٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
القرطبي
تفسير : ضُمَت الواو في «عَصَوُا» لالتقاء السّاكنين، ويجوز كسرها. وقرأ نافع وابن عامر «تَسَّوى» بفتح التاء والتشديد في السَين. وحمزة والكسائي كذلك إلا أنهما خفّفا السَين. والباقون ضَمُّوا التاء وخفّفوا السَين، مبنياً للمفعول والفاعل غيرل مُسَمَّى. والمعنى لو يسوّي الله بهم الأرض، أي يجعلهم والأرضَ سواء. ومعنى آخر: تَمنّوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم؛ لأنهم من التراب نقلوا. وعلى القراءة الأولى والثانية فالأرض فاعلة، والمعنى تمنّوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها؛ قاله قَتادة. وقيل: الباء بمعنى على، أي لو تُسوى عليهم أي تنشق فتسوى عليهم؛ عن الحسن. فقراءة التشديد على الإدغام، والتخفيف على حذف التاء. وقيل: إنما تمنّوا هذا حين رأوا البهائم تصير ترابا وعلموا أنهم مُخلَّدون في النار؛ وهذا معنى قوله تعالى: { أية : وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً } تفسير : [النبأ: 40] وقيل: إنما تمنوا هذا حين شهدت هذه الأمةُ للأنبياء على ما تقدّم في «البقرة» عند قوله تعالى { أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } تفسير : [البقرة: 143] الآية. فتقول الأمم الخالية: إن فيهم الزُّناة والسرّاق فلا تقبل شهادتهم فيزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول المشركون: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] فيختم على أفواههم وتشهد أرجلهم وأيديهم بما كانوا يكسبون؛ فذلك قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} يعني تخسف بهم. والله أعلم. قوله تعالى: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} قال الزجاج قال بعضهم: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}. مستأنف؛ لأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم: هو معطوف، والمعنى يودّ لو أن الأرض سوّيت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثاً؛ لأنه ظهر كذبهم. وسئل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فقال: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلُهم فلا يكتمون الله حديثا. وقال الحسن وقَتادة: الآخرة مواطن يكون هذا في بعضها وهذا في بعضها. ومعناه أنهم لما تبين لهم وحوسبوا لم يكتموا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأنعام» إن شاء الله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَئِذٍ } يوم المجيء {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ } أي أن {تُسَوَّىٰ } بالبناء للمفعول والفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل ومع إدغامها في السين أي تتسوّى {بِهِمُ ٱلاْرْضَ } بأن يكونوا ترابا مثلها لعظم هوله كما في آية أخرى { أية : وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ ٱلْكَافِرُ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرٰباً } تفسير : [40:78] {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } عما عملوه وفي وقت آخر يكتمونه ويقولون { أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }تفسير : [23:6].
ابن عبد السلام
تفسير : {تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ} يُجعلون مثلها، كقوله تعالى{أية : يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}تفسير : [النبأ: 40] أو تمنوا أن يدخلوا فيها حتى تعلوهم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {يَوْمَئِذٍ} فيه ثلاثة أوجُه: أحدها: أنه مَعْمُولٌ لـ {يَوَدُّ} أي: يَوَدُّ الذين كَفَروا يَوْمَ إذ جِئْنَا. والثاني: أنه مَعْمُول لـ {شَهِيداً}، قاله أبو البَقَاء؛ قال وعلى هذا يكُون "يود" صفة لـ "يوم"، والعائد مَحْذُوفٌ، تقديره: فيه، وقد ذكر ذلك في قوله: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي} تفسير : [البقرة: 48]، وفيما قاله نظر. والثَّالث: أن "يوم" مَبْنِيٌّ، لإضافته إلى "إذْ" قاله الحُوفيّ، قال: لأنَّ الظرف إذا أضيفَ إلى غير مُتَمكِّنٍ، جَازَ بناؤهُ معه، و "إذْ" هنا اسْمٌ؛ لأن الظروف إذا أُضِيفَ إليها، خَرَجَتْ إلى مَعْنَى الاسميَّة، من أجل تَخْصِيص المُضَافِ إليْها، كما تخَصّص الأسْمَاء مع استحقَاقِها الجرّ، والجرُّ ليس من علامَاتِ الظُّروف، والتَّنْويِن في "إذْ" تنوين عوض على الصَّحيح، فقيل: عِوضٌ من الجُمْلَة الأولى، في قوله: {جِئْنَا مِن كُلِّ} أي: يومئذٍ جِئْنَا من كُلِّ أمَّة بشهيدٍ، وجئنا بِكَ على هؤلاء شهيداً، و "الرسول" على هذا اسْم جِنْسٍ، وقيل: عِوَضٌ عن الجُمْلَة الأخيرةَ وهي {وَجِئْنَا بِكَ}، ويكون المُراد بـ "الرسول": محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن النَّظْم وعَصَوْك، ولكن أبرز ظاهراً بضفة الرِّسَالة تَنْوِيهاً بقدره وشرفِه. وقوله: {وَعَصَوُاْ} فيه ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنها جُمْلَة معطوفة على {كَفَرُواْ} فتكون صِلَةً، فيكونون جَامِعِين بين كُفْرٍ ومَعْصِيَة؛ لأن العَطْفَ يقتضي المُغَايَرَة، وإذا كان ذَلِكَ، فَيُجْمل عصيان الرَّسُول على المعَاصِي المغايرَة للكُفْر، وإذا ثبت ذلك، فالآيَةُ دالَّة على أن الكُفَّار مخاطبُون بفُرُوع الإسلام. وقيل: هي صِلَةٌ لموصول أخَر، فيكون طَائِفَتَيْن، وقيل: إنها في مَحَلِّ نصبٍ على الحال من {كَفَرُواْ}، و "قد" مُرَادَة، أي: وقد عَصَوا. وقرأ يحيى وأبو السَّمال: "وعَصَوِا الرسول" بكسر الواوِ على الأصْلِ. قوله: {لَوْ تُسَوَّىٰ} إن قيل إن "لو" على بابها كما هو قَوْل الجُمْهُور، فَمَفْعُول {يَوَدُّ} محذوفٌ، أي: يودُّ الَّذِين كَفَرُوا تَسْوية الأرْض بهم، ويدل عليه {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ}، وجوابها حينئذٍ مَحْذُوف، أي: لسُرُّوا بذلك. وإن قيل: إنها مصدريَّة، كانت وهي وما بَعْدَها في محلّ مَفْعُول {يَوَدُّ}، ولا جواب لها حينئذ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في {أية : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [البقرة: 96]. قال أبو البقاءِ: "وعصوا الرسول" في موضع الحالِ، و "قد" مُرَادةٌ، وهي معْتَرِضَة بين "يود" وبين مَفْعُولها، وهي "لو تسوى" و "لو" بمعنى المصدريَّة انتهى. وفي جَعْلِ الجنلة الحَاليَّة معترضة بين المَفْعُول وعامِله نَظَرٌ لا يَخْفَى؛ لأنها من جُمْلَة متعلِّقَات العامِل الذي هو صِلَة للمَوْصُول؛ وهذا نظير قولك: ضَرَب الذين جَاءُوا مُسْرِعين زَيْداً، فكما لا يُقال: إن مُسْرِعين مُعْتَرض به، فكذلك هذه الجملة. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم: تُسَوَّى [بضم التَّاءِ، وتخفيف السِّين مبنياً للمفعُول، وقرأ حمزة والكِسائي: "تَسَوَّى"] بفتح التَّاء والتَّخفيف، ونافع وابن عامر: بالتَّثْقِيل. فأما القراءة الأولَى، فمعناها: أنَّهم يودُّون أن الله - سبحانه وتعالى - يُسَوِّي بهم الأرض: إمّا على أن الأرْض تَنْشَقُّ وتبتلِعُهم، وتكون البَاءُ بمعنى "عَلَى"، وإما على أنَّهُم يودُّون أن لو صارُوا تُرَاباً كالبَهَائِمِ، والأصْل يودُّون أن الله - تعالى - يُسَوِّي بهم الأرض، فَقُلِبَت إلى هَذَا؛ كقولهم: أدْخَلْتُ القََلُنْسُوَة في رَأسِي، وإمّا على أنَّهم يودُّون لو يُدْفَنُون فيها، وهو كالقَوْلِ الأوَّل. وقيل: لو تُعْدَلُ بهم الأرْضُ، أي: يُؤْخَذ ما عَلَيْها منهم فِدْيَة. وأما القِرَاءة الثانية: فأصلها "تتسوى" [بتاءَيْن]، فحذفت إحداهما، وأدغمت في السّين لقربها منها. وفي الثَّالِثَة حذفت إحداهما، ومعنى القراءتين ظاهرٌ ممَّا تقدَّم؛ فإن الأقوال الجاريةَ في القراءة الأولَى، جاريةٌ في القراءتين الأخيرتَيْن غاية ما في البَابِ أنه نَسَب الفِعْل إلى الأرْض ظاهراً. قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّه}: فيه ستة أوْجُه: وذلك أن هذه الواو تَحْتَمِل أن تكون لِلعَطْف، وأن تكون للحالِ. فإن كانت للعَطْف، احْتمل أن تكُون من عطف المفرداتِ، [وأن تكون من عطف الجُمَلِ، إذا تقرر هذا]، فقوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّه} يجوزُ أن يكون عَطْفاً على مَفْعُول {يَوَد} أي: يودُّون تسوية الأرْضِ بهم، وانتفاء كتمان الحديث، و "لو" على هذا مَصدريَّة، ويبعد جَعْلُها حرفاً لما سيَقَع لوُقُوع غَيْرِه، ويكون و "لا يكتمون" عطفاً على مَفعُول "يود" المحذُوف، فهذان وَجْهَان على تقدِير كَوِنِه من عطف المفردات. ويجوز أن يكون عَطْفاً على جُمْلة "يود" أخبر - تعالى - عنهم بخبرين: أحدهما: الودادةُ لِكَذَا. والثاني: أنهم لا يقدرُون على الكَتْمِ في مواطِنِ دون [مَوَاطِن]، و "لو" على هذا مَصدريَّة، ويجوز أن تكون [لو] حرْفاً لما سيقع لوقُوع غيره، وجوابُهَا مَحْذُوف، ومفعول "يود" أيضاً مَحْذُوف، ويكون "ولا يكتمون" عطفاً على "يود" وما في حيزها، ويكون - تعالى - قد أخبر عَنْهُم بثلاثِ [جمل]: الوَدَادَة، وجُمْلَة الشرط بـ "لو"، وانتفاء الكِتْمَان، فهذان أيضاً وَجْهَان على تقدير كونِه من عطفة الجُمَل، وإن كانت للحالِ، جاز أن تكُون حالاً من الضمير في "بهم"، والعامِل فيها "تسوى"، ويجوز في "لو" حينئذٍ أن تكون مصدريَّة، وأن تكون امتناعيَّة، والتقدير: يُريدُون تَسْوِيَة الأرْض بهم غير كَاتِمين، أو لَوْ تُسَوَّى بهم غير كَاتِمين لكان ذلك بُغْيَتهم، ويجوز أن تكون حالاً من "الذين كفروا"، والعامِل فيها "يود" ويكون الحالُ قيداً في الوَدَادَةِ، و "لو" على هذا مصدريَّة في [محل] مفعُول الوَدَادَة، والمعْنَى [يومئذٍ] يَودُّ الذين كفرُوا تسوية الأرْض بهم غَير كاتمين الله حَديثاً، ويَبْعد أن تكون "لو" على هذا الوجه امتناعِيَّة، للزوم الفَصْل بين الحَالِ وعامِلِها بالجُمْلَة، و "يكتمون" يتعدى لاثْنَيْن، والظَّاهِر أنه يَصِل إلى أحدهما بالحَرْف، والأصل: ولا يكتُمون من اللَّه حديثاً. فصل قال عَطَاء: وَدُّوا لَوْ تُسوَّى بهم الأرْضُ، وأنهم لم يكُونوا كتمُوا أمر مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ولا نعته، وقال آخرُون: بل هو كلامٌ مُسْتأنَف، يعني: ولا يكتُمون اللَّه حديثاً؛ لأن جَوَارحَهُم تَشْهَد عليهم. قال سعيد بن جُبَيْر: قال رَجُل لابن عبَّاس: إني أجد في القُرْآن أشياء تختلفُ عليّ، قال: هَاتِ ما اخْتَلَفَ عليك، قال: قال تعالى: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101] {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 27] وقال: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}، و {أية : قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] فقد كتمُوا، وقال: {أية : أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا} تفسير : [النازعات: 27] إلى قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30]، فذكر خَلْق السَّماء قبل خلق الأرْضِ، ثم قال {أية : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 9] إلى "طائِعين". فذكر في هذه الآية خَلْق الأرض قبل خَلْق السَّماء، وقال: {وكان الله غفوراً رحيماً} و "عزيزاً حكيماً" فكأنه كان ثم مَضَى. فقال ابن عباس: فلا أنْسَابَ بَيْنَهم في النَّفْخَة الأولى، وقال - تعالى -: "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض [إلا من شاء الله]" فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءَلُون، ثم في النَّفْخَة الأخيرَة أقْبَل بعضهم على بَعْض يتساءَلُون. وأما في قوله: ما كنا مشركين و {لا يكتمون الله حديثا} فإن الله يَغْفِر لأهْل الإخْلاَص ذُنُوبهم فيقول المُشْرِكُون: تعَالَوْا نقل: ما كُنا مُشركين، فيختم على أفواههم، وتنطقُ أيديهم وأرْجُلهم، فَعِنْدَ ذلك عَرَفُوا أنَّ الله لا يَكْتُم حَديثاً، وعنده {يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض}. وخلق الله الأرْضَ في يومين ثم خلق السَّماء، ثم اسْتَوَى إلى السَّمَاء فَسَوَّاهُن في يومَيْن آخرَيْن، ثم دَحَى الأرض، وَدَحْيُها أن أخْرَج منها المَاءَ والمَرْعَى، وخلق الجِبَال والآكَامَ، وما بينهُمَا في يومين آخريْن؛ فقال "خلق الأرض في يومين [ثم دَحَى الأرض في يومين؛ فخلقت الأرْضُ وما فيها من شيء في أربعةِ أيام، وخلقت السماوات في يومين] {وكان الله غفوراً رحيماً} أي: لم يَزَلْ كَذَلِك، فلا يختلف عليك القُرَآن؛ فإن كُلاًّ من عِنْد الله". وقال الحسن: إنها مواطِنٌ: ففي مَوْطن لا يتكلَّمُون، ولا تَسْمَع إلا هَمْساً، وفي موطنٍ [يعترفون على أنفسهم فهو قوله: {أية : فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} تفسير : [الملك: 11]، و [في موطن يتكلمون ويكذبون، ويقولون: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]، و {أية : مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}تفسير : ] [النحل: 28]، وفي مواطن لا يتساءَلُون الرّجعة، [وفي مَوْطِن يتساءلُون الرجْعَة] وآخر تلك المَوَاطِن، أن يُخْتَمَ على أفْوَاهِهم، وتتكلَّم جوارحُهم، وهو قوله: {ولا يكتمون الله حديثاً}. وقال آخرون: [قولهم]: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] أي: على حَسَبِ ما توهَّمنا في أنْفُسِنَا، بل كُنَّا مُصيبين في ظُنُونِنَا حتى تَحقَّقنا الآن.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {لو تسوّى بهم الأرض} يعني أن تستوي الأرض والجبال عليهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية يقول: ودوا لو انخرقت بهم الأرض فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {لو تسوّى بهم الأرض} تنشق لهم فيدخلون فيها فتسوي عليهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت أشياء تختلف على من في القرآن؟ فقال ابن عباس: ما هو، أشك في القرآن؟ قال: ليس شك ولكنه اختلاف. قال: هات ما اختلف عليك من ذلك. قال: اسمع الله يقول {أية : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23] وقال {ولا يكتمون الله حديثاً} فقد كتموا، واسمعه يقول {أية : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} تفسير : [المؤمنون: 101] ثم قال {أية : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} تفسير : [الصافات: 27] وقال {أية : أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} تفسير : [فصلت: 9] حتى بلغ {طائعين}، فبدأ بخلق الأرض في هذه الآية قبل خلق السماء ثم قال في الآية الأخرى {أية : أم السماء بناها} تفسير : [النازعات: 27] ثم قال {أية : والأرض بعد ذلك دحاها} تفسير : [النازعات: 30] فبدأ بخلق السماء في هذه الآية قبل خلق الأرض، واسمعه يقول {وكان الله عزيزاً حكيماً} {وكان الله غفوراً رحيماً} {وكان الله سميعاً بصيراً}، فكأنه كان ثم مضى. وفي لفظ ما شأنه يقول {وكان الله} فقال ابن عباس: أما قوله {أية : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23]، فإنهم لما رأوا يوم القيامة، وأن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركاً، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم فقالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك يود الذين كفروا لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً. وأما قوله {أية : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} تفسير : [المؤمنون: 101] فهذا في النفخة الأولى {أية : ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} تفسير : [الزمر: 68] فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون {أية : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} تفسير : [الزمر: 68] {أية : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} تفسير : [الصافات: 27]. وأما قوله {أية : خلق الأرض في يومين} تفسير : [فصلت: 9] فإن الأرض خلقت قبل السماء، وكانت السماء دخاناً فسوّاهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله {أية : والأرض بعد ذلك دحاها} تفسير : [النازعات: 6] يقول: جعل فيها جبلاً، جعل فيها نهراً، جعل فيها شجراً، وجعل فيها بحوراً. وأما قوله {وكان الله} فإن الله كان ولم يزل كذلك، وهو كذلك {عزيز حكيم} {عليم قدير} ثم لم يزل كذلك، فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرت لك، وأن الله لم ينزل شيئاً إلا وقد أصاب به الذي أراد ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وأخرج ابن جرير من طريق جويبر عن الضحاك أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس قول الله {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً} وقوله {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23] فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد. فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وَحَّدَهُ. فيقولون: تعالوا نقل. فيسألهم فيقولون {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23] فيختم على أفواههم وتستنطق به جوارحهم، فتشهد عليهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سوّيت بهم ولا يكتمون الله حدثياً. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن حذيفة قال: "أتي بعبد آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت في الدنيا - ولا يكتمون الله حديثاً - فقال: ما عملت من شيء يا رب إلا أنك آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي أن أنظر المعسر قال الله: أنا أحق بذلك منك تجاوزوا عن عبدي. فقال أبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا يكتمون الله حديثاً} قال: بجوارحهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول} بيان لحالهم التى اشير الى شدتها وفظاعتها بقوله تعالى {فكيف} الخ وعصيان الرسول محمول على المعاصى المغايرة للكفر فلا يلزم عطف الشىء على نفسه اى يتمنى الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الرسول والمراد الذين كفروا والذين عصوا الرسول {لو تسوى بهم الارض} لو بمعنى ان المصدرية والجملة مفعول يود اى يودون ان يدفنوا فتسوى بهم الارض كالموتى فتسوية الارض بهم كناية عن دفنهم او يودون انهم لم يبعثوا ولم يخلقوا وكأنهم والارض سواء. قال بعض الافاضل الباء للملابسة اى تسوى الارض ملتبسة بهم ولا حاجة الى الحمل على القلب لقلة الفرق بين تسويتهم بالارض والتراب وتسويتها بهم {ولا يكتمون الله حديثا} عطف على يود اى ولا يقدرون على كتمانه لان جوارحهم تشهد عليهم او الواو للحال اى يودون ان يدفنوا فى الارض وهم لا يكتمون منه تعالى حديثا ولا يكذبونه بقولهم والله ربنا ما كنا مشركين اذ روى انهم اذا قالوا ذلك ختم الله على افواههم فتشهد عليهم جوارحهم فيشتد الامر عليهم فيتمنون ان تسوى بهم الارض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فتقول ما جاءنا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون انه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا ثم يدعى غيره من الانبياء عليهم السلام ثم ينادى كل انسان باسمه واحدا واحدا وتعرض اعمالهم على رب العزة قليلها وكثيرها حسنها وقبيحها". تفسير : وذكر ابو حامد فى كتاب كشف علوم الآخرة ان هذا يكون بعد ما يحكم الله تعالى بين البهائم ويقتص للجماء من القرناء ويفصل بين الوحوش والطير ثم يقول لهم كونوا ترابا فتسوى بهم الارض فحينئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ويتمنى الكافر فيقول يا ليتنى كنت ترابا. واعلم انه يعرض على النبى عليه السلام اعمال امته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم واعمالهم فلذلك يشهد عليهم وتعرض على الله يوم الخميس ويوم الاثنين وعلى الانبياء والآباء والامهات يوم الجمعة فتفكر يا اخى وان كنت شاهدا عدلا بانك مشهود عليك فى كل احوالك من فعلك ومقالك واعظم الشهود لديك المطلع عليك الذى لا يخفى عليه خائنة عين ولا يغيب عنه زمان ولا اين فاعمل عمل من يعلم انه راجع اليه وقادم عليه يجازى على الصغير والكبير والقليل والكثير شعر : درخيربازست وطاعت وليك نه هركس تواناست برفعل نيك همه برك بودن همه ساختى بتدبير رفتن نبرداختى تفسير : فلا تضيع ايامك فان ايامك رأس مالك وانك ما دمت قابضا على رأس مالك فانك قادر على طلب الربح لان بضاعة الآخرة كاسدة فى يومك هذا فاجتهد حتى تجمع بضاعة الآخرة فى وقت الكساد فانما يجيئ يوم تصير هذه البضاعة عزيزة فاكثر منها فى يوم الكساد ليوم العزة فانك لا تقدر على طلبها فى ذلك اليوم ـ روى ـ ان الموتى يتمنون ان يؤذن لهم بان يصلوا ركعتين او يؤذن لهم ان يقولوا مرة واحدة لا اله الا الله او يؤذن لهم فى تسبيحة واحدة فلا يؤذن لهم ويتعجبون من الاحياء انهم يضيعون ايامهم فى الغفلة شعر : مهلكه عمر به بيهوده بكذرد حافظ بكوش وحاصل عمر عزيزرا دريات تفسير : قال القاشانى فى قوله تعالى {أية : فكيف إذا جئنا} تفسير : [النساء: 41]. الشهيد والشاهد ما يحضر كل احد مما بلغه من الدرجة وهو الغالب عليه فهو يكشف عن حاله وعمله وسعيه ومبلغ جهده مقاما كان او صفة من صفات الحق او رأيا فلكل امة شهيد بحسب ما دعاهم اليه نبيهم وعرفه اليهم ولم يبعث الا بحسب ما يقتضيه استعداد امته فما دعاهم الا الى ما يطلب استعدادهم مما وصل اليه النبى من مقامه فى المعرفة فلا يعرف احد باطن امرهم وما هم عليه من احوالهم كنبيهم ولذلك جعل كل نبى شهيدا على امته وقد ورد فى الحديث "حديث : ان الله يتجلى لعباده فى صورة معتقدهم فيعرفه كل واحد من اهل الملل والمذاهب ثم يتحول عن تلك الصورة فيبرز فى صورة اخرى فلا يعرفه الا الموحدون الواصلون الى حضرة الاحدية من كل باب " .تفسير : وكما ان لكل امة شهيدا فلكل اهل مذهب شهيد ولكل احد شهيد يكشف عن حال مشهوده. واما المحموديون فهم شهداء على الامم ونبيهم شهيد عليهم لكونهم من الامم ولكون نبيهم حبيبا مؤتى بجوامع الكلم متمما لمكارم الاخلاق فلا جرم يعرفون الله عند التحول فى جميع الصور اذا تابعوا نبيهم حق المتابعة ونبيهم يشهدهم ويعرف احوالهم انتهى بعبارته جعلنا الله واياكم من الكاملين الواصلين الى حق اليقين.
الطوسي
تفسير : القراءة، والحجة: قرأ حمزة، والكسائي: "تسوى" مفتوحة التاء خفيفة السين. وقرأ نافع وابن عامر - بفتح التاء وتشديد السين - الباقون بضم التاء وتخفيف السين. وقال الطبرى: الاختيار فتح التاء، لموافقته لقوله: { أية : يا ليتني كنت تراباً } تفسير : ولم يقل: كوّنت. وقال الرماني هذا ليس بشيء، لأن التمني فيه معنى الفعل، وبضم التاء أبين وليس كذلك الآخر، لأنه بمنزلة التمني لأن يكون معدوماً لم يوجد قط. قال أبو علي: من قرأ بضم التاء أراد: لو جعل هو والأرض سواء، ومن فتح التاء أراد: تتسوى، وإنما أدغم التاء في السين، قال: وفي هذا تجوز، لأن الفعل مسند إلى الأرض وليس ذلك المراد، لأنه لا فائدة لهم أن تصير الأرض مثلهم. وإنما ودّوا أن يتستوّوا هم بما لا يتسوى بهم، ومن فتح التاء وخفض السين أراد هذا، غير أنه حذف إحدى التائين وهي الأصلية دون التي للمضارعة. المعنى: ومعنى الآية الاخبار من الله تعالى أن الكفار يوم القيامة يودون - لعلمهم بما يصيرون إليه من العذاب والخلود في النار - أنهم لن يبعثوا أو أنهم كانوا والارض سواء. وروي في التفسير أن البهائم يوم القيامة تصير ترابا، فيتمنى عند ذلك الكفار أنهم صاروا كذلك ترابا، وهذا لا يجيزه إلا من قال: إن العوض منقطع، فأما من قال: هو دائم لم يصحح هذا الخبر. وقوله: {وعصوا الرسول} ضموا الواو لأنها واو الجمع، وحركت لالتقاء الساكنين. وقوله: {لو استطعنا} كسرت على أصل الحركة، لالتقاء الساكنين. وإنما وجب لواو الجمع الضم لأنها لما منعت مالها من ضم ما قبلها، جعلت الضمة عند الحاجة إلى حركتها فيها. والعامل في {يومئذ} {يود الذين} وإنما عمل في {يومئذ} ما بعد {إذا} ولم يجز مثل ذلك في {إذا جئنا من كل أمة} لأنه لما أضيف {يوم} إلى {إذ} بطلت إضافته إلى الجملة، وجاء التنوين ليدل على تمام الاسم. يبين ذلك قوله: {أية : من عذاب يومئذ ببنيه}. تفسير : وقوله: {ولا يكتمون الله حديثاً} لا ينافي قوله: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : لأنه قيل في معنى الآية سبعة أقوال: أحدها - قال الحسن إن الآخرة مواطن، فموطن {أية : لا تسمع إلا همساً}تفسير : أي صوتاً خفياً، وموطن يكذبون فيقولون: {أية : ما كنا نعمل من سوء}تفسير : {والله ربنا ما كنا مشركين} وموطن يعترفون بالخطأ بأن يسألوا الله أن يردهم إلى دار الدنيا. الثاني - قال ابن عباس: إن قوله: {ولا يكتمون الله حديثاً} داخل في التمني بعد ما نطقت جوارحهم بفضيحتهم، فكأنهم لما رأوا المؤمنين دخلوا الجنة كتموا فقالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين} فختم الله أفواههم، وأنطق جوارحهم بما فعلوه، فحينئذ تمنوا أن يكونوا {تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً} فتمنوا الأمرين وقال الفراء: تقديره: {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} ويودون لا يكتمون الله حديثاً. الثالث - قال أبو علي: انه لا يعتد بكتمانهم، لأنه ظاهر عند الله لا يخفى عليه شيء منه. الرابع - لم يقصدوا الكتمان، لأنهم إنما أخبروا على ما توهموا، ولا يخرجهم من أن يكونوا كذبوا. والخامس - قال بعضهم: إن قوله: {أية : انظر كيف كذبوا على أنفسهم}تفسير : انما معناه: أوجبوا العذاب بمثل حال الكاذب في الاقرار، كما يقال: كذب عليك الحج، قال الشاعر: شعر : كذب العتيق وماء شن بارد إن كنت سائلتي غبوقاً فاذهبي تفسير : وقال الرماني: هذا التأويل ضعيف، لأنه يجري مجرى اللغز. والسادس: قال الحسين بن علي المغربي: تمنوا أن يكونوا عدماً، وتم الكلام ثم استأنف فقال: {ولا يكتمون الله حديثاً} أي لا تكتمه جوارحهم وإن كتموه هم. السابع - قال البلخي: {ولا يكتمون الله حديثاً} على ظاهره لا يكتمون الله شيئاً، لأنهم ملجأون إلى ترك القبائح والكذب. وقوله: {ما كنا مشركين} أي عند أنفسنا، لأنهم كانوا يظنون في الدنيا أن ذلك ليس بشرك من حيث يقربهم إلى الله تعالى.
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله او بالرّسل أو بأوصيائهم وولايات اوصيائهم لكن لمّا كان المقصود تحذير منافقى الامّة كان المقصود يودّ الّذين كفروا بعلىّ (ع) وولايته {وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ} فى امره بولاية علىّ (ع) فى غدير خمّ وغيره {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} قرئ بفتح التّاء وتخفيف السّين من التّفعّل ماضياً او مضارعاً محذوف التّاء، وقرئ بفتح التّاء مشدّد السّين من التّفعّل مدغم التّاء فى السّين، وقرئ بضمّ التّاء من التّفعيل مبنيّاً للمفعول واستوت به الارض وتسوّت وسويّت مبنياً للمفعول اى هلك، ولفظة لو مصدريّة او للتمنّى والباء للتّعدية والمعنى يودّون فى ذلك اليوم مساواتهم للارض بان كانوا يدفنون فى ذلك اليوم او يوم غصب الخلافة او لم يبعثوا او كانوا تراباً ولم يخلقوا، او جعلوا قابلاً محضاً ولم يكن لهم فعليّة اصلاً {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} عطف على يودّ والمعنى يومئذٍ لا يكتمون الله حديثاً كما كانوا يكتمونه من خلفائه فى الدّنيا، او عطف على تسوّى والمعنى يودّون لولا يكتمون الله حديثاً فى الدّنيا، وعلى ما بيّنا انّ المقصود منهم منافقو الامّة فهم يتمنّون انّ الارض تبلعهم فى اليوم الّذى غصبوا الخلافة ولا يكتمون فى ذلك اليوم حديث الرّسول (ص) فى حقّ علىّ (ع) وقد اشير الى كلّ منهما فى الاخبار، ولمّا افاد فى السّابق لزوم الايمان بالله ولزوم طاعة الرّسول (ص) ولزوم اتّباع الشّهداء فى كلّ زمان ولكلّ فرقة اراد ان يبيّن كيفيّة المعاشرة مع الرّسول والشّهداء ومع نفسه فى عباداته وخصوصاً اعظم العبادات الّتى هى الصّلوة المسنونة من الاركان والاذكار المخصوصة او من سائر اقسامها وناداهم تلطّفاً بهم وجبراً لكلفة النّهى بلذّة النّداء فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِم الأَرْضُ}: يوم متعلق بيود، أى يود يوم إذ جئنا بالشهود، وكفروا: أشركوا، وعصوا الرسول: عَصَوا بما دون الشركِ من الكبائر والصَّغَائر، ففى هذا خطاب المشركين يقرع، والشريعة إذ عوقبوا عليها، كما عوقبوا على الشرك حتى أنهم تمنوا لذلك أن تسوى بهم الأرض، ويجوز أن يكون {الَّذِينَ كَفَرُواْ} بمعنى فاعلى كبائر الشرك وفاعلى كبائر النفاق، و{وَعَصَوُاْ} بمعنى فعلوا الصغائر، و{لو} مصدرية وليست للتمنى، لأن التمنى أفاده يود والمصدر مفعول يود، ولا حاجة إلى أن يقدر مفعول يود، وتجعل {لو} شرطية مقدرة الجواب، أى: يود الذين كفروا وعصوا الرسول تسوى الأرض، لو تسوى بهم الأرض لسووا، وعصوا: معطوف على كفروا، أو حال فالواو للحال، وتسوى: مضارع أصله تتسوى، أبدلت التاء الثانية سيناً، وأدغمت فى السين، وذلك قراءة نافع وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائى: تسوى بلا تشديد للسين فهو إما ماض وإما مضارع حذفت إحدى تاءيه، وقرأ الباقون: نسوى بالبناء للمفعول وفتح السين مخففه ومعناه أن تجعل الأرض مستوية بهم بأن تنشق فتبلعهم، أو تحفر فيدفنوا فيها، والباء للملابسة أو السببية أو الاستعلاء، أو تبقى كما كانت بلا بعث لهم منها، أو لم يخلقوا فيستووا بالأرض إذ كانوا بعضها، وعلى قراءة غير الباقين يكون لأرض مستوية عليهم أو معهم. قال الكلبى: يقال للدواب والطير كونى تراباً فتكون تراباً كتراب الأرض مستوياً به، فيود الذين كفروا وعصوا أن يكونوا كذلك. {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً}: عطف على يود، أى: لا يقدرون أن يكتموا حديثاً عن الله يومئذ، أو حال من {الذين} أو من "هاء" بهم. روى أنهم إذا قالوا {أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم، فيتمنون أن تسوى بهم الأرض، فالحديث حديث عصيانهم وشركهم على العموم، وهو رواية عن ابن عباس، وقال عطاء عنه: الحديث حديث أمر محمد صلى الله عليه سلم. قال الشيخ هود: ذكروا عن أبى موسى الأشعرى، قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، فختم الله على أفواههم، فقال للجوارح انطقى فإن أول ما يتكلم من أحدهم فخذه. قال الحسن: نسيت اليمنى أم اليسرى؟ قال الحسن فى موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همساً وطء الأقدام، وتارة يتكلمون ويكذبون. وقال: وأما كنا نعمل من سوء، وقالوا والله ربنا ما كنا مشركين، وفى موضع يقترفون على أنفسهم بالكفر، ويسألون الله أن يردهم إلى الدنيا فيؤمنوا، وآخر تلك الموطن أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم. انتهى كلام الشيخ هود، وهو دافع يتوهم من تناقض، ومن الاعتراف قوله تعالى: {أية : فاعترفوا بذنوبهم}تفسير : وفى موضع لا يتساءلون. كما قال رجل لابن عباس: تناقض على قوله تعالى {أية : ما كنا مشركين}تفسير : وقوله تعالى {أية : ولا يكتمون الله حديثاً} تفسير : فقال: انكروا الشرك فختم على أفواههم فنطقت به جوارهم.
اطفيش
تفسير : {يوْمَئِذٍ} يوم إذ جئنا من كل أمة بشيهد الخ، وإذ للمضى، وعبر بها لتحقق الوقوع {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} عموما {وَعَصَوُا الرَّسُولَ} جنس الرسل، أو المراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كفر به {لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ} أبدلت التاء الثانية سيناً، وأدغمت فى السين، والأصل تتسوى بتاءين مفتوحتين، وسين مفتوحة مخففة، ولو مصدرية، أى يودون أن تسوى الأرض بهم، بدفنهم فيها، والباء بمعنى على، أو للسببية، اى بدفنهم، أو للملابسة، أو يودون تسويها بهم بأن لم يبعثوا أو لم يخلقوا، أو يصيرون، ترابا كما رأوا الحيوانات صارت تراباً، أو يفرون بما يملأ الأرض، وفى ذلك غنية عن دعوى أن الأصل يودون أن تسوَّى الأرض بهم، لو تسوى بهم الأرض لسرهم ذلك {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ} هذا اللفظ مفعول غير صريح، أى عن الله {حَدِيثاً} الجملة حال، أو عطف على يود، لا على معموله، لأنهم لا يودون ألا يكتموه حديثاً، بل رغبوا فى الكتم لو وجدوه، ولا يجدونه لأن جوارحهم تشهد عليهم لما قالوا، {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23]، ختم على أفواههم، وتكلمت جوارحهم بشركهم، فافتضحوا، وتمنوا أن الأرض تسوى بهم ولا يدخلون النار حتى يعترفوا بألسنتهم.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ} استئناف لبيان حالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها، وتنوين (إذ) عوض ـ على الصحيح ـ عن الجملتين السابقتين، وقيل: عن الأولى، وقيل: عن الأخيرة، والظرف متعلق ـ بيود ـ وجعله متعلقاً بشهيد، وجملة {يَوَدُّ} صفة، والعائد محذوف أي فيه بعيد، والمراد بالموصول إما المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنهم بذلك لذمهم بما في حيز الصلة والإشعار بعلة ما اعتراهم من الحال الفظيعة والأمر الهائل، وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة لتشريفه وزيادة تقبيح حال مكذبيه، وإما جنس الكفرة ويدخل أولئك في زمرتهم دخولاً أولياً، والمراد من {ٱلرَّسُولَ} الجنس أيضاً ويزيد شرفه انتظامه للنبـي صلى الله عليه وسلم انتظاماً أولياً، و {عَصَواْ} معطوف على {كَفَرُواْ} داخل معه في حيز الصلة؛ والمراد عصيانهم بما سوى الكفر، فيدل على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة، وقال أبو البقاء: إنه في موضع الحال من ضمير {كَفَرُواْ} وقد مرادة، وقيل: صلة لموصول آخر أي والذين عصوا، فالإخبار عن نوعين: الكفرة والعصاة، وهو ظاهر على رأي من يجوز إضمار الموصول كالفراء، وفي المسألة خلاف أي يود في ذلك اليوم لمزيد شدّته ومضاعف هوله الموصوفون بما ذكر في الدنيا. {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} إما مفعول {يَوَدُّ} على أن {لَوْ} مصدرية أي يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض ملتبسة بهم، أو تسوى عليهم كالموتى، وقيل: يودون أنهم بقوا تراباً على أصلهم من غير خلق، وتمنوا أنهم كانوا هم والأرض سواء، وقيل: تصير البهائم تراباً فيودون حالها. وعن ابن عباس أن المعنى يودون أن يمشي عليهم أهل الجمع يطأونهم بأقدامهم كما يطأون الأرض، وقيل: يودون لو يعدل بهم الأرض أي يؤخذ منهم ما عليها فدية، وإما مستأنفة على أن {لَوْ} على بابها ومفعول {يَوَدُّ} محذوف / لدلالة الجملة، وكذا جواب {لَوْ} إيذاناً بغاية ظهوره أي يودون تسوية الأرض بهم لو تسوى لسروا. وقرأ نافع وابن عامر ويزيد {تسوى} على أن أصله تتسوى، فأدغم التاء في السين لقربها منها، وحمزة والكسائي {تسوى} بحذف التاء الثانية مع الإمالة يقال: سويته فتسوى. {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} عطف على {يَوَدُّ} أي أنهم يومئذٍ لا يكتمون من الله تعالى حديثاً لعدم قدرتهم على الكتمان حيث إن جوارحهم تشهد عليهم بما صنعوا، أو أنهم لا يكتمون شيئاً من أعمالهم بل يعترفون بها فيدخلون النار باعترافهم، وإنما لا يكتمون لعلمهم بأنهم لا ينفعهم الكتمان، وإنما يقولون: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] في بعض المواطن قاله الحسن، وقيل: الواو للحال أي يودون أن يدفنوا في الأرض وهم لا يكتمون منه تعالى حديثاً ولا يكذبونه بقولهم: {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} إذ روى الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض وجعلها للعطف وما بعدها معطوف على {تُسَوَّىٰ} على معنى ـ يودون لو تسوى بهم الأرض وأنهم لا يكونون كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه في الدنيا ـ كما روي عن عطاء بعيد جداً. وأقرب منه العطف على مفعول {يَوَدُّ} على معنى يودون تسوية الأرض بهم وانتفاء كتمانهم إذ قالوا {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. هذا ومن باب الإشارة: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ} بأن يكاشفكم بأسراره المودعة فيكم أثناء السير إليه {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي مقاماتهم وحالاتهم ورياضاتهم، وأشار بهم إلى الواصلين إليه قبل المخاطبين، ويجوز أن تكون الإشارة بالسنن إلى التفويض والتسليم والرضا بالمقدور فإن ذلك شنشنة الصديقين ونشنشة الواصلين {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} من ذنب وجودكم حين يفنيكم فيه، ويحتمل أن يكون التبيين إشارة إلى الإيصال إلى توحيد الأفعال والهداية إلى توحيد الصفات والتوبة إلى توحيد الذات {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بمراتب استعدادكم {أية : حَكِيمٌ} تفسير : [النساء: 26] ومن حكمته أن يفيض عليكم حسب قابلياتكم والله {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} تكرار لما تقدم إيذاناً بمزيد الاعتناء به لأنه غاية المراتب {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ} أي اللذائذ الفانية الحاجبة عن الوصول إلى الحضرة {أَن تَمِيلُواْ} إلى السوى {أية : مَيْلاً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 27] لتكونوا مثلهم {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ} أثقال العبودية في مقام المشاهدة، أو أثقال النفس بفتح باب الاستلذاذ بالعبادة بعد الصبر عليها {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء: 28] عن حمل واردات الغيب وسطوات المشاهدة فلا يستطيع حمل ذلك إلا بتأييد إلهي، أو ضعيفاً لا يطيق الحجاب عن محبوبه لحظة؛ ولا يصبر عن مطلوبه ساعة لكمال شوقه ومزيد غرامه:شعر : والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم تفسير : وكان الشبلي قدس سره يقول: إلهي لا معك قرار ولا منك فرار المستغاث بك إليك {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الإيمان الحقيقي {لاَ تَأْكُلُواْ} أي تذهبوا {أَمْوٰلَكُمْ} وهو ما حصل لكم من عالم الغيب بالكسب الاستعدادي {بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ} بأن تنفقوا على غير وجهه وتودعوه غير أهله {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً} أي إلا أن يكون التصرف تصرفاً صادراً {عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ} واستحسان ألقي من عالم الإلهام إليكم فإن ذلك مباح لكم {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} بالغفلة عنها فإن من غفل عنها فقد غفل عن ربه ومن غفل عن ربه فقد هلك، أو لا تقتلوا أنفسكم أي أرواحكم القدسية بمباشرتكم ما لا يليق فإن مباشرة ما لا يليق يمنع الروح من طيرانها في عالم المشاهدات ويحجب عنها أنوار المكاشفات {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ} في أزل الآزال {أية : بِكُمْ رَحِيماً} تفسير : [النساء: 29] فلذا أرشدكم إلى ما أرشدكم {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ} وهي عند العارفين رؤية / العبودية في مشهد الربوبية وطلب الأعواض في الخدمة وميل النفس إلى السوى من العرش إلى الثرى، والسكون في مقام الكرامات، ودعوى المقامات السامية قبل الوصول إليها. وأكبر الكبائر إثبات وجود غير وجود الله تعالى {نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـاتِكُمْ} أي نمح عنكم تلوناتكم بظهور نور التوحيد {أية : وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} تفسير : [النساء: 31] وهي حضرة عين الجمع {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} من الكمالات التابعة للاستعدادات فإن حصول كمال شخص لآخر محال إذا لم يكن مستعداً له، ولهذا عبر بالتمني. {لّلرّجَالِ} وهم الأفراد الواصلون {نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبُواْ} بنور استعدادهم {وَلِلنّسَاء} وهم الناقصون القاصرون {نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} حسب استعدادهم {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} بأن يفيض عليكم ما تقتضيه قابلياتكم {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً} تفسير : [النساء: 32] ومن جملة ذلك ما أنتم عليه من الاستعداد فيعطيكم ما يليق بكم {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} أي ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب من الاستعداد يرثون به مما تركه والداهم ـ وهما الروح والقلب ـ والأقربون ـ وهم القوى الروحانية ـ {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} وهم المريدون {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من الفيض على قدر نصيبهم من الاستعداد {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 33] إذ كل شيء مظهر لاسم من أسمائه {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء} أي الكاملون شأنهم القيام بتدبير الناقصين والإنفاق عليهم من فيوضاتهم {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} بالاستعداد {وَبِمَا أَنفَقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تعالى وطريق الوصول إليه من أموالهم أي قواهم أو معارفهم {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ} للسلوك من النساء بالمعنى السابق {قَـٰنِتَـٰتٌ} مطيعات لله تعالى بالعبادات القالبية {حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ} أي القلب عن دنس الأخلاق الذميمة، ولعله إشارة إلى العبادات القلبية {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} لهم من الاستعداد {وَٱللَّـٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} ترفعهن عن الانقياد إلى ما ينفعهن {فَعِظُوهُنَّ} بذكر أحوال الصالحين ومقاماتهم فإن النفس تميل إلى ما يمدح لها غالباً {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ} أي امنعوا دخول أنوار فيوضاتكم إلى حجرات قلوبهن ليستوحشن فربما يرجعن عن ذلك الترفع {وَٱضْرِبُوهُنَّ} بعصي القهر إن لم ينجع ما تقدم فيهن {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} بعد ذلك ورجعن عن الترفع والأنانية {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} بتكليفهن فوق طاقتهن وخلاف مقتضى استعدادهن {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} تفسير : [النساء: 34] ومع هذا لم يكلف أحداً فوق طاقته وخلاف مقتضى استعداده {وَإِنْ خِفْتُمْ} أيها المرشدون الكمل {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} أي بين الشيخ والمريد {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا} فابعثوا متوسطين من المشايخ والسالكين {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً} ويقصداه {يُوَفّقِ ٱللَّهُ} تعالى {أية : بَيْنَهُمَا} تفسير : [النساء: 35] وهمة الرجال تقلع الجبال. ويمكن أن يكون الرجال إشارة إلى العقول الكاملة والنساء إشارة إلى النفوس الناقصة، ولا شك أن العقل هو القائم بتدبير النفس وإرشادها إلى ما يصلحها، ويراد من الحكمين حينئذٍ ما يتوسط بين العقل والنفس من القوى الروحانية {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} بالتوجه إليه والفناء فيه {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} مما تحسبونه شيئاً وليس بشيء إذ لا وجود حقيقة لغيره سبحانه {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ} الروح والنفس اللذين تولد بينهما القلب أحسنوا {إِحْسَـٰناً} فاستفيضوا من الأول وتوجهوا بالتسليم إليه وزكوا الثاني وطهروا برديه {وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ} وهم من يناسبكم بالاستعداد الأصلي والمشاكلة الروحانية {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ} المستعدين المنقطعين عن نور الأب وهو الروح بالاحتجاب {وَٱلْمَسَـٰكِينِ} العاملين الذين لا حظ لهم من المعارف ولذا سكنوا عن السير وهم الناسكون {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ} القريب من مقامك في السلوك {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} البعيد مقامه عن مقامك {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} / الذي هو في عين مقامك {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} أي السالك المتغرب عن مأوى النفس الذي لم يصل إلى مقام بعد {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} من المنتمين إليكم بالمحبة والإرادة، وقيل: الوالدين إشارة إلى المشايخ وإحسان المريد إليهم إطاعتهم والانقياد إليهم وامتثال أوامرهم فإنهم أطباء القلوب وهم أعرف بالداء والدواء ولا يداوون إلا بما يرضي الله تعالى وإن خفي على المريد وجهه. ومن هنا قال الجنيد قدس سره: أمرني ربـي أمراً وأمرني السَّرِي أمراً فقدمت أمر السري على أمر ربـي وكل ما وجدت فهو من بركاته، وأول {وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ} بالروح الناطقة العارفة العاشقة الملكوتية التي خرجت من العدم بتجلي القدم وانقدحت من نور الأزل وهي أقرب كل شيء وهي جار الله تعالى المصبوغة بنوره والإحسان إليها أن تطلقها من فتنة الطبيعة وتقدس مسكنها من حظوظ البشرية لتطير بجناح المعرفة والشوق إلى عالم المشاهدة {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} بالصورة الحاملة للروح والإحسان إليها أن تفطم جوارحها من رضع ضرع الشهوات {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} وهو القلب الذي يصحبك في سفر الغيب والإحسان إليه أن تفرده من الحدثان وتشوقه إلى جمال الرحمن، وقيل: هو النفس الأمارة، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» والإحسان إليها أن تحبسها في سجن العبودية وتحرقها بنيران المحبة، وأول {ٱبْنُ ٱلسَّبِيلِ} بالولي الكامل فإنه لم يزل ينتقل من نور الأفعال إلى نور الصفات ومن نور الصفات إلى نور الذات والإحسان إليه كتم سره وعدم الخروج عن دائرة أمره، وقال بعض العارفين: وإن شئت أولت (ذا القربـى) بما يتصل بالشخص من المجردات (واليتامى) بالقوى الروحانية، (والمساكين) بالقوى النفسانية من الحواس الظاهرة وغيرها {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ} بالعقل {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} بالوهم {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} بالشوق والإرادة {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} بالفكر والمماليك بالملكات المكتسبة التي هي مصادر الأفعال الجميلة، وباب التأويل واسع جداً {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } يسعى بالسلوك في نفسه {أية : فَخُوراً} تفسير : [النساء: 36] بأحواله ومقاماته محتجباً برؤيتها {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} على أنفسهم وعلى المستحقين فلا يعملون بعلومهم ولا يعلمونها {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} قالا أو حالا {وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فلا يشكرون نعمة الله، أو يكتمون ما أوتوا من المعارف في كتم الاستعداد وظلمة القوة حتى كأنها معدومة {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ} للحق الساترين أنوار الوحدة بظلمة الكثرة {أية : عَذَاباً مُّهِيناً} تفسير : [النساء: 37] يهينهم في ذل وجودهم وشين صفاتهم {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ} أي يبرزون كمالاتهم {رِئَاء ٱلنَّاسِ} مرائين الناس بأنها لهم {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} الإيمان الحقيقي ليعلموا أن لا كمال إلا له {وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} أي الفناء فيه سبحانه ليبرزوا لله الواحد القهار {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ} النفس وقواها {أية : لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً} تفسير : [النساء:38] لأنه يضله عن الحق كهؤلاء {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} ما كان يضرهم {لَوْ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} فصدقوا بالتوحيد والفناء فيه {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} ولم يروا كمالاً لأنفسهم {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً} تفسير : [النساء: 39] فيجازيهم بالبقاء بعد الفناء {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} مقدار ما يظهر من الهباء {وَإِن تَكُ حَسَنَةً} ولا تكون كذلك إلا إذا كانت له فإن كانت له يضاعفها بالتأييد الحقاني {أية : وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] وهو الشهود الذاتي، أو العلم اللداني {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} وهو ما يحضر كل أحد ويظهر له بصورة معتقده فيكشف عن حاله {وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاءِ} وهم المحمديون {أية : شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41] ومن لوازم الإتيان بالحقيقة المحمدية شهيداً للمحمديين معرفتهم لله تعالى عند التحول في جميع الصور فليس شهيدهم في الحقيقة إلا الحق سبحانه {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالاحتجاب {وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ} بعدم المتابعة {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} / لتنطمس نفوسهم أو تصير ساذجة لا نقش فيها من العقائد الفاسدة والرذائل الموبقة {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42] أي لا يقدرون على كتم حديث من تلك النقوش وهيهات أنى يخفون شيئاً منها، وقد صارت الجبال كالعهن المنفوش:شعر : سهم أصاب وراميه بذي سلم من بالعراق لقد أبعدت مرماك تفسير : والله تعالى يتولى الحق وهو يهدي السبيل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} الآية. على القراءات الثلاث معناه أنهم يتمنون أن يستووا بالأرض، فيكونوا تراباً مثلها على اظهر الأقوال، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. قوله تعالى: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}. بين في موضع آخر أن عدم الكتم المذكور هنا، إنما هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم بكل ما عملوا عند الختم على أفواههم إذا أنكروا شركهم ومعاصيهم وهو قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [يس: 65] فلا يتنافى قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} مع قوله عنهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] وقوله عنهم أيضاً: {أية : مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} تفسير : [النحل: 28] وقوله عنهم: {أية : بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} تفسير : [غافر: 74] للبيان الذي ذكرنا والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} (42) - فِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَمَنَّى الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَعَصَوْا رَسُولَهُ، لَوْ أنَّ الأرْضَ انْشَقَّتْ وَابْتَلَعَتْهُمْ مِمَّا يَرَونَ مِنْ هَوْلِ المَوْقِفِ، وَمِمَّا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الخِزْي وَالفَضِيحَةِ وَالتَّوبِيخِ. فَفي يَوْمِ القِيَامَةِ يَجْمَعُ اللهُ الخَلاَئِقَ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ، فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ: إنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئاً إلاَّ مِمَّنْ وَحَّدَهُ، فَتَعَالُوا نَجْحَدْ. فَيَسأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، فَيَقُولُونَ: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. فَيَخْتِمُ اللهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَيَسْتَنْطِقُ جَوَارِحَهُمْ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ، فَعِنْدَئِذٍ يَتَمَنَّوْنَ لَوْ أنَّ الأرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ، وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً. لَوْ تُسَّوى بِهِمُ الأرْضُ - لَوْ كَانُوا وَالأرْضَ سَواءً فَلا يُبْعَثُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة ترى {يَوْمَئِذٍ ..} [النساء: 42] وتجد فيها هذا التنوين فاعلم أنه عوض عن شيء محذوف والمحذوف هنا أكثر من جملة ويصبح المعنى: يوم إذْ نجيء من كل أمة بشهيد وتكون أنت عليهم شهيداً، في هذا اليوم {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ ..} [النساء: 42] لأنهم فوجئوا بعملية كانوا يكذبونها، فلم يكونوا معتقدين أن الحكاية جادة، كانوا يحسبون أن كلام الرسول مجرد كلام ينتهي، فعندما يفاجئهم يوم القيامة ماذا يكون موقفهم؟ {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ ..} [النساء: 42] وما معنى {تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ ..} [النساء: 42]؟ كما تقول: سأسوِّي بفلان الأرض؛ أي تدوسه بحيث يكون في مستوى الأرض. {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42]. فكيف لا يكتمون الله حديثاً؟ وهو قد قال في آية أخرى: {أية : قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108]. قال الحق ذلك عنهم لأن الأمر له مراحل: فمرة يتكلمون، ويكذبون، فهم يكذبون عندما يقولون: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. وسيقولون عن الأصنام التي عبدوها: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..} تفسير : [الزمر: 3]. إذن فقوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42] دليل على أن الحديث مندفع ولا يقدر صاحبه أن يكتمه. فالكتم: أن تعوق شيئاً يخرج بطبيعته من شيء آخر فتكتمه. والواحد منهم في الآخرة: لا يقدر أن يكتم حديثاً؛ لأن ذاتية النطق ليست في أداة النطق كما كان الأمر في الدنيا فقط، بل سيجدون أنفسهم وقد قدموا إقرارات بخطاياهم، وبألسنتهم وبجوارحهم؛ لأن النطق ليس باللسان فقط، فاللسان سيشهد، والجلود تشهد، واليدان تشهدان، بل كل الجوارح تشهد. إذن فالمسألة ليست تحت سيطرة أحد، لماذا؟؛ لأن هناك ما نسميه "ولاية الاقتدار"، ومعناها أن: هناك قادراً، وهناك مقدور عليه. ولكي نقرب الصورة، عندما توجد كتيبة من الجيش وعليها قائد. وبعد ذلك قامت الكتيبة في مهمة، والقانون العام في هذه المهمة: أن يجعل لهذا القائد قادرية الأوامر وعلى الجنود طاعته؛ وألا يخالفوا الأوامر العسكرية، فإذا أصدر هذا القائد أمراً تسبب في فشل معركة ما، وذهب الجنود للقائد الأعلى منه، ويسمونه الضابط الأعلى من الضابط الصغير، فيكون للجنود معه كلام آخر، إنهم يقدرون أن يقولوا: هو الذي قال لنا ونفذنا أوامره. أقول ذلك لتقريب المعنى لحظة الوقوف أمام الحق سبحانه وتعالى، فحينما خلق سبحانه الإنسان خلق جوارحه منفعلة لإرادته، وإرادته مكيفة حسب اختياره. فإرادة الطائع إطاعة أمر واجتناب نهي، وإرادة العاصي على العكس؛ لا يطيع الأمر ولا يتجنب المنهي عنه فواحد أراد أن يشرب الخمر، فرجله مشت، ولسانه نطق لِلرَّجُلِ الذي يعطيه الكأس، ويده امتدت وأخذت الكأس وشرب، والجوارح التي تقوم بهذه العملية هي خاضعة لقادرية إرادته، فقد خلقها ربنا هكذا، وبعد ذلك، حين تذهب إلى من دبر هذا الأمر في الآخرة تقول له: يا رب هو عمل بي كذا وكذا، لماذا؟ لأن قادرية الإرادة امتنعت: {أية : ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وليس لي ولا لأحد إرادة في الآخرة، وما دام ليس لي إرادة فاليد تتكلم وتعترف: عمل بي كذا وكذا وكنت يا رب مقهورة لقادرية إرادته التي أعطيتها له فبمجرد ما يريد فأنا أنفذ. عندما أراد أن أضرب واحداً لم أمتنع. ويعترف اللسان بسبّه لفلان، أو مدحه لآخر، إذن فكل هذه ولاية القادرية من الإرادة على المقدورات من الجوارح. لكن إذا ما ذهبت إلى من وهب القادرية للإرادة؛ فلا يوجد أحد له إرادة. فكأن الجوارح حين تصنع غير مرادات الله بحكم أنها خاضعة للمريد وهو غير طائع تكون كارهة؛ لذلك تفعل أوامر صاحبها وهي كارهة، فإذا ما انحلت إرادته وجدت الفرصة فتقول ما حدث: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ..} تفسير : [فصلت: 21]. {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ ..} [النساء: 42]، لأن الكافر سيقول: {أية : يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. ويقول الحق بعد ذلك: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} معناهُ يدْخِلُونَ فِيهَا، فَتَعْلُوهُمْ الأَرضُ.
الجيلاني
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} أي: يوم إذ جئنا بك شهيداً على المؤمنين {يَوَدُّ} يحب ويتمنى {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله {وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ} الأمي المبعوث إلى كافة الأنام بدين الإسلام أن {لَوْ تُسَوَّىٰ} تغطى {بِهِمُ ٱلأَرْضُ} في تلك الساعة، وصاروا نسياً منسياً لكان خيراً لهم من المذلة التي عرضت لهم في تلك الحالة {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42] أي: لا يمكن كتمان حديث نفوسهم بهذا من الله في تلك الحالة، فكيف كتمان أعمالهم الصادرة عنهم؟! ثم لما حضر بعض لمؤمنين المسجد لأداء الصلاة سكارى حين إباحة الخمر، وغفلوا عن أداء بعض أركاناها وتعديلها، وغلطوا في القراءة وحفظ الترتيب، نبه سبحانه عليهم ونهاهم ألاَّ تبادروا إلى المساجد قبل أن تفيقوا، فقال منادياً ليقبلوا: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم حفظ الأدب، سيما عند التوجه نحو الحق فعليكم أن {لاَ تَقْرَبُواْ} ولا تتوجهوا {ٱلصَّلَٰوةَ} أي: لأداء الصلاة، هي عبارةعن التوجه نحو الذات الإلهية بجميع الأعضاء والجوارج، المقارن بالخضوع والخشوع، المنبئ عن الاعتراف بالعبودية والإذلال، المشعر عن المعجز والتقصير، فلا بد لأدائها من فراغ الهم وخلاء الخاطر عن أدناس الطبيعة مطلقاً {وَ} خصوصاً {أَنْتُمْ} في أدائها {سُكَٰرَىٰ} لا تعلمون ما تفعلون وما تقرأون بل اصبروا {حَتَّىٰ} تفيقوا {تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} وما تفعلون في أدائها من محافظة الأركان والأبعاض والأركان والهيئات وغير ذلك. {وَ} عليكم أيضاً أن {لاَ} تقربوا الصلاة {جُنُباً} حالة كونكم مجنبين بأي طريق كان؛ إذ استفراغ المني إنما هو من استيلاء القوة الشهوية التي هي أقوى القوى الحيوانية وأبعدها عن مرتبة الإيمان والتوحيد، وحين استيلائها تسري خباثتها إلى جميع الأعضاء الحاملة للقوى الدراكة وتعطلها عن مقتضياتها بالمرة، فحينئذ تتحير الأمزجة وتضطرب لانحرافها عن اعتدال الفطرة الأصلية بعروض الخباثة السارية، فتكون الخباثة أيضاً كالسكر من مخللات العقل، فعليكم ألاَّ تقربوها معه {إِلاَّ} إذا كنتم {عَابِرِي سَبِيلٍ} أي: على متن سفر ليس لكم قدرة استعمال الماء؛ لفقده أو لوجود المانع، فعليكم أن تتيمووا وتصلوا جنباً {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} وتتمكنوا من استعماله. {وَ} كذا {إِنْ كُنْتُمْ} مقيمين {مَّرْضَىٰ} تخافون من شدة المرض في استعماله {أَوْ} راكبين {عَلَىٰ} متن {سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} أي: من الخلاء محدثين {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} أي: جامعتم معهن أو لعبتم بهن بالملامسة والمساس {فَلَمْ تَجِدُواْ} في هذه الصورة {مَآءً} لإزالة ما عرض عليكم من الجنابة {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} أي: فعليكم أن تقصدوا عند عروض هذه الحالات بالتراب الطيب من صعيد الأرض بأن تضربوا أيديكم عليها، وبعدها ضربتم {فَٱمْسَحُواْ} باليدين المغبرتين {بِوُجُوهِكُمْ} مقدار ما يغسل {وَأَيْدِيكُمْ} أيضاً كذلك؛ جبراً لما فوتم من الغسل بالماء؛ إذ التراب من المطهرات خصوصاً من الصعيد المرتفع {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوالكم {كَانَ عَفُوّاً} لكم مجاوزاً عن أمثاله {غَفُوراً} [النساء: 43] يستر عنكم ولا يؤاخذكم عليها إن كنتم مضطرين فيها، بل يجازيكم خيراً تفضلاً وامتناناً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ} [النساء: 42]؛ أي: كل فرقة رسولهم {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} [النساء: 42]، حجالة عن الله والإشهاد وخوفاً من العذاب والنار، وحسرة {أية : عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 56] بإبطال استعداد الفطرة {أية : ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا}تفسير : [الروم: 30]، وتقصيراً استعمال وصرفه في الاستكمال الذي صرفه إليه غيرهم، { وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42]؛ يعني: إذا جحدوا مع الله وكتموا كفرهم بقولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. ثم أخبر عن خسران السكران بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ} [النساء: 43]، إشارة في الآية: إن الصلاة هي معراج المؤمن وميقات مناجاته، والمصلي هو الذي يناجي ربه، فقال تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ} [النساء: 43]، يا أهل الإيمان، {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] في مناجاتكم مع ربكم، فيه دلالة على أن من يصلي ولا يعلم ما يقول ومع من يقول فحكمه حكم السكران الساهي عما يقول، فيكون حاصله من الصلاة الويل، كما قال تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} تفسير : [الماعون: 4-5]، وفيه إشارة أخرى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 43]، يا مدعي الإيمان لا تجدون القربة في الصلاة وأنتم سكارى من الغفلات وتتبع الشهوات، حتى تعلموا ما تقولون في مناجاتكم مع ربكم، ولماذا تقولون كما تقولون الله أكبر لتكبيرة الإحرام عند رفع اليدين، ومعناه الله أعظم وأجل من كل شيء، وإن كنت تعلم عند التقول به فينبغي أن لا تكون في تلك الحالة في قلبك عظمة شيء آخر، وإمارة ذلك ألا تجد ذكر شيء في قلبك مع ذكره ولا محبة مع طلبه، فإنه تبارك وتعالى واحد لا يقبل الشركة في جميع صفاته، وإلا كنت كاذباً في قولك: الله أكبر، بالنسبة إلى حالك، وكذلك عند قولك: {أية : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 79]، فإن كان في قلبك توجه إلى شيء من الدنيا والآخرة ولك مطلوب غير الله فأنت كاذب في ذلك، فقس الباقي على هذا، فإن جميع حركاتك في أثناء الصلاة وكلماتك تشير إلى سر من أسرار الرجوع والعروج من مقام البشرية إلى حضرة الربوبية، فإن كنت غافلاً عن هذه الأسرار والإشارات فتكون كالسكران لا تجد القربة من صلاتك؛ لأن القربة مشروطة بشرط السجود كما خوطبت: {أية : وَٱسْجُدْ} تفسير : [العلق: 19]؛ أي: تنزل مركب أوصاف وجودك لتحمل على رفرف وجوده إلى قاب قوسين أوصاف وجوده لشهود جماله وجلاله، وهذا هو ستر التشهد بعد السجود. ثم قال تعالى: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43]؛ يعني: كما أنكم لا تجدون القربة وأنتم سكارى من الغفلات، أيضاً لا تجدونها مع جناية استحقاق العبد؛ وهي ملامسة الدنيا الدنية، إلا على طريق العبور بقدم ظاهر الشرع سبيل الأوامر والنواهي، {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} [النساء: 43]، بماء التوبة والإنابة، وصدق الطلب وحسن الإرادة، وخلوص النية جناية ملامسته الدنيا وشهواتها، {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ} [النساء: 43]، بانحراف مزاج القلب في طلب الحق، {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} [النساء: 43]، كتردد بين طلب الدنيا وطلب العقبى والمولى، {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ } [النساء: 43]، من غائط تتبع الهوى، {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} [النساء: 43]؛ أي: لامستم الأشغال الدنيوية، فأجبتم وتباعدتم عن الله تعالى بعد ما كنتم مجاوري حظائر القدس، وزلفتم في رياض الأنس {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} [النساء: 43]، صدة الإنابة والرجوع إلى الحق بالإعراض والانقطاع عن الخلق، {فَتَيَمَّمُواْ} [النساء: 43]؛ أي: فاقصدوا، {صَعِيداً طَيِّباً} [النساء: 43]، وهو شراب أقدام الرجال الطيبين من سوء الأخلاق والأعمال، {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ } [النساء: 43] تراب أقدامهم {وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43]، وتمسحوا بأيديكم أذيال كرامهم مستسلمين بصدق الإرادة لأحكامهم، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً} [النساء: 43] عنكم التقصير والانقطاع إليه بالكلية، ولعل يعفو عنكم التلون بالدنيا الدنية بهذه الخصلة المرضية، {غَفُوراً} [النساء: 43] لكم آثار الشقوة من غبار الشهود، فإنه يسعد بهم أنيسهم؛ لأنهم قوم لا يشقى بهم جليسهم.
همام الصنعاني
تفسير : 588- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَرُ، قال: أخبرني رَجُل عن المنْهَالِ بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جَاءَ رجُلٌ إلى ابنِ عبَّاس فقال: أرأيت أشْياء تختلف عليَّ من القرآن، قال: ما هو؟ أَشَكٌّ في القرآنِ؟ قالَ: لَيْسَ بِشَكٍّ، ولكن اخْتِلافٌ، قال: فهات ما اختَلَفَ عليك مِنْ ذَلِكَ، قال: أسمع الله حيثُ يقُولُ: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23]، وقالَ: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42]، فقد كَتَمُوا، قالَ: ومَاذا؟ قال: وأسمعه يقول: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [المؤمنون: 101]، وقَالَ: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [الصافات: 27]، وقَالَ: {أية : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ}تفسير : [فصلت: 9]، حتى بلغ {طَآئِعِينَ}: [فصلت: 11]، وقَالَ في الآكية الأخرى: {أية : ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}تفسير : [النازعات: 27-28]، ثم قَالَ: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}تفسير : [النازعات: 30]، قال: وأسمعه يقول: {كَانَ ٱللَّهُ} ما شأنه يقُولَ: {وَكَانَ ٱللَّهُ}، قال: فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: أمَّا قَوْلُهُ: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23]، فإنَّهم لمَّا رأوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ الله يَغْفِرُ لأهْلِ الإِسْلامِ ويَغْفِرُ الذُّنوب، ولا يَغْفِرُ شِرْكاً ولا يتعاظمه ذنب أن يغْفِرَهُ جحد المشركون؛ فقالوا: والله ربنا ما كنَّا مشركين رجاء أن يغفر لهم، فَخَتَم على أفواهِهِمْ وتكلّمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملُون، فعِنْد ذلِك يوَدُّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تُسوَّى بهم الأرض {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42]. وأما قوله تعالى: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [المؤمنون: 101] فإنه إذا نفخ في الصور فَصُعِقَ مَنْ في السَّمَاواتِ ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلِك ولا يتساءلُون، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [الصافات: 27]، وأمَّا قوله: {أية : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ}تفسير : [فصلت: 9]، فإنَّ الأرضَ خُلِقَت قبل السَّماءِ، وكانت السماء دُخاناً فَسَوَّاهُنَّ سبع سماوات في يومين بعد خلْقِ الأرضِ. وأمّا قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}تفسير : [النازعات: 30] فيقول: جَعَلَ فيها جبلاً، جعل فيها نهراً، جَعَلَ فيها شَجَراً، جَعَلَ فيها بُحُوراً. 589- عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمرُ قال: أخبرني ابن نجيح، عن مجاهد، قال: خَلَقَ اللهُ الأرضَ قبل السماء، فثَار مِنَ الأرْضِ دخانٌ، ثم خُلِقَت السماء بعد. وأما قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}تفسير : : [النازعات: 30]، فيقول: مع ذلِك دَحَاها، و"مع" و"بعد" سواء في كلام العرب، قال ابن عباس: وأمَّا قوله: {كَانَ ٱللَّهُ}، فإن الله كان لم يَزَلْ كذلِك وهو كذلك عزيزٌ حكيمٌ عليمٌ قديرٌ لم يزل كذلِكَ، فما اخْتَلَفَ عليك من القرآن فهو شبه ما ذكرت لك، وإنَّ الله لم ينزل شيئاً إلاَّ وقد أصاب به الذي أراد، ولكنّ الناس لا يعْلمون. 590- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة قال: جاء رجل إلى عِكْرِمة فقال: أرأيت قول الله تعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ}تفسير : [المرسلات: 35]، وقوله: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}تفسير : [الزمر: 31]، قال: إنها مواقفُ، فأمَّا مَوْقفٌ منها فتكلموا واختصموا ثم ختم الله عَلَى أفْواهِهِم فتكلمت أيْديهم وأرْجُلهم، فحينئذٍ لا ينطقون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):