاولونه: {فيها} أي في تلك المدة من الأيام والليالي لم يتأخر أحد منهم عنها {صرعى} أي مجدلين على الأرض موتى معصورين مجهزة على كل منهم من شدة ضغطها باد عليهم الذل والصغار، جمع صريع {كأنهم أعجاز} أي أصول {نخل} قد شاخت وهرمت فهي في غاية العجز والهرم {خاوية *} أي متآكلة الأجواف ساقطة، من خوي النجم - إذا سقط للغروب، ومن خوي المنزل - إذا خلا من قطانه، قالوا: كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم، فالوصف بذلك لعظم أجسامهم وتقطيع الريح لهم وقطعها لرؤوسهم وخلوهم من الحياة وتسويدها لهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏الحاقة‏}‏ قال‏:‏ من أسماء يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏الحاقة‏}‏ يعني الساعة أحقت لكل عامل عمله ‏ {‏وما أدراك ما الحاقة‏} ‏ قال‏:‏ تعظيماً ليوم القيامة، كما تسمعون، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏كذبت ثمود وعاد بالقارعة‏} ‏ قال‏:‏ بالساعة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏الحاقة‏}‏ قال‏:‏ حققت لكل عامل عمله للمؤمن إيمانه وللمنافق نفاقه، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏بالقارعة‏} ‏ قال‏:‏ يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فأهلكوا بالطاغية‏}‏ قال‏:‏ بالذنوب، وكان ابن عباس يقول‏:‏ الصيحة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فأهلكوا بالطاغية‏} ‏ قال‏:‏ أرسل الله عليهم صيحة واحدة فأهمدتهم فأهلكوا في قوله‏:‏ ‏ {‏بريح صرصر عاتية‏}‏ قال‏:‏ عتت عليهم حتى نقبت أفئدتهم‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ما أرسل الله شيئاً من ريح إلا بمكيال، ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فأما يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ ‏{‏إنا لما طغى الماء‏} ‏ وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ ‏{‏بريح صرصر عاتية‏}‏ . وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ لم تنزل قطرة من ماء إلا بمكيال على يدي ملك إلا يوم نوح، فإنه أذن للماء دون الخزان، فطغى الماء على الخزان، فخرج فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏إنا لما طغى الماء‏}‏ ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏بريح صرصر عاتية‏} ‏ عتت على الخزان‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور، قال‏: ما أمر الخزان أن يرسلوا على عاد إلا مثل موضع الخاتم، من الريح، فعتت على الخزان فخرجت من نواحي الأبواب، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏بريح صرصر عاتية‏}‏ قال‏:‏ عتوها على الخزان فبدأت بأهل البادية منهم فحملتهم بمواشيهم وبيوتهم فأقبلت بهم إلى الحاضرة ‏{‏فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا}‏ ‏[الأحقاف: 24‏] فلما دنت الريح وأظلتهم استبق الناس والمواشي فيها فألقت البادية على أهل الحاضرة تقصفهم فهلكوا جميعاً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة والدارقطني في الأفراد وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما أنزل الله من السماء كفاً من ماء إلا بمكيال ولا كفاً من ريح إلا بمكيال إلا يوم نوح، فإن الماء طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سلطان، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية‏}‏ ويوم عاد فإن الريح عتت على الخزان قال الله‏:‏ ‏{‏بريح صرصر عاتية‏}‏ قال‏:‏ الغالبة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ الصرصر الباردة ‏{‏عاتية‏}‏ قال‏:‏ حيث عتت على خزانها‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏عاتية‏} ‏ قال‏:‏ شديدة وفي قوله‏:‏ ‏ {‏حسوما‏ً} ‏ قال‏:‏ متتابعة‏.‏ وأخرج ابن عساكر من طريق ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب قال‏:‏ ما يخرج من الريح شيء إلا عليها خزان يعلمون قدرها وعددها ووزنها وكيلها حتى كانت الريح التي أرسلت على عاد فاندفق منها شيء لا يعلمون وزنه ولا قدره ولا كيله غضباً لله، ولذلك سميت عاتية، والماء كذلك حين كان أمر نوح فلذلك سمي طاغياً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله‏:‏ ‏{‏سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام‏}‏ قال‏:‏ كان أولها الجمعة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏حسوما‏ً}‏ قال‏:‏ متتابعات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏حسوما‏ً} ‏ قال‏:‏ تبعاً، وفي لفظ متتابعات‏. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ ‏ {‏حسوما‏ً} ‏ قال‏:‏ دائمة شديدة يعني محسومة بالبلاء، قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول‏:‏ شعر : وكم كنا بها من فرط عام وهذا الدهر مقتبل حسوم تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما‏ً} ‏ قال‏:‏ كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من الريح، فلما أمسوا اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح، فألقتهم في البحر، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فهل ترى لهم من باقية‏} ‏ وقوله‏:‏ ‏ {‏فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم‏}‏ قال‏:‏ وأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏عذبهم بكرة وكشف عنهم في اليوم التاني حتى كان الليل ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏حسوماً‏} ‏ قال‏:‏ متتابعة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏حسوما‏ً} ‏ قال‏:‏ دائمات، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏كأنهم أعجاز نخل خاوية‏}‏ قال‏:‏ هي أصول النخل قد بقيت أصولها وذهبت أعاليها‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏كأنهم أعجاز نخل‏} ‏ قال‏:‏ أصولها وفي قوله‏:‏ ‏ {‏خاوية‏} ‏ قال‏:‏ خربة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏ {‏وجاء فرعون ومن قبله‏}‏ بنصب القاف‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ‏ {‏وجاء فرعون ومن قبله‏} ‏ قال‏:‏ ومن معه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏والمؤتفكات‏} ‏ قال‏:‏ هم قوم لوط ائتفكت بهم أرضهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏بالخاطئة‏} ‏ قال‏:‏ بالخطايا وفي قوله‏:‏ ‏{‏أخذة رابية‏} ‏ قال‏:‏ شديدة وفي قوله‏:‏ ‏ {‏إنا لما طغى الماء‏} قال‏:‏ كثر وفي قوله‏:‏ ‏ {‏حملناكم في الجارية‏} ‏ قال‏:‏ السفينة، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وتعيها أذن واعية‏} ‏ قال‏:‏ حافظة، وفي لفظ‏:‏ سامعة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إنا لما طغى الماء‏}‏ قال‏:‏ طغى على خزانه، فنزل ولم ينزل من السماء ماء إلا بمكيال أو ميزان إلا زمن نوح، فإنه طغى على خزانه فنزل من غير كيل ولا وزن‏. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لم ينزل من السماء قطرة قط إلا بعلم الخزان إلا حيث طغى الماء، فإنه غضب لغضب الله فطغى على الخزان فخرج ما لا يعلمون ما هو‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏طغى الماء‏} ‏ قال‏:‏ بلغني أنه طغى فوق كل شيء خمسة عشر ذراعاً‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏حملناكم في الجارية‏}‏ قال‏:‏ السفينة وفي قوله‏:‏ ‏{‏لنجعلها لكم تذكرة‏}‏ أي تذكرون ما صنع بهم حيث عصوا نوحاً ‏{‏وتعيها‏} ‏ يقول‏:‏ وتحصيها ‏{‏أذن واعية‏} ‏ يقول‏:‏ أذن حافظة، يعني حديث السفينة‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن مكحول قال‏:‏حديث : ‏ لما نزلت ‏{‏وتعيها أذن واعية‏} ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"سألت ربي أن يجعلها أذن عليَّ"‏تفسير : ‏ قال مكحول‏:‏ فكان عليّ يقول‏:‏ ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فنسيته‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والواحدي وابن مردويه وابن عساكر والبخاري عن بريدة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي‏ّ:‏ ‏"حديث : ‏إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحق لك أن تعي‏"‏ تفسير : فنزلت هذه الآية ‏ {‏وتعيها أذن واعية‏}‏ ‏. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عليّ قال‏:‏ قال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏حديث : "‏يا عليّ إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي"‏ فأنزل هذه الآية ‏ {‏وتعيها أذن واعية‏}‏ "‏فأنت أذن واعية لعلمي" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏لنجعلها لكم تذكرة‏}‏ قال‏:‏ لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكم من سفينة قد هلكت وأثر قد ذهب يعني ما بقي من السفينة حتى أدركته أمة محمد فرأوه كانت ألواحها ترى على الجودي‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏لنجعلها لكم تذكرة‏} ‏ قال‏:‏ عبرة وآية أبقاها الله حتى نظرت إليها هذه الأمة، وكم من سفينة غير سفينة نوح صارت رمماً‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمران في قوله‏:‏ ‏ {‏أذن واعية‏} ‏ قال‏:‏ أذن عقلت عن الله‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وتعيها أذن واعية‏} ‏ قال سمعت وعقلت ما سمعت وأوعت‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية، وآيُها اثنتان وخمسون {ٱلْحَاقَّةُ} أي السَّاعةُ، أو الحالةُ الثابتةُ الوقوعِ الواجبةُ المجىءِ لا محالةَ، أو التي يحقُّ فيها الأمورُ الحقةُ من الحسابِ والثوابِ والعقابِ، أو التي تُحقُّ فيها الأمورُ أي تُعرفُ على الحقيقةِ من حقَّهُ يحِقُّه إذا عرفَ حقيقتَهُ، جُعلَ الفعلُ لها مجازاً وهو لِما فيها منَ الأمورِ أو لمَنْ فيها من أُولِي العلمِ وأيَّا ما كانَ فحذفُ الموصوفِ للإيذانَ بكمالِ ظهورِ اتصافهِ بهذِهِ الصفةِ وجريانِهَا مجرى الإسمِ، وارتفاعُها على الابتداءِ، خبرُهَا {مَا ٱلْحَاقَّةُ} على أنَّ مَا مبتدأٌ ثانٍ، والحاقَّةُ خبرُهُ، والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأولِ. والأصلُ ما هيَ أيْ أيُّ شيءٍ هي في حالِهَا وصفَتِهَا فإنَّ مَا قدْ يُطلبُ بها الصفةُ والحالُ، فوضعُ الظاهرِ موضعَ المضمرِ تأكيداً لهولها. هذا ما ذكرُوهُ في إعرابِ هذه الجملةِ ونظائرِهَا، وقد سبقَ في سورةِ الواقعةِ أنَّ مُقتضَى التحقيقِ أنْ تكونَ ما الاستفهاميةُ خبراً لما بعدَهَا فإنَّ مناطَ الإفادةِ بـيانُ أنَّ الحاقةَ أمرٌ بديعٌ وخَطْبٌ فظيعٌ كما يفيدُهُ كونُ مَا خبراً لا بـيانُ أنَّ أمراً بديعاً الحاقةُ كما يفيدُهُ كونُها مبتدأً وكونُ الحاقَّةِ خبراً. وقولُه تعالَى: {وَمَا أَدْرَاكَ} أي وأيُّ شيءٍ أعلمكَ {مَا ٱلْحَاقَّةُ} تأكيدٌ لهولِهَا وفظاعتِهَا ببـيانِ خروجِهَا عن دائرةِ علومِ المخلوقاتِ على مَعْنَى أنَّ عظمَ شأنِهَا ومَدَى هولِهَا وشدَّتِهَا بحيثُ لا تكادُ تبلغُهُ درايةُ أحدٍ ولا وهمُهُ وكيفَما قدرتَ حالَهَا فهيَ أعظمُ من ذلكَ وأعظمُ فلا يتسنَّى الإعلامُ. ومَا في حيزِ الرفعِ على الابتداءِ، وأدراكَ خبرُهُ. ولا مساغَ هَهُنَا للعكسِ. ومَا الحاقَّةُ جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ على الوجهِ الذي عرفَتَهُ، محلُّها النصبُ على إسقاطِ الخافضِ لأنَّ أَدْرَى يتعدَّى إلى المفعولِ الثَّانِي بالباءِ كَما في قولِهِ تعالَى: {أية : وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } تفسير : [سورة يونس، الآية 16] فلمَّا وقعتْ جملةُ الاستفهامِ معلّقةً لهُ كانَتْ في موضعِ المفعولِ الثانِي والجملةُ الكبـيرةُ معطوفةٌ على ما قبلَهَا من الجملةِ الواقعةِ خبراً لقولِهِ تعالَى:{ٱلْحَاقَّةُ} مؤكدةٌ لهولِها كما مرَّ {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ} أيْ بالحالةِ التي تقرعُ النَّاسَ بفنونِ الأفزاعِ والأهوالِ والسماءَ بالانشقاقِ والانفطارِ، والأرضَ والجبالَ بالدكِّ والنسفِ، والنجومَ بالطمسِ والانكدارِ. ووضعُهَا موضعَ ضميرِ الحَاقَّةِ للدلالةِ على مَعْنَى القرعِ فيها تشديداً لهولِهَا، والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لإعلامِ بعضِ أحوالِ الحَاقَّةِ لهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إثرَ تقريرِ أنَّه ما أدراهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بها أحدٌ، كما في قولِهِ تعالَى: { أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ} تفسير : [سورة القارعة، الآية 10، 11] ونظائرُهُ خَلا أنَّ المبـيِّنَ هناكَ نفسُ المسؤولِ عنْهَا وهَهُنَا حالٌ منْ أحوالِهَا، كَما في قولِهِ تعالَى: { أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} تفسير : [سورة القدر، الآية 2، 3] فكمَا أنَّ المبـيَّنَ هناكَ ليسَ نفسَ ليلةِ القدرِ بل فضلَها وشرفَها، كذلكَ المبـيَّنُ ههنا هولُ الحاقةِ وعظمُ شأنِهَا وكونُها بحيثُ يحقُّ إهلاكُ منْ يكذبُ بها كأنَّه قيلَ وما أدراكَ ما الحاقةُ كذبتْ بها ثمودُ وعادٌ فأُهلِكُوا.

التستري

تفسير : قوله تعالى: { ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ}[1-2] قال: إن الله تعالى عظَّم حال يوم القيامة بما فيها من الشدة بإدخال الهاء فيها، ومعناها اليوم الذي يلحق كل أحد فيه بعمله من خير أو شر. وقال عمر بن واصل: معناها: يحق فيه جزاء الأعمال لكل طائفة.

السلمي

تفسير : قال سهل: اليوم الذى يلحق كل أحد بعمله. وقال بعضهم: تحقق جزاء كل الأعمال على كلا الطائفتين. قال بعضهم: حق على كل من يعقل أن يخاف ذلك اليوم ويفزع من ذلك المشهد.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ}. "الحاقة": اسمٌ للقيامة لأنها تَحُقُّ كلَّ إنسانٍ بعملهِ خَيْرِه وشَرِّه. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} استفهام يفيد التعظيم لأمرها، والتفخيمَ لشأنها. قوله جلّ ذكره: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ}. ذَكَرَ في هذه السورة: الذين كَذَّبوا رُسُلَهم من الأمم، وأصرُّوا على كُفْرِهم، ولم يقبلوا النصيحةَ من أنبيائهم، فأهلكهم، وانتقم لأنبيائه منهم. والفائدةُ في ذِكْرِهم: الاعتبارُ بهم، والتحرُّرُ عمَّا فعلوا لئلا يُصيبَهم ما أصابهم. وعقوبةُ هذه الأمةِ مُؤَجَّلةٌ مُؤَخَّرَةٌ إلى القيامة، ولكنَّ خواصَّهم عقوبتُهم مُعجَّلة؛ فقومٌ من هذه الطائفة إذا أشاعوا سِرًّا، أو أضاعوا أدباً يعاقبهم برياح الحجبة، فلا يَبْقى في قلوبهم أثرٌ من الاحتشام للدِّين، ولا مِمَّا كان لهم من الأوقات، ويصيرون على خَطَرٍ في أحوالهم بأنْ يُمْتَحنوا بالاعتراض على التقدير والقِسْمة. وأمَّا فرعون وقومُه فكان عذابُهم بالغَرَقِ... كذلك مَنْ كان له وقتٌ فارغٌ وهو بطاعة ربِّه مشتغِلٌ، والحقُّ عليه مُقْبِلٌ - فإذا لم يشكرْ النعمةَ، وأساءَ أدبَه، ولم يَعْرِفْ قَدْرَ ما أنعم اللَّهُ به عليه رَدَّه الحقُّ إلى أسباب التفرقة، ثم أغرقه في بحار الاشتغال فيتكدر مَشْرَبُه، ويصير على خَطَرٍ بأن يُدْرِكَه سُخْطُ الحقِّ وغضبُه.

البقلي

تفسير : {ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ} يوم تحقق حقائق الامور رعاينا لا يبقى فيها ريب اهل الظنون ينكشف الحق لاهل الحق ولا معارضة للنفس فيها ونبين للجاهلين اعلام ولاية العارفين قال سهل اليوم الذى يلحق كل احد بعلمه.

اسماعيل حقي

تفسير : {الحاقة} هى من اسماء القيامة من حق يحق بالكسر اذا وجب وثبت لانها يحق اى يجب مجيئها ويثبت وقوعها كما قال تعالى {أية : ان الساعة آتية لا ريب فيها}تفسير : فالاسناد حقيقى وقال الراغب فى المفردات لانها يحق فيها الجزآء فالاسناد مجاذى كنهاره صائم ونحو.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الحاقة}: مبتدأ، وجملة الاستفهام خبر، والأصل: الحاقة ما هي؟ فوضع الظاهر موضع المضمر؛ تفخيماً لشأنها، وتهويلاً لأمرها، و"أدْرَى" يتعدى إلى مفعولين، علق عن الثاني بالاستفهام. يقول الحق جلّ جلاله: {الحاقةُ} أي: الساعة الواجبة الوقوع، الثابتة المجيء، التي هي آتيةٌ لا ريب فيها، من: حقّ يحِقُّ: وجب، أو: التي يحق فيها الحقوق من الثواب والعقاب، أو: التي تحق فيها الحقائق وتُعرف، من: حقه: إذا عرف حقيقته، جعل الفعل لها مجازاً، وهو لِما فيها من الأمور، {ما الحاقةُ} أي: ما هي الحاقة، فهي من الأمور التي يُستفهم عنها؛ لغرابتها وهول مطلعها، وأكد كذلك بقوله: {وما أدراك} وأيّ شيءٍ أعلمك {ما} هي {الحاقة}، يعني: أنك لا علم لك بكنهها؛ لخروجها عن دائرة علوم المخلوقات، على معنى: أن عظم شأنها، ومدى هولها وشدتها، بحيث لا يكاد يبلغه درايةُ أحد ولا وهمُه، وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك. ثم ذكر وبال مَن كذّب بها، فقال: {كذبت ثمودُ وعادٌ بالقارعة} أي: بالحاقة. فوضعت القارعة موضعها لأنها من أسماء القيامة، كالحاقة. وسميت بذلك؛ لأنها تقرع الناسَ بفنون الأفزاع والأهوال، وتقرع السماءَ بالانشقاق والانفطار، والأرض والجبال بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والانكدار. قال أبو السعود: والجملة استئناف مسوق لإعلام بعض أحوال الحاقة له صلى الله عليه وسلم إثر تقرير أنه ما أدراه بها أحد كما في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أّدْرَاكَ مَاهِيَة نَارٌ حَامِيَةُ}تفسير : [القارعة:10، 11] ونظائره، خلا أن المبَّين هناك نفس المسؤول عنها، وها هنا حال من أحوالها، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيّلَةٌ ٱلْقَدْرِ لَيّلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } تفسير : [القدر:2، 3]، كما أن المبيَّن هناك ليس نفس ليلة القدر، بل فضلها وشرفها، كذلك المبيّن هاهنا هولُ الحاقة وعظم شأنها، وكونها بحيث يحق إهلاك مَن يُكَذِّب بها، كأنه قيل: وما أدراك ما الحاقة كذّب بها عاد وثمود فأُهلكوا. هـ. {فأمّا ثمودُ فأُهلكوا بالطَّاغية}؛ بالوقعة المتجاوزة للحدّ في الشدة، وهي الصيحة أو الرجفة، وقيل: هي مصدر كالعاقبة، من المعاقبة، أي: بسبب طغيانهم وعصيانهم، والأول أنسب بقوله: {وأمّا عادٌ فأُهلكوا بريحٍ صَرْصَرٍ} أي: شديدة الصوت، لها صرصرة، أو شديدة البرد، تحرق ببردها، من الصِّر، كرّر بردها حتى أحرقهم، {عَاتيةٍ}؛ شديدة الغضب، كأنها عتت على خُزّانها فلم يضبطوها بإذن الله، غضباً على أعداء الله. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أرسل الله نسفة من ريح إلاّ بمكيال، ولا قطرة من ماء إلاّ بمكيال، إلاّ يوم عاد ويوم نوح، فإنَّ الماء طغى على الخُزان، وكذلك الريح، طغت على خُزانها " تفسير : ثم قرأ الآية. أو طغت على عاد فلم يقدروا على ردها. {سَخَّرَها عليهم} أي: سلَّطها عليهم، وهو استئناف جيء به لبيان كيفية إهلاكهم بها، {سَبْعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام حُسوماً} أي: متتابعات، جمع حاسم، كشهود وشاهد، تمثيلاً لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكيّ كرة بعد أخرى حتى ينحسم الداء، أو: محسمات، حسمت كل خير واستأصلته، أو قاطعات قطعت دابرهم، وهو حال، ويجوز أن يكون مصدراً، أي: تحسمه حسوماً، أي: تستأصلهم استئصالاْ، ويؤيده قراءة الفتح، وكانت العرب تُسمي هذه الأيام أيام العجوز، من صبيحة الأربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر، وإنما سميت بذلك؛ لأنّ عجوزاً من عاد توارت في سِرب، فانتزعَتها الريحُ في اليوم الثامن، فأهلكتها. وقيل: سميت عجوزاً لأنها في عَجُز الشتاء، أي: آخره. وأسماؤها: الصِنُّ، والصنْبَرِ، والوَبْر، والآمر، والمُؤْتمر والمُعلِّل، ومُطْفىء الجمْر، واليوم الثامن مكفي الظُّعن. {فترى القومَ} إن كنت حاضراً حينئذ {فيها} أي: في تلك الليالي والأيام، أو في مهابَّها، أو في ديارهم {صَرْعَى}؛ موتى هلكى، جمع صريع، {كأنهم أعجازُ نخلٍ} أي: أصول نخل، جمع نخلة، {خاويةٍ}. ساقطة، أو بالية متآكلة الأجواف، وكانت أجسامهم طوالاً، تبلغ مائة ذراعٍ، أو مائتين، ولذلك شُبّهوا بالنخل، {فهل ترى لهم من باقية} أي: بقاء، فيكون مصدراً، كالطاغية، أو مِن نفس باقية. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحاقة هي تجلِّي الحقيقة الأحدية، وظهور الخمرة الأزلية، لقلوب العارفين؛ لأنها تُحق الحق وتُزهق الباطل، تظهر بها حقائق الأشياء على ما هي عليه في الأصل. قال الورتجبي: الحاقة يوم تحق حقائق الأمور عياناً، لا يبقى فيها ريب أهل الظنون، ينكشف الحق لأهل الحق، ولا معارضة للنفس فيها، ويتبين للجاهلين أعلام ولاية العارفين. هـ. ثم عظَّمها وهوَّل أمرها، فقال: {ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة} لا يدريها إلاّ الشجعان من الرجال الأقوياء، والكمَّال، كما قال الجيلاني رضي الله عنه: شعر : وإيَّاكَ جَزعاً لا يَهُولُكَ أمْرُها فَمَا نَالَها إلاَّ الشُّجَاعُ المُقَارعُ تفسير : ثم ذكر أنَّ مَن أنكرها أو كذّب بوجودها من النفوس العادية، والقلوب القاسية، يهلك في مهاوي الفروقات، برجفة الوساوس والخواطر، أو رياح الفتن الباطنة والظاهرة، سخّرها عليهم سبع ليالٍ على عدد الجوارح السبعة، وثمانية أيام. قال القشيري: أي: أيام كاشفات لسبع صفات الطبيعية، وهي: الغضب، والشهوة، والحقد، والحسد، والبُخل، والجُبن، والعجب، والشره، حُسوماً، أي: تحسم، وتقطع أمور الحق وأحكامه من الخيرات والمبرّات. هـ. ثم ذكر مَن بقي من الأمم المُكذّبه بالحاقة، فقال: {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل البصرة والكسائي {ومن قبله} بكسر القاف. الباقون بفتحها. قال ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد وغيرهم: إن الحاقة اسم من اسماء القيامة وسميت بذلك لانها الساعة التي يحق فيها الجزاء على الاعمال: الضلال والهدى. وقال الفراء: تقول العرب الحقة متى هربت والحقة والحاقة، كل ذلك بمعنى واحد. والعامل في {الحاقة} أحد شيئين: احدهما - الابتداء، والخبر {ما الحاقة} كأنه قال: الحاقة أى شيء هي. الثاني - أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل هذه الحاقة، ثم قيل أى شيء الحاقة، تفخيماً لشأنها، وتقديره هذه سورة الحاقة وقوله {ما أدراك ما الحاقة} قال سفيان: يقال للمعلوم ما أدراك، ولما ليس بمعلوم: وما يدريك فى جميع القرآن. وإنما قال لمن يعلمها: ما أدراك لأنه إنما يعلمها بالصفة، فعلى ذلك قال تفخيماً لشأنها أى كأنك لست تعلمها إذا لم تعاينها وترى ما فيها من الأهوال. وقوله {كذبت ثمود وعاد بالقارعة} اخبار من الله تعالى أن ثمود - وهم قوم صالح - وعاداً - وهم قوم هود - كذبوا بيوم القيامة فأنكروا البعث والنشور والثواب والعقاب. قال ابن عباس وقتادة: القارعة إسم من اسماء القيامة، وسميت القارعة، لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الأمن. وإنما حسن أن يوضع القارعة موضع الكنية لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها الحاقة، وإلا كان يكفي ان يقول: كذبت ثمود وعاد بها. وقوله الحاقة، والطامة والصاخة، اسماء يوم القيامة. والوقف على الحاقة حسن وأتم منه {ما الحاقة} و {ما أدراك} كل ما فى القرآن بلفظ الماضي، فقد أدراه صلى الله عليه وآله، وما كان بلفظ يدريه، فلم يعلمه، يقال: دريت الشيء دراية أى علمته، ودريت الصيد أى ختلته ودرأته دفعته. ثم اخبر تعالى عن كيفية إهلاكهم، فقال {فاما ثمود فأهلكوا بالطاغية} فالطاغية مصدر مثل العاقبة، والمعنى فأهلكوا بطغيانهم - فى قول ابي عبيدة - وقيل: معناه أهلكوا بالخصلة المتجاوزة لحال غيرها فى الشدة، أهلك الله تعالى بها اهل الفساد. وقد مضى فيما تقدم أن الله أهلك ثمود بالصيحة العظيمة التي اصبحوا بها جاثمين أى ميتين هالكين. قال الزجاج: تقديره فأهلكوا بالرجفة الطاغية. ثم اخبر تعالى عن كيفية هلاك عاد، فقال {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر} فالريح عبارة عن الهواء إذا كانت فيها حركة باعتماد ظاهرة فاذا سكن لا يسمى ريحاً واشتقاقه من راح يروح روحاً إذا رجع إلى منزله. والصرصر الريح الشديدة الصوت بما يسمع لها من الصرير فى شدة حركتها، يقال: صرّ وصرصر، كأنه مضاعف منه فالصرصر الشديد العصوف المجاوزة لحدّها المعروف وقال قتادة: صرصر باردة فكأنه يصطل الاسنان بما يسمع من صوتها لشدة بردها، ويقال: صرصر وصلصل إذا تكرر الصوت، وهو مضاعف صر وصل - فى قول الزجاج -. وقوله {عاتية} قيل عتت تلك الرياح على خزّانها فى شدة الهبوب. والعاتي الخارج الى غلظ الأمر الذى يدعو اليه قساوة القلب، يقال: عتا يعتو عتواً فهو عات والريح عاتية تشبيهاً بحال العاتي في الشدة. وقوله {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام} اخبار منه تعالى انه أهلكهم بهذه الريح في مدة سبع ليال، وثمانية أيام، لما في ذلك من الارهاب والتخويف، وما يتعلق به من المصلحة لغيرهم في التكليف. وقوله {حسوماً} أى قاطعة قطع عذاب الاستئصال، واصله القطع حسم طمعه من كذا إذا قطعه، حسم يحسم حسماً إذا قطع، وانحسم الشر إذا انقطع. وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة: معنى {حسوماً} تباعاً متوالية مأخوذاً من حسم الداء بمتابعة الكي عليه، فكأنه تتابع الشر عليهم حتى استأصلهم. وقيل {حسوماً} قطوعاً لم يتق منهم أحد، ونصب {حسوماً} على المصدر أي يحسمهم حسوماً. ثم قال {فترى القوم فيها} أي تشاهد القوم الهلكى فى تلك الايام والليالي صرعى مطرحين {كأنهم أعجاز نخل خاوية} أي كأنهم أصول نخل نخرة - فى قول قتادة - وقال السدي: الخاوي الفارغ. وقوله {فهل ترى لهم من باقية} أي من نفس باقية، وقيل: معناه فهل ترى لهم من بقاء، فالباقية بمعنى المصدر مثل العافية والطاغية. ومعناه فهل ترى لهم من بقية. وقوله {وجاء فرعون ومن قبله} أي جاء فرعون ومن معه من قومه، على قراءة من قرأ {قبله} بكسر القاف وفتح الباء، ومن قرأ بفتح القاف وسكون الباء أراد والذين قبله من الكفار {والمؤتفكات} يعني وجاء اهل القرى المؤتفكات أي المنقلبات بأهلها - فى قول قتادة - وهي قرى قوم لوط {بالخاطئة} أى بالافعال الخاطئة أو بالنفس الخاطئة، وقيل بالخاطئة أى اخطأت الحق إلى الباطل والفساد {فعصوا رسول ربهم فأخذهم} الله على كفرهم وعصيانهم {أخذة رابية} أى زائدة فى الشدة من ربا يربو إذا زاد، وقرأ ابو عمرو، والكسائي، وابو بكر عن عاصم {ومن قبله} بكسر القاف وفتح الباء. الباقون بفتح القاف وسكون الباء. وحجة أبي عمرو أن فى قراءة أبي {جاء فرعون ومن معه}. وقرأ ابو موسى {ومن تلقاه}. وأراد الباقون انه جاء فرعون ومن قبل فرعون من الكفار.

الجنابذي

تفسير : {ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ} من حقّ بمعنى وجب او ثبت، او من حقّ يحقّ من باب نصر من حاققته فحققته احقّه من المغالبة، وعلى اىّ معنى فسمّيت القيامة حاقّة لتحقّقها وثبوتها، او لغلبتها على الكافرين وابطالهم، او لتحقّق الامور فيها وثبوت الحقّ فيها وبطلان الباطل ليكون من قبيل الوصف بحال المتعلّق، والاستفهام عنها واتيان الظّاهر موضع المضمر للتّفخيم والتّعجيب.

الأعقم

تفسير : {الحاقة} القيامة أي ما القيامة تفخيماً لشأنها {وما أدراك ما الحاقة} وما يدريك بما ليس بمعلوم في جميع القرآن {كذبت ثمود} وهم قوم صالح {وعاد} قوم هود {بالقارعة} قيل: بالقيامة لأنها تقرع القلوب بأهوالها {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية} قيل: بالصيحة التي نزلت بهم والطاغية المتجاوزة في الفعل كل صيحة، وتسمى الصيحة طاغية لتجاوزها الحد، والمراد العذاب النازل بهم {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر} قيل: باردة وهي الريح الشديدة الصوت، ومنه صرصر الباب، وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ما أرسل الله سفينة ريح إلا بمكيال، ولا قطرة مطر إلا بمكيال، إلا يوم عاد ويوم نوح، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سبيل" ثم قرأ: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} " وأما يوم عاد فعتت على الخوان فلم يكن لهم عليها سبيل" ثم قرأ: {بريح صرصر عاتية}" تفسير : ولعلها عبارة عن الشدة والإِفراط، وقيل: عاتية مهلكة، وقيل: عتت على خزانها فجرت بلا كيل ولا وزن {سخّرها} سلطها {عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً} قال وهب: هي التي تسمى للعرب أيام العجوز ذات برد ورياح شديدة، ونسبت إلى العجوز لأن عجوزاً دخلت سرباً فتبعتها فقتلتها اليوم الثامن وانقطع العذاب، وهي آخر الشتاء، والحسوم القاطعة كأنه يتابع عليهم الشر حتى استأصلهم، وقيل: {فترى القوم فيها صرعى} مصروعين هلكى {كأنهم أعجاز} قيل: أصول النخل {خاوية} خالية إلا خراب، وشبهوا قيل: شبهوا بذلك لعظم أجسامهم، وقيل: لما أرسل عليهم الريح قاموا واعتمدوا على أجلهم ليدفعوا الريح فزمعتهم بين السماء والأرض وأهلكتهم {فهل ترى لهم من باقية} أي ليس لهم باقية.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الحاقة، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الحَآقَّةُ مَا الحَآقَّةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَآ الْحَآقَّةُ} أي: إنك لم تكن تدري ما الحاقة حتى أعلمتكها. والحاقة اسم من أسماء القيامة أحقت لأقوام الجنة وأحقت لأقوام النار. قال بعضهم: كل شيء في القرآن: (وَمَا أَدْرَاكَ) فقد أدراه، أي: أعلمه إياه، وكل شيء (وَمَا يُدْرِيكَ) فهو لم يعلمه إياه بعدُ. قوله عز وجل: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} أي: كذبوا بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، في تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: القارعة اسم من أسماء جهنم. {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ} قال الحسن: أي: بطغيانهم، كقوله: (أية : كَذَّبَتْ ثَّمُودُ بِطَغْوَاهَآ) تفسير : [الشمس:11] أي: بشركها. وقال الكلبي: الطاغية الصاعقة التي أهلكوا بها. وتفسير مجاهد: (بِالطَّاغِيَةِ) أي: بالذنوب. قوله: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} أي: باردة شديدة البرد {عَاتِيَةٍ} أي: عتت على خزانها بأمر ربها، كانت تخرج من قبل بقدر، فعتت يومئذ على خزانها، مثل قوله: (أية : إِنَّا لَمَا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) تفسير : [الحاقة:11] أي: طغى الماء على خزانه إنه كان يخرج بقدر فطغى يومئذ على خزانه. وقال الحسن: العاتية: الشديدة، وضمّ أصابعه وشدّها، وضمّ أصابعه وشدها. قال: وكذلك أيضاً. وقال مجاهد: عاتية: شديدة. والريح التي أهلك بها عادا هي الدبور. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور .

اطفيش

تفسير : {الحَآقَّةُ} أي القيامة من حق يحق فهو حاق أي ثابت لانها ثابتة الوقوع او لان الامور تحق فيها فتعرف عن الحقيقة وفيها يحق الجزاء على الاعمال أي يجب او لان ما انكروه من البعث والجزاء والحساب يحق فيها او لانها المظهرة لذلك وقيل الحاقة النازلة التي لا كاذبة لها وقيل التي تحق على القوم أي تقع بهم.

اطفيش

تفسير : الساعة الحاقة أو الحالة الحاقة أو القيامة الحاقة، وذلك يوم البعث أو يوم موت الأَحياء إِلا الله، ومعنى كونها حقاً فى الأَوجه كلها أنه يجب وقوعها أو تثبيت فيها الأُمور الحقة من انكشاف الغطاء عن المحق والمخطئ والصدق والكذب والجزاء، أو أنه تحق فيها الأُمور أى تظهر حقيقتها وتشاهد بعد أن كانت أخباراً، أو أنه تغلب معاندها بإِنكاره لها وتغلبه بالعقاب كما يقال حاققته بألف أى عالجت أن أغلبه فحققته بدون ألف، وبالفتح أى غلبته وأنا حقه بضم الحاء وأنا حاقة وذلك كله بحسب الأَصل ثم كان علماً بالغلبة ليوم القيامة مثلا.

الالوسي

تفسير : أي الساعة أو الحالة التي يحق ويجب وقوعها أو التي تحقق وتثبت فيها الأمور الحقة من الحساب والثواب والعقاب أو التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من حقه يحقه إذا عرف حقيقته وروي هذا عن ابن عباس وغيره، وإسناد الفعل لها على وجهين الأخيرين مجاز وهو حقيقة لما فيها من الأمور أو لمن فيها من أولي العلم. وفي «الكشف» كون الإسناد مجازياً إنما هو على الوجه الأخير، وأما على الوجه الثاني فيحتمل الإسناد المجازي أيضاً لأن الثبوت والوجوب لما فيها، ويحتمل أن يراد ذو الحاقة من باب تسمية الشيء باسم ما يلابسه وهذا أرجح لأن الساعة وما فيها سواء في وجوب الثبوت فيضعف قرينة الإسناد المجازي والتجوز فيه تصوير ومبالغة انتهى وبحث فيه الجلبـي بما فيه بحث فارجع إليه وتدبر. وقال الأزهري: الحاقة القيامة من حاققته فحققته أي غالبته فغلبته فهي حاقة لأنها تحق كل محاق في دين الله تعالى بالباطل أي كل مخاصم فتغلبه. وظاهر كلامهم أنها على جميع ذلك وصف حذف موصوفه للإيذان بكمال ظهور اتصافه بهذه الصفة وجريانه مجرى الاسم. وقيل إنها على ما روي عن / ابن عباس من كونها من أسماء يوم القيامة اسم جامد لا يعتبر موصوف محذوف، وقيل هي مصدر كالعاقبة والعافية. وأياً ما كان فهي مبتدأ خبرها جملة: {مَا ٱلْحَاقَّةُ }

سيد قطب

تفسير : هذه سورة هائلة رهيبة؛ قل أن يتلقاها الحس إلا بهزة عميقة. وهي منذ افتتاحها إلى ختامها تقرع هذا الحس، وتطالعه بالهول القاصم، والجد الصارم، والمشهد تلو المشهد، كله إيقاع ملح على الحس، بالهول آناً وبالجلال آناً. وبالعذاب آناً، وبالحركة القوية في كل آن! والسورة بجملتها تلقي في الحس بكل قوة وعمق إحساساً واحداً بمعنى واحد.. أن هذا الأمر، أمر الدين والعقيدة، جد خالص حازم جازم. جد كله لا هزل فيه. ولا مجال فيه للهزل. جد في الدنيا وجد في الآخرة، وجد في ميزان الله وحسابه. جد لا يحتمل التلفت عنه هنا أو هناك كثيراً ولا قليلاً. وأي تلفت عنه من أي أحد يستنزل غضب الله الصارم، وأخذه الحاسم. ولو كان الذي يتلفت عنه هو الرسول. فالأمر أكبر من الرسول وأكبر من البشر.. إنه الحق. حق اليقين. من رب العالمين. يبرز هذا المعنى في اسم القيامة المختار في هذه السورة، والذي سميت به السورة: "الحاقة".. وهي بلفظها وجرسها ومعناها تلقي في الحس معنى الجد والصرامة والحق والاستقرار. وإيقاع اللفظ بذاته أشبه شيء برفع الثقل طويلاً، ثم استقراره استقراراً مكيناً. رفعه في مدة الحاء بالألف. وجده في تشديد القاف بعدها، واستقراره بالانتهاء بالتاء المربوطة التي تنطق هاء ساكنة. ويبرز في مصارع المكذبين بالدين وبالعقيدة وبالآخرة قوماً بعد قوم، وجماعة بعد جماعة. مصارعهم العاصفة القاصمة الحاسمة الجازمة: {كذبت ثمود وعاد بالقارعة. فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية. سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، فترى القوم فيها صرعى، كأنهم أعجاز نخل خاوية. فهل ترى لهم من باقية؟ وجآء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة، فعصوا رسول ربهم، فأخذهم أخذة رابية. إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية، لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية}.. وهكذا كل من تلفت عن هذا الأمر أخذ أخذة مروعة داهمة قاصمة، تتناسب مع الجد الصارم الحاسم في هذا الأمر العظيم الهائل، الذي لا يحتمل هزلاً، ولا يحتمل لعباً، ولا يحتمل تلفتاً عنه من هنا أو هناك! ويبرز في مشهد القيامة المروع، وفي نهاية الكون الرهيبة، وفي جلال التجلي كذلك وهو أروع وأهول: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة. وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، فيومئذ وقعت الواقعة، وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية.. والملك على أرجآئهآ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}.. ذلك الهول. وهذا الجلال. يخلعان الجد الرائع الجليل على مشهد الحساب عن ذلك الأمر المهول. ويشاركان في تعميق ذلك المعنى في الحس مع سائر إيقاعات السورة وإيحاءاتها. هو وما بعده من مقالة الناجين والمعذبين: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول: هآؤم اقرأوا كتابيه. إني ظننت أني ملاق حسابيه}.. فقد نجا وما يكاد يصدق بالنجاة.. {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه. يا ليتها كانت القاضية. مآ أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه}.. بهذا التفجع الطويل، الذي يطبع في الحس وقع هذا المصير.. ثم يبدو ذلك الجد الصارم والهول القاصم في النطق العلوي بالقضاء الرهيب الرعيب، في اليوم الهائل، وفي الموقف الجليل: {خذوه. فغلوه. ثم الجحيم صلوه. ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه}.. وكل فقرة كأنها تحمل ثقل السماوات والأرض، وتنقض في جلال مذهل، وفي هول مروع، وفي جد ثقيل.. ثم ما يعقب كلمة القضاء الجليل، من بيان لموجبات الحكم الرهيب ونهاية المذنب الرعيبة: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم. ولا يحض على طعام المسكين. فليس له اليوم ها هنا حميم. ولا طعام إلا من غسلين. لا يأكله إلا الخاطئون}.. ثم يبرز ذلك المعنى في التلويح بقسم هائل، وفي تقرير الله لحقيقة الدين الأخير: {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون، ولا بقول كاهن، قليلاً ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين}. وأخيراً يبرز الجد في الإيقاع الأخير. وفي التهديد الجازم والأخذ القاصم لكل من يتلاعب في هذا الأمر أو يبدل. كائناً من كان، ولو كان هو محمداً الرسول: {ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين}.. فهو الأمر الذي لا تسامح فيه ولا هوادة ولا لين.. وعندئذ تختم السورة بالتقرير الجازم والقول الفصل الأخير عن هذا الأمر الخطير: {وإنه لتذكرة للمتقين. وإنا لنعلم أن منكم مكذبين. وإنه لحسرة على الكافرين. وإنه لحق اليقين.. فسبح باسم ربك العظيم}.. وهو الختام الذي يقطع كل قول، ويلقي بكلمة الفصل، وينتهي إلى الفراغ من كل لغو، والتسبيح باسم الله العظيم.. ذلك المعنى الذي تتمحض السورة لإلقائه في الحس، يتكفل أسلوبها وإيقاعها ومشاهدها وصورها وظلالها بإلقائه وتقريره وتعميقه بشكل مؤثر حي عجيب: إن أسلوب السورة يحاصر الحس بالمشاهد الحية، المتناهية الحيوية، بحيث لا يملك منها فكاكاً، ولا يتصور إلا أنها حية واقعة حاضرة، تطالعه بحيويتها وقوتها وفاعليتها بصورة عجيبة! فهذه مصارع ثمود وعاد وفرعون وقرى لوط (المؤتفكات) حاضرة شاخصة، والهول المروع يجتاح مشاهدها لا فكاك للحس منها. وهذا مشهد الطوفان وبقايا البشرية محمولة في الجارية مرسوماً في آيتين اثنتين سريعتين.. ومن ذا الذي يقرأ: {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية. سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً. فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية؟}.. ولا يتمثل لحسه منظر العاصفة المزمجرة المحطمة المدمرة. سبع ليال وثمانية أيام. ومشهد القوم بعدها صرعى مجدلين {كأنهم أعجاز نخل خاوية!}. وهو مشهد حي ماثل للعين، ماثل للقلب، ماثل للخيال! وكذلك سائر مشاهد الأخذ الشديد العنيف في السورة. ثم هذه مشاهد النهاية المروعة لهذا الكون.. هذه هي تخايل للحس، وتقرقع حوله، وتغمره بالرعب والهول والكآبة. ومن ذا الذي يسمع: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة}.. ولا يسمع حسه القرقعة بعد ما ترى عينه الرفعة ثم الدكة!! ومن الذي يسمع: {وانشقت السماء فهي يومئذ واهية. والملك على أرجائها}.. ولا يتمثل خاطره هذه النهاية الحزينة، وهذا المشهد المفجع للسماء الجميلة المتينة؟! ثم من الذي لا يغمر حسه الجلال والهول وهو يسمع: {والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية. يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}.. ومشهد الناجي الآخذ كتابه بيمينه والدنيا لا تسعه من الفرحه، وهو يدعو الخلائق كلها لتقرأ كتابه في رنة الفرح والغبطة: {هاؤم اقرأوا كتابيه. إني ظننت أني ملاق حسابيه}! ومشهد الهالك الآخذ كتابه بشماله. والحسرة تئن في كلماته ونبراته وإيقاعاته: {يا ليتني لم أوت كتابيه. ولم أدر ما حسابيه. يا ليتها كانت القاضية. ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانية}. ومن ذا الذي لا يرتعش حسه، وهو يسمع ذلك القضاء الرهيب: {خذوه، فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه.. الخ}.. وهو يشهد كيف يتسابق المأمورون إلى تنفيذ الأمر الرهيب الجليل في ذلك البائس الحسير! وحالة هناك: {فليس له اليوم ها هنا حميم، ولا طعام إلا من غسلين. لا يأكله إلا الخاطئون}. وأخيراً فمن ذا الذي تأخذه الرجفة وتلفه الرهبة، وهو يتمثل في الخيال صورة التهديد الشديد: {ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين!}.. إنها مشاهد من القوة والحيوية والحضور بحيث لا يملك الحس أن يتلفت عنها طوال السورة، وهي تلح عليه، وتضغط، وتتخلل الأعصاب والمشاعر في تأثير حقيقي عنيف! ويشارك إيقاع الفاصلة في السورة، برنته الخاصة، وتنوع هذه الرنة، وفق المشاهد والمواقف في تحقيق ذلك التأثير الحي العميق.. فمن المد والتشديد والسكت في مطلع السورة: {الحاقة. ما الحاقة؟ وما أدراك ما الحاقة؟}.. إلى الرنة المدوية في الياء والهاء الساكنة بعدها. سواء كانت تاء مربوطة يوقف عليها بالسكون، أو هاء سكت مزيدة لتنسيق الإيقاع، طوال مشاهد التدمير في الدنيا والآخرة، ومشاهد الفرحة والحسرة في موقف الجزاء. ثم يتغير الإيقاع عند إصدار الحكم إلى رنة رهيبة جليلة مديدة: {خذوه. فغلوه. ثم الجحيم صلوه..}. ثم يتغير مرة أخرى عند تقرير أسباب الحكم، وتقرير جدية الأمر، إلى رنة رزينة جادة حاسمة ثقيلة مستقرة على الميم أو النون: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم. ولا يحض على طعام المسكين. فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين}.. {وإنه لحق اليقين. فسبح باسم ربك العظيم..} وهذا التغير في حرف الفاصلة وفي نوع المد قبلها وفي الإيقاع كله ظاهرة ملحوظة تتبع تغير السياق والمشاهد والجو، وتتناسق مع الموضوع والصور والظلال تمام التناسق. وتشارك في إحياء المشاهد وتقوية وقعها على الحس. في السورة القوية الإيقاع العميقة التأثير. إنها سورة هائلة رهيبة. قل أن يتلقاها الحس إلا بهزة عميقة. وهي بذاتها أقوى من كل استعراض ومن كل تحليل، ومن كل تعليق! {الحاقة. ما الحاقة؟. وما أدراك ما الحاقة؟}.. القيامة ومشاهدها وأحداثها تشغل معظم هذه السورة. ومن ثم تبدأ السورة باسمها، وتسمى به، وهو اسم مختار بجرسه ومعناه كما أسلفنا. فالحاقة هي التي تحق فتقع. أو تحق فتنزل بحكمها على الناس. أو تحق فيكون فيها الحق.. وكلها معان تقريرية جازمة تناسب اتجاه السورة وموضوعها. ثم هي بجرسها كما بينا من قبل تلقي إيقاعاً معيناً يساوق هذا المعنى الكامن فيها، ويشارك في إطلاق الجو المراد بها؛ ويمهد لما حق على المكذبين بها. في الدنيا وفي الآخرة جميعاً. والجو كله في السورة جو جد وجزم، كما أنه جو هول وروع. وهو يوقع في الحس إلى جانب ما أسلفنا في التقديم، شعوراً بالقدرة الإلهية الكبرى من جهة، وبضآلة الكائن الإنساني تجاه هذه القدرة من جهة أخرى؛ وأخذها له أخذاً شديداً في الدنيا والآخرة، عندما يحيد أو يتلفت عن هذا النهج الذي يريده الله للبشرية، ممثلاً فيما يجيء به الرسل من الحق والعقيدة والشريعة؛ فهو لا يجيء ليهمل، ولا ليبدل، إنما يجيء ليطاع ويحترم، ويقابل بالتحرج والتقوى. وإلا فهناك الأخذ والقصم، وهناك الهول والروع. والألفاظ في السورة بجرسها وبمعانيها وباجتماعها في التركيب، وبدلالة التركيب كله.. تشترك في إطلاق هذا الجو وتصويره. فهو يبدأ فيلقيها كلمة مفردة، لا خبر لها في ظاهر اللفظ: {الحاقة}.. ثم يتبعها باستفهام حافل بالاستهوال والاستعظام لماهية هذا الحدث العظيم: {ما الحاقة؟}.. ثم يزيد هذا الاستهوال والاستعظام بالتجهيل، وإخراج المسألة عن حدود العلم والإدراك: {وما أدراك ما الحاقة؟}.. ثم يسكت فلا يجيب على هذا السؤال. ويدعك واقفاً أمام هذا الأمر المستهول المستعظم، الذي لا تدريه، ولا يتأتى لك أن تدريه! لأنه أعظم من أن يحيط به العلم والإدراك! ويبدأ الحديث عن المكذبين به، وما نالهم من الهول، وما أخذوا به من القصم، فذلك الأمر جدُّ لا يحتمل التكذيب، ولا يذهب ناجياً من يصر فيه على التكذيب: {كذبت ثمود وعاد بالقارعة. فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية. وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية. سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً. فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية. فهل ترى لهم من باقية؟}. وهذا اسم جديد للحاقة. إنها فوق أنها تحق.. فهي تقرع.. والقرع ضرب الشيء الصلب والنقر عليه بشيء مثله. والقارعة تقرع القلوب بالهول والرعب، وتقرع الكون بالدمار والحطم. وها هي ذي بجرسها تقعقع وتقرقع، وتقرع وتفزع.. وقد كذبت بها ثمود وعاد. فلننظر كيف كان عاقبة التكذيب.. {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية}.. وثمود ـ كما جاء في مواضع أخرى ـ كانت تسكن الحجر في شمالي الحجاز بين الحجاز والشام. وكان أخذهم بالصيحة كما سماها في غير موضع. أما هنا فهو يذكر وصف الصيحة دون لفظها.. {بالطاغية}.. لأن هذا الوصف يفيض بالهول المناسب لجو السورة. ولأن إيقاع اللفظ يتفق مع إيقاع الفاصلة في هذا المقطع منها. ويكتفي بهذه الآية الواحدة تطوي ثمود طياً، وتغمرهم غمراً، وتعصف بهم عصفاً، وتغطى عليهم فلا تبقي لهم ظلا! وأما عاد فيفصل في أمر نكبتها ويطيل، فقد استمرت وقعتها سبع ليال وثمانية أيام حسوماً. على حين كانت وقعة ثمود خاطفة.. صيحة واحدة. طاغية.. {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية}.. والريح الصرصر الشديدة الباردة. واللفظ ذاته فيه صرصرة الريح. وزاد شدتها بوصفها {عاتية}.. لتناسب عتو عاد وجبروتها المحكيّ في القرآن، وقد كانوا يسكنون الأحقاف في جنوب الجزيرة بين اليمن وحضرموت. وكانوا أشداء بطاشين جبارين. هذه الريح الصرصر العاتية: {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً}.. والحسوم القاطعة المستمرة في القطع. والتعبير يرسم مشهد العاصفة المزمجرة المدمرة المستمرة هذه الفترة الطويلة المحددة بالدقة: {سبع ليال وثمانية أيام}. ثم يعرض المشهد بعدها شاخصاً: {فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية}.. فترى.. فالمنظر معروض تراه، والتعبير يلح به على الحس حتى يتملاه! {صرعى}.. مصروعين مجدلين متناثرين {كأنهم أعجاز نخل} بأصولها وجذوعها {خاوية} فارغة تآكلت أجوافها فارتمت ساقطة على الأرض هامدة! إنه مشهد حاضر شاخص. مشهد ساكن كئيب بعد العاصفة المزمجرة المدمرة.. {فهل ترى لهم من باقية؟}.. لا! فليس لهم من باقية!!! ذلك شأن عاد وثمود.. وهو شأن غيرهما من المكذبين. وفي آيتين اثنتين يجمل وقائع شتى: {وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة. فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية}.. وفرعون كان في مصر ـ وهو فرعون موسى ـ ومن قبله لا يذكر عنهم تفصيل. والمؤتفكات قرى لوط المدمرة التي اتبعت الإفك أو التي انقلبت، فاللفظ يعني هذا وهذا. ويجمل السياق فعال هؤلاء جميعاً، فيقول عنهم انهم جاءوا {بالخاطئة} أي بالفعلة الخاطئة.. من الخطيئة.. {فعصوا رسول ربهم}.. وهم عصوا رسلاً متعددين؛ ولكن حقيقتهم واحدة، ورسالتهم في صميمها واحدة. فهم إذن رسول واحد. يمثل حقيقة واحدة ـ وذلك من بدائع الإشارات القرآنية الموحية ـ وفي إجمال يذكر مصيرهم في تعبير يلقي الهول والحسم حسب جو السورة: {فأخذهم أخذة رابية}.. والرابية العالية الغامرة الطامرة. لتناسب {الطاغية} التي أخذت ثمود {والعاتية} التي أخذت عاداً، وتناسب جو الهول والرعب في السياق بدون تفصيل ولا تطويل! ثم يرسم مشهد الطوفان والسفينة الجارية، مشيراً بهذا المشهد إلى مصرع قوم نوح حين كذبوا. وممتناً على البشر بنجاة أصولهم التي انبثقوا منها، ثم لم يشكروا ولم يعتبروا بتلك الآية الكبرى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية، لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية}.. ومشهد طغيان الماء ومشهد الجارية على الماء الطاغي، كلاهما يتناسق مع مشاهد السورة وظلالها. وجرس الجارية وواعية يتمشى كذلك مع إيقاع القافية. وهذه اللمسة {لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} تلمس القلوب الخامدة والآذان البليدة، التي تكذب بعد كل ما سبق من النذر وكل ما سبق من المصائر، وكل ما سبق من الآيات، وكل ما سبق من العظات، وكل ما سبق من آلاء الله ونعمه على أصول هؤلاء الغافلين! وكل هذه المشاهد المروعة الهائلة القاصمة الحاسمة تبدو ضئيلة صغيرة إلى جانب الهول الأكبر. هول الحاقة والقارعة التي يكذب بها المكذبون، وقد شهدوا مصارع المكذبين.. إن الهول في هذه المصارع ـ على ضخامتها ـ محدود إذا قيس إلى هول القارعة المطلق من الحدود المدخر لذلك اليوم المشهود. وهنا بعد هذا التمهيد يكمل العرض، ويكشف عن الهول كأنه التكملة المدخرة للمشاهد الأولى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة. وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة. فيومئذ وقعت الواقعة. وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية. والملك على أرجآئهآ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}.. ونحن نؤمن أن هناك نفخة في الصور وهو البوق تحدث بعدها هذه الأحداث. ولا نزيد في تفصيلها شيئاً. لأنها غيب. ليس عندنا من دلائله إلا مثل هذه النصوص المجملة؛ وليس لنا مصدر آخر لتفصيل هذا الإجمال. والتفصيل لا يزيد في حكمة النص شيئاً، والجري وراءه عبث لا طائل تحته، إلا اتباع الظن المنهيّ عنه أصلاً. فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة، فتبع هذه النفخة تلك الحركة الهائلة: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة}.. ومشهد حمل الأرض والجبال ونفضها ودكها دكة واحدة تسوي عاليها بسافلها.. مشهد مروع حقاً. هذه الأرض التي يجوس الإنسان خلالها آمناً مطمئناً، وهي تحته مستقرة مطمئنة. وهذه الجبال الراسية الوطيدة الراسخة التي تهول الإنسان بروعتها واستقرارها.. هذه مع هذه تحمل فتدك كالكرة في يد الوليد.. إنه مشهد يشعر معه الإنسان بضآلته وضآلة عالمه إلى جانب هذه القدرة القادرة، في ذلك اليوم العظيم.. فإذا وقع هذا. إذا نفخ في الصور نفخة واحدة، وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة.. فهو حينئذ الأمر الذي تتحدث عنه السورة: {فيومئذ وقعت الواقعة}.. والواقعة اسم من أسمائها كالحاقة والقارعة. فهي الواقعة لأنها لا بد واقعة. كأن طبيعتها وحقيقتها الدائمة أن تكون واقعة! وهو اسم ذو إيحاء معين وهو إيحاء مقصود في صدد الارتياب فيها والتكذيب! ولا يقتصر الهول على حمل الأرض والجبال ودكها دكة واحدة، فالسماء في هذا اليوم الهائل ليست بناجية: {وانشقت السماء فهي يومئذ واهية}.. ونحن لا ندري على وجه التحقيق ما السماء المقصودة بهذا اللفظ في القرآن. ولكن هذا النص والنصوص الأخرى التي تشير إلى الأحداث الكونية في ذلك اليوم العظيم كلها تشير إلى انفراط عقد هذا الكون المنظور، واختلال روابطه وضوابطه التي تمسك به في هذا النظام البديع الدقيق، وتناثر أجزائه بعد انفلاتها من قيد الناموس.. ولعله من المصادفات الغريبة أن يتنبأ الآن علماء الفلك بشيء يشبه هذا تكون فيه نهاية العالم، استنباطاً من ملاحظتهم العلمية البحتة، وحسب القليل الذي عرفوه من طبيعة هذا الكون وقصته كا افترضوها.. فأما نحن فنكاد نشهد هذه المشاهد المذهلة، من خلال النصوص القرآنية الجازمة؛ وهي نصوص مجملة توحي بشيء عام؛ ونحن نقف عند إيحاء هذه النصوص، فهي عندنا الخبر الوحيد المستيقن عن هذا الشأن، لأنها صادرة من صاحب الشأن، الذي خلق، والذي يعلم ما خلق علم اليقين. نكاد نشهد الأرض وهي تحمل بجبالها بكتلتها هذه، الضخمة بالقياس إلينا، الصغيرة كالهباءة بالقياس إلى الكون، فتدك دكة واحدة؛ ونكاد نشهد السماء وهي مشققة واهية والكواكب وهي متناثرة منكدرة.. كل ذلك من خلال النصوص القرآنية الحية، المشخصة المشاهد بكامل قوتها كأنها حاضرة.. ثم يغمر الجلال المشهد ويغشيه، وتسكن الضجة التي تملأ الحس من النفخة والدكة والتشقق والانتثار. يسكن هذا كله ويظهر في المشهد عرش الواحد القهار: {والملك على أرجائها، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}.. والملائكة على أرجاء هذه السماء المنشقة وأطرافها، والعرش فوقهم يحمله ثمانية.. ثمانية أملاك أو ثمانية صفوف منهم، أو ثمانية طبقات من طبقاتهم، أو ثمانية مما يعلم الله. لا ندري نحن من هم ولا ما هم. كما لا ندري نحن ما العرش؟ ولا كيف يحمل؟ ونخلص من كل هذه الغيبيات التي لا علم لنا بها، ولم يكلفنا الله من علمها إلا ما قص علينا. نخلص من مفردات هذه الغيبيات إلى الظل الجليل الذي تخلعه على الموقف. وهو المطلوب منا أن تستشعره ضمائرنا. وهو المقصود من ذكر هذه الأحداث ليشعر القلب البشري بالجلال والرهبة والخشوع، في ذلك اليوم العظيم، وفي ذلك الموقف الجليل: {يؤمئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}.. فالكل مكشوف. مكشوف الجسد، مكشوف النفس، مكشوف الضمير، مكشوف العمل، مكشوف المصير. وتسقط جميع الأستار التي كانت تحجب الأسرار، وتتعرى النفوس تعري الأجساد، وتبرز الغيوب بروز الشهود.. ويتجرد الإنسان من حيطته ومن مكره ومن تدبيره ومن شعوره، ويفتضح منه ما كان حريصاً على أن يستره حتى عن نفسه! وما أقسى الفضيحة على الملأ. وما أخزاها على عيون الجموع! أما عين الله فكل خافية مكشوفة لها في كل آن. ولكن لعل الإنسان لا يشعر بهذا حق الشعور، وهو مخدوع بستور الأرض. فها هو ذا يشعر به كاملاً وهو مجرد في يوم القيامة. وكل شيء بارز في الكون كله. الأرض مدكوكة مسواة لا تحجب شيئاً وراء نتوء ولا بروز. والسماء متشققة واهية لا تحجب وراءها شيئاً، والأجسام معراة لا يسترها شيء، والنفوس كذلك مكشوفة ليس من دونها ستر وليس فيها سر! ألا إنه لأمر عصيب. أعصب من دك الأرض والجبال، وأشد من تشقق السماء! وقوف الإنسان عريان الجسد، عريان النفس، عريان المشاعر، عريان التاريخ، عريان العمل ما ظهر منه وما استتر. أمام تلك الحشود الهائلة من خلق الله، من الإنس والجن والملائكة، وتحت جلال الله وعرشه المرفوع فوق الجميع.. وإن طبيعة الإنسان لمعقدة شديدة التعقيد؛ ففي نفسه منحنيات شتى ودروب، تتخفى فيها نفسه وتتدسس بمشاعرها ونزواتها وهفواتها وخواطرها وأسرارها وخصوصياتها. وان الإنسان ليصنع أشد مما تصنعه القوقعة الرخوة الهلامية حين تتعرض لوخزة إبرة، فتنطوي سريعاً، وتنكمش داخل القوقعة، وتغلق على نفسها تماماً. إن الإنسان ليصنع أشد من هذا حين يحس أن عيناً تدسست عليه فكشفت منه شيئاً مما يخفيه، وأن لمحة أصابت منه درباً خفياً أو منحنى سرياً! ويشعر بقدر عنيف من الألم الواخز حين يطلع عليه أحد في خلوة من خلواته الشعورية.. فكيف بهذا المخلوق وهو عريان. عريان حقاً. عريان الجسد والقلب والشعور والنية والضمير. عريان من كل ساتر. عريان.. كيف به وهو كذلك تحت عرش الجبار، وأمام الحشد الزاخر بلا ستار؟! ألا إنه لأمر، أمرُّ من كل أمر!!! وبعدئذ يعرض مشهد الناجين والمعذبين، كأنه حاضر تراه العيون.. {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول: هآؤم اقرأوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه.. فهو في عيشة راضية. في جنة عالية. قطوفها دانية. كلوا واشربوا هنيئاً بمآ أسلفتم في الأيام الخالية}. وأخذ الكتاب باليمين وبالشمال ومن وراء الظهر قد يكون حقيقة مادية، وقد يكون تمثيلاً لغوياً جارياً على اصطلاحات اللغة العربية من تعبيرهم عن وجهة الخير باليمين ووجهة الشر بالشمال أو من وراء الظهر.. وسواء كان هذا أو ذاك فالمدلول واحد، وهو لا يستدعي جدلاً يضيع فيه جلال الموقف! والمشهد المعروض هو مشهد الناجي في ذلك اليوم العصيب، وهو ينطلق في فرحة غامرة، بين الجموع الحاشدة، تملأ الفرحة جوانحه، وتغلبه على لسانه، فيهتف: {هاؤم اقرأوا كتابيه}.. ثم يذكر في بهجة أنه لم يكن يصدق أنه ناج، بل كان يتوقع أن يناقش الحساب.. "حديث : ومن نوقش الحساب عذب"تفسير : كما جاء في الأثر: عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : من نوقش الحساب عذب"تفسير : فقلت: أليس يقول الله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً} فقال: "حديث : إنما ذلك العرض وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك ". تفسير : وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مطر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم، عن الأحول، عن أبي عثمان، قال: المؤمن يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله، فيقرأ سيئاته، فكلما قرأ سيئة تغير لونه، حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات. قال: فعند ذلك يقول:{هاؤم اقرأوا كتابيه}. وروى عن عبد الله بن حنظلة ـ غسيل الملائكة ـ قال: إن الله يوقف عبده يوم القيامة فيبدي ـ أي يظهر ـ سيئاته في ظهر صحيفته، فيقول له: أنت عملت هذا؟ فيقول: نعم أي رب! فيقول له: إني لم أفضحك به، وإني قد غفرت لك. فيقول عند ذلك: {هاؤم اقرأوا كتابيه. إني ظننت أني ملاق حسابيه}. وفي الصحيح من حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى، فقال: "سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "حديث : يدني الله العبد يوم القيامة، فيقرره بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله تعالى: إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه. وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين ".. تفسير : ثم يعلن على رؤوس الأشهاد ما أعد لهذا الناجي من النعيم، الذي تبدو فيه هنا ألوان من النعيم الحسي، تناسب حال المخاطبين إذ ذاك، وهم حديثو عهد بجاهلية، ولم يسر من آمن منهم شوطاً طويلاً في الإيمان، ينطبع به حسه، ويعرف به من النعيم ما هو أرق وأعلى من كل متاع: {فهو في عيشة راضية. في جنة عالية. قطوفها دانية. كلوا وشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية}.. وهذا اللون من النعيم، مع هذا اللون من التكريم في الالتفات إلى أهله بالخطاب وقوله: {كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية}.. فوق أنه اللون الذي تبلغ إليه مدارك المخاطبين بالقرآن في أول العهد بالصلة بالله، قبل أن تسمو المشاعر فترى في القرب من الله ما هو أعجب من كل متاع.. فوق هذا فإنه يلبي حاجات نفوس كثيرة على مدى الزمان. والنعيم ألوان غير هذا وألوان.. {وأما من أوتي كتابه بشماله} وعرف أنه مؤاخذ بسيئاته، وأن إلى العذاب مصيره، فيقف في هذا المعرض الحافل الحاشد، وقفة المتحسر الكسير الكئيب.. {فيقول: يا ليتني لم أوت كتابيه! ولم أدر ما حسابيه! يا ليتها كانت القاضية! ما أغنى عني ماليه! هلك عني سلطانيه!}.. وهي وقفة طويلة، وحسرة مديدة، ونغمة يائسة، ولهجة بائسة. والسياق يطيل عرض هذه الوقفة حتى ليخيل إلى السامع أنها لا تنتهي إلى نهاية، وأن هذا التفجع والتحسر سيمضي بلا غاية! وذلك من عجائب العرض في إطالة بعض المواقف، وتقصير بعضها، وفق الإيحاء النفسي الذي يريد أن يتركه في النفوس. وهنا يراد طبع موقف الحسرة وإيحاء الفجيعة من وراء هذا المشهد الحسير. ومن ثم يطول ويطول، في تنغيم وتفصيل. ويتمنى ذلك البائس أنه لم يأت هذا الموقف، ولم يؤت كتابه، ولم يدر ما حسابه؛ كما يتمنى أن لو كانت هذه القارعة هي القاضية، التي تنهي وجوده أصلاً فلا يعود بعدها شيئاً.. ثم يتحسر أن لا شيء نافعه مما كان يعتز به أو يجمعه: {ما أغنى عني ماليه}.. {هلك عني سلطانيه}.. فلا المال أغنى أو نفع. ولا السلطان بقي أو دفع.. والرنة الحزينة الحسيرة المديدة في طرف الفاصلة الساكنة وفي ياء العلة قبلها بعد المد بالألف، في تحزن وتحسر.. هي جزء من ظلال الموقف الموحية بالحسرة والأسى إيحاء عميقاً بليغاً.. ولا يقطع هذه الرنة الحزينة المديدة إلا الأمر العلوي الجازم، بجلاله وهوله وروعته: {خذوه. فغلوه، ثم الجحيم صلوه. ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه}.. يا للهول الهائل! ويا للرعب القاتل! ويا للجلال الماثل! {خذوه}.. كلمة تصدر من العلي الأعلى. فيتحرك الوجود كله على هذا المسكين الصغير الهزيل. ويبتدره المكلفون بالأمر من كل جانب، كما يقول ابن أبي حاتم بإسناده عن المنهال بن عمرو: "إذا قال الله تعالى: خذوه ابتدره سبعون ألف ملك. وإن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفاً في النار".. كلهم يبتدر هذه الحشرة الصغيرة المكروبة المذهولة! {فغلوه}.. فأي السبعين ألفاً بلغه جعل الغل في عنقه..! {ثم الجحيم صلوه}.. ونكاد نسمع كيف تشويه النار وتصليه.. {ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه}.. وذراع واحدة من سلاسل النار تكفيه! ولكن إيحاء التطويل والتهويل ينضح من وراء لفظ السبعين وصورتها. ولعل هذا الإيحاء هو المقصود!. فإذا انتهى الأمر، نشرت أسبابه على الحشود: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم. ولا يحض على طعام المسكين}.. إنه قد خلا قلبه من الإيمان بالله، والرحمة بالعباد. فلم يعد هذا القلب يصلح إلا لهذه النار وذلك العذاب. خلا قلبه من الإيمان بالله فهو موات، وهو خرب، وهو بور. وهو خلو من النور. وهو مسخ من الكائنات لا يساوي الحيوان بل لا يساوي الجماد. فكل شيء مؤمن، يسبح بحمد ربه، موصول بمصدر وجوده. أما هو فمقطوع من الله. مقطوع من الوجود المؤمن بالله. وخلا قلبه من الرحمة بالعباد. والمسكين هو أحوج العباد إلى الرحمة ولكن هذا لم يستشعر قلبه ما يدعو إلى الاحتفال بأمر المسكين. ولم يحض على طعامه وهي خطوة وراء إطعامه. توحي بأن هناك واجباً اجتماعياً يتحاض عليه المؤمنون. وهو وثيق الصلة بالإيمان. يليه في الميزان! {فليس له اليوم ها هنا حميم. ولا طعام إلا من غسلين. لا يأكله إلا الخاطئون}. وهي تكملة الإعلان العلوي عن مصير ذلك الشقي. فلقد كان لا يؤمن بالله العظيم، وكان لا يحض على طعام المسكين. فهو هنا مقطوع {فليس له اليوم ها هنا حميم}.. وهو ممنوع: {ولا طعام إلا من غسلين}.. والغسلين هو غسالة أهل جهنم من قيح وصديد!وهو يناسب قلبه النكد الخاوي من الرحمة بالعبيد! طعام {لا يأكله إلا الخاطئون}.. المذنبون المتصفون بالخطيئة.. وهو منهم في الصميم! وبعد، فذلك هو الذي يجعله الله مستحقاً للأخذ والغل والتصلية والسلسلة التي ذرعها سبعون ذراعاً في الجحيم. وهو أشد دركات جهنم عذاباً.. فكيف بمن يمنع طعام المسكين ومن يجيع الأطفال والنساء والشيوخ، ومن يبطش بطشة الجبارين بمن يمد إليهم يده باللقمة والكساء في برد الشتاء؟ أين ترى يذهب هؤلاء، وهم يوجدون في الأرض بين الحين والحين؟ وما الذي أعده الله لهم وقد أعد لمن لا يحض على طعام المسكين، ذلك العذاب في الجحيم؟ وينتهي هذا المشهد العنيف المثير. الذي لعله جاء في هذه الصورة المفزعة لأن البيئة كانت جبارة قاسية عنيدة تحتاج إلى عرض هذه المشاهد العنيفة كي تؤثر فيها وتهزها وتستحييها. ومثل هذه البيئة يتكرر في الجاهليات التي تمر بها البشرية، كما أنه يوجد في الوقت الواحد مع أرق البيئات وأشدها تأثراً واستجابة. لأن رقعة الأرض واسعة. وتوزيع المستويات والنفسيات فيها مختلف. والقرآن يخاطب كل مستوى وكل نفس بما يؤثر فيها، وبما تستجيب له حين يدعوها. والأرض تحتوي اليوم في بعض نواحيها قلوباً أقسى، وطبائع أجسى، وجبلات لا يؤثر فيها إلا كلمات من نار وشواظ كهذه الكلمات. ومشاهد وصور مثيرة كهذه المشاهد والصور المثيرة.. وفي ظل هذه المشاهد العنيفة المثيرة، المتوالية منذ أول السورة، مشاهد الأخذ في الدنيا والآخرة، ومشاهد التدمير الكونية الشاملة، ومشاهد النفوس المكشوفة العارية، ومشاهد الفرحة الطائرة والحسرة الغامرة.. في ظل هذه المشاهد العميقة الأثر في المشاعر يجيء التقرير الحاسم الجازم عن حقيقة هذا القول الذي جاءهم به الرسول الكريم، فتلقوه بالشك والسخرية والتكذيب: {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر، قليلاً ما تؤمنون. ولا بقول كاهن، قليلاً ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين}.. إن الأمر لا يحتاج إلى قسم وهو واضح هذا الوضوح، ثابت هذا الثبوت، واقع هذا الوقوع. لا يحتاج إلى قسم أنه حق، صادر عن الحق، وليس شعر شاعر، ولا كهانة كاهن، ولا افتراه مفتر! لا. فما هو بحاجة إلى توكيد بيمين: {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون؟}.. بهذه الفخامة وبهذه الضخامة، وبهذا التهويل بالغيب المكنون، إلى جانب الحاضر المشهود.. والوجود أضخم بكثير مما يرى البشر. بل مما يدركون. وما يبصر البشر من الكون وما يدركون إلا أطرافاً قليلة محصورة، تلبي حاجتهم إلى عمارة هذه الأرض والخلافة فيها ـ كما شاء الله لهم ـ والأرض كلها ليست سوى هباءة لا تكاد ترى أو تحس في ذلك الكون الكبير. والبشر لا يملكون أن يتجاوزوا ما هو مأذون لهم برؤيته وبإدراكه من هذا الملك العريض، ومن شؤونه وأسراره ونواميسه التي أودعها إياه خالق الوجود.. {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون}.. ومثل هذه الإشارة تفتح القلب وتنبه الوعي إلى أن هناك وراء مد البصر ووراء حدود الإدراك جوانب وعوالم وأسراراً أخرى لا يبصرها ولا يدركها. وتوسع بذلك آفاق التصور الإنساني للكون والحقيقة. فلا يعيش الإنسان سجين ما تراه عيناه، ولا أسير ما يدركه وعيه المحدود. فالكون أرحب والحقيقة أكبر من ذلك الجهاز الإنساني المزود بقدر محدود من الطاقة يناسب وظيفته في هذا الكون. ووظيفته في الحياة الدنيا هي الخلافة في هذه الأرض.. ولكنه يملك أن يكبر ويرتفع إلى آماد وآفاق أكبر وأرفع حين يستيقن أن عينه ومداركه محدودة، وأن هناك وراء ما تدركه عينه ووعيه عوالم وحقائق أكبر ـ بما لا يقاس ـ مما وصل إليه.. عندئذ يتسامى على ذاته ويرتفع على نفسه، ويتصل بينابيع المعرفة الكلية التي تفيض على قلبه بالعلم والنور والاتصال المباشر بما وراء الستور! إن الذين يحصرون أنفسهم في حدود ما ترى العين، ويدرك الوعي، بأدواته الميسرة له.. مساكين! سجناء حسهم وإدراكهم المحدود. محصورون في عالم ضيق على سعته، صغير حين يقاس إلى ذلك الملك الكبير.. وفي فترات مختلفة من تاريخ هذه البشرية كان كثيرون أو قليلون يسجنون أنفسهم بأيديهم في سجن الحس المحدود، والحاضر المشهود؛ ويغلقون على أنفسهم نوافذ المعرفة والنور، والاتصال بالحق الكبير، عن طريق الإيمان والشعور. ويحاولون أن يغلقوا هذه النوافذ على الناس بعد ما أغلقوها على أنفسهم بأيديهم.. تارة باسم الجاهلية. وتارة باسم العلمانية! وهذه كتلك سجن كبير. وبؤس مرير. وانقطاع عن ينابيع المعرفة والنور! والعلم يتخلص في هذا القرن الأخير من تلك القضبان الحديدية التي صاغها ـ بحمق وغرور ـ حول نفسه في القرنين الماضيين.. يتخلص من تلك القضبان، ويتصل بالنور ـ عن طريق تجاربه ذاتها ـ بعد ما أفاق من سكرة الغرور والاندفاع من أسر الكنيسة الطاغية في أوربا؛ وعرف حدوده، وجرب أن أدواته المحدوده تقوده إلى غير المحدود في هذا الكون وفي حقيقته المكنونة. وعاد "العلم يدعو إلى الإيمان" في تواضع تبشر أوئله بالفرج! أي نعم بالفرج. فما يسجن الإنسان نفسه وراء قضبان المادة الموهومة إلا وقد عليه الضيق! ولقد رأينا عالماً مثل ألكسيس كاريل الطبيب المتخصص في بحوث الخلية ونقل الدم والمشتغل بالطب علماً وجراحة وإشرافاً على معاهد العلاج والنظريات العلاجية، وصاحب جائزة نوبل سنة 1912ومدير معهد الدراسات الإنسانية بفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية يرى: "أن الكون على رحبه مملوء بعقول فعالة غير عقولنا، وأن العقل الإنساني هاد قاصد بين دروب التيه التي حوله إذا كان معوله كله على هدايته. وأن الصلاة من وسائل الاتصال بالعقول التي حولنا، وبالعقل الأبدي المسيطر على مقادير الأكوان قاطبة، فيما هو ظاهر لنا وما هو محتجب عنا في طي الخفاء". "وأن الشعور بالقداسة مع غيره من قوى النشاط الروحاني له شأن خاص في الحياة، لأنه يقيمنا على اتصال بآفاق الخفاء الهائل من عالم الروح".. ورأينا طبيباً آخر مثل "دي نوي" الذي اشتغل بمباحث التشريح والعلم الطبيعي، وعمل مع الأستاذ كوري وقرينته، واستدعاه معهد روكفلر لمواصلة بحث مع أعضائه في خصائص وعلاج الجراح.. يقول: "كثير من الأذكياء وذوي النية الحسنة يتخيلون أنهم لا يستطيعون الإيمان بالله لأنهم لا يستطيعون أن يدركوه. على أن الإنسان الأمين الذي تنطوي نفسه على الشوق العلمي لا يلزمه أن يتصور الله إلا كما يلزم العالم الطبيعي أن يتصور الكهرب. فإن التصور في كلتا الحالتين ناقص وباطل. وليس الكهرب قابلاً للتصور في كيانه المادي! وإنه مع هذا لأثبت في آثاره من قطعة الخشب".. ورأينا عالماً طبيعياً مثل سير أرثر طومسون المؤلف الاسكتلندي الشهير يقول: "إننا في زمن شفت فيه الأرض الصلبة، وفقد فيه الأثير كيانه المادي، فهو أقل الأزمنة صلاحاً للغلو في التأويلات المادية". ويقول في مجموعة "العلم والدين": "ليس للعقل المتدين أن يأسف اليوم لأن العالم الطبيعي لا يخلص من الطبيعة إلى رب الطبيعة. إذ ليست هذه وجهته. وقد تكون النتيجة أكبر جداً من المقدمة إذا خرج العلماء بالاستنتاج من الطبيعة إلى ما فوق الطبيعة. إلا أننا خلقاء أن نغتبط لأن العلماءالطبيعيين قد يسروا للنزعة الدينية أن تتنفس في جو العلم، حيث لم يكن ذلك يسيراً في أيام آبائنا وأجدادنا.. فإذا لم يكن عمل الطبيعيين أن يبحثوا في الله ـ كما زعم مستر لانجدون دافيز خطأ في كتابه البديع عن الإنسان وعالمه ـ فنحن نقرر عن روية أن أعظم خدمة قام بها العلم، أنه قاد الإنسان إلى فكرة عن الله أنبل وأسمى، ولا نجاوز المعنى الحرفي حين نقول: إن العلم أنشأ للإنسان سماء جديدة وأرضاً جديدة، وحفزه من ثم إلى غاية جهده العقلي، فإذا به، في كثير من الأحيان، لا يجد السلام إلا حيث يتخطى مدى الفهم، وذلك في اليقين والاطمئنان إلى الله". ورأينا عالماً مثل "ا. كريسي موريسون" رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك وعضو المجلس التنفيذي لمجلس البحوث القومي بالولايات المتحدة سابقاً يقول في كتابه: "الإنسان لا يقوم وحده": "إننا نقترب فعلاً من عالم المجهول الشاسع، إذ ندرك أن المادة كلها قد أصبحت من الوجهة العلمية مجرد مظهر لوحدة عالمية هي في جوهرها كهربائية. ولكن مما لا ريب فيه أن المصادفة لم يكن لها دخل في تكوين الكون، لأن هذا العالم العظيم خاضع للقانون". "إن ارتقاء الإنساني الحيواني إلى درجة كائن مفكر شاعر بوجوده، هو خطوه أعظم من أن تتم عن طريق التطور المادي، ودون قصد ابتداعي". "وإذا قبلت واقعية القصد، فإن الإنسان بوصفه هذا قد يكون جهازاً. ولكن ما الذي يدير هذا الجهاز؟ لأنه بدون أن يدار لا فائدة منه. والعلم لا يعلل من يتولى إدارته، وكذلك لا يزعم أنه مادي". "لقد بلغنا من التقدم درجة تكفي لأن نوقن بأن الله قد منح الإنسان قبساً من نوره...". وهكذا بدأ العلم يخرج من سجن المادية وجدرانها بوسائله الذاتية، فيتصل بالجو الطليق الذي يشير القرآن إليه بمثل تلك الآية الكريمة: {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون}. ونظائره المتعددة. وإن يكن بيننا نحن من أقزام التفكير والشعور من لا يزال يغلق بكلتا يديه نوافذ النور على نفسه وعلى من حوله باسم العلم! في تخلف عقلي عن العلم، وفي تخلف روحي عن الدين، وفي تخلف شعوري عن الحرية الطليقة في معرفة الحقيقة! وفي تخلف إنساني عما يليق بالكائن الإنساني الكريم! فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون.. {إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين}.. ولقد كان مما تقوّل به المشركون على القرآن وعلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولهم إنه شاعر. وإنه كاهن. متأثرين في هذا بشبهة سطحية، منشؤها أن هذا القول فائق في طبيعته على كلام البشر. وأن الشاعر في وهمهم له رئي من الجن يأتيه بالقول الفائق، وأن الكاهن كذلك متصل بالجن. فهم الذين يمدونه بعلم ما وراء الواقع! وهي شبهة تسقط عند أقل تدبر لطبيعة القرآن والرسالة، وطبيعة الشعر أو الكهانة.. فالشعر قد يكون موسيقي الإيقاع، رائع الأخيلة، جميل الصور والظلال؛ ولكنه لا يختلط أبداً ولا يشتبه بهذا القرآن إن هنالك فارقاً أساسياً فاصلاً بينهما. إن هذا القرآن يقرر منهجاً متكاملاً للحياة يقوم على حق ثابت، ونظرة موحدة، ويصدر عن تصور للوجود الإلهي ثابت، وللكون والحياة كذلك. والشعر انفعالات متوالية وعواطف جياشة، قلما تثبت على نظرة واحدة للحياة في حالات الرضى والغضب، والانطلاق والانكماش، والحب والكره، والتأثرات المتغيرة على كل حال! هذا إلى أن التصور الذي جاء به القرآن قد أنشأه القرآن من الأساس، في كلياته وجزئياته، مع تعين مصدره الإلهي. فكل ما في هذا التصور يوحي بأنه ليس من عمل البشر، فليس من طبيعة البشر أن ينشئوا تصوراً كونياً كاملاً كهذا التصور.. لم يسبق لهم هذا ولم يلحق.. وهذا كل ما أبدعته قرائح البشر من تصورات للكون وللقوة المنشئة له المدبرة لنظامه.. هذا هو معروضاً مسجلاً في الفلسفة وفي الشعر وفي غيرها من المذاهب الفكرية؛ فإذا قرن إلى التصور القرآني وضح أن هذا التصور صادر من جهة غير تلك الجهة! وأنه متفرد بطابع معين يميزه من كل تصورات البشر. كذلك الأمر في الكهانة وما يصدر عنها. فلم يعرف التاريخ من قبل أو بعد كاهناً أنشأ منهجاً متكاملاً ثابتاً كالمنهج الذي جاء به القرآن. وكل ما نقل عن الكهنة أسجاع لفظية أو حكمة مفردة، أو إشارة ملغزة! وهناك لفتات ليس من طبيعة البشر أن يلتفتوها، وقد وقفنا عند بعضها في هذه الظلال أحياناً. فلم يسبق لبشر ولم يلحق كذلك أن أراد التعبير عن العلم الشامل الدقيق اللطيف، فاتجه إلى مثل هذه الصورة التي جاءت في القرآن: {أية : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين }تفسير : أو إلى مثل هذه الصورة: {أية : يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها، وهو معكم أين ما كنتم، والله بما تعملون بصير }تفسير : أو إلى مثل هذه الصورة: {أية : وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه. وما يُعمَّرُ من مُعمَّر ولا يُنقَص من عمره إلا في كتاب. إن ذلك على الله يسير } تفسير : كذلك لم يسبق لبشر ولم يلحق أن التفت مثل هذه اللفتة إلى القدرة التي تمسك هذا الكون وتدبره: {أية : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده }تفسير : أو هذه اللفتة إلى انبثاقات الحياة في الكون من يد القدرة المبدعة وما يحيط بالحياة من موافقات كونية مدبرة مقدرة: {أية : إن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي. ذلكم الله. فأنى تؤفكون. فالق الإصباح. وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً، ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون. وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع، قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون. وهو الذي أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به نبات كل شيء، فأخرجنا منه خضراً، نخرج منه حباً متراكباً، ومن النخل من طلعها قنوان دانية، وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه. انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون }.. تفسير : وهذه اللفتات الكونية كثيرة في القرآن كثرة ملحوظة، ولا نظير لها فيما تتجه إليه خواطر البشر للتعبير عن مثل المعاني التي يعبر عنها القرآن.. وهذه وحدها كافية لمعرفة مصدر هذا الكتاب.. بغض النظر عن كل دلالة أخرى من صلب الكتاب أو من الملابسات المصاحبة له على السواء. فالشبهة واهية سطحية. حتى حين كان القرآن لم يكتمل، ولم تتنزل منه إلا سور وآيات عليها ذلك الطابع الإلهي الخاص، وفيها ذلك القبس الموحي بمصدرها الفريد. وكبراء قريش كانوا يراجعون أنفسهم، ويردون على هذه الشبهة بين الحين والحين. ولكن الغرض يعمي ويصم. وإذ لم يهتدوا به فسيقولون: هذا إفك قديم. كما يقول القرآن الكريم! وقد حكت كتب السيرة مواقف متعددة لزعماء قريش، وهم يراجعون هذه الشبهة وينفونها فيما بينهم. من ذلك ما رواه ابن اسحق عن الوليد بن المغيرة، وعن النضر بن الحارث، وعن عتبة بن ربيعة وقد جاء في روايته عن الأول: "ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش. وكان ذا سن فيهم؛ وقد حضر الموسم. فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا؛ فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً، فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأياً نقل به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول: كاهن. قال: لا والله، ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر؛ لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم.. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: هو ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس ـ حين قدموا الموسم ـ لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره..". وحكى عن الثاني (النضر بن الحارث) قال: "فقال يا معشر قريش. إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد. قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر! لا والله، ما هو بساحر. لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم. وقلتم كاهن! لا والله ما هو بكاهن. قد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم. وقلتم: شاعر! لا والله ما هو بشاعر. قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه. وقلتم: مجنون! لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه. يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم..". والمطابقة تكاد تكون تامة ـ بين قوله وقول عتبة. وقد يكون هو حادثاً واحداً نسب مرة إلى هذا ومرة إلى ذاك. ولكن لا نستبعد كذلك أن يتطابق قولان لرجلين من كبار قريش في موقفين متشابهين من مواقف حيرتهم تجاه هذا القرآن! وأما موقف عتبة فقد سبقت حكايته في استعراضنا لسورة القلم في هذا الجزء.. وهو قريب من موقف الوليد والنضر تجاه محمد وتجاه القول الذي جاء به.. فما كان قولهم: ساحر أو كاهن، إلا حيلة ماكرة أحياناً وشبهة مفضوحة أحياناً. والأمر أوضح من أن يلتبس عند أول تدبر وأول تفكير. وهو من ثم لا يحتاج إلى قسم بما يعملون وما لا يعلمون: إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر. ولا بقول كاهن.. إنما هو تنزيل من رب العالمين. وتقرير أنه قول رسول كريم لا يعني أنه من إنشائه، ولكن المراد هنا أنه قول من نوع آخر. لا يقوله شاعر، ولا يقوله كاهن، إنما يقوله رسول، يرسل به من عند الله، فيحمله من هناك، من ذلك المصدر الذي أرسله. والذي يعين هذا المعنى هو كلمة رسول. أي مرسل به من عند ربه، وليس شاعراً ولا كاهناً يقوله من عند نفسه. أو بمساعدة رئي أو شيطان.. إنما هو رسول يقول ما يحمله عمن أرسله. ويقرر هذا تقريراً حاسماً ما جاء بعده: {تنزيل من رب العالمين}.. والتعقيب: {قليلاً ما تؤمنون}.. {قليلاً ما تذكرون}.. مدلوله نفي الإيمان، ونفي التذكر. وفق تعبيرات اللغة المألوفة. وفي الحديث في وصف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إنه كان يقل اللغو"تفسير : . أي لا يلغو أصلاً.. فقد نفى عنهم أصل الإيمان وأصل التذكر. وإلا فما يقول مؤمن عن الرسول: إنه شاعر، ولا يقول متذكر متدبر: إنه كاهن. إنما هما الكفر والغفلة ينضحان بهذا القول النكير! وفي النهاية يجيء ذلك التهديد الرعيب، لمن يفتري على الله في شأن العقيدة وهي الجد الذي لا هوادة فيه. يجيء لتقرير الاحتمال الواحد الذي لا احتمال غيره، وهو صدق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمانته فيما أبلغه إليهم أو يبلغه. بشهادة أن الله لم يأخذه أخذاً شديداً. كما هو الشأن لو انحرف أقل انحراف عن أمانة التبليغ: {ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين}.. ومفاد هذا القول من الناحية التقريرية أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ صادق فيما أبلغهم. وأنه لو تقول بعض الأقاويل التي لم يوج بها إليه، لأخذه الله فقتله على هذا النحو الذي وصفته الآيات. ولما كان هذا لم يقع فهو لا بد صادق. هذه هي القضية من الناحية التقريرية.. ولكن المشهد المتحرك الذي ورد فيه هذا التقرير شيء آخر، يلقي ظلالاً بعيدة وراء المعنى التقريري. ظلالاً فيها رهبة وفيها هول. كما أن فيها حركة وفيها حياة. ووراءها إيحاءات وإيماءات وإيقاعات! فيها حركة الأخذ باليمين وقطع الوتين. وهي حركة عنيفة هائلة مروعة حية في الوقت ذاته. ووراءها الإيحاء بقدرة الله العظيمة وعجز المخلوق البشري أمامها وضعفه.. البشر أجمعين.. كما أن وراءها الإيمان إلى جدية هذا الأمر التي لا تحتمل تسامحاً ولا مجاملة لأحد كائنا من كان. ولو كان هو محمد الكريم عند الله الأثير الحبيب. ووراءها بعد هذا كله إيقاع الرهبة والهول والخشوع! وأخيراً تجيء الخاتمة التقريرية بحقيقة هذا الأمر وطبيعته القوية: {وإنه لتذكرة للمتقين. وإنا لنعلم أن منكم مكذبين. وإنه لحسرة على الكافرين. وإنه لحق اليقين}. فهذا القرآن يذكر القلوب التقية فتذكر. إن الحقيقة التي جاء بها كامنة فيها. فهو يثيرها فيها ويذكرها بها فتتذكرها. فأما الذين لا يتقون فقلوبهم مطموسة غافلة لا تتفتح ولا تتذكر، ولا تفيد من هذا الكتاب شيئاً. وإن المتقين ليجدون فيه من الحياة والنور والمعرفة والتذكير ما لا يجده الغافلون. {وإنا لنعلم أن منكم مكذبين}.. ولكن هذا لا يؤثر في حقيقة هذا الأمر، ولا يغير من هذه الحقيقة. فأمركم أهون من أن يؤثر في حقائق الأمور. {وإنه لحسرة على الكافرين}.. بما يرفع من شأن المؤمنين، ويحط من قدر المكذبين وبما ينتهي إليه من إقرار الحق وإزهاق الباطل الذي يستمسك به الكافرون. ثم إنه حجة عليهم عند الله في اليوم الآخر، يعذبون به، ويتحسرون لما يصيبهم بسببه. فهو حسرة على الكافرين في الدنيا والآخرة. {وإنه لحق اليقين}.. مع تكذيب المكذبين. حق اليقين. فليس مجرد اليقين، ولكنه الحق في هذا اليقين. وهو تعبير خاص يضاعف المعنى ويضاعف التوكيد. وإن هذا القرآن لعميق في الحق، عميق في اليقين. وإنه ليكشف عن الحق الخالص في كل آية ما يشي بأن مصدره هو الحق الأول الأصيل.. فهذه هي طبيعة هذا الأمر وحقيقته المستيقنة. لا هو قول شاعر. ولا هو قول كاهن. ولا هو تقول على الله. إنما هو التنزيل من رب العالمين. وهو التذكرة للمتقين. وهو حق اليقين. هنا يجيء التلقين العلوي للرسول الكريم، في أنسب وقت وأنسب حالة لهذا التلقين: {فسبح باسم ربك العظيم}.. والتسبيح بما فيه من تنزيه وتمجيد. وبما فيه من اعتراف وتحقيق. وبما فيه من عبودية وخشوع.. هو الشعور الذي يخالج القلب، بعد هذا التقرير الأخير، وبعد ذلك الاستعراض الطويل، لقدرة الله العظيم، وعظمة الرب الكريم..

ابن عاشور

تفسير : {الحاقة} صيغة فاعِل من: حقّ الشِيء إذا ثبت وقوعه، والهاء فيها لا تخلو عن أن تكون هاء تأنيث فتكون {الحاقة} وصفاً لموصوف مقدر مؤنث اللفظ، أو أن تكون هاء مصدر على وزن فاعلة مثل الكاذبة للكذب، والخاتمة للختم، والباقية للبقاء والطاغية للطغيان، والنافلة، والخاطئة، وأصلها تاء المرة، ولكنها لما أريد المصدر قُطع النظر عن المرة مثل كثير من المصادر التي على وزن فَعْلة غير مراد به المرة مثل قولهم ضَربة لاَزِب. فالحاقة إذْن بمعنى الحق كما يقال «مِن حاقِّ كذا»، أي من حقه. وعلى الوجهين فيجوز أن يكون المراد بالحاقّة المعنى الوصفي، أي حادثة تحق أو حَقٌّ يحق. ويجوز أن يكون المراد بها لَقباً ليوم القيامة، وروي ذلك عن ابن عباس وأصحابه وهو الذي درج عليه المفسرون فلقب بذلك «يوم القيامة» لأنه يوم محقق وقوعُه، كما قال تعالى: {أية : وتنذِر يوم الجمع لا ريب فيه}تفسير : [الشورى: 7]، أو لأنه تحق فيه الحقوق ولا يضاع الجزاء عليها، قال تعالى {أية : ولا يُظلمون فتيلاً}تفسير : [النساء: 49] وقال: {أية : فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يَره}تفسير : [الزلزلة: 7ــ 8]. وإيثار هذه المادة وهذه الصيغة يسمح باندراج معان صالحة بهذا المقام فيكون ذلك من الإِيجاز البديع لتذهب نفوس السامعين كل مذهب ممكن من مذاهب الهول والتخويف بما يحق حلوله بهم. فيجوز أيضاً أن تكون {الحاقة} وصفاً لموصوف محذوف تقديره: الساعة الحاقة، أو الواقعة الحاقة، فيكون تهديداً بيوم أو وقعة يكون فيها عقاب شديد للمعرَّض بهم مثل يوم بدر أو وقعتِه وأن ذلك حق لا ريب في وقوعه؛ أو وصفاً للكلمة، أي كلمة الله التي حقت على المشركين من أهل مكة، قال تعالى: {أية : كذلك حَقَّت كلمة ربّك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار}تفسير : [غافر: 6]، أو التي حقّت للنبي صلى الله عليه وسلم أنه ينصره الله، قال تعالى: {أية : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إِنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون فتولّ عنهم حتى حين}تفسير : [الصافات: 171ــ 174]. ويجوز أن تكون مصدراً بمعنى الحق، فيصح أن يكون وصفاً ليوم القيامة بأنه حق كقوله تعالى: {أية : واقترب الوعد الحق}تفسير : [الأنبياء: 97]، أو وصفاً للقرآن كقوله: {أية : إن هذا لهو القصص الحق}تفسير : [آل عمران: 62]، أو أريد به الحق كله مما جاء به القرآن من الحق قال تعالى: {أية : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق}تفسير : [الجاثية: 29] وقال: {أية : إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق}تفسير : [الأحقاف: 30]. وافتتاح السورة بهذا اللفظ ترويع للمشركين. و {الحاقّة} مبتدأ و {مَا} مبتدأ ثان. و {الحاقّة} المذكورة ثانياً خبر المبتدأ الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول. و {ما} اسم استفهام مستعمل في التهويل والتعظيم كأنه قيل: أتدْري ما الحاقة؟ أي ما هي الحاقة، أيْ شيءٌ عظيم الحاقّةُ. وإعادة اسم المبتدأ في الجملة الواقعة خبراً عنه تقوم مقام ضميره في ربط الجملة المخبر بها. وهو من الإِظهار في مقام الإِضمار لقصد ما في الاسم من التهويل. ونظيره في ذلك قوله تعالى: {أية : وأصحابُ اليمين ما أصحابُ اليمين}تفسير : [الواقعة: 27]. وجملة {ومَا أدراك ما الحاقّة} يجوز أن تكون معترضة بين جملة {ما الحاقّة} وجملة {أية : كذبت ثمود وعاد بالقارعة}تفسير : [الحاقة: 4]، والواو اعتراضية. ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة {ما الحاقة}. و {مَا} الثانية استفهامية، والاستفهام بها مكنَّى به عن تعذر إحاطة علم الناس بكنه الحاقّة لأن الشيء الخارج عن الحد المألوف لا يتصور بسهولة فمن شأنه أن يُتساءل عن فهمه. والخطابُ في قوله: {وما أدراك} لغير معيَّن. والمعنى: الحاقة أمر عظيم لا تدركون كُنْهَهُ. وتركيب «مَا أدراك كذا» مما جرى مجرى المثل فلا يغير عن هذا اللفظ وهو تركيب مركب من {ما} الاستفهامية وفعل (أدرى) الذي يتعدى بهمزة التعدية إلى ثلاثة مفاعيل من باب أعلمَ وأرى، فصار فاعل فعله المجرد وهو (دَرى) مفعولاً أول بسبب التعدية. وقد علق فعل {أدراك} عن نصب مفعولين بـ {ما} الاستفهامية الثانية في قوله: {مَا الحاقّة}. وأصل الكلام قبل التركيب بالاستفهام أن تقول: أدركْتُ الحاقّة أمراً عظيماً، ثم صار أدْركني فلان الحاقّة أمراً عظيماً. و {ما} الأولى استفهامية مستعملة في التهويل والتعظيم على طريقة المجاز المرسل في الحرف، لأن الأمر العظيم من شأنه أن يستفهم عنه فصار التعظيم والاستفهام متلازمين. ولك أن تجعل الاستفهام إنكارياً، أي لا يدري أحد كنه هذا الأمر. والمقصود من ذلك على كلا الاعتبارين هو التهويل. هذا السؤال كما تقول: علمت هل يسافر فلان. و {مَا} الثالثة علقت فعل {أدراك} عن العمل في مفعولين. وكاف الخطاب فيه خطاب لغير معين فلذلك لا يقترن بضمير تثنية أو جمع أو تأنيث إذا خوطب به غير المفرد المذكر. واستعمال {ما أدراك} غير استعمال {ما يدريك} في قوله تعالى: {أية : وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً}تفسير : [الأحزاب: 63] وقوله: {أية : وما يدريك لعل الساعة قريب} تفسير : في سورة الشورى (17). روي عن ابن عباس: "كل شيء من القرآن من قوله: {ما أدراك} فقد أدرَاه وكل شيء من قوله: {وما يدريك} فقد طُوي عنه». وقد روي هذا أيضاً عن سفيان بن عيينة وعن يحيى بن سلاّم فإن صح هذا المروي فإن مرادهم أن مفعول {ما أدراك} محقق الوقوع لأن الاستفهام فيه للتهويل وأن مفعول {ما يدريك} غير محقق الوقوع لأن الاستفهام فيه للإِنكار وهو في معنى نفي الدراية. وقال الراغب: كل موضع ذُكر في القرآن {وما أدراك} فقد عقب ببيانه نحو {أية : وما أدراك ماهيه نار حامية}تفسير : [القارعة: 10 ــ 11]، {أية : وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر}تفسير : [القدر: 2 ــ 3]، {أية : ثم ما أدراك ما يوم الدين يومَ لا تملك نفس لنفس شيئاً}تفسير : [الانفطار: 18 ــ 19]، {أية : وما أدراك ما الحاقّة كذبت ثمود وعاد بالقارعة}تفسير : [الحاقة: 3 ــ 4]، وكأنه يريد تفسير ما نقل عن ابن عباس وغيره. ولم أرَ من اللغويين من وفَّى هذا التركيب حقه من البيان وبعضهم لم يذكره أصلاً.

الشنقيطي

تفسير : الحاقة من أسماءِ القيامة وجاء بعدها {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ}تفسير : [الحاقة: 4] وهي من أسماء القيامة أيضاً، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ}تفسير : [القارعة: 3-4] الآية. سميت بالحاقة لأنه يحق فيها وعد الله بالبعث والجزاء، وسميت بالقارعة، لأنها تقرع القلوب بهولها {أية : وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ}تفسير : [الحج: 2]. كما سميت الواقعة {أية : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}تفسير : [الواقعة: 2].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1، 2- القيامة الواقعة حقاً. ما القيامة الواقعة حقاً؟. 3- وأى شئ أدراك حقيقتها، وصور لك هولها وشدتها؟. 4- كذبت ثمود وعاد بالقيامة التى تقرع العالمين بأهوالها وشدائدها. 5- فأما ثمود فأهلكوا بالواقعة التى جاوزت الحد فى الشدة. 6- وأما عاد فأهلكوا بريح باردة عنيفة متمردة. 7- سلَّطَهَا الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام متتابعة لا تنقطع، فترى القوم فى مهاب الريح موتى كأنهم أصول نخل خاوية أجوافها. 8- فهل ترى لهم من نفس باقية دون هلاك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الحاقة: أي الساعة الواجبة الوقوع وهي القيامة. بالقارعة: أم بالقيامة لأنها تقرع القلوب بالخوف والهول. فأهلكوا بالطاغية: أي بطغيانهم وعتوهم عن أمر ربهم فأخذتهم صيحة طاغية أيضاً. بريح صرصر عاتية: أي ذات صوت لشدة عصوفها عاتية على خزانها في الهبوب. حسوماً: أي متتابعات الهبوب بلا فاصل كتتابع الكيّ القاطع للداء. كأنهم أعجاز نخل خاوية: أي أصول نخل ساقطة فارغة ليس في جوفها شيء. والمؤتفكات بالخاطئة: أي أهلها وهي قرى لوط بالفعلات ذات الخطأ. أخذة رابية: أي زائدة في الشدة على غيرها. لما طغا الماء: أي علا فوق كل شيء من الجبال وغيرها. حملناكم في الجارية: أي السفينة التي صنعها نوح ونجا بها هو ومن معه من المؤمنين. وتعيها أذن واعية: أي وتحفظها أذن واعية أي حافظة لما تسمعٌ. معنى الآيات: قوله تعالى {ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ} أي أي شيء هي؟ وما أدراك ما الحاقة أي أي شيء أعلمك بها، والمراد بها القيامة لأنها حاقة المجيى واجبته لا محالة. وقوله تعالى {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ} أي كذبت ثمود قوم صالح وعاد قوم هود بالقارعة أي بالقيامة. فهم ككفار قريش مكذبون بالبعث والجزاء. فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية أي بطغيانهم وعتوهم عن أمر ربهم فأخذتهم صيحة طاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر أي ذات صوت شديد عاتية أي عتت على خزانها في الهبوب. سخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً أي متتابعات بلا انقطاع حسما لوجودهم كما يحسم الدواء بالكي الحاسم للداء المتتابع. وقوله تعالى فترى أيها الرسول القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية أي فترى القوم في تلك الليالي والأيام صرعى ساقطين على الأرض كأنهم أصول نخل ساقطة فارغة ليس في أجوافها شيء فهل ترى لهم من باقية أي من نسلهم لا شيء إذ هلكوا كلهم أجمعون، وقوله تعالى {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ} كقوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكات بالخاطئة أي بالأفعال الخاطئة وهي الشرك والمعاصي وبينها تعالى بقوله {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} أي زائدة في الشدة على غيرها وقوله تعالى {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} أي ماء الطوفان الذي أهلك الله به قوم نوح حملناكم في الجارية أي حملنا آباءكم في الجارية التي هي سفينة نوح عليه السلام وقوله لنجعلها لكم تذكرة أي لنجعل السفينة تذكرة لكم عظة وعبرة وتعيها أي وتحفظ هذه العظة أذن حافظة لا تنسى ما هو حق وخير من المعاني. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- بيان أن كلا من عاد وثمود كانوا يكذبون بالبعث وبيان ما أهلكهم الله به. 3- بيان أن معصية الرسول موجبة للعذاب الدنيوي والأخروي. 4- التذكير بحادثة الطوفان وما فيها من عظة وعبرة.

القطان

تفسير : الحاقة: القيامة، قال في لسان العرب: سُميت حاقة لأنها تحُق (بضم الحاء) كل انسان من خير او شر: ومثلها القارعة: فهي من أسماء يوم القيامة، سميت قارعة لشدة هولها. وما أدرك: اي شيء أعلمك ما هي؟. الطاغية: هي صيحة العذاب والصاعقة التي تأخذ الظالمين. بريحٍ صرصر: ريح باردة مهلكة لها صوت شديد. عاتية: بالغة العنف. سخّرها عليهم: سلطها عليهم. حسوما: تتابعت تلك الايام والليالي واستمرت حتى استأصلتهم. الحسم: القطع. أعجاز نخل خاوية: اصول النخل المقطوعة منذ زمن، فهي جوفاء فارغة. فهل ترى لهم من باقية: فهل ترى لهم أثرا باقيا؟ والمؤتفكات: المنقلبات، وهي قرى قوم لوط. بالخاطئة: بالأعمال الخاطئة الفاحشة. فأخذَهم أخذةً رابية: فأخذهم الله بذنوبهم أخذةً زائدة في الشدة. طغى الماء: زادَ وتجاوز حده وارتفع. حملناكم: حملنا آباءَكم. في الجارية: في السفينة التي تجري على الماء. تذكرة: موعظة. تعيَها: تفهمها وتحفظها. واعية: فاهمة حافظة. حُملت الأرض والجبال: رفعت من اماكنها وازيلت. فدُكتا دَكة واحدة: دُقَّت كلّ منهما وهُدمت. وقعت الواقعة: قامت القيامة. واهية: متداعية. والمَلَك على أرجائها: والملائكة واقفة على نواحيها. {ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ}. الحاقةُ هي القيامةُ كما بينّا: وهذا الأسلوبُ من الكلام يفيدُ التفخيمَ وتهويلَ الأمر. وهو مع التكرار يُقصد منه التخويفُ من شدائد ذلك اليوم وأهوالِه. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ}. أي شيء أعلَمَكَ بها أيّها الانسان!؟ إنها فوق ما تسمعه وتراه، وتتصوّره العقول، فهي خارجة عن دائرةِ علومِ المخلوقات، لعِظَم شأنها، ومدى هولها وشدتها. ثم ذكر اللهُ تعالى بعضَ الأمم التي كذّبت، فنزل بها ما نزل من العذاب، مثل ثمود وعادٍ الّذين كذبوا بالقيامة، فأهلكَ اللهُ ثمودَ بالصاعقة كما جَاءَ في سورة فصّلت {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [فصلت: 17]، وهذا معنى الطاغية، والرجفة كما جاء في سورة الأعراف.... واما عادٌ فأهلكهم الله بريحٍ باردة عنيفة، سلّطها عليهم سبعَ ليالي وثمانيَة أيام متتابعةٌ بلا انقطاع حتى أفناهم، {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} كأنّهم أصولُ نخلٍ متآكلة الأجواف فارغة، وأُبيدوا ولم يبقَ منهم أحد. كذلك فرعون وقومه أخذّهم الله بكفرهم. والمؤتفكاتُ أيضاً، قرى قوم لوط، لأن الله قَلَبَ تلك القرى فجعل عاليَها سافلَها بسبب خطيئتهم ومعصيتهم. وقد ذكر فرعونَ وقومَ لوطٍ وعاداً وثمود اكثر من مرة. ثم ذكر حادثة الطوفان زمن نوح باختصار. {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}. لما حصل الطوفان وارتفع الماء وجاوز حدَّه حتى علا فوق الجبال - حَمَلْنا آباءكم من مؤمني قومِ نوحٍ في السفينة، وأنجيناهم من الغرق. وذلك لنجعلَ نجاةَ المؤمنين وإغراقَ الكافرين عبرةً لكم وعظة، وتفهَمَها كل أُذُنٍ حافظةٍ سامعةٍ عن الله فتنتفع بما سمعت. وبعد ان قصّ الله علينا أخبارَ السابقين - شَرَعَ يفصّل لنا أحوال يوم الحاقّة والقيامة والقارعة والواقعة وما يكون فيه من أهوال: فاذا نَفخ الملَكُ النفخة الأولى يكون عندها خرابُ العالم، فتُزال الأرضُ والجبال عن اماكنها. {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ}. في ذلك اليوم تقوم القيامة، وتتصدّع السماءُ وتتشقّق، لأنها تكون ضعيفة واهية. وترى الملائكة واقفةً على جوانبها. {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}. من الملائكة الشِداد الاقوياء. {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ}. في ذلك اليوم تُعرضون امام الله وتحاسَبون على كل صغيرة وكبيرة لا يخفى على الله من اموركم شيء.. وهذا كله يجري بأمر الله، لا ندري كيف ومتى يكون، وكل امور الآخرة مخالفةٌ لأوضاعنا وعقولنا لا ندركها، فندعُ تفصيلَ ذلك. قراءات: قرأ الجمهور قَبله بفتح القاف وسكون الباء: اي من تقدمه من القرون الماضية. وقرأ ابو عمرو والكسائي: ومن قِبله بكسر القاف وفتح الباء اي ومن عنده من أتباعه. وقرأ الجمهور: لا تخفى منكم خافية بالتاء. وقرأ حمزة والكسائي: لا يخفى بالياء.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - الحَاقَّةُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ القِيَامَةِ لأَِنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِي ذَلِكَ اليَومِ الوَعْدُ وَالوَعِيدُ.

الثعلبي

تفسير : {ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ} أي القيامة، وسمّيت حاقّة لأنها حقّت فلا كاذبة لها. ولأن فيها حواق الأمور وحقائقها. ولأنّ فيها يحق الجزاء على الأعمال أي يجب، فيقال: حق عليه الشيء إذا وجب بحق حقوقاً، قال الله سبحانه: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الزمر: 71] وقال الكسائي والمؤرخ: الحاقة: يوم الحق، يقول العرب: لما عرفت الحق مني. والحاقة والحقّة هي ثلاث لغات بمعنى واحد، والحاقّة الأولى رفع بالإبتداء وخبره فيما بعده، وقيل: الحاقّة الأولى مرفوعة بالثانية؛ لأنّ الثانية بمنزلة الكتابة عنها كأنه عجب منها وقال: الحاقة ما هي؟ كما تقول: زيد ما زيد، والحاقّة الثانية مرفوعة بما، وما بمعنى أي شيء، وهو رفع بالحاقة الثانية، ومثله {أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ} تفسير : [القارعة: 1-2]، {أية : وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقعة: 27]، ونحوهما. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ} أي بالعذاب الذي نزل بهم حين وعدهم نبيّهم حتى هجم عليهم فقرع قلوبهم. وقال ابن عباس وقتادة: بالقيامة. {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} أي بطغيانهم وعصيانهم، وهي مصدر كالحاقة، وقيل: هي نعت مجازه: بفعلتهم الطاغية، وهذا معنى قول مجاهد وابن زيد، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ} تفسير : [الشمس: 11] وقال قتادة: يعني بالصيحة الطاغية التي جاوزت مقادير الصياح فاهمدتهم. {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} عتت على خزآنها فلم تطعهم وجاوزت المقدار. أخبرني الحسن قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا محمد بن حمدان بن سعد قال: حدّثنا أبو زرعة الرازي قال: حدّثنا المعافى بن سلمان البحراني قال: حدّثنا موسى بن عمر عن سعيد عن موسى بن المسيب عن شهر بن خوشب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أرسل الله سبحانه من ريح إلاّ بمكيال، ولا قطرة من ماء إلاّ بمكيال، إلاّ يوم عاد ويوم نوح، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزائن فلم يكن لهم عليها سبيل، ثمّ قرأ: بريح صرصر عاتية ". تفسير : {سَخَّرَهَا} أرسلها وسلطها. {عَلَيْهِمْ} والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار. {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} قال وهب: هي الأيام التي سمّاها العرب: أيام العجوز ذات برد ورياح شديدة وإنما نسبت هذه الأيام الى العجوز؛ لأن عجوزاً دخلت سرباً فتبعتها الريح فقتلها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب في اليوم الثامن. وقيل: سمّيت أيام العجوز؛ لأنها في عجز الشتاء ولها أسامي مشهورة. أنشدني أحمد بن محمد بن يوسف، قال: أنشدنا محمد بن طاهر الوزير قال: أنشدنا أبو الحسين محمد بن محمد ابن يحيى الصفار قال: أنشدنا محمد بن القيّم بن بشار قال: أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب الشاعر في وصف أيام العجوز: شعر : كُسِع الشتاء بسبعة غُبر أيّام شهلتنا من الشهر فبآمر وأخيه مؤتمر ومعلّل وبمطفئ الجمر ذهب الشتاء مولّياً عجلاً وأتتك وأقدة من النجر تفسير : واسم اليوم الثامن: مكفي الظعن. {حُسُوماً} قال ابن عباس: تباعاً، ومجاهد وقتادة: متابعة ليس فيها فترة، وعلى هذا القول هو من جسم الكي وهو أن تتابع عليه بالمكواة، وقال مقاتل والكلبي: دائمة، والضحاك: كاملة لم تفتر عنهم حتى أفنتهم، عطيّة: شؤما كأنّها حسمت الخير عن أهلها، الخليل: قطعاً لدابرهم، والحسم: القطع والمنع ومنه حسم الداء وحسم الدفاع، قال يمان والنظر بن شميل: حسمهم فقطعهم وأهلكهم وهو نصب على الحال والقطع. {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا} أي في تلك الليالي والأيام، {صَرْعَىٰ} هلكى جمع صريع {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ} أصول {نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} ساقطة، وقيل: خالية الأجواف. {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} بقاء. {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ} قرأ أبو عمرو والحسن والسلمي والحجري والكسائي ويقعوب: بكسر القاف وفتح الباء أي ومن معه من جنوده وأتباعه وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم اعتبار: بقراءة عبد الله وأبيّ ومن معه، وقرأ أبو موسى الأشعري: ومن تلقاه، وقرأ الآخرون: ومن قبله بفتح القاف وجزم الباء، أي ومن تقدّمه من القرون الخالية. {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ} قراءة العامّة بالألف، وقرأ الحسن والمؤتفكة: بغير ألف {بِالْخَاطِئَةِ} بالخطيئة والمعصية وهي الكفر {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} نامية عالية غالية. قال ابن عباس: شديدة، وقيل: زائدة على عذاب الأمم. {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} أي عتا فخرج بلا وزن ولا كيل. قال قتادة: طغى الماء فوق كل شيء خمسة عشر ذراعاً {حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} السفينة {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} عبرة وموعظة {وَتَعِيَهَآ} قرأ طلحة بإسكان على العين تشبها بقوله: {وارنا}، واختلف فيه عن عاصم وابن بكر وهي قراءة رديئة غير قويّة، الباقون: مشبع. {أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} عقلت عن الله ما سمعت. الفاربي بن فنجويه، قال: حدّثنا ابن حيان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا عليّ بن عليّ قال: حدّثنا أبو حمزة الثمالي قال: حدثني عبد الله بن الحسن قال: حين نزلت هذه الآية {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سألت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ" قال علي: فما نسيت شيئاً بعد وما كان لي أن أنساه . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثني ابن حسن قال: حدّثنا أبو القيّم بن الفضل قال: حدّثنا محمد بن غالب بن الحرب قال: حدثني بشر بن آدم قال: حدثني عبد الله بن الزبير الأسدي قال: حدّثنا صالح بن ميثم قال: سمعت بريرة الأسلمي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "حديث : إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلّمك وأن تعي وأن حقّاً على الله سبحانه أن تعي"تفسير : قال: ونزلت {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}. {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} وهي النفخة الأولى {وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ} وما عليها {وَٱلْجِبَالُ} وما فيها {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً } فكسّر ودقّتا دقة واحدة فصارتا هباءاً منبثّاً، وإنّما قال: فدكّتا ولم يقل: دككن؛ لأنّه جعل الأرض كالشيء الواحد، وجعل الجبال كالشيء الواحد. {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} قامت القيامة {وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} ضعيفة {وَٱلْمَلَكُ} يعني الملائكة {عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} نواحيها وأقطارها، بلغة هذيل واحدها رجاء وتثنيته رجوان {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}. قال ابن عباس: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عددهم إلاّ الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين، فكانوا ثمانية ". تفسير : وأخبرنا الإمام أبو منصور الحمادي قال: حدّثنا الإمام أبو الوليد قال: حدّثنا جعفر قال: حدّثنا عليّ بن حجر قال: حدّثنا شريك عن سماك عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب في قوله سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} قال: ثمانية أملاك على صورة الأوعال. وفي الحديث: "حديث : إن لكلّ ملك منهم أربعة أوجه: وجه رجل، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر ". تفسير : وقيل: أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قول أمية بن أبي الصلت: شعر : رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأُخرى وليث مرصد والشمس تصبح كل آخر ليلة حمراء تصبح لونها يتورّد تأبى فما تطلع لنا في رسلها إلاّ معذّبة وإلاّ تجلّد تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صدق ". تفسير : وروى عن عليّ بن الحسن أنه قال: إنّ الله سبحانه خلق العرش رابعاً لم يخلق قبله إلاّ ثلاثة أشياء: الهواء، والقلم، والنور، ثمّ خلق من ألوان أنوار مختلفة، من ذلك نور أخضر منه اخضرت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرت الصفرة، ونور أحمر منه احمرت الحمرة، ونور أبيض فهو نور الأنوار، ومنه ضوء النهار ثمّ جعله سبعين ألف ألف ألف طبق ليس من ذلك طبق إلاّ يسبّح بحمده ويقدّسه بأصوات مختلفة لو أذن للسان منها أن تسمع لهدم الجبال والقصور ولخسف البحار.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شيبان عن جابر عن عكرمة في قوله، عز وجل: {ٱلْحَاقَّةُ} [الآية: 1]: القيامة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا شيبان عن منصور، عن مجاهد في قوله: {حُسُوماً} [الآية: 7]. قال: يعني متتابعة.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلْحَاقَّةُ} القيامة سيمت حاقة لأنها حقٌّ مقطوع بوقوعها {صَرْصَرٍ} شديدة الصوت والبرد {حُسُوماً} متتابعة لا تنقطع من الحسم وهو القطع قال الشاعر: شعر : "فدارت عليهم فكانت حُسوماً" تفسير : {رَّابِيَةً} زائدة في الشِّدة والعذاب {وَاهِيَةٌ} ساقطة القوة، ضعيفة متراخية من قولهم: وهي البناء اذا ضعف وتداعى للسقوط {هَآؤُمُ} اسم فعل أمر بمعنى خذوا {قُطُوفُهَا} جمع قطف وهو ما يجتنى من الثمر ويقطف {غِسْلِينٍ} صديد أهل النار قال الكلبي: هو ما يسيل من أهل النار من القيح والصديد والدم إذا عذبوا فهو {غِسْلِينٍ} فعلين من الغسل {ٱلْوَتِينَ} عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه ويسمى الأبهر وفي الحديث "ما زالت أكلةُ خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري" {حَسْرَةٌ} ندامة عظيمة. التفسِير: {ٱلْحَاقَّةُ} اسم للقيامة سميت بذلك لتحقق وقوعها، فهي حقٌ قاطع، وأمر واقع، لا شك فيه ولا جدال {مَا ٱلْحَآقَّةُ}؟ التكرار لتفخيم شأنها، وتعظيم أمرها، وكان الأصل أن يقال: ما هي؟ ولكنه وضع الظاهر موضع الضمير زيادة في التعظيم والتهويل {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ}؟ وما أعلمك يا محمد ما هي القيامة؟ إنك لا تعلمها إذ لم تعاينها، ولم تر ما فيها من الأهوال، فإِنها من العظم والشدة بحيث لا يحيط بها وصف ولا خيال، وهذا على طريقة العرب فإنهم إِذا أرادوا تشويق المخاطب لأمرٍ أتوا بصيغة الاستفهام يقولون: أتدري ماذا حدث؟ والآية من هذا القبيل زيادة في التعظيم والتهويل كأنه قال: إِنها شيء مريع وخطب فظيع.. ثم بعد أن عظَّم أمرها وفخَم شأنها، ذكر من كذَّب بها وما حلَّ بهم بسبب التكذيب، تذكيراً لكفار مكة وتخويفاً لهم فقال {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ} أي كذب قوم صالح، وقوم هود بالقيامة، التي تقرع القلوب بأهوالها {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} أي فأمَّا ثمود - قوم صالح - فأُهلكوا بالصيحة المدمرة، التي جاوزت الحدَّ في الشدة قال قتادة: هي الصيحة التي خرجت عن حدِّ كل صيحة {وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} أي وأما - قوم هود - فأُهلكوا بالريح العاصفة ذات الصوت الشديد وهي الدَّبور وفي الحديث "حديث : نصرتُ بالصبا، وأُهلكت عادٌ بالدَّبور"تفسير : {عَاتِيَةٍ} أي متجاوزة الحدَّ في الهبوب والبرودة، كأنها عتت على خزانها فلم يتمكنوا من ضبطها، قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إِلا بمكيال، ولا أنزل قطرة قطُّ إِلا بمكيال، إِلا يوم نوحِ ويوم عاد، فإِن الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سبيل ثم قرأ {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} وإِن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} أي سلطها الله عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام متتابعة لا تفتر ولا تنقطع {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ} أي فترى أيها المخاطب القوم في منازلهم موتى، لا حراك بهم {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} أي كأنهم أصول نخلٍ متآكلة الأجواف قال المفسرون: كانت الريح تقطع رؤوسهم كما تقطع رءوس النخل، وتدخل من أفواههم وتخرج من أدبارهم حتى تصرعهم، فيصبحوا كالنخلة الخاوية الجوف {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ}؟ أي فهل ترى أحداً من بقاياهم؟ أو تجد لهم أثراً؟ لقد هلكوا عن آخرهم كقوله تعالى {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ} أي وجاء فرعون الجبار، ومن تقدَّمه من الأمم الطاغية التي كفرت برسلها {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ} أي والأمم الذين انقلبت بهم ديارهم - قرى قوم لوط - حيث جعل الله عاليها سافلها قال الصاوي: {ٱلْمُؤْتَفِكَاتُ} أي المنقلبات وهي قرى قوم لوط، التي اقتلعها جبريل ورفعها على جناحه قرب السماء ثم قلبها، وكانت خمس قرى {بِالْخَاطِئَةِ} أي بالفعلة الخاطئة المنكرة، وهي الكفر والعصيان {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ} أي فعصى فرعون رسول الله موسى، وعصى قوم لوطٍ رسولهم لوطاً {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} أي فأخذهم الله أخذةً زائدةً في الشدة، على عقوبات من سبقهم، كما أن جرائمهم زادت في القبح والشناعة على سائر الكفار{إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} أي لما تجاوز الماء حدَّه حتى علا كل شيء وارتفع فوقه حملناكم في السفينة {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} أي لنجعل تلك الحادثة عظةً للناس وعبرة، تدل على انتقام الله ممن كذَّب رسله {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أي وتحفظها وتذكرها أذن واعية للمواعظ، تنتفع بما تسمع قال القرطبي: والمقصود من قصص هذه الأمم وذكر ما حلَّ بهم من العذاب، زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا ختم الآية بقوله {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} قال قتادة: الواعية هي التي عقلت عن الله وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عزّ وجّل.. ولما ذكر قصص المكذبين، أتبعه بذكر أهوال القيامة وشدائدها فقال {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} أي فإِذا نفخ إِسرافيل في الصور نفخةً واحدة لخراب العالم قال ابن عباس: هي النفخة الأولى التي يحصل عنها خراب الدنيا {وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} أي ورفعت الأرض والجبال عن أماكنها، فضرب بعضها ببعضٍ حتى تندق وتتفتَّت وتصير كثيباً مهيلاً {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} أي ففي ذلك الحين قامت القيامة الكبرى، وحدثت الداهية العظمى {وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} أي وانصدعت السماء فهي يومئذٍ ضعيفة مسترخية، ليس فيها تماسك ولا صلابة {وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} أي والملائكة على أطرافها وجوانبها قال المفسرون: وذلك لأن السماء مسكن الملائكة، فاذا انشقت السماء وقفوا على أطرافها فزعاً مما داخلهم من هول ذلك اليوم، ومن عظمة ذي الجلال، الكبير المتعال {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} أي ويحمل عرش الرحمن ثمانية من الملائكة العظام فوق رءوسهم وقال ابن عباس: ثمانية صفوفٍ من الملائكة لا يعلم عددهم إِلا الله {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ} أي في ذلك اليوم الرهيب، تعرضون على ملك الملوك ذي الجلال للحساب والجزاء، لا يخفى عليه منكم أحدٌ، ولا يغيب عنه سرٌّ من أسراركم، لأنه العالم بالظواهر والسرائر والضمائر.. ثم بيَّن تعالى حال السعداء والأشقياء في ذلك اليوم فقال {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} أي فأما من أُعطي كتاب أعماله بيمينه لأنه من السعداء {فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} أي فيقول ابتهاجاً وسروراً: خذوا اقرءوا كتابي، والهاء في {كِتَابيَهْ} هاء السكت وكذلك في {حِسَابِيَهْ} و{مَالِيَهْ} و{سُلْطَانِيَهْ} قال الرازي: ويدل قوله {هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} على أنه بلغ الغاية في السرور، لأنه لما أُعطي كتابه بيمينه، علم أنه من الناجين ومن الفائزين بالنعيم، فأحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ} أي إِني أيقنت وتحققت بأني سألقى حسابي وجزائي يوم القيامة، فأعددت له العدة من الإِيمان، والعمل الصالح قال الحسن: إِن المؤمن أحسن الظنَّ بربه فأحسن العمل، وإِنَّ المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل وقال الضحاك: كل ظنٍ في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك.. قال تعالى مبيناً جزاءه {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي فهو في عيشة هنيئة مرضية، يرضى بها صاحبها، لما ورد في الصحيح حديث : أنهم يعيشون فلا يموتون أبداً، ويصحون فلا يمرضون أبداً، وينعمون فلا يرون بؤساً أبداً تفسير : {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي في جنةٍ رفيعة القدر، وقصور عالية شاهقة {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} أي ثمارها قريبة، يتناولها القائم، والقاعد، والمضطجع قال في التسهيل: القطوف جمع قطف وهو ما يجتنى من الثمار ويقطف كالعنقود، روي أن العبد يأخذها بفمه من شجرها وهو قائم أو قاعد أو مضطجع {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً} أي يقال لهم تفضلاً وإِنعاماً: كلوا واشربوا أكلاً وشرباً هنيئاً، بعيداً عن كل أذى، سالماً من كل مكروه {بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} أي بسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية يعني أيام الدنيا.. ولما ذكر حال السعداء أعقبه بذكر حال الأشقياء فقال {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} أي وأما من أعطي كتابه بشماله وهذه علامة الشقاوة والخسران {فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} أي فيقول اذا رأى قبائح أعماله: يا ليتني لم أعط كتابي قال المفسرون: وذلك لما يحصل له من الخجل والافتضاح فيتمنى عندئذٍ أنه لم يعط كتاب أعماله، ويندم أشد الندم {وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} أي ولم أعرف عظم حسابي وشدته، والاستفهام للتعظيم والتهويل {يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ} أي يا ليت الموتة الأولى التي متُّها في الدنيا، كانت القاطعة لحياتي، فلم أبعث بعدها ولم أُعذب قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن شيء عنده أكره من الموت، لأنه رأى تلك الحالة أشنع وأمرَّ ممَّا ذاقه من الموت {مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ} أي ما نفعني مالي الذي جمعته ولا دفع عني من عذاب الله شيئاً {هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} أي زال عني ملكي وسلطاني، ونسبي وجاهي، فلا معين لي ولا مجير، ولا صديق ولا نصير {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ} أي يقول تعالى لزبانية جهنم: خذوا هذا المجرم الأثيم فشدوه بالأغلال قال القرطبي: فيبتدره مائة ألف ملك، ثم تجمع يده الى عنقه، فذلك قوله تعالى: {فَغُلُّوهُ} {ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ} أي ثم أدخلوه النار العظيمة المتأججة، ليصلى حرَّها {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ} أي ثم أدخلوه في سلسلةٍ حديدية طولها سبعون ذراعاً قال ابن عباس: بذراع الملك، تدخل السلسلة من دبره، وتخرج من حلقه، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه والسلسلة هي حلق منتظمة، كل حلقة منها في حلقة، يلف بها حتى لا يستطيع حراكاً.. لمّا بيَّن العذاب الشديد بيَّن سببه فقال {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ} أي كان لا يصدق بوحدانية الله وعظمته قال في البحر: بدأ بأقوى أسباب تعذيبه وهو كفره بالله، وهو تعليلٌ مستأنف كأن قائلاً قال: لم يعذِّب هذا العذاب البليغ؟ فأجيب إِنه كان لا يؤمن بالله {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} أي ولا يحُثُّ نفسه ولا غيره على إِطعام المسكين قال المفسرون: ذكر الحضَّ دون الفعل للتنبيه على أن تارك الحضّ بهذه المنزلة، فكيف بتارك الإِحسان والصدقة؟ {فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ} أي فليس له في الآخرة صديق يدفع عنه العذاب، لأن الأصدقاء يتحاشونه، ويفرُّون منه {وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} أي وليس له طعام إِلا صديد أهل النار، الذي يسيل من جراحاتهم {لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ} أي لا يأكله إِلا الآثمون المجرمون المرتكبون للخطايا والآثام قال المفسرون: {ٱلْخَاطِئُونَ} جمع خاطىء وهو الذي يتعمد الذنب، والمخطىء الذي يفعل الشيء خطأ دون قصد، ولهذا قال {ٱلْخَاطِئُونَ} ولم يقل المخطئون.. ولما ذكر أحوال السعداء من أهل الجنة، ثم أحوال الأشقياء من أهل النار، ختم الكلام بتعظيم القرآن فقال {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} أي فأقسم بالمشاهدات والمغيبات، أُقسم بما ترونه وما لا ترونه، مما هو واقعٌ تحت الأبصار، وما غاب وخفي عن الأنظار، و{لا} في قوله {فَلاَ أُقْسِمُ} لتأكيد القسم وليست نافية قال الإِمام الفخر: والآية تدل على العموم والشمول، لأنها لا تخرج عن قسمين: مبصرٍ وغير مبصر، فشملت الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإِنس والجن، والنعم الظاهرة والباطنة قال قتادة: هو عام في جميع مخلوقاته جلَّ وعلا، وقال عطاء: ما تبصرون من آثار القدرة، وما لا تبصرون من أسرار القدرة {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} أي إن هذا القرآن لكلام الرحمن، يتلوه ويقرأه رسولٌ كريم، هو محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم قال القرطبي: والرسول هٰهنا محمد صلى الله عليه وسلم ونسب القول إِليه لأنه تاليه ومبلغه عن الله تعالى {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} أي وليس القرآن كلام شاعر كما تزعمون، لأنه مباين لأوزان الشعر كلها، فليس شعراً ولا نثراً {قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ} أي قلَّما تؤمنون بهذا القرآن قال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله، بمعنى لا يؤمنون به أصلاً، والعرب تقول: قلَّما يأتينا يريدون لا يأتينا {وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ} أي وليس هو بقول كاهنٍ يدعي معرفة الغيب، لأن القرآن يغاير بأسلوبه سجع الكهان {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي قلَّما تتذكرون وتتعظون {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي هو تنزيلٌ من ربِّ العزة جل وعلا كقوله تعالى {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}تفسير : [الشعراء: 192-195] والغرض من الآية تبرئة الرسول صلى الله عليه وسلم مما نسبه إِليه المشركون من دعوى السحر والكهانة، ثم أكَّد ذلك بأعظم برهان على أن القرآن من عند الله فقال {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ} أي لو اختلق محمد بعض الأقوال، ونسب إِلينا ما لم نقله {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ} أي لانتقمنا منه بقوتنا وقدرتنا {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ} أي ثم لقطعنا نياط قلبه حتى يموت قال القرطبي: والوتينُ عرق يتعلق به القلب، إِذا انقطع مات صاحبه والغرض أنه تعالى يعاجله بالعقوبة ولا يمهله، لو نسب إِلى الله شيئاً ولو قليلاً، فإِن تسمية الأقوال بالأقاويل للتصغير والتحقير {فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} أي فما يقدر أحد منكم أن يحجز بيننا وبينه، لو أردنا حينئذٍ عقوبته، ولا أن يدفع عنه عذابنا قال الخازن: المعنى إِن محمداً لا يتكلم الكذب علينا لأجلكم، مع علمه أنه لو تكلم لعاقبناه، ولا يقدر أحدٌ على دفع عقوبتنا عنه {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} أي وإِن هذا القرآن لعظةٌ للمؤمنين المتقين الذين يخشون الله، وخصَّ المتقين بالذكر لأنهم المنتفعون به {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ} أي ونحن نعلم أن منكم من يكذب بهذا القرآن مع وضوح آياته، ويزعم أنه أساطير الأولين، وفي الآية وعيدٌ لمن كذب بالقرآن {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي وإِنه لحسرة عليهم في الآخرة، لأنهم يتأسفون إِذا رأوا ثواب من آمن به {وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ} أي وإِنه لحقٌ يقينيٌ لا يحوم حوله ريب، ولا يشك عاقل أنه كلام رب العالمين {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} أي فنزَّه ربك العظيم عن السوء والنقائص، واشكره على ما أعطاك من النعم العظيمة، التي من أعظمها نعمة القرآن. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من الفصاحة والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الإِطناب بتكرار الاسم للتهويل والتعظيم {ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ} الخ. 2- التفصيل بعد الإِجمال زيادة في البيان {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ} ثم فصله بقوله {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ * وَأَمَا عَادٌ} الآية وفيه لفٌ ونشر مرتب. 3- التشبيه المرسل المجمل {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه. 4- الاستعارة اللطيفة الفائقة {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} الطغيان من صفات الإِنسان، فشبه ارتفاع الماء وكثرته، بطغيان الإِنسان على الإِنسان بطريق الاستعارة. 5- جناس الاشتقاق مثل {وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} ومثل {لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ}. 6- المقابلة البديعة {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} قابلها بقوله {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ..} الخ وهي من المحسنات البديعية. 7- طباق السلب {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ}. 8- الكناية {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ} لفظ اليمين كناية عن القوة والقدرة. 9- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} ومثل {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ} ويسمى في علم البديع السجع المرصَّع والله أعلم. تنبيه: روى الحافظ ابن كثير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني الى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال فقلت في نفسي: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ} فقلت: كاهن، فقرأ {وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} الخ السورة، قال: فوقع في قلبي الإِسلام كل موقع، حتى هداني الله تعالى له.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ} فالحَاقّةُ: السَّاعةُ. وكذلك القَارعةُ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ} الآية هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر أشياء من أحوال السعداء والأشقياء وقال ذرني ومن يكذب بهذا الحديث ذكر حديث القيامة وما أعد الله فيها لأهل السعادة والشقاوة وأدرج بينهما شيئاً من أحوال الذين كفروا وكذبوا الرسل كعاد وثمود وفرعون ليزدجر بذكرهم وما جرى عليهم الكفار الذين عاصروا الرسول عليه السلام وكانت العرب عالمة بهلاك عاد وثمود وفرعون فنص عليهم لذلك والحاقة المراد بها القيامة والبعث قاله ابن عباس والحاقة اسم فاعل من حق الشىء إذا ثبت ولم يشك في صحته والحاقة مبتدأ وما مبتدأ ثان والحاقة خبر عن الحاقة والرابط تكرار المبتدأ بلفظة نحو زيد وما زيد وما استفهام لا يراد به حقيقته بل التعظيم وأكثر ما يربط بتكرار المبتدأ إذا أريد معنى التعظيم والتهويل. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} مبالغة في التهويل والمعنى أن فيها ما لم يدر ولم يحط به وصف من أمورها الشاقة وتفصيل أوصافها وما استفهام أيضاً مبتدأ وإدراك الخبر والعائد على ما ضمير الرفع في إدراك وما مبتدأ والحاقة خبر والجملة في موضع نصب بإِدراك وإدراك معلقة وأصل درى يتعدى بالباء وقد تحذف على قلة فإِذا دخلت همزة النقل تعدى إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بحرف الجر فقوله: {مَا ٱلْحَاقَّةُ} بعد إدراك في موضع نصب بعد إسقاط حرف الجر والقارعة: من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بصدمتها والطاغية الصيحة. {عَاتِيَةٍ} عتت على خزانتها فخرجت بغير مقدار سخرها أي أقامها عليهم وأدامها. {سَبْعَ لَيَالٍ} بدت عليهم صبح الأربعاء لثمان بقين من شوال إلى آخر الأربعاء تمام الشهر. {حُسُوماً} قال ابن عباس: تباعاً لم يتخللها انقطاع. {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا} أي في الليالي والأيام. {صَرْعَىٰ} أي هلكى. {خَاوِيَةٍ} خلت أعجازها بلى وفساداً وقال ابن شجرة كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم فصاروا كالنخل الخاوية. {وَمَن قَبْلَهُ} ظرف زمان أي الأمم الكافرة التي كانت قبله كقوم نوح وقد أشار إلى شىء من حديثه بعد هذا. {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ} قرىء قوم لوط. {بِالْخَاطِئَةِ} أي بالفعلة أو الفعلات. {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ} رسول جنس وهو من جاءهم من عند الله تعالى كموسى ولوط عليهما السلام. {رَّابِيَةً} أي نامية. {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} أي زاد وعلا على أعلى جبل في الدنيا خمسة عشر ذراعاً. قال ابن جبير: طغى على الخزان كما طغت الريح على خزانها. {حَمَلْنَاكُمْ} أي في أصلاب آبائكم أو حملنا آبائكم. و{فِي ٱلْجَارِيَةِ} هي سفينة نوح عليه السلام. {لِنَجْعَلَهَا} أي سفينة نوح. {لَكُمْ تَذْكِرَةً} بما جرى لقومه الهالكين وقومه الناجين فيها وعظة أدركتها أوائل هذه الأمة. {وَتَعِيَهَآ} أي تحفظ قصتها. {أُذُنٌ} من شأنها أن تعي المواعظ وتعتبر بها يقال وعيت لما حفظ في النفس وأوعيت لما حفظ في غير النفس من الأوعية ثني الضمير في. {فَدُكَّتَا} لأن المراد جملة الأرض وجملة الجبال أي ضرب بعضها ببعض حتى تفتت والدك فيه تفرق الأجزاء والدق فيه اختلاط الأجزاء. {فَيَوْمَئِذٍ} معطوف على فإِذا نفخ في الصور وهو منصوب بوقعت كما أن إذا منصوب بنفخ على ما أخبرتاه والتنوين في إذا للعوض من الجملة المحذوفة تقديره فيومئذٍ نفخ في الصور وجرى كيت وكيت. {وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} أي انفطرت وتميز بعضها من بعض. {فَهِيَ} يوم إذ انشقت. {وَاهِيَةٌ} ضعيفة لتشققها بعد أن كانت شديدة. {وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} أي على حافاتها حين تنشق والضمير في فوتهم عائد على الملك ضمير جمع على المعنى لأنه يراد به الجنس والظاهر أن التمييز المحذوف في قوله ثمانية أملاك أي ثمانية أشخاص من الملائكة. {يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ كان ما ذكر. {تُعْرَضُونَ} أي للحساب وتعرضون هو جواب قوله فإِذا نفخ ويومئذٍ تعرضون بدل من فيومئذٍ والخطاب في تعرضون لجميع العالم المحاسبين. {خَافِيَةٌ} أي سريرة. {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ} الآية، هاؤم قال الكسائي وابن السكيت العرب تقول هاء يا رجل وللاثنين رجلين أو امرأتين هاؤماً وللرجال هاؤم وللمرأة هاء بهمزة مكسورة بغير ياء وللنساء هاؤن ومعنى هاؤم خذوا وقد ذكرنا في شرح التسهيل فيها لغات وهاؤم ان كان مدلولها خذ فهي متسلطة على كتابيه بغير واسطة وإن كان مدلولها تعالوا فهي متعدية إليه بواسطة وإلى كتابيه يطلبه هاؤم واقرؤوا فالبصريون يعملوا اقرأوا والكوفيون يعملون هاؤم وفي ذلك دليل على جواز التنازع بين إسم الفعل والفعل. {إِنِّي ظَنَنتُ} أي أيقنت. {رَّاضِيَةٍ} أي ذات رضا. {عَالِيَةٍ} أي مكاناً وقدراً. {قُطُوفُهَا} أي ما يجنى منها. {دَانِيَةٌ} قريبة التناول يدركها القائم والقاعد. {كُلُواْ} أي يقال لهم كلوا وتقدم شرح. {هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ} أي قدمتم من العمل الصالح. {فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} يعني أيام الدنيا. {يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ} لما رأى فيه قبائح أفعاله وما يصير أمره إليه تمنى أنه لم يعطه وتمنى أنه لم يدر حسابه فإِنه انجلى عنه حسابه عن ما يسؤوه فيه إذ كان عليه لا له. {يٰلَيْتَهَا} أي الموتة التي متها في الدنيا. {كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ} القاطعة لأمري فلم أبعث ولم أعذب. {مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ} يجوز أن يكون نعتاً محضاً أخبر بذلك متأسفاً على ماله حيث لم ينفعه ويجوز أن يكون استفهاماً ما وبخ نفسه به وقررها عليه. {هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} أي حجتي. {خُذُوهُ} أي يقال للزبانية خذوه. {فَغُلُّوهُ} أي اجعلوا في عنقه غلاً. {ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ} الجحيم مفعول ثان لصلوه والمفعول الأول الهاء في صلوه وأخر هذا لأجل الفاصلة. و{فِي سِلْسِلَةٍ} متعلق بقوله: {فَاسْلُكُوهُ} وذرعها صفة للسلسلة. {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ} بدأ بأقوى أسباب تعذيبه وهو كفره بالله تعالى وأنه تعليل مستأنف كان قائلاً قال لم يعذب هذا العذاب البليغ فقيل انه كان لا يؤمن وعطف ولا يحض على لا يؤمن وهو داخل في العلة وذلك يدل على عظم ذنب من لا يحض على إطعام المساكين إذ جعل قرين الكفر وهذا حكم ترك الحض فكيف ترك الإِطعام والتقدير على إطعام طعام المساكين وأضاف الطعام إلى المسكين من حيث له نسبة إليه إذ يستحق المسكين حقاً في مال الغني الموسر ولو بأدنى يسار. {حَمِيمٌ} أي صديق ملاطف. {مِنْ غِسْلِينٍ} هو صديد أهل النار والخاطئون إسم فاعل من خطىء وهو الذي يفعل ضد الصواب متعمداً لذلك والمخطىء الذي فعله غير متعمد. {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} عام في جميع مخلوقاته. {إِنَّهُ} أي القرآن. {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هو محمد صلى الله عليه وسلم ويؤيده قوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} وما بعده نسب القول إليه لأنه هو مبلغه والعامل به ونفى تعالى أن يكون قول شاعر لمباينته لضروب الشعر. {وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ} لأنه ورد بسب الشياطين وانتصب. {قَلِيلاً} على أنه صفة لمصدر محذوف أو لزمان محذوف أي يؤمنون إيماناً قليلاً أو زماناً قليلاً وكذا التقدير في: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} والقلة هو إقرارهم إذا سئلوا من خلقهم قالوا الله وقال ابن عطية: ونصب قليلاً بفعل مضمر يدل عليه تؤمنون وما تحتمل أن تكون نافية فينتفي إيمانهم البتة ويحتمل أن تكون ما مصدرية ويتصف بالقلة أما الإِيمان وأما العود فعلى اتصاف إيمانهم بالقلة فهو الإِيمان اللغوي لأنهم قد صدّقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئاً إذ كانوا يصدقون أن الخير والصلة والعفاف الذي كان يأمر به الرسول عليه السلام هو حق صواب "انتهى". أما قوله: ونصب قليلاً بفعل مضمر يدل عليه تؤمنون فلا يصح لأن ذلك الفعل الدال عليه تؤمنون إما أن تكون ما نافية أو مصدرية كما ذهب إليه فإِن كانت نافية فكذلك الفعل المضمر الدال عليه تؤمنون المنفي بما يكون منفياً فيكون التقدير ما تؤمنون قليلاً ما تؤمنون والفعل المنفي بما لا يجوز حذفه ولا حذف ما لا يجوز زيداً ما أضرب زيداً ما أضربه وإن كانت مصدرية كانت اما في موضع رفع الفاعلية بقليلاً أي قليلاً إيمانكم ويبقى قليلاً لا يتقدمه ما يعتمد عليه حتى يعمل ولا ناصب له وإما في موضع رفع على الابتداء فيكون مبتدأ لا خبر له لأن ما قبله منصوب لا مرفوع. {وَلَوْ تَقَوَّلَ} التقول أن يقول الإِنسان عن الآخر أنه قال شيئاً لم يقله ولأقاويل جمع أقوال وهو جمع الجمع. {بِٱلْيَمِينِ} قيل الباء زائدة والوتين قال ابن عباس: هو نياط القلب والمعنى لو تقول لأذهبنا حياته معجلاً والضمير في عنه يجوز أن يعود على الذي تقول والخطاب في منكم للناس والظاهر في {حَاجِزِينَ} أن يكون خبراً لما على لغة أهل الحجاز لأن حاجزين هو محط الفائدة ويكون منكم لو تأخر لكان صفة لأحد فلما تقدم صار حالاً وجمع على المعنى لأنه في معنى الجماعة. {وَإِنَّهُ} أي القرآن. {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ} وعيد للمكذبين بالقرآن. {وَإِنَّهُ} أي القرآن. {لَحَسْرَةٌ} من حيث كفروا به ويرون من آمن به ينعم وهم يعذبون. {وَإِنَّهُ} أي وان القرآن. {لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ} فسبح تقدّم الكلام عليه.

الجيلاني

تفسير : {ٱلْحَاقَّةُ} [الحاقة: 1] أي: النشأة الأخرى التي ظهرت فيها حقية الحق وثبوته، وتحقق دونها من على الحق، وفاز بجزائه، واستقر في دار السرور، ومن على الباطل ولحق العذاب المعد له، واستقر على الويل والثبور، ثمَّ استفهم سبحانه عنها تهويلاً وتعظيماً فقال: {مَا ٱلْحَآقَّةُ} [الحاقة: 2] التي انقهرت دونها أظلال الأغيار، وأشباح العكوس والسوى مطلقاً، وبروز الله الواحد القهار؟. ثمَّ زاد سبحانه على تهويلها بأن نفاها عن إحاطة علم حبيبه صلى الله عليه وسلم الذي جاء من عنده رحمةً للعالمين أياها، فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ} أي: وأي شيء أعلمك وأفهمك يا أكمل الرسل {مَا ٱلْحَاقَّةُ} [الحاقة: 3] التي طويت دونها نفوس الكثرات والإضافات مطلقاً، وفنيت عندها عكوس الأسماء والصفات رأساً؟ وبالجملة: انقهرت رسوم الناسوت، ولم يبق إلاَّ الحي القيوم اللاهوت، ولا شك أنه متعال عن مطلق الإدراك والاطلاع المترتب على نشأة الناسوت. قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للمكذبين بها والمنكرين عليها: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ} [الحاقة: 4] أي: بالحاقة التي يقرع الأسماع سماع أهوالها، ويدهش العقول ذكر أفزاعها. {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} [الحاقة: 5] أي: بسبب طغيانهم بالتكذيب المتجاوز عن الحد، أُهلكوا بصيحة هائلة مجاوزة عن حد الصياح. {وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} باردة في غاية البرودة {عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6] شديدة العصف، بحيث لا يقدرون على دفعها وردها أصلاً. حين {سَخَّرَهَا} وسلطها {عَلَيْهِمْ} سبحانه بمقتضى قهره وانتقامه {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} متتابعات مترادفات، قاطعات قالعات {فَتَرَى} أيها المعتبر الرائي {ٱلْقَوْمَ فِيهَا} أي: في تلك الأيام والليالي {صَرْعَىٰ} هلكى {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7] ساقطة عن أصولها، لا جوف لها. {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم} أي: ما ترى لهم بعد تلك الأيام {مِّن بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8] أي: لم يبق منهم نفس لها حياة بعد تلك الواقعة الهائلة. {وَ} بعد انقراض هؤلاء الغواة الطغاة، الهالكين في تيه الجهل والعناد {جَآءَ فِرْعَوْنُ} الطاغي المجاوز عن الحد والبغي والعدوان {وَمَن قَبْلَهُ} ويقدم عليه من الأمم الباغية، أو من معه من ملئه وأشرافه - على القراءتين - {وَ} جاء أيضاً {ٱلْمُؤْتَفِكَاتُ} هي قرى قوم لوط عليه السلام؛ والمراد: من فيها كلهم جاءوا {بِالْخَاطِئَةِ} [الحاقة: 9] المعهودة التي هي إنكارهم بيوم الحاقة الحقة على وجه المبالغة. وبعدما جاء الرسل إليهم بالوحي {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ} أي: عصى كل أمة برسولها المبعوث إليهم؛ ليديهم إلى طريق الرشاد، فكذبوه واستهزءوا معه، وبالغوا في تكذيبه وعصيانه سبحانه {فَأَخَذَهُمْ} سبحانه {أَخْذَةً رَّابِيَةً} [الحاقة: 10] زائدة شديدة على مقتضى ما ازدادوا في العصيان والتكذيب. اذكر يا أكمل الرسل شدة أخذنا إياهم {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} بعدما أمرناه بالطغيان في يوم الطوفان {حَمَلْنَاكُمْ} أي: آباءكم الذين آمنوا بنوح عليه السلام، وأنتم في أصلابهم {فِي ٱلْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11] أي: السفينة التي صنعها نوح بتعليمنا إياه قبل الطوفان بمدة، وأغرقنا الكفرة بأجمعهم إلى حيث لم يبق على الأرض سوى أصحاب السفينة أحد من البشر. وإنما حملناكم عليها وأنجيناكم بها {لِنَجْعَلَهَا} أي: هذه الفعلة الجميلة التي هي نجاة المؤمنين من الطوفان العظيم {لَكُمْ} أيها المستخلفون المكفلون {تَذْكِرَةً} عظة وعبرة، وتبصرة دالة على كمال قدرة الصانع الحكيم، ومتانة حكمته {وَتَعِيَهَآ} أي: تستحضر بها وتحفظها؛ أي: هذه التذكرة والتبصرة الكاملة {أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12] حافظة للعبر والتذاكير المورثة للقلوب الصافية الخائفة خيراً كثيراً، ونفعاً كبيراً. وبعدما بالغ سبحانه في وصف القيامة، وشرح أهوالها وأحوالها، وذكر حال من كذب بها، ومآل أمره، أراد أن يشرح ما ظهر فيها من الأمور الهائلة والوقائع العظيمة عند قيامها ، فقال: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} [الحاقة: 13] وهي النفخة الأولى التي عندها خراب العالم. {وَ} بعد ظهور النفخة الأولى {حُمِلَتِ} ورفعت {ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ} من أماكنها التي استقرتا عليها بأن أمر عليهما سبحانه بالتسيير والاضطراب بمقتضى القدرة الغالبة {فَدُكَّتَا} انكسرتا وانبسطتا، فصارتا {دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 14] أي: قاعاً صفصفاً، مساواة ملساء لا عوج لها ولا أمتاً. {فَيَوْمَئِذٍ} أي: حين وقوع هذه الحالة الهائلة {وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} [الحاقة: 15] وقامت القيامة الكبرى، والطامة العظمى.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها الغالف عن القيامة السرية اعلم أن قيامته حاقة مستحاقة محاقة فيما يقول في كتابه الكريم {ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} [الحاقة: 1-3]؛ يعني: حقت القيامة الواقعة في السر الذي فيه خوارق الأمور، وحقائقها أن يعتبر بها؛ يعني: مستحاقة الوجود عن الأباطيل، ومحاقة الوجود الحادث بحيث لا يبقى إلا الوجود الحقيقي في الوجود المطلع، وفي أثر هذه القيامة قال أستاذ الطريقة الجنيد البغدادي قُدِّس سرّه: ليس في الوجود إلا الله الحاقة الأولى هي المستحاقة، والثاني نية هي المحاقة، والثالثة هي الحاقة التي تحق حقوقها وتظهر الحقائق المودعة في جميع القوى والمفردات واللطائف، ولم يطلع أحد عليها إلا بعد الوصول إليها، ومطالعتها عياناً، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ} [الحاقة: 4]؛ يعني: كذبت قوى اللطيفة القارعة؛ يعني: كذبت قوى اللطيفة القالبية والنفسية العادية المتعدية المكذبة لطائفها المنذرة لها بالقارعة، وهو قيامة القلب حتى نزل لهم العذاب الذي هو علامة القارعة في الدنيا. {فَأَمَّا ثَمُودُ} [الحاقة: 5]؛ يعني: قومه وقوى اللطيفة القالبية، {فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} [الحاقة: 5]؛ أي: بطغيانهم هلكوا حين سلط الله عليهم عين طاغيتهم من كدورات تراب قالبهم، والأخلاق نشأت من خواص التراب مثل الكبارة والجهل والمذلة وأمثالها {وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6]؛ يعني: سلط الله عليهم حين عتوهم الحاصل من ريح قالبهم المكدرة بظلمات الحظوظ الهودية، والأخلاق التي ظهرت منها مثل الإباء عن الحق والاستنكاف عن قبول الحق ومتابعة الهوى. {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} [الحاقة: 7]؛ يعني: سلط الريح عليهم سبع ليل حاصلة من ظلمات ما افترقت لسبعة أغصانهم مما زين لهم الشهوات من النساء والبنين، والذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث اللاتي هن متاع الحياة الدنيا، وبها يقدر الشيطان أن يزين الدنيا في عيون ابن آدم، وفي وجودك أشار إلى النساء بالقوة القابلة، والبنين بالقوة المتولدة والخواطر التي نتجت من القوى القابلة، والذهب والفضة بالاستعدادات المعدنية القالبية، والخيل المسومة والأنعام والحرث بالاستعدادات الحيوانية والنباتية والنفسية، وثمانية أيام ظاهرة من ثمان صفات التي وهبها الله تعالى لبني آدم ليطيع بها الحق ويستعملها في معرفة الحق؛ وهي الحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والعلم، والإرادة، والقدرة، والحكمة، فاستعمالها في معرفة الحياة وهي الحياة في الباطل والحظوظ، وبالغ في النكران والكفران فبريح ظنونهم الباطلة العاتية أهلكهم الله في سبع ليال مظلمة حاصلة من استعمال سبعة أغصانهم في طلب الباطل، وثمانية أيام مكدرة بدخان الهوى من استعمال ثمان صفاتهم من متابعة الهوى ومخالفة المولى، {حُسُوماً} [الحاقة: 7]؛ أي: متتابعة؛ لأنهم بهذه الأعضاء والصفات تتابعوا في معصية الله تعالى وكانوا غافلين عن ذكر الله، ولا يذكرونه لا كثيراً ولا قليلاً، {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7]؛ يعني: في تلك الليالي والأيام ترى وجودهم الحاصل من حظوظ الباطل [ساقط] لكل مثل {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7]؛ أي: ساقط من شدة الريح مما لا يكون أصله محكماً؛ يعني: وجودهم وجود إنسان ولأصل هذا شبهت بالنخلة ولكن ما كانت نخلة، وجودهم أصيلاً عريقاً في أرض الإيمان {أية : ٱجْتُثَّتْ}تفسير : [إبراهيم: 26] قوة الأرض {أية : مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}تفسير : [إبراهيم: 26] فقلعتها ريح ظنونهم الكاذبة بالحق العاتية للحق عن أصلها خاوية خالية عن الحق. {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8]؛ يعني: ترى اليوم من تلك القوى والخواطر أثراً {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} [يونس: 24] {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ} [الحاقة: 9]؛ يعني: اللطيفة القالبية الغير المستخلصة عن الأباطيل في الوجود الحادث وقواها الخاطئة المؤتفكة، {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ} [الحاقة: 10]؛ أي: عصوا اللطيفة المطهرة المرسلة إليهم، {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} [الحاقة: 10]؛ أي: زائدة على عذاب من قبلهم؛ لأن ماء وجودهم طغى الحق، وحصل لهم من ماء وجودهم محبة الدنيا، وشرب وجودهم ماء حبة الدنيوية، بحيث [كان] الشبع في وجودهم مجاري الشيطان، ويدخل في عروقهم لاتساع مجاريهم، وظهر لهم من ماء وجودهم أخلاق كريهة مثل طول الأمل والأماني الباطلة، واستسقاء الحرص والكسالة في الطاعة وأمثالها يسلطها الله عليهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { الْحَاقَّةُ } من أسماء يوم القيامة، لأنها تحق وتنزل بالخلق، وتظهر فيها حقائق الأمور، ومخبآت الصدور، فعظم تعالى شأنها وفخمه، بما كرره من قوله: { الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ } فإن لها شأنا عظيما وهولا جسيما، [ومن عظمتها أن الله أهلك الأمم المكذبة بها بالعذاب العاجل]. ثم ذكر نموذجا من أحوالها الموجودة في الدنيا المشاهدة فيها، وهو ما أحله من العقوبات البليغة بالأمم العاتية فقال: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ } وهم القبيلة المشهورة سكان الحجر الذين أرسل الله إليهم رسوله صالحا عليه السلام، ينهاهم عما هم عليه من الشرك، ويأمرهم بالتوحيد، فردوا دعوته وكذبوه وكذبوا ما أخبرهم به من يوم القيامة، وهي القارعة التي تقرع الخلق بأهوالها، وكذلك عاد الأولى سكان حضرموت حين بعث الله إليهم رسوله هودا عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى عبادة الله [وحده] فكذبوه وكذبوا بما أخبر به من البعث فأهلك الله الطائفتين بالهلاك المعجل { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ } وهي الصيحة العظيمة الفظيعة، التي انصدعت منها قلوبهم وزهقت لها أرواحهم فأصبحوا موتى لا يرى إلا مساكنهم وجثثهم. { وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ } أي: قوية شديدة الهبوب لها صوت أبلغ من صوت الرعد [القاصف] { عَاتِيَةٍ } [أي: ] عتت على خزانها، على قول كثير من المفسرين، أو عتت على عاد وزادت على الحد كما هو الصحيح. { سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا } أي: نحسا وشرا فظيعا عليهم فدمرتهم وأهلكتهم، { فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى } أي: هلكى موتى { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } أي: كأنهم جذوع النخل التي قد قطعت رءوسها الخاوية الساقط بعضها على بعض. { فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ } وهذا استفهام بمعنى النفي المتقرر.

همام الصنعاني

تفسير : 3299- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلْحَاقَّةُ}: [الآية: 1]، قال: حقت لكل قوم أعمالهم.