Verse. 533 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِنَّ اللہَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّۃٍ۝۰ۚ وَاِنْ تَكُ حَسَـنَۃً يُّضٰعِفْھَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْہُ اَجْرًا عَظِيْمًا۝۴۰
Inna Allaha la yathlimu mithqala tharratin wain taku hasanatan yudaAAifha wayuti min ladunhu ajran AAatheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله لا يظلم» أحدا «مثقال» وزن «ذرَّة» أصغر نملة بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته «وإن تك» الذرة «حسنة» من مؤمن وفي قراءة بالرفع فكان تامة «يضاعفها» من عشر إلى أكثر من سبعمائة وفي قراءة يضعفها بالتشديد «ويؤت من لدنه» من عنده مع المضاعفة «أجرا عظيما» لا يقدِّره أحد.

40

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن تعلق هذه الآية هو بقوله تعالى: {أية : وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [النساء: 39] فكأنه قال: فان الله لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، فرغب بذلك في الايمان والطاعة. واعلم أن هذه الآية مشتملة على الوعد بأمور ثلاثة: الأول: قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الذرة النملة الحمراء الصغيرة في قول أهل اللغة. وروي عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها، ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة و{مِثْقَالَ } مفعال من الثقل يقال: هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا، ومعنى {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } أي ما يكون وزنه وزن الذرة. واعلم أن المراد من الآية أنه تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيراً، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا } تفسير : [يونس: 44]. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى ليس خالقا لأعمال العباد، لأن من جملة تلك الأعمال ظلم بعضهم بعضا، فلو كان موجد ذلك الظلم هو الله تعالى لكان الظالم هو الله، وأيضاً لو خلق الظلم في الظالم، ولا قدرة لذلك الظالم على تحصيل ذلك الظلم عند عدمه، ولا على دفعه بعد وجوده، ثم إنه تعالى يقول لمن هذا شأنه وصفته: لم ظلمت ثم يعاقبه عليه، كان هذا محض الظلم، والآية دالة على كونه تعالى منزها عن الظلم. والجواب: المعارضة بالعلم والداعي على ما سبق مراراً لا حد لها، وقد ذكرنا أن استدلالات هؤلاء المعتزلة وإن كثرت وعظمت، إلا أنها ترجع إلى حرف واحد، وهو التمسك بالمدح والذم والثواب والعقاب، والسؤال على هذا الحرف معين، وهو المعارضة بالعلم والداعي، فكلما أعادوا ذلك الاستدلال أعدنا عليهم هذا السؤال. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أنه قادر على الظلم لأنه تمدح بتركه، ومن تمدح بترك فعل قبيح لم يصح منه ذلك التمدح، إلا إذا كان هو قادرا عليه، ألا ترى أن الزمن لا يصح منه أن يتمدح بأنه لا يذهب في الليالي إلى السرقة. والجواب أنه تعالى تمدح بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، ولم يلزم أن يصح ذلك عليه، وتمدح بأنه لا تدركه الأبصار، ولم يدل ذلك عند المعتزلة على أنه يصح أن تدركه الأبصار. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية دالة على أن العبد يستحق الثواب على طاعته وأنه تعالى لو لم يثبه لكان ظالما، لأنه تعالى بين في هذه الآية أنه لو لم يثبهم على أعمالهم لكان قد ظلمهم، وهذا لا يصح إلا إذا كانوا مستحقين للثواب على أعمالهم. والجواب: أنه تعالى وعدهم بالثواب على تلك الأفعال، فلو لم يثبهم عليها لكان ذلك في صورة ظلم، فلهذا أطلق عليه اسم الظلم، والذي يدل على أن الظلم محال من الله، أن الظلم مستلزم للجهل والحاجة عندكم، وهما محالان على الله، ومستلزم المحال محال، والمحال غير مقدور. وأيضاً الظلم عبارة عن التصرف في ملك الغير، والحق سبحانه لا يتصرف إلا في ملك نفسه، فيمتنع كونه ظالما. وأيضاً: الظالم لا يكون إلها والشيء لا يصح إلا إذا كانت لوازمه صحيحة، فلو صح منه الظلم لكان زوال إلهيته صحيحاً، ولو كان كذلك لكانت إلهيته جائزة الزوال، وحينئذ يحتاج في حصول صفة الالهية له إلى مخصص وفاعل، وذلك على الله محال. المسألة الخامسة: قالت المعتزلة: إن عقاب قطرة من الخمر يزيل ثواب الايمان والطاعة مدة مائة سنة. وقال أصحابنا: هذا باطل؛ لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب كل تلك الطاعات العظيمة تلك السنن المتطاولة، أزيد من عقاب شرب هذه القطرة، فاسقاط ذلك الثواب العظيم بعقاب هذا القدر من المعصية ظلم، وإنه منفي بهذه الآية. المسألة السادسة: قال الجبائي: إن عقاب الكبيرة يحبط ثواب جملة الطاعات، ولا ينحبط من ذلك العقاب شيء. وقال ابنه أبو هاشم: بل ينحبط. واعلم أن هذا المشروع صار حجة قوية لأصحابنا في بطلان القول بالاحباط فانا نقول: لو انحبط ذلك الثواب لكان إما أن يحبط مثله من العقاب أولا يحبط، والقسمان باطلان. فالقول بالاحباط باطل. إنما قلنا إنه لا يجوز انحباط كل واحد منهما بالآخر، لأنه إذا كان سبب عدم كل واحد منهما وجود الآخر، فلو حصل العدمان معا لحصل الوجدان معا، ضرورة أن العلة لا بد وأن تكون حاصلة مع المعلول، وذلك محال. وإنما قلنا: إنه لا يجوز انحباط الطاعة بالمعصية مع أن المعصية لا تنحبط بالطاعة، لأن تلك الطاعات لم ينتفع العبد بها ألبتة، لا في جلب ثواب، ولا في دفع عقاب وذلك ظلم، وهو ينافي قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } ولما بطل القسمان ثبت القول بفساد الاحباط على ما تقوله المعتزلة. المسألة السابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المؤمنين يخرجون من النار إلى الجنة، فقالوا: لا شك أن ثواب الايمان، والمداومة على التوحيد، والاقرار بأنه هو الموصول بصفات الجلال والاكرام، والمواظبة على وضع الجبين على تراب العبودية مائة سنة: أعظم ثوابا من عقاب شرب الجرعة من الخمر، فاذا حضر هذا الشارب يوم القيامة وأسقط عنه قدر عقاب هذا المعصية من ذلك الثواب العظيم فضل له من الثواب قدر عظيم، فاذا أدخل النار بسبب ذلك القدر من العقاب، فلو بقي هناك لكان ذلك ظلما وهو باطل، فوجب القطع بأنه يخرج إلى الجنة. النوع الثاني: من الأمور التي اشتملت عليها هذه الآية: قوله تعالى: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير {حَسَنَةٌ } بالرفع على تقديره «كان» التامة، والمعنى: وإن حدثت حسنة، أو وقعت حسنة، والباقون بالنصب على تقدير «كان» الناقصة والتقدير: وإن تك زنة الذرة حسنة. وقرأ ابن كثير وابن عامر {يُضَـٰعِفْهَا } بالتشديد من غير ألف من التضعيف، والباقون {يُضَـٰعِفْهَا } بالألف والتخفيف من المضاعفة. المسألة الثانية: تك: أصله من «كان يكون» وأصله «تكون» سقطت الضمة للجزم، وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار «تكن» ثم حذفوا النون أيضا لأنها ساكنة. وهي تشبه حروف اللين، وحروف اللين إذا وقعت طرفا سقطت للجزم، كقولك: لم أدر، أي لا أدري وجاء القرآن بالحذف والاثبات، أما الحذف فههنا، وأما الاثبات، فكقوله: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً } تفسير : [النساء: 135]. المسألة الثالثة: ان الله تعالى بين بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } أنه لا يبخسهم حقهم أصلا، وبين بهذه الآية أن الله تعالى يزيدهم على استحقاقهم. واعلم أن المراد من هذه المضاعفة ليس هو المضاعفة في المدة، لأن مدة الثواب غير متناهية، وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار: مثلا يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب، فيجعله عشرين جزءاً، أو ثلاثين جزءاً، أو أزيد. روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فان بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته. مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا } وقال الحسن: قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا } هذا أحب إلى العلماء مما لو قال: في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن ذلك الكلام يكون مقداره معلوماً أما هذه العبارة فلا يعلم كمية ذلك التضعيف إلاّ الله تعالى،وهو كقوله في ليلة القدر إنها خير من ألف شهر. وقال أبو عثمان النهدي: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فقدر الله أن ذهبت إلى مكة حاجاً أو معتمرا فألفيته فقلت: بلغني عنك أنك تقول: إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة قال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكن قلت: إن الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف، ثم تلا هذه الآية وقال: إذا قال الله: {أَجْراً عَظِيماً } فمن يقدر قدره. النوع الثالث: من الأمور التي اشتملت هذه الآية عليها قوله تعالى: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لدن: بمعنى «عند» إلا أن «لدن» أكثر تمكينا، يقول الرجل: عندي مال إذا كان ماله ببلد آخر، ولا يقال: لدي مال ولا لدني، إلا ما كان حاضرا. المسألة الثانية: اعلم أنه لا بد من الفرق بين هذا وبين قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا } والذي يحظر ببالي والعلم عند الله، أن ذلك التضعيف يكون من جنس ذلك الثواب، وأما هذا الأجر العظيم فلا يكون من جنس ذلك الثواب، والظاهر أن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعد بها في الجنة، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه، فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية، وعند الاستغراق في المحبة والمعرفة، وإنما خص هذا النوع بقوله: {مِن لَّدُنْهُ } لأن هذا النوع من الغبطة والسعادة والبهجة والكمال، لا ينال بالأعمال الجسدانية، بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الاشراق والصفاء والنور، وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادة الجسمانية، وهذا الأجر العظيم إشارة إلى السعادة الروحانية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرّة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها. والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلاً ولا كثيراً؛ كما قال تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً } تفسير : [يونس: 44] والذرّة: النملة الحمراء؛ عن ابن عباس وغيره، وهي أصغر النمل. وعنه أيضاً رأس النملة. وقال يزيد بن هارون: زعموا أن الذرة ليس لها وزن. ويحكى أن رجلاً وضع خبزاً حتى علاه الذرّ مقدار ما يستره ثم وزنه فلم يزد على وزن الخبز شيئاً. قلت: والقرآن والسنة يدلان على أن للذرة وزناً؛ كما أن للدينار ونصفه وزناً. والله أعلم. وقيل: الذرة الخَرْدَلَة؛ كما قال تعالى: { أية : فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } تفسير : [الأنبياء: 47]. وقيل غير هذا، وهي في الجملة عبارة عن أقل الأشياء وأصغرها. وفي صحيح مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطي بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمِل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها».تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} أي يكثر ثوابها. وقرأ أهل الحجاز «حَسَنَةٌ» بالرفع، والعامّة بالنصب؛ فعلى الأوّل «تَكُ» بمعنى تحدث، فهي تامة. وعلى الثاني هي الناقصة، أي إن تَكُ فعلته حسنة. وقرأ الحسن «نضاعفها» بنون العظمة. والباقون بالياء، وهي أصح، لقوله «ويؤتِ». وقرأ أبو رجاء «يُضَعِّفْهَا»، والباقون {يُضَاعِفْهَا} وهما لغتان معناهما التكثير. وقال أبو عبيدة: {يُضَاعِفْهَا} معناه يجعله أضعافاً كثيرة «ويُضَعِّفْها» بالتشديد يجعلها ضعفين. {مِن لَّدُنْهُ} من عنده. وفيه أربع لغات: لَدُنْ ولُدْنُ ولَدُ ولَدَى؛ فإذا أضافوه إلى أنفسهم شدّدوا النون، ودخلت عليه «مِنْ» حيث كانت «مِن» الداخلة لابتداء الغاية و «لَدُنْ» كذلك فلما تشاكلا حسن دخول «من» عليها؛ ولذلك قال سيبويه في لدن: إنه الموضع الذي هو أوّل الغاية. {أَجْراً عَظِيماً} يعني الجنة.وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدْرِي الطويل ـ حديث الشفاعة ـ وفيه: «حتى إذا خَلَص المؤمنون من النار فَوَالذي نفسي بيده ما منكم من أحدٍ بأشد مناشدة للّهِ في ٱستقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويُصلُون ويحجّون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتُحرّم صورُهم على النار فيخرجون خلقا كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول جل وعز ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دِينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيراً ثم يقولون ربنا لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرّة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيراً. وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} وذكر الحديث. ورُوي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : يؤتَى بالعبد يوم القيامة فيوقف وينادِي منادٍ على رؤوس الخلائق هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقول آتِ هؤلاء حقوقَهم فيقول يا رب من أين لي وقد ذهبت الدنيا عنِّي فيقول الله تعالى للملائكة انظروا إلى أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقالُ ذرّة من حسنة قالت الملائكة يا رب ـ وهو أعلم بذلك منهم ـ قد أعطى لكل ذي حق حقّه وبقي مثقال ذرّة من حسنة فيقول الله تعالى للملائكة ضعِّفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومِصداقه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} ـ وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة إلهنا فَنيت حسناته وبقيت سيئاته وبقي طالبون كثير فيقول تعالى خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صُكُّوا له صكاً إلى النار » تفسير : . فالآية على هذا التأويل في الخصوم، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرةٍ للخصم على الخصم يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرّة تبقى له بل يُثيبه عليها ويضعفها له؛ فذلك قوله تعالى: «وإنْ تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا». وروى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إن الله سبحانه يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة » تفسير : وتلا {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}. قال عبيدة قال أبو هريرة: وإذا قال الله {أَجْراً عَظِيماً} فمن الذي يقدّر قدرهٰ وقد تقدّم عن ابن عباس وابن مسعود: أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه الشمس.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أصغر شيء كالذرة، وهي النملة الصغيرة. ويقال لكل جزء من أجزاء الهباء، والمثقال مفعال من الثقل، وفي ذكره إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه. {وَإِن تَكُ حَسَنَةً} وإن يكن مثقال الذرة حسنة وأنت الضمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى مؤنث. وحذف النون من غير قياس تشبيهاً بحروف العلة. وقرأ بن كثير ونافع {حَسَنَةٌ} بالرفع على كان التامة. {يُضَـٰعِفْهَا} يضاعف ثوابها وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يضعفها وكلاهما بمعنى. {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ} ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل زائداً على ما وعد في مقابلة العمل {أَجْراً عَظِيماً } عطاء جزيلاً، وإنما سماه أجراً لأنه تابع للأجر مزيد عليه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً: أنه لا يظلم أحداً من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل، ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له، ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ} تفسير : [الأنبياء: 47] الآية، وقال تعالى مخبراً عن لقمان أنه قال: {أية : يٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 16] الآية، وقال تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 6 ـ 8] وفي الصحيحين من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: «حديث : فيقول الله عز وجل: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار» تفسير : وفي لفظ: «حديث : أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار، فيخرجون خلقاً كثيراً» تفسير : ثم يقول أبو سعيد: اقرؤوا إن شئتم: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، قال: قال عبد الله بن مسعود: يؤتى بالعبد والأمة يوم القيامة، فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق، فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها، ثم قرأ: {أية : فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101] فيغفر الله من حقه ما يشاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئاً، فينصب للناس فينادى: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، فيقول: رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر مظلمته، فإن كان ولياً لله، ففضل له مثقال ذرة، ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا} قال: ادخل الجنة، وإن كان عبداً شقياً، قال الملك: رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكاً إلى النار، ورواه ابن جرير من وجه آخر عن زاذان به نحوه، ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فضيل، يعني: ابن مرزوق، عن عطية العوفي، حدثني عبد الله بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تفسير : [الأنعام: 160] قال رجل: فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما هو أفضل من ذلك: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}، وحدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا}: فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة، ولا يخرج من النار أبداً، وقد استدل له بالحديث الصحيح أن العباس قال: يا رسول الله، إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعته بشيء؟ قال: «حديث : نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» تفسير : وقد يكون هذا خاصاً بأبي طالب من دون الكفار؛ بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا عمران، حدثنا قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر، فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، لم يكن له حسنة» تفسير : وقال أبو هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك في قوله: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}: يعني: الجنة، نسأل الله رضاه والجنة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا سليمان، يعني: ابن المغيرة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان، قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، قال: فقُضي أني انطلقت حاجاً أو معتمراً، فلقيته، فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يجزى العبد بالحسنة ألف ألف حسنة» تفسير : فقلت: ويحكم ما أحد أكثر مني مجالسة لأبي هريرة، وما سمعت هذا الحديث منه، فتحملت أريد أن ألحقه، فوجدته قد انطلق حاجاً، فانطلقت إلى الحج في طلب هذا الحديث، فلقيته فقلت: يا أبا هريرة ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرونه عنك؟ قال: ما هو؟ قلت: زعموا أنك تقول: إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة، قال: يا أبا عثمان وما تعجب من ذا، والله يقول: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} تفسير : [البقرة: 245] ويقول: {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}} تفسير : [التوبة: 38] والذي نفسي بيده لقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة» تفسير : قال: وهذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، ورواه أحمد أيضاً فقال: حدثنا يزيد، حدثنا مبارك ابن فضالة عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتيت أبا هريرة، فقلت له: بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة»تفسير : ، ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال: حدثنا أبو خلاد وسليمان بن خلاد المؤدب، حدثنا محمد الرفاعي عن زياد بن الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر مجالسة مني لأبي هريرة، فقدم قبلي حاجاً، وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة» تفسير : فقلت: ويحكم ما كان أحد أكثر مجالسة مني لأبي هريرة، وما سمعت منه هذا الحديث، فهممت أن ألحقه، فوجدته قد انطلق حاجاً، فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث. ورواه ابن أبي حاتم من طريق أخرى فقال: حدثنا بشر بن مسلم، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الذهبي، عن زياد الجصاص، عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة» تفسير : فقال أبو هريرة: والله بل سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة» تفسير : ثم تلا هذه الآية: {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}. وقوله تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} يقول تعالى مخبراً عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه: فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد، يعني الأنبياء عليهم السلام؟ كما قال تعالى: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِـىءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ} تفسير : [الزمر: 69] الآية؛ وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [النحل: 89] الآية. وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اقرأ علي» تفسير : فقلت: يا رسول الله، آقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: «حديث : نعم إني أحب أن أسمعه من غيري» تفسير : فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} فقال: «حديث : حسبك الآن» تفسير : فإذا عيناه تذرفان، ورواه هو ومسلم أيضاً من حديث الأعمش به، وقد روي من طرق متعددة عن ابن مسعود، فهو مقطوع به عنه. ورواه أحمد من طريق أبي حيان وأبي رزين عنه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري عن أبيه، قال: وكان أبي ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم قارئاً، فقرأ حتى أتى على هذه الآية: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اضطرب لحياه وجنباه، فقال: «حديث : يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره»تفسير : ؟ وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن عبد الله، هو ابن مسعود، في هذه الآية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : شهيد عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم».تفسير : وأما ما ذكره أبو عبد الله القرطبي في التذكرة حيث قال: باب ما جاء في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، قال: أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض فيه على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، يقول الله تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} فإنه أثر، وفيه انقطاع؛ فإن فيه رجلاً مبهماً لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه، وقد قبله القرطبي، فقال بعد إيراده: قد تقدم أن الأعمال تعرض على الله كل يوم اثنين وخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، قال: ولا تعارض؛ فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام. وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} أي: لو انشقت وبلعتهم؛ مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ؛ كقوله: {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} تفسير : [النبأ: 40] الآية، وقوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} إخبار عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئاً. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عمرو عن مطرف، عن المنهال ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له: سمعت الله عز وجل يقول ـ يعني: إخباراً عن المشركين يوم القيامة أنهم قالوا ـ: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] وقال في الآية الأخرى: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} فقال ابن عباس: أما قوله: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: تعالوا فلنجحد، فقالوا {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن، قال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك، ولكن اختلاف، قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك، قال: أسمع الله يقول: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] وقال: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} فقد كتموا. فقال ابن عباس: أما قوله: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام، ويغفر الذنوب ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا يغفر شركاً، جحد المشركون، فقالوا: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] رجاء أن يغفر لهم، فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}. وقال جويبر عن الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس قول الله تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} وقوله: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]؟ فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعتَ إليهم، فأخبرهم أن الله تعالى جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحده، فيقولون: تعالوا نجحد، فيسألهم، فيقولون: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] قال: فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت بهم {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} رواه ابن جرير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ } أحداً {مِثْقَالَ } وزن {ذَرَّةٍ } أصغر نملة بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته {وَإِن تَكُ } الذرّة {حَسَنَةً } من مؤمن وفي قراءة بالرفع ف «كان» تامة {يُضَٰعِفْهَا } من عشر إلى أكثر من سبعمائة وفي قراءة «يُضَعِّفْهَا» بالتشديد {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ } من عنده مع المضاعفة {أَجْراً عَظِيماً } لا يقدّره أحد.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أصل المثقال الثقل، والمثقال مقدار الشيء في الثقل. والذرة: قال ابن عباس هي دودة حمراء، قال يزيد بن هارون: زعمواْ أن هذه الدودة الحمراء ليس لها وزن. قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} وشهيد كل أمة نبيُّها، وفي المراد بشهادته عليها قولان: أحدهما: أن يشهد على كل أمّته بأنه بلغها ما تقوم به الحجة عليها، وهو قول ابن مسعود وابن جريج، والسدي. والثاني: أن يشهد عليها بعملها، وهو قول بعض البصريين. {وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيداً} يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهادة على أُمته، روى ابن مسعود أنه قرأ على رسول الله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيداً} ففاضت عيناه صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ} فيه قولان: أحدهما: أن الذين تمنوه من تسوية الأرض بهم، أن يجعلهم مثلها، كما قال تعالى في موضع أخر {أية : وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. والثاني: أنهم تمنواْ لو انفتحت لهم الأرض فصاروا في بطنها.

ابن عطية

تفسير : {مثقال} مفعال من الثقل، و "الذرة": الصغيرة الحمراء من النمل، وهي أصغر ما يكون إذا مر عليها حول، لأنها تصغر وتجري كما تفعل الأفعى، تقول العرب: أفعى جارية، وهي أشدها، وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : من الْقَاصِرات الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحِولٌ مِنَ الذَّرِّ فَوقَ الإتْبِ مِنْهَا لأثَّرا تفسير : فالمحول الذي أتى عليه حول.وقال حسان: [الخفيف] شعر : لو يَدبُّ الحوليُّ من ولد الذ ر عليها لأنْدَبَتْها الكلومُ تفسير : وعبر عن الذرة يزيد بن هارون "بأنها دودة حمراء" وهي عبارة فاسدة، وروي عن ابن عباس: "الذرة" رأس النملة، وقرأ ابن عباس "إن الله لا يظلم مثقال نملة" و {مثقال} مفعول ثان لـ {يظلم}، والأول مضمر التقدير، أن الله لا يظلم أحداً مثقال و {يظلم} لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، وإنما عدي هنا إلى مفعولين بأن يقدر في معنى ما يتعدى إلى مفعولين، كأنه قال: إن الله لا ينقص أو لا يبخس أو لا يغصب، ويصح أن يكون نصب {مثقال} على أنه بيان وصفة لمقدار الظلم المنفي، فيجيء على هذا نعتاً لمصدر محذوف، التقدير: إن الله لا يظلم ظلماً مثقال ذرة، كما تقول: إن الأمير لا يظلم قليلاً ولا كثيراً، أي لا يظلم ظلماً قليلاً ولا كثيراً، فعلى هذا وقف {يظلم} على مفعول واحد، وقال قتادة عن نفسه، ورواه عن بعض العلماء، لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إليَّ من الدنيا جميعاً، وحذفت النون من {تكن} لكثرة الاستعمال، وشبهها خفة بحروف المد واللين، وقرأ جمهور السبعة"حسنةً" بالرفع على نقصان "كان" واسمها مضمر تقديره وإن تك زنة الذرة حسنة، وقرأ نافع وابن كثير "حسنةٌ" بالرفع على تمام "كان" التقدير: وإن تقع حسنة أو توجد حسنة، و {يضاعفها} جواب الشرط، وقرأ ابن كثير وابن عامر "يضعفها " مشددة العين بغير ألف، قال ابو علي: المعنى فيهما واحد، وهما لغتان، وقرأ الحسن "يضْعفها" بسكون الضاد وتخفيف العين، ومضاعفة الشيء في كلام العرب: زيادة مثله إليه، فإذا قلت: ضعفت, فقد أتيت ببنية التكثير، وإذا كانت صيغة الفعل دون التكثير تقتضي الطي مرتين فبناء التكثير يقتضي أكثر من المرتين إلى أقصى ما تريد من العدد، وإذا قلت ضاعفت فليس ببنية تكثير، ولكنه فعل صيغته دالة على الطي مرتين فما زاد، هذه أصول هذا الباب على مذهب الخليل وسيبويه، وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب المجاز: أن "ضاعفت" يقتضي مراراً كثيرة، وضعفت يقتضي مرتين، وقال مثله الطبري ومنه نقل، ويدلك على تقارب الأمر في المعنى ما قرىء به في قوله {أية : فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} تفسير : [البقرة:245] فإنه قرىء "يضاعفه ويضعفه" وما قرىء به في قوله تعالى: {أية : يضاعف لها العذاب ضعفين} تفسير : [الأحزاب: 30] فإنها قرىء "يضعف لها العذاب ضعفين" وقال بعض المتأولين: هذه الآية خص بها المهاجرون، لأن الله أعلم في كتابه: أن الحسنة لكل مؤمن مضاعفة عشر مرار، وأعلم في هذه: أنها مضاعفة مراراً كثيرة جداً حسب ما روى أبو هريرة من أنها تضاعف ألفي ألف مرة، وروى غيره من أنها تضاعف ألف ألف مرة، ولا يستقيم أن يتضاد الخبران، فهذه مخصوصة للمهاجرين السابقين، حسبما روى عبد الله بن عمر: أنها لما نزلت {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام:160] في الناس كافة, قال رجل: فما للمهاجرين؟ فقال ما هو أعظم من هذا {إن الله لا يظلم} الآية فخصوا كما خصت نفقة سبيل الله بتضعيف سبعمائة مرة، ولا يقع تضاد في الخبر، وقال بعضهم: بل وعد بذلك جميع المؤمنين، وروي في ذلك أحاديث، وهي: أن الله عز وجل يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فينادي هذا فلان بن فلان، فمن كان له عنده حق فليقم قال: فيحب الإنسان لو كان له يؤمئذ الحق على أبيه وابنه، فيأتي كل من له حق فيأخذ من حسناته حتى يقع الانتصاف، ولا يبقى له إلا وزن الذرة، فيقول الله تعالى: أضعفوها لعبدي واذهبوا به إلى الجنة، وهذا يجمع معاني ما روي مما لم نذكره، والآية تعم المؤمنين والكافرين, فأما المؤمنون فيجازون في الآخرة على مثاقيل الذر فما زاد, وأما الكافرون فما يفعلون من خير فتقع المكافأة عليه بنعم الدنيا ويجيئون يوم القيامة ولا حسنة لهم، و {لدنه} معناه من عنده، قال سيبويه: ولدن: هي لابتداء الغاية، فهي تناسب أحد مواضع من، ولذلك التأما ودخلت {من} عليها، والأجر العظيم: الجنة، قاله ابن مسعود وسعيد بن جبير وابن زيد، والله إذا منَّ بتفضله بلغ بعبده الغاية.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِثْقَالَ} الشيء: مقداره في الثقل، والذرة: دودة حمراء قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: ويقال: إن هذه الدودة لا وزن لها.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...} الآية: مِثْقَال: مِفْعَال من الثّقل، والذَّرَّة: الصغيرةُ الحَمْرَاءُ مِنَ النَّمْلِ، ورُوِيَ عنِ ابْنِ عبَّاس؛ أنه قال: الذَّرَّة: رأسُ النملةِ، وقرأ ابنُ عَبَّاس: «مِثْقَالَ نَمْلَةٍ»؛ قال قتادةُ عن نَفْسه، ورواه عَنْ بعض العلماء: لأَنْ تَفْضُلَ حَسَنَاتِي علَى سَيِّئاتِي بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جميعاً. وقوله سبحانه: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً}: التقديرُ: وإِنْ تك زِنَةُ الذَّرَّةِ، وفي "صحيح مُسْلم" وغيره، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "حديث : ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّم، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ: سَلِّمْ سَلِّمْ"تفسير : ، وفيه: "حديث : فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ، وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمخْدُوشَّ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا خَلُصَ المُؤْمِنُونَ مَنَ النَّارِ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِيفَاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجَّونَ، فَيُقَالَ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ فَيُخْرِجُونَ خَلْقَاً كَثِيراً، قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدتُّمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَداً مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدتُّمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَداً مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجدتُّمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْراً"تفسير : ، وكان أبو سعيدٍ الخدريُّ يَقُولُ: إِن لم تصدِّقوني في هذا الحديث، فاقرءوا إِن شئْتُمْ: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}، فيقول اللَّه عزَّ وجلَّ: حديث : شَفَعَتِ المَلاَئِكَةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْماً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْراً قَطُّ..."تفسير : الحديثَ. انتهى. ولفظُ البخاريِّ: "حديث : فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ، إِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجُوا فِي إِخْوَانِهِم..."تفسير : الحديثَ. وقرأ نافع وابنُ كَثيرٍ: {حَسَنَةٌ} (بالرفع)؛ على تمام «كَانَ»، التقدير: وإِنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ، ويُضَاعِفْهَا: جوابُ الشرطِ، وقرأ ابن كَثِيرٍ: «يُضَعِّفْهَا»، وهو بناء تكثيرٍ يقتضِي أكْثَرَ مِنْ مرَّتين إِلَى أقصَى ما تريدُ مِنَ العدد، قال بعضُ المتأوِّلين: هذه الآيةُ خُصَّ بها المهاجِرُون؛ لأن اللَّه تعالَى أعلَمَ في كتابه؛ أنَّ الحَسَنَةَ لكُلِّ مؤُمِنٍ مضاعَفَةً عَشْرَ مرارٍ، وأَعْلَمَ في هذه الآيةِ أنها مُضَاعَفَةٌ مراراً كثيرةً؛ حَسْبما رَوَى أبو هُرَيْرة مِنْ أنَّها تُضَاعَفُ ألْفَيْ أَلْفِ مَرّضةٍ، وروى غيره: أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ، وقال بعضُهم: بَلْ وعد بذلك جَمِيعَ المؤمنينَ. قال * ع *: والآيةُ تعمُّ المؤمنين والكافرين، فأمَّا المؤمنُونَ، فَيُجَازونَ في الآخِرَةِ على مثاقِيلِ الذَّرِّ، فما زاد، وأمَّا الكافِرُونَ، فما يَفْعَلُونه مِن خَيْر، فإِنه تَقَعُ عليه المكافأة بنِعَمِ الدنيا، ويأتُونَ يَوْمَ القيامةِ، ولا حَسَنَةَ لَهُمْ، قلْتُ: وقد ذكرنا في هذا المُخْتَصَر من أحاديثِ الرَّجَاء، وأحاديثِ الشَّفَاعَةِ جملةً صالحةً لا تُوجَدُ مجتمعةً في غَيْره على نَحْوِ ما هِيَ فيه، عَسَى اللَّهُ أَنْ ينفَعَ به النَّاظر فيه، ومِنْ أعظلم أحاديثِ الرَّجَاءِ ما ذَكَره عياضٌ في «الشِّفَا» قَالَ: ومن حديثِ أنَس: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: حديث : لأَشْفَعَنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَكْثَرَ مِمَّا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍتفسير : . انتهى. وهذا الحديثُ أخرجه النِّسائِيُّ، ولفظه: "حديث : إِنِّي لأَشْفَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَكْثَرَ مِمَّا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍ..."تفسير : الحديثَ. انتهى من «الكوكب الدُّرِّيَّ». و {مِن لَّدُنْهُ}: معناه: مِنْ عنده، والأَجْرُ العظيمُ: الجَنَّة؛ قاله ابنُ مَسْعود وغيره، وإِذا مَنَّ اللَّه سبحانه بتفضُّله علَى عَبْده، بَلَغَ به الغايَةَ، اللَّهُمَّ مُنَّ علينا بخَيْرِ الدَّارَيْن بفَضْلك.

ابن عادل

تفسير : لمّا بيَّن أنه عَلِيم ببَواطِنِهم وظَواهِرِهم، بيَّن أنَّه كما علمها، لا يَظْلِم مثقال ذرَّة منها. قوله: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} فيها وَجْهَان: أحدهما: أنه مَنْصُوب على أنه نَعْت لمصْدر مَحْذُوف، أي: لا يَظْلِم أحَداً ظُلْمَاً وَزْن ذَرَّة، فحذف المفْعُول والمَصْدر، وأقام نَعْتَه مَقَامه، ولمّا ذكر أبو البقاء هذا الوَجْه، قَدَّر قبله مُضَافاً مَحْذُوفَاً، قال تقْدِيره: ظلماً قَدْر مِثْقال ذرَّة، فحذفَ المَصْدر وصِفَتَه، وأقَام المُضَاف إلَيْه مَقَامَه، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن المثْقال نفسه هو قَدَرٌ من الأقْدَار، جُعِل مِعْيَاراً لهذا القَدَر المَخْصُوص. والثاني: أنه مَنْصُوب على أنه مفعول ثانٍ لـ "يظلم"، والأوّل، مَحْذُوف؛ كأنهم ضَمَّنُوا "يظلم" معنى "يغصب" أو "ينقص" فعَدَّوهُ لاثنين، والأصْل أن الله لا يَظْلِمُ أحَداً مِثْقَالَ ذَرَّة. والمِثْقَال مِفْعَال من الثِّقَل، يُقال: هذا على مثال هَذَا، أي: وَزْنه، ومعنى الآيَةِ: أنه - تعالى - لا يَظْلَمِ أحداً لا قَلِيلاً ولا كَثِيراً، وإنما أخْرَجَهُ على أصْغَر ما يتعارَفَه النَّاس، ويُؤيِّده قوله - تعالى -: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً} تفسير : [يونس: 44] والذَّرَّة، قال أهل اللُّغَة: هي النَّمْلَة الحمراء، وقيل: رَأْسُها، وقيل: الذَّرَّة جُزْء من أجْزَاء الهَبَاء في الكوة، ولا يَكُون لها وَزْن. وروي أن ابْن عبَّاس أدْخَل يَدَه في التُّرَاب، ثم رَفَعَها، ثم نَفَخَ فيها، ثم قال: كل وَاحِدٍ من هَذِه الأشْيَاء. والأول هو المَشْهُور: لأن النَّمْلَةَ يُضْرب بها المثل في القِلَّة، وأصغر ما يَكُون إذا مرّ عليها حَوْل، وقالوا: لأنَّها حينئذٍ تَصْغُرُ جِدَّاً. قال حَسّان: [الخفيف] شعر : 1797- لَوْ يَدِبُّ الحَوْليُّ مِنْ وَلَدِ الذَّرْ رِ عَلَيْهَا لأنْدَبَتْها الكُلُومُ تفسير : وقال امْرُؤُ القَيْس: [الطويل] شعر : 1798- مِنَ القَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنْهَا لأثَّرَا تفسير : فصل روي مُسْلِم عن أنس؛ قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يَظْلِمُ اللَّهُ مُؤْمِناً حَسَنَة، يُعْطَى بها [في الدُّنْيَا] ويُجْزَى بها في الآخِرَة، وأما الكَافِر فَيُعْطى حسناتٍ ما عامل اللَّه بِهَا في الدُّنْيَا، حتى إذا مَضَى إلى الآخِرَةِ، لم يَكُن له حَسَنَة يُجْزَى عَلَيْهَا ". تفسير : فصل: دليل أهل السنة على خروج المؤمنين من النار واحتج أهْل السُّنَّة بهذه الآية، على أنَّ المُؤمنين يَخْرجُون من النَّار إلى الجَنَّة؛ قالوا: لأن ثَوَاب الإيمان والمُداوَمَة على التَّوْحيد، والإقْرَار بالعُبُودِيَّة مائة سَنَة، أعْظَم ثواباً من عِقَابِ شُرْب جَرْعَة من الخَمْر، فإذا حضر هذا الشَّارِبُ القيامَة وأسْقِط [عنه] قدر عِقَاب هذه المَعْصِية من ذلك الثَّواب العَظيم، فَضُل له من الثَّواب قَدْر عَظيم، فإذا دخل النار بسبب القَدْر من العِقَابِ، فلو بَقي هُنَاك، لكان ذَلِكَ ظُلْمَاً، فوجب القَطْع بأنه يَخْرُج إلى الجَنَّة. وقوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً} حذفت النَّون تَخْفِيفاً، لكثرة الاستعمَال، وهذه قَاعِدَةٌ كُلِّية، وهو أنه يجوز حذْف نُون "تكُون" مجْزُومة، بشرط ألاَّ يلِيهَا ضميرٌ متَّصِل؛ نحو لم يَكُنْه، وألاَّ تُحرَّك النٌّون لالتقاء الساكنِين، نحو: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [البينة: 1] خلافاً ليُونُس؛ فإنه أجَازَ ذلك مستدلاً بقوله: [الطويل] شعر : 1799- فَإنْ لَمْ تَكُ المِرْآةِ أبْدَتْ وَسَامَةً فَقَدْ أبْدَتْ [المِرْآةُ] جَبْهَةَ ضَيْغَمِ تفسير : وهذا عند سيبويه ضرُورةٌ، وإنما حُذِفَت النَّون لغُنّتها وسُكُونِها، فأشْبهت الواو، وهذا بِخلاف سَائِرِ الأفْعال، نحو: لم يَضِنَّ، ولم يَهُنْ؛ لكثرة اسْتِعْمال "كَانَ"، وكان ينبغي أن تَعُود الواو عند حذف هذه النُّون؛ لأنها إنَّما حُذِفَت لالتقاء الساكنين، وقد زالَ ثانيهما وهو النُّونُ؛ إلا أنَّها كالملفوظ بِهَا. واعلم أن النُّون السَّاكِنَة، إذا وقعت طرفاً تشبه حُرُوف اللِّين، وحُرُوف اللِّين إذا وقعت طرفاً سَقَطت للجزم، وقد جاء القُرْآن بالحَذْف والاثبات: أما الحَذْف: فهذه الآية. [وأما الإثبات] فكقوله: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً} تفسير : [النساء:135]. وقرأ الجمهور {حَسَنَةً} نصباً على خَبَر كان النَّاقِصة، واسْمُهَا مستَتِرٌ فيها يَعُود على مِثْقَال، وإنَّما أنِّث ضميره حَمْلاً على المَعْنَى؛ لأنه بمعْنَى: وإن تَكُن زِنة ذَرَّة حَسَنة، أو لإضافته إلى مُؤنَّثِ، فاكتَسبَ منه التَّأنِيث. وقرأ ابن كثير ونافع: "حَسَنَةٌ" رفعاً على أنَّها التَّامَّة، أي: وإن تقع أو تُوجد حَسَنةٌ وقرأ ابن كثير وابن عامرٍ "يضعفها" بالتضعيف، والباقون: "يضاعفها" قال أبو عبيدة ضاعَفَهُ يقتضي مِرَاراً كثيرة، وضَعَّفَ يقتضي مَرَّتَيْن، وهذا عكس كَلاَم العَرب، لأن المُضَاعَفَة تقتَضِي زيادة المِثْل، فإذا شُدِّدت، دَلَّت البنية على التكثير، فيقْتَضي ذلك تَكْرِيرُ المُضاعفة، بحسبِ ما يكون من العَدَدِ. وقال الفَارِسِيّ: فيها لغتان بمعنى يدُلُّ عليه قوله: {أية : يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} تفسير : [الأحزاب: 30] {أية : فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} تفسير : [البقرة: 245] وقد تقدَّم ذلك، وقرأ ابن هُرْمُز: "نضاعفها" [بالنون، وقُرئ "يضعفها"] بالتَّخْفيف من أضْعَفَه مثل أكْرَمَ. فصل قال أبو عُثْمَان النَّهْدي: بلغني عن أبي هُرَيْرة؛ أنه قال: إن اللَّه يعطِي عبده المُؤمِن بالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْف ألف حَسَنَةٍ، فقدّره الله أنْ ذهبْت إلى مكَّة حَاجّاً أو معتمِراً فلقيته فقلت: بَلَغَني أنك تقول إن اللَّه يُعْطِي عبده المُؤمِن بالحسنة ألف ألف حسنَة، قال أبو هريرة: لم أقُلْ ذلك، ولَكِن قُلْتُ: إن الحَسَنَة تُضاعف بألْفي ألْفَي ضِعْف، ثم تلا هذه الآية؛ وقال: قال الله - تعالى: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} لمن يَقْدر قَدْرَه. قوله: {مِن لَّدُنْهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه مُتَعَلِّق بـ "يؤت" و "من" للابْتِدَاءِ مَجَازاً. والثاني: متعلِّقٌ بمحْذُوف على أنه حَالٌ من "أجراً"، فإنه صِفَة نكرة في الأصْلِ، قُدِّم عليها فانْتَصَب حالاً. و "لدن" بمعنى عِنْد، إلا أن "لدن" أكثر تمكيناً، يقول الرَّجُل: عندي مَالٌ، إذا كان [مَالهِ] ببلَدٍ آخر، ولا يُقَال: لَدَيّ مالٌ في حالٍ، ولا لَدَيّ إلاَّ لما كان حَاضِراً.

البقاعي

تفسير : ولما فرغ من توبيخهم قال معللاً: {إن الله} أي الذي له كل كمال، فهو الغني المطلق {لا يظلم} أي لا يتصور أن يقع منه ظلم ما {مثقال ذرة} أي فما دونها، وإنما ذكرها لأنها كناية عن العدم، لأنها مثل في الصغر، أي فلا ينقص أحداً شيئاً مما عمله، ولا يثيب عليه شيئاً لم يعمله، فماذا على من آمن به وهو بهذه الصفة العظمى. ولما ذكر التخلي من الظلم، أتبعه التحلي بالفضل فقال عاطفاً على ما تقديره: فإن تك الذرة سيئة لم يزد عليها، ولا يجزي بها إلا مثلها: {وإن} ولما كان تشوف السامع إلى ذلك عظيماً، حذف منه النون بعد حذف المعطوف عليه تقريباً لمرامه فقال: {تك} أي مثقال الذرة، وأنثه لإضافته إلى مؤنث، وتحقيراً له، ليفهم تضعيف ما فوقه من باب الأولى، وهذا يطرد في قراءة الحرميين برفع {حسنة} أي وإن صغرت {يضاعفها} أي من جنسها بعشرة أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة ضعف إلى أزيد من ذلك بحسب ما يعلم من حسن العمل بحسن النية {ويؤت من لدنه} أي من غريب ما عنده فضلاً من غير عمل لمن يريد. قال الإمام: وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية، وهذا الأجر إلى السعادات الروحانية {أجراً عظيماً *} وسماه أجراً - وهو من غير جنس تلك الحسنة - لابتنائه على الإيمان، أي فمن كان هذا شأنه لا يسوغ لعاقل توجيه الهمة إلا إليه، ولا الاعتماد أصلاً بإنفاق وغيره إلا عليه. ولما تم تحذيره من اليوم الآخر وما ذكره من إظهار العدل واستقصائه فيه كان سبباً للسؤال عن حال المبكتين في هذه الآيات إذ ذاك، فقال: {فكيف} أي يكون حالهم وقد حملوا أمثال الجبال من مساوي الأعمال! {إذا جئنا} على عظمتنا {من كل أمة بشهيد} أي يشهد عليهم {وجئنا بك} وأنت أشرف خلقنا {على هؤلاء} أي الذين أرسلناك إليهم وجعلناك شهيداً عليهم {شهيداً *} وفي التفسير من البخاري عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقرأ عليّ" قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال "إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} قال "أمسك" فإذا عيناه تذرفان" تفسير : ثم استأنف الجواب عن ذلك بقوله: {يومئذ} أي تقوم الإشهاد {يود الذين كفروا} أي ستروا ما تهدي إليه العقول من آياته, وبين أنهم مخاطبون بالفروع في قوله: {وعصوا الرسول} بعد ستر ما أظهر من بيناته {لو تسوى بهم الأرض} أي تكون مستوية معتدلة بهم، ولا تكون كذلك إلا وقد غيبتهم واستوت بهم، ولم يبق فيها شيء من عوج ولا نتوّ بسبب أحد منهم ولا شيء من أجسامهم؛ وإنما ودوا ذلك خوفاً مما يستقبلهم من الفضيحة بعتابهم ثم الإهانة بعقابهم. ولما كان التقدير: فلا تسوى بهم، عطف عليه قوله: {ولا يكتمون الله} أي الملك الأعظم {حديثاً *} أي شيئاً أحدثوه بل يفتضحون بسيىء أخبارهم، ويحملون جميع أوزارهم، جزاء لما كانوا يكتمون من آياته وما نصب للناس من بيناته. ولما وصف الوقوف بين يديه في يوم العرض والأهوال الذي أدت فيه سطوة الكبرياء والجلال إلى تمني العدم، ومنعت قوة يد القهر والجبر أن يكتم حديثاً، وتضمن وصفه أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ وصف الوقوف بين يديه في الدنيا في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم، والذي خطرت معاني اللطف والجمال فهي الالتفات إلى غيره، وأمر بالطهارة في حال التزين به عن الخبائث فقال: {يا أيها الذين أمنوا} أي أقروا بالتصديق بالرسل وما أتوا به عن الله، وأوله وأولاه أن لا تشركوا به شيئاً من الإشراك {لا تقربوا الصلاة} أي بأن لا تكونوا في موضعها فضلاً عن أن تفعلوها {وأنتم} أي والحال أنكم {سكارى} أي غائبو العقل من الخمر أو نحوها، فإنه يوشك أن يسبق اللسان - بتمكن الشيطان بزوال العقل - إلى شيء من الإشراك، فيكون شركاً لسانياً وإن كان القلب مطمئناً بالإيمان، فيوشك أن يعرض ذلك عليه يوم الوقوف الأكبر، فإن من أنتم بين يديه لا يكتم حديثاً، فيود من نطق سانه بذلك - لما يحصل له من الألم - لو كان من أهل العدم! وأصل السكر في اللغة: سد الطريق؛ وسبب نزولها ما رواه مسدد بإسناد - قال شيخنا البوصيري: رجاله ثقات - عن علي رضي الله تعالى عنه "أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي رضي الله تعالى عنه في المغرب وقرأ {أية : قل يا أيها الكافرون} تفسير : [الكافرون: 1] فنزلت" هكذا رواه، وقد رواه أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وعبد بن حميد والبزار والحاكم والطبري، فبينوا المراد، وهو أن الذي صلى بهم قرأ: أعبد ما تعبدون، وفي رواية الترمذي: ونحن نعبد ما تعبدون. ولما أفهم النهي عن قربانها ي هذا الحال زواله بانقضائه، صرح به في قوله: {حتى} أي ولا يزال هذا النهي قائماً حتى {تعلموا} بزوال السكر {ما تقولون} فلا يقع منكم حينئذ تبديل؛ وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه أن المراد بالصلاة نفسها وموضعها وهو المسجد، وذلك من أدلته على استعمال الشيء في حقيقته ومجازه؛ نهى السكران أن يصلي إلى أن يفهم، أي يصحو، ونهى كل واحد أن يكون في المسجد وهو جنب بقوله عطفاً على محل {وأنتم سكارى}: {ولا} أي ولا تقربوا الصلاة بالكون في محالها فضلاً عنها {جنباً} أي ممنين بالفعل أو القوة القريبة منه بالتقاء الختانين، لأن الجنابة المني سواء كان عن جماع أو لا في حال من أحوال الجنابة {إلا عابري سبيل} أي مارين مروراً من غير مكث ولا صلاة؛ ولما غيَّى منع الجنابة بقوله: {حتى تغتسلوا} أي تغسلوا البدن عمداً، ولما كان للإنسان حالات يتعسر أو يتعذر فيها عليه استعمال الماء؛ ذكرها فقال مرتباً لها على الأحوج إلى الرخصة فالأحوج: {وإن كنتم مرضى} أي بجراحة أو غيرها مرضاً يمنع من طلب الماء أو استعماله {أو على سفر} كذلك سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً {أو جاء أحد منكم} أي أيها المؤمنون! ولو كان حاضراً صحيحاً {من الغائط} أي المكان المطمئن من الأرض الواسع الذي يقصد للتخلي، أي: أو جاء من التخلي فقضى حاجته التي لا بد له منها، فهو بها أحوج إلى التخفيف مما بعده. ولما تقدم أمر الجنابة التي هي المني أعم من أن تكون بجماع أو غيره، ذكر هنا ما يعمها وغيرها من وجه فقال: {أو لامستم النساء} أي بمجرد التقاء البشرتين أو بالجماع سواء حصل إنزال أو لا، وأخر هذا لأنه مما منه بد، ولا يتكرر تكرر قضاء الحاجة {فلم تجدوا ماء} أي إما بفقده أو بالعجز عن استعماله {فتيمموا} أي اقصدوا قصداً صادقاً بأن تلابسوا ناوين {صعيداً} أي تراباً {طيباً} أي طهوراً خالصاً فهو بحيث ينبت {أية : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه}تفسير : [الأعراف: 58] {فامسحوا} وهذه عبادة خاصة بنا. ولما كان التراب لا يتمكن من جميع العضو وإن اجتهد الإنسان في ذلك أدخل الباء قاصراً للفعل في قوله: {بوجوهكم} أي أوقعوا المسح بها سواء عم التراب منبت الشعر أم لا {وأيديكم} أي منه كما صرح به في المائدة، لا فيه ولا عليه مثلاً، ليفهم التمعك, أو أن الحجر مثلاً يكفي، والملامسة جوز الشافعي رضي الله تعالى عنه أيضاً أن يراد بها المس - أي ملاقاة البشرتين - الذي هو حقيقة اللمس والجماع الذي هو مسبب عن المس، أو هو مماسة خاصة، فهو من تسمية الكل باسم البعض حينئذ. ولما نهى عما يدني من وقوع صورة الذنب الذي هو جري اللسان بما لا يليق به سبحانه وتعالى، وخفف ما كان شديداً بالتيمم؛ ختم الآية بقوله: {إن الله} أي الذي اختص بالكمال {كان عفوّاً} أي بترك العقاب على الذنب، وكأن هذا راجع إلى ما وقع حالة السكر {غفوراً *} أي بترك العقاب وبمحو الذنب حتى لا يذكر بعد ذلك أصلاً، وكأن هذا راجع إلى التيمم، فإن الصلاة معه حسنة، ولولاه كانت سيئة مذكورة ومعاقباً عليها، إما على تركها لمشقة استعمال الماء عند التساهل، أو على فعلها بغير طهارة في بعض وجوه التنطع، وذلك معنى قوله سبحانه وتعالى في المائدة {أية : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج}تفسير : [المائدة: 6] ومن كانت عادته العفو والمغفرة كان ميسراً غير معسر.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إن الله لا يظلم مثقال ذرة‏} ‏ قال‏:‏ رأس نملة حمراء‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏مثقال ذرة‏} ‏ قال‏:‏ نملة‏.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق عطاء عن عبد الله أنه قرأ ‏"‏إن الله لا يظلم مثقال نملة‏"‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏إن الله لا يظلم مثقال ذرة‏} ‏ قال‏:‏ وزن ذرة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عمر قال‏:‏ نزلت هذه الآية في الأعراب، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها‏.‏ فقال رجل‏:‏ وما للمهاجرين‏؟‏ قال ‏ {‏إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما‏ً} وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة. أنه تلا هذه الآية فقال‏:‏ لأن تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها‏.‏ وأخرج الطيالسي وأحمد ومسلم وابن جرير عن أنس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري. أي النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان‏ "تفسير : . قال أبو سعيد‏:‏ فمن شك فليقرأ ‏ {‏إن الله لا يظلم مثقال ذرة‏}‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ ‏"‏يؤتى بالعبد يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين‏:‏ هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه‏.‏ فيفرح والله المرء أن يدور له الحق على والده أو ولده أو زوجته فيأخذه منه وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله ‏{أية : ‏فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون‏} تفسير : ‏[‏المؤمنون: 101‏]‏ فيقال له‏:‏ ائت هؤلاء حقوقهم. فيقول‏:‏ أي رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا‏؟‏ فيقول الله لملائكته‏:‏ انظروا أعماله الصالحة وأعطوهم منها‏.‏ فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة‏:‏ يا ربنا أعطينا كل ذي حق حقه وبقي له مثقال ذرة من حسنة‏.‏ فيقول للملائكة‏:‏ ضعفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة، ومصداق ذلك في كتاب الله ‏ {‏إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً‏} ‏ أي الجنة يعطيها‏.‏ وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته قالت الملائكة‏:‏ إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير‏.‏ فيقول الله‏:‏ ضعوا عليه من أوزارهم واكتبوا له كتاباً إلى النار‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏وإن تك حسنة‏}‏ وزن ذرة زادت على سيئاته ‏ {‏يضاعفها‏}‏، فأما المشرك فيخفف به عنه العذاب ولا يخرج من النار أبداً‏.‏ واخرج ابن المنذر عن أبي رجاء أنه قرأ‏:‏ ‏"‏وإن تك حسنة يضعفها‏"‏ بتثقيل العين‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال‏:‏ بلغني عن أبي هريرة أنه قال‏:‏ إن الله يجزي المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة‏.‏ فأتيته فسألته‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ وألفي ألف حسنة، وفي القرآن من ذلك ‏ {‏إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها‏} ‏ فمن يدري ما ذلك الإضعاف‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي عثمان النهدي قال‏:‏ لقيت أبا هريرة فقلت له‏:‏ بلغني أنك تقول أن الحسنة لتضاعف ألف ألف حسنة‏!‏ قال‏:‏ وما أعجبك من ذلك‏؟‏ فوالله لقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ‏ {‏ويؤت من لدنه أجراً عظيماً‏} ‏ قال‏:‏ الجنة‏.‏

القشيري

تفسير : لا ينقص من ثوابهم شيئاً بل يبتدئهم - من غير استحقاقهم - بفضله، ويضاعف أجورَهم على أعمالهم؛ فأمَّا الظلم فمحالٌ تقديره في وصفه لأن الخلقَ خلْقُه، والمُلْكَ ملكه. والظالم من يعتدي حداً رُسِمَ له - وهو في وصفه مُحال لِعزِّه في جلال قدره.

البقلي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} اخبر عن تنزيه نواله عن النقص على المحسنين وبشر فى تضاعيف الأية الذين يظنون ان اعمالهم الصالحة لا يقع موقع القبول ولا يجذرون ثوابها بانه تعالى يثيبهم على ذلك باحسن ما يحبون منه لان علمه تعالى ميحط بما كان وما سيكون لا يغرب عن علمه مثقال ذرة من العرش الى الثرى لا ينقص ثواب الصادقين وان كان اقل من ذره لانه خالق ذلك وكيف يخفى عليه ذلك وهذا اخبار عن كمال علمه وقدرته جميع المخلوقات وفيه اذا كان مسيئا فتاب هو تعالى ببدل سيئة حسنة فيكف وان كان محسنا فهو يقبل احسنة منه ويثيبه بها عشر امثالها وان يععطه جميع درجات الجنان بلا حسنة فهو اهل له لانه اهل التقوى اهل المغفرة والحسنة ههنا توحيد الله واذا كان اصدقا مخلصا فى ذلك فرجاته مضاعفة على درجات غيره من العامة ثم اخبر انه تعالى بتفضل على عبده الصادق بلا سبب من عند كرمه وجلاله ما لا يصحى عدده من نوال قربه ومشاهدته بقوله {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} والاجر العظيم مشاهدته.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله لا يظلم مثقال ذرة} لا ينقص من الاجر ولا يزيد فى العقاب شيئاً مقدار ذرة وهى النملة الصغيرة الحمراء التى لا تكاد ترى من صغرها او الصغير جدا من اجزاء التراب او ما يظهر من اجزاء الهباء المنبث الذى تراه فى البيت من ضوء الشمس وهو الانسب بمقام المبالغة وهذا نفى للظلم لانه اذا نفى القليل نفى الكثير لان القليل داخل فى الكثير {وان تك حسنة} اى وان يك مثقال الذرة حسنة انث الضمير لتأنيث الخبر او لاضافة المثقال الى مؤنث وحذف النون من غير قياس تشبيها بحروف العلة وتخفيفا لكثرة الاستعمال {يضاعفها} اى يضاعف ثوابها لان تضاعف نفس الحسنة بان يجعل الصلاة الواحدة صلاتين مما لا يعقل {ويؤت من لدنه} ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضيل زائدا على ما وعد فى مقابلة العمل {اجرا عظيما} عطاء جزيلا وانما سماه اجرا لكونه تابعا للاجر مزيدا عليه قال فى التيسير وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره مع انه سمى الدنيا وما فيها قليلا وسمى هذا الفضل عظيما ـ روى ـ انه يؤتى يوم القيامة بالعبد وينادى مناد على رؤوس الاولين والآخرين هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت الى حقه ثم يقال له اعط هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من اين وقد ذهبت الدنيا فيقول الله لملائكته انظروا فى اعماله الصالحة فاعطوهم منها فان بقى مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله تعالى لعبده وادخله الجنة بفضله ورحمته والظاهر ان ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها فى الجنة واما هذا الاجر العظيم الذى يؤتيه من لدنه فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية وعند الاستغراق فى المحبة والمعرفة وانما خص هذا النوع بقوله من لدنه لان هذا النوع من الغبطة والسعادة والكمال لا ينال بالاعمال الجسدية بل انما ينال بما يودع الله فى جوهر النفس المقدسية من الاشراق والصفاء والنور وبالجملة فذلك التضعيف اشارة الى السعادات الجسمانية وهذا الاجر العظيم اشارة الى السعادات الروحانية. ورد فى الخبر الصحيح "حديث : ان الله تعالى يقول لملائكته حين دخل اهل الجنة الجنة اطعموا اوليائى فيؤتى بالوان الاطعمة فيجدون لكل نعمة لذة غير ما يجدون للاخرى فاذا فرغوا من الطعام يقول الله تعالى اسقوا عبادى فيؤتى باشربة فيجدون لكل شربة لذة بخلاف الاخرى فاذا فرغوا يقول الله تعالى انا ربكم قد صدقتكم وعدى فاسألونى اعطم قالوا ربنا نسألك رضوانك مرتين او ثلاثا فيقول رضيت عنكم ولدىّ المزيد فاليوم اكرمكم بكرامة اعظم من ذلك كله فيكشف الحجاب فينظرون اليه ما شاء الله فيخرون اليه سجدا فيكونون فى السجود ما شاء الله تعالى ثم يقول لهم ارفعوا رؤسكم ليس هذا موضع عبادة فينسون كل نعمة كانوا فيها ويكون النظر اليه احب اليهم من جميع النعم". شعر : جان بيجمال ميل جهان ندارد وانكس كه اين ندارد حقا كه آن ندارت "حديث : فيهب ريح من تحت العرش على تل من مسك اذفر فينشر المسك على رؤسهم ونواصى خيولهم فاذا رجعوا الى اهليهم يرون ازواجهم فى الحسن والبهاء افضل مما تركوهن ويقول لهم ازواجهم قد رجعتم احسن مما كنتم" تفسير : ومطمع نظر العارف الجنة المعنوية. قال ابو يزيد البسطامى حلاوة المعرفة الآلهية خير من جنة الفردوس واعلى عليين لو فتحوا لى الجنات الثمان واعطونى الدنيا والآخرة لم يقابل انينى وقت السحر طال انسى بالله. وقال مالك بن دينار خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا اطيب الاشياء قيل وما هو قال معرفة الله تعالى: قال جلال الدين قدس سره شعر : اى خنك انراكه ذات خود شناخت اندر امن سرمدى قصرى بساخت بس جو آهن كرجه تيره هيكلى صيقلى كن صيقلى كن صيقلى دفع كن از مغز از بينى زكام تاكه ريح الله درآيد از مشام هيج مكذار ازتب وصفرا اثر تابيابى درجهان طعم شكر تفسير : اوصلنا الله واياكم الى معرفته وادخلنا الجنة برحمته.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الذرة: النملة الصغيرة الحمراء. وتطلق على جزء من أجزاء الهباء. ومن نَصَب {حسنة} فَخَبَرُ كان. وأُنث الضمير باعتبار الخبر. أو لإضافة مثقال إلى ذرة، فاكتسب التأنيث، ومن رفع فهي تامة، وحذف نونها على غير قياس، تشبيهًا لها بحروف العلة. وضاعف وضّعف بمعنى واحد. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الله لا يظلم } أحدًا بحيث ينقص من ثواب عمله، أو يزيد في عقبا ما يستحقه، ولو مثقال ذرة. بل يجازي كلاً على قدر عمله. فإن كان صالحًا، ولو صغر قدره، عظُم أجره. {فإن تك حسنة يُضاعفها} بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، بحسب الإخلاص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنَّ اللهَ يُعْطِي المُؤمنَ عَلى الحَسَنة ألفي ألف حَسَنة"تفسير : ، ثم تلا {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} الآية. {ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا}، وخيرًا جسيمًا، فضلاً منه وإحسانًا. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ اللهَ لا يظلم المُؤمنَ حَسنةً، بل يُثاب عليها الرزق في الدُنيَا ويجزيه بها في الآخِرَةِ. والكَافِر يعطيه بها في الدُّنيَا، فإذا كان يوم القيامة لم يكُن لَهُ حَسَنةٌ ". تفسير : الإشارة: كما أن الحق تعالى لا يظلم طالبي الأجور، بل يضاعف لهم في زيادة الحور والقصور، كذلك لا يبخس طالبي القرب والحضور، ورفع الحُجب والستور. بل كلما فعلوا من أنواع المجاهدات ضاعف لهم أنوار المشاهدات. وكلما نقص لهم من الحس ـ ولو مثقال ذرة ـ زادهم في المعنى قَدْرَهُ وأكثر شهودًا ونظرة. وكلما يقهر النفس ولو مقدار الفتيل، شربوا مقداره وأكثر من خمرة الجليل، وهذا كله مع صحبة المشايخ أهل التربية، وإلاَّ فلا تزيده مجاهدته إلا حَجبًا وبعدًا عن الخصوصية. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة، والحجة، والاعراب: قرأ: {وإن تك حسنة} بالرفع ابن كثير، ونافع. الباقون بالنصب، فمن نصب معناه: وإن تك زنة الذرة حسنة، أو: وإن فعلته حسنة، ومن رفع ذهب إلى أن كان تامة، وتقديره: وإن تحدث حسنة. وأصل (تك) تكون، فحذفت الضمة للجزم، والواو لسكونها وسكون النون، لكثرة الاستعمال، وقد ورد القرآن باثباتها، قال الله تعالى: {أية : إن يكن غنياً أو فقيراً} تفسير : فاجتمع في النون أنها ساكنة وأنها تشبه حروف اللين، فحذفت لكثرة الاستعمال، كما قالوا لا أدر، ولم ابل، والأجود: لم أبال، ولا أدري {ويؤت} بغير ياء، سقطت الياء للجزم بالعطف على {يضاعفها}. ولدن في موضع خفض. وفيها لغات، يقال: لدُ ولدن ولداً ولدا، والمعنى واحد، ومعناه من قبله، ولدن لما يليك، وعند يكون لما يليك ولما بعد منك، تقول: عندي مال وإن كان بينك وبينه بعد، فاذا أضفته إلى نفسك فقلت: من لدني ومن لدنا زدت فيها نوناً أخرى، وأدغموا الأولى منهما ليسلم سكون النون ومثله قالوا في (من)، إذا أضافوه قالوا: مني ومنا. وقرأ ابن كثير، وابن عامر: {يضعفها} مشدده، الباقون: {يضاعفها} من المضاعفة. والظلم هو الألم الذي لا نفع فيه يوفي عليه، ولا دفع مضرة أعظم منه عاجلا ولا آجلا، ولا هو مستحق، ولا هو واقع على وجه المدافعة. اللغة: وأصله وضع الشيء في غير موضعه، وقيل: أصله الانتقاص، من قوله:{أية : ولم تظلم منه شيئاً} تفسير : أي لم ينقص. والظلم انتقاص الحق، والظلمة انتقاص النور بذهابه، والظلم الثلج، لانتقاصه بالجمود، وشبه به ماء الأسنان، وفي المثل (من أشبه أباه فما ظلم)، وسقاء مظلوم إذا شرب منه قبل أن يدرك، والظليم ذكر النعام، لأنه يضع الشيء في غير موضعه من حيث يحضن غير بيضه. وأصل المثقال الثقل، فالمثقال مقدار الشيء في الثقل، والثقل ما ثقل من متاع السفر، والمثقل الذي أثقله المرض، والثقيل البطيء في عمله {فمثقال ذرة}: مقدار ذرة في الزنة. والذرة النملة الحمراء في قول ابن عباس، وابن زيد، وهي أصغر النمل، وهي من ذررت الشيء أذره ذرّاً إذا بدّدته سحوقاً. المعني: وفي الآية دلالة على أن منع الثواب ظلم لأنه لو لم يكن ذلك ظلماً لما كان لهذا الكلام معنى على هذا الترتيب. وفيه أيضاً دلالة على أنه قادر على الظلم، لأنها صفة تعظيم وتنزيه عن فعل ما يقدر عليه من الظلم، ولو لم يكن قادراً عليه لما كان فيه مدحة، غير أنه وإن كان قادراً عليه فانه لا يفعله لعلمه بقبحه، وبأنه غني عنه، ولأنه لو فعل لكان ظالماً، لأن الاشتقاق يوجب ذلك وذلك منزه عنه تعالى.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} مقدار ذرّة هى اصغر النّمل او جزء من اجزاء الهباء {وَإِن تَكُ حَسَنَةً} قرئ بالنّصب والرّفع بتقدير تك ناقصةً وتامّةً {يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} قوله انّ الله لا يظلم (الى آخر الآية) مستأنف او حال فى مقام التّعليل لقوله: ماذا عليهم لانّه يستعمل فى مثل المقام لنفى الوزر والعقوبة وللتّعريض بالاجر فكأنّه قال: لا وزر ولا عقوبة عليهم بل لهم الاجر لو آمنوا بالله لانّ الله لا يظلم حتّى يعاقب المحسن ويضاعف الاجر للمحسن بحسب استحقاقه للاجر ويؤت المحسن من لدنه اجراً عظيماً من غير استحقاقٍ، وتسمية ما يعطيه من غير استحقاقٍ اجراً لاستتباع الاجر له، او المراد انّ الله يضاعف نفس الحسنة باعتبار جهتى النّفس العمّالة والعّلامة فى النّفس ويؤت من لدنه اجراً اخرويّاً خارج النّفس على ما سبق من تحقيق تجسّم الاعمال واستتباع تجسّم الاعمال فى النّفس الاجر الاخروى.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}: لا يزيد فيما يستحق من العقاب ولا ينقص مما يستحق من الثواب ولو ما يكون وزنه فى الثقل وزن نملة صغيرة، يزن حبة شعير مائة منها، أو وزن حبة خردل، أو جزء هباء. وعن ابن عباس: الذرة رأس نملة حمراء، فالمثقال مفعال من الثقل، ضد الخفة والذرة، ولو كان لا ثقل لها لكن ليس فى الحقيقة عند الله الذرة كعدمها، وإنما ثقلها لا يتحقق لنا، أو لما غلب المثقال فى المقدار تنويسى معنى الثقل، وعلى كل حال اختير لفظاً لمثقال المأخوذ من الثقل، إشارة إلى الحسنة أو السيئة، ولو ثقلت جزاؤها ثقيل، والظلم متعد لواحد محذوف، ومثقال مفعول مطلق، أى لا يظلم أحداً ظلم مثقال ذرة، أو ظلماً مثقال ذرة، أى ظلماً موازن ذرة - بضم الميم - أو متعد هنا لاثنين لتضمنه النقص أى لا ينقص عاصياً، ولا مطيعاً مثقال ذرة، ففيه زيادة تهديد للعاصى أو لتضمنه معنى الزيادة، أى لا يزيد عاصياً ولا مطيعاً مثقال ذرة، بمعنى لا يزيد حسنة أو سيئة أو ينقصها والمزيد إنما هو ثواب يضاعف كما قال: {وَإِنْ تَكُ}: تحصل. {حَسَنَةً}: لم تبطل. {يُضَاعِفْهَا}: بثواب عشرة فصاعداً إلى سبعمائة فصاعداً كما قال: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ}: من عنده. {أَجْراً عَظِيماً}: هو ما فوق سبعمائة، كل ذلك جزاء على الحسنة الواحدة لقوله: {أجراً} وقد يقال {يضاعفها} شامل لما فوق سبعمائة، والأجر العظيم محض، فضل جزيل لا ثوب للحسنة، لكن سماه أجراً للمشاكلة لعظم ذكره معناه، لأن يضاعف بالمعنى يؤجر، ولأنه زيادة على الأجر ومسبب عنه، وتابع. و{تك} لا خبرية و{حسنة} فاعله. عند ابن كثير ونافع وقرأ الباقون بنصب حسنة على أن له خبراً وهو حسنة واسمه ضمير مثقال، وأنث لتأنيث الخبر وهو حسنة أو لإضافته لمؤنث، وهو ذرة، لأنه تعروف أن يقتصر على على ذرة فى مثل ذلك فيقال: لم يعطه ذرة ولم يعطه حبة تراب ولا حبة فى التراب لكن تشبيه، وحذفت نون تكن تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وتشبيهاً بالواو فى غنتها، والواو تحذف للجازم فحذف ما أشبهها وعلامة الجزم سكون النون المحذوفة، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يضعّفها بتشديد العين، وإسقاط الألف، وقرأ بإسكان الضاد، وقرأ ابن هرمز تضاعفها بالنون. والمعنى واحد وليست المفاعلة فى قراءة الجمهور على بابها، و{من لدنه} متعلق {بيؤت}، أو بمحذوف حال من {أجراً} أو من الابتداء. وقال قتادة عن نفسه ورواه عن بعض العلماء لأن تفضل حسناتى على سيئاتى بمثقال ذرة أحب إلى من الدنيا جميعاً. ذكره الثعالبى، وعن ابن مسعود وغيره: الأجر العظيم: الجنة وذكر بعض المتأولين أن الآية خص به المهاجرون، لأن الله تعالى أعلم فى كتابه أن الحسنة لكل مؤمن مضاعفة عشر مرات، وفى الآية مضاعفة مراراً كثيرة، كما قيل عن أبى هريرة: يضاعف ألفى ألف مرة، وروى غيره: ألف ألف مرة، وقيل: ذلك الوعد كله للمؤمنين، وهو مروى عن أبى هريرة. قال أبو عثمان النهرى لأبى هريرة: بلغنى عنك أنك تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعطى غير المؤمن بالحسنة ألف حسنة. قال أبو هريرة: لا بل سمعته يقول: "حديث : إن الله تعالى يعطيه ألفى ألف حسنة" تفسير : ثم تلا هذه الآية. والمراد مع هذا الكثرة، لا التحديد، قيل: يضاعف ثوابها لا باستحقاقها عنده الثواب فى كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية كلهم، وأما الكافر فل يفعل حسنة إلا جوزى بها فى الدنيا، حتى يوافى يوم القيامة ولا حسنة له وهو رواية عنه صلى الله عليه وسلم، وإذا حوسب المؤمن وبقى له مثقال ذرة ضاعفها الله تبارك وتعالى، إلى سبعمائة وإلى أجر عظيم والآية شاملة لأمر الخصمين، فمنهم من لا يجد ما يعطى خصمه، وقد تاب فى الدنيا، ولم يجد وفاء فيرضيه الله عنه، أو بعد أن بقى بلا حسنة لأخذ المظلومين حسناته، وعن ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم ينادى مناد من قبل الله: إلا من كان يطلب مظلمة فليجىء إلى حقه فليأخذه فيفرح المرء أن يكون له الحق على ولده، أو والده أو زوجته أو أخيه، فيأخذ منه وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك فى كتاب الله تعالى: {أية : فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم يؤمئذ ولا يتساءلون}تفسير : ويؤتى بالعبد فينادى منادى على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقال له آت هؤلاء حقوقهم، فيقول أى ربى من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله تعالى لملائكته: انظروا فى أعماله الصالحات، فأعطوهم منها، وفإن بقى له مثل ذرة من حسنة قالوا يا ربنا، وهو أعلم بذلك، أعطينا كل ذى حق حقه، وبقى له مثقال ذرة من حسنة، فيقول ضعفوها لعبدى، وأدخلوه بفضل رحمتى الجنة، ومصداق ذلك فى كتاب الله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}: أى فى الجنة وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: إلهنا فنيت حسناته وبقى طالبه كثيرون، فيقول الله تعالى خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم اكتبوا له كتاباً إلى النار أى عاقبوه بسيئات قد أساء بها إليهم، ولكونه أساء إليهم بها أضيفت إليهم مع سيئاته التى بينه وبين الله لقوله تعالى: {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى}تفسير : فلا يظلم مثقال ذرة للخصم عل خصمه، بل يأخذها له ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضاعفها. قال عمرو بن العاص: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى فيخلص رجلا من أمتى على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل من البصر"تفسير : ثم قال: "حديث : أتنكر من هذا شيئاً أظلمك كتبتى الحافظون؟ فيقول: لا يا رب فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، يقول تعالى: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول له: أحضر وزنك. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، قال الله: جل وعلا فأنت لا تظلم فتوضع السجلات فى كفه والبطاقة فى كفه فطاش فى السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شىء"تفسير : . قال أبو هريرة: إذا قال الله عز وجل أجراً عظيما فمن يقدر قدره. وعن ابن مسعود أنه قال: إن فى النساء آيات هن خير من الدنيا جميعاً، قوله {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة وَإِن تَك حَسَنَة يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْه أَجْراً عَظِيماً} {أية : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه}تفسير : الآية {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به}تفسير : الآية، ومر تأويلها، ويأتى أيضاً إن شاء الله {أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم..}،تفسير : الآية {أية : والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا..}تفسير : الآية إذا كان الأمر كما فى الآية.

اطفيش

تفسير : {إنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ} لا ينقص {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ثقل الذرة، ويقال هذا على مثقال ذلك، أى وزنه، وهى جزء من ألف جزء من حبة خردل أو نحوها، وذلك لا يعرف قدره إلا الله، أو أربعة وعشرون قيراطاً، وهو غير القيراط المعروف، والذرة زنة مائة منها حبة شعير، أو النملة الصغيرة جدَّا، ولا تكاد ترى، أو رأس النملة، وقرأ ابن مسعود، مثقال نملة أو جزء من أجزاء هباء الكوة أو الخردلة، أو ما يطير بالنفخ على يد خرجت من التراب، ومثقال الذرة مستعمل فى الجاهلية، والإسلام، ولم يقل مقدار ذرة ليذكر ما يدل على الوزن، كما قال: {أية : فأما من ثقلت موازينه} تفسير : [القارعة: 6]، وهو مفعول مطلق، أى ظلماً يساوى ذرة، أو مفعول به، والمراد بالوزن البيان للمقدار، لا الوزن بكفات وعمود، {وَإن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} يضاعف ثوابها إلى عشرة إلى سبع مائة، وإلى أكثر كما مر فى البقرة على الصدقة، وروى أو داود عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من دخل السوق وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت، بيده الخير، وهو على كل شىء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة"تفسير : ، وفى سنده ضعف، عن أبى هريرة ألفى أَلف حسنة، وهو على ظاهره، وقيل المراد الكثرة، وفى حديث ضعيف من قال سبحان الله كتب الله له ألف حسنة وأربعاً وعشرين ألف حسنة {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} قال أبو هريرة إذا قال أجراً عظيما فمن يقدر قدره، والحسنة فى مكة بمائة ألف حسنة والسيئة بمائة سيئة، وفى غيرها بواحدة، وهذا الأجر العظيم زيادة فضل، سماها أجراً لبنائها عليه، ومضاعفة الحسنة تكريرها، والأجر العظيم ثوابها، وذلك أن تكون الصلاة عشر صلوات، أو سبعمائة صلاة فصاعدا، فيما قال بعض المحققين.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} المثقال مفعال من الثقل، ويطلق على المقدار المعلوم الذي لم يختلف كما قيل: جاهلية وإسلاماً وهو كما أخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه أربعة وعشرون قيراطاً، وعلى مطلق المقدار ـ وهو المراد هنا ـ ولذا قال السدي: أي وزن ذرة ـ وهي النملة الحمراء الصغيرة التي لا تكاد ترى. وروي ذلك عن ابن عباس وابن زيد، وعن الأول: أنها رأس النملة، وعنه أيضاً أنه أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة، وقريب منه ما قيل: إنها جزء من أجزاء الهباء في الكوة، وقيل هي الخردلة، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبـي داود في «المصاحف» من طريق عطاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ـ مثقال نملة ـ ولم يذكر سبحانه الذرة لقصر الحكم عليها بل لأنها أقل شيء مما يدخل في وهم البشر، أو أكثر ما يستعمل عند الوصف بالقلة، ولم يعبر سبحانه بالمقدار ونحوه بل عبر بالمثقال للإشارة بما يفهم منه من الثقل الذي يعبر به عن الكثرة والعظم كقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ} تفسير : [القارعة: 6] إلى أنه وإن كان حقيراً / فهو باعتبار جزئه عظيم، وانتصابه على أنه صفة مصدر محذوف كالمفعول، أي ظلماً قدر مثقال ذرة فحذف المصدر وصفته، وأقيم المضاف إليه مقامهما، أو مفعول ثان ليظلم أي لا يظلم أحداً أو لا يظلمهم مثقال ذرة. قال السمين: وكأنهم ضمنوا (يظلم) معنى يغصب أو ينقص فعدوه لاثنين. وذكر الراغب أن الظلم عند أهل اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة أو بعدول عن وقته أو مكانه، وعليه ففي الكلام إشارة إلى أن نقص الثواب وزيادة العقاب لا يقعان منه تعالى أصلاً، وفي ذلك حث على الإيمان والإنفاق بل إرشاد إلى أن كل ما أمر به مما ينبغي أن يفعل وكل ما نهى عنه مما ينبغي أن يجتنب. واستدل المعتزلة بالآية على أن الظلم ممكن في حدّ ذاته إلا أنه تعالى لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة لأنه سبحانه مدح نفسه بتركه ولا مدح بترك القبيح ما لم يكن عن قدرة، ألا ترى أن العنين لا يمدح بترك الزنا، واعترض على ذلك بقوله تعالى: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} تفسير : [البقرة: 255] فإنه ذكر في معرض المدح مع أن النوم غير ممكن عليه سبحانه، قال في «الكشف» وهو غير وارد لأنه مدح بانتفاء النقص عن ذاته المقدسة وهو كما نقول: الباري عز وعلا ليس بجسم ولا عرض، وأما ما نحن فيه فمدح بترك الفعل والترك الممدوح إنما يكون إذا كان بالاختيار، نعم للمانع أن لا يسلم أنه تعالى مدح بالترك بل من حيث الدلالة على النقص لأن وجوب الوجود ينافي جواز الاتصاف بالظلم، وتحقيقه على مذهبهم أن وضع الشيء في غير موضعه الحقيق به ممكن في نفسه وقدرة الحق جل شأنه تسع جميع الممكنات، لكن الحكمة ـ وهي الإتيان بالممكن على وجه الإحكام وعلى ما ينبغي ـ مانعة، وعن هذا قالوا: الحكيم لا يفعل إلا الحسن من بين الممكنات إلا إذا دعته حاجة؛ والمنزه عن الحاجات جمع يتعالى عن فعل القبيح، ونحن نقول: إنه عز اسمه لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أيضاً بناءاً على وعده المحتوم، فإن الخلف فيه ممتنع لكونه نقصاً منافياً للألوهية وكمال الغنى، وبهذا الاعتبار يصح أن يسمى ظلماً، وإن كان لا يتصور حقيقة الظلم منه تعالى لكونه المالك على الإطلاق، فالزيادة والنقص ممكنان لذاتهما، والخلف ممتنع لذاته، ولا يلزم من كون الخلف ممتنعاً لذاته بالنسبة إلى الواجب تعالى وتقدس أن يكون متعلقه كذلك، وهذا على نحو ما تقرر في مسألة التكليف بالممتنع أن إخبار الله تعالى عن عدم إيمان المصر ووجوب الصدق اللازم له لا يخرج الفعل عن كونه مقدور المكلف بل يحقق قدرته عليه فليحفظ فإنه مهم. {وَإِن تَكُ حَسَنَةً} الضمير المستتر في الفعل الناقص عائد إلى المثقال، وإنما أنث حملاً على المعنى لأنه بمعنى وإن تكن زنة ذرة حسنة، وقيل: لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه نحو.شعر : كما شرقت صدر القناة من الدم تفسير : أو صفة له نحو {أية : لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} تفسير : [الأنعام: 158] في قراءة من قرأ بالتاء الفوقانية ومقدار الشيء صفة له كما أن الإيمان صفة للنفس، وقيل: أنث الضمير لتأنيث الخبر، واعترض بأن تأنيث الخبر إنما يكون لمطابقة تأنيث المبتدأ، فلو كان تأنيث المبتدأ له لزم الدور، وأجيب بأن ذلك إذا كان مقصوداً وصفيته، والحسنة غلبت عليها الإسمية فألحقت بالجوامد التي لا تراعى فيها المطابقة نحو ـ الكلام هو الجملة ـ وقيل: الضمير عائد إلى المضاف إليه وهو مؤنث بلا خفاء، وحذفت النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيهاً لها بحروف العلة من حيث الغنة والسكون وكونها من حروف الزوائد، وكان القياس عود الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين بعد حذف النون إلا أنهم خالفوا القياس في ذلك أيضاً حرصاً على التخفيف فيما / كثر دوره، وقد أجاز يونس حذف النون من هذا الفعل أيضاً في مثل قوله:شعر : فإن لم (تك) المرآة أبدت وسامة فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم تفسير : وسيبويه يدعي أن ذلك ضرورة، وقرأ ابن كثير {حَسَنَةٌ} بالرفع على أن {تَكُ} تامة أي وإن توجد أو تقع {حَسَنَةٌ}. {يُضَـٰعِفْهَا} أضعافاً كثيرة حتى يوصلها ـ كما مر عن أبـي هريرة ـ إلى ألفي ألف حسنة، وعنى التكثير لا التحديد، والمراد يضاعف ثوابها لأن مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلاة الواحدة صلاتين مثلاً مما لا يعقل، وإن ذهب إليه بعض المحققين، وما في الحديث ـ من أن تمرة الصدقة يربيها الرحمن حتى تصير مثل الجبل ـ محمول على هذا للقطع بأنها أكلت، واحتمال إعادة المعدوم بعيد، وكذا كتابة ثوابها مضاعفاً، وهذه المضاعفة ليست هي المضاعفة في المدة عند الإمام لأنها غير متناهية، وتضعيف غير المتناهي محال بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار، مثلاً يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين جزءاً أو ثلاثين أو أزيد، وقيل: هي المضاعفة بحسب المدة على معنى أنه سبحانه لا يقطع ثواب الحسنة في المدد الغير المتناهية لا أنه يضاعف جل شأنه مدتها ليجيء حديث محالية تضعيف ما لا نهاية، وجعل قوله تعالى: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} على هذا ـ عطفاً لبيان الأجر المتفضل به، وهو الزيادة في المقدار إثر بيان الأجر المستحق وهو إعطاء مثله واحداً بعد واحد إلى أبد الدهر، وتسمية ذلك أجراً من مجاز المجاورة لأنه تابع للأجر مزيد عليه، وعلى الأول جعله البعض وارداً على طريقة عطف التفسير على معنى يضاعف ثواب تلك الحسنة بإعطاء الزائد عليه من فضله، وزعموا أن القول بالأجر المستحق مذهب المعتزلة ولا يتأتى على مذهب الجماعة ـ وليس بشيء ـ لأن الجماعة يقولون بالاستحقاق أيضاً لكن بمقتضى الوعد الذي لا يخلف، وبه يكون الأجر الموعود به كأنه حق للعبد كما أنه يكون كذلك أيضاً بمقتضى الكرم كما قيل: وعد الكريم دين، نعم حمل الأجر على ما ذكر لا يخلو عن بعد، والداعي إليه عدم التكرار، وقال الإمام أيضاً: «إن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها في الجنة، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية والاستغراق في المحبة والمعرفة... وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية، وهذا الأجر إشارة إلى السعادات الروحانية»، ولا يخلو عن حسن، و ـ لدن ـ بمعنى عند، وفرق بينهما بعضهم بأن لدن أقوى في الدلالة على القرب، ولذا لا يقال: لديّ مال إلا وهو حاضر بخلاف عند، وتقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: لدي ولدني ـ كما قاله الزجاج ـ ونظر فيه بأنه شاع استعمال لدن في غير المكان كقوله تعالى: {أية : مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} تفسير : [الكهف: 65] اللهم إلا أن يخرج ما قاله الزجاج مخرج الغالب، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وابن جبير ـ يضعفها ـ بتضعيف العين وتشديدها، والمختار عند أهل اللغة والفارسي أنهما بمعنى، وقال أبو عبيدة: ضاعف يقتضي مراراً كثيرة، وضعف يقتضي مرتين، ورد بأنه عكس اللغة لأن المضاعفة تقتضي زيادة الثواب فإذا شددت دلت البنية على التكثير فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة، وقد تقدم من الكلام ما ينفعك فتذكر.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بعد أن وصف حالهم، وأقام الحجّة عليهم، وأراهم تفريطهم مع سهولة أخذهم بالحيطة لأنفسهم لو شاءوا، بيّن أنّ الله منزّه عن الظلم القليل، بله الظلم الشديد، فالكلام تعريض بوعيد محذوف هو من جنس العقاب، وأنّه في حقّهم عدل، لأنّهم استحقّوه بكفرهم، وقد دلّت على ذلك المقدّر أيضاً مقابلته بقوله: {وإن تك حسنة} ولمّا كان المنفي الظلم، على أنّ (مثقال ذرّة) تقدير لأقلّ ظلم، فدلّ على أنّ المراد أنّ الله لا يؤاخذ المسيء بأكثر من جزاء سيّئته. وانتصب {مثقال ذرة} بالنيابة عن المفعول المطلق، أي لا يظلم ظُلما مقدّراً بمثقال ذرّة، والمثقال ما يظهر به الثِّقَل، فلذلك صيغَ على وزن اسم الآلة، والمراد به المقدار. والذَّرة تطلق على بيضة النمْلة، وعلى ما يتطاير من التراب عند النفخ، وهذا أحقر ما يقدُر به، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى. وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر {حسنة} ــــ بالرفع ــــ على أنّ (تك) مضارع كان التامّة، أي إن تُوجَدْ حسنةٌ. وقرأه الجمهور ــــ بنصب ــــ {حسنة} على الخبرية لــــ {تَكُ} على اعتبار كان ناقصة، واسم كان المُسْتتر عائد إلى مثقال ذرّة، وجيء بفعل الكون بصيغة فِعل المؤنث مراعاةً لفظ ذرّة الذي أضيف إليه مثقالُ، لأنّ لفظ مثقال مبهم لا يميّزه إلاّ لفظ ذرّة فكان كالمستغنى عنه. والمضاعفة إضافة الضّعف ــــ بكسر الصاد ــــ أي المِثْل، يقال: ضاعف وضَعَّف وأضْعَفَ، وهي بمعنى واحد على التحقيق عند أيمّة اللغة، مثل أبي علي الفارسي. وقال أبو عُبيدة ضاعف يقتضي أكثر من ضِعْفٍ واحد وضعّف يقتضي ضعفين. وردّ بقوله تعالى: {أية : يضاعف لها العذاب ضعفين}تفسير : [الأحزاب: 30]. وأمّا دلالة إحدى الصيغ الثلاث على مقدار التضعيف فيؤخذ من القرائن لحكمة الصيغة. وقرأ الجمهور: {يضاعفها}، وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر: {يُضَعِّفها} ــــ بدون ألف بعد العين وبتشديد العين ــــ. والأجر العظيم ما يزاد على الضعف، ولذلك أضافه الله تعالى إلى ضمير الجلالة، فقال: {من لدنه} إضافة تشريف. وسمّاه أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح، وقد روي أنّ هذا نزل في ثواب الهجرة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} الآية. لم يبين في هذه الآية الكريمة أقل ما تضاعف به الحسنة، ولا أكثره ولكنه بين في موضع آخر أن أقل ما تضاعف به عشر أمثالها، وهو قوله: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تفسير : [الأنعام: 160]. وبين في موضع آخر أن المضاعفة ربما بلغت سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، وهو قوله: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} تفسير : [البقرة: 261] الآية كما تقدم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الظلم: وضع شيء في غير موضعه. مثقال ذرة: المثقال: الوزن مأخوذ من الثقل فكل ما يوزن فيه ثقل، والذرة أصغر حجم في الكون حتى قيل إنه الهباء أو رأس النملة. الحسنة: الفعلة الجميلة من المعروف. يضاعفها: يريد فيها ضعفها. من لدنه: من عنده. أجرا عظيما: جزاء كبيرا وثواباً عظيما. الشهيد: الشاهد على الشيء لعلمه به. يود: يحب. تسوى بهم الأرض: يكونون تراباً مثلها. ولا يكتمون الله حديثا: أي لا يخفون كلاماً. معنى الآيات: لما أمر تعالى في الآيات السابقة بعبادته والإِحسان إلى من ذكر من عباده. وأمر بالإنفاق في سبيله، وندد بالبخل والكبر والفخر، وكتمان العلم، وكان هذا يتطلب الجزاء بحسبه خيراً أو شراً ذكر في هذه الآية [40] {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}، ذكر عدله في المجازاة ورحمته، فأخبر أنه عند الحساب لا يظلم عبده وزن ذرة أصغر شيء وذلك بأن لا ينقص من حسناته حسنة، ولا يزيد في سَيَئاتِه سيئة، وان توجد لدى مؤمن حسنة واحدة يضاعفها بأضعاف يعلمها هو ويعط من عنده بدون مقابل أجراً عظيما لا يقادر قدره فلله الحمد والمنة هذا ما تضمنته الآية الأولى [40] أما الآية الثانية [41] فإنه تعالى لما ذكر الجزاء والحساب الدالة عليه السياق ذكر ما يدل على هول يوم الحساب وفظاعة الأمر فيه، فخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم قائلا: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}؟ ومعنى الآية الكريمة فكيف تكون حال أهل الكفر والشر والفساد إذا جاء الله تعالى بشهيد من كل أمة ليشهد عليها فيما أطاعت وفيما عصت ليتم الحساب بحسب البينات والشهود والجزاء بحسب الكفر والإِيمان والمعاصي والطاعات، وجئنا بك أيها الرسول الخليل صلى الله عليه وسلم شهيداً على هؤلاء أي على أمته صلى الله عليه وسلم من آمن به ومن كفر إذ يشهد أنه بلغ رسالته وأدى أمانته صلى الله عليه وسلم. هذا ما تضمنته الآية الثانية أما الآية الثالثة [42] فإنه تعالى لما ذكر ما يدل على هول يوم القيامة في الآية [41] ذكر مثلا لذلك الهول وهو أن الذين كفروا يودون وقد عصوا الرسول لو يسوون بالأرض فيكونون تراباً حتى لا يحاسبوا ولا يجزوا بجهنم. وأنهم في ذلك اليوم لا يكتمون الله كلاما؛ إذ جوارحهم تنطق فتشهد عليهم. قال تعالى {يَوْمَئِذٍ} أي يوم يؤتى من كل أمة بشهيد {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} فيكونون تراباً مثلها. مرادهم أن يسووا هم بالأرض فيكونون ترابا وخرج الكلام على معنى أدخلت رأسي في القلنسوة والأصل أدخلت القلنسوة في رأسي وقوله {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} أخبار عن عجزهم عن كتمان شيء عن الله تعالى لأن جوارحهم تشهد عليهم بعد أن يختم على أفواههم، كما قال تعالى من سورة يس {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [الآية: 65]. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان عدالة الله تعالى ورحمته ومزيد فضله. 2- بيان هول يوم القيامة حتى إن الكافر ليود أن لو سويت به الأرض فكان تراباً. 3- معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بآثار الشهادة على العبد يوم القيامة إذا أخبر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً "حديث : إقرأ عليَّ القرآن فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: أحب أن أسمعه من غيري قال: فقرأت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} حتى وصلت هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} الآية وإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان الدموع وهو يقول: حسبك أي كفاك ما قرأت علّي ".

القطان

تفسير : الذرة: أصغر ما يُدرك من الاجسام. من لدنه: من عنده. ان الله تعالى لا ينقُص أحداً من أجر عمله والجزاءِ عليه شيئاً ما، حتى وإن صغُر كذرّة الهباء. يضاعف للمحسن ثَواب حسناته، ويعطي من فضله عطاء كبيرا، اضعافا مضاعفة، بدون حساب. ان الظلم لا يقع من الله تعالى، لأنه من النقص الذي يتنزه عنه، وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع "حسنة" بالرفع. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب "يضعفها" بالتشديد. والمعنى واحد.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُضَاعِفْهَا} (40) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأنَّهُ سَوْفَ يُوَفِّيِهِمْ أجُورَ أعْمَالِهِمْ كَامِلَةً، وَلاَ يَظْلِمُ يَوْمَ القِيَامَةِ أحَداً مِنْ خَلْقِهِ مِثْقَالَ (أَيْ ثِقْلَ) حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وَلاَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإنَّمَا يُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ عَملَه، وَيُضَاعِفُ الحَسَنَاتِ لِفَاعِلِيهَا، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَيُؤْتِي مِنْ لَدُنْهُ الجَنَّة لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَهِيَ الأجْرُ العَظِيمُ الذِي وَعَدَهُمْ بِهِ. مِثْقَالَ ذَرَّةٍ - وَزْنَ النَّمْلَةِ الصَّغِيرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والظلم: الأصل فيه محبة الانتفاع بجهد غيره، فعندما تظلم واحداً فهذا يعني أنك تأخذ حقه، وحقه ما جاء به بجهده وعرقه، وتأخذه أنت بدون جهد ولا عرق. ويتبع هذا أن يكون الظالم قوياً. لكن ماذا عن الذي يظلم إنساناً لحساب إنسان آخر؟ إنه لم ينتفع بظلمه ولكن غيره هو الذي انتفع. وهذا شرّ من الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام قال: "حديث : بادروا بالأعمال ستكون فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا ". تفسير : لأنه ظلم إنساناً لنفع عبد آخر ولم يأخذ هو شيئاً لنفسه. إذن فالظلم إما أن يكون الانتفاع بثمرة جهد غيرك من غير كد، وإما أن تنفع شخصاً بجهد غيره، والله سبحانه وتعالى إذا نظرنا إليه - وهو قوة القوى - إذا أراد أن يظلم - وحاشا لله أن يظلم - فماذا يكون شكل ظلمه؟ إن الظلم يتناسب مع قوة الظالم، إذن فقوة القوى عندما تظلم فظلمها لا يُطاق، ثم لماذا يظلم؟ وماذا يريد أن يأخذ وهو مَنْ وهب؟ إنه سبحانه مستغنٍ، ولن يأخذ من هذا ليعطي ذاك، فكلهم بالنسبة له سواء؛ لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، كلهم متساوون، فلماذا يظلم؟ إن الظلم بالنسبة لله محال عقلياً ومحال منطقياً،، فلا يمكن لله أن يضيع عمل حسنة ولا أن يضاعف سيئة. فهذه لا تتأتى، وتلك لا تتأتى، والله واهب كل النعم للناس جميعاً. وما دام هو مَنْ وهب كل النعم، فسبحانه غير منتفع بآثاره في خلقه. إن الحق سبحانه وتعالى ينفي عن نفسه الظلم في قوله: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46]. فكلمة "ظلاّم" مثل قولنا: فلان "أكّال" وفلان "نوّام" وهي تختلف عن قولنا: فلان نائم، يعني نام مرة، ولكن "نوام" فهذا يعني مداومته على النوم كثيراً، أي أنه إما أن يكون مبالغاً في الحدث، وإما أن يكون مكرراً للحدث، فالمبالغة - كما نعرف - تأتي مرة لأن الحدث واحد لكنه قوي، ومرة يكون الحدث عادياً لكنه مكرر، هذه هي المبالغة، فقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46] نفي للمبالغة، وهذا لا يقتضي نفي غير المبالغة. ونقول: الله لو ظلم لكان ظلمه مناسباً قدرته فيكون كبيراً كثيراً، ولو كان ظالماً لشمل ظلمه وعَمّ الخلق جميعاً فيكون كذلك كبيراً كثيراً ولكن الله - سبحانه - يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ..} [النساء: 40]. وسبحانه يحسب السيئة سيئة واحدة. أما الحسنة فيضاعفها، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ..} [النساء: 40] "مثقال": يعني ثقل ووزن، والثقل هو: مقدار جاذبية الأرض للشيء. فعندما يكون وزن الشيء قليلاً وتُلقيه من أعلى، فهو ينزل ببطء، أما الشيء الثقيل فعندما تلقيه من أعلى فهو ينزل بسرعة؛ لأن قوة الجاذبية له تكون أقوى، والإنسان منا حين ينظر إلى كلمة "مثقال"؛ ويعبر عنها بأنها وزن، فمعيار الميزان هنا "الذرة". وما "الذرة"؟. قال العلماء فيها: هي رأس النملة الصغيرة التي لا تكاد تُرى بالعين المجردة، أو النملة نفسها. هذه مقولة، أو الذرة كما قال ابن عباس حين سُئل عنها: أخذ شيئاً من تراب الأرض ثم نفخه، فلما نفخ تطاير التراب في الهواء، فقال لهم: كل واحدة من هذه اسمها "ذرة" وهو ما نسميه "الهباء"، ونحن الآن الموجودين في مكان واحد لا نرى شيئاً في الجو، لكن انظر إلى حزمة ضوئية - أي ثقب تدخل منه أشعة الشمس - فساعة ترى ثقباً يُدخل أشعة الشمس ترى غباراً كثيراً يسبح. والمهم أنك لا تراه جارياً إلا في شعاع الشمس فقط، فهو كان موجوداً ونستنشقه، فما الذي جعلني لا أراه؟. لأنه بلغ من الصغر واللطف مبلغاً فوق طوق العين أن تراه، فالذرة واحدة من هذا الغبار، واسمه "الهباء" وواحدة الهباء هي الذرة. إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أن كل شيء موزون إلى أقل درجات الوزن وهو الذرة، وهي الهباء، ونحن لا نراها إلا في نور محجوز، لأننا في النور القوي لا نرى تلك الذرات، بل نراها فقط في نور له مصدر واحد ونافذ، والحق سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة، وهذا تمثيل فقط؛ لأن الذرة يمكن أن تكبر، فالذي يكبر يمكن أن يصغر، وقال الحق ذلك ولم يكن عند الإنسان المقياس الذي يُفتّت به الذرة، وقد حدث أن استطاع الإنسان ذلك، فبعد الحرب العالمية الأولى صنعت ألمانيا اسطوانات تحطيم الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ كما كان يصفه الفلاسفة قديماً، ومعنى جزء لا يتجزأ أي لا يمكن أن يأتي أقل منه، ولم يلتفتوا إلى أن أي شيء له مادة إن كان يقبل التكبير فهو أيضاً يقبل التصغير، والمهم أن توجد عند الإنسان الآلة التي تدرك الصغر. ومثال ذلك عندما صعدت الأقمار الصناعية وأخذوا من الجو صورة لمدينة نيويورك؛ خرجت الصورة صغيرة لمدينة نيويورك .. بعد ذلك كبروا الصورة؛ فأخرجوا أرقام السيارات التي كانت تسير!. كيف حدث هذا؟ لقد كانت الصورة الصغيرة تحتوي تفاصيل أكثر دقة لا تراها العين المجردة، وعندما يتم تكبيرها يتضح كل شيء حتى أرقام السيارات وضحت بعد أن كانت غير ظاهرة، وإن كنت موجوداً في نيويورك في هذه الساعة أكنت تظهر بها؟ لا يمكن أن تظهر. لماذا؟ أن صورتك صغرت إلى الحد والقدر الذي لا يمكنك أن تراها وهي بهذا الحجم وهكذا، فالنور عندما يكون محزوماً، فالحزمة الضوئية التي تدخل إلى مكان ما، لها من القوة التي تظهر ذرة الهباء الذي لم تكن تراها. إذن فنور من الله مخلوق ظهرت فيه الذرة، أيخفى على نور الخالق ذرة؟ لا يمكن أن تخفي عليه سبحانه ذرة؛ لأن النور الذي خلقه أظهر الذرة والهباء الذي كان موجوداً ولا نراه، فلن يخفى على نور النور ذرة في الأرض. وهكذا نعرف أن المسألة بالنسبة لله عملية قطعية، وعندما اخترعوا اسطوانة تحطيم الجوهر الفرد كانت مثل عصارة القصب، ونحن نعرف أن عود القصب يوضع بين عمودين من الحديد. والعمود الواحد اسمه "اسطوانة" وعندما يضيقون الأسطوانتين ثم يمررون عود القصب بينهما، فلا بد أن تكون المسافة بينهما ضيقة حتى إذا نفذ عود القصب يُعصر، إذن فكلما ضيقت بين الأسطوانتين يزداد العصر، وما دامت الاسطوانتان تجري كل واحدة منهما على الأخرى فهنا فراغ ضئيل جداً، وحاول العلماء الألمان تضييق الأسطوانتين تضييقاً يفتت لنا هذه الذرة، ونجحوا، وأصبح هناك شيء آخر أقل من الذرة. وظن السطحيون الذين يتربصون بالإسلام وبكتاب الله الدوائر، ويريدون أن يجدوا فيه منفذاً. قالوا: إن الله قال: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7]. على أنها أقل شيء وظهر أن هناك أقل من مثقال ذرة؛ لأن الذرة تحطمت. وقلنا لهؤلاء: أنتم أخذتم آية ونسيتم آيات، فالقرآن قد جاء معجزة ليواجه مجتمعات شتى من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة فلا بد أن يكون فيه ما يشبع العقول من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة. ولو أن عطاء القرآن صُب مرة واحدة في عصر الرسالة لجاءت القرون التالية وليس للقرآن عطاء. فأراد ربنا أن يكون القرآن هو المعجزة والمنهج المتضمن للأحكام والكليات، وهذه أمور مفهومة بالنسبة لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أن تقوم الساعة. لكن لا يزال هناك كونيات ونواميس للحق في الوجود لم تظهر بعد، فسبحانه يعطي كل عصر على قدر اتساع فهمه. وعندما نعرف أسرار قضية كونية لا يزيد علينا حكم، فعندما نعرف قضية مثلاً كقضية الذرة وتفتيتها ووجود إشارات لها في القرآن الكريم لا يزيد ذلك علينا أي حكم. بل ظلت الأحكام كما هي. فالأحكام واضحة كل الوضوح؛ لأن مَنْ يفعلها يثاب، ومَنْ لا يفعلها يعاقب. والناس الذين ستقوم عليهم الساعة مثل الناس الذين عاصروا حضرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لذلك لا بد أن تكون الأحكام واحدة، فمن ناحية أن القرآن كتاب أحكام فهذا أمر واضح وضوحاً لا زيادة فيه، ولم يفهم المعاصر لرسول الله حكماً ثم جاء الإنسان في زماننا ليفهم حكماً آخر، بل كل الأحكام سواء. والقرآن كمعجزة هو أيضاً معجزة للجميع. ولا بد أن تكون هناك معجزة لكل جيل. ولكل عصر، ويأتي الإعجاز في الآيات الكونية التي لو لم نعرفها فلن يحدث شيء بالنسبة للأحكام. مثال ذلك: لو لم نعرف أن الأرض تدور أكان انتفاعنا بالأرض يقل؟ لا، فنحن ننتفع بالأرض سواء أعلمنا كرويتها أم لم نعلم، لكن الحق سبحانه وتعالى يواجه العقول بما يمكن أن تطيقه. فإذا ما ارتقت العقول وتنورت واستنارت بمقتضى طموحاتها العلمية في الكون. فالقرآن إن لم يؤيدها فهو لا يعارضها. وعندما فتتوا الذرة قال المشككون: إن ربنا يضرب بالذرة المثل لأصغر شيء {أية : وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 8] لكن هناك ما هو أقل من الذرة. ونرد عليهم: أنتم نظرتم إلى آية ونسيتم آيات. أنتم لم تنتبهوا - كما قلنا - إلى أن من فتتوا الذرة إلى إلكترونات وأيونات وموجب وسالب حاولوا بعد ذلك أن يفتتوا ما فُتت. والآية التي نحن بصددها الآن: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ..} [النساء: 40] أرضت العقول التي تعرف الذرة الأصلية هذه واحدة، ولماذا لا نسمع قول الله: {أية : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس: 61]. إذن فهناك ذرة وهناك أصغر من الذرة، ولم تأخذوا في بالكم أن "أصغر" هذه أفعل تفضيل، ولا يوجد أصغر إلا إن وجد صغير، إذن فهناك ذرة، وهناك صغير عن الذرة، وهناك أصغر من الصغير، فهناك إذن ثلاث مراحل، فإن فتتوها فلنا رصيد في القرآن يقول بالصغر، فإن فتتتم المفتت، فلنا رصيد في القرآن بأصغر؛، لأن كل أصغر لا بد أن يسبقه صغير، وإن كنت ستفتت المفتت فما زال عندنا رصيد من القرآن يسبق عقولكم في الابتكار، فإن قلت تفتيت جاز، وإن قلت تجميع جاز؛ لأنها أصغر وأكبر، تفتيت أو تجميع، والمعقول أنك تقول: لا يغيب الأصغر والصغير، والذرة كذلك لا تغيب فكيف يعبر عن الأكبر بأنه لا يغيب مع أنه ظاهر وواضح؟. ونقول لك: إن المتكلم هو ربنا، فالشيء لا يدرك إما لأنه لطيف في غاية الدقة بحيث لا تتعلق به الباصرة فلا يُرى، وأيضاً لا يُدرك لأنه كبير بصورة أكبر من أن تحيط به الباصرة، فحين ترى جبلاً كبيراً على بعد اثنين من الكيلومترات أو ثلاثة فأنت لا تدركه؛ لأنه أكبر من أن يحيط به إشعاع بصرك، ولكن الأمر بالنسبة لله يختلف فلا يوجد صغير يَدِقُّ لا يراه، ولا كبير يكبر لا يراه، إذن فلا بد أن تأتي {أية : وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ ..} تفسير : [يونس: 61]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ} تفسير : [سبأ: 2]. وانظروا إلى دقة الحق في الرد على الإنكار للساعة وهي قضية كونية تنسحب على كل العصور. فيقول سبحانه: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 3]. كان يكفي أن يقول: إن الساعة آتية، لكنه أوضح: اعرفوا أن الساعة آتية، وكل ما فعلتموه معروف، ولماذا يقولون: لا تأتي الساعة؟ إن هذا لون من تكذيب النفس لأنهم لم يعملوا على مقتضى ما يتطلبه قيام الساعة، فالذي لم يعمل لذلك يود لأن من مصلحته ذلك - أن تكون مسألة الساعة كذب؛ لأنه قد عمل أشياء يخاف أن يحاسب عليها، فجاء سبحانه بالآية لكي تردّ على المقولة وعلى الدافع للمقولة. وكل مقولة لها دافع. لقد كان الدافع لمقولتهم هو إسرافهم على أنفسهم فلم يقدموا عملاً صالحاً فمن مصلحتهم الآمالية ألا تأتي الساعة، كي لا يعاقبوا، وسبحانه يعلم أزلاً ما فعلوا وردّ على المقولة وردّ على الدافع الذهني للمقولة، فأوضح سبحانه: أنا عالم كل أمر ولن يغيب عني عمل من أعمالكم. وقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً ..} [النساء: 40] يعني: وإن يكن الوزن لحسنة يضاعفها الله، وعندما يحدثنا سبحانه عن الحسنة وأنها تُضاعف ثم لا يتكلم عن السيئة فها يدل على أن السيئة بمثلها، والحق قد تكلم عن المضاعفة للحسنة في كثير من الآيات {أية : وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ ..} تفسير : [البقرة: 261]. وفي آية أخرى يقول الحق: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} تفسير : [البقرة: 261]. وبعد ذلك يقول: {أية : وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ ..} تفسير : [البقرة: 261]. ففيه فرق بين نظام حساب الحسنات ونظام حساب السيئات، فالحسنة تضاعف لعشر أمثالها لسبعمائة ضعف، هذا هو نظام الحساب، وإرادة خالق هذا النظام تعطي كما تريد، إذا كنا نحن - كبشر - عندما نوظف واحداً نقول: أنت تدخل السلم الوظيفي، وتبدأ السلم الوظيفي من أول درجاته ثم تترقى درجة بعد درجة، ثم يأتي رئيس الدولة ليعينك في درجة أعلى من ذلك بكثير، فما بالنا بحساب الرب الأعلى؟ إنه يعطي بعملية حسابية فيها زيادة فضل؛ ولذلك قال بعد هذه الآية: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 40] أي إنه سبحانه يعطي من عنده ذلك الأجر العظيم، وهذا اسمه "محض الفضل" وكيف يسميه الله أجراً مع أنه زائد؟ لأن هذا الفضل جاء تابعاً للأجر، فإذا لم يعمل الإنسان هذا العمل فإنه لا يستحق أجراً، وبالتالي فلا ينال فضلاً وحين يضرب الله الأمثال للناس فذلك لتقريب المعاني؛ لأن الله قاله والله صادق فيما يقول، فيعطي الحق سبحانه وتعالى مُثلاً إيناسية في الكون، حتى لا تستبعد أن الحسنة تذهب لهذه الأضعاف المضاعفة. فيوضح لك: هذه الأرض أمامك هات حبة واحدة وضعها في الأرض تخرج لك سبع سنابل وكل سنبلة فيها مائة حبة فإذا كانت الأرض - وهي مخلوقة لله - أعطت سبعمائة ضعف، فكم يعطي مَنْ خلق الأرض؟ إنه يعطي بغير حساب. إذن فكلمة {مِن لَّدُنْهُ ..} [النساء: 40] هذه تعطيك الباب الواسع الذي يتناسب مع الله. فالأرض تعطيك على قدر جهدك، وعلى قدر العناصر الغذائية الموجودة فيها. والذي عنده وبيده الخير وخلق كل الكون يوضح: إذا كان خلق من خلقي يعطي حتى الكافر، سبعمائة ضعف فالذي خلق هذا يعطي للمؤمن أجراً للحسنة بلا حدود؛ ولذلك فالإيناسات التمثيلية في الكون يتركها الله لتقرب للعقل المعنى البعيد الذي قد يقف فيه. فالإنسان منا مادة: هي البدن وتحل فيه الروح. وعندما تسحب الروح من البدن، ماذا يصير؟ يصير الجسد رِمة، ويتحلل لعوامله الأولى وتنتهي منه مظاهر الحياة. إذن فالروح هي السبب في الحركة، وفي أن كل جهاز يقوم بعمله، وفي النمو، وعندما تسحب الروح ينتهي الأمر، إن الروح هي التي تدير كل هذا الجسم، والروح لا لون لها، ولا أحد يراها، ولا يشمها كائن، فكيف ندركها إذن؟ نقول: إن الجوهر الذي يدخل في جسدك ويعطيه الحركة فيديره. أنت لا تراه ولا تحسّه، وهو غيب بالنسبة لك، فإذا حُدّثت أن ربك غيب فلا تتعجب، فروحك التي بين جنبيك لا تعرف كُنهها، وعليك إذن أن تصدق عندما يقال لك: ربك ليس بمحدود بمكان وعندما يقول سبحانه: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [الأنعام: 103]. فكلنا نقول: نعم هذا كلام صحيح؛ لأنه إذا كان هناك مخلوق لله وهو الروح لم تدركه الأبصار، أفتريد أن يُدرَك مَنْ خَلَقَ؟ لا يمكن وهو سبحانه من عظمته أنه لا يُدرَك. وسبحانه يقول: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 40] ونقف عند كلمة "من لدنه". ونعرف أن فيه فرقاً بين الإتيان بالناموس - وهو النظام الموضوع - والعطاء المباشر، وعندما يقول الحق: "من لدنه" فهذا يعني أن الوسائط تمتنع. ونعلم قصة سيدنا موسى عندما ذهب ليقابل العبد الصالح قال تعالى في وصف العبد الصالح: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا ..} تفسير : [الكهف: 65]. وهذا يعني أن العبد الصالح قد تعلم ليس بوساطة أحد، بل من الله مباشرة، بدليل أن الذي جاء ليتعلم منه وتعلم منه ثم وقف معه في أمور جاءت على خلاف ما تجري به النواميس والعادات فكلمة "من لدنا" تعني تجاوز الحجب، والوسائط، والأنظمة. والحق سبحانه يحترم أصل عملك ويسمى عطاءه لك "أجراً"؛ لأنه أعطى من لدنه بعدما أعطى له النصيب المقدر كأجر، وهذا الأجر موصوف بأنه عظيم؛ لأنه مناسب للمعطي. ثم يقول الحق: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} معناهُ زِنَةُ ذَرَّةٍ. والذَّرةُ: النَّملَةُ الصَّغِيرةُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن كمال عدله وفضله وتنزهه عما يضاد ذلك من الظلم القليل والكثير فقال: { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } أي: ينقصها من حسنات عبده أو يزيدها في سيئاته، كما قال تعالى: {أية : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }. تفسير : { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا } أي إلى عشرة أمثالها إلى أكثر من ذلك بحسب حالها ونفعها وحال صاحبها إخلاصا ومحبة وكمالاً. { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } أي زيادة على ثواب العمل بنفسه من التوفيق لأعمال أخر وإعطاء البر الكثير والخير الغزير. ثم قال تعالى { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } أي كيف تكون تلك الأحوال وكيف يكون ذلك الحكم العظيم الذي جمع أن من حكم به كاملُ العلم كاملُ العدل كامل الحكمة بشهادة أزكى الخلق وهم الرسل على أممهم مع إقرار المحكوم عليه؟" فهذا -والله- الحكم الذي هو أعم الأحكام وأعدلها وأعظمها. وهناك يبقى المحكوم عليهم مقرين له لكمال الفضل والعدل والحمد والثناء وهناك يسعد أقوام بالفوز والفلاح والعز والنجاح ويشقى أقوام بالخزي والفضيحة والعذاب المهين. ولهذا قال { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ } أي جمعوا بين الكفر بالله وبرسوله ومعصيةِ الرسول { لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ } أي تبتلعهم ويكونون ترابا وعدما كما قال تعالى {أية : وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا }. تفسير : { وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا } أي بل يقرون له بما عملوا وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله جزاءهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين. فأما ما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب الله فإذا عرفوا الحقائق وشهدت عليهم جوارحهم حينئذ ينجلي الأمر ولا يبقى للكتمان موضع ولا نفع ولا فائدة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 220 : 46 : 37 - سفين عن بن جريج عن عبادة عن سعيد بن جبير {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} قال، الجنة. [الآية 40].

همام الصنعاني

تفسير : 585- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمر، قال: تَلا قتادة: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا}: [الآية: 40]، قال: لأنْ تفضل حسناتي سَيِّآتي بمثقال ذرَّة أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها. 586- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أبي العالية، قال: جئت إلى أبي هريرة. فقلت: بلغني أنك قلت: إنَّ الحسنة تُضَاعَف ألف ألف ضعف، فقال أبو هُرَيْرة: لم أقلْ ذَلِك، لم تحفظوا، ولكن قلتُ تُضاعَفُ الحسنة ألفي ألف ضعف. 587- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخدري، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يُخْرج من النَّارِ من كَانَ في قَلْبِهِ مثقال ذرَّة من الإيمان" قال أبو سعيد: فمن شَكَّ فلْيقرأ: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}: [الآية: 40].