Verse. 534 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

فَكَيْفَ اِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ اُمَّۃٍؚبِشَہِيْدٍ وَّجِئْنَا بِكَ عَلٰي ہٰۗؤُلَاۗءِ شَہِيْدًا۝۴۱ۭ۬
Fakayfa itha jina min kulli ommatin bishaheedin wajina bika AAala haolai shaheedan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فكيف» حال الكفـار «إذا جئنا من كل أمة بشهيد» يشهد عليها بعملها وهو نبيها «وجئنا بك» يا محمد «على هؤلاء شهيدا».

41

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم، وأنه تعالى يجازي المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه، فبين تعالى في هذه الآية أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق، لتكون الحجة على المسىء أبلغ، والتبكيت له أعظم وحسرته أشد، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم، ويكون هذا وعيداً للكفار الذين قال الله فيهم: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } ووعداً للمطيعين الذين قال الله فيهم: {أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا } تفسير : [النساء: 40] وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: «حديث : إقرأ القرآن علي» تفسير : قال: فقلت يا رسول الله أنت الذي علمتنيه فقال: «حديث : أحب أن أسمعه من غيري» تفسير : قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية بكى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال ابن مسعود فأمسكت عن القراءة. وذكر السدي أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون للرسل بالبلاغ، والرسول صلى الله عليه وسلم يشهد لأمته بالتصديق، فلهذا قال: {أية : جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] وحكي عن عيسى عليه السلام أنه قال: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } تفسير : [المائدة: 117]. المسألة الثانية: من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه: كيف بك إذا كان كذا وكذا، وإذا فعل فلان كذا، وإذا جاء وقت كذا، فمعنى هذا الكلام: كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل امة برسولها، واستشهدك على هؤلاء، يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم. ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم، وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام: «حديث : وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم».تفسير : ثم انه تعالى وصف ذلك اليوم فقال: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱالأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ } يقتضي كون عصيان الرسول مغايرا للكفر. لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز، فوجب حمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر، إذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الاسلام، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على الكفر فيعاقبون أيضا على تلك المعاصي. لأنه لو لم يكن لتلك المعصية أثر في هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو {تُسَوَّىٰ } مضمومة التاء خفيفة السين على ما لم يسم فاعله، وقرأ نافع وابن عامر {تُسَوَّىٰ } مفتوحة التاء مشددة السين بمعنى: تتسوى، فأدغم التاء في السين لقربها منها، ولا يكره اجتماع التشديدين في هذه القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله: {أية : ٱطَّيَّرْنَا بِكَ } تفسير : [النمل: 47] {أية : وَٱزَّيَّنَتْ } تفسير : [يونس: 24]{أية : ويذكرون}تفسير : [الأنعام: 26] وفي هذه القراءة اتساع، وهو إسناد الفعل إلى الأرض وقرأ حمزة والكسائي { تُسَوَّىٰ } مفتوحة التاء والسين خفيفة، حذفا التاء التى أدغمها نافع، لأنها كما اعتلت بالادغام اعتلت بالحذف. المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير قوله: {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأرْضُ } وجوها: الأول: لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. والثاني: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء. الثالث: تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله: {أية : يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرٰباً } تفسير : [النبأ: 40]. المسألة الرابعة: قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } فيه لأهل التأويل طريقان: الأول: أن هذا متصل بما قبله. والثاني: أنه كلام مبتدأ، فاذا جعلناه متصلا احتمل وجهين: أحدهما: ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما: يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا كفروا به ولا نافقوا، وعلى هذا القول: الكتمان عائد إلى ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، الثاني: أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل الاسلام ولا يغفر شركا، قالوا: تعالوا فلنجحد فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا. الطريق الثاني في التأويل: أن هذا الكلام مستأنف، فان ما عملوه ظاهر عند الله، فكيف يقدرون على كتمانه؟ المسألة الخامسة: فان قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23]. والجواب من وجوه: الأول: أن مواطن القيامة كثيرة، فموطن لا يتكلمون فيه وهو قوله: {أية : فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } تفسير : [طه: 108] وموطن يتكلمون فيه كقوله: {أية : مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } تفسير : [النحل: 28] وقولهم: {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } فيكذبون في مواطن، وفي مواطن يعترفون على أنفسهم بالكفر ويسألون الرجعة وهو قولهم: {أية : يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا } تفسير : [الأنعام: 27] وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم وجلودهم، فنعوذ بالله من خزي ذلك اليوم. الثاني: أن هذا الكتمان غير واقع، بل هو داخل في التمني على ما بينا. الثالث: أنهم لم يقصدوا الكتمان، وإنما أخبروا على حسب ما توهموا، وتقديره: والله ما كنا مشركين عند أنفسنا، بل مصيبين في ظنوننا حتى تحققنا الآن. وسيجيء الكلام في هذه المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. النوع العاشر: من التكاليف المذكورة في هذه السورة.

القرطبي

تفسير : فتحت الفاء لالتقاء الساكنين، و «إذَا» ظرف زمان والعامل فيه «جِئْنَا». ذكر أبو الليث السمرقندي: حدثنا الخليل بن أحمد قال حدّثنا ابن منيع قال حدّثنا أبو كامل قال حدّثنا فضيل عن يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظَفر فجلس على الصخرة التي في بني ظفر ومعه ابن مسعود ومعاذ وناس من أصحابه فأمر قارئاً يقرأ حتى إذا أتى على هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اخضلت وجنتاه؛ فقال: «يارب هذا على من أنا بين ظهرانيهم فكيف من لم أرهم» تفسير : . وروى البخاري عن عبد الله قال: حديث : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي» قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت عليه سورة «النساء» حتى بلغت {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} قال: «أمسِك»فإذا عيناه تذرفانتفسير : . وأخرجه مسلم. وقال بدل قوله «أمسِك»؛ فرفعت رأسي ـ أو غمزني رجل إلى جنبي ـ فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل. قال علماؤنا: بكاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لعظيم ما تضمنته هذه الآية من هَوْل المطلع وشدّة الأمر؛ إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شهيداً. والإشارة بقوله «عَلَى هَؤلاَءِ» إلى كفار قريش وغيرهم من الكفار؛ وإنما خص كفار قريش بالذكر لأن وظيفة العذاب أشدّ عليهم منها على غيرهم؛ لعنادهم عند رؤية المعجزات، وما أظهره الله على يديه من خوارق العادات. والمعنى فكيف يكون حال هؤلاء الكفار يوم القيامة {إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} أمُعذبين أم منعّمين؟ وهذا استفهام معناه التوبيخ. وقيل: الإشارة إلى جميع أمته. ذكرابن المبارك أخبرنا رجل من الأنصار عن المِنْهال بن عمرو حدّثه أنه سمع سعيد بن المُسَيِّب يقول: ليس من يوم إلاّ تُعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غُدوةً وعشيةً فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم؛ يقول الله تبارك وتعالى {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} يعني بنبيّها {وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} وموضع «كَيْفَ» نصب بفعل مضمر، التقدير فكيف يكون حالهم؛ كما ذكرنا. والفعل المضمر قد يسدّ مسدَّ «إذَا» والعامل في «إذا» «جِئْنَا». و «شَهِيداً» حال. وفي الحديث من الفقه جواز قراءة الطالب على الشيخ والعرض عليه، ويجوز عكسه. وسيأتي بيانه في حديث أُبي في سورة «لم يكن»، إن شاء الله تعالى. و «شهيدا» نصب على الحال.

البيضاوي

تفسير : {فَكَيْفَ} أي فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم؟. {إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} يعني نبيهم يشهد على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم، والعامل في الظرف مضمون المبتدأ والخبر من هول الأمر وتعظيم الشأن. {وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد. {عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً} تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامع قواعدهم. وقيل هؤلاء إشارة إلى الكفرة المستفهم عن حالهم. وقيل إلى المؤمنين كقوله تعالى: {أية : لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }تفسير : [البقرة: 143] {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} بيان لحالهم حينئذ، أي يود الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الأمر، أو الكفرة والعصاة في ذلك الوقت أن يدفنوا فتسوى بهم الأرض كالموتى، أو لم يبعثوا أو لم يخلقوا وكانوا هم والأرض سواء. {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. وقيل الواو للحال أي يودون أن تسوى بهم الأرض وحالهم أنهم لا يكتمون من الله حديثاً ولا يكذبونه بقولهم {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }تفسير : [الأنعام: 23] إذ روي: أنهم إذا قالوا ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم، فيشتد الأمر عليهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض. وقرأ نافع وابن عامر {تُسَوَّىٰ بِهِمُ} على أن أصله تتسوى فأدغمت التاء في السين. وقرأ حمزة والكسائي {تُسَوَّىٰ} على حذف التاء الثانية يقال سويته فتسوى. {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} أي لا تقوموا إليها وأنتم سكارى من نحو نوم أو خمر حتى تنتهوا وتعلموا ما تقولون في صلاتكم. روي (أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه صنع مأدبة ودعا نفراً من الصحابة ـ حين كانت الخمر مباحة ـ فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، وجاء وقت صلاة المغرب فتقدم أحدهم ليصلي بهم فقرأ: أعبد ما تعبدون). فنزلت. وقيل أراد بالصلاة مواضعها وهي المساجد وليس المراد منه نهي السكران عن قربان الصلاة، وإنما المراد النهي عن الإِفراط في الشرب والسكر، من السكر وهو السد. وقرىء {سُكَـٰرَىٰ } بالفتح وسكرى على أنه جمه كهلكى. أو مفرد بمعنى وأنتم قوم سكرى، أو جماعة سكرى وسكرى كحبلى على أنها صفة للجماعة. {وَلاَ جُنُباً} عطف على قوله {وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ} إذ الجملة في موضع النصب على الحال، والجنب الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع، لأنه يجرى مجرى المصدر. {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} متعلق بقوله {وَلاَ جُنُباً}، استثناء من أعم الأحوال أي لا تقربوا الصلاة جنباً في عامة الأحوال إلا في السفر وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم، ويشهد له تعقيبه بذكر التيمم، أو صفة لقوله {جُنُباً} أي جنباً غير عابري سبيل. وفيه دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث. ومن فسر الصلاة بمواضعها فسر عابري سبيل بالمجتازين فيها، وجوز الجنب عبور المسجد. وبه قال الشافعي رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لا يجوز له المرور في المسجد إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق. {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ } غاية النهي عن القربان حال الجنابة، وفي الآية تنبيه على أن المصلي ينبغي أن يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه، ويزكي نفسه عما يجب تطهيرها عنه. {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ} مرضاً يخاف معه من استعمال الماء، فإن الواجد كالفاقد. أو مرضاً يمنعه عن الوصول إليه. {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} لا تجدونه فيه. {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ} فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين، وأصل الغائط المكان المطمئن من الأرض. {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء} أو ما مسستم بشرتهن ببشرتكم، وبه استدل الشافعي على أن اللمس ينقض الوضوء. وقيل: أو جامعتموهن. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي المائدة «لمستم»، واستعماله كناية عن الجماع أقل من الملامسة. {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء} فلم تتمكنوا من استعماله، إذ الممنوع عنه كالمفقود. ووجه هذا التقسيم أن المترخص بالتيمم إما محدث أو جنب، والحالة المقتضية له في غالب الأمر مرض أو سفر. والجنب لما سبق ذكره اقتصر على بيان حاله والمحدث لما لم يجر ذكره ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات وما يحدث بالعرض، واستغني عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب وبيان العذر مجملاً فكأنه قيل: وإن كنتم جنباً مرضى أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}. أي فتعمدوا شيئاً من وجه الأرض طاهراً. ولذلك قالت الحنفية: لو ضرب المتيمم يده على حجر صلد ومسح به أجزأه. وقال أصحابنا لا بد من أن يعلق باليد شيء من التراب لقوله تعالى في المائدة {أية : فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ } تفسير : [المائدة 6] أي بعضه، وجعل من لابتداء الغاية تعسف إذ لا يفهم من نحو ذلك إلا التبعيض، واليد اسم للعضو إلى المنكب، وما روي أنه عليه الصلاة والسلام تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه، والقياس على الوضوء دليل على أن المراد ها هنا {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ}. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} فلذلك يسر الأمر عليكم ورخص لكم. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ} من رؤية البصر أي ألم تنظر إليهم، أو القلب. وعدي بإلى لتضمن معنى الانتهاء. {نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} حظاً يسيراً من علم التوراة لأن المراد أحبار اليهود. {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ} يختارونها على الهدى، أو يستبدلونها به بعد تمكنهم منه، أو حصوله لهم بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: يأخذون الرشى ويحرفون التوراة. {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ} أيها المؤمنون. {ٱلسَّبِيلِ} سبيل الحق. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ} منكم. {بِأَعْدَائِكُمْ} وقد أخبركم بعداوة هؤلاء وما يريدون بكم فاحذروهم. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً} يلي أمركم. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً} يعينكم فثقوا عليه واكتفوا به عن غيره. والباء تزاد في فاعل كفى لتوكيد الاتصال الإِسنادي بالاتصال الإِضافي. {مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ} بيان للذين أوتوا نصيباً فإنه يحتملهم وغيرهم، وما بينهما اعتراض أو بيان لأعدائكم أو صلة لنصيراً. أي ينصركم من الذين هادوا ويحفظكم منهم، أو خبر محذوف صفته يحرفون. {ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ} أي من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها. أو يؤولونه على ما يشتهون فيميلونه عما أنزل الله فيه. وقرىء الكلم بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف كلمة. {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا} قولك. {وَعَصَيْنَا} أمرك. {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي مدعوا عليك بلا سمعت لصمم أو موت، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه، أو اسمع كلامًا غير مسمع إياك لأن أذنك تنبو عنه فيكون مفعولاً به، أو اسمع غير مسمع مكروهاً من قولهم أسمعه فلان إذا سبه، وإنما قالوه نفاقاً. {وَرٰعِنَا} انظرنا نكلمك أو نفهم كلامك. {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} فتلا بها وصرفا للكلام إلى ما يشبه السب، حيث وضعوا راعنا المشابه لما يتسابون به موضع انظرنا وغير مسمع موضع لا أسمعت مكروهاً، أو فتلا بها وضماً لما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرون من السب والتحقير نفاقاً. {وَطَعْناً فِي ٱلدّينِ} استهزاء به وسخرية. {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا } ولو ثبت قولهم هذا مكان ما قالوه. {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ} لكان قولهم ذلك خيراً لهم وأعدل، وإنما يجب حذف الفعل بعد لو في مثل ذلك لدلالة أن عليه ووقوعه موقعه. {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} ولكن خذلهم الله وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم. {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلا إيماناً قليلاً لا يعبأ به وهو الإِيمان ببعض الآيات والرسل، ويحتمل أن يراد بالقلة العدم كقوله:شعر : قَلِيلُ التَشَكِّي لِلْمُهِم يَصِيبُه أَو إِلا قليلاً منهم آمنوا أو سيؤمنون تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا} من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونجعلها على هيئة أدبارها، يعني الأقفاء، أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا، أو في الآخرة. وأصل الطمس إزالة الأعلام المائلة وقد يطلق بمعنى الطلس في إزالة الصورة ولمطلق القلب والتغيير، ولذلك قيل معناه من قبل أن نغير وجوهاً فنسلب وجاهتها وإقبالها ونكسوها الصغار والإِدبار، أو نردها إلى حيث جاءت منه، وهي أذرعات الشام يعني إجلاء بني النضير، ويقرب منه قول من قال إن المراد بالوجوه الرؤساء، أو من قبل أن نطمس وجوهاً بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار ونصم الأسماع عن الإِصغاء إلى الحق بالطبع ونردها عن الهداية إلى الضلالة. {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ} أو نخزيهم بالمسخ كما أخزينا به أصحاب السبت، أو نمسخهم مسخاً مثل مسخهم، أو نلعنهم على لسانك كما لعناهم على لسان داود. والضمير لأصحاب الوجوه أو للذين على طريقة الالتفات، أو للوجوه إن أريد به الوجهاء، وعطفه على الطمس بالمعنى الأول يدل على أن المراد به ليس مسخ الصورة في الدنيا ومن حمل الوعيد على تغيير الصورة في الدنيا قال إنه بعد مترقب أو كان وقوعه مشروطاً بعدم إيمانهم وقد آمن منهم طائفة. {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ } بإيقاع شيء أو وعيده، أو ما حكم به وقضاه. {مَفْعُولاً} نافذاً وكائناً فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} لأنه بت الحكم على خلود عذابه وأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره. {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} أي ما دون الشرك صغيراً كان أو كبيراً. {لِمَن يَشَاء} تفضلاً عليه وإحساناً. والمعتزلة علقوه بالفعلين على معنى إن الله لا يغفر الشرك لمن يشاء. وهو من لم يتب ويغفر ما دونه لمن يشاء وهو من تاب. وفيه تقييد بلا دليل إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى منه ونقض لمذهبهم فإن تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة والصفح بعدها، فالآية كما هي حجة عليهم فهي حجة على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه خالد في النار. {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} ارتكب ما يستحقر دونه الآثام، وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب، والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذلك الاختلاق. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} يعني أهل الكتاب قالوا {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }تفسير : [المائدة: 18] وقيل: حديث : ناس من اليهود جاؤوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل على هؤلاء ذنب قال لا قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهارتفسير : وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها. {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكّي مَن يَشَاء} تنبيه على أن تزكيته تعالى هي المعتد بها دون تزكية غيره، فإنه العالم بما ينطوي عليه الإِنسان من حسن وقبيح، وقد ذمهم وزكى المرتضين من عباده المؤمنين. وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلاً أو قولاً. {وَلاَ يُظْلَمُونَ} بالذم أو العقاب على تزكيتهم أنفسهم بغير حق. {فَتِيلاً} أدنى ظلم وأصغره، وهو الخيط الذي في شق النواة يضرب به المثل في الحقارة. {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} في زعمهم أنهم أبناء الله وأزكياء عنده. {وَكَفَىٰ بِهِ} بزعمهم هذا أو بالافتراء. {إِثْماً مُّبِيناً} لا يخفى كونه مأثماً من بين آثامهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَكَيْفَ } حال الكفار {إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } يشهد عليها بعملها وهو نبيها {وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد {عَلَىٰ هَؤُلاء شَهِيداً }.

ابن عطية

تفسير : تقدم في الآية قبلها الإعلام بتحقيق الأحكام يوم القيامة، فحسن بعد ذلك التنبيه على الحالة التي يحضر ذلك فيها، ويجاء فيها بالشهداء على الأمم، ومعنى الآية: أن الله يأتي بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ومعنى "الأمة" في هذه الآية: غير المعنى المتعارف في إضافة الأمم إلى الأنبياء، فإن المتعارف أن تريد بأمة محمد عليه السلام جميع من آمن به وكذلك في كل نبي، وهي هنا جميع من بعث إليه من آمن منهم ومن كفر، وكذلك قال المتأولون: إن الإشارة "بهؤلاء" إلى كفار قريش وغيرهم من الكفار، وإنما خص كفار قريش بالذكر لأن وطأة الوعيد أشد عليهم منها على غيرهم و {كيف} في موضع نصب مفعول مقدم بفعل تقديره في آخر الآية: ترى حالهم، أو يكونون، أو نحوه، وقال مكي في الهداية: {جئنا} عامل في " كيف"، وذلك خطأ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه، وكذلك ذرفت عيناه عليه السلام حين قرأها عليه عبد الله بن مسعود في الحديث المشهور وما ذكره الطبري من شهادة أمة محمد بتبليغ الرسل، وما جرى في معنى ذلك من القصص الذي ذكر مكي، كسؤال اللوح المحفوظ، ثم إسرافيل ثم جبريل، ثم الأنبياء، فليست هذه آيته، وإنما آيته {أية : لتكونوا شهداء على الناس} تفسير : [البقرة:143] و {يومئذ} ظرف ويصح أن يكون نصب "يوم" في هذا الموضع على الظرف، على أنه معرب مع الأسماء غير المتمكنة، ويصح أن يكون نصبه على أنه مبني على النصب مع الأسماء غير المتمكنة، و "الود" إنما هو في ذلك اليوم، وقرأ نافع وابن عامر "تسّوّى" بتشديد السين والواو، على إدغام التاء الثانية من تتسوى، وقرأ حمزة والكسائي "تسَوّى" بتخفيف السين وتشديد الواو، على حذف التاء الثانية المذكورة، وهما بمعنى واحد، واختلف فيه، فقالت فرقة: تنشق الأرض فيحصلون فيها، ثم تتسوى هي في نفسها عليهم وبهم، وقالت فرقة: معناه لو تستوي هي معهم في أن يكونوا تراباً كآبائهم، فجاء اللفظ على أن الأرض هي المستوية معهم، والمعنى إنما هو أنهم يستوون مع الأرض، ففي اللفظ قلب يخرج على نحو اللغة التي حكاها سيبويه، أدخلت القلنسوة في رأسي وأدخلت فمي في الحجر، وما جرى مجراه، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو "تُسوى" على بناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله، فيكون الله تعالى يفعل ذلك على حسب المعنيين المتقدمين، قال أبو علي: إمالة الفتحة إلى الكسرة والألف إلى الياء في "تسوى" حسنة، قالت طائفة: معنى الآية أن الكفار لما يرونه من الهول وشدة المخاوف يودون أن تسوى بهم الأرض فلا ينالهم ذلك الخوف، ثم استأنف الكلام فأخبر أنهم {لا يكتمون حديثاً} لنطق جوارحهم بذلك كله، حين يقول بعضهم: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام:23] فيقول الله: كذبتم، ثم ينطق جوارحهم فلا تكتم حديثاً، وهذا قول ابن عباس، وقال فيه: إن الله إذا جمع الأولين والآخرين ظن بعض الكفار أن الإنكار ينجي، فقالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين}، فيقول الله: كذبتم، ثم ينطق جوارحهم فلا تكتم حديثاً، وهكذا فتح ابن عباس على سائل أشكل عليه الأمر، وقالت طائفة: مثل القول الأول، إلا أنها قالت: إنما استأنف الكلام بقوله: {ولا يكتمون الله حديثاً} ليخبر عن أن الكتم لا ينفع، وإن كتموا، لأن الله تعالى يعلم جميع أسرارهم وأحاديثهم، فمعنى ذلك: وليس ذلك المقام الهائل مقاماً ينفع فيه الكتم. قال القاضي أبو محمد: الفرق بين هذين القولين أن الأول يقتضي أن الكتم لا ينفع بوجه، والآخر يقتضي أن الكتم لا ينفع وقع أو لم يقع، كما تقول: هذا مجلس لا يقال فيه باطل، وأنت تريد لا ينتفع به ولا يستمتع إليه، وقالت طائفة: الكلام كله متصل، ومعناه: يود الذين كفروا لو تسوى بهم الأرض، ويودون أن لا يكتموا الله حديثاً، وودهم لذلك إنما هو ندم على كذبهم حين قالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين}، وقالت طائفة: هي مواطن وفرق، وقالت طائفة: معنى الآية: يود الذين كفروا أن تسوى بهم الأرض، وأنهم لم يكتموا الله حديثاً، وهذا على جهة الندم على الكذب أيضاً، كما تقول: وودت أن أعزم كذا، ولا يكون كذا على جهة الفداء، أي يفدون كتمانهم بأن تسوى بهم الأرض، و {الرسول} في هذه الآية: للجنس، شرف بالذكر وهو مفرد دل على الجمع، وقرأ أبو السمال ويحيى بن يعمر: "وعصِوا الرسول" بكسر الواو من {عصوا}.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِشَهِيدٍ} يشهد أنه بلغها ما تقوم به الحجة عليها، أو يشهد بعملها.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} يعني فكيف يكون حال هؤلاء المشركين والمنافقين يوم القيامة إذا جئنا من كل أمة بشهيد. قال ابن عباس: يريد بنبيها والمعنى أنه يؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها {وجئنا بك} يا محمد {على هؤلاء شهيداً} يعني تشهد على هؤلاء الذين سمعوا القرآن وخوطبوا به بما عملوا (ق) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "اقرأ عليَّ القرآن" فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ "قال إني أحب أن أسمعه من غيري" قال فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية {فكيف إذ جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} قال: حسبك الآن. قال: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان زاد مسلم شهيداً ما دمت فيهم أو قال ما كنت فيهم شك أحد رواتهتفسير : . وقوله تعالى: {يومئذ} يعني يوم القيامة {يود} أي يتمنى {الذين كفروا} يعني جحدوا وحدانية الله تعالى {وعصوا الرسول} يعني فيما أمرهم به من توحيد الله عز وجل {لو تسوى بهم الأرض} يعني لو صاروا فيها وسويت عليهم وقيل إنهم ودوا أن لن يبعثوا لأنهم إنما كانوا في الأرض وهي مستوية عليهم. وقال الكلبي: يقول الله تعالى للبهائم والوحوش والطيور والسباع كوني تراباً فتسوى بهن الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو يكون تراباً {ولا يكتمون الله حديثاً} قال ابن عباس: في رواية عطاء ودوا لو تسوى بهم الأرض وأنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا كفروا به ولا نافقوه فعلى هذا القول يكون الكتمان ما كتموا في الدنيا من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وهو كلام متصل بما قبله وقيل هو كلام مستأنف قال سعيد بن جبير سأل رجل ابن عباس فقال إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال: هات ما يختلف عليك قال منها قوله تعالى {ولا يكتمون الله حديثاً} ومنها قوله تعالى {أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : [الأَنعام: 23] فقد كتموا فقال يغفر الله تعالى لأهل الإسلام ذنوبهم ويدخلهم الجنة فيقول المشركون تعالوا نقول ما كنا مشركين فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين رجاء أن يغفر لهم، فيختم على أفواههم وتنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم حديثاً وعنده يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض فلا يختلف عليك القرآن فإن كلاًّ من عند الله. وقال الحسن: إنها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همساً وفي موطن يتكلمون ويكذبون ويقولون {أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : [الأَنعام: 23] وما كنا نعمل من سوء في موطن يعترفون على أنفسهم وهو قوله تعالى فاعترفوا بذنبهم وفي موطن لا يتساءلون وفي موطن يسألون الرجعة وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم فهو قوله تعالى ولا يكتمون الله حديثاً.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {تسوّى} بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر {تسوّى} بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف. الباقون {تسوّى} مبنياً للمفعول من التسوية {لمستم} من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون: {لامستم} من الملامسة {فتيلاً انظر} بكر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان. الباقون: بالضم. وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو {أية : متشابه انظروا} تفسير : [الأنعام:99] و {أية : برحمة ادخلوا} تفسير : [الأعراف:49] و{أية : خبيثة اجتثت} تفسير : [إبراهيم:26] و {أية : عذاب / اركض} تفسير : [ص:41] وأشباه ذلك. {نضجت جلودهم} وبابه مدغماً: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو. الوقوف: {شهيداً} ط {الأرض} ط {حديثاً} ه {تغتسلوا} ط {وأيديكم} ط {غفوراً} ه {السبيل} ه ط {بأعدائكم} ط {نصيراً} ه {في الدين} ط {وأقوم} لا لاتصال لكن {قليلاً} ه {السبت} ط {مفعولاً} ه {لمن يشاء} ج {عظيماً} ه {يزكون أنفسهم} ط {فتيلاً} ه {الكذب} ط {مبيناً} ه ط {سبيلا} ه {لعنهم الله} ط {نصيراً} ه ط لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار {نقيراً} ه لا للعطف {من فضله} ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء {عظيماً} ه {صدّ عنه} ط {سعيراً} ه {ناراً} ط {العذاب} ط {حكيماً} ه {أبداً} ط {مطهرة} ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود {ظليلاً} ه. التفسير: إنه سبحانه لما أوعد الظالمين بقوله: {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة} تفسير : [النساء:40] ووعد المطيعين بقوله: {أية : وإن تك حسنة يضاعفها} تفسير : [النساء:40] أراد أن يبين أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام أتم والتبكيت أعظم. حديث : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: اقرأ القرآن عليّ. قال: فقلت: يا رسول الله أنت الذي علّمتنيه! فقال: أحب أن أسمعه من غيري. قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفانتفسير : . قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله تعالى بكرامة قبول الشهادة على الخلائق. والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشيهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيداً؟ ثم وصف ذلك اليوم فقال: {يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول} قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا. والظاهر أن الواو للعطف وحينئذٍ تقتضي كون عصيان الرسول مغايراً للكفر لأنّ عطف الشيء على نفسه غير جائز. فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهاراً لشرف الرسول وتفظيعاً لشأن الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفرة فيكون في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. ومعنى {لو تسوّى} لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها كقوله: {أية : ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً} تفسير : [النبأ: 40] أما قوله: {ولا يكتمون الله حديثاً} فإما أن يتصل بما قبله والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام:23] رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذٍ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا تراباً ولم يكتموا الله حديثاً. وإما أن يكون كلاماً مستأنفاً فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟ ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} وقد مر سبب نزوله في البقرة. وفي لفظ الصلاة ههنا قولان: أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة. وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى. ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة السكر، وذلك أن جمعاً من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها. وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه. والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضاً إلاّ إذا علموا ما يقولون، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها. والثانية حالة الجنابه ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر. أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة إلاّ ومعكم حال أخرى تعذرون فهيا وهي حال السفر. ويجوز أن يكون {إلاّ عابري سبيل} صفة لقوله: {جنباً} أي لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين. إنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة. ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضاً إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة، اللهم إلاّ أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولاً. وسكارى جمع سكران. وقوله: {وأنتم سكارى} في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله: {ولا جنباً} والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر ههنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ومنه سكر السبيل سد / طريقه. والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ولا ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن. والجواب أن لفظ السكر حقيقة في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازاً فإنما استعمل مقيداً كقوله تعالى: {أية : وجاءت سكرة الموت} تفسير : [ق:19] {أية : وترى الناس سكارى} تفسير : [الحج:2] وأيضاً أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول يمتنع أن لا يكون مراداً من الآية. ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول. وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه تعالى حرم الخمر في آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية. ومن قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخاً، يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب. والتحقيق فيه أن النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلاّ أن جانب الإباحة راجح بحكم الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة. ثم إنه تعالى ذكر حكم المعذورين في حال الحدث فخص أولاً من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة. والمعنى أن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه لبعده. ويحتمل أن يقال: قوله {فلم تجدوا ماءً} ليس قيداً في حكم المرضى لأنهم في الرخصة وإن وجدوا ماء. ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر. ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف. روي حديث : أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم يفته بالتيمم، فاغتسل فمات. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوه قتلهم اللهتفسير : . وقال مالك وداود: يجوز له التيمم بجميع أنواع المرض. وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : [النساء:29] والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها لإطلاق قوله: {أو على سفر} والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان. كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، فكنى به عن ذلك. وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من السبيلين من معتاد أو نادر. أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي. وثانيهما المراد به الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ورد في القرآن بطريق الكناية: {أية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} تفسير : [البقرة:237] {أية : فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا}تفسير : [المجادلة:3] عن ابن عباس: إنّ الله حيّ كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة. وأيضاً لتشمل الآية الحدثين الأصغر والأكبر. ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لقوله: {أو لمستم} والصحيح أنه ينتقض وضوءهما معاً لاشتراك اللامس والملموس في ابتغاء اللذة. قوله: {فلم تجدوا ماءً} قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب. وقال أبو حنيفة: لا يجب بدليل قوله: {أية : ولم نجد له عزماً} تفسير : [طه:115] وسبق الطلب في حقه تعالى محال. وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئاً ثم لم يجد. وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملاً بظاهر الآية. والتيمم في اللغة القصد. والصعيد التراب، "فعيل" بمعنى "فاعل". وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره. ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً. وقال الشافعي: لا بد من تراب لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في المائدة {أية : فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} تفسير : [المائدة:6] ولا يفهم من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن إلاّ معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو الذي يحتمل الإثبات لقوله: {أية : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} تفسير : [الأعراف:58] ولأنه صلى الله عليه وسلم خصص التراب بهذا المعنى فقال: " حديث : جعلت لي / الأرض مسجداً وترابها طهوراً "تفسير : أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح. وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في الوضوء. وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ختم الآية بقوله: {إنّ الله كان عفواً غفوراً} وهو كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين. عن عائشة قالت: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء: فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته . تفسير : ثم إنه سبحانه لما ذكر من أول السورة إلى ههنا أحكاماً كثيرة عدل إلى ذكر طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأنّ الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد السامع هزة وجدة فقال: {ألم تر إلى الذين} أي ألم ينته علمك؟ أو ألم تنظر إلى من أتوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟ وإنما أدخل "من" التبعيضية لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن معهم علم الكتاب في قوله:{أية : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} تفسير : [الرعد:43] لأنهم عرفوا الأمرين جميعاً {يشترون الضلالة} يختارونها لأن من اشترى شيئاً فقد آثره واختاره قاله الزجاج. والمراد تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة. وقيل: المراد يستبدلون الضلالة - وهو البقاء على اليهودية - بالهدى - وهو الإسلام - بعد وضوح الآيات لهم على صحته. {ويريدون أن تضلوا} أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال. عن ابن عباس حديث : أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس / المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلامتفسير : . وقيل: المراد عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة {والله أعلم} منكم {بأعدائكم} لأنه عالم بكنه ما في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في أموركم واحذروهم {وكفى بالله ولياً} متولياً لأمور العبد {وكفى بالله نصيراً} فثقوا بولايته ونصرته دونهم. وكرر "كفى" ليكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره فكان الباء للسببية. وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله. وقيل: فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله تعالى بغير واسطة. وقوله: {من الذين هادوا} إما بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب وقوله: {والله أعلم} إلى آخر الآية معترض بن البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة {نصيراً} كقوله: {أية : ونصرناه من القوم الذين كذبوا} تفسير : [الأنبياء:77] وإما كلام مستأنف على أن {يحرفون} صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه. قال الواحدي: الكلم جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره. ومعنى هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم "آدم طوالاً" مكان "أسمر ربعة" وجعلهم الحد بدل الرجم. واختير "عن" للدلالة على الإمالة والإزالة. وأما في المائدة فقيل: {أية : من بعد مواضعه} تفسير : [المائدة:41] نظراً إلى أن الكلم كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له. وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله في زماننا أهل البدعة. وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة. وقيل: كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عن أمر فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه. ومن جملة جهالاتهم أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهراً إظهاراً للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم {اسمع غير مسمع} وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان فلاناً إذا سبه وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروهاً كان مدحاً وتوقيراً ونصحاً. وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لان من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه أي غير مسمع جواباً يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاماً ما ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون {غير / مسمع} مفعول {اسمع} لا حالاً من ضميره أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك لنبوّ سمعك عنه. ومنها قولهم له صلى الله عليه وسلم {راعنا} وقد عرفت احتمالاته في البقرة. وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن المواجهة بالعصيان أهون خطباً في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني {ليا بألسنتهم} مفعول لأجله، أو مصدر لمحذوف، أو لـ {يقولون} لأنه في معنى اللي أيضاً وعينه "واو" بدليل لويت فقلبت وأدغمت، والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون {راعنا} موضع {انظرنا} و {غير مسمع} موضع لا سمعت مكروهاً، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعناً على عادة المستهزئين، فبين الله تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعناً في الدين ونبه بذلك على ما كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبياً لعرف بإظهار ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعناً في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار عن الغيب معجز. {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا} بدل قولهم: {سمعنا وعصينا} إذ وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات و{اسمع} دون أن يقال معه {غير مسمع} {وانظرنا} مكان {راعنا} {لكان} قولهم ذلك {خيراً لهم وأقوم} أعدل لا أشد من قولهم: "رمح قويم" أي مستقيم {ولكن لعنهم الله بكفرهم} أي بسببه {فلا يؤمنون إلاّ} إيماناً {قليلاً} وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر رسله. أو إلاّ قليلاً منهم آمنوا لأن "فعيلاً" قد يراد به الجمع كقوله: {أية : وحسن أولئك رفيقاً} تفسير : [النساء:69] أو أراد بالقلة العدم. ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب} الآية. والطمس المحو. يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست الكتاب محوته. وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان. والمعنى على الأول محو تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم. والفاء في {فنردها على أدبارها} إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا. وإما للتعقيب على أن العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلق والأقفاء إلى قدام. وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة كما قال في حق أهل النار {أية : وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} تفسير : [الانشقاق:10] على أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك. وأما المعنى على القول / الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها. وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا. وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام. يريد إجلاء بني قريظة والنضير. والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب. وقيل: الطمس القلب والتغيير. والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم. والضمير في قوله: {أو نلعنهم} إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لإصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات. فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟ فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه. حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي. وأيضاً إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن. فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان. واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ. وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: {وجوهاً} منكرة دون "وجوهكم" ليشمل وجوهاً غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة. وقيل: إنّ قوله: {آمنوا} تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: {من قبل أن نطمس وجوهاً} واقعاً في الآخرة. فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت {وكان أمر الله مفعولاً} لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك ألبتة. والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه تعالى مفعول أي مخلوق. ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: {إن الله لا يغفر} الآية. وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع. ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى / معمولاً به في سقوط القصاص عن قاتله. واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله. والمعتزلة خصصوا الثاني بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب. قالوا: ونظيره قولك: "إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء". المعنى لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. والمشيئة تكون قصداً في الفعلين: المنفي والمثبت جميعاً، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران. وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: حديث : كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادةتفسير : . وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر. وعن ابن عباس: حديث : لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك. ثم إنهم ما وفوا بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ندمهم، وأنه لا يمنعهم من الدخول في الإسلام إلاّ قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} [الفرقان:68] فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: {إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} [الفرقان:70] فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل {إنّ الله لا يغفر أن يشرك به} فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر:53] فدخلوا عند ذلك في الإسلام تفسير : {ومن يشرك بالله فقد افترى} اختلق وافتعل {إثماً عظيماً} لأنه ادعى ما لا يصح كونه. عن ابن عباس في رواية الكلبي حديث : أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟ فقال: لا. فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم. ما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليلتفسير : . وكانوا يقولون: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة:18] {لن يزكون أنفسهم} ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله {بل الله يزكي من يشاء} وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " حديث : والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" تفسير : وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقاً لقوله: {ولا يظلمون فتيلاً} هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ "فعيل" بمعنى "مفعول" ابن السكيت: هو ما كان في شق النواة. والضمير للذين يزكون أن يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم. ثم عجب النبي صلى الله عليه وسلم من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله فقال: {انظر كيف / يفترون على الله الكذب وكفى به} أي بزعمهم هذا {إثماً مبيناً} من بين سائر آثامهم. قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضوا العهد الذي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش. فقال لهم أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم. فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك قوله: {يؤمنون بالجبت والطاغوت} ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال كعب: اعرضوا علي دينكم. فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد صلى الله عليه وسلم الحديث. فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} يعني كعباً وأصحابه. فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمداً يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا. قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده. وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي. وأما الجبت ففي الصحاح أنه كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي. وحكى القفال عن بعضهم أن أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء. وقال الكلبي: الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف, وكانت اليهود يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا جرم جزاهم الله بقوله: {أولئك الذين لعنهم الله} وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلاً وأفضل حالاً من الذين هم أشرف الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام {ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً} وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة. والخطاب في {فلن تجد} للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة. و "أم" / قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟ وقيل: الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب؟ والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل ألهم نصيب من الملك؟ ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله. وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟ وقال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم. وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً. وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان. البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل. وإنما لم يعمل "إذن" لدخول الفاء عليه. وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده. وجاء في قراءة ابن مسعود {فإذن لا يؤتوا} بالأعمال وليس بقوي. والنقير نقرة في ظهر النواة "فعيل" بمعنى "مفعول" ومنها "نبتت النخلة" وهو مثل في القلة كالفتيل. فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال؟ قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء. وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة. ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنهم علام الغيوب. وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله تعالى أعلم بمراده. هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: {أم يحسدون} وهي منقطعة والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين. فإن كان اللام للعهد فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس. ومعنى الهمزة إنكار الحسد واستقباحه. / والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما كان ينضم إليها كل يوم من النضرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان. ثم نبّه على ما يزيل التعجب من شأن محمد صلى الله عليه وفقال: {فقد آتينا آل إبراهيم} الذين هم أسلاف محمد {الكتاب} الذي هو بيان الشرائع {والحكمة} التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق والعمل بما يتضمن صلاح الدارين {وآتيناهم ملكاً عظيماً} عن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي أسلافه. وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقيل لهم: كيف أستكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟ {فمنهم} أي من اليهود {من آمن به} أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم {ومنهم من صد عنه} وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر. والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته {وكفى بجهنم} لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين {سعيراً}. ثم أكد وعيد الكفار بقوله: {إن الذين كفروا بآياتنا} ويدخل فيها كل ما يدل على ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل. وكفرهم بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عناداً وحسداً وبغياً ولدداً. وههنا سؤال وهو أنه تعالى قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟ والجواب لا يسأل عما يفعل كما أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن يقال لم عذبهم بإدخالهم النار. وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود العاصية جلوداً لم تعص؟ والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات. والإبدال تغيير الذات. وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: {غيرها} ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون الجواب. عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس جزءاً من ماهيته / وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه. أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا. وقال السدي: يخرج من لحم الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال. وقيل: المراد بالجلود السرابيل {أية : سرابيلهم من قطران} تفسير : [إبراهيم:50] وضعف بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج {ليذوقوا العذاب} ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب. والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق {إنّ الله كان عزيزاً} لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين {حكيماً} لا يفعل إلاّ الصواب ثم قرن الوعد بالوعيد على عادته فقال: {والذين آمنوا} الآية. قال الواحدي: الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: "ليل أليل". قيل: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها فما فائدة وصفها بالظل؟ وأيضاً المواضع التي لا يصل نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفناً فاسداً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟ والجواب المنع من أنه لا شمس هنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، والمراد بالظل الظليل ما كان فيناناً، أي منبسطأً لا جوب فيه أي لا فرج لالتفاف الأغصان، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجساجاً لا حر فيه ولا برد. وعند الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة كبلاد العرب. فلما كان هذا مطلوباً عندهم صار موعوداً لهم. التأويل: {لو تسوّى بهم الأرض} أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة. فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة {ولا جنباً} بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة. وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور "حديث : كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل" تفسير : فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات. {وإن كنتم مرضى} بحب الدنيا {أو على سفر} في متابعة الهوى {أو جاء / أحد منكم الغائط} في قضاء شهوة من الشهوات {أو لامستم} عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات {فلم تجدوا ماء} التوبة والاستغفار {فتيمموا} فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام. {من الذين هادوا} يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا {يحرفون الكلم عن مواضعه} يؤولونها على حسب إرادتهم {ويقولون سمعنا} ما في القرآن، بالمقال {وعصينا} بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع{ غير مسمع وراعنا} يخاطبونهم بكلام ذي وجهين {ليا بألسنتهم وطعناً} في أهل الدين. {يا أيها الذين أوتوا الكتاب} ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب {آمنوا بما نزلنا} على الأولياء من علم باطن القرآن {مصدقاً لمامعكم} من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم {من قبل أن نطمس} وجوه القلوب بالعمى والصمم {فنردها على أدبارها} ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها {أو نلعنهم} نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة {إن الله لا يغفر أن يشرك به} للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة. فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية. وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد. وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية. {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد {بل الله يزكي من يشاء} بتسليم نفوسهم إلى ارباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم {يؤمنون بالجبت} بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى {ويقولون للذين كفروا} من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة {هؤلاء أهدى من الذين آمنوا} بكل ما أمر الله به ورسوله. ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: {فقد آتينا آل إبراهيم} يعني أهل الخلة والمحبة {الكتاب والحكمة} العلم الظاهر والعلم الباطن {وآتيناهم ملكاً عظيماً} هو معرفة الله تعالى {فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه} لأن من / العلماء مقبلين ومنهم مدبرين {وكفى بجهنم} نفسهم الحاسدة {سعيراً} تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. {إن الذين كفروا بآياتنا} بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق {سوف نصليهم} نار الحسد والغضب والكبر والعجب {كلما نضجت جلودهم} أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها. ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال {بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب} فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم} أي نجذبهم بجذبات العناية إلى {جنات} من الوصلة {تجري من تحتها الأنهار} من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف {لهم فيها أزواج} من تجلي صفات الجمال والجلال {مطهرة} من لوث الوهم والخيال {وندخلهم ظلاً ظليلاً} هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.

الثعالبي

تفسير : وقوله جلَّت قدرته: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً...} الآيةَ: لما تقدَّم في التي قَبْلَها الإِعلامُ بتَحْقيق الأحكام يوم القيامة، حَسُنَ بعد ذلك التَّنْبِيهُ على الحالَةِ الَّتي يُحْضَرُ ذلك فيها، ويُجَاءُ فيها بالشُّهَدَاءِ على الأُمَمِ، ومعنى الآيةِ: أنَّ اللَّه سبحانه يأتي بالأنبياءِ شُهَدَاءَ عَلَى أُمَمِهِمْ بالتَّصْديق والتَّكْذيب، ومعنى الأُمَّة؛ في هذه الآية: جميعُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْه؛ مَنْ آمَنَ منهم، ومَنْ كَفَر، وكذَلِكَ قال المتأوِّلون: إِن الإِشَارةَ بـ «هَـٰؤُلاۤءِ» إِلَى قُرَيْشٍ وغيرِهِم، ورُوِيَ أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، فَاضَتْ عَيْنَاهُ، وكذلك ذَرِفَتْ عَيْنَاهُ - عليه السلام - حِينَ قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ؛ حَسْبَما هو مذكورٌ في الحديثِ الصَّحِيح، وفي «صحيحِ البخاريِّ»، عن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، قَالَ: حديث : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى المَيِّتِ بَعد ثمان سنين، كالمُوَدِّع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر، فقال: إنِّي بَيْنَ أَيْدِيِكُمْ فَرَطٌ، وأَنا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ وإِنَّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هذا، وإِنِّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكُمُ الدنيا أن تنافسوهاتفسير : ، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {لَوْ تُسَوَّىٰ} قالت فرقة معناه: تنشق الأرض، فيحصلون فيها، ثم تتسوَّى هي في نفسها عليهم وبهم، وقالت فرقة: معناه لو تستوي هي معهم في أن يكونوا ترابا كالبهائم. وقوله تعالى: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}: معناه، عند طائفة: أن الكفار، لما يرونه من الهول وشِدَّة المخاوف، يودون لو تسوى بهم الأرض، فلا ينالهم ذلك الخوف، ثم استأنف الكلام، فأخبر أنهم لا يكتمون الله حديثا، لنطق جوارحهم بذلك كله، حين يقول بعضهم {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23] فيقول الله سبحانه: «كذبتم» ثم تنطق جوارحهم، فلا تكتم حديثا، وهذا قول ابن عباس. وقالت طائفة: الكلام كله متصل و وُدُّهم ألا يكتموا الله حديثا إنما هو ندم على كذبهم حين قالوا: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23] والرسول في هذه الآية الجنس، شرِّف بالذكر، وهو مفرد دلَّ على الجمع.

ابن عادل

تفسير : "فكيف" فيها ثلاثة أقْوَال: أحدها: أنَّها في مَحَلِّ رفْع خَبَراً لمبْتَدأ مَحْذُوف، أي: فكيف [تكُون] حالهم أو صُنْعُهم، والعَامِل في "إذَا" هو هَذَا المُقَدَّر. والثاني: أنها في مَحَلِّ نَصْب بِفْعِل مَحْذُوف، أي: فكيف تكُونونُ أو تَصْنَعُون، ويَجْرِي فيها الوَجْهَان النَّصْب على التَّشْبِيه بالحَالِ؛ كما هو مَذْهَب سَيبويْه، أو على التَّشْبِيه بالظَّرفيّة؛ كما هو مذهب الأخْفَش، وهو العَامِل في "إذَا" أيْضَاً. والثالث: حكاه ابن عَطيّة عن مَكِّي أنها معمولة لـ {جِئْنَا}، وهذا غَلَطٌ فاحِشٌ. قوله {مِن كُلِّ} فيه وجْهَان: أحدهما: أنه مُتعلِّق بـ {جِئْنَا}. والثاني: [أنه متعلِّقٌ] بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من {شَهِيداً}، وذلك على رَأي من يُجَوِّزُ تقديم حالِ المجرُور بالحَرْفِ عليْهِ، كما تقدَّم، والمشهود مَحْذُوف، أي: شهيد على أمَّتِه. فصل: معنى {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا} من عَادَة العرب أنَّهم يقُولُون في الشَّيء الذي يتوقَّعُونَهُ: كيف بك إذا كان كَذَا وكَذَا، ومعنى الكلام: كيْفَ يرون [يَوْمَ] القيامة: إذا اسْتَشْهَد الله على كُلِّ أمَّة برسُولِهَا يشهد عليهم بما عَمِلُوا، {وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} أي: شاهداً على جميع الأمَمِ. روى أبو مَسْعُود؛ حديث : قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "اقْرَأ عَلَيَّ". فقلت: يا رسُول الله، أَقْرَأ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أنْزِلَ؟ قال: "نَعَم، أحِبُّ أن أسْمَعَهُ من غَيْرِي"، فقرأت سُورة النِّسَاء حتى أتيْتُ إلى هذه الآيةِ، قال: حَسْبُك الآن، فالتَفَتُّ إلَيْه فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفان . تفسير : قوله {وَجِئْنَا بِكَ} في هذه الجُمْلَة ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها في مَحَلِّ جرِّ عطفاً على {جِئْنَا} الأولى، أي: فكيف تصنعون في وَقْتِ المجيئين. والثاني: أنها في مَحَلِّ نصب على الحَالِ و "قَدْ" مُرَادةٌ معها، والعَامِلُ فيها {جِئْنَا} [الأولى، أي: جئنا] من كُلِّ أمَّة بشهيدٍ وقد جِئْنَا؛ وفيه نَظَر. الثالث: أنها مُسْتأنَفَة فلا مَحَل لها قال أبُو البَقَاء ويجوز أن تكون مُسْتأنفَة، ويكون المَاضِي بمعنى المُسْتَقْبَل انتهى. وإنما احْتَاج [إلى ذلك]؛ لأن المَجِيءَ بعد لَمْ يَقَع فادّعى ذلك، والله أعْلَم. قوله: {عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ} متعلِّق بـ {شَهِيداً} و "عَلَى" على بابها، وقيل: بمعْنَى اللام، وفيه بُعْدٌ [وأجيز أن يكُونَ "عَلَى" متعلِّقَة بمحذُوفٍ على أنَّها حالٌ من {شَهِيداً} وفيه بُعْدٌ]، و{شَهِيداً} حالٌ من الكَافِ في "بِكَ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل من طرق ‏"‏حديث : عن ابن مسعود قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اقرأ عليَّ قلت‏:‏ يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ إني أحب أن أسمعه من غيري‏.‏ فقرأت سورة النساء حتى أتيت على هذه الآية ‏ {‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً‏} ‏ فقال‏:‏ حسبك الآن‏.‏‏.‏ فإذا عيناه تذرفان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عمرو بن حريث قال‏:‏ حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود‏:‏ ‏"‏اقرأ‏.‏ قال‏:‏ أقرأ وعليك أنزل‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ إني أحب أن أسمعه من غيري‏.‏ فافتتح سورة النساء حتى بلغ ‏ {‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فاستعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكف عبد الله‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والبغوي في معجمه والطبراني بسند حسن عن محمد بن فضالة الأنصاري - وكان ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم -أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وناس من أصحابه، فـ حديث : أمر قارئاً فقرأ، فأتى على هذه الآية ‏ {‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً‏} ‏ فبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه، وقال‏:‏ يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره؟ ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن يحيى بن عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه عن جده. ‏ ‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية ‏ {‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً‏} ‏ بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال‏: "‏يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد‏} ‏ قال‏:‏ رسولها يشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم ‏ {‏وجئنا بك على هؤلاء شهيداً‏} ‏ قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى عليها فاضت عيناه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ‏‏ ‏"حديث : {‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد‏} ‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ شهيداً عليهم ما دمت فيهم فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم‏"‏ تفسير : والله تعالى أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَكَيْفَ} محلُّها إما الرفعُ على أنها خبرٌ لمبتدإ محذوفٍ وإما النصبُ بفعل محذوفٍ على التشبـيه بالحال كما هو رأيُ سيبويهِ أو على التشبـيه بالظرف كما هو رأيُ الأخفش أي كيف حالُ هؤلاءِ الكفرةِ من اليهود والنصارى وغيرِهم، أو كيف يصنعون {إِذَا جِئْنَا} يومَ القيامة {مِن كُلّ أمَّةٍ} من الأمم {بِشَهِيدٍ} يشهَدُ عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائدِ وقبائحِ الأعمالِ، وهو نبـيُّهم كما في قوله تعالى: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ }تفسير : [المائدة، الآية 117] والعاملُ في الظرف مضمونُ المبتدأ والخبرِ من هول الأمرِ وعِظَمِ الشأنِ أو الفعلُ المقدرُ ومِنْ متعلقةٌ بجئنا {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {عَلَىٰ هَـؤُلاء} إشارةٌ إلى الشهداء المدلولِ عليهم بما ذكر {شَهِيداً} تشهَدُ على صدقهم لعلمك بعقائدهم لاستجماع شرعِك لمجامعِ قواعدِهم، وقيل: إلى المكذبـين المستفهَمِ عن حالهم تشهد عليهم بالكفر والعصيانِ كما يشهد سائرُ الأنبـياءِ على أممهم، وقيل: إلى المؤمنين كما في قوله تعالى: {أية : لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}تفسير : [البقرة، الآية 143]. {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ} استئنافٌ لبـيان حالِهم التي أُشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله تعالى: {فَكَيْفَ} فإن أريد بهم المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالتعبـيرُ عنهم بالموصول لا سيما بعد الإشارةِ إليهم بهؤلاء لذمِّهم بما في حيِّز الصلةِ والإشعارِ بعلة ما اعتراهم من الحال الفظيعةِ والأمرِ الهائلِ، وإيرادُه عليه السلام بعنوان الرسالةِ لتشريفه وزيادةِ تقبـيحِ حالِ مكذّبـيه فإن حقَّ الرسولِ أو يؤمَنَ به ويُطاعَ لا أن يُكفَرَ به ويُعصىٰ وإن أريد بهم جنسُ الكفرَةِ فهم داخلون في إمرتهم دخولاً أولياً، والمرادُ بالرسول حينئذ الجنسُ المنتظِمُ للنبـي عليه السلام انتظاماً أولياً، وأياً ما كان ففيه من تهويل الأمرِ وتفظيعِ الحالِ ما لا يقادَر قدرُه وقوله تعالى: {وَعَصَوُاْ} عطفٌ على كفروا داخلٌ معه في الصلة، والمرادُ معاصيهم المغايرةُ لكفرهم ففيه دلالةٌ على أن الكفارَ مخاطَبون بفروع الشرائعِ في حق المؤاخذةِ، وقيل: حالٌ من ضمير كفروا، وقيل: صلةٌ لموصول آخرَ أي يودّ في ذلك اليومِ الذين جمعوا بـين الكفرِ وعصيانِ الرسولِ، أو الذين كفروا وقد عصَوُا الرسولَ أو الذين كفروا والذين عصَوُا الرسول. و{لَوْ} في قوله تعالى: {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} إن جُعلت مصدريةً فالجملةُ مفعولٌ ليوَدّ أي يودون أن يُدفنوا فتُسوَّى بهم الأرضُ كالموتى، وقيل: يودّون أنهم لم يُبْعثوا أو لم يُخلَقوا وكأنهم والأرضَ سواءٌ، وقيل: تصير البهائمُ تراباً فيودّون حالَها، وإن جُعلت على بابها فالمفعولُ محذوفٌ لدِلالة الجملةِ عليه أي يودون تسويةَ الأرضِ بهم، وجوابُ لو أيضاً محذوفٌ إيذاناً بغاية ظهورِه أي لسُرُّوا بذلك، وقوله تعالى: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} عطف على يود أي ولا يقدِرون على كتمانه لأن جوارحَهم تشهد عليهم، وقيل: الواو للحال أي يودون أن يُدفنوا في الأرض وهم لا يكتُمون منه تعالى حديثاً ولا يكذبونه بقولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }تفسير : [الأنعام، الآية 23] (إذ رُوي أنهم إذا قالوا ذلك ختمَ الله على أفواههم فتشهدُ عليهم جوارحُهم فيشتد الأمرُ عليهم فيتمنَّوْن أن تُسوَّى بهم الأرضُ) وقرىء تَسَّوَّى على أن أصله تتسوى فأُدغم التاءُ في السين وقرىء تَسَوَّى بحذف التاء الثانية، يقال: سوّيتُه فتَسوَّى.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}[41] قال سهل: إن الله تعالى وكل بكل عبد مسلم ثلاثمائة وستين ملكاً بعدد عروقه، إن أراد خيراً أعانوه، وإن أراد شراً عاتبوه عليه، فإن عمل شيئاً من ذلك حفظوه عليه، حتى إذا كان يوم القيامة عرضوه عليه ووافقوه على ذلك، حتى إذا صاروا إلى الله تعالى شهدوا عليه بوفاء الطاعة واقتراف الخطيئة، قال الله تعالى: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ}تفسير : [ق:21].

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [الآية: 41]. جئنا من كل أمةٍ بولىٍّ وصديق، وجئنا بك مصدقًا لولايتهم أو مكذبًا لها. قال الله عز وجل: { أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } تفسير : [البقرة: 143].

القشيري

تفسير : إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - الشهيد على أمته، وهو الشفيع لهم، فإنما يشهد بما يُبْقي للشفاعة موضِعَها. قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}... الآية: يحصلون على ندم ثم لا ينفعهم، ويعضون على أناملهم ثم لا يسكن عنهم جزعهم، فيتقنعون بِخِمار الذُّل، وينقلبون إلى أوطان المحن والضر.

البقلي

تفسير : اخبر تعالى عن مقام جلاله صلى الله عليه وسلم فى مشاهدته تعالى حيث شاهده جمهور الانبياء والصديقين وبين عن عظيم خوفه فى قلوب الجميع ووضع ههنا الرغبة والرهبة معالان العارف اذا قرب من البساط يغلب عليه التعظيم والاحلال والرغبة والرجاء لان شهود انوار قربه يقتضى تلك الحالتين اى كيف حالك فى روية القديم وانت لا انت وكيف حال هؤلاء عند بروز سطوات عظمتى وهم فى حدا الفناء فى روية كبريائى وكيف حال الانبياء والصديقين قبلك وقبل امتك فى ميادين عزتى وجلالى اذا كان حالك وحال امتك بهذه الصفة اى فيكف تشهد الشهداء والمشهودين عليهم حين ابرزت وجهى الكريم كيف تشهدون على الامة فى وجهى وكشف جمالى وكيف يقى الامة عند فناء الانبياء اما مقام الرهبة فها فان الله سبحانه بلا كشف بعض حواشى سرادق كبريائه للانبياء والصديقين وقع عليهم البهتة والتحيرو والفناء من عظمته وسطو عزته فلا يبقى احد منهم الا ان يكون مضمحلا فى نفسه فخاطب على وجه التعجب اى كيف يقومون بازاء كشف جمالى بنعت الرضا وانتم على شبه السكارى حباى من حلاوة لذى جمالى وفى الحديث المروى حديث : ان النبى صلى الله عليه وسلم امر ابن مسعود ببعض قراءة القرأن عنده فقال يا رسول الله انزل عليك القران وانا اقرأ عندك فقال عليه السلام انا احب ان اسمعه من غيرى فقرأ ايها الناس الى قوله فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيد فوضع النبى صلى الله عليه وسلم على ابن مسعود فقال الى ههنا وبكى بكاء شديد حتى اضطربت لحياه تفسير : وفى رواية انه عليه السلام صاح صيحة عند سماع هذه الاية وبين وحده عليه السلام هذين المنزلتين وايضا بين شرف نبينا صلى الله عليه وسلم وامته وشرف الانبياء واممهم والا لا يخفى عليه شئ من العرش الى الثرى قال بعضهم وجنئا من كل امة بولى وصديق وجنابك مصدقا لولا ياتيهم او مكذابا لها قال الله تعالى لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.

اسماعيل حقي

تفسير : {فكيف} محلها النصب بفعل محذوف على التشبيه بالحال او الظرف اى فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم {اذا جئنا} يوم القيامة {من كل امة} من الامم {بشهيد} يشهد عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائد وقبائح الافعال وهو نبيهم {وجئنا بك} احضرناك يا محمد {على هؤلاء} اشارة الى الشهداء المدلول عليهم بما ذكر من قوله بشهيد {شهيدا} تشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم لاستجماع شرعك لمجامع قواعدهم او اشارة الى المكذبين المستفهم عن حالهم تشهد عليهم بالكفر والعصيان كما يشهد سائر الانبياء على اممهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كيف} إذا كان الكلام بعدها تامًا أُعربت حالاً، كقولك: كيف جاء زيد؟ وإذا كان ناقصًا، كانت خبرًا، كقولك: كيف زيد؟ وهي هنا خبر؟ أي: كيف الأمر أذا... الخ. وهي مبنية لتضمنها معنى الاستفهام، والعامل في {إذا} مضمون المبتدأ، أو الخبر، أي: كيف يستقر الأمر أو يكون إذا جئنا؟ ومن قرأ {تَسوّى} بالشد، فأصله تتسوى، أدغمت الأولى في الثانية، ومن قرأ {لو تُسوّى} بالبناء للمفعول فحذف الثانية. يقول الحقّ جلّ جلاله:{فكيف} يكون حال هؤلاء الكفرة واليهود {إذا} قامت القيامة و {جئنا من كل أمة بشهيد} يشهد عليها بخيرها وشرها، وهو نبيهم الذي أرسل اليهم، {وجئنا بك} أنت يا محمد {على هؤلاء} الأمة التي بعثت إليهم {شهيدًا} عليهم، أو على صدق هؤلاء الشهداء شهيدًا، تشهد على صدق رسالتهم وتبليغهم؟ لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك مجامع قواعدهم، وقيل: {وعلى هؤلاء} الكفرة المستفهم عن حالهم، وقيل: على المؤمنين لقوله: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }تفسير : [البقرة:143]. {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول } أي: الذين جمعوا بين الكفر والعصيان يتمنون أن {تسوى بهم الأرض} فيكونون ترابًا لما يرون من هول المطلع، فإذا شهدت عليهم الرسل بالكفر قالوا: {أية : واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعَام:23]، فيُنطق ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بشركهم فيفتضحون {ولا يكتمون الله حديثاً} واحدًا، لأنهم كلما هموا بالكتمان شهدت عليهم جوارحهم بالكفر والعصيان. وقيل: إن القيامة مواطن، في موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسًا، وفي موطن يتكلمون ويقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، إلى غير ذلك من اختلاف أحوالهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا بد أن يحصل الندم لمن فاته صحبة أهل الخصوصية، حتى مات محجوبًا عن مشاهدة أسرار الربوبية، لا سيما إذا انضم إليهم كفرهم بخصوصيتهم والإنكار عليهم، وذلك حين يكشف له عن مقامهم البهي وحالهم السني، مصاحبين للمقربين في جوار الأنبياء والمرسلين، وهو في مقام أهل اليمين، ثم يعاقب على ما أسر عليه من الكبائر، وهي معاصي القلوب والضمائر، وهذا إذا مات على الإسلام، وإلا فالإنكار على الأولياء شُؤمُه سوء الخاتمة. والعياذ بالله من ذلك. وقد تقدم أن العارفين بالله يشهدون على العلماء، والعلماء يشهدون على العموم، ونبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ يزكي من يحتاج إلى التزكية. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : الاعراب: "كيف" لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها ها هنا التوبيخ، والتقدير فكيف يكون حال هؤلاء يوم القيامة، وحذف لدلالة الكلام عليه. والعامل في "كيف" الابتداء المحذوف، لأن التقدير: كيف حالهم، على ما بيناه. وإنما جاز خروج كيف عن الاستفهام إلى التوبيخ لأنه يقتضي إقرار العبد على نفسه بما كان من قبيح عمله، كما يقتضي الجواب في الاستفهام، ولا يجوز أن يكون العامل في "كيف" "جئنا" لاضافة "إذا" إليه والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله كما لا تعمل الصلة فيما قبل الموصول، لأنه من تمام الاسم . المعنى: والشهادة تقع يوم القيامة من كل نبي بأنه بلغ قومه ما تقوم به عليهم الحجة، وأنه أدى ما تقوم به الحجة عليها من مراد الله، هذا قول عبد الله، وابن جريج، والسدي. وقال الجبائي: يشهد عليهم باعمالهم. وقال الزجاج، والطبري: يشهد لهم وعليهم بما عملوه، ووجه حسن الشهادة ما في ذلك من اقامة الحجة عليهم، فيستجيبون عند تصور تلك الحال من خزي ذلك المقام، وفي ذلك أكبر الاتعاظ. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ على النبي (صلى الله عليه وسلم) سورة النساء فلما بلغ {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} فاضت عيناه وقوله: {وجئنا بك} يعني محمداً (صلى الله عليه وسلم) {على هؤلاء} يعني على أمته. وقال السدي: إن أمة نبينا تشهد للأنبياء بالأداء والتبليغ، ويشهد النبي لأمته بتصديقهم في تلك الشهادة، كما قال: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}.

الجنابذي

تفسير : {فَكَيْفَ} يكون حال هؤلاء المختالين الموصوفين بالاوصاف السّابقة من شدّة الخوف والعقوبة {إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ} من امم الانبياء {بِشَهِيدٍ} هو نبيّهم او من كلّ فرقة من فرق امّتك بشهيد هو امامهم فى عصرهم او من كلّ امّةٍ من امم الانبياء ومن كلّ فرقة من فرق امم الانبياء ومن فرق امّتك بشهيد هو نبيّهم اووصّى نبيّهم وامامهم وقد اشير الى الكلّ فى الاخبار لكن لمّا كان المقصود منه تحذير المنافقين من الامّة المرحومة عن مخالفة علىّ (ع) والاوصياء من بعده ورد عن الصّادق (ع) انّها نزلت فى امّه محمّد (ص) خاصّة بطريق الحصر {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمّد (ص) {عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ} الامم والفرق، او على هؤلاء الشّهداء او على هؤلاء الامم والفرق والشّهداء {شَهِيداً} تشهد لهم وعليهم او تشهد لبعض وهم الانبياء والاوصياء ومن اقرّ بهم، وعلى بعضٍ وهم المنكرون لهم الغير المقرّين بهم.

الهواري

تفسير : قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} أي يوم القيامة يشهد على قومه أنه قد بلغهم. قال بعضهم: شاهدها نبيُّها من كل أمة. {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً}. قال: {يُوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ}. قال بعضهم: ودّوا لو أن الارض تخرّقت بهم فساخوا فيها. وقال بعضهم: إن الله إذا حشر الخلائق يوم القيامة قصَّ لبعضهم من بعض حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، ثم قال: كوني تراباً، يطأ عليهم أهل الجمع، هذا ما سوى الثقلين. فعند ذلك (أية : وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً) تفسير : [النبأ:40]. وهو قوله: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ}. قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً} ذكر أبو حازم عن ابن عباس في قوله: (أية : وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) تفسير : [الأنعام:23] فبألسنتهم، وأما قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً} فبجوارحهم. ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: {قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فختم الله على أفواههم فقال للجوارح انطقي، فإن أول ما يتكلم من أحدهم لفخذه، قال الحسن: نسيت اليمنى قال أم اليسرى. وهذا في سورة يس: (أية : اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). تفسير : [يس:65]. وقال الحسن: في موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همساً، أي وطء الأقدام، وفي موطن آخر يتكلمون فيكذبون، وَقَالُوا: (أية : مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ) تفسير : [النحل:28]، و (أية : قَالُوا: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) تفسير : [الأنعام:23]. وفي موطن يعترفون على أنفسهم بالكفر، ويسألون الله أن يردّهم إلى الدنيا فيؤمنوا. وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم.

اطفيش

تفسير : {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاءِ شَهِيداً}: كيف خبر لمحذوف أى كيف حال الكفرة، أو كيف حال اليهود والنصارى، أو كيف يكون حالهم، أو حال لمحذوف، أى كيف يصنعون؟ قال ابن عباس: الشهيد من كل أمة بنبيها، وكذلك أنت يا محمد شهيد على أمتك مؤمنها وكافرها، فهؤلاء: إشارة إلى هذه الأمة كلها، كما أن المراد بكل أمة: مشركو كل أمة وموحدوها، والاستفهام تهديد للعصاة وتوبيخ لهم، أو تقرير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أى أقرر بما عندك فيهم، من الهول العظيم، تقريراً يضمن تهديداً لهم، قال ابن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "اقرأ على القرآن فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إنى أحب أن أسمعه من غيرى". فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاءِ شَهِيداً} قال: "حسبك الآن" تفسير : ويروى فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان، قال "حديث : أنا شهيد ما دمت فيهم" تفسير : أو قال: "حديث : ما كنت فيهم"تفسير : ، أى شهيد عليهم فى الدنيا، فأروى الشهادة يوم القيامة، وكذلك كان رسول الله صلى الله علية وسلم، كلما قرأ هذه الآية فاضت عيناه. قال عقبة بن عامر صلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - على قتلى أحد صلاته على الميت بعد ثمانى سنين، كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال: "حديث : إنى بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم الحوض وإنى لأنظر إليه مقامى هذا، وإنى لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم من الدنيا أن تنافسوها"تفسير : فكانت آخر نظرة نظرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى جئنا بشهيد: وجئنا بك اجيتناكم وأحضرناكم ومن كل متعلق بجئنا لا بمحذوف حال من شهيد بعده على الصحيح، لأن صاحب الحال المجرور بحرف غير زائد، لا تتقدم عليه حاله قياساً، وما ورد يحفظ فلا يخرج القرآن على ما لا يقاس، وجواب إذا محذوف دل عليه فكيف يصنع الكفرة أو اليهود والنصارى، أو كيف يكون حالهم، أو كيف حالهم، وإذا تعلق بما يصلح للتعلق من جوابها، مثل يكون ويصنع وإن لم يكن ما يصلح علق بما تضمنه الكلام، كعطفة الشأن إذا قدرنا كيف حالهم، وقيل المراد بالشهادة: الشهادة على كفر من كفر، وفساد اعتقادهم فى الموضعين وعلى هذا فهؤلاء كفرة الأمة دون مؤمنيها، وقيل: الإشارة إلى شهداء الأمم لأنه لو ذكر بلفظ الواحد، لكن قال من كلامه، فدل على {شهيداً} فالنبى صلى الله عليه وسلم {شهيداً} على شهداء الأمم بالصدق وعلى أمته صلى الله عليه وسلم، وقيل: الإشارة للمؤمنين من الأمة لقوله تعالى: {أية : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}تفسير : وجازت تعدية الشهادة بعلى، ولو كانت بخير لأن فيها مراقبة، وولاية على المشهود له.

اطفيش

تفسير : {فَكَيْفَ} يصنع المشركون من اليهود والنصارى وغيرهم، أو كيف حال هؤلاء الكفرة {إذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} يشهد على عملهما واعتقادهما، وهو نبيها، كما يدل له قوله عز وجل {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤلآءِ شَهِيداً} أى على أمتك، أو على المؤمنين، كقوله تعالى: {أية : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} تفسير : [البقرة: 143]، أو على الأنبياء الشاهدين على أممهم، أو على الأمم كلها تقوية لأنبيائهم.

الالوسي

تفسير : {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} الفاء فصيحة، و (كيف) محلها إما الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، وإما النصب بفعل محذوف على التشبيه بالحال ـ كما هو رأي سيبويه ـ أو على التشبيه بالظرف / ـ كما هو رأي الأخفش ـ والعامل بالظرف مضمون الجملة من التهويل والتفخيم المستفاد من الاستفهام، أو الفعل المصدر كما قرره صاحب «الدر المصون»، والجار متعلق بما عنده أي إذا كان كل قليل وكثير يجازى عليه، فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم، أو كيف يصنعون، أو كيف يكون حالهم إذا جئنا يوم القيامة من كل أمة من الأمم وطائفة من الطوائف بشهيد يشهد عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائد وقبائح الأعمال ـ وهو نبيهم ـ؟ {وَجِئْنَا بِكَ} يا خاتم الأنبياء {عَلَىٰ هَٰـؤُلاء} إشارة إلى الشهداء المدلول عليهم بما ذكر {شَهِيداً} تشهد على صدقهم لعلمك بما أرسلوا واستجماع شرعك مجامع ما فرعوا وأصلوا، وقيل: إلى المكذبين المستفهم عن حالهم يشهد عليهم بالكفر والعصيان تقوية لشهادة أنبيائهم عليهم السلام، أو كما يشهدون على أممهم، وقيل: إلى المؤمنين لقوله تعالى: {أية : لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} تفسير : [البقرة: 143] ومتى أقحم المشهود عليه في الكلام وأدخلت {عَلَىٰ} عليه لا يحتاج لتضمين الشهادة معنى التسجيل، أخرج ابن أبـي شيبة وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من طرق عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقرأ عليّ قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: نعم إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } الخ فقال: حسبك الآن فإذا عيناه تذرفان»تفسير : فإذا كان هذا الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة وعظم تلك الحالة، فماذا لعمري يصنع المشهود عليه؟! وكأنه بالقيامة وقد أناخت لديه.

ابن عاشور

تفسير : الفاء يجوز أن تكون فاء فصيحة تدلّ على شرط مقدّر نشأ عن الوعيد في قوله: {أية : وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً}تفسير : [النساء: 37] وقوله: {أية : فساء قريناً}تفسير : [النساء: 38]؛ وعن التوبيخ في قوله: {أية : وماذا عليهم}تفسير : [النساء: 39] وعن الوعد في قوله: {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة}تفسير : [النساء: 40] الآية، والتقدير: إذا أيقنت بذلك فكيفَ حال كلّ أولئك إذا جاء الشهداء وظهر موجَب الشهادة على العمل الصالِح وعلى العمل السيّىء، وعلى هذا فليس ضميرُ (بكَ) إضماراً في مقام الإظهار، ويجوز أن تكون الفاء للتفريع على قوله: {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها}تفسير : [النساء: 40]، أي يتفرّع عن ذلك سؤال عن حال الناس إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد؛ فالناسُ بين مستبشر ومتحسّر، وعلى هذا فضمير {بك} واقع موقع الاسم الظاهر لأنّ مقتضَى هذا أن يكون الكلام مسوقاً لجميع الأمّة، فيقتضي أن يقال: وجئنا بالرَّسُول عليهم شهيداً، فعُدل إلى الخطاب تشريفاً للرسول صلى الله عليه وسلم بعزّ الحُضور والإقبال عليه. والحالة التي دلّ عليها الاستفهام المستعمل في التعجيب تؤذن بحالة مهولة للمشركين وتنادي على حيرتهم ومحاولتهم التملّص من العقاب بسلوك طريق إنكار أن يكونوا أنذروا ممّا دلّ عليه مجيء شهيد عليهم، ولذلك حذف المبتدأ المستفهم عنه ويقدّر بنحو: كيف أولئك، أو كيف المَشْهَد، ولا يقدّر بكيف حالهم خاصّة، إذ هي أحوال كثيرة ما منها إلاّ يزيده حالُ ضدّه وضوحاً، فالناجي يزداد سروراً بمشاهدة حال ضدّه، والموبق يزداد تحسّرا بمشاهدة حال ضدّه، والكلّ يقوى يقينه بما حصل له بشهادة الصادقين له أو عليه، ولذلك لمّا ذكر الشهيد لم يذكر معه مُتعلِّقه بعلَى أو اللام: ليعمّ الأمرين. والاستفهام مستعمل في لازم معناه من التعجيب، وقد تقدّم نظيره عند قوله تعالى: {أية : فكيف إذا جمعناهم}تفسير : في سورة آل عمران (25). (وإذا) ظرف للمستقبل مضاف إلى جملة {جئنا} أي زمان إتياننا بشهيد. ومضمون الجملة معلوم من آيات أخرى تقدّم نزولها مثلُ آية سورة النحل (89) {أية : ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} تفسير : فلذلك صلحت لأن يتعرّف اسم الزَّمان بإضافته إلى تلك الجملة، والظرف معمول ل(كيف) لما فيها من معنى الفعل وهو معنى التعجيب، كما انتصب بمعنى التلهّف في قول أبي الطمْحان:شعر : وقبْل غدٍ يَا لهفَ قلبي من غَدٍ إذا رَاح أصحابي ولستُ برائح تفسير : والمجروران في قوله: من كل أمة} وقوله: {بشهيد} يتعلّقان بــــ (جئنا). وقد تقدّم الكلام مختصراً على نظيره في قوله تعالى: {أية : فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه}تفسير : [آل عمران: 25]. وشهيد كلّ أمّة هو رسولها، بقرينة قوله: {وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}. و{هؤلاء} إشارة إلى الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لحضورهم في ذهن السامع عند سماعه اسم الإشارة، وأصل الإشارة يكون إلى مشاهد في الوجود أو منزّل منزلتَه، وقد اصطلح القرآن على إطلاق إشارة (هؤلاء) مراداً بها المشركون، وهذا معنى ألهمنا إليه، استقريْناه فكان مطابقاً. ويجوز أن تكون الإشارة إلى {أية : الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل}تفسير : [النساء: 37] وهم المشركون والمنافقون، لأنّ تقدّم ذكرهم يجعلهم كالحاضرين فيشار إليهم، لأنّهم لكثرة توبيخهم ومجادلتهم صاروا كالمعيّنين عند المسلمين. ومن أضعف الاحتمالات أن يكون {هؤلاء} إشارة إلى الشهداء، الدالّ عليهم قوله: {كل أمةٍ بشهيد} وأن ورد في «الصحيح» حديث يناسبه في شهادة نوح على قومه وأنّهم يكذّبونه فَيشهد محمّد صلى الله عليه وسلم بصِدقه، إذ ليس يلزم أن يكون ذلك المقصودَ من هذه الآية. وذُكر متعلّق (شهيدا) الثاني مجروراً بعلى لتهديد الكافرين بأنّ الشهادة تكون عليهم، لأنّهم المقصود من اسم الإشارة. وفي «صحيح البخاري»: أنّ عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اقرأ عليّ القرآن، قلت: أقْرَأهُ عليك وعليكَ أنْزِل، قال: إني أحِبّ أنْ أسْمَعه من غيري» تفسير : فقرأت عليه سورة النساء، حتّى إذا بلغتُ {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}، قال: {أمسِك} فإذا عينَاه تذرفان. وكما قلت: إنه أوجز في التعبير عن تلك الحال في لفظ كيف فكذلك أقول هنا: لا فِعل أجمع دلالة على مجموع الشعور عند هذه الحالة من بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّه دلالة على شعور مجتمعٍ فيه دلائلُ عظيمة: وهي المسرّة بتشريف الله إيّاه في ذلك المشهد العظيم، وتصديقِ المؤمنين إيّاه في التبليغ، ورؤيةِ الخيرات التي أنجزت لهم بواسطته، والأسفِ على ما لحق بقية أمّته من العذاب على تكذيبه، ومشاهدةِ ندمهم على معصيته، والبكاء ترجمانُ رحمةٍ ومسرّة وأسف وبهجة. وقوله: {يومئذٍ يود الذين كفروا} الآية استئناف بياني، لأنّ السامع يَتساءل عن الحالة المبهمة المدلولة لقوله: {كيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} ويتطلّب بيانها، فجاءت هذه الجملة مبيّنة لبعض تلك الحالة العجيبة، وهو حال الذين كفروا حين يرون بوارق الشرّ: من شهادة شهداء الأمم على مؤمنهم وكافرهم، ويوقنون بأنّ المشهود عليهم بالكفر مأخوذون إلى العذاب، فينالهم من الخوف ما يودّون منه لو تَسَّوى بهم الأرض. وجملة {لو تسوى بهم الأرض} بيان لجملة يودّ أي يودّون وُدَّا يبيّنه قوله: {لو تسوى بهم الأرض}، ولكون مضمونها أفاد معنى الشيء المودود صارت الجملة الشرطية بمنزلة مفعول (يودّ)، فصار فعلها بمنزلة المصدر، وصارت لو بمنزلة حرف المصدر، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} تفسير : في سورة البقرة (96). وقوله: تسوى} قرأه نافع، وابن عامر، وأبو جعفر ــــ بفتح التاء وتشديد السين ــــ فهو مضارع تَسَوَّى الذي هو مطاوع سَوَّاه إذا جعله سَواءً لشيءٍ آخر؛ أي مماثلا، لأنّ السواء المثل فأدْغِمت إحدى التاءين في السين؛ وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف ــــ بفتح التاء وتخفيف السين ــــ على معنى القرَاءة السابقة لكن بحذف إحدى التاءين للتخفيف؛ وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب {تسوى} ــــ بضمّ التاء وتخفيف السين ــــ مبنيّا للمجهول، أي تُمَاثَل. والمماثلة المستفادة من التسوية تحتمل أن تكون مماثلة في الذات، فيكون المعنى أنّهم يصيرون تُراباً مثل الأرض لظهور أن لا يقصد أن تصير الأرض ناسا، فيكون المعنى على هذا هو معنى قوله تعالى: {أية : ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا}تفسير : [النبأ: 40]. وهذا تفسير الجمهور، وعلى هذا فالكلام إطناب، قصد من إطنابه سلوك طريقة الكناية عن صيرورتهم تراباً بالكناية المطلوب بها نِسبةٌ، كقولهم: المجدُ بين ثوبيْه، وقول زياد الأعجم:شعر : إنَّ السَّماحةَ والمُرُوءَة والنَّدى في قُبَّة ضُربت على ابن الحشرج تفسير : أي أنّه سمح ذو مروءة كريم؛ ويحتمل أن تكون مماثلة في المقدار، فقيل: يودّون أنّهم لم يبعثوا وبَقُوا مستوين مع الأرض في بطنها، وقيل: يودّون أن يُدفنوا حينئذ كما كانوا قبل البعث. والأظهر عندي: أنّ المعنى التسويةُ في البروز والظهور، أي أن ترتفع الأرض فتُسَوَّى في الارتفاع بأجسادهم، فلا يظهروا، وذلك كناية عن شدّة خوفهم وذلّهم، فينقبضون ويتضاءلون حتّى يودّوا أن يصيروا غير ظَاهرين على الأرض، كما وَصف أحدُ الأعراب يهجو قوماً من طَيّءٍ أنشده المبرّد في الكامل:شعر : إذَا ما قيل أيُّهُمُ لأَي تَشَابَهَتْ المَنَاكِبُ والرُّؤُوسُ تفسير : وهذا أحسن في معنى الآية وأنسب بالكناية. وجملة {ولا يكتمون الله حديثاً} يجوز أن تكون مستأنفة والواو عاطفة لها على جملة {يود}؛ ويجوز أن تكون حالية، أي يودّون لو تسوّى بهم الأرض في حال عدم كتمانهم، فكأنّهم لمّا رأوا استشهاد الرسل، ورأوا جزاء المشهود عليهم من الأمم السالفة، ورأوا عاقبة كذب المرسَل إليهم حتّى احتيج إلى إشهاد رسلهم، علموا أنّ النَّوبة مفضية إليهم، وخامرهم أن يكتموا الله أمْرَهم إذا سألَهم الله، ولم تساعدهم نفوسهم على الاعتراف بالصدق، لِمَا رأوا من عواقب ثبوت الكفر، من شدّة هلعهم، فوقعوا بين المقتضي والمانع، فتمنّوا أن يَخفَوْا ولا يظهروا حتّى لا يُسألوا فلا يضطرّوا إلى الاعتراف الموبِق ولا إلى الكتمان المهلك.

القطان

تفسير : يود: يتمنى: لو تسوَّى بهم الارض: ان يدفنوا وتسوى عليهم الأرض. ثم يختم سبحانه وتعالى الأوامر والنواهي المتقدمة بمشهد من مشاهد القيامة، ويحسم موقفهم فيه، ويرسم حركة النفوس والمشاعر كأنها شاخصة متحركة فيقول: فكيف يكون حال هؤلاء البخلاء المتكبّرين والمعرِضين عما أمر الله به، اذا جئنا يوم القيامة بكل نبيّ شهيداً على قومه، وجئنا بك يا محمد شهيدا على قومك أيضاً؟. {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...} في ذلك اليوم يتمنّى الّذين كفروا وعصَوا الرسول فلم يتّبعوا ما جاء به، لو يُدفنون في الأرض كما تدفن الأموات، وتسوّى بهم الأرض. وكما جاء في سورة النبأ {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}. {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} فإنهم يتمنّون ان يكونوا ترابا، ولا يكونوا قد كتموا الله وكذبوا أمامه على أنفسهم بإنكار شِركهم وضلالهم، كما وضَح ذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام.. {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} قراءات: قرأ حمزة والكسائي "تَسْوَى" بفتح التاء والسين المخففة. وقرأ نافع وابن عامر "تسوى" بفتح التاء وتشديد السين والواو المفتوحتين. والباقون "تسوى" كما هو هنا بضم التاء.

د. أسعد حومد

تفسير : (41) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيَامَةِ وَشِدَّةِ أَمْرِهِ، فَإِذَا كَانَ لاَ يَضِيعُ مِنْ عَمَلِ العَامِلِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فَكَيفُ يَكُونُ الأمْرُ وَالحَالُ، يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَ يَجْمَعُ اللهُ الخَلاَئِقَ، وَيَجِيءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَاهِدٍ عَلَيهَا (هُوَ نَبِيُّها)، وَيَأتِي بِمُحَمَّدٍ شَاهِداً عَلَى قَوْمِهِ (هَؤُلاَءِ)؟ وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ هِيَ عَرْضُ أَعْمَالِ الأمَمِ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ، وَمُقَابَلَةُ عَقَائِدِهِمْ وَأخْلاَقِهِمْ وَأعْمَالِهِمْ بِعَقَائِدِ الأنْبِيَاءِ، وَأعْمَالِهِمْ وَأخْلاَقِهِمْ، فَمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ أنَّهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، وَمَا أمَرَ النَّاسَ بِالعَمَلِ بِهِ فَهُوَ نَاجٍ، وَمَنَ تَبَرَّأ مِنْهُ الأنْبِيَاءُ فَهُوَ مِنَ الأخْسَرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة تسمع كلمة "كيف" فاعرف أن هناك شيئاً عجيباً، تقول مثلاً: أنت سببت السلطان فكيف إذا واجهوك ووجدته أمامك ماذا تفعل؟ كأن مواجهة السلطان ذاتها مسألة فوق التصور، فكل شيء يتعجب منه يؤتى فيه بـ "كيف"، ومثال ذلك قوله الحق: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 28]. وهذا يعني تعجيباً من مصيبة وكارثة هي الكفر بالله، فقولوا لنا: كيف جاءت هذه؟ إنها مسألة عجيبة، ونقول: فكيف يكون حال هؤلاء الكافرين، كيف يكون حال هؤلاء العُصاة، في يوم العرض الأخير، {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ..} [النساء: 41] و "الشهيد" هو: الذي يشهد ليقرر حقيقة، ونحن نعلم أن الحق أخبرنا: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24]. وهذا النذير شهيد على تلك الأمة أنه بلغها المنهج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم شهيد على أمته أنه بلغ، فقوله: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ ..} [النساء: 41] مَنْ هم؟ ننظر قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ..} [النساء: 41] وهو رسولها الذي بلغ عن الله منهجه، وكيف يكون الموقف إذا جاء وقال: أنا أبلغتهم الموقف ولا عذر لهم لأنني أعلمتهم به، "وجئنا بك" يا محمد - صلى الله عليك وسلم "على هؤلاء" فهل المعنى بـ "هؤلاء" هم الشهداء الذين هم الرسل أو على هؤلاء المكذبين لك؟ وتكون أيضاً شهيداً على هؤلاء مثلما أنت شهيد على أمتك؟ إن كلا من الحالين يصح، لماذا؟ لأن الله جاء بكتابه المعجزة وفيه ما يثبت أن الرسل قد بلغوا أممهم، فكأن الرسول حين سُجل في كتابه المعجزة وكتابه المنهج أن الرسل قد بلغوا أممهم فهو سيشهد أيضاً: هم بلغوكم بدليل أن ربنا قال لي في كتاب المعجزة وفي المنهج. ويكون رسولنا شهيداً على هؤلاء المكذبين الذي أرسل إليهم وهم أمة الدعوة فالمعنى هذا يصلح، وكذلك يصلح المعنى الآخر. ولا يوجد معنى صحيح يطرد معنى صحيحاً في كتاب الله، وهذه هي عظمة القرآن. إن عظمة القرآن هي في أنه يعطي إشعاعات كثيرة مثل فص الماس، فالماس غالٍ ونفيس؛ لأنه قاسٍ ويُكسر به وكل ذرة فيه لها شعاع، المعادن الأخرى لها إشعاع واحد، لكن كل ذرة في الماس لها إشعاع؛ ولذلك يقولون إنه يضوي ويتلألأ، فكل ذراته تعطي إشعاعاً. والحق سبحانه وتعالى يوضح: أن حال هؤلاء سيكون فظيعاً حينما يأتي يوم العرض يوم القيامة، ويقولون: إننا بلغناكم، أو الحق سبحانه وتعالى عرض هذه المسألة بالنسبة للرسل وأممهم، وبالنسبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته أو للأمم كلها، فنحن أيضاً سنكون شهداء: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..} تفسير : [البقرة: 143]. وهذه ميزة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأن أمة محمد هي الأمة الوحيدة التي أمنها الله على أن يحملوا المنهج إلى أن تقوم الساعة، فلن يأتي أنبياء أبداً بعد رسول الله، فيقول: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..} تفسير : [البقرة: 143] إذن فنحن بنص هذه الآية أخذنا امتداد الرسالة. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقرأ عليّ القرآن فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟. قال: نعم إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} فقال: حسبك، فإذا عيناه تذرفان الدموع ". تفسير : فإذا كان الشهيد بكى من وقع الآية فكيف يكون حال المشهود عليه؟ الشهيد الذي سيشهد بكى من الآية، نعم؛ لأنك تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ملئ قلبه رحمة بأمته؛ ولذلك قلنا: إن حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته جعل ربه يعرض عليه أن يتولى أمر أمته، بعد أن علم سبحانه مدى عنايته صلى الله عليه وسلم بهذه الأمة: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. فأمر أمته صلى الله عليه وسلم كان يقلقه جداً على الرغم من أن الحق سبحانه قد أوضح له: أنت عليك البلاغ وليس عليك أن تهدي بالفعل، وهو صلى الله عليه وسلم يعرف هذا. إنما حرصه ورحمته بأمته جعله يحب أن يؤمنوا،، وعليه الصلاة والسلام خاف على أمته من موقف يشهد فيه عليهم ضمن مَنْ سيشهد عليهم يوم الحشر. فلما رأى الحق سبحانه وتعالى أن رسوله مشغول بأمر أمته قال له: لو شئت جعلت أمر أمتك إليك. وانظر إلى العظمة المحمدية والفهم عن الله، والفطنة، فقال له: لا يا رب. أنت أرحم بهم مني. وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول للخالق: "حديث : أتنقل مسألتهم في يدي وأنا أخوهم، إنما أنت ربي وربهم، فهل أكون أنا أرحم بهم منك؟ لقد كان من المتصور أن يقول رسول الله: نعم أعطني أمر أمتي لكنه صلى الله عليه وسلم قال: يا رب أنت أرحم بهم مني. فكيف يكون ردّ الرب عليه؟. قال سبحانه: فلا أخزيك فيهم أبداً، وسبحانه يعلم رحمة سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم بأمته . تفسير : عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: {أية : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ..} تفسير : [إبراهيم: 36] وقول عيسى عليه السلام: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 118]. فرفع يديه وقال: "حديث : اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: "يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك" ". تفسير : {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا ..} [النساء: 41] أي كيف يكون حال هؤلاء العصاة المكذبين .. {إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ..} [النساء: 41] أنه أدّى وبلغ عن الله مراده من خلقه. {وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} [النساء: 41]. ويقول الحق من بعد ذلك: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ...}.

الأندلسي

تفسير : {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} وهو نبيهم يشهد عليهم بما فعلوا كما قال: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، والأمة هنا من بعث إليهم النبي من مؤمن به وكافر لما أعلم تعالى بعدله وإيتاء فضله اتبع ذلك بأن نبه على الحالة التي يحضر فيها للجزاء ويشهد عليهم فيها. وكيف في موضع رفع ان كان المحذوف مبتدأ التقدير فكيف حال هؤلاء السابق ذكرهم أو كيف صنعهم وهذا المبتدأ العامل في خبره هو العامل في إذا أو في موضع نصب إن كان المحذوف فعلاً، أي فكيف يصنعون، أو فكيف يكونون. والفعل أيضاً هو العامل في إذا. {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} التنوين في يومئذٍ هو تنوين العوض، حذفت الجملة السابقة وعوض منها التنوين، والتقدير يومئذٍ جئنا. وقرىء: تسوّى مبنياً للمفعول وتسوى بإِدغام التاء في السين وتسوى بحذف التاء ومعنى التسوية انهم يستوون مع الأرض فيكونون تراباً باهي كما قال في حق الكافر {أية : يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. والعامل في يومئذٍ يود، ومفعول يود محذوف تقديره تسوية الأرض بهم، ودل عليه قوله: لو تسوى بهم الأرض. ولو: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره وجوابه محذوف تقديره لسروا بذلك وحذف لدلالة يود عليه ومن أجاز في لو أن تكون مصدرية مثل انْ جوز ذلك هنا وكانت إذ ذاك لا جواب لها بل تكون في موضع مفعول يودّ. {وَلاَ يَكْتُمُونَ} معطوف على قوله: يودّ. أو تكون الواو للاستئناف التقدير وهم لا يكتمون الله تعالى وفي يوم القيامة مواطن كثيرة، يكتمون الله كقولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] وموطن لا يكتمون، كقولهم: يا ليتنا، نرد الآية. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} الآية، روى ان جماعة من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريم الخمر وحانت الصلاة فتقدم أحدهم فقرأ قل يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت. ومناسبتها لما قبلها أنه لما أمر تعالى بعبادته والإِخلاص فيها وأمر ببرّ الوالدين ومكارم الأخلاق وذم البخل واستطرد منه إلى شيء من أحوال القيامة وكان قد وقع من بعض المسلمين تخليط في الصلاة التي هي رأس العبادة بسبب شرب الخمر ناسب أن تخلص الصلاة من شوائب الكدر الذي يوقعها على غير وجهها فأمر تعالى بإِتيانها على وجهها دون ما يفسدها ليجمع لهم بين إخلاص عبادة الحق ومكارم الأخلاق التي بينهم وبين الخلق، وبالغ تعالى في النهي عن أن يصلي المؤمن وهو سكران بقوله: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} لأن النهي عن قربان الصلاة أبلغ من قوله: لا تصلوا وأنتم سكارى ومنه {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ} تفسير : [الأنعام: 151] {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} تفسير : [الأنعام: 152، الإسراء: 34] والمعنى لا تغشوا الصلاة وعنى ذلك بقوله: حتى تعلموا. {وَلاَ جُنُباً} حال معطوف على قوله: وأنتم سكارى، إذ هي مجلة حالية، فالجملة الاسمية أبلغ التكرار الضمير فالتقييد بها أبلغ في الانتفاء منها من التقييد بالمفرد الذي هو ولا جنباً ودخول لا دال على مراعاة كل قيد منهما بانفراده وإذا كان النهي عن إيقاع الصلاة مصاحبة لكل حال منهما بانفراده فالنهي عن إيقاعها بهما مجتمعين آكد وأدخل في الحظر. والجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان هذا قول جمهور الأمة، والجنب من الجنابة وهي البعد كأنه جانب الطهر أو من الجنب كأنه ضاجع أو لامس أو مس بجنبه. قال الزمخشري: الجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجناب. "انتهى". والذي ذكره هو المشهور في اللغة والفصيح وبه جاء القرآن وقد جمعوه جمع سلامة بالواو والنون، قالوا: قوم جنبون وجمع تكسير قالوا: قوم أجناب، وأما تثنيته فقالوا: جنبان. {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} العبور الخطور والجواز، ومنه ناقة عبر الهواجر. وعابري منصوب على الحال وهو استثناء من الأحوال ويلحظ محذوف أي ولا تقربوا مواطن الصلاة وأنتم جنب إلا في حال عبوركم في الطريق وغيا ذلك بقوله: حتى تغتسلوا، فإِذا اغتسل الجنب جاز له أن يصلي وأن يمكث في المسجد. {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ} الآية نزلت بسبب عدم الصحابة للماء في غزوة المريسيع حين أقام صلى الله عليه وسلم بالناس على التماس العقد. والظاهر مطلق المرض ومطلق السفر، فإِذا لم يجد ماء فتيمما ومجيئه من الغائط كناية عن الحدث بالغائط وحمل عليه الريح والبول والمني والودي والمذي ولا خلاف ان هذه الستة أحداث. {أَوْ لَٰمَسْتُمُ} قرىء لامستم ماضي يلامس ولمستم ماضي يلمس والظاهر في لامستم أنه أريد به الجماع. وينبغي أن يحمل عليه لمستم ومن العلماء من حمل ذلك على أن المراد اللمس باليد أو غيرها من الجوارح على تفصيل مذكور في كتب الفقه. {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} الضمير عائد على من أسند إليهم الحكم في الاخبار الأربعة وفيه تغليب الخطاب إذ قد اجتمع خطاب وغيبة، فالخطاب كنتم مرضى أو على سفر أو لامستم والغيبة قوله: أو جاء أحد وما أحسن ما جاءت هذه الغيبة لأنه لما كني عن الحاجة بالغائط كره إسناد ذلك إلى المخاطبين فنزع به إلى لفظ التغليب بقوله: أو جاء أحد، وهذا أحسن الملاحظات وأجمل المخاطبات. ولما كان المرض والسفر ولمس النساء لا يفحش الخطاب بها جاءت على سبيل الخطاب. وظاهر انتفاء الوجدان سبق تطلبه وعدم الوصول إليه، فاما في حق المريض فجعل الموجود حسا في حقه إذا كان لا يستطيع استعماله كالفقود شرعاً واما غيره باقي الأربعة فانتفاء وجدان الماء في حقهم هو على ظاهره. {فَتَيَمَّمُواْ} اقصدوا. و{صَعِيداً} تراباً. {طَيِّباً} طاهراً. {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ} المسح البلل بالماء وإمرار اليد من غير غسل. والظاهر عموم الوجه تقول: مسحت برأسه، ومسحت رأسه بمعنى واحد. {وَأَيْدِيكُمْ} هو مجمل وجاء الحديث أن التيمم مسح الوجه ومسح الكفين بالتراب. وفي صحيح مسلم وفي تحديد اليد في التيمم خلاف مذكور في كتب الفقه. {عَفُوّاً غَفُوراً} كناية عن الترخيص والتيسير.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [41] 125- أنا هنَّاد بن السَّري، عن علي - وهو ابن مُسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدة، عن عبد الله قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: "حديث : اقرأ علينا" قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وإنما أُنزل عليك؟ قال: "إني أُحب أن أسمعه من غيري" فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت قوله { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} غمزني، فنظرت، فإذا عيناه تُهْرَاقان .