٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجهين: الأول: أن جماعة من أفاضل الصحابة صنع لهم عبد الرحمن بن عوف طعاما وشرابا حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا جاء وقت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم. فقرأ: أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت هذه الآية، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون، ثم نزل تحريمها على الإطلاق في سورة المائدة. وعن عمر رضي الله عنه أنه لما بلغه ذلك قال: اللهم إن الخمر تضر بالعقول والأموال، فأنزل فيها أمرك فصبحهم الوحي بآية المائدة. الثاني: قال ابن عباس: نزلت في جماعة من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهاهم الله عنه. المسألة الثانية: في لفظ الصلاة قولان: أحدهما: المراد منه المسجد، وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي. واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه يكون من باب حذف المضاف، أي لا تقربوا موضع الصلاة، وحذف المضاف مجاز شائع، والثاني: قوله: {أية : لَّهُدّمَتْ صَوٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوٰتٌ }تفسير : [الحج: 40] والمراد بالصلوات مواضع الصلوات، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به المسجد جائز. والقول الثاني: وعليه الأكثرون: أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى. واعلم أن فائدة الخلاف تظهر في حكم شرعي، وهو أن على التقدير الأول يكون المعنى: لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنبا إلا عابري سبيل، وعلى هذا الوجه يكون الاستثناء دالا على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد، وهو قول الشافعي. وأما على القول الثاني فيكون المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا تقربوها حال كونكم جنباً إلا عابري سبيل، والمراد بعابر السبيل المسافر، فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصلاة عند العجز عن الماء. قال أصحاب الشافعي: هذا القول الأول أرجح، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه قال: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } والقرب والبعد لا يصحان على نفس الصلاة على سبيل الحقيقة، إنما يصحان على المسجد. الثاني: أنا لو حملناه على ما قلنا لكان الاستثناء صحيحا، أما لو حملناه على ما قلتم لم يكن صحيحا، لأن من لم يكن عابر سبيل وقد عجز عن استعمال الماء بسبب المرض الشديد، فإنه يجوز له الصلاة بالتيمم، وإذا كان كذلك كان حمل الآية على ذلك أولى. الثالث: أنا إذا حملنا عابر السبيل على الجنب المسافر، فهذا إن كان واجدا للماء لم يجز له القرب من الصلاة ألبتة، فحينئذ يحتاج إلى إضمار هذا الاستثناء في الآية، وإن لم يكن واجدا للماء لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم، فيفتقر إلى إضمار هذا الشرط في الآية، وأما على ما قلناه فانا لا نفتقر إلى إضمار شيء في الآية فكان قولنا أولى. الرابع: أن الله تعالى ذكر حكم السفر وعدم الماء، وجواز التييم بعد هذا، فلا يجوز حمل هذا على حكم مذكور في آية بعد هذه الآية، والذي يؤكده أن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله: {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ } ثم يستأنف قوله: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ } لأنه حكم آخر. وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الالحاقات فكان ما قلناه أولى. ولمن نصر القول الثاني أن يقول: إن قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } يدل على أن المراد من قوله: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } نفس الصلاة لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه، أما الصلاة ففيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها، فكان حمل الآية على هذا أولى، وللقائل الأول أن يجيب بأن الظاهر أن الانسان إنما يذهب إلى المسجد لأجل الصلاة، فما يخل بالصلاة كان كالمانع من الذهاب إلى المسجد فلهذا ذكر هذا المعنى. المسألة الثالثة: قال الواحدي رحمه الله: السكارى جمع سكران، وكل نعت على فعلان فإنه يجمع على: فعالى وفعالى، مثل كسالى وكسالى، وأصل السكر في اللغة سد الطريق، ومن ذلك سكر البثق وهو سده، وسكرت عينه سكرا إذا تحيرت، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا سُكّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا }تفسير : [الحجر: 15] أي غشيت فليس ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقيقتها، ومن ذلك سكر الماء وهو رده على سننه في الجري. والسكر من الشراب وهو أن ينقطع عما عليه من النفاذ حال الصحو، فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في حال صحوه. إذا عرفت هذا فنقول: في لفظ السكارى في هذه الآية قولان: الأول: المراد منه السكر من الخمر وهو نقيض الصحو، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين. والقول الثاني: وهو قول الضحاك: وهو أنه ليس المراد منه سكر الخمر، إنما المراد منه سكر النوم، قال: ولفظ السكر يستعمل في النوم فكان هذا اللفظ محتملا له، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه، أما بيان أن اللفظ محتمل له فمن وجهين: الأول: ما ذكرنا: أن لفظ السكر في أصل اللغة عبارة عن سد الطريق، ولا شك أن عند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها، ولا ينفذ الروح الباصر والسامع إلى ظاهر البدن. الثاني: قول الفرزدق:شعر : من السير والادلاج يحسب انما سقاه الكرى في كل منزلة خمرا تفسير : وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له فنقول: الدليل دل عليه، وبيانه من وجوه: الأول: أن قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } ظاهره أنه تعالى نهاهم عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم بحيث لا يعلمون ما يقولون، وتوجيه التكليف على مثل هذا الانسان ممتنع بالعقل والنقل، أما العقل فلأن تكليف مثل هذا الانسان يقتضي تكليف ما لا يطاق، وأما النقل فهو قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ» تفسير : ولا شك أن هذا السكران يكون مثل المجنون، فوجب ارتفاع التكليف عنه. والحجة الثانية: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا نعس أحدكم وهو في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيسب نفسه» تفسير : هذا تقرير قول الضحاك. واعلم أن الصحيح هو القول الأول، ويدل عليه وجهان: الأول: أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر، والأصل في الكلام الحقيقة، فأما حمله على السكر من العشق، أو من الغضب أو من الخوف، أو من النوم، فكل ذلك مجاز، وإنما يستعمل مقيدا. قال تعالى: {أية : وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ } تفسير : [قۤ: 19] وقال: {أية : وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ } تفسير : [الحج: 2] الثاني: أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مراداً بتلك الآية، فأما قول الضحاك كيف يتناوله النهي حال كونه سكران؟ فنقول: وهذا أيضا لازم عليكم، لأنه يقال: كيف يتناوله النهي وهو نائم لا يفهم شيئا؟ ثم الجواب عنه: إن المراد من الآية النهي عن الشرب المؤدي إلى السكر المخل بالفهم حال وجوب الصلاة عليهم، فخرج اللفظ عن النهي عن الصلاة في حال السكر مع أن المراد منه النهي عن الشرب الموجب للسكر في وقت الصلاة. وأما الحديث الذي تمسك به فذاك لا يدل على أن السكر المذكور في الآية هو النوم. المسألة الرابعة: قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المائدة، وأقول: الذي يمكن ادعاء النسخ فيه أنه يقال: نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدودا إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية، فهذا يقتضي جواز قربان الصلاة مع السكر إذا صار بحيث يعلم ما يقول، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر بآية المائدة فقد رفع هذا الجواز، فثبت أن آية المائدة ناسخة لبعض مدلالوت هذه الآية. هذا ما خطر ببالي في تقرير هذا النسخ. والجواب عنه: أنا بينا أن حاصل هذا النهي راجع إلى النهي عن الشرب الموجب للسكر عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه الا على سبيل الظن الضعيف، ومثل هذا لا يكون نسخا. المسألة الخامسة: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {سُكَـٰرَىٰ } بفتح السين و(سكرى) على أن يكون جمعا نحو: هلكى، وجوعى. ثم قال تعالى: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } قوله: {وَلاَ جُنُباً } عطف على قوله: {وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } والواو ههنا للحال، والتقدير: لا تقربوا الصلاة حال ما تكونون سكارى، وحال ما تكونون جنبا، والجنب يستوي فيه الواحد والجمع، المذكر والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الأجناب. وقد ذكرنا أن أصل الجنابة البعد، وقيل للذي يجب عليه الغسل: جنب، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر. ثم قال: {إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } وقد ذكرنا أن فيه قولين: أحدهما: أن هذا العبور المراد منه العبور في المسجد. الثاني: أن المراد بقوله: {إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } المسافرون، وبينا كيفية ترجيح أحدهما على الآخر. قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواً غفوراً}. اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أصنافاً أربعة: المرضى، والمسافرين، والذين جاؤا من الغائط، والذين لامسوا النساء. فالقسمان الأولان: يلجئان إلى التيمم، وهما المرض والسفر. والقسمان الأخيران: يوجبان التطهر بالماء عند وجود الماء، وبالتيمم عند عدم الماء، ونحن نذكر حكم كل واحد من هذه الأقسام: أما السبب الأول: هو المرض، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون بحيث لو استعمل الماء لمات، كما في الجدري الشديد والقروح العظيمة، وثانيها، أن لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة. وثالثها: أن لا يخاف الموت والآلام الشديدة. لكنه يخاف بقاء شين أو عيب على البدن، فالفقهاء جوزوا التيمم في القسمين الأولين، وما جوزوه في القسم الثالث وزعم الحسن البصري أنه لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء، بدليل أنه شرط جواز التيمم للمريض بعدم وجدان الماء، بدليل أنه قال في آخر الآية: {فلم تجدوا ماء} وإذا كان هذا الشرط معتبراً في جواز التيمم، فعند فقدان هذا الشرط وجب أن لا يجوز التيمم، وهو إيضاً قول ابن عباس. وكان يقول: لو شاء الله لابتلاه بأشد من ذلك. ودليل الفقهاء أنه تعالى جوز التيمم للمريض إذا لم يجد الماء، وليس فيه دلالة على منعه من التيمم عند وجوده، ثم قد دلت السنة على جوازه، ويؤيده ما روي عن بعض الصحابة أنه أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال، فلما اغتسل مات، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قتلوه قتلهم الله، فدل ذلك على جواز ما ذكرناه. السبب الثاني: السفر، والآية تدل على أن المسافر إذا لم يجد الماء، تيمم، طال سفره أو قصر لهذه الآية. السبب الثالث: قوله {أو جاء أحد منكم من الغائط} والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان. وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يحجبه عن أعين الناس، ثم سمي الحدث بهذا الاسم تسمية للشيء باسم مكانه. السبب الرابع: قوله: {أو لامستم النساء} وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: (لمستم) بغير ألف من اللمس، والباقون {لامستم} بالألف من الملامسة. المسألة الثانية: اختلف المفسرون في اللمس المذكور ههنا على قولين: أحدهما: أن المراد به الجماع، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه، لأن اللمس باليد لا ينقض الطهارة. والثاني: أن المراد باللمس ههنا التقاء البشرتين، سواء كان بجماع أو غيره وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وقول الشافعي رضي الله عنه. واعلم أن هذا القول أرجح من الأول، وذلك لأن إحدى القراءتين هي قوله تعالى: {أو لمستم النساء} واللمس حقيقته المس باليد، فأما تخصيصه بالجماع فذاك مجاز، والأصل حمل الكلام على حقيقته. وأما القراءة الثانية وهي قوله: {أو لامستم} فهو مفاعلة من اللمس، وذلك ليس حقيقة في الجماع أيضاً، بل يجب حمله على حقيقته أيضاً، لئلا يقع التناقض بين المفهوم من القراءتين المتواترتين واحتج من قال: المراد باللمس الجماع، بأن لفظ اللمس والمس ورداً في القرآن بعنى الجماع، قال تعالى: {أية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} تفسير : [البقرة: 237] وقال في آية الظهار: {أية : فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} تفسير : [المجادلة: 3] وعن ابن عباس أنه قال: إن الله حيي كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة. وأيضاً الحدث نوعان: الأصغر، وهو المراد بقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} فلو حملنا قوله: {أو لامستم النساء} على الحدث الأصغر لما بقي للحدث الأكبر ذكر في الآية، فوجب حمله على الحدث الأكبر. واعلم أن كل ما ذكروه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل، فوجب أن لا يجوز. وأيضاً فحكم الجنابة تقدم في قوله: {ولا جنباً} فلو حملنا هذه الآية على الجنابة لزم التكرار. المسألة الثالثة: قال أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس لظاهر قوله: {أو لامستم النساء} أما الملموس فلا. وقال الشافعي رضي الله عنه: بل ينتقض وضوءهما معاً. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأسباب الأربعة قال: {فلم تجدوا ماء} وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده وتيمم وصلى، ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب. حجة الشافي قوله: {فلم تجدوا ماء} وعدم الوجدان مشعر بسبق الطلب، فلا بد في كل مرة من سبق الطلب. فإن قيل: قولنا: وجد، لا يشعر بسبق الطلب، بدليل قوله تعالى: {أية : ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى} تفسير : [الضحى: 7، 8] وقوله: {أية : وما وجدنا لأكثرهم من عهد} تفسير : [الأعراف: 102] وقوله: {ولم نجد له عزما} فإن الطلب على الله محال. قلنا: الطلب وإن كان في حقه تعالى محالا، إلا أنه لما أخرج محمداً صلى الله عليه وسلم من بين قومه بما لم يكن لائقاً لقومه صار ذلك كأنه طلبه، ولما أمر الملكفين بالطاعات ثم إنهم قصروا فيها صار كأنه طلب شيئاً ثم لم يجده، فخرجت هذه اللفظة في هذه الآيات على سبيل التأويل من الوجه الذي ذكرناه. المسألة الثانية: أجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه لعطشه أو عطش حيوان محترم جاز له التيمم، أما إذا وجد من الماء مالا يكفيه للوضوء، فهل يجب عليه أن يجمع بين استعمال ذلك القدر من الماء وبين التيمم؟ قد أوجبه الشافي رضي الله عنه، متمسكاً بظاهر لفظ الآية. ثم قال تعالى: {فيتمموا صعيداً طيباً} وفيه مسائل: المسألة الأولى: التيمم في اللغة عبارة عن القصد، يقال: أممته وتيممته وتأممته، أي قصدته وأما الصعيد فهو فعيل بمعنى الصاعد، قال الزجاج: الصعيد وجه الأرض، تراباً كان أو غيره. المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لو فرضنا صخراً لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً. قال الشافعي رضي الله عنه: بل لا بد من تراب يلتصق بيده. احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال: التيمم هو القصد، والصعيد هو ما تصاعد من الأرض، فقوله: {فتيمموا صعيداً طيبا} أي اقصدوا أرضاً، فوجب أن يكون هذا القدر كافياً. وأما الشافعي فإنه احتج بوجهين الأول: أن هذه الآية ههنا مطلقة، ولكنها في سورة المائدة مقيدة، وهي قوله سبحانه: {أية : فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} تفسير : [المائدة: 6] وكلمة «من» للتبعيض، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه. فإن قيل: إن كلمة «من» لابتداء الغاية، قال صاحب «الكشاف»: لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب: إلا معنى التبعيض، ثم قال: والاذعان للحق أحق من المراء. الثاني: ما ذكره الواحدي رحمه الله، وهو أنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيباً، والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله: {أية : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} تفسير : [الأعراف: 58] فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة، فكان قوله: {فتيمموا صعيداً طيباً} أمرا بالتيمم بالتراب فقط، وظاهر الأمر للوجوب. أن قوله: {صعيداً طيباً} أمر بإيقاع التيمم بالصعيد الطيب، والصعيد الطيب هو الأرض التي لا سبخة فيها، ولا شك أن التيمم بهذا التراب جائز بالاجماع، فوجب حمل الصعيد الطيب عليه رعاية لقاعدة الاحتياط، لا سيما وقد خصص النبي عليه الصلاة والسلام التراب بهذه الصفة، فقال: «حديث : جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» تفسير : وقال: «حديث : التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء». تفسير : المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} محمول عند كثير من المفسرين على الوجه واليدين إلى الكوعين، وعند أكثر الفقهاء يجب مسح اليدين إلى المرفقين، وحجتهم أن اسم اليد يتناول جملة هذا العضو إلى الإبطين، إلا أنا أخرجنا المرفقين منه بدلالة الاجماع، فبقي اللفظ متناولاً للباقي. ثم ختم تعالى الآية بقوله: {إن الله كان عفوا غفورا} وهو كناية عن الترخيص، والتيسير، لأن من كان من عادته أن يعفو عن المذنبين، فبأن يرخص للعاجزين كان أولى.
القرطبي
تفسير : فيه أربع وأربعون مسألة: الأولى ـ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} خص الله سبحانه وتعالى بهذا الخطاب المؤمنين؛ لأنهم كانوا يقيمون الصلاة وقد أخذوا من الخمر وأتلفَتْ عليهم أذهانَهم فخصُّوا بهذا الخطاب؛ إذ كان الكفار لا يفعلونها صُحاة ولا سكارى. روى أبو داود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافياً؛ فنزلت الآية التي في البقرة { أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } تفسير : [البقرة: 219] قال: فدُعِي عمر فقُرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية التي في النساء {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألاَ لا يقربنّ الصلاة سكران. فدعي عمر فقُرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت هذه الآية: { أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } تفسير : [المائدة: 91] قال عمر: انتهينا. وقال سعيد بن جبير: كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو ينهوا، فكانوا يشربونها أوّل الإسلام حتى نزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} قالوا: نشربها للمنفعة لا للإثم؛ فشربها رجل فتقدّم يصلي بهم فقرأ؛ قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون؛ فنزلت: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ}. فقالوا: في غير عين الصلاة. فقال عمر: اللهم أنزل علينا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت: { أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ } تفسير : [المائدة: 91] الآية. فقال عمر: ٱنتهينا. ٱنتهينا. ثم طاف منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن الخمر قد حُرِّمَتْ؛ على ما يأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله تعالى: وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبدالرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدّموني فقرأت { أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } تفسير : [الكافرون: 2] ونحن نعبد ما تعبدون. قال: فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ووجه الاتصال والنظم بما قبله أنه قال سبحانه وتعالى: { أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } تفسير : [النساء: 36.] ثم ذكر بعد الإيمان الصلاةَ التي هي رأس العبادات؛ ولذلك يُقتل تاركُها ولا يسقط فرضها، وانجرّ الكلام إلى ذكر شروطها التي لا تصح إلا بها. الثانية ـ والجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء على أن المراد بالسكر سكر الخمر؛ إلا الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم؛ لقوله عليه السلام: « حديث : إذا نعس أحدكم في الصلاة فلْيرقُدْ حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري لعلّه يستغفر فيَسبّ نفسه » تفسير : . وقال عَبيدة السّلمانِيّ: «وَأَنْتُمْ سُكَارَى» يعني إذا كنت حاقناً؛ لقوله عليه السلام: « حديث : لا يصلِّيَنَّ أحدكم وهو حاقن » تفسير : في رواية « حديث : وهو ضام بين فخذيه.» تفسير : قلت وقول الضحاك وعَبيدة صحيح المعنى؛ فإن المطلوب من المصلِّي الإقبالُ على الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره، والخلُّو عن كل ما يشوِّش عليه من نوم وحُقنة وجوع، وكل ما يشغَل البال ويغيّر الحال. قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا حضر العَشاء وأُقيمت الصلاة فٱبدئوا بالعَشاء » تفسير : . فراعى صلى الله عليه وسلم زوال كلِّ مشوّش يتعلّق به الخاطر، حتى يُقبل على عبادة ربّه بفراغ قلبه وخالص لُبِّه، فيخشع في صلاته. ويدخل في هذه الآية: { أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [المؤمنون:1] { أية : ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 2] على ما يأتي بيانه. وقال ابن عباس: إن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} منسوخٌ بآية المائدة: { أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ } تفسير : [المائدة: 6] الآية. فأُمِروا على هذا القول بألاّ يصلّوا سكارى؛ ثم أُمروا بأن يصلوا على كل حال؛ وهذا قبل التحريم. وقال مُجاهد: نسخت بتحريم الخمر. وكذلك قال عِكرمة وقَتادة، وهو الصحيح في الباب لحديث عليّ المذكور. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أُقيمت الصلاة فنادى منادِي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لا يَقْرَبَنَّ الصلاة سكران؛ ذكره النحاس. وعلى قول الضحاك وعَبيدة الآية مُحْكَمَةٌ لا نسخ فيها. الثالثة ـ قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ} إذا قيل: لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تَلْبَس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تَدْنُ منه. والخطاب لجماعة الأُمة الصاحِين. وأما السّكران إذا عدم المَيْز لسكره فليس بمخاطب في ذلك الوقت لذهاب عقله؛ وإنما هو مخاطب بامتثال ما يجب عليه، وبتكفير ما ضيع في وقت سكره من الأحكام التي تقرّر تكليفه إياها قبل السكر. الرابعة ـ قوله تعالى: {ٱلصَّلاَةَ} اختلف العلماء في المراد بالصلاة هنا؛ فقالت طائفة: هي العبادة المعروفة نفسها؛ وهو قول أبي حنيفة؛ ولذلك قال {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}. وقالت طائفة: المراد مواضع الصلاة؛ وهو قول الشافعي، فحذف المضاف. وقد قال تعالى { أية : لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ } تفسير : [الحج: 40] فسمّى مواضع الصلاة صلاةً. ويدلّ على هذا التأويل قوله تعالى {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} وهذا يقتضي جواز العُبُور للجُنُب في المسجد لا الصلاة فيه. وقال أبو حنيفة: المراد بقوله تعالى {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلّي؛ وسيأتي بيانه. وقالت طائفة: المراد الموضع والصلاة معاً؛ لأنهم كانوا حينئذٍ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} ابتداء وخبر، جملة في موضع الحال من «تَقْرَبُوا». و «سُكَارَى» جمع سكران؛ مثل كَسْلان وكُسَالى. وقرأ النَّخَعيّ «سَكْرى» بفتح السين على مثال فَعْلى، وهو تكسير سكران؛ وإنما كُسّر على سكرى لأن السّكر آفة تلحق العقل فجرى مجرى صَرْعَى وبابِه. وقرأ الأعمش «سُكرى» كحبلى فهو صفة مفردة؛ وجاز الإخبار بالصفة المفردة عن الجماعة على ما يستعملونه من ٱلإخبار عن الجماعة بالواحد. والسكر: نقيض الصحو؛ يقال: سَكِر يَسْكَر سكراً، من باب حَمِد يحمَد. وسَكِرت عينه تَسْكُر أي تحيّرت؛ ومنه قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا } تفسير : [الحجر: 15]. وسكّرت الشّق سددته. فالسكران قد ٱنقطع عما كان عليه من العقل. السادسة ـ وفي هذه الآية دليل بل نصّ على أن الشرب كان مباحاً في أوّل الإسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر. وقال قوم: السّكر محرّم في العقل وما أُبيح في شيء من الأديان؛ وحملَوا السُّكر في هذه الآية على النوم. وقال القَفَّال: يحتمل أنه كان أُبيح لهم من الشراب ما يحرّك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحَمِيّة. قلت: وهذا المعنى موجود في أشعارهم؛ وقد قال حسان: شعر : ونشربها فتتركنا ملوكا تفسير : وقد أشبعنا هذا المعنى في «البقرة». قال القَفّال: فأمّا ما يزيل العقل حتى يصيّر صاحبه في حدّ الجنون والإغماء فما أُبيح قَصْدُه، بل لو ٱتفق من غير قصد فيكون مرفوعاً عن صاحبه. قلت: هذا صحيح، وسيأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله تعالى في قصة حمزة. وكان المسلمون لما نزلت هذه الآية يجتنبون الشرب أوقات الصلوات، فإذا صلّوا العشاء شرِبوها؛ فلم يزالوا على ذلك حتى نزل تحريمها في «المائدة» في قوله تعالى: { أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } تفسير : [المائدة: 91]. السابعة ـ قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} أي حتى تعلموه متيقِّنين فيه من غير غلط. والسكران لا يعلم ما يقول؛ ولذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إن السكران لا يلزمه طلاقه. وروي عن ابن عباس وطاوس وعطاء وٱلقاسم وربيعة، وهو قول اللّيث بن سعد وإسحاق وأبي ثَوْر والمُزَنِي؛ وٱختاره الطحاوي وقال: أجمع العلماء على أن طلاق المَعْتُوه لا يجوز، والسكران مَعْتُوه كالمُوَسْوِس معتوه بالوَسواس. ولا يختلفون أن من شرِب البَنْج فذهب عقله أن طلاقه غيرُ جائز؛ فكذلك من سِكر من الشراب. وأجازت طائفة طلاقَه؛ وروي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعةٍ من التابعين، وهو قول أبي حنيفة والثَّوْرِيّ والأُوزاعيّ، واختلف فيه قول الشافعيّ. وألزمه مالك الطلاق والقَوَد في الجِراح والقتل، ولم يلزمه النكاح والبيع. وقال أبو حنيفة: أفعال السكران وعقوده كلُّها ثابتة كأفعال الصاحي، إلا الردّة فإنه إذا ٱرتدّ (فإنه) لا تَبِين منه ٱمرأته إلا استحساناً. وقال أبو يوسف: يكون مُرْتَدّاً في حال سكره؛ وهو قول الشافعيّ إلا أنه لا يقتله في حال سكره ولا يستتِيبه. وقال الإمام أبو عبد الله المَازَرِي: وقد رُويت عندنا رواية شاذة أنه لا يلزم طلاق السكران. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه طلاق ولا عتاق. قال ٱبن شاس: ونزّل الشيخ أبو الوليد الخِلاف على المُخَلِّط الذي معه بقيّة من عقله إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه فيخطِىء ويصيب. قال: فأما السكران الذي لا يعرف الأَرض من السماء ولا الرجل من المرأة، فلا ٱختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأحواله فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله تعالى أيضاً؛ إلا فيما ذهب وقته من الصلوات، فقيل: إنها لا تسقط عنه بخلاف المجنون؛ من أجل أنه بإدخاله السكر على نفسه كالمتعمّد لتركها حتى خرج وقتها. وقال سفيان الثَّوريّ: حدّ السكر ٱختلال العقل؛ فإذا ٱستُقْرِىء فخلط في قراءته وتكلّم بما لا يعرف جُلِد. وقال أحمد: إذا تغيّر عقله عن حال الصحّة فهو سكران؛ وحُكِي عن مالك نحوه. قال ٱبن المُنْذِر: إذا خلّط في قراءته فهو سكران؛ استدلالاً بقول الله تعالى: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}. فإذا كان بحيث لا يعلم ما يقول تجنّب المسجد مخافةَ التلويث؛ ولا تصح صلاته وإن صلى قضى. وإن كان بحيث يعلم ما يقول فأتى بالصلاة فحُكْمه حُكم الصّاحِي. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَلاَ جُنُباً} عطف على موضع الجملة المنصوبة في قوله: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ} أي لا تصلّوا وقد أجنبتم. ويقال: تجنبتم وأجنبتم وجُنِّبتم بمعنًى. ولفظ الجُنُب لا يُؤَنَّث ولا يُثَنَّى ولا يُجمع؛ لأنه على وزن المصدر كالبُعْد والقُرْب. ورُبّما خفّفوه فقالوا: جَنْب؛ وقد قرأه كذلك قوم. وقال الفَرّاء: يقال جَنُب الرجل وأجنب من الجنابة. وقيل: يجمع الجُنُب في لغة على أجناب؛ مثل عُنقٍ وأعناقٍ، وطُنُبٍ وأطنابٍ. ومن قال للواحد جانب قال في الجمع: جُنّاب؛ كقولك: راكِب ورُكّاب. والأصل البعد؛ كأنّ الجُنبَ بَعُدَ بخروج الماء الدّافق عن حال الصلاة؛ قال: شعر : فلا تَحْرِمَنِّي نائِلاً عن جنابةٍ فإني ٱمْرُؤٌ وَسْطَ القِبَاب غَريب تفسير : ورجل جُنُب: غريب. والجنابة مخالطة الرّجل المرأة. التاسعة ـ والجمهور من الأُمّة على أن الجُنُب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة خِتانٍ. وروِي عن بعض الصحابة ألاّ غسل إلاّ من إنزال؛ لقوله عليه السلام: « حديث : إنما الماء من الماء » تفسير : أخرجه مسلم. وفي البخاري حديث : عن أُبَيّ بن كعب أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرّجل المرأةَ فلم ينزِل؟ قال: «يَغسِل مامسّ المرأة منه ثم يتوضأ ويُصلي» تفسير : . قال أبو عبد الله: الغسل أحوط؛ وذلك الآخر إنما بيناه لآختلافهم. وأخرجه مسلم في صحيحه بمعناه، وقال في آخره: قال أبو العلاء بن الشِّخِّير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسخ حديثه بعضه بعضاً كما ينسخ القرآن بعضه بعضاً. قال أبو إسحاق: هذا منسوخ. وقال الترمذيّ: كان هذا الحُكْم في أوّل الإسلام ثم نسِخ. قلت: على هذا جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وأن الغسل يجب بنفس التقاء الختانين. وقد كان فيه خِلاف بين الصحابة ثم رجعوا فيه إلى رواية عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا جَلس بين شُعبِها الأَربع ومَسّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل » تفسير : . أخرجه مسلم. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا قعد بين شُعَبِها الأربع ثم جَهَدَها فقد وجب عليه الغسل » تفسير : . زاد مسلم « حديث : وإن لم ينزِل » تفسير : . قال ٱبن القَصّار: وأجمع التابعون ومَن بعدهم بعد خلاف من قبلهم على الأخذ بحديث « حديث : إذا ٱلْتَقَى الخِتانان » تفسير : وإذا صح الإجماع بعد الخلاف كان مُسْقِطاً للخِلاف. قال القاضي عِياض: لا نعلم أحداً قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما حُكي عن الأعْمَش ثم بعده داود الأصبهاني. وقد روي أن عمر رضي الله عنه حمل الناس على ترك الأخذ بحديث: « حديث : الماء من الماء » تفسير : لما ٱختلفوا. وتأوّله ابن عباس على الاحتلام؛ أي إنما يجب الاغتسال بالماء من إنزال الماء في الاحتلام. ومتى لم يكن إنزال وإن رأى أنه يجامع فلا غسل. وهذا ما لا خلاف فيه بين كافة العلماء. العاشرة ـ قوله تعالى: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} يقال: عبرت الطريق أي قطعته من جانب إلى جانب. وعَبَرت النهر عُبوراً، وهذا عِبْر النهر أي شطّه، ويقال: عُبْر بالضم. والمِعْبَر ما يُعْبَر عليه من سفينة أو قنطرة. وهذا عابرُ السبيل أي مارّ الطريق. وناقة عُبْرُ أسفار: لا تَزال يُسافَر عليها ويُقطَع بها الفلاة والهاجرة لسرعة مَشيها. قال الشاعر: شعر : عَيْرَانَةٌ سُرُحُ اليَدَيْنِ شِمِلّةٌ عِبْرُ الهَوَاجِرِ كالهِزَفّ الخاضِب تفسير : وعَبَر القومُ ماتوا. وأنشد: شعر : قضاء الله يغلب كلّ شيء ويلعب بالجَزُوع وبالصّبُورِ فإن نَعْبُرْ فإنّ لنا لُمَاتٍ وإن نَغْبُر فنحن على نُذُورِ تفسير : يقول: إن مِتْنَا فلنا أقران، وإن بقينا فلا بدّ لنا من الموت؛ حتى كأنّ علينا في إتيانه نُذوراً. الحادية عشرة ـ وٱختلف العلماء في قوله: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} فقال عليّ رضي الله عنه وٱبن عباس وٱبن جُبير ومُجاهد والحَكَم: عابِر السبيل المسافر. ولا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جُنُب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم؛ وهذا قول أبي حنيفة؛ لأن الغالب في الماء لا يُعدَم في الحضر؛ فالحاضِر يغتسل لوجود الماء، والمسافر يتيمّم إذا لم يجده. قال ابن المُنْذِر: وقال أصحاب الرأي في الجنب المسافرِ يمرّ على مسجدٍ فيه عين ماء يتيمّم الصعيدَ ويدخل المسجِد ويستقي منها ثم يُخرج الماء من المسجد. ورخّصت طائفة في دخول الجنب المسجد. واحتج بعضهم بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : المؤمن ليس بنجسٍ » تفسير : . قال ابن المُنْذِر: وبه نقول. وقال ابن عباس أيضاً وابن مسعود وعِكرمة والنّخَعيّ: عابر السبيل الخاطِر المجتاز؛ وهو قول عمرو بن دِينار ومالك والشافعيّ. وقالت طائفة: لا يمرّ الجنب في المسجد إلا ألاّ يجِد بُدّاً فيتيمم ويمرّ فيه؛ هكذا قال الثوريّ وإسحاق بن رَاهَوْيه. وقال أحمد وإسحاق في الجنب: إذا توضّأ لا بأس أن يجلس في المسجد؛ حكاه ٱبن المُنْذِر. وروى بعضهم في سبب الآية أن قوماً من الأنصار كانت أبواب دُورِهم شارِعةً في المسجد، فإذا أصاب أحدهم الجنابة ٱضطرّ إلى المرور في المسجد. قلت: وهذا صحيح؛ يَعْضُده ما رواه أبو داود عن جَسْرة بنت دَجاجة قالت سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: حديث : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوتِ أصحابه شارِعة في المسجد؛ فقال: «وجّهوا هذه البيوت عن المسجد». ثم دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئاً رجاءَ أن تنزل لهم رخصة فخرج إليهم فقال: «وجِّهُوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحِل المسجد لحائضٍ ولا جُنُبٍ» تفسير : . وفي صحيح مسلم: « حديث : لا تبقينّ في المسجد خَوْخة إلا خَوْخة أبي بكر » تفسير : . فأمر صلى الله عليه وسلم بسدّ الأبواب لما كان يؤدّي ذلك إلى ٱتخاذ المسجد طريقاً والعُبورِ فيه. واستثنى خَوْخة أبي بكر إكراماً له وخصوصية؛ لأنهما كانا لا يفترقان غالباً. وقد روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن أذِن لأحد أن يمرّ في المسجد ولا يجلس فيه إلا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. ورواه عطيّة العَوْفِيّ عن أبي سعيد الخُدْريّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما ينبغي لمسلم ولا يصْلُح أن يجنُب في المسجد إلا أنا وعليّ » تفسير : . قال علماؤنا: وهذا يجوز أن يكون ذلك؛ لأن بيت عليّ كان في المسجد، كما كان بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم في المسجد، وإن كان البيتان لم يكونا في المسجد ولكن كانا متصِلَيْن بالمسجد وأبوابهما كانت في المسجد فجعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد فقال: « حديث : ما ينبغي لمسلم » تفسير : الحديث. والذي يدلّ على أن بيت عليّ كان في المسجد ما رواه ٱبن شِهاب عن سالم بن عبد الله قال: سأل رجل أبي عن عليّ وعثمان رضي الله عنهما أيّهما كان خيراً؟ فقال له عبد الله بن عمر: هذا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم! وأشار إلى بيت عليّ إلى جنبه، لم يكن في المسجد غيرهما؛ وذكر الحديث. فلم يكونا يجنبان في المسجد وإنما كانا يجنبان في بيوتهما، وبيوتهما من المسجد إذ كان أبوابهما فيه؛ فكانا يستطرقانه في حال الجنابة إذا خرجا من بيوتهما. ويجوز أن يكون ذلك تخصيصاً لهما؛ وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم خُص بأشياء، فيكون هذا مما خُصّ به، ثم خص النبيّ صلى الله عليه وسلم عليّاً عليه السلام فرخّص له في ما لم يرخِّص فيه لغيره. وإن كانت أبواب بيوتهم في المسجد، فإنه كان في المسجد أبواب بيوتٍ غيرِ بَيْتَيْهما؛ حتى أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بسدّها إلا باب عليّ. وروى عمرو بن ميمون عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : سُدُّوا الأبواب إلا باب عليّ » تفسير : فخصّه عليه السلام بأن ترك بابه في المسجد، وكان يجنب في بيته وبيته في المسجد. وأما قوله: « حديث : لا تبقينّ في المسجد خَوْخة إلا خَوْخة أبي بكر » تفسير : فإن ذلك كانت ـ والله أعلم ـ أبواباً تطلع إلى المسجد خوخات، وأبواب البيوت خارجة من المسجد؛ فأمر عليه السلام بسدّ تلك الخوخات وترك خوخة أبي بكر إكراماً له. والخَوْخات كالكُوَى والمشاكي، وباب عليّ كان بابَ البيت الذي كان يدخل منه ويخرج. وقد فسّر ٱبن عمر ذلك بقوله: ولم يكن في المسجد غيرهما. فإن قيل: فقد ثبت عن عطاء بن يسار أنه قال: كان رجال من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم تصيبهم الجنابة فيتوضئون ويأتون المسجد فيتحدّثون فيه. وهذا يدل على أن اللَّبث في المسجد للجنب جائز إذا توضأ؛ وهو مذهب أحمد وإسحاق كما ذكرنا. فالجواب أن الوضوء لا يرفع حدث الجنابة، وكلُّ موضع وُضِع للعبادة وأكرِم عن النجاسة الظاهرة ينبغي ألاّ يدخله من لا يرضى لتلك العبادة، ولا يصح له أن يتلبس بها. والغالب من أحوالهم المنقولة أنهم كانوا يغتسلون في بيوتهم. فإن قيل: يبطل بالمحدث. قلنا: ذلك يكثر وقوعه فيشق الوضوء منه؛ وفي قوله تعالى: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} ما يُغْني ويَكْفِي. وإذا كان لا يجوز له اللبث في المسجد فأحرى ألاّ يجوز له مسّ المصحف ولاَ القراءة فيه؛ إذ هو أعظم حُرْمَة. وسيأتي بيانه في «الواقعة» إن شاء الله تعالى. الثانية عشرة ـ ويمنع الجُنُب عند علمائنا من قراءة القرآن غالباً إلا الآيات اليسيرة للتعوّذ. وقد روى موسى ابن عُقبة عن نافع عن ٱبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا يقرأ الجُنُب والحائض شيئاً من القرآن » تفسير : أخرجه ٱبن ماجه. وأخرجه الدّارقطنِيّ من حديث سفيان عن مِسْعَر، وشعبة عن عمرو بن مُرّة عن عبد الله بن سَلِمَةَ عن عليّ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا أن يكون جُنُباً. قال سفيان قال لي شعبة: ما أحدّث بحديث أحسن منه. وأخرجه ٱبن ماجه قال: حدّثنا محمد بن بشار حدّثنا محمد بن جعفر حدّثنا شعبة عن عمرو بن مُرة؛ فذكره بمعناه، وهذا إسناد صحيح. وعن ٱبن عباس عن عبد الله بن رَوَاحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب؛ أخرجه الدّارَقُطْنِيّ. ورَوَى عن عكرمة قال: كان ٱبن رواحة مضطجِعاً إلى جنب ٱمرأته فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة فوقع عليها؛ وفزعت ٱمرأته فلم تجده في مضجعه، فقامت فخرجت فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت فأخذت الشفرة ثم خرجت، وفرغ فقام فلقيها تحمل الشفرة فقال مَهْيَمْ؟ قالت: مَهْيَم لو أدركتك حيث رأيتك لوَجَأْت بين كتفيْك بهذه الشّفْرَة. قال: وأين رأيتني؟ قالت: رأيتك على الجارية؛ فقال: ما رأيتني؛ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جُنُب. قالت: فٱقرأ، وكانت لا تقرأ القرآن، فقال: شعر : أتانا رسولُ اللَّه يَتْلُو كتابَه كما لاحَ مشهورٌ من الفجر ساطِعُ أتى بالهدى بعد العمَى فقلوبُنا به موقِناتٌ أنّ ما قال وَاقِعُ يَبِيتُ يُجافي جنبُه عن فراشه إذا ٱستَثْقَلَتْ بالمشركين المضاجِعُ تفسير : فقالت: آمنتُ بالله وكذَّبت البصر. ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره؛ فضحِك حتى بدتْ نواجِذُه صلى الله عليه وسلم. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} نهى الله سبحانه وتعالى عن الصلاة إلا بعد الاغتسال؛ والاغتسال معنى معقول، ولفظه عند العرب معلوم، يُعبّر به عن إمرار اليد مع الماء على المغسول؛ ولذلك فَرَقَت العرب بين قولهم: غسلت الثوب، وبين قولهم: أفَضْتُ عليه الماء وغمسته في الماء. إذا تقرّر هذا فاعلم أن العلماء ٱختلفوا في الجُنُب يصب على جسده الماء أو يَنغمِس فيه ولا يتدلّك؛ فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجزِئه حتى يتدلّك؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر الجُنُب بالاغتسال، كما أمر المتوضىءَ بغسل وجهه ويديه ولم يكن للمتوضى بَدٌّ من إمرار يديه مع الماء على وجهه ويديه، فكذلك جميع جسد الجنب ورأسه في حكم وجه المتوضي ويديه. وهذا قول المُزَنِيّ وٱختياره. قال أبو الفرج عمرو بن محمد المالكي: وهذا هو المعقول من لفظ الغسل؛ لأن الاغتسال في اللغة هو الافتعال، ومن لم يُمرّ يديه فلم يفعل غير صب الماء لا يسميه أهل اللسان غاسلاً، بل يسمونه صابّاً للماء ومنغمِساً فيه. قال: وعلى نحوِ هذا جاءت الآثار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : تحت كلِّ شعرةٍ جنابة فاغسِلوا الشعر وأنْقُوا البَشَرَة » تفسير : قال: وإنقاؤه ـ والله أعلم ـ لا يكون إلا بتَتَبُّعهِ؛ على حدّ ما ذكرنا. قلت: لا حجة فيما ٱستُدِلّ به من الحديث لوجهين: أحدهما ـ أنه قد خولف في تأويله؛ قال سفيان بن عُيَيْنة: المراد بقوله عليه السلام « حديث : وأنْقُوا البَشَرة » تفسير : أراد غسل الفرج وتنظيفه، وأنه كنّى بالبَشَرة عن الفرج. قال ابن وهب: ما رأيت أحداً أعلم بتفسير الأحاديث من ٱبن عيينة. الثاني ـ أن الحديث أخرجه أبو داود في سننه وقال فيه: وهذا الحديث ضعيف؛ كذا في رواية ٱبن داسة. وفي رواية اللُّؤْلِئيّ عنه: الحارث بن وَجيه ضعيف، حديثه منكر؛ فسقط الاستدلال بالحديث، وبقِي المعوّل على اللسان كما بينا. ويعْضُدُه ما ثبت في صحيح الحديث. أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بصبيّ فبال عليه، فدعا بماء فأتبعَه بولَه ولم يغسله؛ روته عائشة، ونحوه عن أُم قيس بنت محصن؛ أخرجهما مسلم. وقال الجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء: يُجزِىء الجُنُب صَبُّ الماء والانغماس فيه إذا أسبغ وعمّ وإن لم يتدلّك؛ على مقتضى حديث ميمونة وعائشة في غسل النبيّ صلى الله عليه وسلم. رواهما الأئمة. وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُفيض الماء على جسده؛ وبه قال محمد بن عبد الحكم، وإليه رجع أبو الفرج ورواه عن مالك؛ قال: وإنما أمر بإمرار اليدين في الغسل لأنه لا يكاد من لم يُمِرّ يديه عليه يسلم من تنكّبِ الماء عن بعض ما يجب عليه من جسده. وقال ٱبن العربي: وأعجب لأبي الفرج الذي روى وحكى عن صاحب المذهب أن الغسل دون ذلك يجزىء! وما قاله قَطُّ مالكٌ نصّا ولا تَخْرِيجاً، وإنما هي من أوهامه. قلت: قد رُوِي هذا عن مالك نصاً؛ قال مروان بن محمد الظاهري وهو ثِقة من ثِقات الشاميين: سألت مالك بن أنس عن رجلٍ ٱنغمس في ماء وهو جُنُب ولم يتوضأ، قال: مضت صلاته. قال أبو عمر: فهذه الرواية فيها لم يتدَلّك ولا توضأ، وقد أجزأه عند مالك. والمشهور من مذهبه أنه لا يُجزِئه حتى يتدَلّك؛ قياساً على غَسْل الوجه واليدين. وحجة الجماعة أن كل من صبّ عليه الماء فقد ٱغتسل. والعرب تقول: غسلتني السماءُ. وقد حكت عائشة وميمونة صفة غُسْل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكرا تَدَلُّكا، ولو كان واجباً ما تركه؛ لأنه المبيّن عن الله مرادَه، ولو فعله لنُقِل عنه؛ كما نُقِل تخليلُ أُصولِ شعره بالماء وغَرْفه على رأسه، وغير ذلك من صفة غُسْله ووضوئه عليه السلام. قال أبو عمر: وغير نكير أن يكون الغسل في لسان العرب مرةً بالعَرْكِ ومرة بالصّبّ والإفاضة؛ وإذا كان هذا فلا يمتنع أن يكون الله جل وعز تعبّد عِباده في الوضوء بإمرار أيديهم على وجوههم مع الماء ويكون ذلك غسلاً، وأن يفيضوا الماء على أنفسهم في غُسل الجنابة والحيض، ويكون ذلك غسلاً موافقاً للسنة غير خارج من اللغة، ويكون كل واحد من الأمرين أصلاً في نفسه، لا يجب أن يردّ أحدهما إلى صاحبه؛ لأن الأُصول لا يُردّ بعضها إلى بعض قياساً ـ وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء الأُمة. وإنما تردّ الفروع قياساً على الأُصول. وبالله التوفيق. الرابعة عشرة ـ حديث ميمونة وعائشة يردّ ما رواه شعبة مولى ٱبن عباس عن ٱبن عباس أنه كان إذا ٱغتسل من الجنابة غَسَل يديه سبعاً وفرْجَه سبعا. وقد روى عن ٱبن عمر قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل البول من الثوب سبع مرار؛ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جُعِلت الصلاة خمساً، والغسل من الجنابة مرة، والغسل من البول مرة. قال ٱبن عبد البر، وإسناد هذا الحديث عن ابن عمر فيه ضَعْف ولَيْن، وإن كان أبو داود قد خرّجه والذي قبله عن شعبة مولى ابن عباس، وشعبة هذا ليس بالقوِيّ، ويردّهما حديث عائشة وميمونة. الخامسة عشرة ـ ومن لم يستطِع إمرار يده على جسده فقد قال سحنون: يجعل من يلي ذلك منه، أو يعالجه بخرقة. وفي الواضحة: يمرّ يديه على ما يدرِكه من جسده، ثم يفيض الماء حتى يعمّ ما لم تبلغه يداه. السادسة عشرة ـ واختلف قول مالك في تخليل الجنب لحيته؛ فروى ٱبن القاسم عنه أنه قال: ليس عليه ذلك. وروى أشهب عنه أن عليه ذلك. قال ٱبن عبد الحكم: ذلك هو أحب إلينا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلّل شعره في غسل الجنابة، وذلك عامّ وإن كان الأظهر فيه شعر رأسه؛ وعلى هذين القولين العلماءُ. ومن جهة المعنى أن ٱستيعاب جميع الجسد في الغسل واجب، والبشرةُ التي تحت اللحية من جملته؛ فوجب إيصال الماء إليها ومباشرتها باليد. وإنما انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى لأنها مبنية على التخفيف، ونيابة الأبدال فيها من غير ضرورة؛ ولذلك جاز فيها المسح على الخفّين ولم يجز في الغسل. قلت: ويَعْضُد هذا قولُه صلى الله عليه وسلم: « حديث : تحت كلِّ شعرةٍ جنابة.» تفسير : السابعة عشرة ـ وقد بالغ قوم فأوجبوا المضمضة والاستنشاق؛ لقوله تعالى: {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} منهم أبو حنيفة؛ ولأنهما من جملة الوجه وحكمهما حكم ظاهر الوجه كالخدّ والجَبِين، فمن تركهما وصلّى أعاد كمن ترك لُمْعَة، ومن تركهما في وضوئه فلا إعادة عليه. وقال مالك: ليستا بفرضٍ لا في الجنابة ولا في الوضوء؛ لأنهما باطنان فلا يجب كداخل الجسد. وبذلك قال محمد بن جرير الطبريّ والليث بن سعد والأُوزاعيّ وجماعة من التابعين. وقال ٱبن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان: هما فرض في الوضوء والغسل جميعاً؛ وهو قول إسحاق وأحمد بن حنبل وبعض أصحاب داود. وروي عن الزهرِيّ وعطاء مثل هذا القول. وروي عن أحمد أيضاً أن المضمضة سنة والاستنشاق فرض؛ وقال به بعض أصحاب داود. وحجة من لم يوجبهما أن الله سبحانه لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما رسوله، ولا ٱتفق الجميع عليه؛ والفرائض لا تثبت إلا بهذه الوجوه. احتج من أوجبهما بالآية، وقوله تعالى: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} فما وجب في الواحد من الغسل وجب في الآخر؛ والنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا في غسله من الجنابة؛ وهو المبيّن عن الله مراده قولاً وعملاً. احتج من فرق بينهما بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم فَعَل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة إلا بدليل، وفعل الاستنشاق وأمر به؛ وأمْرُه على الوجوب أبداً. الثامنة عشرة ـ قال علماؤنا: ولا بدّ في غسل الجنابة من النّيّة؛ لقوله تعالى: {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} وذلك يقتضي النية؛ وبه قال مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وكذلك الوضوء والتيمم. وعضدوا هذا بقوله تعالى: { أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } تفسير : [البينة: 5] والإخلاص النية في التقرب إلى الله تعالى، والقصدِ له بأداء ما ٱفترض على عباده المؤمنين، وقال عليه السلام: « حديث : إنما الأعمال بالنيات » تفسير : وهذا عمل. وقال الأُوزاعيّ والحسن: يُجزِىء الوضوء والتيمم بغير نية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: كل طهارة بالماء فإنها تُجزِىء بغير نية، ولا يجزِىء التيمم إلا بنية؛ قياساً على إزالة النجاسة بالإجماع من الأبدان والثياب بغير نية. ورواه الوليد بن مسلم عن مالك. التاسعة عشرة ـ وأما قدر الماء الذي يغتسل به؛ فروى مالك عن ٱبن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أُم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يغتسل من إناء هو الفَرَق من الجنابة. «الفَرَقُ» تحرك راؤه وتسكن. قال ٱبن وهب: «الفَرْق» مكيال من الخشب، كان ٱبن شهاب يقول: إنه يسع خمسة أقساط بأقساط بني أُمية. وقد فسر محمد بن عيسى الأعشى «الفرق» فقال: ثلاثة آصع، قال: وهي خمسة أقساط، قال: وفي الخمسة أقساط اثنا عشراً مُدّاً بمُدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم قال سفيان: «الفرق» ثلاثة آصع. وعن أنس قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمُدّ ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. وفي رواية: يغتسل بخمسة مكاكِيك ويتوضأ بمَكُّوك. وهذه الأحاديث تدل على ٱستحباب تقليل الماء من غير كيل ولا وزن، يأخذ منه الإنسان بقدر ما يكفي ولا يُكثِر منه، فإن الإكثار منه سَرَف والسَّرف مذموم. ومذهب الأباضِيّة الإكثار من الماء، وذلك من الشيطان. الموفية عشرين ـ قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} هذه آية التيمم، نزلت في عبد الرحمن ابن عوف أصابته جنابة وهو جريح؛ فرُخّص له في أن يتيمّم، ثم صارت الآية عامّةً في جميع الناس. وقيل: نزلت بسبب عدم الصحابة الماء في غزوة «المُرَيْسِيع» حين انقطع العِقد لعائشة. أخرج الحديث مالك من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. وترجم البخارِيّ هذه الآية في كتاب التفسير: حدّثنا محمد قال أخبرنا عَبدة عن هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: هلكت قلادة لأسماء فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالاً، فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم يجدوا ماء فصلوا وهم على غير وضوء؛ فأنزل الله تعالى آية التَّيَمُّم. قلت: وهذه الرواية ليس فيها ذكر للموضع، وفيها أن القِلادة كانت لأسماء؛ خلافُ حديث مالك. وذكر النَّسائِيّ من رواية علي بن مُسْهِر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها ٱستعارت من أسماء قِلادةً لها وهي في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فٱنسلّت منها وكان ذلك المكان يقال له الصُّلْصُل؛ وذكر الحديث. ففي هذه الرواية عن هشام أن القِلادة كانت لأسماء، وأن عائشة استعارتها من أسماء. وهذا بيان لحديث مالك إذ قال: انقطع عِقد لعائشة، ولحديث البخاريّ إذ قال: هلكت قِلادة لأسماء. وفيه أن المكان يقال له الصلصل. وأخرجه الترمذي حدّثنا الحُمَيْدِيّ حدّثنا سفيان حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سقطت قِلادتُها ليلة الأَبْواء، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين في طلبها؛ وذكر الحديث. ففي هذه الرواية عن هشام أيضاً إضافة القِلادة إليها، لكن إضافة مستعير بدليل حديث النَّسائي. وقال في المكان: «الأبواء» كما قال مالك، إلا أنه من غير شك. وفي حديث مالك قال: وبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العِقد تحته. وجاء في البخاريّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجده. وهذا كله صحيح المعنى، وليس اختلاف النَّقلة في العِقد والقِلادة ولا في الموضع ما يقدح في الحديث ولا يُوهِن شيئاً منه؛ لأن المعنى المرادَ من الحديث والمقصودَ به إليه هو نزول التيمم، وقد ثبتت الروايات في أمر القِلادة. وأما قوله في حديث التّرمذِيّ: فأرسل رجلين قيل: أحدهما أسَيد بن حُضير. ولعلهما المراد بالرّجال في حديث البخاريّ فعبّر عنهما بلفظ الجمع، إذ أقل الجمع اثنان، أو أردف في أثرهما غيرهما فصح إطلاق اللفظ، والله أعلم. فبعثوا في طلبها فطلبوا فلم يجدوا شيئاً في وجهتهم، فلما رجعوا أثاروا البعير فوجدوه تحته. وقد رُوي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم جِراحة ففشت فيهم ثم ٱبتلُوا بالجنابة فشكوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وهذا أيضاً ليس بخلاف لِمَا ذكرنا؛ فإنهم ربما أصابتهم الجِراحة في غزوتهم تلك التي قفلوا منها إذ كان فيها قتال فشكَوْا، وضاع العِقد ونزلت الآية. وقد قيل: إن ضياع العِقد كان في غَزاة بني المُصْطَلِق. وهذا أيضاً ليس بخلاف لقول من قال في غزاة المُرَيْسِيع، إذ هي غزاة واحدة؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم غزا بني المُصْطَلِق في شعبان من السنة السادسة من الهجرة، على ما قاله خليفة بن خَيّاط وأبو عمر بن عبد البر، واستعمل على المدينة أبا ذَرٍّ الغِفارِي. وقيل: بل نُمَيلة بن عبد الله اللّيثي. وأغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المُصْطَلِق وهم غارّون، وهم على ماء يقال له المُرَيْسِيع من ناحية قُدَيدٍ مما يلي الساحل، فقتَلَ مَن قتل وسَبَى من سبى النساءَ والذّرية وكان شعارهم يومئذ: أمِتْ أمِتْ. وقد قيل: إن بني المُصْطَلِق جمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوه، فلما بلغه ذلك خرج إليهم فلقِيهم على ماء. فهذا ما جاء في بدء التيمم والسبب فيه. وقد قيل: إن آية المائدة آيةُ التيمم، على ما يأتي بيانه هناك. قال أبو عمر: فأنزل الله تعالى آية التيمم، وهي آية الوضوء المذكورة في سورة «المائدة»، أو الآية التي في سورة «النساء». ليس التيمم مذكوراً في غير هاتين الآيتين وهما مَدَنِيّتَان. الحادية والعشرون ـ قوله تعالى: {مَّرْضَىٰ} المرض عبارة عن خروج البدن عن حدّ الاعتدال والاعتياد، إلى الاعوجاج والشذوذ. وهو على ضربين: كثير ويسير؛ فإذا كان كثيراً بحيث يخاف الموت لبرد الماء، أو للعلة التي به، أو يخاف فوت بعض الأعضاء، فهذا يتيمم بإجماع؛ إلا ما رُوي عن الحسن وعطاء أنه يتطهر وإن مات. وهذا مردود بقوله تعالى: { أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}. وروى الدّارَقُطْنِيّ عن سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس في قوله عز وجل: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} قال: إذا كانت بالرجل الجِراحة في سبيل الله أو القروح أو الجُدَرِيّ فيَجْنَب فيخاف أن يموت إن ٱغتسل، تَيمَّم. وعن سعيد بن جُبير أيضاً عن ٱبن عباس قال: رُخِّص للمريض في التيمم بالصَّعيد. وتيمّم عمرو بن العاص لما خاف أن يَهلِك من شدّة البرد ولم يأمره صلى الله عليه وسلم بغسلٍ ولا إعادة. فإن كان يسيراً إلاَّ أنه يخاف معه حدوثَ علة أو زيادَتها أو بطء بُرْءٍ فهؤلاء يتيمّمون بإجماع من المذهب. قال ٱبن عطية: فيما حفظت. قلت: قد ذكر الباجِيّ فيه خلافاً؛ قال القاضي أبو الحسن: مثل أن يخاف الصحيح نَزْلَةً أو حُمّى، وكذلك إن كان المريض يخاف زيادة مرض؛ وبنحو ذلك قال أبو حنيفة. وقال الشافعيّ: لا يجوز له التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف التلف؛ ورواه القاضي أبو الحسن عن مالك. قال ٱبن العربيّ: «قال الشافعيّ لا يباح التيمم للمريض إلا إذا خاف التلف؛ لأن زيادة المرض غير متحققة؛ لأنها قد تكون وقد لا تكون، ولا يجوز ترك الفرض المتيقن للخوف المشكوك. قلنا: قد ناقضت؛ فإنك قلت إذا خاف التلف من البرد تيمم؛ فكما يبيح التيمم خوف التلف كذلك يبيحه خوف المرض؛ لأن المرض محذور كما أن التلف محذور. قال: وعجباً للشافعيّ يقول: لو زاد الماء على قدر قيمته حبة لم يلزمه شراؤه صيانة للمال ويلزمه التيمم، وهو يخاف على بدنه المرض! وليس لهم عليه كلام يساوي سماعه». قلت: الصحيح من قول الشافعيّ فيما قال القشيرِيّ أبو نصر عبد الرحيم في تفسيره: والمرض الذي يباح له التيمم هو الذي يخاف فيه فوت الروح أو فوات بعض الأعضاء لو ٱستعمل الماء. فإن خاف طول المرض فالقول الصحيح للشافعيّ: جواز التيمم. روى أبو داود والدّارَقُطْنِيّ عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جُبير حديث : عن عمرو بن العاص قال: ٱحتلمت في ليلة باردة في غزوة ذاتِ السلاسل فأشفقت إن ٱغتسلت أن أهلِك؛ فتيممت ثم صلّيتُ بأصحابي الصبح؛ فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عمرو: «صليت بأصحابك وأنت جنب»؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمِعت الله عز وجل يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29] فضحك نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً.تفسير : فدلّ هذا الحديثُ على إباحة التيمم مع الخوف لا مع اليقين، وفيه إطلاق ٱسم الجنب على المتيمم وجواز صلاة المتيمم بالمتوضِّئين؛ وهذا أحد القولين عندنا؛ وهو الصحيح وهو الذي أقرأه مالك في موطَّئه وقُرِىء عليه إلى أن مات. والقول الثاني ـ أنه لا يصلي؛ لأنه أنقص فضيلة من المتوضىء، وحُكم الإمام أن يكون أعلى رتبة؛ وقد روى الدّارَقُطْنِيّ من حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا يؤمّ المتيمم المتوضئين » تفسير : إسناده ضعيف. وروى أبو داود والدّارقُطْنِيّ حديث : عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجّه في رأسه ثم ٱحتلم، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء؛ فٱغتسل فمات، فلما قدِمنا على النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبِر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء ٱلعِيّ السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويَعْصِر أو يَعصِب ـ شكّ موسى ـ على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» تفسير : . قال الدّارَقُطْنِيّ: «قال أبو بكر هذه سنة تفرّد بها أهل مكة وحملها أهل الجزيرة، ولم يروِه عن عطاء عن جابر غير الزّبير بن خُرَيق، وليس بالقويّ، وخالفه الأُوزاعي فرواه عن عطاء عن ٱبن عباس وهو الصواب. وٱختُلف عن الأُوزاعي فقيل عنه عن عطاء، وقيل عنه: بلغني عن عطاء، وأرسل الأُوزاعيّ آخره عن عطاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو الصواب. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زُرْعة عنه فقالا: رواه ٱبن أبي العشرين عن الأُوزاعيّ عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ٱبن عباس، وأسند الحديث». وقال داود: كل من ٱنطلق عليه ٱسم المريض فجائز له التيمم؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ}. قال ابن عطية: وهذا قول خلْف، وإنما هو عند علماء الأُمة لمن خاف من ٱستعمال الماء أو تأذّيه به كالمجدور والمحصوب، والعلل المَخُوف عليها من الماء؛ كما تقدّم عن ٱبن عباس. الثانية والعشرون ـ قوله تعالى: {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} يجوز التيمم بسبب السفر طال أو قصر عند عدم الماء، ولا يشترط أن يكون مما تقصر فيه الصلاة؛ هذا مذهب مالك وجمهور العلماء. وقال قوم: لا يتيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة. وٱشترط آخرون أن يكون سفر طاعة. وهذا كله ضعيف. والله أعلم. الثالثة والعشرون ـ أجمع العلماء على جواز التيمم في السفر حسبما ذكرنا، واختلفوا فيه في الحضر؛ فذهب مالك وأصحابه إلى أن التيمم في الحضر والسفر جائز؛ وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف؛ وهو قول الطبري. وقال الشافعي أيضاً واللّيث والطبري: إذا عَدِم الماء في الحضر مع خوف الوقت الصحيحُ والسقيمُ تيمم وصلّى ثم أعاد. وقال أبو يوسف وزُفَر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرضٍ ولا لخوف الوقت. وقال الحسن وعطاء: لا يتيمم المريض إذا وجد الماء ولا غير المريض. وسبب الخلاف ٱختلافهم في مفهوم الآية؛ فقال مالك ومن تابعه: ذكر الله تعالى المرضى والمسافرين في شرط التيمم خُرِّج على الأغلب فيمن لا يجد الماء، والحاضرون الأغلب عليهم وجودُه فلذلك لم ينصّ عليهم. فكل من لم يجد الماء أو منعه منه مانع أو خاف فوات وقت الصلاة، تيمم المسافر بالنص، والحاضرُ بالمعنى. وكذلك المريض بالنص والصحيح بالمعنى. وأما من مَنعه في الحضر فقال: إن الله تعالى جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر؛ كالفِطر وقصر الصلاة، ولم يبح التيمم إلا بشرطين، وهما المرض والسفر؛ فلا دخول للحاضر الصحيح في ذلك لخروجه من شرط الله تعالى. وأما قول الحسن وعطاء الذي منعه جملةً مع وجود الماء فقال: إنما شرطه الله تعالى مع عدم الماء، لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ} فلم يُبح التيمم لأحد إلا عند فقْد الماء. وقال أبو عمر: ولولا قول الجمهور وما رُوي من الأثر لكان قول الحسن وعطاء صحيحاً؛ والله أعلم. وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم لعمرو بن العاص وهو مسافر إذ خاف الهلاك إن ٱغتسل بالماء، فالمريض أحرى بذلك. قلت: ومن الدليل على جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوات الصلاة إن ذهب إلى الماء الكتابُ والسنةُ: أما الكتاب فقوله سبحانه: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} يعني المقيم إذا عدِم الماء تيمم. نصّ عليه القُشَيْرِيّ عبد الرحيم قال: ثم يقطع النظر في وجوب القضاء؛ لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر وفي القضاء قولان: قلت: وهكذا نص أصحابنا فيمن تيمم في الحضر، فهل يعيد إذا وجد الماء أم لا؛ المشهور من مذهب مالك أنه لا يعيد وهو الصحيح. وقال ٱبن حبيب ومحمد بن عبد الحكم: يعيد أبداً؛ ورواه ٱبن المُنْذر عن مالك. وقال الوليد عنه: يغتسل وإن طلعت الشمس. وأما السُّنّة فما رواه البخاريّ عن أبي الجُهَيْم بن الحارث بن الصِّمّة الأنصاريّ قال: حديث : أقبل النبيّ صلى الله عليه وسلم من نحو «بئرِ جَمَلٍ» فلقِيه رجل فسلّم عليه فلم يردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجِدار فمسح بوجهه ويديه، ثم ردّ عليه السلام. وأخرجه مسلم وليس فيه لفظ «بِئر». وأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حديث ابن عمر وفيه: «ثم ردّ على الرّجل السلام وقال: «إنه لم يمنعني أن أردّ عليك السلام إلا أني لم أكن على طهرٍ». تفسير : الرابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} الغائط أصله ما انخفض من الأرض، والجمع الغِيطان أو الأغواط؛ وبه سُمِّيَ غُوطة دِمَشْق. وكانت العرب تقصِد هذا الصنف من المواضع لقضاء حاجتها تَسَتُّراً عن أعين الناس، ثم سُمِّيَ الحدث الخارج من الإنسان غائطاً للمقارنة. وغاط في الأرض يغوط إذا غاب. وقرأ الزُّهْرِي: «من الغَيْطِ» فيحتمل أن يكون أصله الغيّط فخفف، كهيّن وميّت وشبهه. ويحتمل أن يكون من الغوط؛ بدلالة قولهم تغوّط إذا أتى الغائط، فقلبت واو الغوط ياء، كما قالوا في لا حَوْل لا حَيْل. و «أو» بمعنى الواو، أي إن كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا فالسبب الموجب للتيمم على هذا هو الحدث لا المرض والسفر؛ فدلّ على جواز التيمم في الحضر كما بيناه. والصحيح في «أو» أنها على بابها عند أهل النظر. فلأَوْ معناها، وللواو معناها. وهذا عندهم على الحذف، والمعنى وإن كنتم مرضى مرضاً لا تقدرون فيه على مَسّ الماء أو على سفرٍ ولم تجدوا ماء واحتجتم إلى الماء. والله أعلم. الخامسة والعشرون ـ لفظ «الغائِطِ» يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى. وقد اختلف الناس في حصرها، وأَنْبَل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع، لا خلاف فيها في مذهبنا: زوال العقل، خارج معتاد، ملامسة. وعلى مذهب أبي حنيفة ما خرج من الجسد من النجاسات، ولا يُراعى المخرج ولا يعدّ اللمس. وعلى مذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم ما خرج من السبيلين، ولا يراعى الاعتياد، ويعدّ اللمس. وإذا تقرّر هذا فٱعلم أن المسلمين أجمعوا على أن من زال عقله بإغماء أو جنون أو سُكْر فعليه الوضوء، وٱختلفوا في النوم هل هو حدث كسائر الأحداث؟ أو ليس بحَدَثٍ أو مِظَنّة حدث؛ ثلاثة أقوال: طرفان وواسطة. الطرف الأول ـ ذهب المُزَني أبو إبراهيم إسماعيل إلى أنه حَدَث، وأن الوضوء يجب بقليله وكثيره كسائر الأحداث؛ وهو مقتضي قول مالك في الموطأ لقوله: ولا يتوضأ إلا من حَدَث يخرج من ذَكَر أو دُبُر أو نوم. ومقتضى حديث صفوان بن عَسَال أخرجه النَّسائي والدَارَقُطْني والتّرمذي وصححه. روَوْه جميعاً من حديث عاصم بن أبي النَّجُود عن زِرّ بن حُبيش فقال: أتيت صفوان بن عَسَّال المرادي فقلت: جئتك أسألك عن المسح على الخُفَّين قال: نعم كنت في الجيش الذي بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمَرَنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهرٍ ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعها من بَوْل ولا غائط ولا نوم ولا نخلعهما إلا من جنابة. ففي هذا الحديث وقول مالك التسويةُ بين الغائط والبول والنوم. قالوا: والقياس أنه لما كان كثيره وما غلب على العقل منه حدثاً وجب أن يكون قليله كذلك. وقد رُوي عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : وِكاء السّه العينان فمن نام فليتوضأ » تفسير : وهذا عام. أخرجه أبو داود، وأخرجه الدارقطني من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الطرف الآخر فروي عن أبي موسى الأَشعري ما يدل على أن النوم عنده ليس بحدث على أي حال كان، حتى يُحِدث النائم حَدثاً غير النوم، لأنه كان يوكل من يحرسه إذا نام. فإن لم يخرج منه حدث قام من نومه وصلّى؛ ورُوي عن عبيدة وسعيد بن المُسَيَّب والأوزاعي. في رواية محمود بن خالد. والجمهور على خلاف هذين الطرفين. فأما جملة مذهب مالك فإن كل نائم استثقل نوماً، وطال نومه على أي حال كان، فقد وجب عليه الوضوء؛ وهو قول الزُّهري وربيعة والأوزاعي في رواية الوليد بن مسلم. قال أحمد بن حنبل: فإن كان النوم خفيفاً لا يخامر القلب ولا يغمره لم يضرّ. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء إلا على من نام مضطجعاً أو متوركاً. وقال الشافعي: من نام جالساً فلا وضوء عليه ورواه ابن وهب عن مالك. والصحيح من هذه الأقوال مشهور مذهب مالك؛ لحديث ابن عمر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شُغِل عنها ليلة يعني العشاء فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم» تفسير : رواه الأئمة واللفظ للبخاري؛ وهو أصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد والعمل. وأما ما قاله مالك في مُوطّئه وصفوان بن عَسّال في حديثه فمعناه: ونوم ثقيل غالب على النفس؛ بدليل هذا الحديث وما كان في معناه. وأيضاً فقد روى حديث صفوانٍ وكِيعٌ عن مسعر عن عاصم بن أبي النَّجُود فقال: «أو ريح» بدل «أو نوم»، فقال الدّارَقُطْني: لم يقل في هذا الحديث «أو ريح» غيرُ وكيع عن مِسْعر. قلت: وكيعٌ ثِقةٌ إمامٌ أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة؛ فسقط الاستدلال بحديث صفوان لمن تمّسك به في أن النوم حَدَث. وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فضعيف؛ رواه الدّارَقُطْني عن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام وهو ساجد حتى غَطّ أو نفخ ثم قام فصلّى، فقلت: يا رسول الله إنك قد نمت! فقال: «إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» تفسير : . تفرّد به أبو خالد عن قتّادة ولا يصح، قاله الدّارَقُطْني. وأخرجه أبو داود وقال، قوله «الوضوء على من نام مضطجعا» هو وحديث مُنْكَرٌ لم يَرْوِه إلا أبو خالد يزيد الدّالاني عن قتادة، وروى أوّلَه جماعةٌ عن ابن عباس لم يذكروا شيئاً من هذا. وقال أبو عمر بن عبدالبر: هذا حديث مُنْكَر لم يروه أحد من أصحاب قتادة الثقات، وإنما انفرد به أبو خالد الدّلاني، وأنكروه وليس بحجة فيما نقل وأما قول الشافعي؛ على كلّ نائم الوضوءُ إلا على الجالس وحده، وأن كلّ من زال عن حدّ الاستواء ونام فعليه الوضوء؛ فهو قول الطبري وداود، ورُوي عن علي وابن مسعود وابن عمر؛ لأن الجالس لا يكاد يستثقل، فهو في معنى النوم الخفيف. وقد روى الدّارَقُطْني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من نام جالسا فلا وضوء عليه ومن وضع جنبه فعليه الوضوء » تفسير : . وأما الخارج؛ فلنا ما رواه البخاري قال؛ حدّثنا قُتيبة قال حدّثنا يزيد بن زُريع عن خالدٍ عن عكرمة عن عائشة قالت: اعتكفَتْ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأةٌ من أزواجه فكانت ترى الدّم والصُّفْرة والطسْت تحتها وهي تصلّي. فهذا خارج على غير المعتاد، وإنما هو عرق ٱنقطع فهو مرض؛ وما كان هذا سبيله مما يخرج من السبيلين فلا وضوء فيه عندنا إيجابا، خلافا للشافعي كما ذكرنا. وبالله توفيقنا. ويردّ على الحنفي حيث راعى الخارج النجس. فصح ووضح مذهب مالك ابن أنس رضي الله عنه ما تردّد نفس، وعنهم أجمعين. السادسة والعشرون ـ قوله تعالى؛ {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} قرأ نافع وابن كَثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «لاَمَسْتُمُ». وقرأ حمزة والكسائي: «لمستم» وفي معناه ثلاثة أقوال؛ الأوّل ـ أن يكون لمستم جامعتم. الثاني ـ لمستم باشرتم. الثالث ـ يجمع الأمرين جميعاً. و «لامستم» بمعناه عند أكثر الناس، إلا أنه حكي عن محمد بن يزيد أنه قال؛ الأولى في اللغة أن يكون «لامستم» بمعنى قبلتم أو نظيره، لأن لكل واحد منهما فعلاً. قال؛ و «لمستم» بمعنى غشيتم ومسستم، وليس للمرأة في هذا فعل. واختلف العلماء في حكم الآية على مذاهب خمسة؛ فقالت فرقة: الملامسة هنا مختصة باليد، والجُنُب لا ذكر له إلا مع الماء؛ فلم يدخل في المعنى المراد بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ} الآية، فَلا سبيل له إلى التيمم، وإنما يغتسل الجُنُب أو يَدَع الصلاة حتى يجِد الماء؛ ورُوي هذا القولُ عن عمر وابن مسعود. قال أبو عمر: ولم يقل بقول عمر وعبد الله في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي وحَمَلة الآثار؛ وذلك والله أعلم لحديث عَمار وعِمران بن حُصين وحديث أبي ذَرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: في تيمّم الجُنُب. وقال أبو حنيفة عكس هذا القول، فقال: الملامسة هنا مختصة باللمس الذي هو الجماع. فالجنب يتيمم واللامس بيده لم يجرِ له ذِكر؛ فليس بحدَثٍ ولا هو ناقض لوضوئه. فإذا قبَّل الرجل امرأته للذّة لم ينتقض وضوءه؛ وعَضدوا هذا بما رواه الَدارَقُطْني عن عائشة: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأتفسير : . قال عروة؛ فقلت لها من هي إلا أنْتِ؟ فضحكت وقال مالك: الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمّم إذا ٱلتذّ فإذا لمَسها بغير شهوة فلا وضوء؛ وبه قال أحمد وإسحاق، وهو مقتضي الآية. وقال علي بن زياد؛ وإن كان عليها ثوب كثيف فلا شيء عليه، وإن كان خفيفاً فعليه الوضوء. وقال عبد الملك بن الماجِشُون: من تعمّد مس امرأته بيده لملاعبة فليتوضأ التذ أو لم يلتذ. قال القاضي أبو الوليد الباجي في المْنتَقَى: والذي تحقّق من مذهب مالك. وأصحابه أن الوضوء إنما يجب لقصده اللذّة دون وجودها؛ فمن قصد اللذّة بلمسه فقد وجب عليه الوضوء، التذّ بذلك أو لم يلتذّ؛ وهذا معنى ما في العُتْبِية من رواية عيسى عن ابن القاسم. وأما الإنعاظ بمجرّده فقد روى آبن نافع عن مالك أنه لا يوجب وضوءا ولا غسل ذَكَر حتى يكون معه لَمْسٌ أو مَذْيٌ. وقال الشيخ أبو إسحاق: من أنعظ إنعاظاً انتقض وضوءه، وهذا قول مالك في المدونة. وقال الشافعي: إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد تعلّق نقض الطهر به؛ وهو قول ابن مسعود وابن عمر والزُّهري وربيعة. وقال الأوزاعي: إذا كان اللّمس باليد نقض الطُّهر وإن كان بغير اليد لم ينقضه؛ لقوله تعالى: { أية : فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } تفسير : [الأنعام: 7] فهذه خمسة مذاهب أسدّها مذهب مالك؛ وهو مروي عن عمر وابنه عبدالله، وهو قول عبدالله بن مسعود أن الملامسة ما دون الجماع، وأن الوضوء يجب بذلك؛ وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء. قال ابن العربي: وهو الظاهر من معنى الآية؛ فإن قوله في أوّلها: {وَلاَ جُنُباً} أفاد الجماع، وأن قوله: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} أفاد الحدث، وأن قوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ} أفاد اللّمس والقبل. فصارت ثلاث جمل لثلاثة أحكام، وهذه غاية في العلم والإعلام. ولو كان المراد باللّمس الجماع كان تكراراً في الكلام. قلت: وأما ما استدل به أبو حنيفة من حديث عائشة فحديث مُرْسل؛ رواه وَكِيع عن الأَعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عُروة عن عائشة. قال يحيى بن سعيد وذَكَر حديثَ الأعمش عن حبيب عن عروة فقال: أمّا إنّ سفيان الثَّوْري كان أعلمَ الناس بهذا، زعم أن حبيباً لم يسمع من عروة شيئاً؛ قاله الدَّارَقُطْني. فإن قيل: فأنتم تقولون بالمرسل فيلزمكم قبوله والعمل به. قلنا: تركناه لظاهر الآية وعمل الصحابة فإن قيل إن الملامسة هي الجماع وقد رُوي ذلك عن ابن عباس. قلنا: قد خالفه الفاروق وابنه وتابعهما عبدالله بن مسعود وهو كوفي، فما لكم خالفتموه؟ ٰ فإن قيل: الملامسة من باب المفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين، واللمس باليد إنما يكون من واحد؛ فثبت أن الملامسة هي الجماع. قلنا: الملامسة مقتضاها التقاء البشرتين؛ سواء كان ذلك من واحد أو من اثنين؛ لأن كل واحد منهما يوصف لامسٌ وملموس. جواب آخر ـ وهو أن الملامسة قد تكون من واحد؛ ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الملامسة، والثوب ملموس وليس بلامس؛ وقد قال ابن عمر مُخْبراً عن نفسه «وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام». وتقول العرب: عاقبت اللص وطارقت النعل، وهو كثير. فإن قيل: لما ذكر الله سبحانه سبب الحَدث، وهو المجيء من الغائط ذَكر سبب الجنابة وهو الملامسة؛ فبيّن حكم الحَدَث والجنابة عند عدم الماء، كما أفاد بيان حكمهما عند وجود الماء. قلنا: لا نمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس، ويفيد الحكمين كما بيّنا. وقد قرىء «لمَسْتم» كما ذكرنا. وأما ما ذهب إليه الشافعي من لمس الرجل المرأة ببعض أعضائه لا حائل بينه وبينها لشهوة أو لغير شهوة وجب عليه الوضوء فهو ظاهر القرآن أيضاً؛ وكذلك إن لمَسَته هي وجب عليه الوضوء، إلا الشّعر؛ فإنه لا وضوء لمن مسّ شعر امرأته لشهوة كان أو لغير شهوة، وكذلك السنّ والظفر؛ فإن ذلك مخالف للبشرة. ولو احتاط فتوضأ إذا مس شعرها كان حسناً. ولو مسّها بيده أو مسّته بيدها من فوق الثوب فالتذّ بذلك أو لم يلتذ لم يكن عليهما شيء حتى يُفضِي إلى البشرة، وسواء في ذلك كان متعمداً أو ساهياً، كانت المرأة حية أو ميتة إذا كانت أجنبية. واختلف قوله إذا لَمَس صبيّة صغيرة أو عجوزاً كبيرة بيده أو واحدة من ذوات محارمه ممن لا يحّل له نكاحها، فمرّة قال: ينتقض الوضوء؛ لقوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} فلم يفرق. والثاني لا يُنقض؛ لأنه لا مدخل للشهوة فيهنّ. قال المَرْوَزي: قول الشافعي أشبه بظاهر الكتاب؛ لأن الله عزّ وجلّ قال: {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} ولم يقل بشهوة ولا من غير شهوة؛ وكذلك الذين أوْجبوا الوضوء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترطوا الشهوة. قال: وكذلك عامة التابعين. قال المَرْوَزي: فأمّا ما ذهب إليه مالك من مراعاة الشهوة وٱللذّة من فوق الثوب يوجب الوضوء فقد وافقه على ذلك الّليث بن سعد، ولا نعلم أحداً قال ذلك غيرهما. قال: ولا يصحّ ذلك في النظر؛ لأن من فعل ذلك فهو غير لامسٍ لامرأته، وغير مُمَاسَ لها في الحقيقة، إنما هو لامس لثوبها. وقد أجمعوا أنه لو تلذذ واشتهى أن يلمِس لم يجب عليه وضوء؛ فكذلك من لمس فوق الثوب لأنه غير مماس للمرأة. قلت: أمّا ما ذُكر من أنه لم يوافق مالكا على قوله إلا الّليث بن سعد، فقد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبدالبر أن ذلك قول إسحاق وأحمد، ورُوي ذلك عن الشَّعْبي والنَّخعي كلهم قالوا: إذا لمس فآلتذّ وجب الوضوء، وإن لم يلتذّ فلا وضوء. وأما قوله: « حديث : ولا يصح ذلك في النظر » تفسير : فليس بصحيح؛ وقد جاء في صحيح الخبر عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قِبْلته، فإذا سَجَد غَمَزَني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما ثانياً، قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. فهذا نصّ في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الملامس، وأنه غَمَزَ رجلْي عائشة؛ كما في رواية القاسم عن عائشة «فإذا أراد أن يسجد غمز رجليّ فقبضتهما» أخرجه البخاري. فهذا يخصّ عموم قوله؛ «أو لامستم» فكان واجباً لظاهر الآية انتقاض وضوء كل ملامس كيف لامس. ودلّت السّنة التي هي البيان لكتاب الله تعالى أن الوضوء على بعض الملامسين دون بعض، وهو من لم يلتذ ولم يقصِد. ولا يقال: فلعلّه كان على قدمي عائشة ثوب، أو كان يضرِب رجليها بُكّمه، فإنا نقول: حقيقة الغَمْز إنما هو باليد ومنه غَمْزُك الكبش أي تَجُسه لتنظر أهو سمين أم لا فأما أن يكون الغَمز الضَّرْب بالْكُمّ فلا. والرِّجل من النائم الغالبُ عليها ظهورها من النائم؛ لا سِيما مع امتداده وضيق حاله. فهذه كانت الحال في ذلك الوقت؛ ألا ترى إلى قولها: «وإذا قام بسطتهما» وقولها: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح». وقد جاء صريحا عنها قالت: «كنت أمدّ رجليَّ في قِبْلة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فإذا سجد غمزِني فرفعتهما، فإذا قام مددتهما» أخرجه البخاري. فظهر أن الغمز كان على حقيقته مع المباشرة. ودليل آخر ـ وهو ما روته عائشة أيضاً رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان؛ الحديثَ. فلمّا وضعت يدها على قدمه وهو ساجد وتمادَى في سجوده كان دليلا على أن الوضوء لا ينتقض إلا على بعض الملامسين دون بعض. فإن قيل: كان على قدمه حائل كما قاله المُزَنّى. قيل له: القَدَم قَدمٌ بلا حائل حتى يثبت الحائل، والأصل الوقوف مع الظاهر؛ بل بمجموع ما ذكرنا يجتمع منه كالنّص. فإن قيل: فقد أجمعت الأمّة على أن رجلا لو استكره امرأة فمّس خِتانه خِتانها وهي لا تلتذّ لذلك؛ أو كانت نائمة فلم تلتذ ولم تشته أن الغسْل واجب عليها؛ فكذلك حكم من قّبل أو لامس بشهوة أو لغير شهوة انتقضت طهارته ووجب عليه الوضوء؛ لأن المعنى في الجّسة والّلمس والقُبلة الفعُل لا الّلذة. قلنا: قد ذكرنا أن الأعمش وغيره قد خالف فيما ادّعيتموه من الإجماع. سلمناه لكن هذا استدلال بالإجماع في محل النزاع فلا يلزم؛ وقد استدللنا على صحة مذهبنا بأحاديث صحيحة. وقد قال الشافعي ـ فيما زعمتم ـ إنه لم يُسبق إليه، وقد سبقه إليه شيخه مالك؛ كما هو مشهور عندنا «إذا صحّ الحديث فخذوا به ودعوا قولي» وقد ثبت الحديث بذلك فَلِم لا تقولون به؟ ٰ ويلزم على مذهبكم أن من ضرب امرأته فلطمها بيده تأديباً لها وإغلاظاً عليها أن ينتقض وضوءه؛ إذ المقصود وجود الفعل، وهذا لا يقوله أحد فيما أعلم، والله أعلم. وروى الأئمة مالك وغيرهُ حديث : أنه صلى الله عليه وسلم: كان يُصلي وأُمَامَة بنت أبي العاص ابنة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه، فإذا رَكع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادهاتفسير : . وهذا يردّ ما قاله الشافعي في أحد قوليه: لو لمس صغيرة لانتقض طهره تمسّكا بلفظ النساء، وهذا ضعيف؛ فإنّ لمس الصغيرة كلمس الحائط. واختلف قوله في ذوات المحارم لأجل أنه لا يعتبر اللذّة، ونحن اعتبرنا اللذّة فحيث وُجِدَت وُجِد الحكم، وهو وجوب الوضوء. وأما قول الأوزاعي في اعتباره اليد خاصّة؛ فلأن الّلمس أكثر ما يستعمل باليد، فقَصَره عليه دون غيره من الأعضاء؛ حتى أنه لو أدخل الرجل رجليه في ثياب امرأته فمسّ فرجها أو بطنها لا ينتقض بذلك وضوء. وقال في الرجل يقبّل امرأته: إن جاء يسألني قلت يتوضأ، وإن لم يتوضأ لم أعبه. وقال أبو ثَوْر: لا وضوء على من قبّل آمرأته أو باشرها أو لمسها. وهذا يُخرّج على مذهب أبي حنيفة، والله أعلم. السابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} الأسباب التي لا يجد المسافرُ معها الماءَ هي إما عدمه جملة أو عدم بعضه، وإما أن يخاف فوات الرفيق، أو على الرحل بسبب طلبه، أو يخاف لصوصا أو سباعا، أو فوات الوقت، أو عطشا على نفسه أو على غيره؛ وكذلك لطبيخ يَطْبِخُه لمصلحة بدنه؛ فإذا كان أحد هذه الأشياء تيّمم وصلّى. ويترتب عدمه للمريض بألا يجد من يناوله، أو يخاف من ضرره. ويترتب أيضاً عدمه للصّحيح الحاضر بالغَلاء الذي يَعُم جميع الأصناف، أو بأن يُسجَن أو يربط. قال الحسن: يشتري الرجل الماء بماله كلّه ويبقى عديماً، وهذا ضعيف، لأن دين الله يُسْر. وقالت طائفة: يشتريه ما لم يَزِد على القيمة الثلث فصاعداً. وقالت طائفة: يشتري قيمة الدّرهم بالدّرهمين والثلاث ونحو هذا؛ وهذا كله في مذهب مالك رحمه الله. وقيل لأشهب: أتُشتَرى القِربة بعشرة دراهم؟ فقال: ما أرى ذلك على الناس. وقال الشافعي بعدم الزيادة. الثامنة والعشرون ـ واختلف العلماء هل طلبُ الماء شرط في صحة التيمم أم لا؟ فظاهر مذهب مالك أن ذلك شرط؛ وهو قول الشافعي. وذهب القاضي أبومحمد بن نصر إلى أن ذلك ليس بشرط في صحة التيمّم وهو قول أبي حنيفة. ورُوي عن ابن عمر أنه كان يكون في السفر على غْلوتين من طريقه فلا يَعدِل إليه. قال إسحاق: لا يلزمه الطلب إلا في موضعه، وذكر حديث ابن عمر، والأوّل أصحّ وهو المشهور من مذهب مالك في الموطأ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} وهذا يقتضي أن التّيممّ لا يُستعمل إلا بعد طلب الماء. وأيضاً من جهة القياس أن هذا بدل مأمورٌ به عند العجز عن مُبْدَله، فلا يجزِىء فعله إلا مع تيقّن عدم مُبْدَله؛ كالصوم مع العتق في الكفارة. التاسعة والعشرون ـ وإذا ثبت هذا وعُدِم الماء فلا يخلو أن يغلب على ظنّ المكلّف اليأسُ من وجوده في الوقت. أو يغلب على ظنّه وجوده ويَقْوَى رجاؤه له، أو يتساوى عنده الأمران؛ فهذه ثلاثة أحوال: فالأوّل ـ يستحب له التيمم والصلاة في أول الوقت؛ لأنه إذا فاتته فضيلة الماء فإنه يستحب له أن يُحْرِزَ فضيلة أوّل الوقت. الثاني ـ يتيمم وسط الوقت؛ حكاه أصحاب مالك عنه، فيؤخِرّ الصلاة رجاء إدراك فضيلة الماء ما لم تَفُته فضيلة أول الوقت؛ فإن فضيلة أوّل الوقت قد تدرك بوسَطه لقُرْبه منه. الثالث ـ يؤخَر الصّلاة إلى أن يجد الماء في آخر الوقت؛ لأن فضيلة الماء أعظم من فضيلة أوّل الوقت. لأن فضيلة أول الوقت مختلف فيها، وفضيلة الماء متفق عليها، وفضيلة أوّل الوقت يجوز تركها دون ضرورة ولا يجوز ترك فضيلة الماء إلا لضرورة، والوقت في ذلك هو آخر الوقت المختار؛ قاله ابن حبيب. ولو عَلِم وجود الماء في آخر الوقت فتيّمم في أوّله وصلّى فقد قال ابن القاسم: يُجزِئه، فإن وجد الماء أعاد في الوقت خاصّة. وقال عبد الملك بن الماجِشُون: إن وجد الماء بعد أعاد أبداً. الموفية ثلاثين ـ والذي يُراعى من وجود الماء أن يجِد منه ما يكفيه لطهارته، فإن وجد أقل من كفايته تيّمم ولم يستعمل ما وجد منه. وهذا قول مالك وأصحابه؛ وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وهو قول أكثر العلماء؛ لأن الله تعالى جعل فرضه أحد الشيئين، إمّا الماءُ وإمّا الترابُ. فإن لم يكن الماء مُغنِياً عن التيمّم كان غير موجود شرعاً، لأن المطلوب من وجوده الكفاية. وقال الشافعي في القول: الآخر: يستعمل ما معه من الماء ويتيمّم؛ لأنه واجِد ماءً فلم يتحقق شرط التيمم؛ فإذا استعمله وفَقَد الماء تيمم لمّا لم يجد. واختلف قول الشافعي أيضاً فيما إذا نَسي الماء في رحلهِ فتيمم؛ والصحيح أنه يعيد، لأنه إذا كان الماء عنده فهو واجد وإنما فَرّط. والقول الآخر لا يعيد؛ وهو قول مالك؛ لأنه إذا لم يعلمه فلم يجده. الحادية والثلاثون ـ وأجاز أبو حنيفة الوضوء بالماء المتغيّر لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} فقال: هذا نفيٌ في نكرة، وهو يَعمّ لغة؛ فيكون مفيدا جواز الوضوء بالماء المتغيّر وغير المتغيّر؛ لانطلاق اسم الماء عليه. قلنا: النْفي في النكرة يَعُمّ كما قلتم، ولكن في الجنس، فهو عام في كل ماءٍ كان من سماء أو نهر أو عينٍ عذبٍ أو ملح. فأما غير الجنس وهو المتغيّر فلا يدخل فيه؛ كما لا يدخل فيه ماء البَاقِلاّء ولا ماء الورد، وسيأتي حكم المياه في «الفرقان» إن شاء الله تعالى. الثانية والثلاثون ـ وأجمعوا على أن الوضوء والاغتسال لا يجوز بشيء من الأشربة سوى النبيذ عند عدم الماء؛ وقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ} يردّه. والحديث الذي فيه ذكر الوضوء بالنبيذ رواه ابن مسعود، وليس بثابت؛ لأن الذي رواه أبو زيد، وهو مجهول لا يعرف بصحبة عبدالله؛ قاله ابن المنذر وغيره. وسيأتي في «الفرقان» بيانه إن شاء الله تعالى. الثالثة والثلاثون ـ الماء الذي يبيح عدمه التيمم هو الطاهر المطهّر الباقي على أوصاف خِلقته. وقال بعض من ألّف في أحكام القرآن لما قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ} فإنما أباح التّيّمم عند عدم كل جزء من ماء؛ لأنه لفظ مُنكر يتناول كل جزء منه، سواء كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه. ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء؛ فلما كان كذلك لم يجز التيمم مع وجوده. وهذا مذهب الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه؛ واستدلوا على ذلك بأخبار ضعيفة يأتي ذكرها في سورة «الفرقان»، وهناك يأتي القول في الماء إن شاء الله تعالى. الرابعة والثلاثون ـ قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ} التّيمّم مما خُصّت به هذه الأمّة توسعة عليها؛ قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : فُضِّلنا على الناس بثلاث جعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً » تفسير : فذكر الحديث. وقد تقدم ذكر نزوله، وذلك بسبب القِلادة حسبما بيّناه. وقد تقدّم ذكر الأسباب التي تبيحه، والكلام ها هنا في معناه لغة وشرعا، وفي صفته وكيفيته وما يتيمّم به وله، ومن يجوز له التّيمّم، وشروط التّيمّم إلى غير ذلك من أحكامه. فالتّيمّم لغة هو القصد. تيمّمت الشيء قصدته، وتيّممت الصعيد تعمدته، وتيمّمْتُه برُمحي وسهمي أي قصدته دون مَن سواه. وأنشد الخليل: شعر : يمّمته الرّمح شَزْرا ثم قلت له هذي البَسَالة لا لِعْب الزَّحاليق تفسير : قال الخليل: من قال في هذا البيت أممته فقد أخطأ؛ لأنه قال؛ «شَزْرا» ولا يكون الشزر إلا من ناحية ولم يقصد به أمامه. وقال امرؤ القيس: شعر : تيممتها من أذرِعاتٍ وأهلُها بَيثْرِب أدْنَى دارِها نظرٌ عالٍ تفسير : وقال أيضاً: شعر : تيمّمتِ العينَ التي عند ضارِجٍ يَفىءُ عليها الظلُّ عَرْمَضُها طامي تفسير : آخر: شعر : إنِّي كذاك إذا ما ساءني بلدٌ يمّمت بعيري غيره بلدا تفسير : وقال أعشى باهلة: شعر : تيممت قيساً وكم دونه من الأرض من مَهْمَهٍ ذي شزن تفسير : وقال حُميد بن ثَوْر: شعر : سِلِ الرَّبْعَ أنَّي يَمّمت أمَّ طارقٍ وهل عادةٌ للرّبِع أن يتكلّما تفسير : وللشافعي رضي الله عنه: شعر : عِلمي معي حيثما يمّمتُ أحمِله بطني وِعاءٌ له لا بطن صنْدوق تفسير : قال ابن السِّكّيت: قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} أي اقصِدوا؛ ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم مسحَ الوجه واليدين بالتراب. وقال ابن الأنباري في قولهم: «قد تيمم الرجل» معناه قد مسح التراب على وجهه ويديه. قلت: وهذا هو التيمم الشرعيّ، إذا كان المقصود به القُربة. ويممت المريض فتيمَّمَ للصلاة. ورجل مُيَمَّم يظفر بكلّ ما يطلب؛ عن الشيباني. وأنشد: شعر : إنا وجدنا أعْصُرَ بن سعد مُيَمَّم البيت رفيعَ المجدِ تفسير : وقال آخر: شعر : أزْهَر لم يولَد بِنجم الشُّحِّ مُيَمَّم البيت كريم السَّنْح تفسير : الخامسة والثلاثون ـ لفظ التيمم ذكره الّله تعالى في كتابه في «البقرة» وفي هذه السورة و «المائدة» والتي في هذه السورة هي آية التيمم. والله أعلم. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: هذه مُعْضِلة ما وجدت لدائها من دواء عند أحد؛ هما آيتان فيهما ذكر التيمم إحداهما في «النساء» والأخرى في «المائدة». فلا نعلم أيْة آية عَنَت عائشة بقولها: «فأنزل الله آية التيمم». ثم قال: وحديثها يدل على أن التيمم قبل ذلك لم يكن معلوما ولا مفعولا لهم. قلت: أما قوله: «فلا نعلم أيّة آية عَنَت عائشة» فهي هذه الآية على ما ذكرنا. والله أعلم. وقوله: «وحديثها يدل على أن التيمم قبل ذلك لم يكن معلوما ولا مفعولا لهم» فصحيح ولا خلاف فيه بين أهل السِّيرَ؛ لأنه معلوم أن غسل الجنابة لم يُفترض قبل الوضوء، كما أنه معلوم عند جميع أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ ٱفتُرِضت عليه الصلاة بمكة لم يُصَلّ إلا بوضوء مثل وضوئنا اليوم. فدل على أن آية الوضوء إنما نزلت ليكون فرضها المتقدّم متلُواً في التنزيل. وفي قوله: « حديث : فنزلت آية التيمم » تفسير : ولم يقل آية الوضوء ما يبين أن الذي طرأ لهم من العلم في ذلك الوقت حكم التيمم لا حكم الوضوء؛ وهذا بيّن لا إشكال فيه. السادسة والثلاثون ـ التيمم يلزم كل مكلّف لزمته الصلاة إذا عدِم الماء ودخل وقت الصلاة. وقال أبو حنيفة وصاحباه والمُزِني صاحب الشافعي: يجوز قبله؛ لأن طلب الماء عندهم ليس بشرطٍ قياسا على النافلة؛ فلما جاز التيمم للنافلة دون طلب الماء جاز أيضاً للفريضة. واستدلوا من السنة بقوله عليه السلام لأبي ذَرّ: « حديث : الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج » تفسير : . فسمى عليه السلام الصعيد وضوءا كما يسمّى الماء؛ فحكمه إذاً حكم الماء. والله أعلم. ودليلنا قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} ولا يقال: لم يجد الماء إلا لمن طلب ولم يجد. وقد تقدم هذا المعنى؛ ولأنها طهارةُ ضرورةٍ كالمستحاضة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : فأينما أدركتك الصلاة تيممت وصليت » تفسير : . وهو قول الشافعي وأحمد، وهو مروي عن علي وابن عمر وابن عباس. السابعة والثلاثون ـ وأجمع العلماء على أن التيمم لا يرفع الجنابة ولا الحدث، وأن المتيمم لهما إذا وجد الماء عاد جنباً كما كان أو مُحْدِثا؛ لقوله عليه السلام لأبي ذَرّ: « حديث : إذا وجدت الماء فأمسّه جلدك » تفسير : إلا شيء رُوِي عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، رواه ابن جُريج وعبد الحميد بن جُبير بن شيبة عنه؛ ورواه ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن حَرْملة عنه قال في الجنب المتيمم يجد الماء وهو على طهارته: لا يحتاج إلى غسل ولا وضوء حتى يُحدِث. وقد روى عنه فيمن تيمم وصلّى ثم وجد الماء في الوقت أنه يتوضأ ويعيد تلك الصلاة.قال ابن عبد البر: وهذا تناقض وقلّة رويّة، ولم يكن أبو سلمة عندهم يفقه كفقه أصحابه التابعين بالمدينة. الثامنة والثلاثون ـ وأجمعوا على أن من تيمم ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه، وعليه استعمال الماء. والجمهور على أن من تيمم وصلّى وفرغ من صلاته، وقد كان اجتهد في طلبه الماء ولم يكن في رَحلِه أن صلاته تامة لأنه أدّى فرضه كما أمر. فغير جائز أن توجب عليه الإعادة بغير حجة. ومنهم من استحب له أن يعيد في الوقت إذا توضأ واغتسل. ورُوِي عن طاووس وعطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزُّهري وربيعة كلهم يقول: يعيد الصلاة. وآستحب الأوزاعي ذلك وقال: ليس بواجب؛ لما رواه أبو سعيد الخُدْري قال: حديث : خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال للذي لم يُعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك» وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين»تفسير : . أخرجه أبو داود وقال: وغير (ابن) نافع يرويه عن اللّيث عن عميرة بن أبي ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذِكْر أبي سعيد في هذا الإسناد ليس بمحفوظ. وأخرجه الدّارَقُطْني وقال فيه؛ ثم وجد الماء بعد (في) الوقت. التاسعة والثلاثون ـ واختلف العلماء إذا وجد الماء بعد دخوله في الصلاة فقال مالك: ليس عليه قطع الصلاة واستعمالُ الماء ولِيُتِمّ صلاته وليتوضأ لما يُستقبل: وبهذا قال الشافعي واختاره ابن المُنْذر. وقال أبو حنيفة وجماعة منهم أحمد بن حنبل والمُزَني: يقطع ويتوضأ ويستأنف الصلاة لوجود الماء. وحجتهم أن التيمم لما بطل بوجود الماء قبل الصلاة فكذلك يبطل ما بقي منها، وإذا بطل بعضها بطل كلّها؛ لإجماع العلماء على أن المعتدة بالشهور لا يبقى عليها إلا أقلّها ثم تحيض أنها تستقبل عدّتها بالحيض. قالوا: والذي يطرأ عليه الماء وهو في الصلاة كذلك قياسا ونظرا. ودليلنا قوله تعالى: { أية : وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ } تفسير : [محمد: 33]. وقد اتفق الجميع على جواز الدخول في الصلاة بالتيمم عند عدم الماء، واختلفوا في قطعها إذا رؤي الماء؛ ولم تثبت سُنّة بقطعها ولا إجماع. ومن حجتهم أيضاً أن من وجب عليه الصوم في ظِهارٍ أو قتل فصام منه أكثره ثم وجد رقبة لا يلغي صومه ولا يعود إلى الرقبة. وكذلك من دخل في الصلاة بالتيمم لا يقطعها ولا يعود إلى الوضوء بالماء. الموفية أربعين ـ واختلفوا هل يُصلّى به صلوات أم يلزم التيمم لكل صلاة فرضٍ ونفل؛ فقال شُريك بن عبدالله القاضي: يتيمم لكل صلاة نافلة وفريضة. وقال مالك: لكل فريضة؛ لأن عليه أن يبتغي الماء لكل صلاة، فمن ابتغى الماء فلم يجده فإنه يتيمم. وقال أبو حنيفة والثوري والّليث والحسن بن حي وداود: يصلي ما شاء بتيمم واحد ما لم يحدث؛ لأنه طاهر ما لم يجد الماء، وليس عليه طلب الماء إذا يئس منه. وما قلناه أصح؛ لأن الله عز وجل أوجب على كل قائم إلى الصلاة طلب الماء، وأوجب عند عدمه التيمم لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت، فهي طهارة ضرورةٍ ناقصةٌ بدليل إجماع المسلمين على بطلانها بوجود الماء وإن لم يحدث؛ وليس كذلك الطهارة بالماء. وقد ينبني هذا الخلاف أيضاً في جواز التيمم قبل دخول الوقت؛ فالشافعي وأهل المقالة الأولى لا يجوّزونه؛ لأنه لما قال الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ} ظهر منه تعلّق أجزاء التيمم بالحاجة، ولا حاجة قبل الوقت. وعلى هذا لا يصلّى فرضين بتيمم واحد، وهذا بيّن. واختلف علماؤنا فيمن صلّى صلاتي فرض بتيمم واحد؛ فروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: يعيد الثانية ما دام في الوقت. وروى أبو زيد بن أبي الغمر عنه: يعيد أبداً. وكذلك رُوِي عن مُطَرِّف وابن الماجِشون يعيد الثانية أبداً. وهذا الذي يناظر عليه أصحابنا؛ لأن طلب الماء شرط. وذكر ابن عَبْدُوس أن ابن نافع روى عن مالك في الذي يجمع بين الصلاتين أنه يتيمم لكل صلاة. وقال أبو الفرج فيمن ذكر صلواتٍ: إنْ قضاهن بتيمم واحد فلا شيء عليه وذلك جائز له. وهذا على أن طلب الماء ليس بشرط. والأوّل أصح. والله أَعلم. الحادية والأربعون ـ قوله تعالى: {صَعِيداً طَيِّباً} الصعيد: وجه الأرض كان عليه تراب أو لم يكن؛ قاله الخليل وابن الأعرابي والزجاج. قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل اللغة، قال الله تعالى: { أية : وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تفسير : [الكهف: 8] أي أرضا غليظة لا تنبت شيئاً. وقال تعالى: { أية : فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً } تفسير : [الكهف: 40]. ومنه قول ذي الرمة: شعر : كأنّه بالضّحَى ترمي الصعِيدَ به دبّابة في عظام الرأس خُرْطُومُ تفسير : وإنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يُصْعَد إليه من الأرض. وجمع الصعيد صُعُدات؛ ومنه الحديث: « حديث : إياكم والجلوسَ في الصُعدات » تفسير : . واختلف العلماء فيه من أجل تقييده بالطيبَّ؛ فقالت طائفة: يتيمم بوجه الأرض كله ترابا كان أو رملا أو حجارة أو معدنا أو سَبخة. هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والثوري والطبري. «وطيبا» معناه طاهرا. وقالت فرقة: «طيبا» حلالا؛ وهذا قلق. وقال الشافعي وأبو يوسف: الصعيد للتراب المنبت وهو الطيب؛ قال الله تعالى: { أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ } تفسير : [الأعراف: 58] فلا يجوز التيمم عندهم على غيره. وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلاّ على تراب ذي غُبار. وذكر عبدالرزاق عن ابن عباس أنه سئل أي الصعيد أطيب؟ فقال الحَرْث. قال أبو عمر: وفي قول ابن عباس هذا ما يدل على أن الصعيد يكون غير أرض الحرث. وقال علي رضي الله عنه: هو التراب خاصة. وفي كتاب الخليل: تيمم بالصعيد، أي خذ من غباره؛ حكاه ابن فارس. وهو يقتضي التيمم بالتراب فإن الحجر الصّلد لا غبار عليه. وقال الكِيَا الطبري: واشترط الشافعي أن يَعْلَق التراب باليد ويتيمم به نقلا إلى أعضاء التيمم، كالماء ينقل إلى أعضاء الوضوء. قال الكِيَا: ولا شك أن لفظ الصعيد ليس نصا فيما قاله الشافعي، إلاّ أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : جُعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً » تفسير : بيّن ذلك. قلت: فاستدل أصحاب هذه المقالة بقوله عليه السلام: « حديث : وجعلت تربتها لنا طهوراً » تفسير : وقالوا: هذا من باب المُطْلَق والمُقَيَّد وليس كذلك، وإنما هو من باب النصّ على بعض أشخاص العموم كما قال تعالى: { أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } تفسير : [الرحمن: 68] وقد ذكرناه في «البقرة» عند قوله { أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } تفسير : [البقرة: 98]. وقد حكى أهل اللغة أن الصعيد اسم لوجه الأرض كما ذكرنا، وهو نصّ القرآن كما بينا، وليس بعد بيان الله بيان. حديث : وقال صلى الله عليه وسلم للجنب: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» تفسير : وسيأتي. فـ «صَعِيداً» على هذا ظرف مكان. ومن جعله للتراب فهو مفعول به بتقدير حذف الباء أي بصعيد. و «طيبا» نعت له. ومن جعل «طيبا» بمعنى حلالاً نصبه على الحال أو المصدر. الثانية والأربعون ـ وإذا تقرّر هذا فاعلم أن مكان الإجماع مما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر غير منقول ولا مغصوب. ومكان الإجماع في المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصِّرف والفضة والياقوت والزُّمُرُّد والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، أو على النجاسات. واختلف في غير هذا كالمعادن؛ فأجيز وهو مذهب مالك وغيره. ومُنع وهو مذهب الشافعي وغيره. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَادَ: ويجوز عند مالك التيمم على الحشيش إذا كان دون الأرض، واختلف عنه في التيمم على الثلج ففي المدوّنة والمبسوط جوازه، وفي غيرهما منعه. واختلف المذهب في التيمم على العُود؛ فالجمهور على المنع. وفي مختصر الوَقَار أنه جائز. وقيل: بالفرق بين أن يكون منفصلا أو متصلا فأجيز على المتصل ومنع في المنفضل. وذكر الثعلبي أن مالكا قال: لو ضرب بيده على شجرة ثم مسح بها أجزأه. قال: وقال الأوْزاعي والثَّوْرِي: يجوز بالأرض وكل ما عليها من الشجر والحجر والمَدَر وغيرها، حتى قالا: لو ضرب بيده على الجَمَد والثلج أجزأه. قال ابن عطية: وأما التراب المنقول من طين أو غيره فجمهور المذهب على جواز التيمم به، وفي المذهب المنع وهو في غير المذهب أكثر، وأما ما طُبِخ كالجصّ والآجُرّ ففيه في المذهب قولان: الإجازة والمنع؛ وفي التيمم على الجدار خلاف. قلت: والصحيح الجواز لحديث أبي جُهيم بن الحارث بن الصَّمّة الأنصاري قال: « حديث : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقِيه رجل فسلم عليه، فلم يردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم ردّ عليه السلام » تفسير : . أخرجه البخاري. وهو دليل على صحة التيمم بغير التراب كما يقوله مالك ومن وافقه. ويردّ على الشافعي ومن تابعه في أن الممسوح به تراب طاهر ذو غبار يَعلَق باليد. وذكر النقّاش عن ابن عُلَيّة وابن كَيْسان أنهما أجازا التيمم بالمِسْك والزّعفران. قال ابن عطية: هذا خطأ بَحْت من جهات. قال أبو عمر: وجماعة العلماء على إجازة التيمم بالسباخ إلا إسحاق بن رَاهْوَيْه. ورُوي عن ابن عباس فيمن أدركه التيمم وهو في طين قال يأخذ من الطين فيطلي به بعض جسده، فإذا جفّ تيمم به. وقال الثَوْرِي وأحمد: يجوز التيمم بغبار الِّلبد. قال الثعلبي: وأجاز أبو حنيفة التيمّم بالكُحْل والزِّرنيخ والنُّورة والجص والجوهر المسحوق. قال: فإذا تيمم بسُحالة الذهب والفضة والصُّفر والنحاس والرصاص لم يجزه؛ لأنه ليس من جنس الأرض. الثالثة والأربعون ـ قوله تعالى؛ {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} المسح لفظ مشترك يكون بمعنى الجماع، يقال: مسح الرجل المرأة إذا جامعها. والمسح: مسح الشيء بالسيف وقطعه به. ومسحت الإبل يومها إذا سارت. والمسحاء المرأة الرسحاء التي لا آسْت لها. وبفلان مَسْحة من جمالٍ. والمراد هنا بالمسح عبارةٌ عن جرّ اليد على الممسوح خاصّة فإن كان بآلة فهو عبارة عن نقل الآلة إلى اليد وجرها على الممسوح، وهو مقتضى قوله تعالى: في آية المائدة: { أية : فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ } تفسير : [المائدة: 6]. فقوله «منه» يدل على أنه لا بدّ من نقل التراب إلى محل التيمم. وهو مذهب الشافعي ولا نشترطه نحن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وضع يديه على الأرض ورفَعهما نفخ فيهما؛ وفي رواية؛ نفض. وذلك يدل على عدم اشتراط الآلة؛ يوضّحه تيممه على الجدار. قال الشافعي: لما لم يكن بُدٌّ في مسح الرأس بالماء من بَلَلٍ ينقل إلى الرأس، فكذلك المسح بالتراب لا بُدّ من النقل. ولا خلاف في أن حكم الوجه في التيمم والوضوء الاستيعابُ وتتبع مواضعه وأجاز بعضهم ألا يتتبّع كالغضون في الخفّيْن وما بين الأصابع في الرأس، وهو في المذهب قول محمد بن مسلمة؛ حكاه ابن عطية: وقال الله عز وجل: {بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} فبدأ بالوجه قبل اليدين وبه قال الجمهور. ووقع في البُخاري من حديث عمّار في «باب التيمم ضربة» ذِكْرُ اليدين قبل الوجه. وقاله بعض أهل العلم قياسا على تنكيس الوضوء. الرابعة والأربعون ـ واختلف العلماء أين يبلغ بالتيمم في اليدين؛ فقال ابن شهاب: إلى المناكب. رُوِي عن أبي بكر الصديق. وفي مصنّف أبي داود عن الأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح إلى أنصاف ذراعيه. قال ابن عطية: ولم يقل أحد بهذا الحديث فيما حفظت. وقيل: يبلغ به إلى المرفقين قياسا على الوضوء. وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما والثَّوري وابن أبي سلمة والّليث كلهم يرون بلوغ المرفقين بالتيمم فرضا واجبا. وبه قال محمد بن عبدالله بن عبد الحكم وابن نافع، وإليه ذهب إسماعيل القاضي. قال ابن نافع: من تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة أبداً. وقال مالك في المدوّنة: يعيد في الوقت. ورَوى التيمّم إلىٰ المرفقين عن النبي صلى الله عليه وسلم جابرُ بن عبدالله وابن عمر وبه كان يقول. قال الَّدارَقُطْني: سئل قتادة عن التيمم في السفر فقال: كان ابن عمر يقول إلىٰ المرفقين. وكان الحسن وإبراهيم النَّخَعِي يقولان إلى المرفقين. قال: وحدّثني محدِّث عن الشَّعْبي عن عبدالرحمن بن أبْزَى عن عَمّار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إلى المرفقين » تفسير : . قال أبو إسحاق: فذكرته لأحمد بن حنبل فعجب منه وقال ما أحسَنَه!. وقالت طائفة؛ يبلغ به إلى الكوعين وهما الرّسغان. رُوي عن علي بن أبي طالب والأوزاعيّ وعطاء والشّعْبي في رواية، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن رَاهْوَيه وداود بن علي والطبري. ورُوي عن مالك وهو قول الشافعي في القديم. وقال مَكْحُول: اجتمعتُ أنا والزُّهرِي فتذاكرنا التيمم فقال الزُّهْري: المسح إلى الآباط. فقلت: عمن أخذت هذا؟ فقال: عن كتاب الله عز وجل، إن الله تعالى يقول: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} فهي يد كلها. قلت له: فإن الله تعالى يقول: { أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا } تفسير : [المائدة: 38] فمن أين تقطع اليد؟ قال: فخصمته. وحُكي عن الدّراوَرْدِي أن الكوعين فرض والآباط فضيلة. قال ابن عطية: هذا قول لا يعضده قياس ولا دليل وإنما عمم قوم لفظ اليد فأوجبوه من المنكب: وقاس قوم على الوضوء فأوجبوه من المرافق وههنا جمهور الأمة، ووقف قوم مع الحديث في الكوعين، وقِيس أيضاً على القطع إذ هو حكم شرعي وتطهير كما هذا تطهير، ووقف قوم مع حديث عمّار في الكفين. وهو قول الشّعْبي. الخامسة والأربعون ـ واختلف العلماء أيضاً هل يكفي في التيمم ضربةٌ واحدة أم لا؟ فذهب مالك في المدّونة أن التيمم بضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين؛ وهو قول الأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم، والثّوْري والّليث وابن أبي سلمة. ورواه جابر بن عبدالله وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن أبي الجهم؛ التيمم بضربة واحدة. ورُوي عن الأوزاعي في الأشهر عنه؛ وهو قول عطاء والشعبي في رواية. وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وداود والطبري. وهو أثبت ما روي في ذلك من حديث عمار. قال مالك في كتاب محمد: إن تيمم بضربة واحدة أجزأه. وقال ابن نافع: يعيد أبداً. قال أبو عمر وقال ابن أبي لَيْلَى والحسن بن حّي: ضربتان؛ يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه. ولم يقل بذلك أحد من أهل العلم غيرهما. قال أبو عمر: لما اختلفت الآثار في كيفية التيمم وتعارضت كان الواجب في ذلك الرجوع إلى ظاهر الكتاب، وهو يدل على ضربتين ضربة للوجه، ولليدين أخرى إلى المرفقين، قياسا على الوضوء واتباعاً لفعل ابن عمر؛ فإنه من لا يدفع علمه بكتاب الله. ولو ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء وجب الوقوف عنده. وبالله التوفيق. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} أي لم يزل كائناً يقبل العفو وهو السهل، ويغفر الذنب أي يستر عقوبته فلا يعاقب.
ابن كثير
تفسير : ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محالها التي هي المساجد للجنب، إلا أن يكون مجتازاً من باب إلى باب من غير مكث، وقد كان هذا قبل تحريم الخمر؛ كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: {أية : يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} تفسير : [البقرة: 219] الآية؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها على عمر، فقال: حديث : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياًتفسير : ، فلما نزلت هذه الآية، تلاها عليه، فقال: حديث : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياًتفسير : ، فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات، فلما نزل قوله: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [المائدة: 90] إلى قوله تعالى: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا انتهينا. وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر، فذكر الحديث، وفيه: فنزلت الآية التي في النساء: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامت الصلاة ينادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، لفظ أبي داود. ذكروافي سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت فيَّ أربع آيات، صنع رجل من الأنصار طعاماً، فدعا أناساً من المهاجرين وأناساً من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجل لَحْىَ بعير ففزر به أنف سعد، فكان سعد مفزور الأنف، وذلك قبل تحريم الخمر، فنزلت {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ} الآية، والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة، ورواه أهل السنن إلا ابن ماجه من طرق عن سماك به. (سبب آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثنا أبو جعفر عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموا فلاناً، قال فقرأ: قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} هكذا رواه ابن أبي حاتم، وكذا رواه الترمذي عن عبد ابن حميد، عن عبد الرحمن الدشتكي به، وقال: حسن صحيح. وقد رواه ابن جرير عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي: أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر، شربوا الخمر فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ {قل يا أيها الكافرون} فخلط فيها، فنزلت {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ} وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري به، ورواه ابن جرير أيضاً عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كان علي في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عبد الرحمن بن عوف، فطعموا فأتاهم بخمر فشربوا منها، وذلك قبل أن يحرم الخمر، فحضرت الصلاة فقدموا علياً فقرأ بهم {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [الكافرون:1] فلم يقرأها كما ينبغي، فأنزل الله عز وجل {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ} ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن حبيب وهو أبو عبد الرحمن السلمي: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً، فدعا نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم المغرب، فقرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين، فأنزل الله عز وجل هذه الآية {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} وقال العوفي عن ابن عباس في الآية: إن رجالاً كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن يحرم الخمر، فقال الله {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ} الآية، رواه ابن جرير، وكذا قال أبو رزين ومجاهد. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات ثم نسخ بتحريم الخمر. وقال الضحاك في الآية: لم يعن بها سكر الخمر وإنما عنى بها سكر النوم، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ثم قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب، قال: ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب، لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف، وهذا حاصل ما قاله، وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري ما يقال له فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائماً، والله أعلم، وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك. وقوله {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} هذا أحسن ما يقال في حد السكران أنه الذي لا يدري ما يقول، فإن المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أيوب عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، ورواه هو والنسائي من حديث أيوب به. وفي بعض ألفاظ الحديث «حديث : فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» تفسير : وقوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، أخبرنا أبو جعفر الرازي عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب، إلا عابري سبيل، قال: تمر به مراً، ولا تجلس، ثم قال: وروي عن عبد الله بن مسعود، وأنس، وأبي عبيدة، وسعيد بن المسيب، وأبي الضحى، وعطاء، ومجاهد، ومسروق، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، وأبي مالك، وعمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة، وعكرمة، والحسن البصري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن شهاب، وقتادة نحو ذلك، وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن قول الله عز وجل {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ} أن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، فيردون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد، فأنزل الله {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ} ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب رحمه الله، ما ثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «حديث : سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر» تفسير : وهذا قاله في آخر حياته صلى الله عليه وسلم علماً منه أن أبا بكر رضي الله عنه سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيراً للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد، إلا بابه رضي الله عنه، ومن روى إلا باب علي، كما وقع في بعض السنن فهو خطأ، والصواب ما ثبت في الصحيح. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضاً، في معناه، إلا أن بعضهم قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث، ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور، جاز لهما المرور، وإلا فلا. وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ناوليني الخمرة من المسجد» تفسير : فقلت: إني حائض، فقال «حديث : إن حيضتك ليست في يدك» تفسير : وله عن أبي هريرة مثله، ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها، والله أعلم، وروى أبو داود من حديث أفلت بن خليفة العامري، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب»تفسير : ، قال أبو مسلم الخطابي: ضعف هذا الحديث جماعة وقالوا: أفلت مجهول، لكن رواه ابن ماجه، من حديث أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن جسرة، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم به، قال أبو زرعة الرازي: يقولون: جسرة، عن أم سلمة، والصحيح جسرة عن عائشة، فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي من حديث سالم بن أبي حفصة عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا علي لا يحل لأحد أن يجنب، في هذا المسجد غيري وغيرك» تفسير : فإنه حديث ضعيف لا يثبت، فإن سالماً هذا متروك، وشيخه عطية ضعيف، والله أعلم. (حديث آخر) في معنى الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرني ابن أبي ليلى عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ} قال: لا يقرب الصلاة، إلا أن يكون مسافراً تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء فيصلي، حتى يجد الماء، ثم رواه من وجه آخر عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن علي بن أبي طالب، فذكره. قال: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات، وسعيد بن جبير والضحاك، نحو ذلك. وقد روى ابن جرير، من حديث وكيع، عن ابن أبي ليلى عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، أو عن زر بن حبيش عن علي، فذكره. ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز: عن ابن عباس، فذكره. ورواه عن سعيد بن جبير، وعن مجاهد، والحسن بن مسلم، والحكم بن عتيبة، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن مثل ذلك. وروى من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير، قال: كنا نسمع أنه في السفر. ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي قلابة عن عمر بن بُجْدان، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإن ذلك خير لك» تفسير : ثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين: والأولى قول من قال {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ} أي إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب، في قوله {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} إلى آخره، فكان معلوماً بذلك أن قوله {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} لو كان معنياً به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} معنى مفهوم، وقد مضى حكم ذكره قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها، وأنتم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضاً جنباً، حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل، قال: والعابر السبيل: المجتاز مراً وقطعاً، يقال منه: عبرت هذا الطريق، فأنا أعبره عبرا وعبوراً، ومنه يقال عبر فلان النهر، إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار، هي عبر الأسفار لقوتها على قطع الأسفار، وهذا الذي نصره، هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة، ولمحلها أيصاً، والله أعلم. وقوله {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة ومالك والشافعي، أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقه، وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب، جاز له المكث في المسجد؛ لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد، هو الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضأوا وضوء الصلاة. وهذا إسناد على شرط مسلم، والله أعلم. وقوله {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} أما المرض المبيح للتيمم، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء، فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء، ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض، لعموم الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس، عن خُصَيْف عن مجاهد في قوله {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ} قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضاً فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية، هذا مرسل والسفر معروف، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير، وقوله {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر، وأما قوله {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} فقرىء لمستم ولامستم، واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين: (أحدهما): أن ذلك كناية عن الجماع؛ لقوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} وقال تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} قال: الجماع. وروي عن علي وأبي بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد ابن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان، نحو ذلك، وقال ابن جرير: حدثني حميد بن مسعدة، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس فقلت له: إن ناساً من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع، قال: فمن أي الفريقين كنت؟ قلت: كنت من الموالي، قال: غُلب فريق الموالي. إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء، ثم رواه عن ابن بشار، عن غندر، عن شعبه به نحوه، ثم رواه من غير وجه، عن سعيد بن جبير نحوه. ومثله قال: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، قال حدثنا أبو بشر: أخبرنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: اللمس والمس والمباشرة: الجماع ولكن الله يكني بما يشاء، حدثنا عبد الحميد بن بيان، أنبأنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: الملامسة: الجماع، ولكن الله كريم يكني بما يشاء، وقد صح من غير وجه، عن عبد الله بن عباس، أنه قال ذلك، ثم رواه ابن جرير: عن بعض من حكاه ابن أبي حاتم عنهم، ثم قال ابن جرير وقال آخرون: عنى الله تعالى بذلك كل لمس بيد أو بغيرها من أعضاء الإنسان، وأوجبوا الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئاً من جسدها مفضياً إليه، ثم قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود، قال: اللمس ما دون الجماع، وقد رواه من طرق متعددة، عن ابن مسعود بمثله، وروى من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: القبلة من المس وفيها الوضوء. وروى الطبراني بإسناده، عن عبد الله بن مسعود، قال: يتوضأ الرجل من المباشرة ومن اللمس بيده، ومن القبلة، وكان يقول في هذه الآية {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} هو الغمز، وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة، ويرى فيها الوضوء، ويقول: هي من اللماس. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير أيضاً: من طريق شعبة عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله، قال: اللمس ما دون الجماع، ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر، وعبيدة، وأبي عثمان النهدي، وأبي عبيدة يعني ابن عبد الله بن مسعود، وعامر الشعبي، وثابت بن الحجاج، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، نحو ذلك، (قلت) وروى مالك، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أوجسها بيده، فعليه الوضوء، وروى الحافظ أبوالحسن الدار قطني في سننه: عن عمر بن الخطاب نحو ذلك، ولكن روينا عنه من وجه آخر: أنه كان يقبل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ، فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه، على الاستحباب، والله أعلم. والقول بوجوب الوضوء من المس، هو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن أحمد بن حنبل رحمهم الله، قال ناصر هذه المقالة: قد قرىء في هذه الآية لامستم ولمستم، واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد، قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} أي جسوه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماعز حين أقر بالزنا، يعرّض له بالرجوع عن الإقرار: «حديث : لعلك قبلت أو لمست»تفسير : ، وفي الحديث الصحيح «حديث : واليد زناها اللمس»تفسير : ، وقالت عائشة رضي الله عنها: قلّ يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يطوف علينا، فيقبل ويلمس، ومنه ما ثبت في الصحيحين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملامسة، وهو يرجع إلى الجس باليد، على كلا التفسيرين، قالوا: ويطلق في اللغة على الجس باليد، كما يطلق على الجماع، قال الشاعر:شعر : وَلَمَست كَفي كَفَّهُ أَطْلُبُ الغِنَى تفسير : واستأنسوا أيضاً بالحديث الذي رواه أحمد، حدثنا عبد الله بن مهدي، وأبو سعيد، قالا: حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، وقال أبو سعيد: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا أتاه منها، غير أنه لم يجامعها، قال: فأنزل الله عز وجل هذه الآية {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : توضأ ثم صل» تفسير : قال معاذ: فقلت: يا رسول الله، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال «حديث : بل للمؤمنين عامة»تفسير : ، ورواه الترمذي من حديث زائدة به، وقال: ليس بمتصل، ورواه النسائي: من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، مرسلاً، قالوا: فأمره بالوضوء، لأنه لمس المرأة ولم يجامعها، وأجيب بأنه منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ، فإنه لم يلقه، ثم يحتمل أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة، كما تقدم في حديث الصديق: «حديث : ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له» تفسير : الحديث، وهو مذكور في سورة آل عمران، عند قوله {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} الآية، ثم قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} الجماع، دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قبَّل بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم قال: حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، ثم يقبل ثم يصلي، ولا يتوضأ، ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت، وهكذا رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، عن جماعة من مشايخهم، عن وكيع به، ثم قال أبو داود: روي عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، وقال يحيى القطان لرجل: احك عني أن هذا الحديث شبه لا شيء، وقال الترمذي: سمعت البخاري يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة، وقد وقع في رواية ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، عن الأعمش، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، وأبلغ من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده: من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهذا نص في كونه عروة بن الزبير، ويشهد له قوله: من هي إلا أنت فضحكت، لكن روى أبو داود عن إبراهيم بن مخلد الطالقاني، حدثنا وكيع: حدثنا سفيان، عن أبي روق الهمداني عن عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، قال: حدثنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة، فذكره، والله أعلم. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا أبو زيد، عمر بن شَبَّةَ عن شهاب بن عباد، حدثنا مندل بن علي، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة، وعن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينال مني القبلة بعد الوضوء، ثم لا يعيد الوضوء، وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي روق الهمداني، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّل ثم صلى ولم يتوضأ، رواه أبو داود والنسائي، من حديث يحيى القطان، زاد أبو داود: وابن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري به. ثم قال أبو داود والنسائي: لم يسمع إبراهيم التيمي من عائشة، ثم قال ابن جرير أيضاً: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن سنان، عن عبد الرحمن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم، ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءاً. وقال أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ. وقد رواه الإمام أحمد، عن محمد بن فضيل، عن حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم به، وقوله تعالى: {فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء، فمتى طلبه فلم يجده، جاز له حينئذ التيمم، وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو في الصحيحين من حديث عمران بن حصين: أن رسول الله رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم، فقال حديث : يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست برجل مسلم تفسير : قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء، قال حديث : عليك بالصعيد فإنه يكفيك تفسير : ولهذا قال تعالى: {فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} فالتيمم في اللغة، هو القصد، تقول العرب: تيممك الله بحفظه، أي قصدك، ومنه قول امرىء القيس شعراً:شعر : وَلَمَّاَ رَأَتْ أنَّ المَنِيَّةَ وِرْدُها وأَنَّ الحَصى من تَحْتِ أَقْدامِها دامِ تَيَمَّمَتِ العَيْنَ التي عندَ ضارجٍ يَفيءُ عليها الفَيْءُ عَرْمَضُها طامِ تفسير : والصعيد قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل والشجر والحجر والنبات، وهو قول مالك، وقيل: ما كان من جنس التراب، كالرمل والزرنيخ والنورة، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقيل: هو التراب فقط، وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما، واحتجوا بقوله تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} أي تراباً أملس طيباً، وبما ثبت في "صحيح مسلم"، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» تفسير : وفي لفظ «حديث : وجعل ترابها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» تفسير : قالوا: فخصص الطهورية بالتراب، في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه، والطيب ههنا قيل: الحلال، وقيل: الذي ليس بنجس، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، إلا ابن ماجه من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده فليمسه بشرته فإن ذلك خير» تفسير : وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان أيضاً، ورواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده، عن أبي هريرة وصححه الحافظ أبو الحسن القطان، وقال ابن عباس: أطيب الصعيد تراب الحرث، رواه ابن أبي حاتم، ورفعه ابن مردويه في تفسيره، وقوله: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال: أحدها وهو مذهب الشافعي في الجديد: أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين، لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة {فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} قالوا: وحمل ما أطلق ههنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية، وذكر بعضهم: ما رواه الدارقطني عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» تفسير : ولكن لا يصح، لأن في أسانيده ضعفاء، لا يثبت الحديث بهم، وروى أبو داود عن ابن عمر، في حديث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبدي، وقد ضعفه بعض الحفاظ، ورواه غيره من الثقات، فوقفوه على فعل ابن عمر، قال البخاري وأبو زرعة وابن عدي: وهو الصواب، وقال البيهقي: رفع هذا الحديث منكر، واحتج الشافعي بما رواه عن إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن الصمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح وجهه وذراعيه. وقال ابن جرير: حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم ابن حماد، حدثنا خارجة بن مصعب، عن عبد الله ابن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول، فسلمت عليه، فلم يرد عليّ حتى فرغ، ثم قام إلى الحائط فضرب بيديه عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه على الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم رد علي السلام. والقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو قول الشافعي في القديم. والثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلاً أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال عمر: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: «حديث : إنما كان يكفيك، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده الأرض، ثم نفخ فيها، ومسح بها وجهه وكفيه» تفسير : وقال أحمد أيضاً: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التيمم: «حديث : ضربة للوجه والكفين».تفسير : (طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، عن سليمان الأعمش، حدثنا شقيق، قال: كنت قاعداً مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى لعبد الله: لو أن رجلاً لم يجد الماء لم يصل؟ فقال عبد الله: لا، فقال أبو موسى: أما تذكر إذ قال عمار لعمر: ألا تذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإياك في إبل، فأصابتني جنابة، فتمرغت في التراب، فلما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : إنما كان يكفيك أن تقول هكذا» تفسير : وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعاً، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة؟ فقال عبد الله: لا جرم، ما رأيت عمر قنع بذاك، قال: فقال له أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة النساء {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}؟ قال: فما درى عبد الله ما يقول، وقال: لو رخصنا لهم في التيمم لأوشك أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم. وقال تعالى في آية المائدة: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} استدل بذلك الشافعي، على أنه لا بد في التيمم، أن يكون بتراب طاهر، له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء، كما روى الشافعي بإسناده المتقدم عن ابن الصمة: أنه مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى قام إلى جدار، فحته بعصا كانت معه، فضرب بيده عليه، ثم مسح وجهه وذراعيه. وقوله: {أية : مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} تفسير : [المائدة: 6] أي: في الدين الذي شرعه لكم {أية : وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} تفسير : [المائدة: 6] فلهذا أباح لكم، إذا لم تجدوا الماء، أن تعدلوا إلى التيمم بالصعيد، {أية : وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [المائدة: 6] ولهذا كانت هذه الأمة مخصوصة بمشروعية التيمم، دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحين، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" ــ وفي لفظ: "فعنده طهوره ومسجده وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس كافة» تفسير : وتقدم في حديث حذيفة عند مسلم: «حديث : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجداً وتربتها طهوراً إذا لم نجد الماء» تفسير : وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} أي: ومن عفوه عنكم وغفرانه لكم، أن شرع لكم التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به، إذا فقدتم الماء؛ توسعة عليكم، ورخصة لكم، وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة، أن تفعل على هيئة ناقصة، من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ، إلا أن يكون مريضاً أو عادماً للماء، فإن الله عز وجل قد أرخص في التيمم، والحالة هذه؛ رحمة بعباده، ورأفة بهم، وتوسعة عليهم، ولله الحمد والمنة. (ذكر سبب نزول مشروعية التيمم) وإنما ذكرنا ذلك ههنا لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتّم تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير، يقال: في محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير، وأما المائدة فإنها من أواخر ما نزل، ولا سيما صدرها، فناسب أن يذكر السبب ههنا، وبالله الثقة. قال أحمد: حدثنا ابن نمير عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فشكوا ذلك إلى رسول الله، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن الحضير لعائشة: جزاك الله خيراً، فو الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً. (طريق أخرى) قال البخاري: حدثنا عبد الله ابن يوسف، أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء؟ قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته. وقد رواه البخاري أيضاً عن قتيبة وإسماعيل، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن صالح قال: قال ابن شهاب: حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش، ومعه زوجته عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها، وذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله على رسوله رخصة التطهير بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط. وقد رواه ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا صيفي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه رخصة المسح بالصعيد الطيب، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة، نزلت فيك رخصة، فضربنا بأيدينا: ضربة لوجوهنا، وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط. (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا العباس بن أبي سَويَّة، حدثني الهيثم بن رُزيق المالكي من بني مالك بن كعب بن سعد، وعاش مائة وسبع عشرة سنة، عن أبيه، عن الأسلع بن شريك، قال: كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلاً من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجاراً فأسخنت بها ماء فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال: «حديث : يا أسلع ما لي أرى رحلتك قد تغيرت»تفسير : ؟ قلت: يا رسول الله، لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار، قال: «حديث : ولم» تفسير : ؟ قلت: إني أصابتني جنابة، فخشيت القر على نفسي، فأمرته أن يرحلها، ورضفت أحجاراً فأسخنت بها ماء فاغتلست به، فأنزل الله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} وقد روي من وجه آخر عنه.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } أي لا تُصَلُّوا {وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ } من الشراب لأن سبب نزولها صلاة جماعة في حال السكر {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } بأن تَصْحُوا {وَلاَ جُنُباً } بإيلاج أو إنزال ونصبه على الحال وهو يطلق على المفرد وغيره {إِلاَّ عَابِرِى } مجتازي {سَبِيلٍ } طريق أي مسافرين {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ } فلكم أن تصلوا واستثناء المسافر لأنّ له حكماً آخر سيأتي وقيل المراد النهي عن قربان مواضع الصلاة أي المساجد إلا عبورها من غير مكث {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ } مرضاً يضرّه الماء {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } أي مسافرين وأنتم جنب أو مُحْدِثُونَ {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ } هو المكان المعدّ لقضاء الحاجة أي أحدث {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء } وفي قراءة(لمستم) بلا ألف وكلاهما بمعنى اللمس وهو الجس باليد قاله ابن عمر وعليه الشافعي وأُلحِقَ به الجَسُ بباقي البشرة وعن ابن عباس: هو الجماع {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً } تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش وهو راجع إلى ما عدا المرضى {فَتَيَمَّمُواْ } اقصدوا بعد دخول الوقت {صَعِيداً طَيّباً } تراباً طاهراً فاضربوا به ضربتين {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } مع المرفقين منه و «مسح» يتعدّى بنفسه وبالحرف {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {يا أيها الذين آمنوا} جعل الخطاب خاصاً بالمؤمنين؛ لأنهم كانوا يقربون الصلاة حال السكر، وأما الكفار، فهم لا يقربونها سكارى ولا غير سكارى. قوله: {لاَ تَقْرَبُواْ } قال أهل اللغة: إذا قيل: لا تقرب بفتح الراء معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه: لا تدن منه. والمراد هنا: النهي عن التلبس بالصلاة، وغشيانها. وبه قال جماعة من المفسرين، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال آخرون المراد: مواضع الصلاة، وبه قال الشافعي. وعلى هذا فلا بدّ من تقدير مضاف، ويقوّي هذا قوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } وقالت طائفة: المراد الصلاة ومواضعها معاً؛ لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة، ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين. قوله: {وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } الجملة في محل نصب على الحال، وسكارى جمع سكران، مثل كسالى جمع كسلان. وقرأ النخعي: «سكرى» بفتح السين، وهو تكسير سكران. وقرأ الأعمش: «سُكْرى» كحبلى صفة مفردة. وقد ذهب العلماء كافة إلى أن المراد بالسكر هنا: سكر الخمر، إلا الضحاك، فإنه قال: المراد سكر النوم. وسيأتي بيان سبب نزول الآية، وبه يندفع ما يخالف الصواب من هذه الأقوال. قوله: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } هذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر، أي: حتى يزول عنكم أثر السكر، وتعلموا ما تقولونه، فإن السكران لا يعلم ما يقوله، وقد تمسك بهذا من قال: إن طلاق السكران لا يقع؛ لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد. وبه قال عثمان بن عفان، وابن عباس، وطاوس، وعطاء، والقاسم، وربيعة، وهو قول الليث بن سعد، وإسحاق، وأبي ثور، والمزني. واختاره الطحاوي، وقال: أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس. وأجازت طائفة وقوع طلاقه، وهو محكيّ عن عمر ابن الخطاب، ومعاوية، وجماعة من التابعين، وهو: قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي. واختلف قول الشافعي في ذلك. وقال مالك: يلزمه الطلاق، والقود في الجراح، والقتل، ولا يلزمه النكاح، والبيع. قوله: {وَلاَ جُنُباً } عطف على محل الجملة الحالية، وهي قوله: {وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } والجنب لا يؤنث، ولا يثنى، ولا يجمع؛ لأنه ملحق بالمصدر كالبعد والقرب. قال الفراء: يقال جنب الرجل، وأجنب من الجنابة. وقيل: يجمع الجنب في لغة على أجناب، مثل عنق، وأعناق، وطنب، وأطناب. وقوله: {إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } استثناء مفرّغ، أي: لا تقربوها في حال من الأحوال إلا في حال عبور السبيل. والمراد به هنا: السفر، ويكون محل هذا الاستثناء المفرّغ النصب على الحال من ضمير لا تقربوا بعد تقييده بالحال الثانية، وهي قوله: {وَلاَ جُنُباً } لا بالحال الأولى، وهي قوله: {وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } فيصير المعنى: لا تقربوا الصلاة حال كونكم جنباً إلا حال السفر، فإنه يجوز لكم أن تصلوا بالتيمم، وهذا قول عليّ، وابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والحكم، وغيرهم، قالوا: لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال إلا المسافر، فإنه يتيمم؛ لأن الماء قد يعدم في السفر لا في الحضر، فإن الغالب أنه لا يعدم. وقال ابن مسعود، وعكرمة، والنخعي، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعي: عابر السبيل هو: المجتاز في المسجد، وهو مرويّ عن ابن عباس، فيكون معنى الآية على هذا لا تقربوا مواضع الصلاة، وهي: المساجد في حال الجنابة إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب، وفي القول الأوّل قوّة من جهة كون الصلاة فيه باقية على معناها الحقيقي، وضعف من جهة ما في حمل عابر السبيل على المسافر، وإن معناه: أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، فإن هذا الحكم يكون في الحاضر إذا عدم الماء، كما يكون في المسافر، وفي القول الثاني قوّة من جهة عدم التكلف في معنى قوله: {إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } وضعف من جهة حمل الصلاة على مواضعها. وبالجملة فالحال الأولى، أعني قوله: {وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تقوّي بقاء الصلاة على معناها الحقيقي من دون تقدير مضاف، وكذلك ما سيأتي من سبب نزول الآية يقوّي ذلك. وقوله: {إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } يقوّي تقدير المضاف، أي: لا تقربوا مواضع الصلاة. ويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهي أعني: {لا تقربوا} وهو قوله: {وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي، وبعض قيود النهي وهو قوله: {إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } يدل على أن المراد مواضع الصلاة، ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدالّ عليه، ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد، وهما لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان، وأنتم سكارى، ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنباً إلا حال عبوركم في المسجد من جانب إلى جانب، وغاية ما يقال في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو جائز بتأويل مشهور. وقال ابن جرير بعد حكايته للقولين: والأولى قول من قال: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء، وهو جنب في قوله: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صعيداً طيباً} فكان معلوماً بذلك، أي: أن قوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ } لو كان معنياً به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } معنى مفهوم. وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها، وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضاً جنباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل. قال: والعابر السبيل المجتاز مرّاً وقطعاً، يقال منه: عبرت هذا الطريق، فأنا أعبره عبراً وعبوراً، ومنه قيل: عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة القوية: هي عبر أسفار لقوّتها على قطع الأسفار. قال ابن كثير: وهذا الذي نصره يعني ابن جرير هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية. انتهى. قوله: {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ } غاية للنهي عن قربان الصلاة، أو مواضعها حال الجنابة. والمعنى: لا تقربوها حال الجنابة حتى تغتسلوا إلا حال عبوركم السبيل. قوله: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ } المرض عبارة عن خروج البدن عن حدّ الاعتدال، والاعتياد إلى الاعوجاج والشذوذ، وهو على ضربين كثير ويسير. والمراد هنا: أن يخاف على نفسه التلف، أو الضرر باستعمال الماء، أو كان ضعيفاً في بدنه وهو لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء. وروي عن الحسن أنه يتطهر، وإن مات، وهذا باطل يدفعه قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78]. وقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ }تفسير : [النساء: 29] وقوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] قوله: {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } فيه جواز التيمم لمن صدق عليه اسم المسافر، والخلاف مبسوط في كتب الفقه. وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط أن يكون سفر قصر، وقال قوم: لا بد من ذلك. وقد أجمع العلماء على جواز التيمم للمسافر. واختلفوا في الحاضر، فذهب مالك، وأصحابه، وأبو حنيفة، ومحمد إلى أنه يجوز في الحضر، والسفر. وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف. قوله: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ } هو المكان المنخفض، والمجيء منه كناية عن الحدث، والجمع الغيطان، والأغواط، وكانت العرب تقصد هذا الصنف من المواضع لقضاء الحاجة تستراً عن أعين الناس، ثم سمي الحدث الخارج من الإنسان غائطاً توسعاً، ويدخل في الغائط جميع الأحداث الناقضة للوضوء. قوله: {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء } قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: {لامستم} وقرأ حمزة، والكسائي: «لمستم» قيل المراد بها: بها في القراءتين الجماع. وقيل: المراد به: مطلق المباشرة، وقيل: إنه يجمع الأمرين جميعاً. وقال محمد بن يزيد المبرد: الأولى في اللغة أن يكون: {لامستم} بمعنى قبلتم، ونحوه، و«لمستم» بمعنى غشيتم. واختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال، فقالت فرقة: الملامسة هنا مختصة باليد دون الجماع، قالوا: والجنب لا سبيل له إلى التيمم بل يغتسل، أو يدع الصلاة حتى يجد الماء. وقد روي هذا عن عمرو بن الخطاب، وابن مسعود. قال ابن عبد البر: لم يقل بقولهما في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي، وحملة الآثار. انتهى. وأيضاً الأحاديث الصحيحة تدفعه، وتبطله، كحديث عمار، وعمران بن حصين، وأبي ذرّ في تيمم الجنب. وقالت طائفة: هو الجماع كما في قوله: {أية : ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ }تفسير : [الأحزاب: 49]، وقوله: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } تفسير : [البقرة: 237] وهو مرويّ عن عليّ، وأبيّ بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، وطاوس، والحسن، وعبيد ابن عمير، وسعيد بن جبير، والشعبي، وقتادة، ومقاتل بن حبان، وأبي حنيفة. وقال مالك: الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذّ، فإن لمسها بغير شهوة، فلا وضوء، وبه قال أحمد، وإسحاق. وقال الشافعي: إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان باليد، أو غيرها من أعضاء الجسد انتقضت به الطهارة وإلا فلا. وحكاه القرطبي عن ابن مسعود، وابن عمر، والزهري، وربيعة. وقال الأوزاعي: إذا كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه لقوله تعالى { أية : فلمسوه بأيديهم }تفسير : [الأنعام: 7] وقد احتجوا بحجج تزعم كل طائفة أن حجتها تدل على أن الملامسة المذكورة في الآية هي ما ذهبت إليه، وليس الأمر كذلك. فقد اختلفت الصحابة، ومن بعدهم في معنى الملامسة المذكورة في الآية، وعلى فرض أنها ظاهرة في الجماع، فقد ثبتت القراءة المروية عن حمزة، والكسائي بلفظ: «أو لمستم» وهي محتملة بلا شك، ولا شبهة، ومع الاحتمال، فلا تقوم الحجة بالمحتمل. وهذا الحكم تعمّ به البلوى، ويثبت به التكليف العامّ، فلا يحل إثباته بمحتمل قط، وقد وقع النزاع في مفهومه. وإذا عرفت هذا، فقد ثبتت السنة الصحيحة بوجوب التيمم على من اجتنب ولم يجد الماء، فكان الجنب داخلاً في الآية بهذا الدليل، وعلى فرض عدم دخوله فالسنة تكفي في ذلك. وأما وجوب الوضوء، أو التيمم على من لمس المرأة بيده، أو بشيء من بدنه، فلا يصح القول به استدلالاً بهذه الآية لما عرفت من الاحتمال. وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه وسلم أتاه رجل، فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها؟ وليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها فأنزل الله: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذكرى للذاكرين} تفسير : [هود: 114]. أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي من حديث معاذ، قالوا: فأمره بالوضوء؛ لأنه لمس المرأة، ولم يجامعها، ولا يخفاك أنه لا دلالة بهذا الحديث على محل النزاع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بالوضوء ليأتي بالصلاة التي ذكرها الله سبحانه في هذه الآية، إذ لا صلاة إلا بوضوء. وأيضاً فالحديث منقطع؛ لأنه من رواية ابن أبي ليلى عن معاذ، ولم يلقه، وإذا عرفت هذا، فالأصل البراءة عن هذا الحكم، فلا يثبت إلا بدليل خالص عن الشوائب الموجبة لقصوره عن الحجة. وأيضاً قد ثبت عن عائشة من طرق أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ، ثم يقبل، ثم يصلي، ولا يتوضأ. وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وما قيل من أنه من رواية حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، ولم يسمع من عروة فقد رواه أحمد في مسنده من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ورواه ابن جرير من حديث ليث، عن عطاء، عن عائشة، ورواه أحمد أيضاً، وأبو داود، والنسائي من حديث أبي روق الهمداني، عن إبراهيم التيميّ، عن عائشة، ورواه أيضاً ابن جرير من حديث أم سلمة، ورواه أيضاً من حديث زينب السهمية. ولفظ حديث أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها، وهو صائم، ولا يفطر، ولا يحدث وضوءاً. ولفظ حديث زينب السهمية: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقبل، ثم يصلي، ولا يتوضأ». ورواه أحمد، عن زينب السهمية، عن عائشة. قوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } هذا القيد إن كان راجعاً إلى جميع ما تقدم مما هو مذكور بعد الشرط، وهو المرض، والسفر، والمجيء من الغائط، وملامسة النساء كان فيه دليل على أن المرض والسفر بمجردهما لا يسوّغان التيمم، بل لا بد مع وجود أحد السببين من عدم الماء، فلا يجوز للمريض أن يتيمم إلا إذا لم يجد ماء، ولا يجوز للمسافر أن يتيمم إلا إذا لم يجد ماء، ولكنه يشكل على هذا أن الصحيح، كالمريض إذا لم يجد الماء تيمم، وكذلك المقيم، كالمسافر إذا لم يجد الماء تيمم، فلا بد من فائدة في التنصيص على المرض والسفر؛ فقيل وجه التنصيص عليهما أن المرض مظنة للعجز عن الوصول إلى الماء، وكذلك المسافر عدم الماء في حقه غالب، وإن كان راجعاً إلى الصورتين الأخيرتين: أعني قوله: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء } كما قال بعض المفسرين كان فيه إشكال، وهو أن من صدق عليه اسم المريض، أو المسافر جاز له التيمم، وإن كان واجداً للماء قادراً على استعماله، وقد قيل: إنه رجع هذا القيد إلى الآخرين مع كونه معتبراً في الأوّلين لندرة وقوعه فيهما. وأنت خبير بأن هذا كلام ساقط، وتوجيه بارد. وقال مالك، ومن تابعه: ذكر الله المرض، والسفر في شرط التيمم اعتباراً بالأغلب في من لم يجد الماء بخلاف الحاضر، فإن الغالب، وجوده، فلذلك لم ينص الله سبحانه عليه. انتهى. والظاهر أن المرض بمجرّده مسوّغ للتيمم، وإن كان الماء موجوداً إذا كان يتضرّر باستعماله في الحال، أو في المآل، ولا تعتبر خشية التلف، فالله سبحانه يقول: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] ويقول: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ }تفسير : [الحج: 87]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الدين يسر» تفسير : ويقول: «حديث : يسروا ولا تعسروا»تفسير : وقال: «حديث : قتلوه قتلهم الله»تفسير : ويقول: «حديث : أمرت بالشريعة السمحة»تفسير : فإذا قلنا: إن قيد عدم وجود الماء راجع إلى الجميع كان وجه التنصيص على المرض هو أنه يجوز له التيمم، والماء حاضر موجود إذا كان استعماله يضرّه، فيكون اعتبار ذلك القيد في حقه إذا كان استعماله لا يضرّه، فإن في مجرّد المرض مع عدم الضرر باستعمال الماء ما يكون مظنة لعجزه عن الطلب، لأنه يلحقه بالمرض نوع ضعف. وأما وجه التنصيص على المسافر، فلا شك أن الضرب في الأرض مظنة لإعواز الماء في بعض البقاع دون بعض. قوله: {فَتَيَمَّمُواْ } التيمم لغة: القصد، يقال: تيممت الشيء: قصدته، وتيممت الصعيد: تعمدته، وتيممته بسهمي، ورمحي: قصدته دون من سواه، وأنشد الخليل:شعر : يممته الرمح شزرا ثم قلت له هذي البسالة لا لعب الزحاليق تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : تيممتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال تفسير : وقال:شعر : تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامي تفسير : قال ابن السكيت: قوله: {فَتَيَمَّمُواْ } أي: اقصدوا، ثم كثر استعمال هذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب. وقال ابن الأنباري في قولهم قد تيمم الرجل: معناه قد مسح التراب على وجهه، وهذا خلط منهما للمعنى اللغوي بالمعنى الشرعي. فإن العرب لا تعرف التيمم بمعنى مسح الوجه واليدين، وإنما هو معنى شرعي فقط، وظاهر الأمر الوجوب، وهو مجمع على ذلك. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وتفاصيل التيمم، وصفاته مبينة في السنة المطهرة، ومقالات أهل العلم مدوّنة في كتب الفقه، قوله: {صَعِيداً } الصعيد: وجه الأرض سواء كان عليه تراب، أو لم يكن، قاله الخليل، وابن الأعرابي، والزجاج. قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل اللغة، قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تفسير : [الكهف: 8] أي: أرضاً غليظة لا تنبت شيئاً، وقال تعالى: {أية : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا }تفسير : [الكهف: 40] وقال: ذو الرمة:شعر : كأنه بالضحى يرمي الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم تفسير : وإنما سمي صعيداً؛ لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صعدات. وقد اختلف أهل العلم فيما يجزىء التيمم به، فقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والطبري: إنه يجزىء بوجه الأرض كله تراباً كان، أو رملاً، أو حجارة، وحملوا قوله: {طَيّباً } على الطاهر الذي ليس بنجس، وقال الشافعي، وأحمد، وأصحابهما: إنه لا يجزىء التيمم إلا بالتراب فقط، واستدلوا بقوله تعالى: {أية : صَعِيدًا زَلَقًا } تفسير : [الكهف: 40] أي: تراباً أملس طيباً، وكذلك استدلوا بقوله: {طَيّباً } قالوا: والطيب التراب الذي ينبت. وقد تنوزع في معنى الطيب، فقيل: الطاهر كما تقدم وقيل: المنبت كما هنا وقيل: الحلال. والمحتمل لا تقوم به حجة، ولو لم يوجد في الشيء الذي يتيمم به إلا ما في الكتاب العزيز، لكان الحق ما قاله الأوّلون، لكن ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله:«حديث : فضلنا الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» تفسير : وفي لفظ «حديث : وجعل ترابها لنا طهوراً»تفسير : فهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور في الآية، أو مخصص لعمومه، أو مقيد لإطلاقه، ويؤيد هذا ما حكاه ابن فارس عن كتاب الخليل: تيمم بالصعيد، أي: أخذ من غباره. انتهى. والحجر الصلد لا غبار له. قوله: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } هذا المسح مطلق، يتناول المسح بضربة أو ضربتين، ويتناول المسح إلى المرفقين أو إلى الرسغين، وقد بينته السنة بياناً شافياً، وقد جمعنا بين ما ورد في المسح بضربة، وبضربتين، وما ورد في المسح إلى الرسغ وإلى المرفقين في شرحنا للمنتقى وغيره من مؤلفاتنا بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً } أي: عفا عنكم، وغفر لكم تقصيركم، ورحمكم بالترخيص لكم، والتوسعة عليكم. وقد أخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والضياء في المختارة، عن عليّ بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني، فقرأت: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه: أن الذي صلى بهم عبد الرحمن. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أبي بكر، وعمر، وعليّ، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، صنع لهم عليّ طعاماً، وشراباً، فأكلوا، وشربوا، ثم صلى بهم المغرب، فقرأ: {قل يا أيها الكافرون} حتى ختمها، فقال: ليس لي دين، لكم دين، فنزلت. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في هذه الآية قال: نسختها: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } تفسير : [المائدة: 90] الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك في الآية قال: لم يعن بها الخمر إنما عني بها سكر النوم. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس: {وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } قال: النعاس. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقيّ عن عليّ. قوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } قال: نزلت في المسافر تصيبه الجنابة، فيتيمم ويصلي. وفي لفظ قال: لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافراً تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء، فيتيمم، ويصلي حتى يجد الماء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس في الآية يقول: لا تقربوا الصلاة، وأنتم جنب إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء، فقد أحللت أن تمسحوا بالأرض. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد قال: لا يمرّ الجنب، ولا الحائض في المسجد، إنما أنزلت: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } للمسافر يتيمم، ثم يصلي. وأخرج الدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، والضياء في المختارة عن الأسلع بن شريك قال: كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقة وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد، فأموت، أو أمرض، فأمرت رجلاً من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجاراً فأسخنت بها ماء فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه، فقال: "حديث : يا أسلع، ما لي أرى راحلتك تغيرت؟" تفسير : قلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار، قال:"حديث : ولم؟"تفسير : قلت: إني أصابتني جنابة، فخشيت القرّ على نفسي، فأمرته أن يرحلها، ورضفت أحجاراً، فأسخنت بها ماء، فاغتسلت به، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا} إلى قوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ }. وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والطبراني، والبيهقي من وجه آخر عن أسلع قال: «كنت أخدم النبيّ صلى الله عليه وسلم وأرحل له، فقال لي ذات ليلة: حديث : يا أسلع قم، فارحل لي، تفسير : قلت: يا رسول الله أصابتني جنابة، فسكت عني ساعة حتى جاء جبريل بآية الصعيد، فقال: "حديث : قم يا أسلع فتيمم"تفسير : الحديث. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } قال: المساجد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقيّ من طريق عطاء الخراساني عنه: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } قال: لا تدخلوا المسجد، وأنتم جنب إلا عابري سبيل، قال: تمرّ به مرّاً، ولا تجلس. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود، نحوه. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي في سننه عنه أنه كان يرخص للجنب أن يمرّ في المسجد، ولا يجلس فيه، ثم قرأ قوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ }. وأخرج البيهقي، عن أنس نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، والبيهقي، عن جابر قال: كان أحدنا يمرّ في المسجد، وهو جنب مجتازاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ } قال: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضاً، فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ } قال: هو الرجل المجدور أو به الجراح، أو القرح يجنب، فيخاف إن اغتسل أن يموت، فيتيمم. وأخرج ابن جرير، عن إبراهيم النخعي قال: نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جراح ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ } الآية. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، والبيهقي من طرق عن ابن مسعود في قوله: {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء } قال: اللمس ما دون الجماع، والقبلة منه، وفيه الوضوء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن ابن عمر أنه كان يتوضأ من قبلة المرأة، ويقول هي: اللماس. وأخرج الدارقطني، والبيهقي، والحاكم عن عمر قال: إن القبلة من اللمس، فتوضأ منها. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن علي قال: اللمس هو الجماع، ولكن الله كنى عنه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير قال: كنا في حجرة ابن عباس، ومعنا عطاء بن أبي رباح، ونفر من الموالي، وعبيد بن عمير، ونفر من العرب، فتذاكرنا للماسّ، فقلت أنا وعطاء والموالي: اللمس باليد، وقال عبيد بن عمير، والعرب: هو الجماع، فدخلت على ابن عباس، فأخبرته فقال: غلبت الموالي وأصابت العرب، ثم قال: إن اللمس، والمسّ والمباشرة إلى الجماع ما هو، ولكن الله يكنى ما شاء بما شاء. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: إن أطيب الصعيد أرض الحرث.
الماوردي
تفسير : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فيه قولان: أحدهما: سكارى من الخمر، وهو قول ابن عباس، وقتادة، وقد روى عطاء ابن السائب عن عبد الله بن حبيب: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً ودعا نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، ثم قدّموا عمر فصلى بهم المغرب فقرأ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَأَنْتُم عَابِدُونَ مَا أَعْبُد وَأَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ} لَكُمْ دِينُكُم وَلِيَ دِينٌ} فأنزل الله تعالى هذه الآية {لاَ تَقْربُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}. والقول الثاني: وأنتم سكارى من النوم، وهو قول الضحاك، وأصل السُكر: السَكْر، وهو سد مجرى الماء، فالسُّكر من الشراب يسد طريق المعرفة. فإن قيل فكيف يجوز نهي السكران، ففيه جوابان: أحدهما: أنه قد يكون سكران من غير أن يخرج إلى حد لا يحتمل معه الأمر. والثاني: أنه نهي عن التعرض للسكر وعليه صلاة. {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ} فيه قولان: أحدهما: أراد سبيل المسافر إذا كان جنباً لا يصلي حتى يتيمم، وهذا قول ابن عباس في رواية أبي مجلز عنه، ومجاهد، والحكم، وابن زيد. والثاني: لا يقرب الجنب مواضع الصلاة من المساجد إلا مارّاً مجتازاً، وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك، وابن يسار عنه، وهو قول جابر، والحسن، والزهري، والنخعي. {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما انطلق عليه اسم المرض من مستضرٍّ بالماء وغير مستضرٍّ، وهذا قول داود بن علي. الثاني: ما استضر فيه باستعمال الماء دون ما لم يستضر، وهذا قول مالك، وأحد قولي الشافعي. والثالث ما خيف من استعمال الماء فيه التلف دن ما لم يُخفْ، وهو القول الثاني من قولي الشافعي. {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما انطلق عليه اسم السفر من قليل وكثير، وهو قول داود. والثاني: مسافة يوم وليلة فصاعداً، وهو قول مالك، والشافعي رحمهما الله. والثالث: مسافة ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة. {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغآئِطِ} هو الموضع المطمئن من الأرض كان الإنسان يأتيه لحاجته، فكنى به عن الخارج مجازاً، ثم كثر استعماله حتى صار كالحقيقة، والدليل على أن الغائط حقيقة في اسم المكان دون الخارج، قول الشاعر: شعر : أما أتاك عني الحديث إذ أنا بالغائط أستغيث وصِحت في الغائط يا خبيث تفسير : {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ} فيه قراءتان: إحداهما: {لَمَسْتُمُ} بغير ألف، قرأ بها حمزة والكسائي. والأخرى: {لاَمَسْتُمُ}، وهي قراءة الباقين. وفي هذه الملامسة قولان: أحدهما: الجماع، وهو قول عليّ، وابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد. والثاني: أن الملامسة باليد والإفضاء ببعض الجسد، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وعبيدة، والنخعي، والشعبي، وعطاء، وابن سيرين، وبه قال الشافعي. وفي اختلاف القراءتين في {لَمَسْتُمْ} أو {لاَمَسْتُمُ} قولان: أحدهما: أن {لاَمَسْتُمُ} أبلغ من {لَمِسْتُمُ}. والثاني: أن {لاَمَسْتُمُ} يقتضي وجوب الوضوء على اللامس والملموس. {وَلَمَسْتُمُ} يقتضي وجوبه على اللامس دون الملموس. {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ} فيه قولان: أحدهما: أنه التعبد والتحري، وهو قول سفيان. والثاني: أنه القصد، وذكر أنها في قراءة ابن مسعود: فأتوا صعيداً طيباً. وفي الصعيد أربعة أقاويل: أحدها: أنها الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غِراس، وهو قول قتادة. والثاني: أنها الأرض المستوية، وهو قول ابن زيد. والثالث: هو التراب، وهو قول عليّ، وابن مسعود، والشافعي. والرابع: أنه وجه الأرض ذات التراب والغبار، ومنه قول ذي الرُّمة: شعر : كأنه بالضحى ترمي الصعيدَ به دَبّابةٌ في عظام الرأس خُرْطوم تفسير : وفي قوله تعالى: {طَيِّباً} أربعة أقاويل: أحدها: حلالاً، وهو قول سفيان. والثاني: طاهراً، وهو قول أبي جعفر الطبري. والثالث: تراب الحرث، وهو قول ابن عباس. والرابع: أنه مكان حَدِرٌ غير بَطِحٍ، وهو قول ابن جريج. {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}. فالوجه الممسوح في التيمم هو المحدود في غسل الوضوء. فأما مسح اليدين ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الكفان إلى الزندين دون الذراعين، وهو قول عمار بن ياسر، ومكحول، وبه قال مالك في أحد قوليه، والشافعي في القديم. والثاني: الذراعان مع المرفقين، وهو قول ابن عمر، والحسن، والشعبي، وسالم بن عبد الله، والشافعي في الجديد. والثالث: إلى المنكبين والإبطين، وهو قول الزهري، وحكي نحوه عن أبي بكر. واختلفوا في جواز التيمم في الجنابة على قولين: أحدهما: يجوز، وهو قول الجمهور. والثاني: لا يجوز وهو قول عمر، وابن مسعود، والنخعي. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: نزلت في قوم من الصحابة أصابتهم جراح، وهذا قول النخعي. والثاني: أنها نزلت في إعواز الماء في السفر، وهو قول عائشة رضي الله عنها.
ابن عطية
تفسير : سبب النهي عن قرب الصلاة في حال سكر: أن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شربت الخمر عند أحدهم قبل التحريم، فيهم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، فحضرت الصلاة، فتقدمهم علي بن أبي طالب، فقرأ {أية : قل يا أيها الكافرون} تفسير : [الكافرون:1] فخلط فيها، بأن قال: "أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد"، فنزلت الآية، وروي أن المصلي عبد الرحمن بن عوف، وجمهور المفسرين على أن المراد سكر الخمر، إلا الضحاك، فإنه قال: إنما المراد سكر النوم. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، والخطاب لجميع الأمة الصاحين، وأما السكران إذا عدم الميز لسكره فليس بمخاطب في ذلك الوقت، وإنما هو مخاطب إذا صحا بامتثال ما يجب عليه، وبتكفير ما ضاع في وقت سكره من الأحكام التي تقرر تكليفه إياها قبل السكر، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق، على ما ذهب إليه بعض الناس، وقرأت فرقة {سكارى} جمع سكران، وقرأت فرقة "سَكرى" بفتح السين على مثال فعلى وقرأ الأعمش: "سُكرى" بضم السين وسكون الكاف على مثال فعلى، وقرأ النخعي "سَكرى" بفتح السين. قال أبو الفتح: هو تكسير سكران على سكارى، كما قالوا: روبى نياماً وكقولهم: هلكى وميدى في جمع هالك ومائد، ويحتمل أن يكون صفة لمؤنثة واحدة، كأن المعنى وأنتم جماعة سكرى، وأما " سُكرى" بضم السين فصفة لواحدة، كحبلى، والسكر انسداد الفهم، ومنه سكرت الماء إذا سددت طريقه، وقالت طائفة: {الصلاة} هنا العبادة المعروفة، حسب السبب في نزول الآية، وقالت طائفة: {الصلاة} هنا المراد بها موضع الصلاة والصلاة معاً, لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة، ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين. قال القاضي أبو محمد: وإنما احتيج إلى هذا الخلاف بحسب ما يأتي في تفسير عابري السبيل، ويظهر من قوله: {حتى تعلموا} أن السكران لا يعلم ما يقول ولذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه وغيره: إن السكران لا يلزمه طلاقه، فأسقط عنه أحكام القول، لهذا ولقول النبي عليه السلام للذي أقر بالزنى أسكران أنت؟ فمعناه: أنه لو كان سكران لم يلزمه الإقرار. قال القاضي أبو محمد: وبين طلاق السكران وإقراره بالزنى فرق، وذلك أن الطلاق والإقرار بالمال والقذف وما أشبهه هذا يتعلق به حقوق الغير من الآدمين، فيتهم السكران إن ادعى أنه لم يعلم، ويحكم عليه حكم العالم، والإقرار بالزنا إنما هو حق لله تعالى، فإذا ادعى فيه بعد الصحو أنه كان غير عالم دين، وأما أحكام الجنايات، فهي كلها لازمة للسكران {وأنتم سكارى} ابتداء وخبر، جملة في موضع الحال، وحكي عن ابن فورك أنه قال: معنى الآية النهي عن السكر، أي لا يكن منكم سكر، فيقع قرب الصلاة، إذ المرء مدعو إلى الصلاة دأباً، والظاهر أن الأمر ليس كذلك، وقد روي: أن الصحابة بعد هذه الآية كانوا يشربون ويقللون أثر الصبح وأثر العتمة، ولا تدخل عليهم صلاة إلا وهم صاحون، وقوله: {ولا جنباً} عطف على موضع هذه الجملة المنصوبة، والجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان، هذا قول جمهور الأمة، وروي عن بعض الصحابة: لا غسل إلا على من أنزل، وهو من الجنابة، وهي: البعد، كأنه جانب الطهر أو من الجنب، كأنه ضاجع ومس بجنبه جنباً، وقرأت فرقة "جنْباً" بإسكان النون، و {عابري سبيل} هو من العبور أي: الخطور والجواز، ومنه: عبر السفينة النهر، ومنه: ناقة عبر السير والفلاة والمهاجرة أي تعبرها بسرعة السير، قال الشاعر: وهي امرأة: [الكامل] شعر : عَيْرَانَةٌ سَرْحُ اليَدَيْنِ شِمِلَّةٌ عَبْرَ الهَوَاجِرِ كَالْهُزُفِّ الخَاضِبِ تفسير : وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم: عابر السبيل هو المسافر، فلا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم، وقال ابن عباس أيضاً وابن مسعود وعكرمة والنخعي وغيرهم: عابر السبيل الخاطر في المسجد، وهو المقصود في الآية، وهذا يحتاج إلى ما تقدم من أن القول بأن الصلاة هي المسجد والمصلى، وروى بعضهم: أن سبب الآية: أن قوماً من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد, فإذا اصابت أحدهم الجناية اضطر إلى المرور في المسجد، فنزلت الآية في ذلك، ثم نزلت {وإن كنتم مرضى} إلى آخر الآية، بسبب عدم الصحابة الماء في غزوة المريسيع حين أقام على التماس العقد، هكذا قال الجمهور، وقال النخعي: نزلت في قوم أصابتهم جراح ثم أجنبوا، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاية، ذكر النقاش: أن ذلك نزل بعبد الرحمن بن عوف، والمريض المقصود في هذه الآية هو الحضري، والذي يصح له التيمم هو الذي يخاف الموت لبرد الماء وللعلة به، وهذا يتيمم بإجماع، إلا ما روي عن عطاء: أنه يتطهر وإن مات، والذي يخاف حدوث علة على علة أو زيادة علة, والذي يخاف بطء برء, فهؤلاء يتيممون بإجماع من المذهب فيما حفظت، والأسباب التي لا يجد المريض بها الماء هي إما عدم المناول، وإما خوف ما ذكرناه، وقال داود: كل من انطلق عليه اسم المريض فجائز له التيمم، وهذا قول خلف، وإنما هو عند علماء الأمة المجدور، والمحصوب، والعلل المخوفة عليها من الماء، والمسافر في هذه الآية: هو الغائب عن الحضر، كان السفر مما تقصر فيه الصلاة أو لا تقصر، هذا مذهب مالك وجمهور الفقهاء، وقال الشافعي في كتاب الأشراف، وقال قوم: لا يتيمم إلا في سفر يجوز فيه التقصير، وهذا ضعيف. قال القاضي أبو محمد: وكذلك قالت فرقة: لا يتيمم في سفر معصية، وهذا أيضاً ضعيف، والأسباب التي لا يجد بها المسافر الماء هي إما عدمه جملة، وإما خوف فوات الرفيق بسبب طلبه، وإما خوف على الرجل بسبب طلبه، وإما خوف سباع أو إذاية عليه، واختلف في وقت إيقاعه التيمم، فقال الشافعي: في أول الوقت، وقال أبو حنيفة وغيره: في آخر الوقت، وفرق مالك بين اليائس والعالم الطامع بإدراكه في الوقت، والجاهل بأمره جملة، وقال إسحق بن راهويه: لا يلزم المسافر طلب الماء إلا بين يديه وحوله، وقالت طائفة: يخرج من طلبه الغلوتين ونحوهما، وفي مذهب مالك يمشي في طلبه ثلاثة أميال، وقال الشافعي: يمشي في طلبه ما لم يخف فوات رفيق أو فوات الوقت. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن، وأصل {الغائط} ما انخفض من الأرض، وكانت العرب تقصد بقضاء حاجتها ذلك الصنف من المواضع، حتى كثر استعماله في قضاء الحاجة وصار عرفه، وقرأ قتادة الزهري "من الغيْط" ساكنة الياء من غير ألف، قال ابن جني: هو محذوف من فيعل، عين هذه الكلمة واو، وهذا اللفظ يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى، واختلف الناس في حصرها، وأنبل ما اعتقد في ذلك: أن أنواع الأحداث ثلاثة، ما خرج من السبيلين معتاداً، وما أذهب العقل، واللمس، هذا على مذهب مالك، وعلى مذهب أبي حنيفة ما خرج من النجاسات من الجسد، ولا يراعى المخرج ولا غيره، ولا يعد اللمس فيها، وعلى مذهب الشافعي ما خرج من السبيلين، ولا يراعى الاعتياد، والإجماع من الأحداث على تسعة، أربعة من الذكر، وهي البول والمني والودي والمذي، وواحد من فرج المرأة وهو دم الحيض، واثنان من الدبر، وهما الريح والغائط، وذهاب العقل كالجنون والإغماء والنوم الثقيل، فهذه تنقض الطهارة الصغرى إجماعاً، وغير ذلك كاللمس والدود يخرج من الدبر وما أشبهه مختلف فيه، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم {لامستم} وقرأ حمزة والكسائي " لمستم" وهي في اللغة لفظة قد تقع للمس الذي هو الجماع، وفي اللمس الذي هو جس اليد والقبلة ونحوه، إذ في جميع ذلك لمس، واختلف أهل العلم في موقعها هنا: فمالك رحمه الله يقول: اللفظة هنا على أتم عمومها تقتضي الوجهين، فالملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم، لأن اللمس نقض وضوءه، وقالت طائفة: هي هنا مخصصة للمس اليد، والجنب لا ذكر له إلا مع الماء، ولا سبيل له إلى التيمم، وإنما يغتسل الجنب أو يدع الصلاة حتى يجد الماء، روي هذا القول عن عمر رضي الله عنه وعن عبد الله بن مسعود وغيرهما، وقال أبو حنيفة: هي هنا مخصصة للمس الذي هو الجماع، فالجنب يتيمم، واللامس باليد لم يجر له ذكر فليس بحدث، ولا هو ناقض لوضوء، فإذا قبّل الرجل امرأته للذة لم ينتقض وضوءه، ومالك رحمه الله يرى: أن اللمس ينقض إذا كان للذة، ولا ينقض إذا لم يقصد به اللذة، ولا إذا كان لابنة أو لأم، والشافعي رحمه الله يعمم لفظة {النساء}، فإذا لمس الرجل عنده أمه أو ابنته على أي وجه كان انتقض وضوءه، وعدم وجود الماء يترتب للمريض وللمسافر حسبما ذكرناه، ويترتب للصحيح الحاضر بالغلاء الذي يعم جميع الأصناف، واختلف فيه، فقال الحسن: يشتري الرجل الماء بماله كله ويبقى عديماً، وهذا قول ضعيف، لأن دين الله يسر كما قال صلى الله عليه وسلم، ويريد بنا اليسر ولم يجعل علينا في الدين من حرج، وقالت طائفة: يشتري ما لم يزد على القيمة الثلث فصاعداً، وقالت طائفة: يشتري قيمة الدرهم بالدرهمين والثلاثة، ونحو هذا، وهذا كله في مذهب مالك رحمه الله، وقيل لأشهب: أيشتري القربة بعشرة دراهم؟ فقال ما أرى ذلك على الناس. قال القاضي أبو محمد: وقدر هذه المسألة إنما هو بحسب غنى المشتري وحاجته، والوجه عندي أن يشتري ما لم يؤذ غلاؤه، ويترتب أيضاً عدم الماء للصحيح الحاضر بأن يسجن أو يربط، وهذا هو الذي يقال فيه: إنه لم يجد ماء ولا تراباً، كما ترجم البخاري، ففيه أربعة أقوال، فقال مالك وابن نافع: لا يصلي ولا يعيد، وقال ابن القاسم: يصلي ويعيد، وقال أشهب: يصلي ولا يعيد وقال اصبغ: لا يصلي ويقضي، إذا خاف الحضري فوات الوقت إن تناول الماء، فلمالك رحمه الله قولان في المدونة: إنه يتيمم ولا يعيد، وقال: إنه يعيد، وفي الواضحة وغيرها عنه: أنه يتناول الماء ويغتسل وإن طلعت الشمس. وعلى القول بأنه يتيمم ولا يعيد إذا بقي من الوقت شيء بقدر ما كان يتوضأ ويصلي ركعة، فقيل: يعيد، وقيل: لا يعيد، ومعنى قوله {فتيمموا} في اللغة: اقصدوا، ومنه قول امرىء القيس [الطويل] شعر : تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ التي عِنْدَ ضَارِجٍ يفيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عُرْمُضُها طَامي تفسير : ومنه قول أعشى بني ثعلبة: [المتقارب] شعر : تَيَمَّمْت قَيْساً وَكَمْ دُونَهُ مِنَ الأَرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ تفسير : ثم غلب هذا الاسم في الشرع على العبادة المعروفة، والصعيد في اللغة: وجه الأرض، قاله الخليل وغيره، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] شعر : كأَنَّه بالضُّحى تَرمي الصَّعيدَ بِهِ دَبَّابَةٌ في عِظَامِ الرَّأسِ خُرْطُومُ تفسير : واختلف الفقهاء فيه من أجل تقييد الآية إياه بالطيب، فقالت طائفة: يتيمم بوجه الأرض، تراباً كان أو رملاً أو حجارة أو معدناً أو سبخة، وجعلت " الطيب" بمعنى الطاهر، وهذا مذهب مالك، وقالت طائفة منهم: " الطيب" بمعنى الحلال، وهذا في هذا الموضع قلق، وقال الشافعي وطائفة: " الطيب" بمعنى المنبت، كما قال جل ذكره {أية : والبلد الطيب يخرج نباته} تفسير : [الأعراف:58] فيجيء الصعيد على هذا التراب، وهذه الطائفة لا تجيز التيمم بغير ذلك مما ذكرناه، فمكان الإجماع: أن يتيمم الرجل في تراب منبت طاهر غير منقول ولا مغضوب، ومكان الإجماع في المنع: أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف، أو الفضة والياقوت الزمرد، أو الأطعمة، كالخبز واللحم وغيرهما، أو على النجاسات - واختلف في غير هذا كالمعادن، فأجيز، وهو مذهب مالك، ومنع، وهو مذهب الشافعي، وأشار أبو الحسن اللخمي إلى أن الخلاف فيه موجود في المذهب، وأما الملح فأجيز في المذهب المعدني والجامد، ومنعا، وأجيز المعدني ومنع الجامد، والثلج في المدونة جوازه، ولمالك في غيرها منعه، وذكر النقاش عن ابن علية وابن كيسان: أنهما أجازا التيمم بالمسك والزعفران. قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ بحت من جهات، وأما التراب المنقول في طبق وغيره، فجمهور المذهب جواز التيمم به، وفي المذهب المنع، وهو في غير المذهب أكثر، وأما ما طبخ كالآجر والجص ففيه في المذهب قولان، الإجازة والمنع، وفي التيمم على الجدار الخلاف، وأما التيمم على النبات والعود فاختلف فيه في مذهب مالك، فالجمهور على منع التيمم على العود، وفي مختصر الوقار: أنه جائز، وحكى الطبري في لفظة "الصعيد" اختلافاً: أنها الأرض الملساء وأنها الأرض المستوية، وأن " الصعيد " التراب، وأنه وجه الأرض. وترتيب القرآن الوجه قبل اليدين، وبه قال الجمهور، ووقع في حديث عمار في البخاري في بعض الطرق تقديم اليدين، وقاله بعض أهل العلم: قياساً على تنكيس الوضوء، وتراعى في الوجه حدوده المعلومة في الوضوء، فالجمهور على أن استيعابه بالمسح في التيمم واجب، ويتتبعه كما يصنع بالماء، وأن لا يقصد ترك شيء منه، وأجاز بعضهم أن لا يتتبع كالغضون في الخفين، وما بين الأصابع في اليدين، وهو في المذهب قول محمد بن مسلمة، ومذهب مالك في المدونة: أن التيمم بضربتين، وقال ابن الجهم: التيمم واحدة، وقال مالك في كتاب محمد: إن تيمم بضربة أجزاه، وقال غيره في المذهب: يعيد في الوقت، وقال ابن نافع: يعيد أبداً، وقال مالك في المدونة: يبدأ بأصابع اليسرى على أصابع اليمنى، ثم يمر كذلك إلى المرفق، ثم يلوي بالكف اليسرى على باطن الذراع الأيمن، حتى يصل إلى الكوع، ثم يفعل باليمنى على اليسرى كذلك، فظاهر هذا الكلام أنه يستغنى عن مسح الكف بالأخرى، ووجهه أنهما في الإمرار على الذراع ماسحة ممسوحة، قال ابن حبيب: يمر بعد ذلك كفيه، فهذا مع تحكيم ظاهر المدونة خلاف، قال اللخمي: في كلام المدونة يريد ثم يمسح كفه بالأخرى فيجيء على تأويل أبي الحسن كلام ابن حبيب تفسيراً، وقالت طائفة: يبدأ بالشمال كما في المدونة، فإذا وصل على باطن الذراع إلى الرسغ، مشى على الكف، ثم كذلك باليمنى في اليسرى، ووجه هذا القول أن لا يترك من عضو بعد التلبس به موضعاً، ثم يحتاج إلى العودة إليه بعد غيره، وقالت طائفة: يتناول بالتراب كما يتناول بالماء في صورة الإمرار دون رتبة، وقال مالك في المدونة: في المذهب بمسح يديه إلى المرفقين، فإن مسح إلى الكوعين أعاد في الوقت، وقال ابن نافع: يعيد أبداً، قال غيرهما: في المذهب يمسح إلى الكوعين وهذا قول مكحول وجماعة من العلماء، وفي غير المذهب يمسح الكفين فقط، وفي ذلك حديث عن عمار بن ياسر، وهو قول الشعبي، وقال ابن شهاب: يمسح إلى الأباط، وذكره الطبري عن أبي بكر الصديق أنه قال لعائشة حين نزلت آية التيمم: إنك لمباركة، نزلت فيه رخصة، فضربنا ضربة لوجوهنا، وضربة بأيدينا إلى المناكب والأباط، وفي مصنف أبي داود عن الأعمش: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسح إلى أنصاف ذراعيه، ولم يقل بهذا الحديث أحد من العلماء فيما حفظت، وما حكي الداودي من أن الكوعين فرض والمرافق سنة والآباط فضيلة، فكلام لا يعضده قياس ولا دليل، وإنما عمم قوم لفظة اليد فأوجبوه من المنكب، وقاس قوم على الوضوء فأوجبوه من المرافق، وعمم جمهور الأمة، ووقف قوم قوم مع الحديث في الكوعين، وقيس أيضاً على القطع، إذ هو حكم شرعي وتطهير، كما هذا تطهير، ووقف آخرون مع حديث عمار في الكفين، واختلف المذهب في تحريك الخاتم وتخليل الأصابع على قولين، يجب ولا يجب.
ابن عبد السلام
تفسير : {سُكَارَى} من النوم، أو من الخمر، "ثمل جماعة عند عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله تعالى عنه ـ فقدموا من صلى بهم المغرب فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين "فنزلت والسَّكر يسد مجرى الماء فأخذ منه السكر لسده طرق المعرفة، وخطابه للسكران نهي عن التعرض للسُّكر، لأن السكران لا يفهم، أو قد يقع السكر بحيث لا يخرج عن الفهم. {عَابِرِى سَبِيلٍ} أراد المسافر الجنب لا يصلي حتى يتيمم، أو أراد مواضع الصلاة لا يقربها إلا ماراً. {مَّرْضَى} بما ينطلق عليه اسم مرض وإن لم يضر معه استعمال الماء، أو بشرط أن يَضُر به استعمال الماء، أو ما خيف فيه من استعمال الماء التلف. {سَفَرٍ} ما وقع عليه الاسم، أو يوم وليلة، أو ثلاثة أيام. {الْغَآئِطِ} الموضع المطمئن كُني به عن الفضلة، لأنهم كانوا يأتونه لأجلها. الملامسة: الجماع، أو باليد والإفضاء بالجسد، ولامستم أبلغ من لمستم، أو لامستم يوجب الوضوء على اللامس والملموس ولمستم يوجبه على اللامس وحده. {فَتَيَمَّمَوُاْ} تعمدوا وتحروا، أو اقصدوا، وقرأ ابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ فأتوا صعيداً. {صَعِيداً} أرض ملساء لا نبات بها ولا غرس، أو أرض مستوية، أو التراب، أو وجه الأرض ذات التراب والغبار. {طّيِّبًا} حلالاً، أو طاهراً، أو تراب الحرث، أو مكان جَرْد غير بَطِح. {وَأَيْدِيكُمْ} إلى الزندين، أو المرفقين، أو الإبطين: ويجوز التيمم للجنابة عند الجمهور ومنعه عمر وابن مسعود والنخعي. وسبب نزولها قوم من الصحابة أصابتهم جراح، أو نزلت في إعواز الماء في السفر.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} جمع سكران {حتى تعلموا ما تقولون} سبب نزول هذه الآية ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال صنع لنا ابن عوف طعاماً فدعانا فأكلنا وسقانا خمراً قبل تحريم الخمر فأخذت منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قل يا أيّها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون قال فخلطت فنزلت {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وأخرجه أبو داود ولفظه أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبدالرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر فحضرت الصلاة فأمَّهم علي في المغرب فقرأ قل يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت الآية: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} وروى ابن جرير الطبري عن ابن عباس أن رجالاً كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن تحرم الخمر فقال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الآية فعلى هذا ففي المراد بالصلاة قولان: أحدهما أنه نفس الصلاة ذات الركوع والسجود وهو قول الأكثرين المعنى لا تصلّوا وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. والقول الثاني إن المراد بالصلاة موضع الصلاة وهو المسجد وإطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل فيكون من باب حذف المضاف. والمعنى لا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم سكارى وحذف المضاف جائز سائغ. ويدل عليه قوله تعالى لهدمت صوامع وبيع وصلوات والمراد بالصلوات مواضعها فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد موضعها جائز. واعلم أن هذا النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر إنما كان قبل تحريم الخمر فكانوا يشربونها في غير أوقات الصلاة ثم نزل تحريم الخمر بعد ذلك ونسخت هذه الآية وقال الضحاك المراد بالسكر سكر النوم يعني لا تقربوا الصلاة عند غلبة النوم ويدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلّى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر ربه فيسب نفسه" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: {ولا جنباً} يعني ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب وأصل الجنابة البعد سمي الذي أصابته الجنابة جنباً لأنه يتجنب الصلاة والمسجد وقيل لمجانبته الناس حتى يغتسل {إلاّ عابري سبيل} العابر هاهنا فاعل من العبور وهو قطع الطريق من هذا الجانب إلى الجانب الآخر واختلف العلماء في معنى قوله إلا عابري سبيل على قولين: أحدهما إن المراد بالعبور هو العبور في المسجد وذلك أن قوماً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم ولا ممر لهم إلاّ في المسجد فرخص لهم العبور فيه فعلى هذا القول يكون المراد بالصلاة موضع الصلاة والمعنى لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه أو للدخول فيه مثل أن يكون قد نام في المسجد فأجنب فيجب الخروج منه أو يكون الماء في المسجد فيدخل إليه أو يكون طريقه عليه فيمر فيه من غير إقامة وهذا قول ابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وسعيد بن المسيب وعكرمة وعطاء الخرساني والنخعي والزهري وإليه ذهب الشافعي وأحمد. القول الثاني أن المراد من قوله إلاّ عابري سبيل المسافرون والمعنى لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا الماء فتيمموا فمنع الجنب من الصلاة حتى يغتسل إلا أن يكون في سفر ولا ماء معه فيتيمم ويصلّي إلى أن يجد الماء فيغتسل وهذا قول علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة فمن جعل عابري السبيل المسافرين منه الجنب من العبور في المسجد وهو مذهب أبي حنيفة. وصحح ابن جرير الطبري الواحدي القول الأول ويدل على صحته وجهان: أحدهما أن المسافر الجنب لا تصح صلاته بدون التيمم ولم يذكر التيمم ها هنا فيحتاج إلى إضمار شيئين: عدم الماء وذكر التيمم وعلى القول الأول لا يحتاج إلى إضمار شيء. الوجه الثاني أن الله ذكر حكم السفر وعدم الماء وجواز التيمم بعد هذا فلا يحل هذا على حكم معاد في الآية ويدل على أن جميع القراء استحسنوا الوقف على قوله: {حتى تغتسلوا} يعني إلى أن تغتسلوا وفيه دليل على أن حكم الجنابة باقٍ على الجنب إلى غاية هي الاغتسال. فصل في أحكام تتعلق بالآية اختلف العلماء في العبور في المسجد فأباحه قوم على الإطلاق وهو قول الحسن وبه قال مالك والشافعي ومنعه بعضهم على الإطلاق وهو قول أصحاب الرأي. وقال قوم يتيمم للعبور في المسجد واختلف العلماء في المكث في المسجد أيضاً للجنب فمنعه أكثر أهل العلم وقالوا لا يجوز للجنب المكث في المسجد بحال لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: حديث : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحاب شراعة في المسجد فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد" ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئاً رجاء أن تنزل لهم رخصة فخرج إليهم بعد. فقال "وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل لحائض ولا جنب" تفسير : أخرجه أبو داود وجوز أحمد المكث في المسجد بشرط الوضوء به. قال المزني من أصحاب الشافعي وأجاب أحمد عن حديث عائشة بأنه في رواته مجهول. وقال عبد الحق لا يثبت من قبل إسناده واستدل أحمد لمذهبه بما روي عن عطاء بن يسار قال رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة أخرجه سعيد بن منصور في مسنده واحتج لمذهب الجمهور بعموم الآية وبما روي عن أم سلمة قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته "حديث : أن المسجد لا يحل لجنب ولا حائض"تفسير : أخرجه ابن ماجه ويحرم على الجنب أيضاً الطواف وقراءة القرآن كما يحرم عليه فعل الصلاة ويدل على ذلك أيضاً ما روي عن علي بن أبي طالب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولا يحجبه وربما قال ولا يحجزه من القرآن شيء ليس الجنابة أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي ولفظه كان يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً وقال حديث حسن صحيح عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقرأ الجنب ولا الحائض ولا النفساء من القرآن شيئاً" تفسير : أخرجه الدارقطني ويجب الغسل بأحد شيئين: بإنزال المني وهو الماء الدافق أو بإيلاج الحشفة في الفرج وإن لم ينزل ويدل على ذلك ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً "قال يغتسل وعن الوجه يرى أنه احتلم ولا يجد بللاً. قال لا غسل عليه قالت أم سلمة والمرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال نعم؟" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل" تفسير : زاد في رواية:حديث : وإن لم ينزل . تفسير : وقوله تعالى: {وإن كنتم مرضى} جمع مريض وأراد به المرض الذي يضر معه إمساك الماء مثل الجدري وإحراق النار ونحو ذلك وإن كان على بعض مع وجود الماء وإن كان بعض أعضائه من استعمال الماء التلف أو زيادة الوجع فإنه يتيمم ويصلي مع وجود الماء وإن كان بعض أعضائه صحيحاً وبعضها جريحاً غسل الصحيح وتيمم للجريح في الوجه واليدين لما روي حديث : عن جابر قال: خرجنا في سفرنا فأصاب رجلاً منا حجراً فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: "قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو قال يعصب شك الراوي على جرحه خرقة ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده" تفسير : أخرجه أبو داود والدارقطني ولم يجوز أصحاب الرأي الجمع بين الغسل والتيمم قالوا إذا كان أكثر أعضائه أو بدنه صحيحاً غسل الصحيح ولا يتيمم عليه وإن كان الأكثر جريحاً اقتصر على التيمم والحديث حجة لمن أوجب الجمع بين الغسل والتيمم. قوله تعالى: {أو على سفر} يعني أو كنتم مسافرين وأراد به السفر الطويل والقصير وعدم الماء فإنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه لما روي عن أبي ذر قال: "اجتمعت غنيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبا ذر ابد فيها فبدوت إلى الربذة فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو ذر فسكت فقال ثكلتك أمك يا أبا ذر لأمك الويل فدعا بجارية سوداء فجاءت بعس فيه ماء فسترتني بثوب واستترت بالراحلة فاغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلاً. فقال الصعيد الطيب: وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك خير أخرجه أبو داود العس قدح من فخار يجعل فيه الماء للوضوء والاغتسال. أما إذا لم يكن الرجل مريضاً ولا على سفر وعدم الماء في موضع لا يعدم فيه غالباً فإنه يتيمم ويصلي ثم يعيد إذا وجد الماء وقدر عليه وبه قال الشافعي وقال مالك والأوزاعي لا إعادة عليه وقال ابو حنيفة يؤخر الصلاة حتى يجد الماء. وقوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} الغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان وكانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث فكنوا به عن الحدث وذلك أن الرجل منهم كان إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يعني مكاناً منخفضاً من الأرض يحجبه عن أعين الناس فسمي الحدث بهذا الاسم فهو من باب تسمية الشيء باسم مكانه. وقوله تعالى {أو لامستم النساء} قرئ هنا وفي سورة المائدة لامستم النساء ولمستم بغير ألف واختلف العلماء في معنى الملامسة على قولين أحدهما أنه الجماع وهو قول علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ووجه هذا القول أن الله تعالى كنى باللمس عن الجماع لأن اللمس يوصل إليه. قال ابن عباس إن الله حيي كريم يكني عن الجماع بالملامسة، والقول الثاني إن المراد باللمس هنا التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو بغير جماع وهو قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي ووجه هذا القول إن اللمس حقيقة في اللمس باليد فأما حمله على الجماع فمجاز والأصل حمل الكلام على الحقيقة لا على المجاز. وأما قراءة من قرأ أو لامستم فالملامسة مفاعلة والأصل حمل الكلام على الحقيقية لا على الإطلاق لأنه قد ورد في الحديث النهي عن بيع الملامسة قال أبو عبيدة في معناها هي أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع فالملامسة في الحديث بمعنى اللمس باليد وإذا كانت مستعملة في غير المجامعة لم يدل قوله تعالى: {أو لامستم النساء} على صريح الجماع بل حمل على الأصل الموضوع له وهو اللمس باليد. فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل المسألة الأولى: إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة ولا حائل بينهما انتقض وضوءهما وهو قول ابن مسعود وابن عمر وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي لما روى الشافعي عن ابن عمر أنه قال قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة فمن قبّل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء أخرجه مالك في الموطأ قال الشافعي: وبلغنا عن ابن المسعود مثله وقال مالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق إذا كان اللمس بشهوة انتقض الوضوء وإن لم يكن بشهوة فلا ويدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" قال عروة ومن هي إلاّ لا أنت فضحكت أخرجه أبو داود وأجيب عن هذا الحديث بأنه ليس بثابت قال الترمذي إنه لا يصلح إسناده بحال وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث وقال حبيب بن ثابت لم يسمع من عروة وضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث وقال هو شبه لا شيء وفيه ضعف من وجه آخر وهو أن عروة هذا ليس بعروة بن الزبير ابن أخت عائشة إنما هو شيخ مجهول قال البيهقي يعرف بعروة المزني وإنما المحفوظ عن عائشة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم"تفسير : كذا رواه الثقات عن عائشة وقال أبو حنيفة لا ينتفض الوضوء باللمس إلاّ أن يحدث الانتشار وقال قوم لا ينتقض بحال وهو وقول ابن عباس وبه قال الحسن والثوري واحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما روي عن عائشة أنها قالت: "حديث : كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح" تفسير : أخرجاه في الصحيحين وأجاب من أوجب الوضوء باللمس عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون غمزه لها على حائل. المسألة الثانية: اختلف قول الشافعي في لمس المحرم كالأم والبنت والأخت أو أجنبية صغيرة فأصح القولين عنه أنه لا ينتقض الوضوء به والثاني أنه ينتقض الوضوء به ومأخذ القولين عند أصحاب الشافعي التردد بين التعلق بعموم الآية في قوله: {أو لا مستم النساء} أو النظر إلى المعنى في النقض باللمس وهو تحرك الشهوة فإن أخذنا بعموم الآية فينتقض الوضوء بلمس المحارم وإن أخذنا بالمعنى فلا ينتقض وفي الملموس قولان والملموس هو الذي لا فعل منه في المباشرة رجلاً كان أو امرأة واللامس هو الفاعل اللمس وإن لم يقصد المباشرة فأحد القولين إنه ينتقض وضوء اللامس والملموس لعموم الآية لأنه لمس وقع بين الرجل والمرأة فينتقض وضوءهما معاً والقول الثاني إنه ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "حديث : فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوضعت يدي على أخمص قدميه وهو ساجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللّهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" تفسير : أخرجه مسلم فلو انتقض وضوءه صلى الله عليه وسلم لقطع الصلاة ولو لمس شعر امرأة أو سنها أو ظفرها فلا وضوء عليه. المسألة الثالثة في الحديث: وهو الخارج من السبيلين عيناً كالبول والغائط أو أثراً كالريح ونحوها فإذا حصل شي من ذلك فلا تصح صلاته ما لم يتوضأ أو يتيمم عند عدم الماء لما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" تفسير : فقال رجل من أهل حضرموت ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال فساء أو ضراط أخرجاه في الصحيحين أما خروج النجاسة من غير السبيلين كالفصد والحجامة والرعاف والقيء ونحوها فذهب قوم إلى أنه لا وضوء من خروج هذه الأشياء يروى عن ابن عمر وابن عباس وبه قال عطاء وطاوس والحسن وابن المسيب وإليه ذهب مالك والشافعي لما روي عن أنس قال: "احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه" أخرجه الدارقطني وذهب قوم إلى إيجاب الوضوء من ذلك منهم سفيان الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق واتفق هؤلاء على أن خروج القليل منه لا ينقض الوضوء ويدل على انتقاض الوضوء بخروج هذه الأشياء ما روي عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ. قال: معدان فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: صدق أنا صببت له وضوءه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال: هو أصح شيء في هذا الباب. المسألة الرابعة: من نواقض الوضوء زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم لما روي عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ" تفسير : أخرجه أبو داود وابن ماجه ويستثنى من ذلك النوم اليسير قاعداً مفضياً بمحل الحدث إلى الأرض ويدل على ذلك ما روي عن أنس. قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الأخير حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون أخرجه أبو داود وذهب قوم إلى أن النوم لا ينقض الوضوء بكل حال وهو قول أبي هريرة وعائشة وبه قال الحسن وإسحاق والمزني وذهب قوم إلى أنه لو نام قائماً أو قاعداً أو ساجداً وهو في الصلاة فلا وضوء عليه حتى يضطجع وبه قال سفيان الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس على من نام ساجداً وضوء حتى يضطجع فإذا اضطجع استرخت مفاصله" تفسير : أخرجه أحمد بن حنبل وضعف بعضهم هذا الحديث. المسألة الخامسة: من نواقض الوضوء مس الفرج من نفسه أو غيره فذهب قوم إلى أنه يوجب الوضوء وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وإليه ذهب الأوزاعي الشافعي وأحمد وإسحاق غير أن الشافعي قال: ينتقض الوضوء إذا لمس ببطن الكف والرجل والمرأة في ذلك سواء يدل على ذلك ما روي عن بسرة بنت صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من مس ذكره فلا يصلَّ حتى يتوضأ" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح ولأبي داود والنسائي نحوه وعن أم حبيبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من مس فرجه فليتوضأ" تفسير : أخرجه ابن ماجه وصححه أحمد وأبو زرعة وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أفضى بيده إلى ذكره وليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء" تفسير : أخرجه أحمد بن حنبل وذهب قوم إلى مس الذكر لا يوحب الوضوء وهو قول علي وابن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة وبه قال الحسن وإليه ذهب الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي واحتجوا بما روي عن طلق بن علي قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل كأنه بدوي فقال: "حديث : يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما توضأ قال هل هو إلاّ مضغة أو قال بضعة منه؟" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي نحوه بمعناه وأجاب من أوجب الوضوء على من مس الذكر عن حديث طلق بن علي بأن قدومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في أول الهجرة وهو يبني المسجد وأبو هريرة من آخرهم إسلاماً. وقد روي انتقاض الوضوء بمس الذكر فصار حديث أبي هريرة ناسخاً لحديث طلق بن علي وأيضاً فإن حديث طلق يرويه عنه ابنه قيس بن طلق وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث. وقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} اعلم أن التيمم من خصائص هذه الأمة خصها الله تعالى به ليسهل عليهم أسباب العبادة ويدل على ذلك ما روي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء" تفسير : أخرجه مسلم وكان سبب بدء التيمم ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء قالت عائشة فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلاّ مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله عز وجل آية التيمم فتيمموا فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر قال عائشة فبعثنا البعير الذي كنا عليه فوجدنا العقد تحته" أخرجاه في الصحيحين قولها بالبيداء البيداء: المفازة والقفر وكل صحراء فهي بيداء وجمعها بيد وذات الجيش اسم لموضع وهو على بريد من المدينة وقولها فبعثنا البعير أي أثرناه قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} هو معطوف على ما قبله والمعنى أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فطلبتم الماء لتطهروا به فلم تجدوه يعني فأعوزكم فلم تجدوه بثمن ولا بغير ثمن لأن المحدث مأمور بالتطهر بالماء فإذا أعوزه الماء عدل عنه إلى التيمم بعد طلب الماء. قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة طلب الماء فإن لم يجده تيمم وصلى ثم إذا دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى. وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه الطلب للصلاة الثانية حجة الشافعي قوله تعالى فلم تجدوا ماء فعدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه لعطشه أو عطش حيوان محترم فإنه يجوز له التيمم مع وجدان ذلك الماء وقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} أصل التيمم في اللغة القصد يقال تيممت فلاناً إذا قصدته وهو في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة عند عدم الماء لتأدية الصلاة واختلفوا في الصعيد الطيب فقال قتادة الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. وقال ابن زيد الصعيد: المستوي من الأرض وكذلك قال الليث: الصعيد الأرض المستوية التي لا شيء فيها. وقال الفراء: الصعيد هو التراب وكذلك قال أبو عبيد في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إياكم والقعود بالصعدات" تفسير : قال الصعدات الطرق مأخوذ من الصعيد وهو التراب وقيل الصعيد وجه الأرض البارز وهو اختيار الزجاج قال: الصعيد وجه الأرض ولا تبال أكان في الموضع تراب أو لا لأن الصعيد ليس هو التراب إنما هو وجه الأرض ونقل الربيع عن الشافعي في تفسير الصعيد قال: لا يقع اسم الصعيد إلاّ على تراب ذي غبار فأما البطحاء الغليظة والرقيقة فلا يقع عليها اسم الصعيد فإن خالطه تراب أو مدر يكون له غبار كالذي خالطه هو الصعيد قال ولا يتيمم بنورة ولا كحل ولا زرنيخ كل هذا حجارة هذا كلام الشافعي في تفسير الصعيد وهو القدوة في اللغة وقوله في ذلك حجة وقد وافقه على ذلك الفراء وأبو عبيدة في أنه التراب وجميع الأقوال في الصعيد صحيحه في اللغة لكن المراد به هنا التراب وقد قال ابن عباس في قوله صعيداً هو التراب. واختلف أهل العلم فيما يجوز به التيمم فذهب الشافعي إلى أنه يختص بما وقع عليه اسم التراب مما له غبار يعلق بالوجه واليدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً" تفسير : فخص التراب بالطهور ولأن الله تعالى وصف الصعيد بالطيب والطيب من الأرض هو الذي ينبت فيها بدليل قوله والبلد الطيب يخرج نباته فعلى هذا ما لا ينبت ليس بطيب ولنا أيضاً قوله تعالى في سورة المائدة فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه وكلمة من للتبعيض هنا ولا يتأتى ذلك في الصخر الذي لا تراب عليه وأيضاً فإنه يقال للغبار صعيد لأنه مأخوذ من الصعود وهو الارتفاع ولا يكون ذلك في الصخر وما أشبهه. وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض كالرمل والجص والنورة والزرنيخ ونحو ذلك حتى لو ضرب يده على صخرة ملساء لا غبار عليها صح تيممه عندهم واحتج أبو حنيفة ومن وافقه بظاهر الآية قالوا لأن التيمم هو القصد والصعيد اسم لما تصاعد من الأرض فقوله تعالى فتيمموا صعيداً طيباً أي اقصدوا أرضاً فوجب أن يكون هذا القدر كافياً وأجيب عنه بما تقدم من الدليل في قوله منه وإن لفظة من تكون للتبعيض قالوا ولما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" تفسير : وأجيب عنه بأن هذا مجمل يفسره ما تقدم من حديث حذيفة في تخصيص التراب والمفسر يقضي على المجمل وجوز بعضهم التيمم بكل ما هو متصل بالأرض من شجر ونبات ومدر ونحو ذلك قالوا لأن اسم الصعيد يقع على ما تصاعد على الأرض وأجيب عنه بما تقدم من الأدلة. وقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} الوجه المسموح في التيمم هو المجدود في الوضوء واختلف العلماء فيما يجب مسحه من اليد فذهب أكثر أهل العلم منهم ابن عمر وابنه سالم والحسن وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي أنه يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين وصورة ذلك أن يضرب كفيه على التراب ويمسح بهما وجهه ولا يجب إيصال التراب إلى منابت الشعور ثم يضرب ضربة أخرى ويفرق أصابعه فيمسح يديه إلى المرفقين ويدل على ذلك ما روي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" تفسير : رواه البيهقي ولم يضعفه وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن الأعرج عن ابن الصمة قال مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد عليّ حتى قام إلى الجدار فحته بعصا كانت معه ثم وضع يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد على هذا حديث منقطع لأن الأعرج وهو عبدالرحمن بن هرمز لم يسمع هذا من ابن الصمة وإنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة وكذا هو مخرج في الصحيحين عن عمير مولى ابن عباس قال دخلنا على أبي جهيم بن الحارث فقال أبو جهيم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فوضع يده على الحائط فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام. ولأبي داود عن نافع قال انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس فلما أن قضى حاجته فكان من حديثه يومئذٍ أن قال مر رجل في سكة من سكك المدينة فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من غائط أو بول فسلم عليه الرجل فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على حائط مسح بها وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه ثم رد عليه السلام قال: لم يمنعني إن أرد عليك أولاً إلاّ أني لم أكن على طهر وفي رواية فمسح ذراعيه إلى المرفقين فهذا أجود ما في هذا الباب. فإن البيهقي أشار إلى صحة إسناده وفيه دليل على الحكمين يعني مسح الوجه واليدين بضربتين وإيصال المسح إلى المرفقين وفيه دليل على أن التيمم لا يصح ما لم يعلق بالوجه واليدين غبار التراب لأن النبي صلى الله عليه وسلم حت الجدار بالعصى ولو كان مجرد الضرب كافياً لما كان حته. ذهب الزهري أنه يمسح اليد إلى المنكبين ويدل على ذلك ما روي عن عمار بن ياسر قال تمسحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد لصلاة الفجر بأكفهم الصعيد ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم. كلها إلى المناكب والإباط ثم بطون أيديهم أخرجه أبو داود وذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين وهو قول علي وابن عباس وبه قال الشعبي وعطاء ومكحول وإليه ذهب الأوزاعي ومالك وأحمد وداود الظاهري واحتجوا بما روي عن عمار بن ياسر قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال "حديث : إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه، وباطنهما ووجهه" تفسير : وفي رواية أن تقول هكذا وضرب بيديه الأرض فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه أخرجاه في الصحيحين وجملته أن اليد اسم لهذه الجارحة وحدها عند بعض أهل اللغة من أطراف الأنامل إلى الكوع وهذا هو المقطوع في حد السرقة. وقال أبو إسحاق الزّجاج: حدها من أطراف الأنامل إلى الكتف فمن ذهب إلى أن الممسوح في التيمم هو الكف. قال إن حد اليد هو المقطوع في حد السرقة ومن ذهب إلى أن الممسوح في التيمم إلى المناكب والأباط نظر إلى أن مسمى اليد يطلق على جميعها ومن ذهب إلى أن الممسوح في التيمم إلى المرفقين قال إن التيمم بدل عن الوضوء واليد المغسولة في الوضوء هي الممسوحة في التيمم فيحمل المطلق الذي في قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم على المقيد الذي في قوله تعالى في آية الوضوء فأغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأجاب من ذهب إلى هذا عن حديث عمار بأن المراد منه بيان صورة الضرب وليس المراد منه جميع ما يحصل به التيمم. فصل وأركان التيمم خمسة: الأول تراب طاهر خالص له غبار يعلق بالوجه واليدين ويحوز بالرمل إذا كان عليه غبار. الثاني قصد الصعيد فلو تعرض لمهب الريح لم يكفه ولو يممه غيره بإذنه مع عجزه جاز وإن كان قادراً فوجهان. الثالث نقل التراب إلى الوجه واليدين. الرابع نية استباحة الصلاة فلو نوى رفع الحدث لم يصح وأكمله أن ينوي استباحة الفرض والنفل. الخامس مسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين والترتيب ولا يصح التيمم لصلاة إلاّ بعد دخول وقتها ولا يجوز الجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد وهو قول علي وابن عباس وابن عمر وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وذهب جماعة إلى أن التيمم كالوضوء فيجوز تقديمه إلى الوقت ويجوز أن يصلي به ما شاء من الفرائض ما لم يحدث وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي واتفقوا على أنه يجوز أن يصلي بتيمم واحد ما شاء من النوافل قبل الفرض وبعده إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، وأن يقرأ القرآن إن كان جنباً ويشترط طلب الماء في السفر بأن يطلبه في رحله وعند رفقائه وإن كان في صحراء ولا حائل دون نظره حواليه، وإن كان دون نظره حائل قريب من تل أو جدار أو نحوه عدل عنه لأن الله تعالى قال فلم تجدوا ماء فتيمموا ولا يقال لم يجد إلاّ لمن طلب ولا يشترط طلب عند أبي حنيفة فإن رأى الماء ولا يقدر عليه لمانع من عدو أو سبع يمنعه من الذهاب إليه أو كان الماء في بئر وليس معه آلة الاستقاء فهو كالعادم فيتيمم ويصلي ولا إعادة عليه والله أعلم. وقوله تعالى: {إن الله كان عفواً} يعني يتجاوز عن ذنوب عباده ويعفو ويصفح عنهم {غفوراً} ستوراً على عباده يغفر الذنوب ويسترها وفيه تنبيه على أن الله تعالى رخص لعباده أمر العبادة ويسرها عليهم لأن من كانت عادته أن يغفر الذنوب ويعفو عنها كان أولى بأن يرخص للعاجزين أمر العبادة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ...} الآية: نزَلَتْ قبل تحريم الخَمْر، وجمهورُ المفسِّرين علَىٰ أن المراد سُكْر الخَمْر إلاَّ الضَّحَّاك، فإنه قال: المُرَادُ سُكْر النَّوْمِ، وهذا قولٌ ضعيفٌ، والمرادُ بـــ «الصَّلاة» هنا الصلاةُ المعروفةُ. وقالَتْ طائفةٌ: الصلاة هنا المرادُ بها مَوْضِعُ الصلاةِ، والصلاةُ معاً. قال ابنُ العربيِّ في «الأحكام»: ورُوِيَ في سبب نزولِ هذه الآيةِ عن عَلِيٍّ (رضي اللَّه عنه)؛ أنه قَالَ: صَنَعَ لنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَاماً، فَدَعَانَا، وسَقَانَا مِنَ الخَمْرِ ــــ يَعْنِي: وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا ــــ قَالَ: فَأَخَذَتِ الخَمْرُ مِنَّا، وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأْتُ: قُلْ يَـٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَّعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ, قَال فَأَنزَلَ ٱللَّه تَعَالَى {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ...} الآية: خرَّجه الترمذيُّ وصحَّحه. انتهى. وقوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}، قال عليُّ بن أبي طالبٍ (رضي اللَّه عنه) وغيره: عَابِرُ السَّبِيلِ: المُسَافِرُ. وقال ابنُ مسعودٍ وغيره: عابر السَّبيل هنا: الخَاطِرُ في المَسْجِد، وعَابِرُ سَبِيلٍ هو مِنَ العبور، أي: الخطور والجَوَازُ، والمريضُ المذكورُ في الآية هو الحَضَرِيُّ، وأصل الغائِطِ ما ٱنْخَفَضَ مِنَ الأرض، ثم كَثُر ٱستعمالُهُ في قضاء الحَاجَةِ. واللَّمْسُ في اللغةِ لَفْظٌ يقعُ لِلَّمْسِ الَّذي هو الجِمَاعُ، ولِلَّمْسِ الذي هو جَسُّ اليدِ والقُبْلَةُ ونَحْوُهُ، واختلف في موقِعِهَا هنا، فمالكٌ (رحمه اللَّه) يقولُ: اللفظةُ هنا تقتضِي الوَجْهَيْنِ، فالملامِسُ بالجِمَاعِ يتيمَّم، والملامِسُ باليد يتيمَّم، ومعنَىٰ قوله سبحانه: {فَتَيَمَّمُواْ}: ٱقْصِدُوا، والصَّعِيدُ؛ في اللغة: وَجْه الأرضِ؛ قاله الخَلِيلُ وغيره، واختلف الفُقَهاءُ فيه من أجْلِ تقييدِ الآيةِ إياه بالطَّيِّبِ. فقالتْ طائفة: يتيمَّم بوَجْه الأرْض، تراباً كان أو رَمْلاً أو حجارةً أو مَعْدِناً أو سَبِخَةً، وجعلَتِ الطِّيب بمعنى الطَّاهر، وهذا هو مذهَبُ مالكٍ، وقالتْ طائفة منهم: الطِّيب بمعنى المُنْبِتِ؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ} تفسير : [الأعراف:58]، فالصعيد عندهم هو الترابُ، وهذه الطائفةُ لا تُجِيزُ التيمُّم بغيره، فمكانُ الإجماع أنْ يتيمَّم في تُرَابٍ مُنْبِتٍ طاهرٍ غَيْرِ مَنْقُولٍ، ولا مَغْضُوبٍ، وترتيبُ القرآن الوجْهُ قبل اليدَيْنِ، وبه قال الجمهور، وفي «المدوَّنة»؛ أنَّ التيمُّم ضربتانِ، وجمهورُ العلماء أنَّه ينتهِي في مَسْح اليدَيْن إلى المرافق.
ابن عادل
تفسير : وجه اتِّصال هذه الآية بما قَبْلَها: أنه - تعالى - لما قال: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} ذكر بعض الإيمان الصَّلاة التي هِيَ رأسُ العِبَادات، ولذلك يُقْتَل تارِكُها، ولا يَسْقُط فرضُهَا. قال ابن عباس: نزلت في جَمَاعةٍ من أكابر الصَّحَابَة، قبل تَحْرِيم الخَمْرِ، كانوا يَشْرَبُونَها ثم يأتُون المَسْجِد للصَّلاة مع النَّبي صلى الله عليه وسلم فنهوا لهذه الآية. وقال جماعة من المفسِّرين: إن عبد الرَّحْمن بن عَوْف صنع طَعَاماً وشراباً - حين كانت الخَمْر مُبَاحَة - ودَعَا من أكَابِرِ الصَّحَابة، فأكَلُوا وشَرِبُوا، فلما ثَمِلُوا، جاء وقت صَلاَة المَغْرِب، فقدموا أحدهم لِيُصَلِّي بهم، فقرأ: {قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون} وحذف "لاَ" هكذا، إلى أخر السُّورة، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، فكَانُوا يَجْتَنِبُونَ السُّكْر أوْقات الصَّلوات، فإذا صَلُّوا العشاء، [شربوها]، فلا يُصْبِحُون إلا وقدْ ذَهَب عنهم السُّكْر، حتى نَزَل تَحْرِيم الخَمْرِ على الإطْلاَقِ في سورة المَائِدة. وعن عمر [بن الخطاب - رضي الله عنه -]؛ أنه لما بلغَهُ ذلك قال: "اللهم إنَّ الخَمْر تضر بالعُقُولِ والأمْوَال، فأنزل فيها أمْرَكَ" قال: فَصَبَّحهم الوَحْي بآيَةِ المائِدَةِ. قوله: {لا تقربوا الصلاة} فيه وجهان: أحدهما: أن في الكَلاَمِ حذف مُضافٍ، تقديره: مواضع الصَّلاةِ والمراد بمواضعها المَسَاجد، ويؤيِّدُه قوله بعد ذلَك: {إلا عابري سبيل} في أحد التَّأويلَيْن. والثاني: أنه لا حَذْف، والنَّهْي عن قُرْبَان نفس الصَّلاةِ في هذه الحالةِ. فصل قال بَعْضُهم: إن هذا يكون من باب إطْلاَق اسم الحَالِ على المَحَلِّ، وعلى الأوَّل: لمنع السَّكْرَان [والجُنْب] من المسْجِد إلا عابري سبيل، فيجوز للجُنُب العُبُور في المسْجِد. وعلى الثاني: أنه نَهْي للجنب عن الصَّلاة، إلا إذا كان عَابِر سبيلٍ وهو المُسَافِر عند العَجْزِ عن المَاءِ. ورجح أصْحَاب الشَّافعي الأول؛ بأن القُرْب والبعد حقيقةٌ في المسْجِد، مجَازٌ في الصَّلاة، والحقيقة أوْلَى من المجَاز؛ لأن الاسْتِثْنَاء يَصِحُّ عليه، ولا يَصِحُّ على الثَّاني؛ لأن غير العَابِري سبيل والعَاجِزَ عن المَاءِ، كالمريض يجوزُ له الصَّلاة بالتَّيَمُّم، ولأن الجُنُب المسافر لا يجوز له قُرْبان الصَّلاةِ إذا كانَ واجداً للمَاءِ، وإذا لم يَكُن وَاجداً للمَاء لم يَجُز له الصَّلاة إلا بشرط التَّيَمُّم، فيحتاج إلى إضْمَارها، وعلى الأوَّل لا يحتاج إلى إضْمَارٍ، ولأنه - تعالى - ذكر حكم السَّفَر وعدَم المَاءِ، والتَّيَمُّم عقيبها، وقد استحب القُرَّاءُ الوقُوفَ عند قوله - تعالى -: "حتى تغتسلوا" ثم يسْتأنف {وإن كنتم مرضى} لأنه حُكم آخر. ورُجِّح الثَّاني: بأن قوله {حتى تعلموا ما تقولون} يُنَاسب نفس الصَّلاة، لأن المسْجِد ليس فيه قَوْل مَشْرُوع يمنع الشكْر، وأيْضاً سبب النُّزُول يرجِّحُه. قوله: "وأنتم سكارى" مُبْتَدأ وخبر في مَحَلِّ نصب على الحَالِ من فاعل "تقربوا"، وقرأ الجُمْهُور "سُكارى" بضم السّين وألف بعد الكَافِ، وفيه قولان: أصحهما: أنه جَمْع تكسير نَصَّ عليه سيبويْه: قال: وقد يُكَسِّرُونَ بَعْضَ هذا "فُعَالَى"؛ وذَلِك كقول بعضهم سُكَارَى وعُجَالَى. والثاني: أنه اسم جَمْعٍ، وزعم ابن البَاذش أنه مذْهب سيبويْه؛ قال: وهو القياس؛ لأنه لم يَأتِ من أبْنِيَة الجمع شَيْءٌ على هذا الوَزْنِ، وذكر السَِّيرَافِي الخِلاف، ورجَّحَ كونه تَكْسِيراً. وقرأ الأعْمَش:"سُكْرَى" بضم السِّين وسكُون الكَافِ، وتَوْجِيهها أنَّها صِفَة على "فُعْلَى"؛ كحبلى، وقعت صِفَة لجماعَة، أي: وأنتُم جماعَةٌ سُكْرى، وحكى جناح بن حبيش كُسْلَى وكَسْلَى، بضم الكَافِ وفتحها؛ قاله الزمخشري. وقرأ النَّخْعي "سَكْرَى" بفتح السيِّن وسكون الكاَفِ، وهذه تَحْتَمِل وَجْهَيْن: أحدهما: ما تقدَّم في القراءة قبلها، وهو أنَّها صِفَة مُفْرَدة على "فَعْلَى"؛ كامرأة سَكْرَى، وصف بها الجمَاعة. والثَّاني: أنَّها جَمْع تكسير؛ كجَرْحى، ومَوْتى، وهَلْكى، وإنما جمع سَكْرَان على "فَعْلَى" حملاً على هذه؛ لما فيه من الآفَةِ اللاَّحِقَة للفِعْل، وقد تقدَّم شَيْء من هَذَا في قوله: {أية : وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ} تفسير : [البقرة: 85]. وقرئ: "سَكارى" بفتح السين والألف، وهذا جمع تكسير، نحو: نَدْمَان ونَدَامى، وعَطْشَان، وعَطَاشَى، والسُّكْر: لُغةً السَّدُّ، ومنه قيل لما يَعرض للمرءِ من شُرْبِ المُسْكِر، لأنَّه يسد ما بين المَرْء وعَقْلِه، وأكثر ما يُقَال ذلك لإزالَة العَقْل [بالمُسْكِرِ] وهو المراد بالآية في قول عَامَّة المُفسِّرين، وقد يقُال ذلك لإزالَتِه بغضب ونحوه، من عشق وغيره قال: [الكامل] شعر : 1800- سُكْرَانِ سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدَامَةٍ أنَّى يُفيقُ فَتًى به سُكْرَانِ تفسير : و "السكر" بالفتح وسكون الكَافِ: حبس الماءِ، وبكسر السِّين: نفس الموضع السْدُود، وأما "السَّكَر" بفتحهما فما يسكر به من المشروب، ومنه: {أية : سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} تفسير : [النحل: 67] وقيل السُّكْر: بضم السين وسكون الكاف [السّدّ] أي: الحَاجِز بين الشَّيْئَيْن، قال: [الهزج] شعر : 1801- فمَا زِلنَا عَلَى السُّكْرِ نُدَاوِي السُّكْر بالسُّكْرِ تفسير : والحاصل: أنَّ أصل المادة الدَّلالة على الانْسداد، ومنه: سَكرت عين البَازِي، إذا خَالَطَهَا نوم، وسكر النَّهر؛ إذا لم يَجْرِ، وسَكَرْتُه أنا، وقال - تعالى -: {أية : إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} تفسير : [الحجر: 15]، أي: غُشيت، والسُّكْر من الشراب، وهو أن يَنْقَطِع عما عَلَيْهِ من النَّفَاذ حال الصَّحْو، فلا يَنْفُذ رأيه كنَفَاذِه حَال الصَّحْو، وقال الضحَّاك: أراد به سُكْر النّوم نهى عن الصَّلاة عند غَلَبَة النَّوْم، قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إذا نَعسَ أحدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَرْقُد حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ؛ فإنَّ أحَدَكُم إذا صَلَّى وهو يَنْعَسُ، لَعَلهُ يَذْهَبُ يستَغْفِرُ فَيَسب نَفْسَه ". تفسير : والصحيح الأوَّل؛ لأن السكر حَقيقةً هو من شُرْب الخَمْرِ، فأمّا السّكر من الغَضَبِ أو العِشْقِ أو النَّوْمِ فَمَجَازٌ، إنما اسْتُعْمِل مقيّداً؛ قال - تعالى -: {أية : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} تفسير : [ق: 9]، {أية : وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} تفسير : الحج: 2] قال الفرزْدَق: [الطويل] شعر : 1802- مِنَ السَّيْرِ وَالإسْآدِ حَتَّى كَأنَّمَا سَقَاهُ الكَرَى فِي مَنْزِلَةٍ خَمْرا تفسير : ولأن عند النَّوْم تمتلئ مَجَاري الرُّوح من الأبخرة الغلِيظة، فلا ينفذ الروح للبَاصِر. قوله - تعالى -: "حتى تعلموا" "حتى" جارَّة بمعنى إلى، فهي مُتعلِّقَةٌ بفعل النَّهْي، والفعل بَعْدَها مَنْصوب بإضمار "أن" وتقدّم تَحْقِيقُه، وقال بَعْضُهم: إن حَتَّى هنا بمعنى ["كَيْ"] فهي "تَعلِيلِيَّة"، والمَعْنَى: كي تَعْلَمُوا ما تَقُولُون. و "مَا" يجوز فيها ثلاَثَة أوْجُه: أن تكون بِمَعْنَى الَّذِي، أو نكرة مَوْصُوفة، والعَائِد على هَذَيْن القَوْلَيْن مَحْذُوف، أي: يَقُولُونَهُ، أو مصدرية، فلا حَذْف إلا عَلَى رأي ابن السَّرَّاج ومن تَبِعَهُ. فصل قول البعض بنسخ الآية قال بَعْضهم: هذه الآية مَنْسُوخة بآية المائدة. قال ابن الخَطِيب: والَّذِي يمكن النَّسْخُ فيه، أنَّه - تعالى - نَهَى عن قُرْبَان الصَّلاةِ حَالَ السُّكْر مَمْدُوداً إلى غَايَة أن يَصير بِحَيْث يَعْلَم ما يَقُول، والحكم المَمْدُود إلى غاية، يَقْتَضِي انتهاء ذَلِك الحُكْم عند تلك الغَايَةِ، وهذا يَقْتَضِي جواز قُرْبَان الصَّلاة مع السُّكْر الذي يَعْلَمُ مِنْهُ ما يَقُول، ومعلوم أنَّ اللَّه - تعالى - لما حرَّم الخَمْر بآية المائدَة، فقد رَفَع هذا الجوازَ، فثبت أن آية المائِدَة ناسِخَةٌ مَدْلُولات هذه الآية. والجواب: أن هَذَا نَهْي عن قُرْبَان الصَّلاة حَال السُّكْرِ، وتخصيصُ الشيء بالذِّكْرِ لا يَدُلُّ على نَفي الْحُكم عما عداه، إلا على سبيل الظَّنِّ الضَّعيف، ومثل هَذَا لا يَكُون نَسْخاً. فصل: التكليف بما لا يطاق قال بَعْضُهم: هذه الآية تَدُلُّ على جواز التَّكْليف بما لا يُطَاق؛ لأنه - تعالى - قال: {ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}، وهذه جملة حاليَّة، فكأنه - تعالى - قَالَ للسَّكْرَان: لا تُصَلِّ وأنْت سَكْرَان، وهذا خطاب للسكران. والجواب عنه: بأن هذا لَيْس خِطَاباً للسَّكْرَان، بَلْ هو خِطَاب للَّذِين آمَنُوا؛ فكأنه قال: يأيُّهَا الذين آمَنُوا لا تَسْكَرُوا، فقد نهى عن السُّكْر؛ ونظيره قوله - تعالى -: {أية : وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 102] وهو ليس نَهْياً عن المَوْت، وإنما هو أمْر بالمُدَاوَمَةِ على الإسْلامِ، حتى يَأتيهُ المَوْت وهو في تِلْك الحَالِ. قوله: "ولا جنباً" نصب على أنه مَعْطُوف على الحَالِ قبله، وهو قوله: "وأنتم سكارى" عطف المُفْرَد على الجُمْلَة لمّا كَانَتْ في تأويله، وأعاد معها "لا" تَنْبيهاً على أنَّ النَّهْي عن قُرْبَان الصَّلاة مع كل واحدٍ من هَذَيْن الحَالَيْن على انْفِرَادَهَما، فالنَّهي عنها مع اجْتِمَاعِ الحَالَيْنِ آكَد وأوْلى، والجُنُبُ مشتقٌّ من الجَنَابَة وهو البُعْدُ؛ قال: [الطويل] شعر : 1803- فَلا تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عَنْ جَنَابَةٍ فَإنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ القِبَابِ غَريبُ تفسير : وسمي الرَّجُل جُنُباً: لبعده عن الطَّهَارةِ؛ أو لأنَّه ضَاجَع بِجَنْبِه وَمسَّ به، والمشْهُور أنه يستعمل بِلَفْظٍ واحدٍ كالمُفْرد والمُثَنَّى والمَجْمُوع، والمُذكَّر والمُؤنَّث، ومنه الآية الكَرِيمة. قال الزمخشري: لجريانه مَجْرَى المصدَرِ الذي هو الإجْنَابُ، ومن العَرَب من يُثَنِّيه فيَقول جُنُبَان ويجمعه جمع سَلاَمة فيقول: جُنُبُون، وتكْسِيراً فيقول: أجْنَاب، ومثله في ذلك شُلُل، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. قوله: {إلا عابري سبيل} فيه وجهان: أحدهما: أنه مَنْصُوب على الحَالِ فهو استثْنَاء مُفَرَّغ، والعامِل فيها فِعْل النَّهْي، والتَّقْدير: "لا تقربوا الصلاة في حالة [الجنابة إلا في حال السفر] أو عُبُور المَسْجِد على حَسَب القَوْلَيْن. وقال الزَّمَخْشَريّ: {إلا عابري سبيل} استثنَاء من عامَّة أحوال المُخَاطبين، وانتصَابه على الحال. فإن قُلْت" كيف جَمَع بين هذه الحَال، والحَالِ التي قَبْلَها. قلت: كأنه قيل: لا تَقْربُوا الصَّلاة في حال الجَنابة: إلا ومَعَكُم حالٌ أخْرَى تَعْتَذِرون فيها: السَّفَر وعُبُور السَّبِيل عبارة عَنْه. والثَّاني: أنه مَنْصُوب على أنه صِفَةٌ لقوله "جنباً" بـ "إلاَّ" بمعنى "غير"، فظهر الإعْرَاب فيما بَعْدَهَا، وسيأتي لهذا مزيد بَيَانٍ عند قوله - تعالى -: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] كأن قيل: "لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل"، أي: جُنُباً مُقِيمين غير مَعْذُورين، وهذا معنى وَاضِحٌ على تَفْسير العُبُور بالسَّفر، وهذا قَوْل عَلِيّ وابن عبَّاس، وسَعيد بن جُبَيْرٍ، ومُجَاهِد قالوا: مَعْنَاه إلاَّ أن تكُونُوا مُسَافرين ولا تَجدُون المَاءَ فَتَيَمَّمُوا؛ مَنَع الجُنُب من الصَّلاة [حتى يَغْتَسِل، إلا أن يَكُونَ في سَفَر ولا يجدهَا فيصلّي بالتيمم وأمَّا من قدَّرَ مَوَاضِعَ الصَّلاة] فالمعنى عنده: لا تَقْرَبُوا المَساجِد جُنُباً إلا مُجْتَازين؛ لكونه لا مَمَرَّ سواه، وهو قول عبد الله بن مَسْعُود، وسعيد بن المسيَّب، والحسن، وعِكْرِمَة، والنَّخعِي، والزُّهري، وذلك أن قَوْماً من الأنْصار، كانت أبوابُهم في المَسْجِد، فتُصِيبهم الجَنَابة، ولا مَاء عندهم، ولا مَمَرَّ لهم إلاَّ في المَسْجِد، فَرُخِّصَ لهم في العُبُور، قالوا: والمُراد من الصَّلاة هُنَا: موضع الصَّلاة؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} تفسير : [الحج: 40] والمعنى: لا تَقْرَبُوا المسجد وأنتم جُنُب، إلا مُجْتازين فيه للخُرُوجِ منه، مثل أن يَنَام في المَسْجِد، فَيَجْنُبُ أو تُصِيبُه جَنَابة والماءُ في المَسْجِد، والعُبُور الجَوَاز؛ ومنه: "نَاقَةٌ عُبْرُ الهَوَاجِر" قال: [الكامل] شعر : 1804- عَيْرَانَةُ سُبُحُ اليَدَيْنِ شِمِلَّةٌ عُبْرُ الهَوَاجِرِ كالهِزَفِّ الخَاضِبِ تفسير : وقوله: "حتى تغتسلوا"؛ كقوله: "حتى تعلموا" فهي مُتعلِّقة بفعل النَّهِي. فصل: حكم عبور المسجد للجنب اختلفوا في عُبُور المَسْجِد للجُنُب، فأبَاح الحَسَنُ ومَالِكٌ والشَّافِعِيُّ المُرور فيه على الإطلاقِ، وهو قَوْل أصْحَاب الرأي، وقال بَعْضُهم: يَتَيَمَّمُ للمرور فيه، وأما المُكْثُ فلا يجوز عند أكْثرِ العُلَمَاء؛ لقول النَّبِي صلى الله عليه وسلم "حديث : وَجِّهُوا [هذه البُيُوت عن المَسْجِد] فَإنِّي لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ" تفسير : وجوّز أحْمَدُ المُكْثَ فيه، وضعَّف الحديث؛ لأن رَاويه مَجْهُول. قوله: {وإن كنتم مرضى} جمع مَريض، وأراد به مَرَضاً يَضُرُّه أساس الماء كالجُدَرِي والقُرُوح العَظيمَة، أو كان على مَوْضِع طَهَارته جِرَاح يخاف من اسْتِعْمَال الماء التَّلف، أو زيادة المَرَضِ، فإنه يُصَلِّي بالتَّيَمُّمِ وإن كان مَوْجُوداً، وإن كان بَعْض أعضاء طهارته صحيحاً والبَعْض جَريحاً، غسل الصَّحيحَ، وتيَمَّم عن الجَرِيح؛ حديث : لما رَوَى جَابر؛ قال: خَرَجْنَا في سَفَرٍ، فأصَابَ رَجُلاً منا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ في رَأسِهِ فاحْتَلَم، فسَأل أصْحَابَهُ هلْ تجدُون رُخْصَة في التَّيَمُّم؟ قَالُوا: ما نَجِدُ لك رُخْصَة في التَّيَمُّم، وأنت تَقْدِر على المَاءِ، فاغْتَسَل فمات، فَلَمَّا قَدِمْنَا على النَّبي صلى الله عليه وسلم أخبرناه بذلك، فقال: قتلُوهُ قَتلَهُم اللَّهُ إلا سَألُوا إذ لَمْ يَعْلَمُوا، فإنما شِفَاء العيِّ السُّؤالُ، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعْصِر أو يَعْصِب - شك الراوي - على جُرْحِهِ خِرْقَة، ثم يَمْسَح عليها ويَغْسِل سَائِر جَسَدهتفسير : . ولم يجوِّز أصْحَاب الرَّأي الجمع بين التَّيَمُّم والغُسْل، وقالوا: إن كَانَ أكْثَر أعْضَائه وصَحِيحاً، غسل الصَّحيحَ وكَفَاهُ، وإن كان الأكْثَر جَريحاً، اقْتَصر على التَّيَمُّم، والحديث حُجَّةٌ عليهم. قوله: {أو على سفر} في محلِّ نصبٍ عطفاً على خَبَر كان، وهو المَرْضَى؛ وكذلك قَولُه: {أو جاء أحد منكم} {أو لامستم النساء}، وفيه دليلٌ على مجيء [خبر] كان فِعْلاً مَاضياً من غَيْر "قَدْ"، وادِّعاء حَذْفها تكلُّفٌ لا حَاجَة إلَيْه؛ كذا استَدَلَّ به أبو حيان، ولا دليل فيه؛ لاحْتِمَال أن يَكُون "أو جاء" عَطْفاً على "كنتم" تَقْديره: وإن جَاءَ أحَدٌ، وإليه ذهَب أبُو البَقَاء، وهو أظْهَر من الأوَّل والله أعلم. فصل أراد مُطْلق السَّفَر طويلاً كان أو قَصِيراً، إذا عَدِمَ المَاءَ فإنه يُصَلِّي بالتَّيَمُّم، ولا إعادة عَلَيه؛ لما روي عن أبِي ذرٍّ؛ قال:قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: حديث : إنَّ الصَّعيد الطَّيِّبَ وضُوء المسْلِمِ، وإن لم يَجد المَاءَ عَشْرَ سِنِين، فإذا وَجَد المَاءَ، فَلْيَمُسَّهُ بَشَرتهُ فإن لم يَكُن مَرِيضاً ولا في سَفَرِ، ولكنه عَدِم المَاءَ في مَوْضِع لا يُعْدَم فيه المَاءُ غَالِباً: كقرية انقطع مَاؤُهَا فقال بَعْضُهم يصلِّي بالتَّيَمُّم، ويُعيدُ إذا قدر على المَاءِ تفسير : وقال آخَرُون: لا إعَادة [عَلَيْه] وهو قول الأوْزَاعِي ومَالِكٍ، وقال أبو حَنيفَة: يؤخِّر الصَّلاة حتى يجد المَاءَ. وقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} أراد به: إذا أحْدَث، وقوله: "أو جاء أحد" يدل على الانتقال من مَكَان الغائِط والانتقَال عنه. و"منكم" في مَحَلِّ رفع؛ لأنه صِفَة لأحد فَيَتعلَّق بمحذوف، و "من الغائط" متعلِّق بـ "جَاءَ" فهو مَفْعُوله، وقرأ الجُمْهُور: "الغائط" بزنة "فَاعِل" وهو المكان المُطْمَئِن من الأرْضِ [وجَمْعُه الغيطان ثم عَبَّر عَن الحَدَثِ كِناية؛ للاستحْيَاء من ذِكْره، وفرَّقت] العرب بين الفِعْلَيْن منه، فقالت: غَاطَ في الأرْض، أي: ذَهَب وأبْعَد إلى مَكَانِ لا يَراهُ فيه إلا من وَقَف عليه، وتَغَوَّط: إذا أحْدَث. وقرأ ابن مَسْعُود: "من الغيط" وفيه قَوْلاَن: أحدهما: وإليه ذهب ابن جني: أنه مُخَفَّف من "فَيْعِل"؛ كهَيْن، ومَيْت [في هَيِّن ومَيِّت]. والثاني: أنه مَصْدر على وَزْن "فَعَل" قالوا: غَاطَ يَغيطُ غَيْطاً، وغَاطَ يَغُوطُ غَوْطاً. وقال أبو البَقَاء: هو مَصْدرَ "يغوط" فكان القياس "غوطاً" فقلبت الوَاوُ ياءً، و [إن] سُكِّنت وانْفتح ما قبلها لِخفَّتِها كأنه لم يطَّلِع على أنَّ فيه لُغَة أخْرَى من ذَوَات اليَاءِ حتى ادّعى ذَلِك. قوله: {أو لامستم النساء} قرأ الأخوان هنا، وفي المَائِدَة: "لمستم"، والباقون: "لامستم" [فقيل] فَاعَلَ بمعنى فَعَل، وقيل لمس: جامع، ولامَس: لِما دُون الجِمَاع. قال ابن عباس والحسن ومُجَاهِد وقتَادَة: كُنِّي باللَّمْس عن الجِماع؛ لأن اللَّمْسَ يُوصِل إلى الجِمَاع، ولأن اللَّمْس والمَسَّ وردَا في القُرْآن كِناية عن الجِماع [في] قوله: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 3]، و {أية : مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} تفسير : [البقرة: 237] ولأن الحَدَثَ الأصْغر مَذْكُور في قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} فلو حُمَل اللمس على الأصْغر، لم يَبْق للحدث الأكْبر ذِكْرٌ، وقال ابن مَسْعُود، وابن عُمَر، والشعبي، والنَّخعِي، هما التقاء البَشَرتَيْن سواءٌ كان بِجِماع أو غير جِمَاع؛ لأن حُكْم الجَنَابَة تقدَّم في قوله: "ولا جنباً" فلو حَمَلْنَا اللَّمس على الجَنَابةِ، لزم التّكْرَار. قوله: "فلم تجدوا" الفَاء عَطَفت ما بَعْدَها على الشَّرْط، وقال أبُو البَقَاءِ: على "جَاء" لأنه جَعَل "جَاء" عطفاً على "كنتم"، فهو شرْط عنده، والفاءُ في قَوْله: "فتيمموا" هي جَوَاب الشَّرْط، والضَّمِير في "تيمموا" لِكُلِّ من تَقَدَّم؛ من مريض ومُسَافرٍ ومُتغوِّط ومُلامِس أوْ لامسِ، وفيه تَغْليبٌ للخطاب على الغَيْبَة؛ وذلك أنَّهُ تقدَّم غَيْبَة في قوله: "أو جاء أحد" وخطاب في "كنتم"، و "لمستم" فغلَّب الخطاب، في قوله: "كنتم" وما بَعْده عليه، وما أحْسَن ما أتي هُنا بالغَيْبَة، لأنه كِناية عما يُسْتَحْيَا منه فَلَم يُخَاطِبْهم به، وهذا من مَحَاسِنِ الكَلامِ؛ ونحوه قوله: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 80] [و "وجَد" هنا بمعنى "لقِيَ"] فتعدت لِوَاحِدٍ و "صعيداً" مفعول به لقوله "تيمموا" أي: اقْصدُوا. وقيل: هو على إسْقَاطِ حَرْفٍ، اي: بصعيدٍ، وليس بشيءٍ لعدم اقْتِيَاسه، والصَّعيد "فَعِيلٌ" بمعنى الصَّاعد، [قيل: الصَّعِيد]: وَجْه الأرْضِ تراباً كَانَ أوْ غيره. فصل: الخلاف في وجوب تكرار طلب الماء في الصلاة الثانية قَال الشَّافِعِي: إذا دخل وَقْتُ الصلاة فَطَلَب المَاءَ ولم يجد المَاءَ، وتيمم وصلَّى، ثم دَخَل وقْتُ الصَّلاةِ الثَّانية، يجب عليه الطلب ثانياً؛ لقوله "فلم تجدوا" وهذا يشعر بسَبْق الطَّلَب. وقال أبو حنيفَة: لا يجب، واعْتَرض على الآيةِ بأن قوله: "فلم تجدوا" لا يُشْعر بسبق الطلب؛ قال - تعالى -: {أية : وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} تفسير : [الأعراف: 102] {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً} تفسير : [الضحى: 7، 8]، {أية : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115] وهذا لا يَسْبقُه طَلَبٌ؛ لاسْتِحَالته على اللَّه - تعالى -. فصل قال أبو حَنيفَة: التيمم هو القَصْد، والصَّعيد وهو ما يَصْعَد من الأرْض؛ فقوله {فتيمموا صعيداً طيِّباً} أي: اقْصُدوا أرْضاً، وقال الشَّافعي: هذه الآيةُ مطْلَقَة، وآية المائدة مُقيَّدة بقَوْله: {أية : مِّنْهُ} تفسير : [المائدة: 6] وكلمة "مِنْ" للتَّبعيض، وهذا لا يَتَأتَّى في الصَّخْر الذي لا تُرَابَ علَيْه، فوجب حمل المُطْلَقِ على المُقَيَّد. فإن قيل: إن كَلِمَة "مِنْ" لابْتداء الغَايَة، قال صَاحِب الكَشَّاف لا يَفْهَم أحدٌ من العرب من قَوْل القائِل: مَسَحْتُ برأسِهِ من الدُّهْن ومن المَاءِ ومن التُّراب، إلا مَعْنى التَّبْعيض. ثم قال: والإذْعَان للحَقِّ أحقُّ من المِرَاء. وقال الوَاحِدي: إنه - تعالى - قال: "صعيداً طيباً" والأرْض الطَّيِّبَة التي تُنْبِتُ؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} تفسير : [الأعراف: 58]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "حديث : التُّرابُ طَهُور المُسْلمِ إذَا لَمْ يجدِ المَاءَ ". تفسير : قوله: {فامحسوا بوجوهكم} هذا الجَارُّ متعلِّق بـ "امسحوا" وهذه الباء يُحْتَمَل أن تكون زَائِدة، وبه قال أبُو البَقِاء، ويحتمل أن تكُون مُتعدِّية؛ لأن سيبويْه حكى: مَسَحْتُ رَأسه وبِرأسه، فيكون من بَابِ نَصَحْتُه ونَصَحْتُ له، وحذف المَمْسُوح به، وقد ظَهَر في آية المَائِدة، في قوله: {أية : مِّنْهُ} تفسير : [المائدة: 6] فحُمِلَ عَلَيْه هذا. ثم قال - تعالى -: {إن الله كان غفوراً رحيماً} وهو كِناية عن التَّرْخيص والتَّيْسِير لأن من غَفَر للمذْنِبين، فبِأن يُرَخّص للعَاجِزين أوْلَى. فصل قال القرطبي: أجْمَع العلماءُ على أن التَّيَمُّم لا يَرْفعَ الجَنَابَة، ولا الحَدَث، وأن المُتَيِّمم لَهُما إذا وجد المَاءَ، عاد جُنُباً أو مُحْدِثاً كما كان؛ لقوله عليه السلام لأبي ذر: "حديث : إذَا وَجَدْتَ المَاءَ، فأمِسَّهُ جِلْدَكَ ". تفسير : فصل قال القرطبي: والمَسْحُ لفظ مُشْتَرك يكون بمعنى الجماع، يقال: مَسَح الرَّجُل المَرْأة، إذا جَامَعهَا، والمَسْحُ: مسْح الشيء بالسَّيْف وقَطْعه به، ومَسَحَت الإبل يَوْمَها إذا سَارَت، والمسْحَاءُ المرأة الرسماء التي لا اسْت لها، ولِفُلان مَسْحة من جمالٍ، والمُرَاد هنا بالمَسْحِ: عبارةٌ عن مَرِّ اليد على المَمْسُوح.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي. أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ {أية : قل يا أيها الكافرون} تفسير : [الكافرون: 1] فخلط فيها فنزلت {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} . وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، صنع علي لهم طعاماً وشراباً، فأكلوا وشربوا، ثم صلى علي بهم المغرب، فقرأ {أية : قل يا أيها الكافرون} تفسير : [الكافرون: 1] حتى خاتمتها فقال: ليس لي دين وليس لكم دين. فنزلت {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} . وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} قال: نسخها {أية : إنما الخمر والميسر...} تفسير : [المائدة: 90] الآية. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: كان قبل أن تُحَرَّمُ الخمر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نهوا أن يصلوا وهم سكارى، ثم نسخها تحريم الخمر. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والنحاس عن ابن عباس في قوله {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} قال: نسختها {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} تفسير : [المائدة: 6]. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} قال: نسخها {أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} تفسير : [المائدة: 6]. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} قال: نشاوى من الشراب {حتى تعلموا ما تقولون} يعني ما تقرؤون في صلاتكم. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: لم يعن بها الخمر، إنما عنى بها سكر النوم. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله {وأنتم سكارى} قال: النعاس. وأخرج البخاري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف، فلينم حتى يعلم ما يقول ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي في قوله {ولا جنباً إلا عابري سبيل} قال: نزلت هذه الآية في المسافر، تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي. وفي لفظ قال: لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافراً، تصيبه الجنابة فلا يجد الماء فيتيمم ويصلي حتى يجد الماء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طرق عن ابن عباس في قوله {ولا جنباً إلا عابري سبيل} يقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء فقد أحللت لكم أن تمسحوا بالأرض. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس {ولا جنباً إلا عابري سبيل} قال: هو المسافر الذي لا يجد ماء فيتيمم ويصلي. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لا يمر الجنب ولا الحائض في المسجد، إنما نزلت {ولا جنباً إلا عابري سبيل} للمسافر، يتيمم ثم يصلي. وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد في قوله {ولا جنباً إلا عابري سبيل} قال: مسافرين لا تجدون ماء. وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والقاضي إسماعيل في الأحكام والطحاوي في مشكل الآثار والباوردي في الصحابة والدارقطني والطبراني وأبو نعيم في المعرفة وابن مردويه والبيهقي في سننه والضياء المقدسي في المختارة عن الأسلع بن شريك قال: "كنت أرحل ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقته وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلاً من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجاراً فأسخنت بها ماء، فاغتسلت به. فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل} إلى {إن الله كان عفواً غفوراً}". وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني في سننه من وجه آخر "حديث : عن الأسلع قال: "كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأرحل له، فقال لي ذات ليلة: يا أسلع، قم فارحل لي. قلت: يا رسول الله أصابتني جنابة. فسكت عني ساعة حتى جاء جبريل بآية الصعيد فقال: قم يا أسلع فتيمم، ثم أراني الأسلع كيف علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم قال: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض فمسح وجهه، ثم ضرب فدلك إحداهما بالأخرى، ثم نفضهما ثم مسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما" "تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس {لا تقربوا الصلاة} قال: المساجد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس {ولا جنباً إلا عابري سبيل} قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل. قال: تمر به مراً ولا تجلس. وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب في قوله {ولا جنباً إلا عابري سبيل} قال: إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {ولا جنباً إلا عابري سبيل} قال: هو الممر في المسجد. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لا بأس للحائض والجنب أن يمرا في المسجد ما لم يجلسا فيه. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة قال: الجنب يمر في المسجد ولا يجلس فيه، ثم قرأ {ولا جنباً إلا عابري سبيل}. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء في قوله {ولا جنباً إلا عابري سبيل} قال: الجنب يمر في المسجد. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في سننه عن ابن مسعود. أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازاً، وقال {ولا جنباً إلا عابري سبيل}. وأخرج البيهقي عن أنس في قوله {ولا جنباً إلا عابري سبيل} قال: يجتاز ولا يجلس. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي عن جابر قال: كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب مجتازاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وإن كنتم مرضى} قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضاً فلم يستطع أن يقوم، فيتوضأ ولم يكن له خادم فينا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله {وإن كنتم مرضى} قال: هو الرجل المجدور، أو به الجراح أو القرح، يجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فيتيمم. وأخرج الحاكم والبيهقي في المعرفة عن ابن عباس رفعه في قوله {وإن كنتم مرضى} قال: "حديث : إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله، أو القروح، أوالجدري، فيجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم "تفسير : . وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد في قوله {وإن كنتم مرضى} قال: هي للمريض، تصيبه الجنابة إذا خاف على نفسه الرخصة في التيمم، مثل المسافر إذا لم يجد الماء. وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد. أنه قال: للمريض المجدور وشبهه رخصة في أن لا يتوضأ، وتلا {وإن كنتم مرضى أو على سفر} ثم يقول: هي مما خفي من تأويل القرآن. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت {وإن كنتم مرضى...} الآية كلها. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {وإن كنتم مرضى} قال: المريض الذي قد أرخص له في التيمم هو الكسير والجريح، فإذا أصابت الجنابة لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير ومجاهد قالا في المريض تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه: هو بمنزلة المسافر الذي لا يجد الماء يتيمم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: المريض الذي لا يجد أحداً يأتيه بالماء، ولا يقدر عليه، وليس له خادم ولا عون، يتيمم ويصلي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {أو جاء أحد منكم من الغائط} قال: الغائط الوادي. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي من طرق عن ابن مسعود في قوله {أو لامستم النساء} قال: اللمس. ما دون الجماع، والقبلة منه، وفيها الوضوء. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود. أنه كان يقول في هذه الآية {أو لامستم النساء} هو الغمز. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر. أنه كان يتوضأ من قبلة المرأة، ويقول: هي اللماس. وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء. وأخرج الحاكم والبيهقي عن عمر قال: إن القبلة من اللمس فتوضأ منها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: اللمس هو الجماع ولكن الله كنى عنه. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله {أو لامستم النساء} قال: هو الجماع. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كنا في حجرة ابن عباس ومعنا عطاء بن أبي رباح، ونفر من الموالي، وعبيد بن عمير، ونفر من العرب، فتذاكرنا اللماس فقلت أنا وعطاء والموالي: اللمس باليد. وقال عبيد بن عمير والعرب: هو الجماع. فدخلت على ابن عباس فأخبرته فقال: غُلِبَتْ الموالي وأصابت العرب. ثم قال: إن اللمس، والمس، والمباشرة إلى الجماع ما هو، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى {أو لامستم النساء} قال: أو جامعتم النساء، وهذيل تقول: اللمس باليد. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. قال أما سمعت لبيد بن ربيعة حيث يقول: شعر : يلمس الاحلاس في منزله بيديه كاليهودي المصل تفسير : وقال الأعشى: شعر : ورادعة صفراء بالطيب عندنا للمس الندامى من يد الدرع مفتق تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي. أنه كان يقرأ "أو لمستم النساء" قال: يعني ما دون الجماع. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة عن قوله {أو لامستم النساء} فأشار بيده وضم أصابعه، كأنه يتناول شيئاً يقبض عليه. قال محمد: ونبئت عن ابن عمر أنه كان إذا مس مخرجه توضأ، فظننت قول ابن عمر وعبيدة شيئاً واحداً. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: اللمس باليد. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة قال: ما دون الجماع. وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: الملامسة دون الجماع. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: الملامسة الجماع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان في قوله {فتيمموا صعيداً طيباً} قال: تحروا تعمدوا صعيداً طيباً. وأخرج ابن جرير عن قتادة {صعيداً طيباً} قال: التي ليس فيها شجر ولا نبات. وأخرج ابن جرير عن عمرو بن قيس الملائي قال: الصعيد التراب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن بشير في الآية قال: الطيب. ما أتت عليه الأمطار وطهرته. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله {صعيداً طيباً} قال: حلالاً لكم. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: إن أطيب الصعيد أرض الحرث. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حماد قال: كل شيء وضعت يدك عليه فهو صعيد، حتى غبار لبدك فتيمم به. وأخرج الشيرازي في الألقاب عن ابن عباس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الصعيد أطيب؟ قال: أرض الحرث ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف "حديث : عن أبي هريرة قال: "لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجده، فانطلقت أطلبه فاستقبلته، فلما رآني عرف الذي جئت له، فبال ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه" "تفسير : . وأخرج ابن عدي عن عائشة قالت: "حديث : لما نزلت آية التيمم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على الأرض فمسح بهما وجهه، وضرب بيده الأخرى ضربة أخرى فمسح بهما كفيه" "تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه حديث : عن عمار بن ياسر قال: كنت في سفر فاجنبت فتمعكت فصليت، ثم ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه" . تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : التيمم ضربتان. ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. . تفسير : وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال: "تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بأيدينا من المرافق إلى الأكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن". وأخرج ابن جرير عن أبي مالك قال: تيمم عمار، فمسح وجهه ويديه، ولم يمسح الذراع. وأخرج عن مكحول قال: التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع، فإن الله قال في الوضوء {أية : وأيديكم إلى المرافق} تفسير : [المائدة: 6] وقال في التيمم {وأيديكم} ولم يستثن فيه كما استثنى في الوضوء إلى المرافق، وقال الله {أية : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} تفسير : [المائدة: 38] فإنما تقطع يد السارق من مفصل الكوع. وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: التيمم إلى الآباط. وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن عمار بن ياسر قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الصبح، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه رخصة المسح بالصعيد، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة، نزل فيك رخصة. فضربنا بأيدينا ضربة لوجهنا، وضربة بأيدينا إلى المناكب والآباط. قال الشافعي: هذا منسوخ، لأنه أول تيمم كان حين نزلت آية التيمم، فكل تيمم جاء بعده يخالفه، فهو له ناسخ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والحاكم والبيهقي عن أبي ذر قال: "حديث : اجتمعت غنيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر ابْدُ فيها، فبدوت فيها إلى الربذة، وكانت تصيبني الجنابة فامكث الخمسة والستة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان النهدي قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تمسحوا بها فإنها بكم بَرَّةٌ" تفسير : يعني الأرض. وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: من السنة أن لا يُصَلِّي الرجلُ بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للأخرى. وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: يُتَيَمَّمُ لكل صلاة. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن العاص قال: يُتَيَمَّمُ لكل صلاة.
ابو السعود
تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} لما نُهوا فيما سلف عن الإشراك به تعالى نُهوا هٰهنا عما يؤدِّي إليه من حيث لا يحتسبون فإنه (روى أن عبدَ الرحمٰن بنَ عوفٍ رضي الله عنه صنع طعاماً وشراباً حين كانت الخمرُ مباحةً فدعا نفراً من الصحابة رضي الله عنهم فأكلوا وشربوا حتى ثمِلوا وجاء وقتُ صلاةِ المغربِ فتقدم أحدُهم ليصليَ بهم فقرأ أعبُدُ ما تعبدون فنزلت). وتصديرُ الكلامِ بحرفَي النداءِ والتنبـيهِ للمبالغة في حملهم على العمل بموجب النهي وتوجيهُ النهي إلى قُرب الصلاةِ مع أن المرادَ هو النهيُ عن إقامتها للمبالغة في ذلك، وقيل: المرادُ النهيُ عن قُربان المساجدِ لقوله عليه السلام: «حديث : جنِّبوا مساجدَكم صِبـيانَكم ومجانينَكم» تفسير : ويأباه قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء، الآية: 43] فالمعنى لا تُقيموها في حالة السُكرِ حتى تعلموا قبل الشروعِ ما تقولونه، إذْ بتلك التجرِبةِ يظهر أنهم يعلمون ما سيقرؤونه في الصلاة. وحملُ ما تقولون على ما في الصلاة يستدعي تقدُّمَ الشروعِ فيها على غاية النهي، وحملُ العلمِ على ما بالقوة على معنى حتى تكونوا بحيث تعلمون ما ستقرؤونه في الصلاة تطويلٌ بلا طائل لأن تلك الحيثيةِ إنما تظهرُ بما ذُكر من التجربة، على أن إيثارَ ما تقولون على ما تقرؤون حينئذ يكون عارياً عن الداعي، وقيل: المرادُ بالسكر سُكرُ النعاسِ وغلبةُ النوم، وأياً ما كان فليس مرجِعُ النهي هو المقيدُ مع بقاء القيدِ مُرخصاً بحاله بل إنما هو القيدُ مع بقاء المقيدِ على حاله {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} تفسير : [النساء، الآية 103] كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا لا تسْكَروا في أوقات الصلاة، وقد روي أنهم كانوا بعد ما نزلت الآيةُ لا يشربون الخمرَ في أوقات الصلاة فإذا صلَّوُا العِشاءَ شرِبوها فلا يُصْبحون إلا وقد ذهب عنهم السكرُ وعلموا ما يقولون. {وَلاَ جُنُباً} عطفٌ على قوله تعالى: {أية : وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ} تفسير : [النساء، الآية: 47] فإنه في حيز النصبِ كأنه قيل: لا تقرَبوا الصلاةَ سكارى ولا جنباً والجنبُ من أصابه الجنابةُ يستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ والواحدُ والجمع لجَرَيانه مَجرىٰ المصدر {إِلاَّ عَابِرِى سبِيلِ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ محلُّه النصبُ على أنه حالٌ من ضمير لا تقربوا باعتبار تقيُّدِه بالحال الثانيةِ دون الأولى، والعاملُ فيه فعلُ النهي أي لا تقربوا الصلاةَ جُنباً في حال من الأحوال إلا حالَ كونِكم مسافرين على معنى أن في حالة السفرِ ينتهي حكمُ النهي لكن لا بطريق شمولِ النفْي لجميع صورِها بل بطريق نفي الشمّولِ في الجملة من غير دَلالةٍ على انتفاء خصوصيةِ البعضِ المنتفي ولا على بقاء خصوصيةِ البعضِ الباقي ولا على ثبوت نقيضِه لا كلياً ولا جزئياً، فإن الاستثناءَ لا يدل على ذلك عبارةً. نعم يشير إلى مخالفة حكمِ ما بعده لما قبله إشارةً إجماليةً يُكتفىٰ بها في المقامات الخِطابـيةِ لا في إثبات الأحكامِ الشرعيةِ فإن مَلاكَ الأمرِ في ذلك إنما هو الدليلُ وقد ورد عَقيبَه على طريقة البـيانِ، وقيل: هو صفةٌ لجنُباً على أن إلا بمعنى غير، أي ولا جُنُباً غيرَ عابري سبـيل، ومن حَملَ الصلاةَ على مواضعها فسَّر العُبورَ بالاجتياز بها وجوّز للجنب عُبورَ المسجدِ وبه قال الشافعيُّ رحمه الله وعندنا لا يجوز ذلك إلا أن يكون الماءُ أو الطريقُ فيه، وقيل: إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابُهم في المسجد وكان يُصيبهم الجنابةُ ولا يجدون ممرّاً إلا في المسجد فرُخِّص لهم ذلك {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} غايةٌ للنهي عن قُربان الصلاةِ حالةَ الجنابةِ ولعل تقديمَ الاستثناءِ عليه للإيذان من أول الأمرِ بأن حكمَ النهي في هذه الصورةِ ليس على الإطلاق كما في صورة السُّكرِ تشويقاً إلى البـيان ورَوْماً لزيادة تقرّرِه في الأذهان، وفي الآية الكريمةِ إشارةٌ إلى أن المصلِّي حقُّه أن يتحرَّزَ عما يُلْهيه ويشغَلُ قلبَه وأن يزكيَ نفسَه عما يدنّسها ولا يكتفي بأدنى مراتبِ التزكية عند إمكان أعاليها. {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ} شروعٌ في تفصيل ما أُجملَ في الاستثناء وبـيانِ ما هو في حكم المستثنىٰ من الأعذار، والاقتصارُ فيما قبلُ على استثناء السفرِ مع مشاركة الباقي له في حكم الترخيصِ للإشعار بأنه العذرُ الغالبُ المُنْبـيءُ عن الضرورة التي عليها يدور أمرُ الرُخصةِ، كأنه قيل: ولا جنباً إلا مضْطرين، وإليه مرجِعُ ما قيل من أنه جُعل عابري سبـيلٍ كنايةً عن مطلق المعذورين، والمرادُ بالمرض ما يمنع من استعمال الماءِ مطلقاً سواءٌ كان ذلك بتعذر الوصولِ إليه أو بتعذر استعمالِه، {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} عطفٌ على مرضىٰ أي أو كنتم على سفر ما طال أو قصُر، وإيرادُه صريحاً مع سبق ذكرُه بطريق الاستثناءِ لبناء الحكمِ الشرعيِّ عليه وبـيانِ كيفيتِه فإن الاستثناءَ كما أشير إليه بمعزل من الدِلالة على ثبوته فضلاً عن الدِلالة على كيفيته، وتقديمُ المرضِ عليه للإيذان بأصالته واستقلالِه بأحكام لا توجد في غيره كالاشتداد باستعمال الماءِ ونحوِه {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِط} هو المكانُ الغائرُ المطمئنُّ، والمجيءُ منه كنايةٌ عن الحدث لأن المعتادَ أو مَنْ يريدُه يذهب إليه ليُوارِيَ شخصَه عن أعين الناسِ، وإسنادُ المجيءِ منه إلى واحد منهم من المخاطبـين دونهم للتفادي عن التصريح بنسبتهم إلى ما يُستحيا منه أو يُستهجن التصريحُ به وكذلك إيثارُ الكنايةِ فيما عُطف عليه من قوله عز وجل: {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء} على التصريح بالجِماع ونظمُهما في سلك سَبَبَـيْ سقوطِ الطهارةِ والمصيرُ إلى التيمم مع كونهما سببَـيْ وجوبِها ليس باعتبار أنفسِهما بل باعتبار قيدِهما المستفادِ من قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً} بل هو السببُ في الحقيقة وإنما ذُكرا تمهيداً له وتنبـيهاً على أنه سببٌ للرخصة بعد انعقادِ سببِ الطهارةِ الصغرى والكبرى، كأنه قيل: أوْلم تكونوا مرضى أو مسافرين بل كنتم فاقدين للماء بسبب من الأسباب مع تحقق ما يوجب استعمالَه، وتخصيصُ ذكرِه بهذه الصورة ــ مع أنه معتبرٌ في صورة المرضِ والسفرِ أيضاً لنُدرة وقوعِه فيها واستغنائِهما عن ذكره ــ إما لأن الجنايةَ معتبرةٌ فيهما قطعاً فيُعلم من حكمها حكمُ الحدثِ الأصغرِ بدِلالة النصِّ لأن تقديرَ النظمِ: لا تقربوا الصلاةَ في حال الجنابةِ إلا حالَ كونِكم مسافرين فإن كنتم كذلك أو كنتم مرضى الخ، وإما لما قيل من أن عمومَ إعوازِ الماءِ في حق المسافرِ غالبٌ، والعجزُ عن استعمال الماءِ القائمِ مَقامَ عدمِه في حق المريض مغنٍ عن ذكره لفظاً، وما قيل من أن هذا القيدَ راجعٌ إلى الكل وأن قيدَ وجوبِ التطهرِ المُكَنَّىٰ عنه بالمجيء من الغائط والملامسةِ معتبرٌ في الكل ــ مما لا يساعده النظمُ الكريم. {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً} فتعمَّدوا شيئاً من وجه الأرضِ طاهراً، قال الزجاجُ: الصعيدُ وجهُ الأرضِ تراباً أو غيرَه وإن كان صخراً لا ترابَ عليه لو ضرب المتيممُ يدَه عليه ومسَحَ لكان ذلك طَهورَه وهو مذهبُ أبـي حنيفةَ رحمه الله، وعند الشافعيِّ رحمه الله لا بد أن يعلَقَ باليد شيءٌ من التراب {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} أي إلى المِرْفقين لما روي أنه عليه السلام تيمّم ومسح يديه إلى مِرْفقيه. ولأنه بدلٌ من الوضوء فيُقدّر بقَدَره {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} تعليلٌ للترخيص والتيسيرِ وتقريرٌ لهما فإن مَنْ عادتُه المستمرَّةُ أن يعفوَ عن الخاطئين ويغفرَ للمذنبـين لا بد أن يكون ميسِّراً لا معسراً، وقيل: هو كنايةٌ عنهما فإن الترفيهَ والمسامحةَ من روادف العفوِ وتوابعِ الغُفران.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} [الآية: 43]. قال بعضهم: السكر على أنواع: منها سكر الخمر وهو أسرعها إفاقة، وسكر الغفلة وسكر الهوى وسكر الدنيا وسكر المال وسكر الأهل والولد وسكر المعاصى وسكر الطاعات، وكل هذا وما أشبهها يمنع صاحبه عن تمام الصلاة والقيام إليها بالقعود عن كل ما سواها. قال الواسطى رحمه الله فى هذه الآية: لا تقربوا يعنى لا تتقربوا إلى مواصلتى، إلا وأنت منفصل عن جميع الأكوان وما فيها.
القشيري
تفسير : النُّهيُ عن موجب السكر من الشراب لا من الصلاة، أي لا تصادفنكم الصلاة وأنتم بصفة السُّكْر، أي امتنعوا عن شُرْبِ ما يُسْكِر فإنكم إن شربتم سكرتم، ثم إذا صادفكم الصلاة على تلك الحالة لا تُقْبَل منكم صلاتكم. والسُّكْر ذهاب العقل والاستشعار، ولا تَصحُّ معه المناجاة مع الحق. المُصَلِّي يناجي ربَّه؛ فكلُّ ما أوجب للقلب الذهول عن الله فهو ملحق بهذا من حيث الإشارة؛ ولأجل هذه الجملة حَصَلَ، والسُكْرُ على أقسام: فسُكْرٌ من الخمر وسُكْرٌ من الغفلة لاستيلاء حب الدنيا. وأصعب السكر سكرك من نفسك فهو الذي يلقيك في الفرقة عنه، فإنَّ مَنْ سَكِرَ من الخمر فقصاراه الحرقة - إن لم يُغْفَر له. ومن سكر من نفسه فحاله الفرقة - في الوقت - عن الحقيقة. فأمَّا السُكْر الذي يشير إليه القوم فصاحبه محفوظٌ عليه وقته حتى يصلي والأمر مخفف عليه: (فإذا خرج عن الصلاة هجم عليه غالبُه فاختطفه عنه ومن لم يكن محفوظاً) عليه أحكام الشرع (فمشوبُ بحظ). وقوله تعالى: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}... الآية: أذن للمضطر أن يترخَّص في عبور المسجد وهو على وصف الجنابة، فإذا عرج زائداً على قدر الضرورة فمُعَاتَبٌ غيرُ معذور، وكذلك فيما يحصل من معاذير الوقت في القيام بشرائط الوقت فمرفوعةٌ عن صاحبه المطالبة به. ثم إنه - سبحانه - بفضله جعل التيمم بدلاً من الطهارة بالماء عند عَوَزِ الماء كذلك النزولُ إلى ساحات الفَرْقِ عن ارتقاء ذرة الجمع - بِقَدْر ما يحصل من الضعف - بَدَلٌ لأهل الحقائق. ثم إن التيمم - الذي هو بَدَلُ الماء - أعمُّ وجوداً من الماء، وأقلُّ استعمالاً من الأصل، فإن كل من كان أقرب كانت المطالبات عليه أصعب. ثم في الظاهر أمَرْنا باستعمال التراب وفي الباطن باستشعار الخضوع واستدامة الذبول. وردَّ التيمم إلى التقليل، وراعى فيه صيانةً لرأسِك عن التُّراب ولقَدَمِك؛ فإنَّ العزَّ بالمؤمن - ومولاه باستحقاق الجلال - أوْلى من الذل لِمَا هو مفلس فيه من الحال، ولئن كان إفلاسه عن أعماله يوجب له التذلُّل فعرفانُه بجلال سيِّده يوجب كل تَعَزُّزٍ وتَجَمُّل.
البقلي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} هذا خطاب لاهل العشق والمحبة والشوق الذين اسكرتهم انوار القدوسية وسبحات السبوحية وسطوات العظمة وشربات بحار الازلية ولطائف كشوفات القديمة وهم حيارى سكارى تنهونون فى نهية الاحوال تائهون فى مشاهد الجلال والجمال فغالب احوالهم العبرات والغلبات والزعفات والشهقات والهيجان والهيمان لا يعرفون الاوقات ولا يعلمون الليل من النهار والا النهار من الليل لايقدرون فى حال سكرهم اى ماتون على شرائط الصلاة من القيام والقراءة والركوع والسجود كهشام بن عبد ان وبهلول وسعدون وجميع عقلاء المجانين اى ايها العارفون بذاتى وصفاتى واسمائى ونعوتى السكارى من شراب محبتى وسلسبيل انسى وتسنيم قدمى وزنجبيل قربى وخمور عشقى وعقار مشاهدتى اذا كشفت لكم جمالى واوقعتكم فى مقام ربوبيتى فلا تكلفوا انفسكم امر صورة الظاهر لانكم فى جنان مشاهدتى وليس فى جنة جلالى تعبد حتى سكنتم فى سكركم وصرتم صاحين على نعت التميكن فان جنون العشق يرفع قلم التكليف عن مجنون محتبى فاذا تصلون وتقربون مقام البدايات على حدا الصحو وان كنتم مضظربين من خمار ذلك السكر لان السكران والصاحى يذهبان عن صورة العقل الى عالم العشق عند طلوع جلال عظمتى من مطالع قدمى فى عيون ابصار اسرارهم فعند ذلك بسوى حالهما شعر : اذا طلع الصباح لنجم راح تساوى فيه سكران وصاحى تفسير : وكشف تعالى غمة ابهام المبطلين الذين يطعنون اشاراتنا لقلة افهامهم بها حيث قال لا تقربوا الصلوة وانتم سكارى ذكر القربة وما قال لا تصلوا وشرط فيها السكر والسكر خطرات والصحو وطنات واذا ابقى العقل الالهى فى اشراق انوار سلطان المشاهدة ذرة فينبغى ان يصلى ونودى حق الاوقات فان بضع مشائخنا لما حان عليهم وقت الصلاة وهم فى وجد حاله قاموا الى الصلوة ومريد وهم عدوا ركعاتهم وسجداتهم وركوعاتهم فاذا ساهوا على شئ ذكروهم ذلك وهذا من كمال ظرافتهم فى المعرفة وايضا خاطب اهل الغفلة وسكارث الجهل من شراب الهوى والشوة ان لا ياتوا الى مقام مناجاته وقربه ومشاهدته حتى تخرجوا منها فان الغافل لا يودى فرائضه على شرايط السنة قال الواسطى لا تقرب الى مواصلتى وانت منفصل عن جميع الاكوان وما فيها.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} ـ روى ـ ان عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من افاضل الصحابة رضى الله عنهم حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا فلما ثملوا جاء وقت صلاة المغرب قدموا احدهم ليصلى بهم فقرأ قل يا ايها الكافرون اعبد ما تعبدون وانتم عابدون ما اعبد الى آخرها بطرح اللاآت فنزلت فكانوا لا يشربون فى اوقات الصلاة فاذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون الا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ثم نزل تحريمها وتوجيه النهى الى قربان الصلاة مع ان المراد هو النهى عن اقامتها للمبالغة فى ذلك. قال فى التيسير ثم النهى ليس عن عين الصلاة فانها عبادة فلا ينهى عنها بل هو نهى اكتساب السكر الذى يعجز به عن الصلاة على الوجه. قال الامام ابو منصور رحمه الله وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا صلاة للعبد الآبق ولا للمرأة الناشزة " .تفسير : ليس فيه النهى عن الصلاة لكن النهى عن الاباق والنشوز وهذا لان الاباق والنشوز والسكر ليست بالتى تعمل فى اسقاط الفرض فالمعنى لا تقيموها حالة السكر حتى تعلموا قبل الشروع ما تقولون اذ بتلك التجربة يظهر انهم يعلمون ما سيقرؤونه فى الصلاة والسكر اسم لحالة تعرض بين المرء وعقله واكثر ما يكون من الشراب وقد يكون من العشق والنوم والغضب والخوف لكنه حقيقة فى الاول فيحمل عليه هنا. والسكارى جمع سكران كالكسالى جمع كسلان واجمعوا على انه لا يجوز بيع السكران وشراؤه ويؤاخذ بالاستهلاكات والقتل والحدود وصح طلاقه وعتاقه عقوبة له عندنا خلافا للشافعى {ولا جنبا} عطف على قوله وانتم سكارى فانه فى حيز النصب كأنه قيل لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا. والجنب من اصابته الجنابة يستوى فيه المؤنث والمذكر والواحد والجمع لجريانه مجرى المصدر واصل الجنابة البعد والجنب مبعد عن القراءة والصلاة وموضعها {الا عابرى سبيل} استثناء مفرغ من اعم الاحوال محله النصب على انه حال من ضمير لا تقربوا باعتبار تقيده بالحال الثانية دون الاولى والعامل فيه النهى اى لا تقربوا الصلاة جنبا فى حال من الاحوال الا حال كونكم مسافرين فتعذرون بالسفر فتصلون بالتيمم {حتى تغتسلوا} غاية للنهى عن قربان الصلاة حالة الجنابة. وفى الآية الكريمة اشارة الى ان المصلى حقه ان يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه وان يزكى نفسه عما يدنسها ولا يكتفى بادنى مراتب التزكية عند امكان اعاليها {وان كنتم مرضى} جمع مريض. والمرض على ثلاثة اقسام. احدها ان يكون بحيث لو استعمل الماء لمات كما فى الجدرى الشديد والقروح العظيمة وثانيها ان لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة ويشتد مرضه او يمتد. وثالثها ان لا يخاف الموت ولا الآلام الشديدة لكنه يخاف بقاء شين او عيب فى البدن فالفقهاء جوزوا التيمم فى القسمين الاولين وما جوزوه فى القسم الثالث {او على سفر} عطف على مرضى اى او كنتم على سفر ما طال او قصر وايراده مع سبق ذكره بطريق الاستثناء لبناء الحكم الشرعى عليه وبيان كيفيته وتعليق التيمم بالمرض والسفر مع اتم الحكم كذلك فى كل موضع تحقق العجز حتى قال ابو حنيفة يجوز التيمم للجنابة فى المصر اذا عدم الماء الحار لان العجز عن استعمال الماء يقع فيها غالبا {او جاء احد منكم من الغائط} وهو المكان المنخفض المطمئن والمجيئ منه كناية عن الحدث لان المعتاد ان من يريده يذهب اليه ليوارى شخصه عن اعين الناس {او لامستم النساء} اى جامعتموهن يعنى اذا اصابكم المرض او السفر او الحدث او الجنابة {فلم تجدوا ماء} اى لم تقدروا على استعماله لعدمه او لبعده او لفقد آلة الوصول اليه من الدلو والرشاء او المانع عنه من حية او سبع او عدو {فتيمموا صعيدا طيبا} فاقصدوا شيئاً من وجه الارض طاهرا. قال الزجاج الصعيد وجه الارض ترابا او غيره وان كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره وهو مذهب ابى حنيفة رحمه الله فامسحوا بوجوهكم وايديكم الى المرفقين لما روى انه صلى الله عليه وسلم تيمم ومسح يديه الى مرفقيه ولانه بدل من الوضوء فيتقدر بقدره والباء زائدة اى فامسحوا وجوهكم وايديكم منه اى من الصعيد {ان الله كان عفوا غفورا} تعليل للترخيص والتيسير وتقرير لهما فان من عادته المستمرة ان يعفوا عن الخطائين ويغفر للمذنبين لا بد من ان يكون ميسرا لا معسرا. والاشارة ان الصلاة معراج المؤمن وميقات مناجاته والمصلى هو الذى يناجى ربه يعنى يا مدعى الايمان {لا تقربوا الصلوة وانتم سكارى} اى لا تجدوا القربة فى الصلاة وانتم سكارى من الغفلات وتتبع الشهوات لان كل ما اوجب للقلب الذهول عن الله فهو ملتحق بالسكر ومن اجله جعل السكر على اقسام فسكر من الخمر وسكر من الغفلة لاستيلاء حب الدنيا واصعب السكر سكرك من نفسك فان من سكر من الخمرة فقضاؤه الحرقة ومن سكر من نفسه ففي الوقت على الحقيقة له القطيعة والفرقة شعر : اى اسيرننك نام خويشتن بسته خودرا بدام خويشتن ورنكنجى باخود اندر كوى او كم شو ازخود تابيابى كوى ام تاتونزديك خودى زين حرف دور غائبى يابى اكر خواهى حصور تاتوا ازغفلت جوباده مست شدى لا جرم ازطور وصلت بست شدى تفسير : {حتى تعلموا ما تقولون} ولماذا تقولون كما تقولون الله اكبر لتكبيرة الاحرام عند رفع اليدين ومعناه الله اعظم واجل من كل شىء فان كنت تعلم عند التقول به فينبغى ان لا يكون فى تلك الحالة فى قلبك عظمة شىء آخر وامارة ذلك ان لا تجد ذكر شىء فى قلبك مع ذكره تعالى ولا محبة شىء مع محبته ولا طلب شىء مع طلبه فانه تبارك وتعالى واحد لا يقبل الشركة فى جميع صفاته والا كنت كاذبا فى قولك الله اكبر بالنسبة الى حالك وكنت كالسكران لا تجد القربة من صلاتك لان القربة مشروطة بشرط السجود كما خوطب به {أية : واسجد واقترب} تفسير : [العلق: 19]. والسجود ان تنزل من مركب اوصاف وجودك لتحمل على رفرف جوده الى قاب قوسين اوصاف وجوده لشهود جماله وجلاله وهذا هو سر التشهد بعد السجود ثم قال {ولا جنبا الا عابرى سبيل} يعنى كما لا تجدون القربة وانتم سكارى من الغفلات ايضا لا تجدونها مع جنابة استحقاق البعد وهى ملابسة الدنيا الدنية الا على طريق العبور بقدم ظاهر الشرع فى سبيل الاوامر والنواهى كعبور طريق الاعتداد بالمطعم والمشرب لسد الرمق وحفظ القوة والاكتساء لدفع الحر والبرد وستر العورة والمباشرة لحفظ النسل {حتى تغتسلوا} بماء القربة والانابة وصدق الطلب وحسن الارادة وخلوص النية من جنابة ملابسة الدنيا وشهواتها {وان كنتم مرضى} بانحراف مزاج القلب فى طلب الحق {او على سفر} التردد بين طلب الدنيا وطلب العقبى والمولى {او جاء احد منكم من الغائط} من غائط تتبع الهوى {او لامستم النساء} اى لابستم الاشغال الدنيوية فاجنبتم وتباعدتم عن الله بعدما كنتم مجاورى حظائر القدس ووقعتم فى رياض الانس {فلم تجدوا ماء} صدق الانابة والرجوع الى الحق بالاعراض والانقطاع عن الخلق {فتيمموا صعيدا طيبا} وهو تراب اقدام الرجال الطيبين من سوء الاخلاق والاعمال {فامسحوا بوجوهكم} تراب اقدامهم وتمسكوا {بايديكم} اذيال كرمهم مستسلمين بصدق الارادة لاحكامهم {ان الله كان عفوا} يعفو عنكم التعصب وعدم الانقطاع اليه بالكلية ولعله يعفو التلوث بالدنيا الدنية بهذه الخصلة مرضية {غفورا} لكم آثار الشقوة من غبار الشهوة فانهم يسعد بهم لانهم قوم لا يشقى بهم جليسهم شعر : كليد كنج سعادت قبول اهل دلست مبادكس كه درين نكته شك وريب كند شبان وادئ ايمن كهى رسد بمراد كه جند سال بجان خدمت شعيب كند
ابن عجيبة
تفسير : قلت: جملة {وأنتم سكارى}: حال، وسكارى: جمع سكران، ويجمع على سُكارى بالفتح وسكْرى بالسكون، و {لا جُنُبًا} عطف على جملة الحال، و {جُنب} يستوي فيه الواحد والاثنان والجماعة والمذكر والمؤنث، لأنه يجري مجرى المصدر فلا يُثنى ولا يُجمع. و {إلا عابري} مستثنى من عام الأحوال، وأصل الغائط: الموضع المنخفض من الأرض، ثم أطلق على الواقع فيه مما يخرج من الإنسان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}: لا تقوموا إليها وأنتم سكارى من خمر، أو غلبة نوم، أو شدة غفلة، {حتى تعلموا ما تقولون} في صلاتكم، وتتدبروا ما تقرأون فيها، فالصلاة من غير حضور خاوية، وعند الخصوص باطلة، رُوِي أن عبد الرحمن بن عَوف صنَع مأدبة، ودَعَا إليها نفرًا من الصحابة، حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا حتى ثَمِلُوا، وجاء وقت صلاة المغرب، فتقدم أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: أعبد ما تعبدون ـ من غير نفي ـ فنزلت الآية قبل تحريم الخمر، ثم حرمت بآية المائدة. ولا تقربوها حالة جنابتكم في آي حال كان، {إلا عابري سبيل} أي: في وقت سفركم، حيث لم تجدوا ماءً، بدليل ما يأتي، فيتيمم ويقرب الصلاة وهو جنب، وفيه دليل أن التيمم لا يرفع الحدث، قيل المراد بالصلاة مواضعها، وهي المساجد فلا يدخلها الجنب إلا مارًا، وبه قال الشافعي ـ رضي الله عنه ـ وقال أبو حنيفة: لا يجوز المرور، إلاَّ إذا كان فيه الماء والطريق. وقال مالك: لا يدخل إلا بالتيمم ولا يمر به أصلاً. فلا تقربوا الصلاة وأنتم جنب {حتى تغتسلوا}. {وإن كنتم مرضى} تخافون ضرر الماء، أو زيادته، أو تأخر برء، أو منع الوصول إلى الماء، {أو على سفر} لم تجدوه فيه، {أو} كنتم في الحضر مُحدِثِين حيث {جاء أحد منكم من الغائط}، أو البول، أو بغيره من الأحداث، {أو لامستم النساء} أي: مست بشرتكم بشرتهن، بقصد اللذة أو عند وجدانها، وبه قال مالك. وقال الشافعي: ينقض مطلقًا، قصد أم لا، وجد أم لا، ولو بميتة، وقال أبو حنيفة: إن كانت ملامسه فاحشة بحيث يحصل الانتشار نقضت، وإلا فلا. وقال ابن عباس والحسن البصري ومحمد بن الحسن: لا تنقض الملامسة مطلقًا، ويقاس على اللمس سائر نواقض الأسباب، فتحصَّل أن "أو" تبقى على أصلها من التقسيم، فتكون الآية نصًا في تيمم الحاضر الصحيح، وبه قال مالك، ولا يعيد. وقال الشافعي: يُصلي بالتيمم ويُعيد، وقال أبو حنيفة: لا يُصلي حتى يجد الماء، ومن قال: " أو " بمعنى الواو فخروج عن الأصل بلا داع. ثم قيّد التيمم في هذه الأحوال بفقد الماء، فقال: {فلم تجدوا ماء} كافيًا، أو لم تقدروا على استعماله، {فتيمموا} أي: اقصدوا {صعيداً طيبًا} أي: ظاهرًا، وهو ما صعد على وجه الأرض من جنسها؛ كتراب، وهو الأفضل، وثلج وخضخاض وحجر ومدر، لا شجر وحشيش ومعدن ذهب وفضة، وما التحق بالعقاقير، كشب، وملح، وكبريت، وغاسول وشبهه، فلا يجوز. وقال أبو حنيفة: بكل شيء من الأرض وما اتصل بها كشجر وكُحل، وزنيخ، وشب ونورة، وجص، وجوهر، إلا منخالة الذهب والفضة والرصاص. وقال الشافعي: لا يجوز إلا بالتراب المنبت خاصة، وبه فسر الطيب، واشترط علوق التراب بيده، ولم يشترطه غيره. ثم علّم الكيفية فقال: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم}. قال مالك: اليد اسم للكف بدليل قطع السارق منه، فجعل المسح إلى المرفق سنة. وقال الشافعي: فرض، قياسًا على الوضوء، {إن الله كان عفوًّا غفورًا} فلذلك يسَّر عليكم ورخص لكم في التيمم. الإشاره: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا صلاة الحضرة القدسية، وأنتم سكارى بحب الدنيا الدنية، حتى يذهب عنكم سُكر حبها، وتعلموا ما تقولون في مناجاة خالقها، ولا جنبًا من جنابة الغفلة، إلا ما يمر بالخواطر على سبيل الندرة والقلة، حتى تغتسلوا بماء الغيب، الذي يحصل به طهارة الجنان، ويغيب المتطهر به عن رؤية الأكوان. وإليه أشار ابن العربي الحاتمي: كما في طبقات الشعراني، ونسبها غيرُه للجنيد ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ وهو الأصح بقوله: شعر : تَوَضَّأ بماءِ الغَيبِ إن كُنتَ ذا سِرٍّ وإلاَّ تَيَمَّم بالصَّعِيدِ أو الصَّخرِ وقّدَّم إمَامًا كُنتَ أنتَ إمَامَه وصَلِّ صلاة الظُّهرِ في أولِ العَصرِ فَهَذِي صَلاةُ العَارِفينَ بربّهِم فإن كُنتَ مِنهم فانضَحِ البرِّ بالبَحر تفسير : أي: إن لم تقدر على الطهارة الأصلية؛ وهي الغيبة عن الأحداث الكونية، فاقصد العبادة الحسية، وقَّدم الشريعة أو من قام بها من أهل التربية النبوية أمامك، بعد أن كان يطلبك من قبل أن تعرفه، وأجمع ظُهر الشريعة لعصر الحقيقة، فهذه صلاة العارفين، فإن كنت منهم فانضح بَرَّ ظاهرك بحقيقة باطنك، فما كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر. لهذا أشار تعالى بقوله: {وإن كنتم مرضى} بحب الهوى، {أو على سفر} في عجلة شغل الدنيا، أو جاء أحد منكم من غائط الحس، أو لامستم العلوم الرسمية، وانطبع صُورُ خيالها في قلوبكم، ولم تجدوا من يسقيكم ماء الغيب، وهي الخمرة الآزلية، فاقصدوا الأعمال الحسية، فلعلها توصلكم إلى الأعمال الباطنية، {إن الله كان عفوًا غفورًا}، وفي الحِكَم: " كيف يشرق قلبٌ صورُ الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟".
الطوسي
تفسير : القراءة والمعنى: قرأ حمزة، والكسائي: {أو لمستم النساء} بغير ألف، الباقون {لامستم} بألف، فمن قرأ {لامستم} بالف قال: معناه الجماع: وهو قول علي (ع)، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبو علي الجبائي، واختاره أبو حنيفة. ومن قرأ بلا الف أراد اللمس باليد وغيرها بما دون الجماع، ذهب إليه ابن مسعود، وعبيدة، وابن عمر، والشعبي، وابراهيم، وعطاء، واختاره الشافعي. والصحيح عندنا هو الأول، وهو اختيار الجبائي، والبلخي، والطبري، وغيرهم. والملامسة واللمس معناهما واحد، لأنه لا يلمسها إلا وهي تلمسه، وقيل: ان الملامسة بمعنى اللمس، كما قيل: عافاه الله، وعاقبت اللص. النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابراهيم: إنها نزلت في قوم من الصحابة أصابهم جراح. والثاني - قالت عائشة نزلت في قوم من الصحابة أعوزهم الماء. المعنى واللغة: وظاهر الخطاب متوجه إلى المؤمنين كلهم بأن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى، يعني في حال سكرهم، يقال: قرب يقرب متعد، وقرب يقرب لازم، وقرب الماء يقربه إذا ورده. وقيل في معنى السكر المذكور في الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابراهيم: إنه السكر من الشراب، وقال مجاهد، والحسن، وقتادة نسخها تحريم الخمر. الثاني - قال الضحاك هو سكر النوم خاصة. وأصل السكر من السكر، وهو سد مجرى الماء يقال سكره يسكره، وإسم الموضع السكر والسكر، لانسداد طريق المعرفة به. سكر يسكر سكراً وأسكره إسكاراً، وسكرة الموت غشيته. فان قيل: كيف يجوز نهي السكران في حال سكره مع زوال عقله، وكونه بمنزلة الصبي والمجنون؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - إنه قد يكون سكران من غير أن يخرج من نقص العقل إلى ما لا يحتمل الامر والنهي. الثاني - إنما نهوا عن التعرض للسكر مع أن عليهم صلاة يجب أن يؤدوها في حال الصحو. وقال أبو علي: فيه جواب ثالث وهو أن النهي إنما دل على أن عليهم أن يعيدوها إن صلوها في حال السكر. فان قيل: كيف يسوغ تأويل من ذهب إلى أن السكران مكلف أن ينتهي عن الصلاة في حال سكره؟ مع أن عمل المسلمين على خلافه، لأن من كان مكلفاً تلزمه الصلاة، قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه منسوخ. والآخر - إنه نهي عن الصلاة مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) في جماعة. وقوله: {ولا جنباً إلا عابري سبيل} يقال: رجل جنب إذا أجنب، ورجل جنب أي غريب، ولا يثنى ولا يجمع، ويجمع أجناباً أي غرباء، وإنما نصب لأنه عطف على قوله: {وأنتم سكارى} وهي جملة في موضع الحال. وقيل في معناه قولان. أحدهما - قال علي (ع)، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحكم، وابن كثير، وابن زيد: إلا مسافرين فلكم أن تتيمموا. الثاني - قال ابن عباس في رواية أخرى، وجابر، والحسن، وسعيد بن جبير، وابراهيم، والزهري، وعطاء، والجبائي: ان معناه لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد إلا مجتازين، وهو قول أبي جعفر (ع)، وحذف لدلالة الكلام عليه، وهو الأقوى، لأنه تعالى بين حكم الجنب في آخر هذه الآية إذا عدم الماء، فلو حملناه على ذلك لكان تكراراً، وإنما أراد أن يبين حكم الجنب في دخول المساجد في أول الآية، وحكمه إذا أراد الصلاة مع عدم الماء في آخرها. وقوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} فالمرض الذي يجوز معه التيمم مرض الجراح، والكسير، وصاحب القروح، إذا خاف من مس الماء في قول ابن مسعود، والضحاك، والسدي، وابراهيم، ومجاهد وقتادة. وقال الحسن، وابن جبير: هو المرض الذي لا يستطيع معه تناول الماء، ولا يكون هناك من يناوله. وكان الحسن لا يرخص للجريح التيمم، والمروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) جواز التيمم عند جميع ذلك. وقوله: {أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط} يعني الحدث المخصوص، وأصله المطمئن من الأرض، يقال: غائط وغيطان، والتغوط كناية عن الحدث في الغائط، والغوطة موضع كثير الماء والشجر بدمشق، وقوله: {أو لامستم النساء} قد فسرناه، وعندنا المراد به الجماع. وقوله: {فتيمموا صعيداً طيباً} فالتيمم التعمد، ومثله التأمم قال الأعشى: شعر : تيممت قيساً وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شزن تفسير : يعني تعمدت، وقال سفيان: معنى تيمموا تعمدوا وتحروا، والصعيد وجه الارض من غير نبات ولا شجر، في قول ابن زيد قال ذو الرمة: شعر : كأنه بالضحى ترمي الصعيد به دبابة في عظام الراس خرطوم تفسير : ومنه قوله: {أية : فتصبح صعيداً زلقاً} تفسير : فبين أن الصعيد قد يكون زلقاً. والصعدات الطرقات، قال الزجاج: لا أعلم خلافا بين أهل اللغة بأن الصعيد وجه الارض، سواء كان عليه تراب أو لم يكن، وهذا يدل على ما نقوله من أن التيمم يجوز بالحجارة سواء كان عليها تراب أو لم يكن {وطيباً} أي طاهراً، وقال سفيان: يعني حلالا. وأصل الصعيد من الصعود، وهو ما تصعد على وجه الأرض من ترابها، والاصعاد في الماء بخلاف الانحدار، والصعود عقبة يشق صعودها، ومنه قوله: {أية : سأرهقه صعوداً}تفسير : وقيل: انه جبل في النار يؤخذ بصعوده، والصعدة هي القناة التي نبتت مستوية، لأنها تصعد في نباتها على استقامة، والصعداء تنفس بتوجع. وقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} قيل في صفة التيمم ثلاثة أقوال: أحدها - ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، ذهب إليه ابن عمر، والحسن، والشعبي، والجبائي، وأكثر الفقهاء، وبه قال قوم من أصحابنا. الثاني - ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الزندين، ذهب إليه عمار بن ياسر، ومكحول، واختاره الطبري، وهو مذهبنا إذا كان التيمم بدلا من الجنابة، وان كان بدلا من الوضوء فيكفيه ضربة واحدة يمسح بها الوجه إلى طرف أنفه واليدين إلى الزندين. الثالث - قال أبو اليقظان، والزهري: انه إلى الابطين، وقال قوم انه جائز أن يضرب بيديه على الرمل فيمسح بهما وجهه، وإن لم يعلق بهما شيء، وبه نقول. ويجوز للجنب أن يتيمم عندنا، وعند أكثر الفقهاء وأهل العلم. وبه قال عمار بن ياسر ورواه عن النبي (صلى الله عليه وسلم). وروي عن عمر، وابن مسعود، وابراهيم: أنه لا يجوز للجنب أن يتيمم، لقوله: {ولا جنباً إلا عابري سبيل} وقد بينا نحن أن المراد بذلك النهي عن دخول المساجد، فكأنه قال: ولا تقربوا المساجد للصلاة وأنتم سكارى {ولا جنباً إلا عابري سبيل} لأن من لم يكن له طريق غير المسجد، أو أصابه الاحتلام في المسجد جاز له أن يجتاز فيه، ولا يلبث فيه. والسكران الذي زال عقله لا تصح صلاته، ويجب عليه قضاؤها، ولا يصح منه شيء من العقود ولا رفعها، كالنكاح، والطلاق، والعتق، والبيع، والشراء، وغير ذلك. وقضاء الصلاة يلزمه إجماعا، وأما ما يلزم به الحدود والقصاص فعندنا أن جميع ذلك يلزمه، إن سرق قطع، وإن قذف جُلد، وإن زنا حدّ، وغير ذلك، لاجماع الفرقة المحقة على ذلك، ولعموم الآية المتناولة لذلك، ولا يلزم على ذلك تكليف من قطع رجل نفسه الصلاة قائماً، لأن ذلك تكليف مالا يطاق، وإيجاب قضاء الصلاة على السكران ليس كذلك، وكذلك إقامة الحدود، لأن ذلك تابع للشرع، وفيه خلاف. ويجوز أن يصلي صلوات الليل والنهار عندنا بتيمم واحد، وهو كالوضوء في هذا الباب، ما لم يحدث، أو يتمكن من استعمال الماء، وبه قال الحسن، وعطاء، وأبو حنيفة وأصحابه، وقال إبن عمر، والشعبي، وقتادة، وابراهيم، والشافعي يجب التيمم لكل صلاة، ورووا ذلك عن علي (ع)، وذلك عندنا محمول على الاستحباب. ولا يجوز التيمم عندنا إلا عند تضيق الوقت، والخوف من فوته، واختار ذلك البلخي. وقال الشافعي: لا يجوز إلا بعد دخول الوقت، وقال أبو حنيفة: يتيمم أي وقت شاء، وإن كان قبل الوقت فهو كالوضوء. ومسائل التيمم استوفيناها في المبسوط، والنهاية، ولا نطول بذكرها ها هنا. وقوله: {إن الله كان عفوَّاً غفوراً} أي يقبل منكم العفو، ويغفر لكم، لأن قبوله التيمم بدلا من الوضوء تسهيل علينا. وقيل: يعفو بمعني يصفح عنكم الذنوب، ويغفرها أي يسترها عليكم.
الجنابذي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اذعنوا بالله وبمحمّد (ص)، او ارادوا الايمان بالله على يد محمّدٍ (ص)، او آمنوا على يد محمّد (ص) بالبيعة العامّة النّبويّة وقبول الدّعوة الظّاهرة، او آمنوا بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ} الصّلوة تطلق لغةً على الدّعاء والرّحمة والاستغفار وشرعاً على الافعال والاذكار الموضوعة فى الشّريعة، وتطلق حقيقةً او مجازاً على المواضع المقرّرة للصّلوة الشّرعية، وعلى الذّكر القلبىّ المأخوذ من صاحب اجازةٍ آلهيّةٍ، وعلى صاحب الاجازة الآلهيّة، وعلى الصّورة المثاليّة الحاضرة فى قلب السّالك من صاحب الاجازة، وعلى كلّ من مراتبه البشريّة والمثاليّة والقلبيّة والروحيّة بمراتب الرّوحيّة وذلك لانّ الاسماء وضعت للمسميّات من غير اعتبار خصوصيّة من خصوصيّات المراتب فيها؛ فالصّلوة وضعت لما به يتوجّه الى الله ويسلك اليه بتسنينٍ واذن من الله كما انّ الزّكوة اسم لما به ينصرف عن غير الله بتسنين واذن من الله، ويدلّ على ذلك انّ الصّلوة كانت فى كلّ شريعة ولم تكن بتلك الهيئة المخصوصة وقوله {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُون} تفسير : [المعارج:23] يدلّ على العموم لعدم امكان ادامة الصّلوة القالبيّة وكذا قوله: {أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ} تفسير : [النور:37]، وكذا قول علىّ (ع) فى بعض ما قال: انا الصّلوة، فقلب علىّ (ع) وولايته هى الصّلوة الّتى هى عمود الدّين، وان قبلت قبل ما سواها، وهى معراج المؤمن وهى بيت الله الّذى اذن الله ان يرفع، وهى الكعبة، وهى المسجد الذّى قال تعالى: {أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} تفسير : [الأعراف:31] وقال: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} تفسير : [الجن:18] وما يدخل من نفخة علىّ (ع) فى القلب وهو الايمان الدّاخل فى القلب، وما يؤخذ من صاحب الاجازة الالهيّة من الّذكر الجلىّ والخفىّ، وما يؤخذ من صاحب الاجازة من الصّلوة القالبيّة كلّها صلوة، وما يبيّنه صاحب القلب الّذى صار قلبه متّصفاً بالصّلوة من حيث ذلك الاتّصاف كالمساجد هو ايضاً صلوة كما انّه بيت الله، فمن اخذ الصّلوة القالبيّة من امثاله واقرانه او آبائه ومعلّميه من غير تقليد عالمٍ مجازٍ لم يكن علمه مقبولاً ولو كان موافقاً، وهكذا حال من تسرّع الى الاذكار والاوراد ومن تسرّع الى الّذكر القلبىّ من غير اذن واجازة من شيخٍ مجازٍ لم ينتفع به ولم يكن صلوته صلوة حقيقة ولا عبادته عبادة، وقد ورد اخبار كثيرة فى انّ العبادة بدون الولاية غير مقبولة ومردودة والولاية وقبولها عبارة عمّا يحصل بسببه الاجازة فى العبادة وكأنّه تعالى اراد بالصّلوة جميع معانيها بمثل عموم المجاز والاشتراك ولذلك قال: لا تقربوا؛ ليناسب جميع معانيها دون لا تدخلوا لئلا يتوهّم ارادة بعض المعانى الدّانية منه والنّهى اعمّ من الحرمة والكراهة والنّزاهة ولا اختصاص له بشيءٍ منها واستعماله فى الموارد المخصوصة بحسب القرائن فى الحرمة او الكراهة لا ينافى عموم مفهومه. تحقيق معنى السّكر {وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} قرئ بضمّ السّين وفتحها جمعاً وكهلكى جمعاً او مفرداً على ان يكون صفة لجماعة مقدّرة وكحبلى مفرداً، والسّكر من السّكر بمعنى السدّ ويسمّى الحالة الحاصلة من استعمال شيء من المسكرات سكراً لسدّها طرق تصرّف العقل فى القوى وطرق انقياد القوى للعقل، ولا اختصاص لها بالخمر العنبيّة المعروفة بل كلّ ما يحصل منه تلك الحالة شرباً او اكلاً او تدخيناً او غير ذلك فهو خمر النّفس سواء حصل منه السّكر المعروف كالفقّاع والعصيرات المتّخذة من غير العنب وكالبنج والجرس والافيون اولا كالحرص والامل والحبّ والشّهوة والغضب والحسد والبخل والغمّ والفرح والنّعاس والكسل الغالبة بحيث يغلب مقتضاها على مقتضى العقل بل الحالة الحاصلة المانعة من نفاذ حكمٍ العقل وتدبيره سكر النّفس من اىّ شيءٍ ومن اىّ سبب حصلت، وقد اشير فى الاخبار الى تعميم السّكر ففى خبرٍ فى بيان الآية: لا تقم الى الصّلوة متكاسلاً ولا متناعساً ولا متثاقلاً فانّها من خلال النّفاق، وفى خبر منه سكر النّوم، ومنها سكر الشّهوة الغالبة الّتى لا يفيق صاحبها عنه الا بقضائها، ويسمّى الحالة الحاصلة بعد قضاء الشّهوة من تدنّس النّفس بدنس الشّهوة وتكدّرها بكدورات الحيوانيّة، وتوغّلها فى صفات البهائم جنابة، ولا اختصاص لتلك الحالة بشهوة خاصّة بل كلّما يدنّس الانسان ويوغّلها فى الحيوانية والبهيميّة او السّبعيّة فهو جنابة النّفس حتّى تفيقوا من سكركم {وتَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} لفظة ما استفهاميّة او موصولة او موصوفة يعنى حتّى تعلموا الّذى تقولون فلا تحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا تغيّروه عن الصّورة الّتى نزل عليها كما قيل: انّها نزلت حين قرأ بعض الصّحابة فى الصّلوة حالة السّكر، اعبد ما تعبدون ولمّا كان المتبادر من السّكر سكر الخمر والمستفاد من الآية جواز هذا السّكر وعدم جواز الدّخول فى الصّلوة معه ورد انّها نسخت من حيث هذا الجواز المستفاد، ولمّا كان محض الافاقة من سكر النّفس من دون رفع اثر التّدنّس منها غير مبيحة للقرب من الصّلوة اضاف اليه قوله تعالى {وَلاَ جُنُباً} يعنى لا تقربوا المساجد بالدّخول فيها حرمة او كراهة، ولا تدخلوا فى الصّلوة القالبيّة بمعنى انّها لا تنعقد منكم ولا تقربوا الصّلوة الحقيقيّة الّتى هى اذكاركم القلبيّة وافكاركم المثاليّة الّتى هى مثل مشايخكم ولا تقربوا قلوبكم وعقولكم الّتى هى قربانكم وصلوتكم ان كان لكم قلب وعقل ولا تقربوا الصّلوات الحقيقيّة الّتى هى خلفاء الله فى ارضه جنباً يعنى فى حالة تدنّسكم بادناس شهوات النّفوس وغضباتها وفى حالة توغّلكم فى عقباتها حتّى لا تدنّسوا الصّلوات بادناس نفوسكم {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} مطلقاً فى المسجد الصّورىّ او بشرط التيمّم للدّخول فى الصّلوة القالبيّة او بشرط التيممّ المعنوىّ للدّخول فى الصّلوات المعنويّة {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} بان تغمسوا ابدانكم فى الماء حتّى تزيلوا ادناس ظواهر ابدانكم الّتى حصل عليها من الابخرة الغليظة الرّديّة العفنة الّتى حصلت فى بشرتكم وسدّت مسامّ ابدانكم الّتى بسببها ترويح ارواحكم الحيوانيّة وفى بقائها على ابدانكم احتمال امراض عديدة وحتّى تتنبّهوا من الاغتسال الظّاهر وتنتقلوا الى لزوم اغتسال نفوسكم من ادناس رذائلكم بماء التّوبة والانابة الى ربّكم فتغمسوا انفسكم فى الماء الطّهور الذّى يجرى عليكم من عين الولاية التّكوينيّة والتّكليفيّة {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ} بعد ما علم تعميم السّكر من الاخبار سهل تعميم الجنابة، وبعد تعميم الجنابة سهل تعميم الفقرات المذكورة فى هذه الآية، وجملة الشّرط والجزاء معطوفة باعتبار المعنى فانّ المعنى يا ايّها الّذين آمنوا ان كنتم سكارى فلا تقربوا الصّلوة حتّى تعلموا ما تقولون، وان كنتم جنباً فلا تقربوها حتّى تغتسلوا، وان كنتم مرضى يعنى حين ارادة قرب الصّلوة او حين الجنابة وارادة الاغتسال والاخير هو المتبادر من سوق العبارة وهذا المتبادر يدلّ على قصد العموم من الفقرات كما انّ عدم التّقييد بشيءٍ منهما يدلّ ايضاً على قصد العموم وانّ المراد ان كنتم مبتلين بالامراض البدنيّة المانعة من استعمال الماء الصّورى او من طلبه وتحصيله، او بالامراض النّفسانيّة المانعة من الغسل بماء الولاية او من طلبه وتحصيله فتيمّموا واقصدوا تراب الذّلّة والمسكنة عند الله الّذى هو اطيب من كلّ طيب بعد ماء الولاية، واقصدوا تراباً من وجه الارض طاهراً واظهروا اثر تراب الّذلّ على وجوهكم المعنويّة باظهار تضرّعكم وخشوعكم وتبصبصكم عند ربّكم، واثر تراب الارض الصّوريّة على مقاديم ابدانكم {أَوْ} ان كنتم {عَلَىٰ سَفَرٍ} يتعذّر عليكم فيه استعمال الماء او تحصيله سواء كان سفركم فى الارض الصّوريّة او فى طرق النّفس للخروج من ديار الشّرك الّتى هى ديار النّفس فانّكم مادمتم متحيّرين فى طرق النّفس امّا لا تتذكرون بماء الولاية ولا تتمكنّون من تحصيله او لا يليق بكم الاغتسال بعد فيه لتضرّركم به {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} الغائط المنخفضة من الارض كانوا يقصدونها للنجو فكنّى به عنه ولم يقل او على الغائط ليكون اوفق بسابقه واخصر لانّ من كان على الغائط لم يصحّ منه صلوة اصلاً ولا يرد الصّلوة ولم يقل، او على المجيء من الغائط لانّه داخل فى قوله على السّفر بلحاظ التّأويل، ولم يقل اوجئتم من الغائط ليوافق السّابق واللاحق فى المرفوع لارادة العموم البدلىّ من احد حتّى يصحّ الحكم بحسب التّنزيل وللاشارة الى انّ كلّ واحد منكم جماعة واذا وقع واحد منكم او من قواكم وجنودكم فى سفل النّفس ووهدتها فما دام هو فى تلك الوهدة كان حالكم حال السّكران الّذى لا يليق به قرب الصّلوة اصلاً، واذا انصرف من جهنّام النّفس كان حالكم حال الجنب المفيق من شهوة الفرج لكن لا يليق بكم استعمال ماء الولاية او لا تصلون اليه واذا اريد تصحيح ظاهر التّنزيل يجعل او ههنا بمعنى الواو حتّى لا يلزم جعل ما هو جزء الشّرط قسيماً له {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} كناية عن المجامعة يعنى ان جامعتموهنّ وخالطتم نفوسكم باتّباع مقتضياتها فلا يليق بكم استعمال الماء او لا تصلون اليه {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} للاستعمال بان لم تجدوه او تجدوه ولا تتمكّنوا من استعماله، او المراد عدم وجدان الماء ويكون تعذّر استعمال الماء غير مذكور مثل سائر مجملات القرآن {فَتَيَمَّمُواْ} يمّ وامّ بمعنى قصد اى فاقصدوا {صَعِيداً} اى تراباً او وجه ارض على خلاف فى معناه اللّغوىّ {طَيِّباً} اى طاهراً او مباحاً وعلى اختلاف تفسير الصّعيد اختلفوا فى جواز التّيمّم على الحجر والوحل، وان كان المراد بالصّعيد مطلق وجه الارض فالآتية فى سورة المائدة تدلّ على عدم جواز التّيمّم بما ليس فيه غبار مثل الحجر الصّلد والوحل حيث قال تعالى هناك: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} منه والاخبار تدلّ على جواز التّيمّم بالتّراب ثمّ بما فيه غبار من اللّبد وعرف الفرس وغيرهما، ثمّ بالوحل ثمّ الحجر لكن تدلّ على انّ التيمّم بغير التّراب انّما هو من باب الاضطرار {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ} اى بعض وجوهكم وهذا من المجملات الّتى بيّنوها لنا {وَأَيْدِيَكُمْ} عطف على وجوهكم اى بعض ايديكم وقد بيّنوها لنا ولم يدعونا حيارى لا ندرى اىّ شيءٍ الممسوح، ولا حاجة لنا الى ان يقول كلّ منا بقولٍ وان نجعل هوانا آلهنا والحمد لله ربّ العالمين {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً} يعنى رخّص الله لكم القرب من الصّلوة مع تدنّسكم بادناس الطّبيعة والنّفوس من دون اغتسال ابدانكم بالماء الصّورىّ ومن دون اغتسال نفوسكم بالماء المعنوىّ بشرط ظهور تراب الذّلّ والمسكنة على مقاديم ابدانكم ومقاديم نفوسكم لانّه كان عفوّاً كثير العفو عن عباده وتقصيراتهم وقصوراتهم، فلا يؤاخذكم بتدنّسكم بادناس النّفس والطّبع والهوى {غَفُوراً} يستر عليكم ما يبقى عليكم من اثر دنس الهوى فلا يطردكم عن حضرته بسبب ذنوبكم.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} يعني لا تغشوها ولا تقربوها، كقوله تعالى: {أية : لا تقربوا الفواحش}تفسير : [الأنعام: 151] {أية : ولا تقربوا الزنى}تفسير : [الإسراء: 32]، وقيل: لا تقربوا مواضعها وهي المساجد وهذا حين كانت الخمر مباحة، وروي أن عبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنه) صنع طعاماً وشراباً ودعا نفراً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا فلما ثملوا وجاء وقت الصلاة قدموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ: قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت هذه الآية فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة فإذا صلّوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ثم نزل تحريمها، وقيل: هو سكر النعاس، وغلبة النوم، قوله تعالى: {ولا جنباً إلا عابري سبيل} استثناء من عامة أحوال المخاطبين كأنه قال: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا ومعكم حال أخرى تعتذرون فيها وهي حال السفر، وقيل: لا تقربوا المسجد جنباً إلا مجتازين فيه إلى الماء إذا كان الطريق فيه إلى الماء أو كان الماء فيه، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأذن لأحد أن يمر بالمسجد ويجلس فيه وهو جُنب إلا لعلي بن أبي طالب، قوله تعالى: {فتيممُّوا صعيداً طيباً} قيل: هو وجه الأرض تراباً كان أو غيره وإن كان صخراً لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك طهوراً وهو مذهب أبي حنيفة قال ذلك جار الله، {إن الله كان عفواً غفوراً} كناية عن الترخيص والتيسير، قوله تعالى: {ألم ترَ إلى الذين أُوتوا نصيباً من الكتاب} نزلت في اليهود، نصيباً: حَظَّاً في علم التوراة {يشترون الضلالة} يعني يستبدلونها بالهدى وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوَّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنه هو النبي المبعوث العربي المبشر به في التوراة والإِنجيل، قوله تعالى: {ويريدون أن تضلوا} أنتم أيها المؤمنون {السبيل} {والله أعلم بأعدائكم} وقد أخبركم بعداوة هؤلاء {وكفى بالله وليَّاً وكفى بالله نصيراً} فثقوا بولايته ونصرته دونهم أو لا تبالوا بهم فإن الله ينصركم عليهم، قوله تعالى: {من الذين هادوا} بيان للذين أُوتوا نصيباً من الكتاب لأنهم يهود ونصارى، وقيل: نزلت في ناس من اليهود كانوا يأتون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخبرهم بما سألوه فإذا انصرفوا حرفوا كلامه (عليه السلام)، قوله تعالى: {واسمع غير مسمع} كانوا يقولون دعاً له والمعنى اسمع لا سمعت، وقيل: معناه اسمع أصمَّك الله، وقيل: اسمع غير مجاب إلى ما تدعو {وراعنا ليَّاً بألسنتهم وطعناً في الدين} يريدون بذلك ذم رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم} وتهزئته وسخرية في الدين، ليَّاً بألسنتهم: فتلاً بها وتحريفاً: أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون، رَاعِنَا موضع أنظرنا أو يلقون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً {ولكن لعنهم الله بكفرهم} أي طردهم من الجنة وأبعدهم عنها {إلا قليلاً} فيه قولان: أحدهما يريد عبد الله بن سلام وأصحابه، والثاني يريد إيماناً قليلاً ضعيفاً ركيكاً.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}. ذكر بعضهم قال: لما نزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ} ـ والميسر القمار كله ـ (أية : قُلْ فِيهمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) تفسير : [البقرة: 219] فذمّها الله في هذه الآية ولم يحرّمها، وهي لهم يومئذ حلال. قال: فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية: إن الله قد يقرّب في تحريم الخمر. ثم أنزل في الخمر بعدها آية هي أشد منها: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فكان السكر عليهم منها حراماً، وأُحِل لهم ما سوى ذلك؛ فكانوا يشربونها، حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا عنها. ثم أنزل الله تحريمها في سورة المائدة: {أية : يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. تفسير : [المائدة:90]. فجاء تحريمها في هذه الآية قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر. قوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}. ذكروا عن ابن عباس قال: هو المسافر إذا لم يجد الماء تيمم وصلّى. وقال بعضهم: الجنب يعبر المسجد ولا يقعد فيه، ويتلوا هذه الآية: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}. قوله: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} أي [تعمّدوا] تراباً نظيفاً. والملامسة في قول علي وابن عباس والحسن وعبيد هو الجماع. وكان ابن مسعود يقول: هو اللمس باليد، ويرى منه الوضوء. ومن قال: إنه الجماع لم ير من اللمس باليد ولا من القبلة وضوءاً. ذكروا عن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ، ثم يقبّلها، ثم ينطلق إلى الصلاة ولا يتوضأ. قوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُواً غَفُوراً}. ذكروا عن عمار بن ياسر قال: حديث : أجنبت وأنا في الإِبل، فتمعّكتُ في الرمل كتمعُّكِ الدابة. ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخل الرمل في رأسي ولحيتي، فأخبرته فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم نفضهما، فمسح بهما وجهه وكفيه [ثم قال: كان يكفيك أن تصنع هكذا] . تفسير : ذكروا عن عمار بن ياسر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : التيمّم ضربة واحدة . تفسير : ذكروا عن ابن عمر أنه كان يتيمم ضربتين: ضربة للوجه وضربة للذراعين. وذكروا عن الحسن مثل ذلك. [ذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الجريح، والمجدور، والمقروح إذا خشي على نفسه تيمّم].
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}: بنوم أو خمر. {حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}: فى صلاتكم، فـ {حتى} للتعليل لا للغاية لأن الغاية يقيدها جملة الحال وهى قوله تعالى {وَأَنْتُمْ سُكَارَى}، وجعلها القاضى للغاية، وقال الضحاك: المراد قوله {وَأَنْتُمْ سُكَارَى}. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا نعس أحدكم وهو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدرى لعله يذهب يستغفر ربه فيسب نفسه"تفسير : السكر من النوم. وقال جمهور الصحابة والتابعين: المراد السكر من الخمر لأن سبب الآية الخمر كما مر فى قوله:{أية : يسألونك عن الخمر والميسر}تفسير : وقد يرجح هذا فيحمل عليه النوم، أو تحمل الآية على العموم كما رأيت، وذلك أن السكر يفهم بضم السين وإسكان الكاف يستعمل فى النوم والخمر أخذاً من سكر الماء بفتحهما، وهو سد مجراه لانسداد مجارى الروح إلى الحواس الظاهرة بالنوم أو بالخمر، وقيل: المراد بالصلاة مواضعها، والكلام مجاز سواء أريد نعس الصلاة أو موضعها، فأما على الأول فلأن القرب حقيقة بالقرب إلى محسوس من الأجسام، فشبهت بمحسوس من الأجسام، لأن بدن الإنسان بحس وتعلم به. وأما على الثانى فلأن موضعها غير مذكور، بل يقدر مضاف كما رأيت أو تطلق على محلها. والذى عندى أن الحمل على نفس الصلاة أولى، لأنه سالم من الحذف، والقرب للصلاة قريب من الحقيقة، إن لم يقل قائل: إن القرب للأفعال حقيقة فى العرف العام، فعلى الأول لا يجوز للجنب أن يدخل المسجد أيضاً كما لا يصلى لورود النهى فى الحديث عن دخوله المسجد، ولفظ الآية فهى السكران عن الصلاة، فيكون نهياً لهُ عما لا طاقة لهُ على فعله أو تركه على العمد للأفعال، والجواب أنهُ قد يبقى له ما يميز به، كما يروى أنه ينشد الشعر ويعرف ما يغيظهُ من الكلام، فهذا هو المخاطب وأن المراد النهى عن الإفراط فى الشرب الذى هو سبب لقرب الصلاة فى سكر، وألف سكارى للتأنيث وهو جمع سكران، وقرئ بفتح السين فألفهُ للتأنيث أيضاً لكن فيه على هذه القراءة منهى صيغة الجموع، وقرئ سكرى بفتح السين وإسكان الكاف جمع سكر بفتحها وكسر الكاف كزمن وزمنى أو مفرد، أى وأنتم جماعة سكرى، وبضمها وإسكان الكاف مفرد أيضاً كحبلى، أى وأنتم جماعة سكرى، كما يروى كسلى وكسلى بإسكان السين مع ضم الكاف أو مع فتحها. {وَلاَ جُنُباً}: عطف على جملة الحال لأن المعنى: لا تقربوا الصلاة سكارى، والجنب ذو الجنابة، وهو يطلق على الجمع والمفرد المؤنث وغيرهما كالمصدر، وسمى من أجنب جنباً لأن الجنابة لغة البعد، ومن أجنب بعيد عن الصلاة والصوم والمسجد وتلاوة القرآن، الطهارة مطلقة على الصحيح عندنا وعند الحنفية وهو قول ابن عباس. {إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ}: استثناء من جنباً متصل، أى: إلا ذاهبين فى سبيل بالسفر غير واجدين الماء، فحينئذ تصلون بالتيمم رافعاً للجنابة، أو مبيحاً للصلاة، طهارة ضرورية عند الشافعى فيما قيل، وربما ذلك لفظ الآية على أن التيمم مبيح، إذا أفادت أنكم تصلون بالجنابة كما قيل، والتحقيق أنها لا تفيد ذلك، بل مثل ذلك يفيد أنكم جنب قبل التيمم، وأما بعده فلا جنابة، لأنهُ بدل الغسل، ويجوز أن يكون {إلا عابرى} نعتاً لجنباً، ظهر الإعراب فى عابرى، وفسر الشافعى الصلاة بمواضعها، فجعل العبور عبوراً فى المسجد، وجعله جائز لمن يعبر فيه، ولا يمكث وهو خلاف الظاهر مع ورود النهى عن اتخاذ المسجد طريقاً، ومع ورود الحديث فى نهى الجنب عن دخول المسجد بلا تخصيص عابر. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإنى لا أجد المسجد لحائض ولا جنب"تفسير : . ولا يخفى أن الآية على العموم، وعابرى على العموم، وأنه ليس المراد فيها عابرى سبيل عليا وحده ولا عليا ومن كان مثله فى كون بيته فى المسجد، ولو روى أنه صلى الله عليه وسلم أنه أباح لنفر من الأنصار بيوتهم فى المسجد أن يمروا فيه جنباً إلى الماء ولا ممر لهم سواه، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يأذن لأحد أن يمر فى المسجد ويجلس فيه وهو جنب إلا لعلى لأنه بيته فى المسجد، أو بمعنى الواو أباح لهُ المرور والجلوس، وللنفر المرور الصحيح أن العبور فى سائر الأرض بالسفر، وإن التيمم ينفع الجنب الذى لم يجد الماء للصلاة. وأجاز أبو حنيفة المرور فيه للجنب، إذا كان فيه الماء أو الطريق إلى الماء ولا طريق إلى الماء سواه. {حَتَّى تَغْتَسِلُواْ}: غاية لقوله ولا جنباً، ويلحق بالسكر فى المعنى اشتغال القلب عن الصلاة بأمور الدنيا فإنه سكر، ويلحق الجنب فى المعنى البعد عن الحق بجهل أو هوى، أى جردوا أنفسكم عن ذلك لتقيد صلاتكم، وأجاز أحمد المكث فى المسجد للجنب إن اغتسل غسل الوضوء، يعنى إن توضأ وضوء الصلاة، وبه قال المزنى من أصحاب الشافعى، ويرده حديث "حديث : وجوه هذه البيوت.."تفسير : إلخ وقد مر آنفاً، روته عائشة، وإن الاغتسال يتبادر منه غسل الجنابة، لا الوضوء، وأجاب بأن فى سند الحديث مجهولا، بل قال عبد الحق: لا يثبت من قبل إسناده، واستدل بما روى عطاء بن يسار أنه رأى رجالا من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يجلسون فى المسجد جنباً إذا توضئوا وضوء الصلاة، والآية أيدت حديث عائشة، ولا يقادمها حديث عطاء، واختلفوا فى عبور غير الجنب فى المسجد إجازة ومنعاً، ونسبت الإجازة للشافعى والحسن، وأجازه بعض للجنب أن يتيمم ولو وجد الماء وقدر على استعماله، وليس قويا لأن التيمم حينئذ غير طهارة، وإنما ورد التيمم مع وجود الماء والقدرة على استعماله فى النفل، لا فى دخول الجنب المسجد، وكذا لا يقرأ الجنب القرآن لحديث على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضى حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم، ولا يحجبه عن القرآن شىء ليس الجنابة، والجنابة تحصل بإنزال المنى، أو بولوج الحشفة، وولوجها هو الإجهاد فى حديث: إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم أجهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل. قالت عائشة: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ قال: "يغتسل" حديث : وعن الرجل احتلم ولا يجد بللا قال: "لا غسل عليه"تفسير : . قالت أم سلمة: والمرأة ترى ذلك هل عليها غسل؟. قال: "نعم" أى إن أنزلت كما فى الرجل وممن أجاز العبور فى المسجد للجنب ابن مسعود وأنس والحسن وسعيد بن المسيب وعكرمة والضحاك وعطاء الخراسانى للنخعى والزهرى والشافعى، واحتج لهم بأن حمل العبور على عبور المسافر فى سائر الأرض، فيتيمم للصلاة جنباً يحتاج بلا ضمان عدم الماء، وذكر التيمم، وأجيب بأن ذلك ليس إضماراً بل شىء ذكر فى آية أخرى، وفيما يلى ذلك من السورة، واحتج لهم بذكر ذلك فيما يلى، فيتكرر وأجيب بأنه تصريح بما يفهم لا تكرير، واحتج باستحسان القراء الوقف على {تغتسلوا}، وأجيب بأنه لا يكون حجة قاطعة ولا سيما أنه يكون متهم من هو قائل بمدعى الشافعى. {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى}: مرضاً يزيده الماء ضرراً، أو يؤخر برءه ودخل فى المرض الجدرى وإحراق النار، ويفهم بالأولى إلحاق حدوث المرض بالماء، ومن صح بعض أعضائه، ومرض بعض غسل الصحيح، ويتيمم للمريض جمعاً بين الطهارة، كما روى حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال: فى رجل شج وأجنب، فاستفتاهم فى التيمم، فقالوا: لا إلا الغسل - قتلوه قتلهم الله - "يكفيه أن يتيمم ويمسح على العصابة ويغسل سائر جسده"تفسير : فجمع بين الغسل والتيمم، وتفريع ذلك فى الفقه، ومنها أنه قيل إن كان أكثر أعضاء ما يغسل صحيحاً غسل ولم يتيمم للعليل العليل، وقيل يتيمم للعليل ولو قل، ويغسل الصحيح، وقيل يتيمم للعليل والصحيح، ولو قل العليل، ولا غسل للصحيح، وقيل: إن كان العليل الوجه أو الفرج يتيمم للجميع، وإلا يتيمم له وغسل الصحيح، وإن كان نجس لا يقدر على غسله فى أعضاء الغسل أو غيرها، أو لا يقدر على الاستنجاء، فقيل: يصح له الوضوء، وقيل: لا، وإذا قيل: يتوضأ فقيل يتيمم للنجس، وقيل لا، وإذا لم يقدر على غسل نجس، أو لم يجد الماء أمكنه أن يقشره أو يحكه بالتراب فليقشر ويحكه، ولا يقتصر على التيمم أو الوضوء، ووجه التيمم عند المرض توسعه الله لنا لئلا نلقى بأدينا إلى التهلكة فالماء عند المرض كالعدم. {أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً}: قبل عدم وجود الماء عائد إلى الثلاثة الكون على سفر، ومحى أحد من الغائط، وملامسة النساء، وعلى سفر: متعلق بمحذوف، معطوف على مرضى، أى: أو ثابتين على سفر، وجاء أحد معطوف على كنتم مرضى، وسواء فى السفر أن يكون طويلا أو قصيراً ومثله غير السفر إذا كان لا يدرك الماء فى غير السفر إلا فات الوقت، أو لا يدرك الصلاة به، فإنه يتيمم ولو فى الوقت، وقيل: يعيد فيه. وقال الشافعى: يعيد لو بعد الوقت، ولا يعيد الصلاة إذا وجد الماء. وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة حتى يجد الماء، لأنه فى غير السفر. ففى حديث أبى ذر وغيره: التيمم طهور المؤمن، ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك وهو يشمل الحضر والسفر، ولو كان سببه السفر، والغائط: المكان المنخفض، وكانت العرب تقصده لقضاء حاجة الإنسان، استتاراً عن الناس، فكان المجىء من ذلك المكان الذى قصد لقضائها كناية عن قضائها، لو سمى قضاها باسم المحل، وهو الغائط فكأنه قيل: أو جاء من قضائها، أو سمى البول فضلة الطعام الخارجة من الإنسان غائطاً، تسمية باسم محلها، وملامسة النساء: جماعهن، وزعم الشافعى أن ملامستهن، مسهن بيد فى أى موضع فعنده إن مَنْ مس زوجته بيده ولو فى غير فرجها ينتقض وضوءه، ورجح بعضهم هذا لأنه حقيقة. والملامسة بمعنى الجماع مجاز، وقد روى ما قال الشافعى عن ابن مسعود وابن عمر والنخعى والزهرى والأوزاعى، فعن ابن عمر: قبلة الرجل امرأته وجسُّها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته وجسّها بيده فعليه الوضوء، وكذا عن ابن مسعود وقال مالك، والليث بن سعيد، وأحمد، وإسحاق: إن مس زوجته بيده بشهوة، انتقض وضوءه، وإن لم يكن بشهوة لم ينتقض، ومذهبنا إن مس الرجل امرأته لا ينتقض الوضوء، وكذا قبلتها، إلا إن مسها فى عورتها بيد أو غيرها، أو حدث له بلل لا نقض عليه، ولو مس بشهوة ولو انتشر وكذا النظر بشهوة، ولو إلى عورتها لا ينقض ولو لشهوة، ولو انتشر وإنما ينقض مس عورته، أو البلل. وأما حديث "حديث : من قبلة الرجل امرأته الوضوء"تفسير : فمعناه أن القبلة سبب لتجديد الوضوء بأن يخرج منه بلل. وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ولا يجدد الوضوء. ثبت هذا عندنا فى الحديث، وروى قومنا عن عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قال عروة: من هى؟ إلا أنت؟ فضحكت. فقيل: استدل به مالك ومن معه على أن المس بلا شهوة غير ناقض، وهو استدلال مشكل بأنه لا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم مس بلا شهوة، بل المتبادر أنه مس بشهوة، وقال بعض قومنا: هذا الحديث ضعيف، وكذا قال الترمذى: لا يصح إسناده، وقال: سمعت البخارى محمد بن اسماعيل يضعف هذا الحديث. وقال حبيب بن ثابت: لم يسمع من عروة مع أنه قد ذكر فى سنده وقال ابن القطانى: هذا الحديث ضعيف كالعدم. وليس عروة هذا هو ابن الزبير بن أخت عائشة رضى الله عنها، بل هو شيخ مجهول يعرف بعروة المزنى، وإنما المحفوظ عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم. قلنا: ليس كذلك بل حفظ عنها ذلك أيضاً، ويدل لمذهبنا أيضاً أحاديث عائشة فى مستها رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أخمص رجله وهو يصلى فى البيت بلا مصباح تبحث عليه غيره، وأنها نامت وجدت رجليها لكنها الماسة، وإذا سجد غمزها فقبضت رجليها لكن بلا شهوة، لأنه فى الصلاة وأما أن يقال: غمزها على حائل فلا دليل عليه، وذلك أنه إذا كان الغمز عليه فلا نقض، ومذهبنا هو مذهب ابن عباس والحسن والثورى. وقال أبو حنيفة: لا ينتقض الوضوء باللمس إلا إن أحدث الانتشار، وتحمل الملامسة فى الآية على الجماع، وبه قال على وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، قال ابن عباس: إن الله تعالى حى كريم، يكنى عن الجماع بالملامسة، وهو أقوى ولو مجازاً لدلالة الأدلة على أن المس لا ينقض الوضوء. وقال مالك: الملامسة مطلق المس بالجماع أو باليد، وعندنا أيضاً لا نقض بمس المحارم، والأجنبية الصغيرة، إلا بخروج البلل أو بالشهوة، أو بمس موضع لا يجوز نظره، وينقضه مس بالغة غير محرمة، وفى مس ما يجوز نظره قولان: المشهور المنع، وينتقض بمس الأجنبية البالغة عمداً، ولو فى شعرها أو ظفرها أو سنها، وكذلك قال الشافعى: لا نقض بمس المحارم من النساء على الأصح عنه لأنه ليس محركاً للشهوة، وعنه النقض لعموم النساء، ولا نقض على الملموس إلا إن ثبت وتعمد، وقيل: ينقض، والقولان فى المحرمة عند الشافعى، وفى الأجنبية ما عندنا، وإن لمس امرأة محرمة أو أجنبية أو طفلة ولو فى الوجه أو الكف ولو بغير اليد لشهوة انتقض وضوؤه عندنا قولا واحداً، ومن مس شيئاً من جسدة شهوة، أو نظر إليه شهوة ولو غير عورة انتقض وضوؤه، ومن مس فرجه عمداً انتقض وضوؤه ولو بلا شهوة، وفروع المسألة فى الفقه. وأما ما رواه طلق بن على: حديث : قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل كأنه بدوى، فقال: يا نبى الله ماذا ترى فى مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ قال: "هل هو إلا بضعة منه؟"تفسير : فإنما هو فى أول الهجرة. وأحاديث أبى هريرة وغيره فى النقض بمس الذكر بعده، فهو ناسخ له، أو حديث طلق فى المس بغير اليد، وأحاديث أبى هريرة وغيره فى المس باليد فهن تقييد واستثناء من عموم للتصريح باليد، وما لم يصرح فيه باليد مما فيه النقض حمل على اليد. {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}: أى فاقصدوا صعيداً طيباً، وهذا إجمال إذ لا يدرى من القصد إلى الصعيد الطيب ما يصنع القاصد إذا قصده، فبينته السنة بوضع اليدين فى الأرض الوجه وضربها للكفين، ومسح الوجه والكفين. والصعيد: الرتاب، والطيب: الحلال الطاهر، ولا يجزىء غير التراب إلا على وجه الضرورة، ويدل لذلك فيما عندى قوله فى سورة المائدة {أية : فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}تفسير : فإنه يتبادر من قوله:{منه} أن يلتصق جزء ما من المتيمم عليه، وإنما يلتصق من التراب لا من الحجر، وما تحجر من التراب حتى لا يتغير به اليد، ثم رأيت والحمد لله القاضى صرح بذلك إذ قال وقال أصحابنا - يعنى الشافعية - لا بد أن يعلق باليد شىء من التراب لقوله تعالى فى المائدة: {أية : فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}تفسير : أى من بعضه وجعل {من} لابتداء الغاية تعسف، إذ لا يفهم من نحو ذلك إلا التبعيض. انتهى ووجه ذلك أن الصعيد قد عرف فى اللغة العربية أنه التراب، وهب أنه بمعنى التراب فى عرف الشرع فقط، فالعرب تفهم أن الصعيد الطيب شىء صاعد على الأرض طاهر على عمومه، لكن رسول صلى الله عليه وسلم بينه أنه التراب بتيممه على التراب، وأمره التيمم عليه، وكذا روى أنه حك جداراً بعصى فتيمم عليه، فلم يتيمم عليه بلا حك، وقالت الحنيفة: الصعيد الطيب: الشىء الصاعد على الأرض الطيب، تراباً أو حجراً، وإنما قلت فى الطيب: أنه الحلال الطاهر لأن التراب الحرام بغصب أو نحوه استعماله معصية فكيف يتقرب به إلى الله، وكيف يرفع الحدث والمغصوب من الأشياء لا يطيب لغاصبه، بل يكدر عليه، والعرب تعرف ذلك قبل الشرع، إلا ترى أن قريشاً لما قصدوا بناء الكعبة ما بنوها إلا بحلال أموالهم حتى أنهم تركوا الحطيم لقلة الحلال؟ والطاهر هو الذى يحصل منه الطهر لغيره لا ما نجس، ولم أفسر الطيب بالمنبت لأنه لا يناسب الإنبات الأمر المتقرب به إلى الله فى شأن الصلاة، ورفع الأحداث كل المناسبة، وإنما يناسبه الحلالية والطهارة وإنماء جاء الطيب بمعنى المنبت فى سورة الأعراف، إذ قال: {أية : والبلد الطيب}تفسير : لأنه المناسب لما سيقت الآية له فى الأعراف كذا ظهر لى، فيجوز التيمم فى السبخة التى لا تنبت وقد عمه أيضاً حديث: "حديث : جعلت لى الأرض مسجداً وتربها طهوراً" تفسير : وعمده من لا يجيز التيمم فى تراب لا ينبت آية الأعراف، وعمه أيضاً حديث حذيفة: فملنا بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء. هذا لفظ مسلم بن الحجاج والربيع - رحمه الله - كصاحب الوضع، وغيره من أصحابنا وغيرهم ألفاظ أخر، وقال الشافعى عن لغة العرب أنه لا يطلق الصعيد إلا على تراب ذى غبار، فأما البطحاء الغليظة والدقيقة فلا يقع عليها اسم الصعيد، فإن خالطه تراب أو مدر يكون له غبار، فالذى خالطها هو الصعيد فلا يتيمم على غير تراب ولا على تراب لا غبرة له عنده، وعند بعض أصحابنا وكذا قال الفراء وأبو عبيد أو أبو عبيدة معمر بن المثنى وأبو عبيدة مسلم، قال ابن عباس: الصعيد هو التراب، قال أبو عبيدة معمر ابن المثنى فى قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إياكم والقعود بالصعدات" تفسير : أن الصعدات: الطرق، مأخوذ من الصعيد، وهو التراب. واختار الزجاج أن الصعيد وجه الأرض البارز تراباً أى تراب كان، وحجراً ما أنبت ما لم ينبت، ما له غبرة وما لا غبرة له، فدخلت النورة وحجر الكحل ونحوهما، ومشهور مذهبنا كمذهب الشافعى. وما قاله الزجاج هو كمذهب أبى حنيفة، وعن قتادة: الصعيد الأرض التى لا شجر فيها لا نبات، وقال ابن زيد: المستوى من الأرض، ولا يرجع إلى القولين شىء من أمر التيمم إذ لا قائل يمنع التيمم فى أرض غير مستوية، أو فى أرض فيها شجر أو نبات، وإنما ذلك بيان لأصل الصعيد، اللهم إلا أن يقال أريج بالأرض فى القولين: المقدر الذى يتيمم فيه فصاعداً، إذ لا يتيمم فى غير الضرورة على شجر أو نبات، ولا يتيمم على ما لم يستوى لتصل الكفان كل أجزائهما إلى الأرض، فإذا كان الصعيد التراب صح التيمم عليه ولو جعل فى ثوب أو طبق أو نحو ذلك مما هو طاهر، وقيل: لا. ومن فسر الطيب بالمنبت شرط أيضاً الطهارة والحلال، وفسره مالك بالطاهر قم أنهم اختلفوا فى ضرب التيمم كم ضربة، وما يمسح الكف أو إلى المرافق أو إلى المنكب، ولا بد من مسح الوجه، والصحيح ما ذكرت أولا، وهل يجوز قبل الوقت؟ وهل يجدد طلب الماء عند كل صلاة؟ الصحيح أنه يجوز بعد دخول الوقت وأنه رافع، فإذا تيمم بعد دخوله رفع الحدث، فيكفى لصلوات ما لم يحدث، فلا يجب تجديد الطلب، والقائل بأنه مبيح تيمم لكل صلاة، ويجدد الطلب لكل صلاة، وإذا تيمم ولو على القول بأن كل صلاة تيمماً، جاز له صلاة السنن والنفل به قبل الفرض أو بعده، ما لم يدخل وقت الثانية، وأن يقرأ القرآن ولو جنباً حتى يدخل الثانى. {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ}: مما ردت الإذن إلى الإذن، ومن منبت شعر الجبهة المعتاد إلى الذقن. {وَأَيْدِيَكُمْ}: أكفكم ظاهرها وباطنها، وقيل ظاهرها، ويدل تفسير بالأكف التفسير به فى آية قطع السارق والسارقة، وحديث عمار أنه أرسله صلى الله عليه وسلم فى حاجة وأجنب فتمعك فى التراب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يكفيك ضربة للوجه وضربة للكفين" تفسير : ودل المسح باطنهما مع ظاهرهما رواية محمد: أنه قال له "حديث : يكفيك هكذا"تفسير : فضرب بيديه إلى الأرض فنفضهما وأنه مسح ظاهر كفيه وباطنهما، ويدل لباطنهما أيضاً ما يأتى من مسحه فى رواية المسح إلى المناكب. وروى البخارى ومسلم فى حديث عمار: أنهُ ضرب ضربة واحدة للوجه والكفين، وبه قال على وابن عباس فى رواية عنه، والشعبى وعطاء ومكحول والأوزاعى ومالك وأحمد وإسحاق وداود، وروى البيهقى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، وبه قال ابن عمر وابنه سالم والحسن وأبو حنيفة والشافعى، فإن اليد تغسل فى الوضوء من أصابعها إلى مرفقها، والصحيح فى الرواية: حديث عمار الذى فيه ضربتان، ضربة للوجه وضربة للكفين، وأما حديثه الذى فيه ضربة واحدة، فلعله فى بيان كيفية المسح لا بيان أن الضرب ضربة واحدة، ثم بين له أنهُ ضربتان، وقيل: ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكتفين والإبطين، وبه قال الزهرى والزجاج لأن ذلك كله يرفع رواية عن عمار: تمسحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط ثم بطون أيديهم، فيستدل من هذا الحديث بأن باطن الكف يمسح كما يمسح ظاهرها، وأقول: هذه الروايات كلها جائزة، ثابتة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن كل واحد من ذلك كاف، وفى بعضه التخفيف، وفى بعضه تثقيل، كما أنه لم يتمعك فى التراب كله لم يقل له لا يجزئك، ولم يقل له أعد الصلاة والتيمم، بل قال يجزئك أقل من ذلك. ومما ذكر فيه المسح إلى المرفق رواية الأعرج عن ابن الصامت، إذ قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد على السلام حتى قام إلى الجدار فحته بعصى كانت معهُ، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد على، لكن هذا الحديث فيه وجه آخر وهو ضربة واحدة للوجه والذراعين، من الكف للمرفق، وهو حديث منقطع لأن الأعرج لم يروى عن ابن الصامت بل عن عمير مولى ابن عباس عن ابن الصامت، كما فى البخارى ومسلم لكن لم يذكر حتى الجدار بل قالا تيمم على الجدار. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً}: كثير العفو أو عظيمة، وهو صفة مبالغة بوزن فعول، إلا أنه أدغم، والعفو ترك الذنب بلا عقاب عليه. {غَفُوراً}: كثير الستر للذنوب أو عظيمة إذ بعضها يمحوها عن صحيفة صاحبها أو يمحو ذنوبه كلها منها وينسى الحفظة ذلك أيضاً إذ لم يؤاخذ بالذنوب، لم ير أثرها على فاعلها، كأنه لم يفعلها، فلكثرة عفوه وغفره وعظمهما يسر بالتيمم، فإنه من كان يعفو عن المسىء ويستره بعد إساءته فأولى أن يسهل للعاجز، وحديث عائشة فى سبب نزول آية التيمم وهو إقامتها برسول الله صلى الله عليه وسلم بلا ماء، وعلى غير ماء تلتمس عقدها مذكور فى الوضع والإيضاح بلفظ ذكر به فى البخارى ومسلم، وفيهما أن أسيد ابن حضير أحد النقباء قال: ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر، وإنها قالت إننا خرجنا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى بعض أسفاره فذكر أحاديث التيمم، والمراد ببعض أسفاره غزوة بنى المصطلق، وهى غزوة المريسيع، وفيها كانت قصة الإفك، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها فلعله سقط منها فى تلك السفرة مرتين، واستبعد بعضهم ذلك، لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر لقولها فى الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش وهما بين مكة وخيبر، كما جزم به النووى، وقال ابن التبن: البيداء هى ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة، وذات الجيش: وراء ذى الحليفة أدنى إلى مكة من ذى الحليفة وذات الجيش من المدينة على بريد، وبينهما وبين العقيق سبعة أميال، والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، وقد جزم قوم بتعدد ضياع العقد، قال محمد بن حبيب الأخبارى: سقط عقد عائشة فى غزوة ذات الرقاع وفى غزوة بنى المصطلق، واختلف أهل المغارى فى أى هاتين الغزوتين كانت أولا، وقال الداودى: كانت قصة التيمم فى غزوة الفتح ثم تردد. وروى ابن أبى شيبة من حديث أبى هريرة، لما نزلت آية التيمم لم أرد كيف أصنع، فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بنى المصطلق، لأن أبا هريرة أسلم فى السنة السابعة وهى بعدها بلا خلاف، والبخارى كأنه يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبى موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبى هريرة ومما يدل على تأخر القصة أيضاً عن قصة الإفك، ما رواه الطبرانى من طريق يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: لما كان من أمر عقدى ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة أخرى فسقط أيضاً عقدى حتى حبس الناس على التماسه، فقال أبو بكر: يا بنية فى كل سفرة تكونين عناءً وبلاءً على الناس. فأنزل الله الرخصة فى التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة، ذكر ذلك فى المواهب.
اطفيش
تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ} بدون وظائفها، كتطهر، فضلا عن أن تقوموا إليها وتدخلوها مع سكر كما قال الله تعالى {وَأَنتُمْ سُكَارَى} بنوم أو خمر، أو ما يشغل القلب عنها أو عن وظائفها أو عما يقال فيها، وأنت خبير بأن خصوص سبب النزول لا ينافى عموم اللفظ كما روى أن عبد الرحمن ابن عوف رضى الله عنه دعا المسلمين لطعام، فأكلوا وشربوا الخمر، قبل أن تحرم، فسكروا، فصلوا المغرب، وقرأ إمامهم علىّ بن أبى طالب، وقيل عبد الرحمن بن عوف، كما روى عن عبد الله نفسه أنه المصلى إماماً وكما روى عن عليّ أن الإمام حينئذ عبد الرحمن، أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فى الصلاة ومقدماتها من ألفاظ ومعان، ويجوز أن يكون المعنى لا تقربوا المساجد، كقوله تعالى: {أية : لهدمت صوامع وبيع وصلوات} تفسير : [الحج: 40]، وسماها صلاة لأنها محلها، أو يقدر، لا تقربوا مواضع الصلاة، وهذا المعنى بوجهيه، أنسب بقوله: لا تقربوا، لأن القرب حقيقة بين الجسمين، كالناس والمسجد مجاز بين جسم وعرض، كالناس والصلاة، ويجوز أن يكون المعنى النهى عن الإفراط فى الشرب، على كل حال الآية نهى لمن لا يشرب الخمر، ولمن صحا من شربها لا للسكران فلا دليل فيها على تكليف ما لا يطاق كامتثال السكران، وحتى متعلق بمحذوف، أى دوموا على انتفاء قربها حال السكر حتى تعلموا {وَلاَ جُنُبّا} عطفاً على جملة الحال، وهى أنتم سكارى، أى لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً فى حال ما {إلاّ عَابِرِى سَبِيلٍ} إلا مجتازى الطريق فى السفر وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم، كما ذكر التيمم بعد، أو إلا عابرى نعت جنباً، أى جنباً غير عابرى، أى جنباً مقيمين، نفى حال السفر تقربون الصلاة وأنتم جنب، وتصلون جنباً بالتيمم لعدم الماء، فسماهم جنباً مع التيمم، فالآية دليل لمن قال التيمم مبيح للعبادة كالشافعية، فيتيمم لكل صلاة، فهو طهارة ضرورية لا رافع للحدث كما تقول الحنفية، فلا يعاد التيمم إلا لحدوث ناقص أصله، فهو طهارة مطلقة، وهو الصحيح، والقولان فى المذهب ويجاب بأن المعنى حتى تتيمموا، يقدر بعد قوله سبيل، وبأنه لا تتعين الآية للصلاة بالجنابة، والتيمم، لجواز أن يكون المعنى، لا تقربوا مواضع الصلاة، وهى المساجد إلا مجتازين فيها، فالآية فى مرور الجنب فى المسجد قبل التطهر، ومذهبنا المنع، وهو مذهب أبي حنيفة إلا أنه أجازه إذا كان منه الماء أو الطريق ولا يوصل لذلك إلا بالعبور فيه، وأجازه الشافعى مطلقاً، ولنا أنه صلى الله عليه وسلم لم يأذن لجنب أن يجلس فيه أو يمر إلا لعلى، وكان بيته فيه، وأنه قال حديث : وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإنى لا أحل المسجد لحائض ولا جنبتفسير : ، ورخص لنفر من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد ولا طريق لهم غيره فخص بهم لذلك ولا يحل لغيرهم بعد ولو كانت أبوابهم فيه، وقد قال أيضاً وجهوا الحديث {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} غاية لجنبا باعتبار النهى عن القرب، أى لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب حتى تغتسلوا من الجنابة {وَإن كُنتُم مَّرْضَى} مرضاً يخاف معه التلف أو زيادة المرض أو تأخير البرء، أو لم تكونوا مرضى ولكن خفتم حدوثه بالماء أو انتتاف الشعر، أو بياضه أو احمراره، ولو وجدتم الماء، أو مرضاً مانعاً عن الوصول إلى الماء {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} أو ثابتين على سفر لا تجدون فيه ماء {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَآئِطِ} المكان المطمئن، أو المكان البعيد الذى لا يرى ما فيه إلا من وقف عليه، وهو كناية عن البول وفضلة الطعام الخارجة من البطن، تسمية للحال باسم المحل، لقرينة أن المجىء من المكان المطمئن لا يوجب غسلا ولا تيمماً عقلا ولا شرعا، وكانوا قبل اتخاذ الكنف فى الدور يبرزون إلى المطمئن من الأرض لقضاء حاجة الإنسان ستراً {أَوْ لاََمَسْتُمُ النِّسَآءَ} جامعتموهن، وقالت الشافعية مسستموا أبدانهن بأيديكم أو غيرها، ويرده أنه صلى الله عليه وسلم يمسهن ولا يعيد الوضوء، وإنما ينقض الوضوء مس المحارم بالشهوة، أو مس الأجنبيات مطلقاً عمداً، أو مس فرج الزوجة أو السرية {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً} لم تتمكنوا من استعماله ولو وجد، فهو عائد إلى المرض وما بعده كله، كأنه قيل: وإن كنتم جنباً مرضى أو على سفر أو محدثين أو ملامسى النساء فلم تتمكنوا من استعمال الماء لفقده ألبتة أو مع وجود ما يخصكم وحيوانكم طعاماً وشراباً أو لعدم القدرة على استعماله {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً} فاقصدوا تراباً {طَيِبّاً} طاهراً منبتاً هذا مشهور المذهب، لقوله عز وجل: {أية : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} تفسير : [الأعراف: 58]، أو طاهراً ولو غير منبت، لعموم حديث، وترابها طهورا، ولا يجزى السبخة والدر والياقوت ونحوه، والحجر والحصباء بلا تراب عندنا، خلافا لأبى حنيفة وغيره، بدليل قوله تعالى: {أية : وأيديكم منه} تفسير : [المائدة: 6]، فلا بد من أن يلتصق منه شىء، بدليل لصوق الماء بالعضو فى أصل التيمم، وهو الوضوء وبينت الآية الأخرى، والحديث أن المراد بقصد الطيب التمسح به، وأن المسح إلى أصل الكف، لأنها المراد عند إطلاق الكف، كقطع السارق أو المرفق كالوضوء والبسط فى الفروع {فَامْسَحُوا} مسحاً يعلق معه شىء من التراب، كما أن الماء فى الوضوء والاغتسال يصل المغسول والممسوح والماء أصل التيمم، وكما قال فى سورة المائدة، منه، أى من التراب، وهذا مذهبنا وعليه الشافعى وأحمد والهاء فى منه للتراب، وهو رواية عن أبى حنيفة، وقيل يكفى المسح، ولو لم يعلق باليد شىء من التراب، بأن يتيمم فيما لا تراب فيه، ويمسحها مثلا، وقد قيل برجوع الهاء إلى الحدث المعلوم من المقام، على أن العلق باليد جرى على الغالب، أو على أن من مبتدأ {بِوُجُوهِكُمْ} كلها، ومنها ظاهر اللحية، ورخص بعض فى بقاء قليل، كما أن المسح فى الماء فى الوضوء لا يلزم فيه الاستيعاب، ويدل للأول اشتراط الاستيعاب فى الوضوء، ووجوب المسح على موضع الخاتم فى اليد أو غسله وإيصال الماء بين الأصابع {وَأَيْدِيكُمْ} الأكف إلى الرسغين، ظاهراًَ وباطناً، وهو المذهب، وعليه مكحول الدمشقى، وهو المتبادر، وإذا اريد غيره قيد كما قال الله جل وعلا: إلى المرافق، فى الوضوء، وإلى المرفقين، فيما روى عن ابن عمر أنهم تيمموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما، قلنا ذلك استحباب كإطالة الغرة فى الوضوء، والشافعى على ما قال ابن عمر، وإلى الإبط، وهو ضعيف، وإن صح فيه حديث حمل على إطالة الغرة، وبالإبط قال الزهرى، واحتج الشافعى بالقياس على الوضوء، وبه قال أبو حنيفة والباء للإلصاق أو صلة {إِنَّ اللهَ كَانَ عَفْوَّا} عن المذنبين {غَفُوراً} ساتراً عليهم، ولذلك تسهل لكم بالتيمم.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} إرشاد لإخلاص الصلاة التي هي رأس العبادة من شوائب الكدر ليجمعوا بين إخلاص عبادة الحق ومكارم الأخلاق التي بينهم وبين الخلق المبينة فيما تقدم وبهذا يحصل الربط، ويجوز أن يقال: لما نهوا فيما سلف عن الإشراك به تعالى نهوا ههنا عما يؤدي إليه من حيث لا يحتسبون، فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن عليّ كرم الله تعالى وجهه قال: «صنع لنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت». وفي رواية ابن جرير وابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه: «إن إمام القوم يومئذٍ هو عبد الرحمن وكانت الصلاة صلاة المغرب وكان ذلك لما كانت الخمر مباحة، والخطاب للصحابة وتصدير الكلام بحرفي النداء والتنبيه اعتناءاً بشأن الحكم، والمراد بالصلاة عند الكثير الهيئة المخصوصة، وبقربها القيام إليها والتلبس بها إلا أنه نهى عن القرب مبالغة، وبالسكر الحالة المقررة التي تحصل لشارب الخمر، ومادته تدل على الانسداد ومنه سكرت أعينهم أي انسدت، والمعنى لا تصلوا في حالة السكر حتى تعلموا قبل الشروع ما تقولونه قبلها إذ بذلك يظهر أنكم ستعلمون ما ستقرءُونه فيها، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن جبير أن المعنى ـ لا تقربوا الصلاة وأنتم نشاوى من الشراب حتى تعلموا ما تقرءُونه في صلاتكم ـ ولعل مراده حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقرءُونه وإلا فهو يستدعي تقدم الشروع في الصلاة على غاية النهي، وإذا أريد ذلك رجع إلى ما تقدم ولكن فيه تطويل بلا طائل على أن إيثار {مَا تَقُولُونَ} على ما تقرؤون حينئذٍ يكون عارياً عن الداعي، وروي عن ابن المسيب والضحاك وعكرمة والحسن أن المراد من الصلاة مواضعها فهو مجاز من ذكر الحال وإرادة المحل بقرينة قوله تعالى فيما يأتي: {إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ} فإنه يدل عليه بحسب الظاهر، فالآية مسوقة عن نهي قربان السكران المسجد تعظيماً له، وفي الخبر «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم» ويأباه ظاهر قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} وروي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه حمل الصلاة على الهيئة المخصوصة وعلى مواضعها مراعاة للقولين، وفي الكلام حينئذٍ الجمع بين الحقيقة والمجاز ونحن لا نقول به، وروي عن جعفر رضي الله تعالى عنه والضحاك ـ وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ أن المراد من السكر سكر النعاس وغلبة النوم، وأيد بما أخرجه البخاري عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول»تفسير : وروي مثله عن عائشة رضي الله تعالى عنها ـ وفيه بعد ـ وأبعد منه حمله على سكر الخمر وسكر النوم لما فيه من الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو عموم المجاز مع عدم القرينة الواضحة على ذلك، وأياً مّا كان فليس مرجع النهي هو المقيد مع بقاء القيد مرخصاً بحاله بل إنما هو القيد مع بقاء المقيد على حاله لأن القيد مصب النفي والنهي في كلامهم ولأنه مكلف بالصلاة مأمور بها والنهي ينافيه، نعم لا مانع عن النهي عنها للسكران مع الأمر المطلق إلا أن مرجعه إلى هذا. / والحاصل كما قال الشهاب: أنه مكلف بها في كل حال، وزوال عقله بفعله لا يمنع تكليفه ولذا وقع طلاقه ونحوه، ولو لم يكن مأموراً بها لم تلزمه الإعادة إذا استغرق السكر وقتها ـ وقد نص عليه الجصاص في «الأحكام» ـ وفصله انتهى، وزعم بعضهم أن النهي عن الصلاة نفسها لكن المراد بها الصلاة جماعة مع النبـي صلى الله عليه وسلم تعظيماً له عليه الصلاة والسلام وتوقيراً، ولا يخفى أنه مما لا يدل عليه نقل ولا عقل ويأباه الظاهر وسبب النزول، وقد روي أنهم كانوا بعدما أنزلت الآية لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون، وقرىء {سُكَـٰرَىٰ} بفتح السين جمع سكران كندمان وندامى. وقرأ الأعمش ـ سكرى ـ بضم السين على أنه صفة ـ كحبلى ـ وقع صفة لجماعة أي وأنتم جماعة سكرى، والنخعي ـ سكرى ـ بالفتح، وهو إما صفة مفردة صفة جماعة كما في الضم، وإما جمع تكسير كجرحى، وإنما جمع سكران عليه لما فيه من الآفة اللاحقة للعقل، والصيغة على قراءة الجمهور جمع تكسير عند سيبويه، واسم جمع عند غيره لأنه ليس من أبنية الجمع، ورجح الأول. {وَلاَ جُنُباً} عطف على قوله تعالى: {وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ} فإنه في حيز النصب كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً ـ قاله غير واحد ـ وقال الشهاب نقلاً عن «البحر»: إن هذا حكم الإعراب، وأما المعنى ففرق بين قولنا جاء القوم سكارى وجاءوا وهم سكارى إذ معنى الأول: جاؤوا كذلك، والثاني: جاءوا وهم كذلك باستئناف الإثبات ـ ذكره عبد القاهر ـ ويعني بالاستئناف أنه مقرر في نفسه مع قطع النظر عن ذي الحال وهو مع مقارنته له يشعر بتقرره في نفسه، ويجوز تقدمه واستمراره، ولذا قال السبكي في «الأشباه»: لو قال: لله تعالى عليّ أن أعتكف صائماً لا بد له من صوم يكون لأجل ذلك النذر من غير سبب آخر فلا يجزئه الاعتكاف بصوم رمضان، ولو قال: وأنا صائم أجزأه، ولعل وجه الفرق أن الحال إذا كانت جملة دلت على المقارنة، وأما اتصافه بمضمونها فقد يكون وقد لا يكون نحو ـ جاء زيد وقد طلعت الشمس ـ والحال المفردة صفة معنى فإذا قال: لله تعالى عليّ أن أعتكف وأنا صائم نذر مقارنته للصوم ولم ينذر صوماً فيصح في رمضان، ولو قال: صائماً نذر صومه فلا يصح فيه؛ وهذه المسألة نقلها الإسنوي في «التمهيد» ولم يبين وجهها، ولم نر لأئمتنا فيها كلاماً انتهى كلامه. ولم يبين رحمه الله تعالى السر في مخالفة هذين الحالين على وجه يتضح به ما ذكره في المسألة، وبين العلامة الطيبـي فائدتها غير أنه لم يتعرض لهذا الفرق فقال: فائدتها ـ والعلم عند الله تعالى ـ الإشعار بأن قربان الصلاة مع السكر مناف لحال المسلمين، ومن يناجي الحضرة الصمدانية دل عليه الخطاب بأنتم ولهذا قرنه بقوله سبحانه: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ} الخ، والمجنبون لا يعدمون إحضار القلب، ومن ثَمّ رخص لهم بالأعذار فتأمل جداً، ـ والجنب ـ من أصابته الجنابة يستوي فيه على اللغة الفصيحة المذكر والمؤنث والواحد والتثنية والجمع لجريانه مجرى المصدر وإن لم يكنه ـ كما قاله بعض المحققين ـ ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول جنبان وأجناب وجنوب، واشتقاقه كما قال أبو البقاء: من المجانبة وهي المباعدة. {إِلاَّ عَابِرِى} أي مجتازي {سَبِيلٍ} أي طريق، والمراد إلا مسافرين وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على أنه حال من ضمير {لاَ تَقْرَبُواْ} باعتبار تقييده بالحال الثانية دون الأولى، والعامل فيه معنى النهي أي لا تقربوا الصلاة جنباً في حال من الأحوال إلا حال كونكم مسافرين على معنى أنه في حالة السفر ينتهي حكم النهي لكن لا بطريق شمول النفي لجميع صورها بل بطريق نفي الشمول في الجملة من غير دلالة / على انتفاء خصوصية البعض المنتفي ولا على بقاء خصوصية البعض الباقي ولا ثبوت نقيضه لا كلياً ولا جزئياً فإن الاستثناء لا يدل على ذلك عبارة، نعم يشير إلى مخالفة حكم ما بعده لما قبله إشارة إجمالية يكتفى بها في المقامات الخطابية لا في إثبات الأحكام الشرعية، فإن ملاك الأمر في ذلك إنما هو الدليل، وقد ورد عقيبه على طريق البيان، قاله المولى شيخ الإسلام، وقيل: هو صفة لجنباً على أن {إِلا} بمعنى غير، واعترض بأن مثل هذا إنما يصح عند تعذر الاستثناء ولا تعذر هنا لعموم النكرة بالنفي، وأجيب بأن هذا الشرط في التوصيف ذكره ابن الحاجب وقد خالفه فيه النحاة، ورجح بعضهم الوصفية هنا بناءاً على أن الكلام على تقدير الاستثناء يفيد الحصر ولا حصر لورود المريض إشكالاً عليه بخلافه على تقدير الوصفية، وادعى البعض إفادة الكلام له مطلقاً وأن المريض يرد إشكالاً إلا أن يؤل ـ كما ستعرفه ـ ومن حمل الصلاة على مواضعها فسر العبور بالاجتياز بها وجوز للجنب عبور المسجد، ـ وبه قال الشافعي رحمه الله تعالى ـ والمشهور عندنا منع الجنب المسجد مطلقاً، ورخص علي كرم الله تعالى وجهه كما في خبر الترمذي عن أبـي سعيد بناءاً على ما فسره ضرار بن صرد حين سأله عن معناه علي بن المنذر، وكونه كرم الله تعالى وجهه رخص ثم منع لم يثبت عندي وإن نقله البعض، ونقل الجصاص في «الأحكام» أنه لا يجوز الدخول إلا أن يكون الماء أو الطريق فيه، وعن الليث أن الجنب لا يمرّ فيه إلا أن يكون بابه في المسجد، فقد روي أن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد وكان يصيبهم الجنابة ولا يجدون ممراً إلا فيه فرخص لهم في ذلك. {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} غاية للنهي عن قربان الصلاة حال الجنابة، ولعل تقديم الاستثناء عليه ـ كما قال شيخ الإسلام ـ للإيذان من أول الأمر بأن حكم النهي في هذه السورة ليس على الإطلاق كما في صورة السكر تشويقاً إلى البيان وروماً لزيادة تقربه في الأذهان، وقيل: لما لم يكن لقوله سبحانه: {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} مدخل في المقصود إذ المقصود إنما هو صحة الصلاة جنباً أخره وقدم الاستثناء عليه، وكان الظاهر عدم ذكره لذلك إلا أنه ذكره تنبيهاً على أن الجنابة إنما ترتفع بالاغتسال، وفي الآية الكريمة رمز إلى أنه ينبغي للمصلي أن يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه، وأن يزكي نفسه عما يدنسها لأنه إذا وجب تطهير البدن فتطهير القلب أولى أو لأنه إذا صين موضع الصلاة عمن به حدث فلأن يصان القلب الذي هو عرش الرحمن عن خاطر غير طاهر ظاهر الأولوية. {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ} تفصيل لما أجمل في الاستثناء وبيان ما هو في حكم المستثنى من الأعذار، والاقتصار فيما قبل على استثناء السفر مع مشاركة الباقي له في حكم الترخيص للإشعار بأنه العذر الغالب المبني على الضرورة الذي يدور عليها أمر الرخصة، ولهذا قيل: المراد بغير عابري سبيل غير معذورين بعذر شرعي إما بطريق الكناية أو بإيماء النص ودلالته. وبهذا يندفع الإيراد السابق على الحصر ـ وإنما لم يقل: إلا عابري سبيل أو مرضى فاقدي الماء حساً أو حكماً ـ لما أن ما في النظم الكريم أبلغ وأوكد منه لما فيه من الإجمال والتفصيل، ومعرفة تفاضل العقول والأفهام، والمراد بالمرض ما يمنع من استعمال الماء مطلقاً سواء كان بتعذر الوصول إليه أو بتعذر استعماله، وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود أنه قال: المريض الذي قد أرخص له في التيمم الكسير والجريح فإذا أصابته الجنابة لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها، وأخرج البيهقي في «المعرفة» عن ابن عباس يرفعه «إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله تعالى أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم» والذي تقرر في الفروع: / أن المريض الذي يخاف إذا استعمل الماء أن يشتد مرضه يتيمم، ولا فرق بين أن يشتد مرضه بالتحرك ـ كالمبطون ـ أو بالاستعمال ـ كمن به حصبة أو جدري ـ ولم يشترط أصحابنا خوف التلف لظاهر النص وهو بإطلاقه يبيح التيمم لكل مريض إلا أن في بعض الآيات ما أخرج من لا يشتد مرضه، وتفصيل ذلك في كتب الفقه. {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} عطف على (مرضى) أي أو كنتم على سفر مّا طال أو قصر، ولعل اختيار هذا على نحو مسافرين لأنه أوضح في المقصود منه، وفي «الهداية»: «ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو خارج المصر بينه وبين المصر [نحو] ميل أو أكثر يتيمم»، والظاهر أن حكم من هو خارج المصر غير مسافر كما يقتضيه العطف معلوم بالقياس لا بالنص وإيراد المسافر صريحاً مع سبق ذكره بطريق الاستثناء لبناء الحكم الشرعي عليه وبيان كيفيته. فإن الاستثناء ـ كما أشار إليه شيخ الإسلام ـ بمعزل من الدلالة على ثبوته فضلاً عن الدلالة على كيفيته، وقيل: ذكر السفر هنا لإلحاق المرض به والتسوية بينه وبينه بإلحاق الواجد بالفاقد بجامع العجز عن الاستعمال، وهذه الشرطية ظاهرة على رأي من حمل الصلاة على مواضعها، وفسر العبور بالاجتياز بها إذ ليس فيها حينئذ ما يتوهم منه شائبة التكرار بل هي عنده بيان حكم آخر لم يذكر قبل، وأيد بأن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله سبحانه: {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} ويبتدءون بقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ} الخ بل التعبير بالقرب يومىء إلى حمل الصلاة على ذلك لأن حقيقة القرب والبعد في المكان وكذا التعبير بـ {عَابِرِى سَبِيلٍ} هناك وبـ {عَلَىٰ سَفَرٍ} هنا فيه إيماء إلى الفرق بين ما هنا وما هناك إلا أن الكثير على خلافه، وإنما قدم المرض على السفر للإيذان بأصالته واستقلاله بأحكام لا توجد في غيره، وقيل: لأنه سبب النزول، فقد أخرج ابن جريج عن إبراهيم النخعي قال: «نال أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم جراحة ففشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ} الآية كلها» وهذا خلاف ما عليه الجمهور حيث رووا أن نزولها في غزوة المريسيع حين عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فسقطت عن عائشة رضي الله تعالى عنها قلادة لأسماء فلما ارتحلوا ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رجلين في طلبها فنزلوا ينتظرونهما فأصبحوا وليس معهم ماء فأغلظ أبو بكر على عائشة رضي الله تعالى عنها، وقال حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين على غير ماء فنزلت فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة فجعل يقول ما أكثر بركتكم يا آل أبـي بكر ـ وفي رواية ـ يرحمك الله تعالى يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجاً» وهذا يدل على أن سبب النزول كان فقد الماء في السفر وهو ظاهر {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ} هو المكان المنخفض، وجاء الغيط بفتح الغين وسكون الياء، وبه قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ـ وهو في رأي ـ مصدر يغوط، وكان القياس غوطاً فقلبت الواو ياءاً وسكنت وانفتح ما قبلها لخفتها، ولعل الأولى ما قيل: إنه تخفيف غيط كهين وهين، والغيط الغائط، والمجيء منه كناية عن الحدث لأن العادة أن من يريده يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس. وفي ذكر {أَحَدٌ} فيه دون غيره إيماء إلى أن الإنسان ينفرد عند قضاء الحاجة كما هو دأبه وأدبه، وقيل: إنما ذكر وأسند المجيء إليه دون المخاطبين تفادياً عن التصريح بنسبتهم إلى ما يستحي منه أو يستهجن التصريح به والفعل عطف على {كُنتُمْ}، والجار الأول: متعلق بمحذوف وقع صفة للنكرة قبله، والثاني: متعلق بالفعل أي وإن جاء أحد كائن منكم من الغائط {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء} يريد سبحانه أو جامعتم النساء إلا أنه / كنى بالملامسة عن الجماع لأنه مما يستهجن التصريح به أو يستحي منه، وإلى ذلك ذهب علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن فيكون إشارة إلى الحدث الأكبر كما أن الأول إشارة إلى الحدث الأصغر. وعن ابن مسعود والنخعي والشعبـي أن المراد بالملامسة ما دون الجماع أي ماسستم بشرتهن ببشرتكم، وبه استدل الشافعي رضي الله تعالى عنه على أن اللمس ينقض الوضوء، وبه قال الزهري والأوزاعي وقال مالك والليث بن سعد وأحمد في إحدى الروايات عنه: إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا، وذهب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة، قيل: ما لم يحدث الانتشار، واختلف قول الشافعي رضي الله تعالى عنه في لمس المحارم كالأم والبنت والأخت، وفي لمس الأجنبية الصغيرة وأصح القولين: أنه لا ينقض كلمس نحو السن والظفر والشعر وينتقض عنده وضوء الملموسة كاللامس في الأظهر لاشتراكهما في مظنة اللذة كالمشتركين في الجماع، وإنما لم ينتقض وضوء الملموس فرجه على مذهبه لأنه لم يوجد منه مس لمظنة لذة أصلاً بخلافه هنا، ودليل القول بعدم نقض وضوء الملموس حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها وضعت يدها على قدميه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، ووجه استدلاله بما في الآية على ما استدل عليه أن الحمل على الحقيقة هو الراجح لا سيما في قراءة حمزة والكسائي ـ أو لمستم ـ إذ لم يشتهر اللمس في الجماع كالملامسة، ورجح بعضهم الحمل على الجماع في القراءتين ترجيحاً للمجاز المشهور وعملاً بهما إذ لا منافاة وهو الأفق بمذهبنا، وقال بعض المحققين: إن المتجه أن الملامسة حقيقة في تماس البدنين بشيء من أجزائهما من غير تقييد باليد، وعلى هذا فالجماع من أفراد مسمى الحقيقة فيتناوله اللفظ حقيقة، وإنما يكون مجازاً لو اقتصر على إرادته باللفظ، وادعى الجلال المحلي أن الملامسة حقيقة في الجس باليد مجاز في الوطء، وأن الشافعي رحمه الله تعالى حملها على المعنيين جمعاً بين الحقيقة والمجاز؛ وظاهر عبارة «الأم» أن الشافعي لم يحمل الملامسة على الوطء بل على ما عداه من أنواع التقاء البشرتين، وأنه إنما ذكر الجس باليد تمثيلاً للملامسة بنوع من أنواعها لا تفسيراً لها بذكر كمال معناها الحقيقي كما بينه الكمال ابن أبـي شريف فليفهم ثم إن نظم هذين الأمرين في سلك سببـي سقوط الطهارة والمصير إلى التيمم مع كونهما سببـي وجوبهما ليس باعتبار أنفسهما بل باعتبار قيدهما المستفاد من قوله سبحانه: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء} بل هو السبب في الحقيقة وإنما ذكرا تمهيداً له وتنبيهاً على أنه سبب للرخصة بعد انعقاد سبب الطهارة بقسميها كأنه قيل: أو لم تكونوا مرضى أو مسافرين بل كنتم فاقدين للماء بسبب من الأسباب مع تحقق ما يوجب استعماله من الحدث الأصغر أو الأكبر. قيل: وتخصيص ذكره بهذه الصورة مع أنه معتبر أيضاً في صورة المرض والسفر لندرة وقوعه فيها واستغنائهما عن ذكره لأن الجنابة معتبرة فيهما قطعاً فيعلم من حكمها حكم الحدث الأصغر بدلالة النص لأن تقدير النظم ـ لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا حال كونكم مسافرين فإن كنتم كذلك، أو كنتم مرضى ـ الخ، وقيل: إن هذا القيد راجع للكل، وقيد وجوب التطهر المكنى عنه بالمجيء من الغائط والملامسة معتبر فيه أيضاً، واعترض بأن النظم الكريم لا يساعده، وفي «الكشف» عن بعضهم أن في الآية تقديماً وتأخيراً، والتقدير لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا جنباً ولا جائياً أحد منكم من الغائط، أو لامساً يعني ولا محدثين، ثم قيل: وإن كنتم مرضى أو على سفر فتيمموا، وفيه الفصل بين الشرط والجزاء والمعطوف والمعطوف عليه من غير نكتة، ثم قال بعد أن نقل ما اعترضه: ولعل الأوجه في تقرير الآية ـ والله تعالى أعلم ـ أن يجعل عدم الوجدان عبارة عن عدم القدرة على استعمال / الماء لفقد الماء، أو المانع ليصح أن يكون قيداً للكل، أو يحمل على ظاهره ويجعل قيداً للأخيرين لأن عموم الإعواز في حق المسافر غالباً، والمنع من القدرة على استعمال الماء القائم مقامه في حق المريض مغن عن التقييد لفظاً، وأن يبقى قوله سبحانه: {مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} على إطلاقه من غير تقييد بكونهم محدثين أو مجنبين لأن المقصود بيان سبب العدول عن الطهارة بالماء إلى التيمم، أما المشترك بين الطهارتين فلا يحتاج إلى ذكره قصداً وأن يجعل ذكر المحدثين من غير القبيلين بياناً لسبب العدول وهو فقد القدرة من غير سفر ولا مرض لا لأن الحدث سبب وإن أفاد ذلك ضمناً ولم يقل أو لم تجدوا دون ذكر السببين تنبيهاً على أن عدم الوجدان مرخص بعد انعقاد سبب الطهارة، وأفيد ضمناً أنهما معتبران أيضاً في المريض والمسافر إذ لا فرق بين المرض والسفر وبين سائر الأعذار في ذلك انتهى، ولا يخفى أن الحمل على الظاهر أظهر وما ذكره على تقدير الحمل عليه ليس بالبعيد عما قدمناه، نعم الآية من معضلات القرآن، ولعلها تحتاج بعد إلى نظر دقيق، والفاء في {فَلَمْ} عاطفة. وأما الفاء في قوله سبحانه: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً} فواقعة في جواب الشرط، والظاهر أن الضمير راجع إلى جميع ما اشتمل عليه، وفيه تغليب الخطاب على الغيبة، ومثله في ذلك {تَجِدُواْ } فلا حاجة إلى تقدير فليتيمم جزاءاً لقوله سبحانه: {جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ} والتيمم لغة القصد قال الأعشى:شعر : (تيممت قيساً) وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شزن تفسير : والصعيد وجه الأرض كما روي عن الخليل وثعلب، وقال الزجاج: لا أعلم خلافاً بين أهل اللغة في أن الصعيد وجه الأرض وسمي بذلك لأنه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض، أو لصعوده وارتفاعه فوق الأرض، والطيب الطاهر، وعن سفيان الحلال، وقيل: المنبت دون السبخة كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ} تفسير : [الأعراف: 58] والحمل على الأول هو الأنسب بمقام الطهارة، والمعنى فتعمدوا واقصدوا شيئاً من وجه الأرض طاهراً، وهذا دليل واضح لجواز التيمم بالكحل والآجر والمرداسنج والياقوت والفيروزج والمرجان والزمرذ ونحو ذلك، وإن لم يكن عليه غبار وإلى ذلك ذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ومحمد في إحدى الروايتين عنه، وفي رواية أخرى عنه ـ وهو قول أبـي يوسف والشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهم ـ أنه لا يجوز التيمم إلا أن يعلق باليد شيء من التراب لتقييد المسح ـ بـ {مِنْهُ} ـ في المائدة [6]، وكلمة (من) للتبعيض وهو يقتضي التراب، والحنفية يحملونها على الإبتداء أو الخروج مخرج الأغلب، وقيل: الضمير للحدث المفهوم من السياق، و (من) للتعليل، وأغرب الإمام مالك فأجاز التيمم بالثلج، وقد شنع الشيعة عليه بذلك، وقد اعتذرنا عنه في كتابنا ـ «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية» ـ ونصب {صَعِيداً} على أنه مفعول به، وقيل: إنه منصوب بنزع الخافض أي فتيمموا بصعيد {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} أي وجوهكم وأيديكم على أن الباء صلة، والمراد استيعاب هذين العضوين بالمسح حتى إذا ترك شيئاً منهما لم يجز كما في الوضوء وهو ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن عن الإمام رضي الله تعالى عنه أن الأكثر يقوم مقام الكل لأن الاستيعاب في الممسوحات ليس بشرط كما في مسح الخف والرأس، ووجه الظاهر أن التيمم قائم مقام الوضوء، ولهذا قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتمَّ المسح، والاستيعاب في الوضوء شرط فكذا فيما قام مقامه، والأيدي جمع يد، وهي مشتركة بين معان من أطراف الأصابع إلى الرسغ وإلى المرفق وإلى الإبط، / وهل هي حقيقة في واحد منها مجاز في غيره، أو حقيقة فيها جميعاً؟ رجح بعضهم الثاني، ولذا ذهب إلى كل منها بعض السلف، فأخرج ابن جرير عن الزهري أن التيمم إلى الآباط، وأخرج عن مكحول أنه قال: التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع، وأخرج الحاكم عن ابن عمر في كيفية تيممهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا من المرافق إلى الأكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن، ومن حديث أبـي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه ـ وهذا مذهبنا ـ ومذهب الشافعي والجمهور ـ ويشهد لهم القياس ـ على الوضوء الذي هو أصله؛ وإن كان الحدث والجنابة فيه كيفية سواء، وكذا جوازاً على الصحيح المروي عن المعظم. ومن الناس من قال: لا يتيمم الجنب والحائض والنفساء ـ وهو المروي عن عمر. وابنه وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم ـ قيل: ومنشأ الخلاف فيما بينهم حمل الملامسة فيما سبق على الوقاع أو المس باليد. فذهب الأولون إلى الأول والآخرون إلى الأخير، وقالوا: القياس أن لا يكون التيمم طهوراً وإنما أباحه الله تعالى للمحدث فلا يباح للجنب لأنه ليس معقول المعنى حتى يصح القياس، وليست الجنابة في معنى الحدث لتلحق به بل هي فوقه. وأنت تعلم أن الآية كالصريح في جواز تيمم الجنب وإن لم تحمل الملامسة على الوقاع ـ كما يشير إليه تفسيرها السابق ـ على أن الأحاديث ناطقة بذلك، فقد أخرج البخاري عن عمران بن حصين «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم فقال: يا فلان ما منعك أن تصلي؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك» تفسير : وروي «حديث : أن قوماً جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا قوم نسكن هذه الرمال ولم نجد الماء شهراً أو شهرين وفينا الجنب والحائض والنفساء فقال صلى الله عليه وسلم: عليكم بأرضكم»تفسير : إلى غير ذلك، وهل يرفع التيمم الحدث أم لا؟ خلاف، ولا دلالة في الآية على أحد الأمرين عند من أمعن النظر {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} تعليل لما يفهمه الكلام من الترخيص والتيسير وتقرير لهما فإن مَنْ عادته المستمرة أن يعفو عن الخاطئين ويغفر للمذنبين لا بد أن يكون ميسراً لا معسراً، وجوز أن يكون كناية عن ذلك فإنه من روادف العفو وتوابع الغفران، وأدمج فيه أن الأصل الطهارة الكاملة وأن غيرها من الرخص من العفو والغفران، وقيل: العفو هنا بمعنى «التيسير» ـ كما في التيسير ـ واستدل على وروده بهذا المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عفوت لكم صدقة الخيل والرقيق»تفسير : وذكر المغفرة للدلالة على أنه غفر ذنب المصلين سكارى، وما صدر عنهم في القراءة، وأنت تعلم أن حمل العفو على التيسير في الحديث غير متعين وكون ذكر المغفرة لما ذكر بعيد.
ابن عاشور
تفسير : هذه الآية استئناف لبيان حكمين يتعلّقان بالصلاة، دعا إلى نزولها عقب الآيات الماضية أنّه آن الأوان لتشريع هذا الحكم في الخمر حينئذ، وإلى قَرنه بحكم مقرّر يتعلّق بالصلاة أيضاً. ويظهر أنّ سبب نزولها طرأ في أثناء نزول الآيات التي قبلها والتي بعدها، فوقعت في موقعِ وقت نزولها وجاءت كالمعترضة بين تلك الآيات. تضمّنت حكماً أوَّلَ يتعلّق بالصلاة ابتداء، وهو مقصود في ذاته أيضاً بحسب الغاية، وهو قوله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}، ذلك أنّ الخمر كانت حَلالا لم يحرّمها الله تعالى، فبقيت على الإباحة الأصلية، وفي المسلمين من يشربها. ونزل قوله تعالى: {أية : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس}تفسير : [البقرة: 219] في أول مدّة الهجرة فقال فريق من المسلمين: نحن نشربها لمنافعها لا لإثْمها، وقد علموا أنّ المراد من الإثم الحرج والمضرّة والمفسدة، وتلك الآية كانت إيذانا لهم بأنّ الخمر يوشك أن تكون حراماً لأنّ ما يشتمل على الإثم مُتّصف بوصف مناسب للتحريم، ولكن الله أبقى إباحتها رحمة لهم في معتادهم، مع تهيئة النفوس إلى قبول تحريمها، فحدث بعد ثلاث سنين ما رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمٰن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا خمراً وحضرت الصلاة فقدّموني فقرأتُ: قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والقرب هنا مستعمل في معناه المجازي وهو التلبّس بالفعل، لأنّ (قَرُب) حقيقة في الدنوّ من المكان أو الذات يقال: قرب منه ــــ بضم الراء ــــ وقرِبه ــــ بكسر الراء ــــ وهما بمعنى، ومن الناس من زعم أنّ مكسور الراء للقرب المجازي خاصّة، ولا يصحّ. وإنّما اختير هذا الفعل دون لا تُصَلُّوا ونحوه للإشارة إلى أنّ تلك حالة منافية للصلاة، وصاحبُها جدير بالابتعاد عن أفضل عمل في الإسلام، ومن هنا كانت مؤذنة بتغيّر شأن الخمر، والتنفير منها، لأنّ المخاطبين يومئذ هم أكمل الناس إيماناً وأعلقهم بالصلاة، فلا يرمُقون شيئاً يمنعهم من الصلاة إلاّ بعَين الاحتقار. ومن المفسّرين مَن تأوّل الصلاة هنا بالمسجد من إطلاق اسم الحالّ على المحلّ كما في قوله تعالى: {أية : وصلوات ومساجد}تفسير : [الحج: 40]، ونقل عن ابن عباس، وابن مسعود، والحسن قالوا: كان جماعة من الصحابة يشربون الخمر ثم يأتون المسجد للصلاة مع رسول الله فنهاهم الله عن ذلك ولا يخفى بعده ومخالفته لمشهور الآثار. وقوله: {حتى تعلموا ما تقولون} غاية للنهي وإيماء إلى علّته، واكتفى بقوله (تقولون) عن {تفعلون} لظهور أنّ ذلك الحدّ من السكر قد يفضي إلى اختلال أعمال الصلاة، إذ العمل يسرع إليه الاختلال باختلال العقل قبل اختلال القول. وفي الآية إيذان بأنّ السكر الخفيف لا يمنع الصلاة يومئذ؛ أو أريد من الغاية أنّها حالة انتهاء السكر فتبقى بعدها النشوة. وسكارى جمع سكران، والسكران من أخَذ عقله في الانغلاق، مشتقّ من السَّكْر، وهو الغلق، ومنه سكْر الحوض وسكْر الباب {أية : وسكرت أبصارنا}تفسير : [الحجر: 15]. ولمّا نزلت هذه الآية اجتنب المسلمون شرب الخمر في أوقات الصلوات فكانوا لا يشربون إلاّ بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح، لبعد ما بين هاتين الصلاتين وبين ما تليانهما، ثم أكمل مع تحريم قربان الصلاة في حالة السكر تحريم قربانها بدون طهارة. عطف على جملة {وأنتم سكارى} لأنّا في محلّ الحال، وهذا النصب بعد العطف دليل بيِّنٌ على أنّ جملة الحال معَتبرة في محلّ نصب. والجنُب فُعُل، قيل: مصدر، وقيل: وصف مثل أُجُد، وقد تقدّم الكلام فيه آنفاً عند قوله: {أية : والجار الجنب}تفسير : [النساء: 36]، والمراد به المباعد للعبادةِ من الصلاة إذا قارف امرأته حتى يغتسل. ووصفُ جنُب وصفٌ بالمصدر فلذلك لم يجمع إذْ أخبر به عن جمع، مِن قوله: {وأنتم سكارى}. وإطلاق الجنابة على هذا المعنى من عهد الجاهلية، فإنّ الاغتسال من الجنابة كان معروفاً عندهم، ولعلّه من بقايا الحنيفية، أو ممّا أخذوه عن اليهود، فقد جاء الأمر بغسل الجنابة في «الاصحاح» 15 من سفر اللاويين من التوراة. وذكر ابن إسحاق ــــ في «السيرة» ــــ أنّ أبا سفيان، لما رجع مهزوماً من بدر، حلف أن لا يمسّ رأسَه غسلٌ من جنابة حتّى يغزوَ محمّداً. ولم أقف على شيء من كلام العرب يدلّ على ذكر غسل الجنابة. والمعنى لا تُصَلُّوا في حال الجنابة حتّى تغتسلوا إلخ. والمقصود من قوله: {ولا جنباً} التمهيد للتخلّص إلى شرع التَّيمّم، فإنّ حكم غسل الجنابة مقرّر من قبل، فذكره هنا إدماج. والتيمّم شرع في غزوة المُرَيْسيع على الصحيح، وكانت سنة ستّ أو سنة خمسٍ على الأصحّ. وظاهر حديث مالك عن عائشة أنّ الآية التي نزلت في غزوة المرَيْسيع هي آية التيمّم، فيظهر أن تكون هذه الآية التي في سورة النساء لأنّها لم يذكر منها إلاّ التيمّم. ووقع في حديث عمرو عن عائشة أنّ الآية التي نزلت هي قوله: {أية : يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} تفسير : التي في سورة المائدة (6)، أخرجه البخاري وقد جزم القرطبي بأنّ الآية التي نزلت في غزوة المريسيع هي آية سورة النساء، قال: لأنّ آية سورة المائدة تسمّى آية الوضوء. وكذلك الواحدي أورد في أسباب النزول حديث عائشة في سبب نزول آية سورة النساء. وقال ابن العربي هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء لا نعلم أيّ الآيتين عنت عائشة. وسورة المائدة قيل: نزلت قبل سورة النساء، وقيل بعدها، والخطب سهل، والأصحّ أنّ سورة النساء نزلت قبل سورة المائدة. والاستثناء في قوله: {إلا عابري سبيل} استثناء من عموم الأحوال المستفادِ من وقوع (جنبا)، وهو حال نكرة، في سياق النفي. وعابر السبيل، في كلام العرب: المسافر حين سيره في سفره، مشتقّ من العبر وهو القطع والاجتياز، يقال: عبر النهر وعبر الطريق. ومن العلماء من فسّر {عابري سبيل} بمارّين في طريق، وقال: المراد منه طريق المسجد، بناء على تفسير الصلاة في قوله: {لا تقربوا الصلاة} بالمسجد، وجعلوا الآية رخصة في مرور الجنب في المسجد إذا كان قصده المرور لا المكث، قاله الذين تأوّلوا الصلاة بالمسجد. ونسب أيضاً إلى أنس بن مالك، وأبي عبيدة، وابن المسّيب، والضحّاك، وعطاء، ومجاهد، ومسروق، والنخعي، وزيد بن أسْلم، وعمرو بن دينار، وعكرمة، وابن شهاب، وقتادة، قالوا: كان ذلك أيام كان لكثير من المهاجرين والأنصار أبواب دُور في المسجد، ثم نسخ ذلك بعدَ سدّ الأبواب كلّها إلاّ خوخة أبي بكر، فكان المرور كذلك رخصة للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر، وفي رواية ولعلي، وقيل: أبقيت خوخة بنت عليّ في المسجد، ولم يصحّ. وفائدة هذا الاستثناء ــــ عند من فسّر {تقربوا الصلاة} بدخول المسجد، وفسّر {عابري سبيل} بالمارّين في المسجد ــــ ظاهرة، وهو استثناء حقيقي من عموم أحوال الجنب باستثناء عابري السبيل. وعابرُ السبيل المأخوذ من الاستثناء مطلق، وهو عند أصحاب هذا المحمل باق على إطلاقه لا تقييد فيه، وأمّا عند الجمهور الذين حملوا الآية على ظاهرها في معنى تقربوا الصلاة، وفي معنى عابري السبيل فلا تظهر له فائدة، للاستغناء عنه بقوله بعده {أو على سفر} ولأنّ في عموم الحصر تخصيصاً، فالذي يظهر لي أنّه إنّما قدّم هنا لأنّه غالب الأحوال التي تحول بين المرء وبين الاغتسال من جهة حاجة المسافر استبقاءَ الماء. ولندور عروض المرض. والاستثناء على محمل الجمهور يحتمل أنْ يكون متّصلا عند من يرى المتيمّم جنباً، ويرى التيمّم غير رافع للحدث، ولكنّه مبيح للصلاة للضرورة في الوقت، وهذا قول الشافعي، فهو عنده بدل ضروري يقدّر بقدر الضرورة، ودَليله ظاهر الاستثناء، ويحتمل أن يكون منقطعاً عند من يرى المتيمّم غير جنب، ويرى التيمّم رافعاً للحدث حتّى ينتقض بناقض ويزول سببه. وهذا قول أبي حنيفة، فلذلك إذا تيمّم الجنب وصلّى وصار منه حدث ناقض للوضوء يتوضّأ لأنّ تيمّمه بدل عن الغسل مطلقاً، وهذا هو الظاهر بحسب المعنى وليس في السنّة ما يقتضي خلافه. وعن مالك في ذلك قولان: فالمشهور من رواية ابن القاسم أنّ التيمّم مبيح للصلاة وليس رافعاً للحدث، فلذلك لا يصلّي المتيمّم به إلاّ فرضاً واحداً، ولو تيمّم لجنابة لعذر يمنع من الغسل وانتقض وضوءه تيمّم عن الوضوء. وعن مالك، في رواية البغداديين: أنّ المريض الذي لا يقدر على مسّ الماء يتيمّم ويصلّي أكثر من صلاة، حتّى ينتقض تيمّمه بناقض الوضوء، وكذلك فيمن ذكر فوائت يصلّيها بتيمّم واحد، فعلى هذا ليس تجديد التيمّم لغيرهما إلاّ لأنَّه لا يدري لعلّه يجد الماء فكانت نيّة التيمّم غيرَ جازمة في بقائه، ولم ينقل عن مالك قول بأنّ المتيمّم للجنابة بعذر مانع من الغسل إذا انتقض وضوءه يتوضأ. وفي مفهوم هذا الاستثناء، عند القائلين بالمفاهيم من الجمهور، على هذا المحمل تفصيل. فعابر السبيل مُطلق قيده قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} وبقي عموم قوله {ولا جنباً} في غير عابر السبيل، لأنّ العامّ المخصوص يبقى عامّا فيما عدا ما خُصّص، فخَصَّصه الشرط تخصيصاً ثانياً في قوله: {وإن كنتم مرضى}. ثم إن كان قد تقرّر عند المسلمين أنّ الصلاة تقع بدون طهارة يبق قوله: {إلا عابري سبيل} مجملاً لأنّهم يترقّبون بيانَ الحكم في قربان الصلاة على غير طهارة للمسافر، فيكون في قوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} بيان لهذا الإجمال، وإن كان ذلك لم يخطر ببالهم فلا إجمال، ويكون قوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} استئنافا لأحكام التيمّم. وتقديم المُستثنى في قوله: {إلا عابري سبيل} قبل تمام الكلام المقصود قصره بقوله: {حتى تغتسلوا} للاهتمام وهو جار على استعمال قليل، كقول موسى بن جابر الحنفي ــــ أموي ــــ:شعر : لاَ أشتهي يا قوم إلاَّ كارها بابَ الأمير ولا دفاع الحاجب تفسير : وقوله: {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} غاية للنهي عن الصلاة إذا كانوا جنباً، فهو تشريع للغسل من الجنابة وإيجاب له، لأنّ وجوب الصلاة لا يسقط بحال، فلمّا نهوا عن اقترابها بدون الغسل علم من ذلك فرض الغسل. والحكمة في مشروعية الغسل النظافة، ونيطَ ذلك بأداء الصلاة ليكون المصلّي في حالة كمال الجسد، كما كان حينئذ في حال كمال الباطن بالمناجاة والخضوع. ومن أبدع الحِكم الشرعية أنّها لم تنط وجوب التنظّف بحال الوسخ لأنّ مقدار الحال من الوسخ الذي يستدعي الاغتسال والتنظف ممّا تختلف فيه مدارك البشر في عوائدهم وأحوالهم، فنيطَ وجوب الغسل بحالة لا تنفكّ عن القوة البشرية في مدّة متعَارف أعمار البشر، وهي حالة دفع فواضل القوة البشرية، وحيث كان بَيْن تلك الحالة وبين شدّة القوّة تناسب تامّ، إذ بمقدار القوة تندفع فضلاتها، وكان أيضاً بين شدّة القوة وبين ظهور الفضلات على ظاهر البدن المعبّر عنها بالوسخ تناسبٌ تامّ، كان نوْط الاغتسال بالجنابة إناطة بوصف ظاهر منضبط فجُعل هو العلّة أو السبب، وكان مع ذلك محصّلا للمناسبة المقتضية للتشريع، وهي إزالة الأوساخ عند بلوغها مقدارا يناسب أن يزال مع جعل ذلك مرتبطاً بأعظم عبادة وهي الصلاة، فصارت الطهارة عبادة كذلك، وكذلك القول في مشروعية الوضوء، على أنّ في الاغتسال من الجنابة حكمة أخرى، وهي تجديد نشاط المجموع العصبي الذي يعتريه فتورٌ باستفراغ القوة المأخوذة من زبد الدم، حسبما تفطّن لذلك الأطباء فقُضيت بهذا الانضباط حِكَمٌ عظيمة. ودلّ إسناد الاغتسال إلى الذوات في قوله: {حتى تغتسلوا} على أنّ الاغتسال هو إحاطة البدن بالماء، وهذا متّفق عليه، واختلف في وجوب الدلك أي إمرار اليد على أجزاء البدن: فشرطه مالك ــــ رحمه الله ــــ بناء على أنّه المعروف من معنى الغسل في «لسان العرب»، ولأنّ الوضوء لا يجزىء بدون ذلك باتّفاق، فكذلك الغسل. وقال جمهور العلماء: يجزىء في الغسل إحاطة البدن بالماء بالصبّ أو الانغماس؛ واحتجّوا بحديث ميمونة وعائشة رضي الله عنهما في غسل النبي صلى الله عليه وسلم أنّه أفاض الماء على جسده، ولا حجّة فيه لأنّهما لم تذكرا أنّه لم يتدلّك، ولكنّهما سكتتا عنه، فيجوز أن يكون سكوتهما لعلمهما بأنّه المتبادر، وهذا أيضاً رواية عن مالك رواها عنه أبو الفرج، ومروان بن محمد الطاطري، وهي ضعيفة. وقوله: {وإن كنتم مرضى} إلخ ذكرُ حالةِ الرخصة في ترك الاغتسال وترك الوضوء الذي لم يذكر في هذه السورة، وذُكر في سورة المائدة، وهي نازلة قبل هذه السورة. فالمقصود بيان حكم التيمّم بحذافره. وفي جمع هذه الأشياء في نسق حصل هذا المقصود، وحصل أيضاً تخصيص لعموم قوله: {ولا جنباً} كما تقدّم. وقوله: {أو على سفر} بيان للإجمال الواقع في قوله: {إلا عابري سبيل} إن كان فيه إجمال، وإلاّ فهو استئناف حكم جديد كما تقدّم. وقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} زيادة على حكم التيمّم الواقع بدلا من الغسل، بذكر التيمّم الواقع بدلا عن الوضوء إيعاباً لنوعَي التيمّم. وغير ذلك من أسبابه يؤخذ بالقياس على المذكور. فالمريض أريد به الذي اختلّ نظام صحتِه بحيث صار الاغتسال يضرّه أو يزيد عِلَّتَه. {أو جاء... من الغائط} كناية عن قضاء الحاجة البشرية، شاع في كلامهم التكنّي بذلك لبشاعة الصريح. والغائط: المنخفض من الأرض، وما غاب عن البصر، يقال: غَاط في الأرض ــــ إذا غاب ــــ يغوط، فهمزته منقلبة عن الواو، وكانت العرب يذهبون عند قضاء الحاجة إلى مكان منخفض من جهة الحي بعيد عن بيوت سكناهم، فيكنون عنه: يقولون ذهب إلى الغائط أو تغوّط، فكانت كناية لطيفة ثم استعملها الناس بعد ذلك كثيراً حتّى ساوت الحقيقة فسمَجَت، فصار الفقهاء يطلقونه على نفس الحدث ويعلّقونه بأفعال تناسب ذلك. وقوله: {أو لامستم النساء} قرىء (لامستم) ــــ بصيغة المفاعلة ــــ، وقرىء (لمستم) ــــ بصيغة الفعل ــــ كما سيأتي، وهما بمعنى واحد على التحقيق. ومن حاول التفصيل لم يأت بما فيه تحصيل. وأصل اللّمس المباشرة باليد أو بشيء من الجسد، وقد أطلق مجازاً وكناية على الافتقاد، قال تعالى: {أية : وأنا لمسنا السماء}تفسير : [الجن: 8] وعلى النزول، قال النابغة:شعر : ليَلْتَمِسَنْ بالجيش دارَ المحارب تفسير : وعلى قربان النساء، لأنّه مرادف المسّ، ومنه قولهم: «فلانة لا تردّ يد لامس»، ونظيره {أية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن}تفسير : [البقرة: 237]. والملامسة هنا يحتمل أن يكون المراد منها ظاهرها، وهو الملامسة بمباشرة اليد أو بعضِ الجسد جسدَ المرأة، فيكون ذكر سببا ثانياً من أسباب الوضوء التي توجب التيمّم عند فقد الماء، وبذلك فسّره الشافعي، فجعل لمس الرجل بيده جسد امرأته موجباً للوضوء، وهو محمل بعيد، إذ لا يكون لمس الجسد موجباً للوضوء وإنَّما الوضوء ممّا يخرج خروجاً معتاداً. فالمحمل الصحيح أنّ الملامسة كناية عن الجماع. وتعديد هذه الأسباب لجمع ما يغلب من موجبات الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى، وإنّما لم يستغن عن {لمستم النساء} بقوله آنفاً {ولا جنباً} لأنّ ذلك ذكر في معرض الأمر بالاغتسال، وهذا ذكر في معرض الإذن بالتيمّم الرخصة. والمقام مقام تشريع يناسبه عدم الاكتفاء بدلالة الالتزام، وبذلك يكون وجه لذكره وجيه. وأمّا على تأويل الشافعي ومن تابعه فلا يكون لذكر سبب ثان من أسباب الوضوء كبير أهمية. وإلى هذا مال الجمهور فلذلك لم يجب عند مالك وأبي حنيفة الوضوء من لمس الرجل امرأته ما لم يخرج منه شيء، إلاّ أنّ مالكاً قال: إذا التذ اللامس أو قَصَد اللذّة انتقض وضوءه، وحمل الملامسة في هذه الآية على معنييها الكنائي والصريح، لكن هذا بشرط الالتذاذ، وبه قال جمع من السلف، وأرى مالكاً اعتمد في هذا على الآثار المروية عن أيّمة السلف، ولا أراه جعله المراد من الآية. وقرأ الجمهور {لامستم} بصيغة المفاعلة؛ وقرأه حمزة والكسائي وخلف {لمستم} ــــ بدون ألف ــــ. وقوله: {فلم تجدوا ماء} عطف على فعل الشرط، وهو قيد في المسافر، ومن جاء من الغائط، ومن لامس النساء، أمّا المريض فلا يتقيّد تَيمّمه بعدم وجدان الماء لأنّه يتيمّم مطلقاً، وذلك معلوم بدلالة معنى المرض، فمفهوم القيد بالنسبة إليه معطّل بدلالة المعنى، ولا يكون المقصود من المريض الزمن، إذ لا يعدم الزمن مناوِلاً يُناوله الماء إلاّ نادرا. وقوله {فتيمموا} جواب الشرط ــــ والتيمّم القصد ــــ والصعيد وجه الأرض، قال ذو الرمّة يصف خشفا من بقر الوحش نائماً في الشمس لا يكاد يفيق:شعر : كأنَّه بالضحى تَرْمِي الصعيدَ به دَبَّابَةٌ في عظام الرأس خُرطوم تفسير : والطيّب: الطاهر الذي لم تلوّثه نجاسة ولا قذر، فيشمل الصعيدُ الترابَ والرملَ والحجارة، وإنّما عبّر بالصعيد ليصرف المسلمين عن هوس أن يتطلّبوا التراب أو الرمل ممّا تحت وجه الأرض غلوّا في تحقيق طهارته. وقد شُرع بهذه الآية حكم التيمّم أو قرّر شرعه السابق في سورة المائدة على الأصحّ، وكان شرع التيمم سنة ستّ في غزوة المريسيع، وسبب شرعه ما في «الصحيح» عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله في بعض أسفاره حتى إذا كنّا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناسُ إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله والناسِ وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر ورسول الله واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حَبَسْتِ رسول الله والناسَ وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فعاتَبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرّك إلا مَكانُ رسول الله على فَخِذي، فقام رسول الله حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمّم. فقال أسَيْد بنُ الحُضَيْر: ما هي بأوّلِ بركتكم يا آلَ أبي بكر، فوالله ما نَزل بكِ أمْر تكرهينَه إلاّ جعل الله ذلك لكِ وللمسلمين فيه خيراً. قالت: فبعثْنَا البعيرَ الذي كنتُ عليه فأصبنا العِقْد تحته. والتيمّم من خصائص شريعة الإسلام كما في حديث جابر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعْطِيتُ خمسا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحد قبلي ــــ فذكر منها ــــ وجُعِلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً»تفسير : . والتيمّم بدل جعله الشرع عن الطهارة، ولم أر لأحد من العلماء بيانا في حكمة جعل التيمّم عوضاً عن الطهارة بالماء وكان ذلك من همّي زمنا طويلاً وقت الطلب ثم انفتح لي حكمة ذلك. وأحسب أنّ حكمة تشريعه تقرير لزوم الطهارة في نفوس المؤمنين، وتقرير حُرمة الصلاة، وترفيع شأنها في نفوسهم، فلم تُترك لهم حالة يعدّون فيها أنفسهم مُصلّين بدون طهارة تعظيماً لمناجاة الله تعالى، فلذلك شَرع لهم عملا يشبه الإيماء إلى الطهارة ليستشعروا أنفسهم متطهّرين، وجعل ذلك بمباشرة اليدين صَعيدَ الأرض التي هي منبع الماء، ولأنّ التراب مستعمل في تطهير الآنية ونحوها، ينظّفون به ما علق لهم من الأقذار في ثيابهم وأبدانهم وماعونهم، وما الاستجمار إلاّ ضرب من ذلك، مع ما في ذلك من تجديد طلب الماء لفاقده وتذكيره بأنّه مطالب به عند زوال مانعه، وإذ قد كان التيمّم طهارة رمزية اقتنعت الشريعة فيه بالوجه والكفين في الطهارتين الصغرى والكبرى، كما دلّ عليه حديث عمّار بن ياسِر، ويؤيّد هذا المقصد أنّ المسلمين لما عَدِموا الماء في غزوة المريسيع صلَّوْا بدون وضوء فنزلت آية التيمّم. هذا منتهى ما عرض لي من حكمة مشروعيّة التيمّم بعد طول البحث والتأمّل في حكمة مقنعة في النظر، وكنت أعدّ التيمّم هو النوع الوحيد بين الأحكام الشرعية في معنى التعبّدِ بنَوعه، وأمّا التعبّد ببعض الكيفيات والمقادير من أنواع عبادات أخرى فكثير، مثل عدد الركعات في الصلوات، وكأنَّ الشافعي لمّا اشترط أن يكون التيمّم بالتراب خاصّة وأن ينقل المتيمّم منه إلى وجهه ويديه، راعى فيه معنى التنظيف كما في الاستجمار، إلاّ أنّ هذا القول لم ينقل عن أحد من السلف،«حديث : وهو ما سبق إلى خاطر عَمّار بن ياسر حين تمرّغ في التراب لمّا تعذّر عليه الاغتسال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يكفيك من ذلك الوجهُ والكفَّان»تفسير : . ولأجل هذا أيضاً اختلف السلف في حكم التيمّم، فقال عُمر وابن مسعود: لا يقع التيمّم بدلا إلاّ عن الوضوء دون الغسل، وأنّ الجنب لا يصلّي حتّى يَغتسل سواء كان ذلك في الحضر أم في السفر. وقد تناظر في ذلك أبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود: روى البخاري في كتاب التيمّم قال أبو موسى لا بن مسعود: أرأيتَ إذا أجنب فلم يجد الماء كيف يصنع؟ قال عبدُ اللَّه: لا يُصلّي حتّى يجد الماء. فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمّار حين قال له النبي: كان يكفيك هكذا، فضرب بكفّيه الأرض ثم مسح بهما وجهه وكفّيه، قال ابن مسعود: ألم تر عُمَرَ لم يقنَعْ منه بذلك، قال أبو موسى. فدَعْنَا من قول عمّار، كيف تصنع بهذه الآية {وإن كنتم مرضى أو على سفر} فما درى عبد الله ما يقول، فقال: إنَّا لو رخَّصْنا لهم في هذا لأوْشَكَ إذا بَرَد على أحدهم الماءُ أن يدَعَه ويتيمّم، ولا شك أنّ عمر، وابن مسعود، تأوّلا آية النساء فجعلا قوله: {إلا عابري سبيل} رخصة لمرور المسجد، وجعلا {أو لامستم النساء} مراداً به اللّمس الناقض للوضوء على نحو تأويل الشافعي، وخالف جميعُ علماء الأمّة عمرَ وابنَ مسعود في هذا، فقال الجمهور: يتيمّم فاقد الماء ومن يخاف على نفسه الهلاك أو المرض أو زيادة المرض ولو نَزْلَة أو حمّى. وقال الشافعي: لا يتيمّم إلاّ فاقد الماء أو من يخاف على نفسه التلف دون المرض أو زيادته، لأنّ زيادة المرض غير محقّقة، ويردّه أنّ كلا الأمرين غير محقّق الحصول، وأنّ الله لم يكلّف الخلق بما فيه مشقّة. حديث : وقد تيمّم عَمْرو بن العاص رضي الله عنه في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل وصلّى بالناس، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال عمرو: إني سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} [النساء: 29] فضحك النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليهتفسير : . وقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} جعل التيمّم قاصرا على مسح الوجه واليدين، وأسقط مسح ما سواهما من أعضاء الوضوء بَلْهَ أعضاء الغسل، إذ ليس المقصود منه تطهيراً حسيَّا، ولا تجديد النشاط، ولكن مجرّد استحضار استكمال الحالة للصلاة، وقد ظنّ بعض الصحابة أنّ هذا تيمّم بدل عن الوضوء، وأنّ التيمّم البدل عن الغسل لا يجزىء منه إلاّ مسح سائر الجسد بالصعيد، فعلّمه النبي صلى الله عليه وسلم أن التيمّم للجنابة مثل التيمّم للوضوء، فقد ثبت في «الصحيح» حديث : عن عمّار بن ياسر، قال: كنت في سفر فأجنبت فتمعَّكْت في التَراب (أيْ تمرّغت) وصلّيت فأتيت النبي فذكرت ذلك فقال «يكفيك الوجه والكفان» تفسير : وقد تقدّم آنفاً. والباء للتأكيد مثل: «وهزّي إليك بجذع النخلة» وقول النابغة ــــ يرثي النعمان بن المنذر ــــ:شعر : لكَ الخيرُ إن وارتْ بك الأرضُ واحدا وأصْبَحَ جَدُّ الناس يظْلَعَ عَاثِرا تفسير : أراد إن وارتْك الأرض مواراة الدفن. والمعنى: فامسحوا وجوهكم وأيديكم، وقد ذُكرت هذه الباء مع الممسوح في الوضوء ومع التيمّم للدلالة على تمكّن المسح لئلا تزيد رخصةٌ على رخصة. وقوله: {إن الله كان عفواً غفوراً} تذييل لحكم الرخصة إذ عفا عن المسلمين فلم يكلّفهم الغسل أو الوضوء عند المرض، ولا ترقّبَ وجود الماء عند عدمه، حتّى تكثر عليهم الصلوات فيعسر عليهم القضاء.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}. بين تعالى في هذه الآية زوال السكر بأنه هو أن يثوب للسكران عقله، حتى يعلم معنى الكلام الذي يصدر منه بقوله: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43].
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة} أَيْ مواضع الصَّلاة، أيْ: المساجد {وأنتم سكارى} نُهوا عن الصَّلاة وعن دخول المسجد في حال السُّكْر، وكان هذا قبل نزول تحريم الخمر، وكان المسلمون بعد نزول هذه الآية يجتنبون السُّكْر والمُسكر أوقات الصَّلاة، والسَّكران: المُختلط العقل الذي يهذي، ولا يستمرُّ كلامه، ألا ترى أنَّ الله تعالى قال: {حتى تعلموا ما تقولون} فإذا علم ما يقول لم يكن سكران، ويجوز له الصَّلاة ودخول المسجد {ولا جُنباً} أَيْ: ولا تقربوها وأنتم جنبٌ {إلاَّ عابري سبيل} إلاَّ إذا عبرتم المسجد فدخلتموه من غير إقامةٍ فيه {حتى تغتسلوا} من الجنابة {وإنْ كنتم مرضى} أَيْ: مرضاً يضرُّه الماء كالقروح، والجُدّري، والجراحات {أو على سفر} أَيْ: مسافرين {أو جاء أحدٌ منكم من الغائط} أو الحدث {أو لامستم النساء} أَيْ: لمستموهنَّ بأيديكم {فلم تجدوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صعيداً طيباً} تمسَّحوا بترابٍ طيِّبٍ مُنبتٍ. {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} وهم اليهود {يشترون الضلالة} أَيْ: يختارونها على الهدى بتكذيب محمَّدٍ عليه السَّلام {ويريدون أن تضلوا السبيل} أن تضلُّوا أيُّها المؤمنون طريق الهدى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 43- يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة فى المساجد حال سكركم حتى تفقهوا ما تقولون، ولا تدخلوا المساجد وأنتم على جنابة إلا إذا كنتم عابرى المساجد عبوراً دون استقرار فيها، حتى تطهروا بالاغتسال. وإن كنتم مرضى لا تستطيعون استعمال الماء خشية زيادة المرض أو بطء البرء، أو مسافرين يشق عليكم وجود الماء، فاقصدوا التراب الطيب، وكذلك إذا جاء أحد منكم من المكان المعد لقضاء الحاجة أو آتيتم النساء فلم تجدوا ماء تتطهرون به لفقده، فاقصدوا تراباً طيباً كذلك فاضربوا به أيديكم، وامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله من شأنه العفو العظيم والمغفرة. 44- ألا تعجب من أمر هؤلاء الذين أوتوا حظاً من العلم مما جاء فى الكتب السابقة، يتركون الهدى ويبتغون الضلالة فى شأن أنفسهم، ويريدون منكم أن تبعدوا مثلهم عن الحق وهو صراط الله المستقيم؟. 45- والله أعرف منكم بأعدائكم الحقيقيين، وأخبر بما تنطوى عليه نفوسهم، وولاية الله تحميكم وتكلؤكم وتكفيكم، فلا تطلبوا ولاية غير ولايته، وتكفيكم نصرته فلا تستعينوا بسواه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا تقربوا: لا تدنوا كناية عن الدخول فيها، أو لا تدنوا من مساجدها. سكارى: جمع كسران وهو من شرب مسكراً فستر عقله وغطاه. تعلموا ما تقولون: لزوال السكر عنكم ببعد شربه عن وقت الصلاة وهذا كان قبل تحريم الخمر وسائر المسكرات. ولا جنباً: الجنب: من به جنابة وللجنابة سببان جماع، أو احتلام. عابري سبيل: مارين بالمسجد مروراً بدون جلوس فيه. الغائط: المكان المنخفض للتغوط: أي التبرز فيه. لامستم النساء: جامعتموهن. فتيمموا صعيداً طيباً: اقصدوا تراباً طاهراً. عفواً غفوراً: عفواً: لا يؤاخذ على كل ذنب، غفوراً: كثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه. معنى الآية الكريمة: لا شك أن لهذه الآية سبباً نزلت بمقتضاه وهو أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حسب رواية الترمذي أقام مأدبة لبعض الأصحاب فأكلوا وشربوا وحضرت الصلاة فقاموا لها وتقدم أحدهم يصلي بهم فقرأ بسورة الكافرون وكان ثملان فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وهذا باطل وواصل قراءته بحذف حروف النفي فنزلت {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ.......} أي يامن صدقتم بالله ورسوله، {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} أي لا تدخلوا فيها، والحال أنكم سكارى من الخمر إذ كانت يومئذ حلالاً غير حرام، حتى تكون عقولكم تامة تميزون بها الخطأ من الصواب فتعلموا ما تقولون في صلاتكم ولا تقربوا مساجد الصلاة للجلوس فيها وأنتم جنب حتى تغتسلوا اللهم إلا من كان منكم عابر سبيل، إذ كانت طرق بعضهم إلى منازلهم على المسجد النبوي. {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ} بجراحات يضرها الماء أو مرضى مرضاً لا تقدرون معه على استعمال الماء للوضوء أو الغسل، أو كنتم {عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} بمضاجعتهن أو مسستموهن بقصد الشهوة {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} تغتسلون به إن كنتم جنباً أو تتوضأون به إن كنتم محدثين حدثاً أصغر {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} أي اقصدوا تراباً طاهراً {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} مرة واحدة فإن ذلك مجزيء لكم عن الغسل والوضوء فإن صح المريض أو وُجد الماء فاغتسلوا أو توضأوا ولا تيمموا لانتفاء الرخصة بزوال المرض أو وجود الماء. وقوله تعالى في ختام الآية {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} يخبر تعالى عن كماله المطلق فيصف نفسه بالعفو عن عباده المؤمنين إذا خالفوا أمره، وبالمغفرة لذنوبهم إذا هم تابوا إليه، ولذا هو عز وجل لم يؤاخذهم لما صلَّوا وهم سكارى لم يعرفوا ما يقولون، وغفر لهم وأنزل هذا القرآن تعليماً لهم وهداية لهم. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية الكريمة: 1- تقرير مبدأ النسخ للأحكام الشرعية في القرآن والسنة. 2- حرمة مكث الجنب في المسجد، وجواز العبور والاجتياز بدون مكث. 3- وجوب الغسل على الجنب وهو من قامت به جنابة بأن احتلم فرأى الماء أو جامع أهله فأولج ذكره في فرج امرأته ولو لم ينزل ماءً. وكيفية الغسل: أن يغسل كفيه قائلاً: بسم الله ناوياً رفع الحدث الأكبر ثم يستنجي فيغسل فَرجَيْهِ وما حولهما، ثم يتوطأ فيغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض ويستنشق الماء، ويستثره ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثم يغمس كفيه في الماء ثم يخلل أصول شعر رأسه، ثم يحثو الماء على رأسه يغسله بكل حثوة، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن يَغْسِلُه، ثم على شقه الأيسر يَغْسِله. من أعلاه إلى أسفله، ويتعهد بالماء إبطيه وكل مكان من جسمه ينبو عنه الماء كالسرة وتحت الركبتين. 4- إذا لم يجد المرء التراب لمطر ونحوه تيمم بكل أجزاء الأرض من رمل وسبخة وحجارة والتيمم هو أن يضرب بكفه الأرض ثم يمسح وجهه وكفيه بهما لحديث عمار رضي الله عنه في الصحيح. 5- بيان عفو الله وغفرانه لعدم مؤاخذة من صلوا وهم سكارى.
القطان
تفسير : الغائط: الموضع المنخفِض من الأرض. كان العرب إذا أراد أحدهم قضاء الحاجة عمَد في ذلك الى مكان منخفض. فصاروا يكنّون عن قضاء الحاجة، بالخروج الى الغائط. لامستم النساء: جامعتم. تَيمّموا: اقصدوا. الصعيد: وجه الأرض. هذه هي الآية الثانية التي تنزل في الخمر فقد كانت الخمر متفشّية في المجتمع الجاهلي، فنزل تحريمها تدريجيا. وهناك روايات عديدة في سبب نزول هذه الآية، فمنها ما رواه أبو داود والترميذي عن علي بن أبي طالب قال: "صنع لنا عبدُ الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذتْ منّا. وحضرت الصلاةُ فقدَّموني فقرأتُ {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون} فنزلت الآية ومعناها: يا أيها الذين آمنوا لا تصلّوا وأنتم في حال السُّكر الذي لا يَدري معه المصلّي ما يقول. فالصلاة وقوفٌ بين يدي الله، فيجب ان يكون المصلّي صاحياً ليتدبر القرآن والذِكر فيما يقول. ثم قال: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}، أي لا تصلُّوا وأنتم جُنب، ولا تدخلوا المساجدَ وأنتم جُنُبٌ إلا عابري الطريق، حتى تطَّهَّروا. ولما كانت الصلاة فريضةً موقوتة يجب تأديتها في وقتها، وكان الاغتسال من الجنابة يتيسَّر في بعض الحالات ويتعذر في بعضها الآخر ـ فقد رخَّص الله ترك استعمال الماء والاستعاضةَ عن الماء بالتيمم، فقال ما معناه: وان كنتم مرضى لا تستطيعون استعمال الماء، خشيةَ زيادة المرض او تأخر البُرء، او مسافرين يشقّ عليكم وجودُ الماء ـ فاقصدوا الصعيدَ الطيب، وهو كلُّ ما على الأرض، فلو لمس حجراً كفاه عند بعض الأئمة. وكذلك اذا قضى أحدُكم حاجتَه، أو باشرتم النساء ولم تجدوا ماءً، فعليكم بالتراب: اضربوا به أيديَكم وامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ثم صلّوا ان الله يحب التيسير على عباده. ومذهبُ الإمام محمد عبده في تفسير: " وان كنتم مرضى او على سفر" أن السفر عذرٌ يبيح التيمُّم، وُجد الماء أو غاب، وذلك لأن الآية صريحة بذلك. ومثله قال حسن صدّيق خان في تفسير هذه الآية وهذا نص كلامه: "المعنى ان حُكم المريض والمسافر اذا أراد الصلاة كحكْم المحدِث حدثاً أصغر أو ملامسِ النساء ولم يجد الماء، فعلى كل هؤلاء التيمم". قراءات: قرأ حمزة والكسائي "لمستم النساء".
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلصَّلاَةَ} {سُكَارَىٰ} {ٱلْغَآئِطِ} {لاَمَسْتُمُ} (43) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي حَالِ السُّكْرِ، الذِي لاَ يَدْرِي مَعَهُ المُصَلِّي مَا يَقُولُ وَمَا يَفْعَلُ وَمَا يَقْرَأ (وَكَانَ هذا قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ بِصُورَةٍ قَاطِعَةٍ). وَيَنْهَى اللهُ تَعَالَى مَنْ كَانَ جُنُباً عَنْ دُخُولِ المَسَاجِدِ (إلاَّ أنْ يَكُونَ مُجْتَازاً مِنْ بَابٍ إلى بَابٍ مِنْ غَيْرِ مَكْثٍ. وَكَانَتْ بُيُوتُ الأنْصَارِ أبْوابُها مِنْ دَاخِلِ المَسْجِدِ، فَكَانَتْ تُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ وَلاَ مَاءَ عِنْدَهُمْ، فَيَرِدُونَ المَاءَ وَلاَ يَجِدُونَ مَمّراً إلاّ فِي المَسْجِدِ) وَيَسْتَمِرُّ تَحْرِيمُ المَكْثِ فِي المَسْجِدِ عَلَى الجُنُبِ وَالحَائِضِ حَتَّى يَغْتَسِلا أوْ يَتَيَمَّمَا. وَإذَا كُنْتُمْ مَرْضَى مَرَضاً تُخَافُ زِيَادَتُهُ بِاسْتِعْمَالِ المَاءِ، أوْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَأحْدَثْتُمْ حَدَثاً أصْغَرَ (جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ) أَوْ وَاقَعْتُمُ النِّسَاءَ (لاَمَسْتُمُ النَّسَاءَ)، وَلَمْ تَجِدُوا مَاءً لِتَغْتَسِلُوا أَوْ لِتَتَوَضَّؤُوا فَتَيَمَّمُوا التُّرَابَ الطَّاهِرَ الحَلالَ (الطَّيِّبَ)، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأيْدِيكُمْ مِنْهُ لِيَقُومَ ذَلِكَ مَقَامَ الوُضُوءِ وَالغُسْلِ، وَمِنْ عَفْوهِ تَعَالَى عَنْكُمْ، وَمِنْ غُفْرَانِهِ لَكُمْ، أنْ شَرَعَ لَكُمْ التَّيَمُّمَ، وَأبَاحَ لَكُمُ الصَّلاَةَ إذَا فَقَدْتُمُ المَاءَ، تَوْسِعَةً عَلَيْكُمْ وَرُخْصَةً لَكُمْ. وَيَكُونُ التَّيَمُّمُ بِضَرْبَتَيْنِ بِاليَدَيْنِ عَلَى الأَرْضِ، ضَرْبَةً يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ، وَضَرْبَةً يَمْسَحُ بِهَا يَدَيْهِ. الصَّعِيدُ - مَا صَعَدَ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ التُرابُ وَالرَّمْلُ وَالحَصَى .. عَابِري سَبِيلٍ - مُسَافِرينَ فَقَدُوا المَاءَ فَتَيَمَّمُوا. الغَائِطِ - مَكَانِ قَضَاءِ الحَاجَةِ. لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ - وَاقَعْتُمُوهُنَّ أوْ لاَمَسْتُمْ بَشَرَتَهُنَّ.
الثعلبي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشربون الخمرة، ويشهدون الصلاة وهم نشاوى، فلا يدرون كم يُصلّون، ولا يدرون ما يقولون في صلواتهم، فأنزل الله عزّ وجلّ {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} نشاوى من الخمر، جمع سكران، وقرأ النخعي: (جُنباً) وهما لغتان. {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} وتقرؤون في صلاتكم، وكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر أوقات الصّلاة، حتى نزل تحريم الخمر في سورة المائدة. سلمة بن نبيط عن الضحاك بن مزاحم: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ}، قال: لم يعنِ سكر الخمر، إنّما يعني سكر النوم. هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا نعس أحدكم وهو في الصّلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنّه إذا صلّى وهو ينعس، لعلّه يذهب فيستغفر فيسبّ نفسه ". تفسير : هشام بن عروة أيضاً عن أبيه عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا نعس الرجل وهو يصلّي، فلينصرف فلعلّه يدعو على نفسه وهو لا يدري ". تفسير : همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدرِ ما يقول، فليضطجع ". تفسير : وروي عن عبيدة السلماني في هذه الآية أنّه قال: هو الحاقن، دليله قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يصلينَّ أحدكم وهو يدافع الأخبثين ". تفسير : {وَلاَ جُنُباً} نصب على الحال، يعني ولا تقربوا الصلاة وأنتم جُنب، وقرأ إبراهيم النخعي: (جُنْباً) بسكون النون، يقال: رجل جنب، ورجلان وامرأتان جُنب، ورجال ونساء جُنب، والفعل منه أجنب يجنب، وأصل الجنابة البُعد، فقيل له: جنب لأنّه يجتنب حتى يتطهر، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} واختلفوا في معناها، فقال: بعضهم: الاّ إن يكونوا مسافرين ولا يجدون الماء فيتيمّموا، وهذا قول عليّ وابن عباس وابن جبير وابن زيد ومجاهد والحكم والحسن بن مسلم وابن كثير. وقال الآخرون: معناه إلاّ مجتازين فيه للخروج منه مثل أن ينام في المسجد، فيجنب، أو يكون الماء فيه، أو يكون طريقه عليه، فرخص له أن يمرّ عليه ولا يُقيم، وعلى هذا القول تكون الصلاة بمعنى المصلّى والمسجد كقوله {أية : صَلَوَاتٌ} تفسير : [البقرة: 157] اي موضع الصلوات، وهذا قول عبد الله وابن المسيّب وابن يسار والضحاك والحسن وعكرمة وإبراهيم وعطاء الخراساني والنخعي والزيدي، يدلّ عليه ماروى الليث عن يزيد بن أبي حبيب أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فيصيبهم الجنابة، ولا ماء عندهم فيريدون الماء ولا يجدون ممرّاً للماء إلاّ في المسجد، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وأصل العبور: القطع يقال: عبر الطريق والنهر إذا قطعهما وجال فيهما. {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ} جمع مريض. إسماعيل عن أبيه عن الحسين عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إنّ مسجدي حرام على كلِّ حائض من النساء، وعلى كلِّ جُنب من الرجال إلاّ على محمد وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ". تفسير : وأراد به مرضاً يضرّه مساس الماء كالجدري والجروح والقروح، أو كسر قد وضع عليه الجبائر، فإنّه رخّص له في التيمّم، هذا قول جماعة من الفقهاء، إلاّ ما ذهب [إليه] عطاء والحسن أنه لا يتيمّم مع وجود الماء، واحتّجا بقوله تعالى {أية : فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ} تفسير : [النساء: 43]، وهذا واجد الماء. وهذا غلط، لما روى عطاء عن جابر قال: حديث : خرجنا في سفر وأصاب رجلا معنا حجر فشجّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسلَ، فمات، فلمّا قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أُخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم الله، هلاّ سألوا إذا لم يعلموا، فإنّما شفاء العىّ السّؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمّم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده" . تفسير : {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} طويلا كان أو قصيراً، فله التيمّم عند عدم الماء، فإذا لم يكن مرض ولا سفر لكنه عدم الماء في موضع لا يُعدم فيه الماء (عادة)، مثل أن يكون في مصر فانقطع الماء عنه رأساً، أو في قرية فانقطع ماؤها، ففيه ثلاث مذاهب: ذهب الشافعي ومحمد بن الحسن إلى أنّ عليه التيمم والصّلاة ويعيد الصّلاة، وذهب مالك والأوزاعي وأبو يوسف إلى إنّه يتيمّم ويصلّي ولا إعادة عليه، وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا يتيمّم ولا يصلّي، ولكنّه يصبر حتى يجد الماء ويتوضأ ويصلّي. {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} قرأ الزّهري: (من الغيط)، والغيط والغوط والغائط كلُّها بمعنًى واحد، وهي الخبت المطمئن من الأرض، وقال مجاهد: هو الوادي، الحسن: الغور من الأودية، وتصوّب. المؤرّخ: قرارة من الأرض يحفها الكرم ويسترها، وجمعها غيطان، والفعل منه (غاط يغوط)، مثل (عاد يعود). وتغوّط يتغوّط، إذا أتى الغائط، وكانوا يتبرّزون هناك فكنّى عن الحدث بالغائط مثل العذرة والحدث، وهو هاهنا كناية عن حاجة البطن. {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} قرأ حمزة والكسائي وخلف: (لمستم) بغير ألف هاهنا، وفي المائدة وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالألف فيهما وهو اختيار أبي حاتم. واختلف المفسّرون في معنى اللمس والملامسة، فقال قوم: المجامعة، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وقال سعيد بن جبير: ذكروا اللمس فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: هو الجماع، فأتيت ابن عباس فذكرت له، فقال: من أيّ الفريقين كنت؟ قلت: من الموالي. قال: غُلب فريق الموالي، إنّ اللمس والمسّ والمباشرةَ الجماعُ، لكنّ الله يكنّي عمّا يشاء بما يشاء، وعلى هذا القول إنّما كنّى عن اللمس بالجماع؛ لأنّ اللمس يوصَل إليه، كما يقال للسّحاب: سماء، وللمطر: سماء وللكلأ سماء لأنّ بالسحاب يوصل إلى المطر، وبالمطر يوصل إلى الكلأ، قال الشاعر: شعر : إذا سقط السّماء بأرض قوم رعيناه وإنْ كانوا غضابا تفسير : وقال الآخرون: هو التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو غير جماع، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وأبي عبيدة ومنصور وعبيدة والشعبي والنخعي وحماد والحكم. واختلف العلماء في حكم الآية على خمسة مذاهب، فقال الشافعي: إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد تعلّق نقض الطهارة به، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والزهري وربيعة. وقال الأوزاعي: إن كان للمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه، فأجراه مجرى مسّ الفرج. وقال مالك والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: إذا كان اللمسّ للشهوة نقض، وإنْ كان لغير شهوة لم ينقض، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنْ كانت ملامسة فاحشة نقضت وإلاّ لم تنقض، والملامسة الفاحشة: ما تحدث الإفساد. وذهبت طائفة إلى إنّ الملامسة لا تنقض الطهارة بحال، وبه قال من الصحابة ابن عباس، ومن التابعين الحسن البصري، وإليه ذهب محمد بن الحسين. وعن الثوري روايتان: إحداهمها هذا، والثانية مثل (قول مالك بدليل الشافعي من الآية) أنّ الملامسة باليد ما روي حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه نهى عن بيع الملامسة، واللمس أكثر ما يستعمل في لمس اليد"تفسير : ، وأنشد الشافعي: شعر : لمست بكفي كفّه طلب الغنى ولم أدر أن الجود من كفّه يُعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى أفدت وأعداني فأنفقت ما عندي تفسير : روى الزهري عن سالم عن أبيه قال: جسها بيده من الملامسة، ويدل عليه ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ حديث : أنّ رجلا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الرجل ينال من امرأة لا تحل له ما يناله من امرأته إلاّ الجماع، فقال: "يتوضّأ وضوءاً حسناً"تفسير : ، فثبت أنّ اللمسّ ينقض الوضوء. احتج من لم يوجب الوضوء بالملامسة نفسها، بما روى مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: حديث : كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلىّ، فإذا قام بسطتها والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح . تفسير : وروى عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة قالت: حديث : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي وأنا لمعترضة بين يديه اعتراض الجارية حتى إذا أراد أن يوتر مسّني برجله . تفسير : وروي الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة قالت: حديث : فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فجعلت أطلبه بيدي فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد يقول: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من غضبك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". تفسير : وفي بعض الاخبار: فلما فرغ من صلاته قال لي: حديث : "يا عائشة أتاكِ شيطانكِ؟"،قالوا: فلمسته عايشة وهو في الصلاة فمضى فيها . تفسير : ولأجل هذه الأخبار خصّ من ذكرنا مسّ الشهوة بنقض الوضوء. روى أبو روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقبّل بعض أزواجه ثم يصلّي ولا يتوضأ . تفسير : وأمّا الغسل وكيفية الملامسة على مذهب الشافعي فهو على ثلاثة أوجه: لمس ينقض الوضوء قولا واحداً، ولمس لا ينقض الوضوء، ولمس مختلف فيه، فالذي ينقض الوضوء ملامسة الرجل المرأة الشابة [....] متعمداً حية كانت أو ميتة، والذي لا ينقضه ملامسة الشعر والسنّ والظفر، والذي اختلف فيه هو أن يلمس فتاة صغيرة، أو امرأة كبيرة، أو واحدة من ذوات محارمه ممن لا يحلّ له نكاحها، (وفيه) قولان: أحدهما ينقض الوضوء لأنه لمس متعمد [....]، والثاني لا ينقض لانّه لا تدخل للشهوة فيهن، يدلّ عليه ما روي عن أبي قتادة السلمي الانصاري حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعهاتفسير : . وهذا حكم الملامسة إذا لم يكن حائل، فأمّا إن كانت من دون حائل فإنها تنقض الطهارة سواء كان الحائل صفيقاً أو رقيقاً، هذا قول الجمهور. وقال مالك: ينقضها إن كان رقيقاً ولا ينقضها إن كان صفيقاً، وقال الليث وربيعة: ينقضها سواء كان صفيقاً أو رقيقاً، والدليل على أنّها لا تنقض الوضوء إذا كانت من دون حائل ظاهر الآية {لاَمَسْتُمُ} فإذا لمسها مع الحائل فما لمسها وإنّما لمس الحائل، وعليه إنّه لو حلف ألاّ يلمسها ولمسها من وراء حائل لم يحنث. فهذا كلّه حكم اللامس، وأما الملموس فهل ينتقض به طهره أم لا؟ فعلى قولين للشافعي: أحدهما: أنّه ينتقض لاشتراكهما في الالتذاذ. والثاني: لا ينتقض لخبر عائشة: "فوقعت يدي على أخمص قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم. قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ} اعلم أنّ التيمّم من خصائص هذه الأُمة لما روى ربّعي بن خمّاش، عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فُضّلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، جُعلت الأرض لنا مسجداً، وجُعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء ". تفسير : وأما بدء التيمّم فأخبر مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: حديث : كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبواء، حتى إذا كنّا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي وكنت استعرتها من أسماء، فصلّ، أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بالتماسه فالتُمس، فلم يوجد، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم فباتوا ليلتهم تلك، وأقاموا على النجاسة وليسوا على ماء وليس عندهم ماء، فأتى الناس أبا بكر، فقالوا: ألا ترى إلى عائشة حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير ماء؟ فجاء أبو بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فعاتبني، وقال: ما شاء الله وقال: قبّحها الله من قلادة حبست الناس على غير ماء وقد حضرت الصلاة، ثم طعن بيده على خاصرتي فما منعني من التحريك إلاّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واضعاً رأسه على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله عزّ وجلّ آية التيمّم . تفسير : قالت: فبعثت البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته، فقال أُسيد بن حضير: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر جزاكم الله خيراً، فوالله ما نزل بكِ أمر قط تكرهينه إلاّ جُعل لكِ وللمسلمين فيه خيرٌ. فأباح الله تعالى التيمّم لخمس شرائط: أحدها: دخول وقت الصلاة، فلا يجوز التيمّم إلاّ بعد دخول وقت الصّلاة، وقد يجمع بالتيمم بين صلاتي فرض، هذا قول عليّ وابن عباس وابن حمزة ومذهب مالك والشافعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل، قالوا: لأنها طهارة ضرورة، فقسناها على المستحاضة، ولأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فأينما أدركتكم الصّلاة فتيمّموا وصلّوا ". تفسير : وروى أبو إسحاق عن الحريث عن عليَ رضى الله عنه قال: "تيمّموا لكلِّ صلاة". وروى ابن المهدي عن عاصم الأحول عن عمرو بن قيس قال: بل تتيمم لكلِّ صلاة وإن لم تحدث. وذهبت طائفة إلى أنّ التيمم كالطهارة بالماء يجوز تقديمه على وقت الصلاة ويصلّي من الحدث الأكبر إلى الحدث لمساً من الفرايض والنوافل، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن والثوري وأبي عبيدة واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصّعيد الطيّب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج ". تفسير : والشرط الثاني من الشرايط المبيحة للتيمم: طلب الماء، وكيفيّة الطلب أن يطلبه في رحله فإنْ لم يجد طلب من أصحابه، فإنْ لم يجد عندهم طلبَ يميناً وشمالا ووراء وأمام، فإن كان هناك تلّ صعد ونظر، فإنْ رأى إنساناً قادماً فليتعرّف منه، فإنْ تيمم قبل الطلب لم يصح عند أكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة: طلب الماء ليس بشرط في جواز التيمم بل مستحب، فان تيمم قبله أجزأه، لأنه لو كان شرطاً فيه لكان شرطاً في النافلة لعدم الماء، ولما كان التيمم للنافلة دون طلب الماء جاز أيضاً للفريضة دونه، دليلها قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، ولا يقال: لم يجز إلاّ لمن طلب الماء، والدليل عليه أنّه لو وكّل وكيلا ليشتري له شيتاً فان لم يجد فخيّره فاشترى الشيء الثاني قبل طلبه الأول ضمن. والشرط الثالث: إعوازه بعد طلبه، فأمّا إذا كان بينه وبين الماء حائل من لص أو عدو أو سبع أو جمل صائل أو نار ونحوها فهو عادم للماء، وكذلك إن كان عليه ضرر في إتيانه مثل أن يخاف على رحله إن غاب عنه، وكذلك إن كان الماء في بئر ولم يمكنه الوصول إليه. والشرط الرابع: العذر من مرض أو سفر لقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ}. والمرض على ثلاثة أضرب: مرض لا يضرّ استعمال الماء معه، فلا يجوز التيمم معه، وضرب يخاف معه من استعمال الماء التلف فيجوز معه التيمم، وكذلك إن كان على قرحه دم يخاف إن غسله التلف تيمّمَ، وأعاد إذا قدر على غسل الدم، وضرب يخاف باستعماله الماء الزيادة في العلّة بطء البرء، والمتعيّن فيه أوجه: الأول: أنه يجوز التيمم، وهو مذهب أبي حنيفة. والثاني: أنه لا يجوز فإنْ كانت الجراحة في بعض جسده دون بعض، غسل ما لا ضرر عليه وتيمّم، ولا يجزيه أحدهما دون الآخر، وقال أبو حنيفة: إذا كان أكثر بدنه لزمه الوضوء واستعمال الماء، ولم يُجزِهِ معه التيمم ولا دونه، وإن كان أكثر بدنه جريحاً يسقط عنه فرض الوضوء والغسل ويجزيه التيمم في الجميع. قال: (ولا يجوز الجمع بين استعمال الماء في بعض الأعضاء والتيمم في بعضها)، وكذلك لو وجد الجُنب أو المحدث من الماء ما لا يسع المحدث لوضوئه، ولا الجُنب لأغساله، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه يسقط فرض استعماله الماء ويكفيه التيمم، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والمزني. والقول الثاني: يلزمه استعمال القدر الذي وجده، والتيمم كما حُدّثته، وإن كان جُنباً غسل به أي أعضائه شاء ثم تيمّم على الوجه واليدين، وإن كان محدثاً غسل وجهه ثم يديه على الترتيب ثم تيمّم لما لم يغسل من أعضاء الوضوء، حتى لو غسل جميع أعضاء وضوئه وبقيت لمعة من رجله لم يصبها ماء فإنه يتيمّم لها. وإن انكسر بعض أعضائه فجبرها، فإنه لا يعدو في الجبائر موضع الكسر، ولا يضعها إلاّ على وضوء كالخفين، فان وضعها على الطهارة فله أن يمسح على الجبيرة ما دام العذر باقياً ثم هل يلزمه إعادة الصلوات التي صلاّها بالمسح على الجبائر أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: عليه الإعادة. والثاني: لا إعادة عليه، وهو اختيار المزني، والدليل عليه ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده أن حزماً انكسر إحدى زنديه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسح على الجبائر، قال الشافعي: إن صح حديث عليّ قلت به، وهذا مما استخير الله فيه. وإن وضعها على غير الطهارة وعدا بها إلى غير موضع الكسر ينظر؛ فإن لم يخشَ تلف يديه أو عضو من أعضائه نزعها، وإن خاف على ذلك لم ينزعها، ولكنه يغسل ما يقدر عليه، ويعيد الصلاة إذا قدر على نزعها. وأمّا السفر فهو أقل ما يقع عليه اسم سفر، طالت أو قصرت؛ لأنّ الله تعالى لم يفرّق بينهما، دليله ما أخبر الشافعي عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر: إنّه أقبل من الجُرف حتى إذا كان بالمدينة تيمّم فمسح وجهه ويديه وصلّى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يُعد الصلاة، والجرف قريب من المدينة. والشرط الخامس: النية المكنونة. وقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} عنى: اقصدوا تراباً طيباً، واختلف العلماء في الممسوح به في التيمم على أربعة مذاهب: قال أبو حنيفة: يجوز التيمم بالأرض ومما كان من جنسها، وإن لم يعلق بيده منها شيء، فأجاز بالكحل والزرنيخ والنورة من الجصّ والحجر المسحوق، بل وحتّى الغبار، وحتى فيما لو ضرب يده على صخرة ملساء فمسح أجزاه، فأمّا إن تيمّم بسحالة الذهب والفضة والصفر والرصاص والنحاس لم يجزه، لإنّه ليس من جنس الأرض. قال مالك: يجوز بالأرض وبكلِّ ما اتّصل فيها، فأجاز التيمم بأجناس الأرض والشجر، فقال: لو ضرب يده على غيره ثم مسح بها أجزأه. وقال الأوزاعي والثوري: يجوز بالأرض وبكلِّ ما عليها من الشجر والحجر والمدر وغيرها حتى قالا: لو ضرب يديه على الجمد والثلج أجزاه، واحتجوا بما روى عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة، حتى دخلنا على أبي جهيم الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو جهيم: حديث : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر الجمل فلقيه رجل فسلّم عليه فلم يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم ردّ عليه . تفسير : وذهب الشافعي إلى أن الممسوح به تراب طاهر ذو غبار تعلّق باليد وهو الاختيار لهذا؛ لأن الله عزّ وجلّ قال: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} فالصعيد اسم التراب، والطيب اسم لما ينبت، فأمّا ما لا ينبت من الأرض فليس بطيّب، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} تفسير : [الأعراف: 58]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : جُعلتْ لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً"تفسير : ، فخصّ التراب ذلك، والله أعلم. {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} وقد مضى الكلام في الممسوح به، فأما قدر الممسوح وكيفية التيمم، فاختلف الناس فيه على خمسة مذاهب: فقال الزهري: تمسح على الوجه واليدين إلى الآباط والمناكب، واحتجّ بما روى عبد الله ابن عتبة عن ابن عباس عن عمار بن ياسر حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان في سفر ومعه عائشة فضلّ عقدها، فاحتبسوا في طلبه يوماً، قال: فنزلت آية التيمم،فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم، ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ثم بطون أيديهم إلى الآباط. وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة لليدين، وضربة للمرفقين، وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله، ومن التابعين الحسن البصري والشعبي، ومن الفقهاء أبو حنيفة وحنبل ومالك والليث، رضي الله عنهم، واحتجوا بما روى الأعرج عن أبي الصمّة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمّم فمسح وجهه وذراعيه . تفسير : وروى أبو أُمامة وابن عمر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : التيمّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين ". تفسير : وروى ربيع بن سبرة عن أبيه عن جده عن أسلع قال: حديث : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ارجل بنا يا أسلع". فقلت: أنا جُنب. فسكت، إلى مكة فنزلت آية التيمّم، فقال: "يكفيك هذا". فضرب بكفّيه الأرض ثم نفضهما ثم مسح ذراعيه؛ ظاهرهما وباطنهما.وقال عليٌّ كرم الله وجهه: "هو ضربتان: ضربة للوجه وضربة للكفين" . تفسير : وذهبت طائفة إلى أنه ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول سعيد بن المسيّب، والأوزاعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بقول الله تعالى: {أية : وَأَيْدِيكُمْ} تفسير : [النساء: 43]، قالوا واليد على الإطلاق يتناول الكفّ إلى الكوع، بدليل أنّ السارق تقطع يده إلى الكوع، وقد قال الله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38]، فاحتجوا بما روى سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار بن ياسر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التيمم: "حديث : ضربة للوجه والكفين، والتيمّم من الجنابة كالتيمّم من الحدث ". تفسير : فإذا عدم الجنب الماء تيمّم كما يتيمّم المحدث بلا خلاف فيه إلاّ ما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: لا يحقّ للجُنب التيمّم، ولكنه يصبر إلى أن يجد الماء فيغتسل، وقال مفسرّاً قوله عزّ وجلّ: {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} أراد اللمس باليد دون الجماع. وروى الأعمش عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أزي حديث : أنّ رجلا سأل عمر عن جُنب لا يجد الماء، فقال: لا يصلّي حتى يجد الماء، فقال عمار بن ياسر: أما تذكر حين بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وأجنبت فتمعكت في التراب، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: "قد كان يكفيك أن تفعل كذا وكذا". وضرب بيده على الأرض فمسح وجهه وبدنه؟ فقال: اتّقِ الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أذكره أبداً . تفسير : وروى عمار بن ياسر عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أزي، قال: كنت عند عمر رضي الله عنه، فسأله أعرابي فقال: حديث : إنّا نمكث الشهر والشهرين لا نجد الماء، فقال: أمّا أنا فلو كنت لم أصلّ، فقال عمار بن ياسر: أما تذكر يا أمير المؤمنين أني كنت أنا وأنت في الإبل؟ فقال: بلى. قال: فأنت أجنبت فتمعكت في التراب فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فضحك، وقال: "كان يجزيك هكذا". وبسط عمّار كفيه، ووضعهما على الأرض ثم نفض إحداهما بالأُخرى فمسح بهما وجهه، ووصل الكفين بشيء من الذراعين يسير، فقال عمر: اتّقِ الله يا عمار. فقال: يا أمير المؤمنين لو شئت لم اتفوّه به أبداً، قال: لا بل نولّيك (ما تولّيت) . تفسير : وروى الأعمش عن شقيق قال: حديث : كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، الرجل جُنب فلا يجد الماء أُيصلّي؟ فقال: لا. فقال: أما تذكر قول عمار لعمر: بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأنت فأجنبت فتمعّكت في التراب، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: "كان يكفيه هكذا". وضرب بيديه الأرض فسمح وجهه ويديه؟ تفسير : فقال: لم أر عمر قنع بذلك، قال: فما يصنع بهذه الآية {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}؟ فقال: أما إنّا لو رخّصنا لهم في هذا لكان أحدهم إذا وجد برد الماء تيمّم بالصعيد، قال الأعمش: فقلت لشقيق فلم يكن هذا إلاّ حباً له، قال: يدلّ علي أن صلاة الجُنب بالتيمّم جايز، ما روى ابن عوف عن أبي رجاء، قال: سمعت عمران بن حصين يقول: حديث : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصلِّ في القوم، فقال: "يا فلان، ما منعك أن تصلّي مع القوم؟ ". فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد فإنّه يكفيك" . تفسير : وروى مسلم عن أبي رجاء عن عمران بن حصين قال: حديث : صلّيت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجل جُنب، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتيمّم ويصلّي، فلمّا وجد الماء أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل ولم يأمره أن يعيد . تفسير : عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ". تفسير : قوله عزّ وجلّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} يعني يهود المدينة، وقال ابن عباس: نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب ومالك بن دخشم، كانا إذا تكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم لويا لسانيهما وعاباه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ} مختصر تقديره: ويشترون الضّلالة بالهدى {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ} يا معشر المؤمنين، وقرأ الحسن تُضَلّوا، {ٱلسَّبِيلَ} أي عن السبيل. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} منكم، فلا تستنصحوهم فإنهم أعداؤكم، ويجوز أن يكون {أَعْلَمُ} بمعنى عليم [كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27]، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً * مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ}، فإنّ شئت جعلتها متصلة بقوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ}، وإنّ شئت جعلتها منقطعة عنها مستأنفة، ويكون المعنى: من الذين هادوا مَن يحرّفون، كقوله: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164] اي من له مقام معلوم، وقال ذو الرمّة: شعر : فظلوا ومنهم دمعُهُ سابق له وآخر يذري دمعة العين بالمهل تفسير : يريد: ومنهم من دمعه. {يُحَرِّفُونَ} يغيّرون، {ٱلْكَلِمَ} وقال علي بن أبي طالب(رضي الله عنه): "الكلام عن مواضعه، يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم"، وقال ابن عباس: حديث : كان اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن الأمر فيخبرهم، ويرى أنّهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرّفوا كلامه. {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا} قولك {وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي غير مقبول منك، وقيل: هو مثل قولهم: اسمع لا سمعت. {وَرَاعِنَا}: وارعنا، وقد مضت القصة في سورة البقرة، {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً} قدحاً {فِي ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا} مكان راعنا {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ} أصوب وأعدل، {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} خاصة باليهود، {آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا} يعني القرآن، {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} قال ابن عباس: كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار اليهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد، فقال لهم: "يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنّكم تعلمون أنّ الذي جئتكم به لحقّ"، فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد وأنكروا وأصرّوا على الكفر، فأنزل الله عزّ وجلّ {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} . تفسير : {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ} قراءة العامة بكسر الميم، وقرأ أبو رجاء بضمّها، وهما لغتان، قال ابن عباس: يجعلها كخفّ البعير أو كحافر الدابة. قتادة والضحاك: نعميها، ذَكر الوجه والمراد به العين {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ} أي نحوّل وجوهها إلى ظهورها، ونجعل أبصارها من جهة أقفائها، وهذه رواية عطية عن ابن عباس. الفرّاء: الوجوه منابت للشعر كوجوه القردة، لأنّ منابت شعور الآدميين في أدبار وجوههم. القتيبي: نمحو آثارها وملامحها من عين وحاجب وأنف وفم، فنردّها على أدبارها أي كالأقفاء. فإن قيل: كيف جاز أن يهدّدهم بطمس وجوههم إن لم يؤمنوا، ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك؟ فالجواب أن نقول: جعل بعضهم هذا الوعيد باقياً منتظراً، فقال: لابد من طمس وجوه اليهود أي بالمسخ قبل الساعة، وهذا قول المبرّد، وقال بعضهم: كان هذا وعيداً بشرط، فلمّا أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع الباقين، وقيل: لمّا أُنزلت هذه الآية، أتى عبد الله بن سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي. وقال النخعي: قرأ عمر هذه الآية على كعب الأحبار، فقال كعب: يا ربّ أسلمت، يا ربّ أسلمت مخافة أن يشمله وعيد هذه الآية. وقال سعيد بن جبير: الطمس أن يرتدّوا كفاراً فلا يهتدوا أبداً. الحسن ومجاهد: من قبل أن نُعميَ قوماً عن الصراط وعن بصائر الهدى، فنردّها على أدبارها حتى يعودوا إلى حيث جاؤوا منه بدءاً، وهو الشام. وأصل الطمس: المحو والإفساد والتحويل، ومنه يقال: رسم طاسم، وطامس أي دارس، والريح تطمس الأثر أي تمحوه وتعفوه. {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ} فنجعلهم قردة وخنازير {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً * إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية، قال الكلبي: نزلت في المشركين: وحشي بن حرب وأصحابه، وقال: حديث : ، وكان قد جُعل له على قتله أن يعتق، ولم يوفَ له بذلك فلمّا قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّا قد ندمنا على الذي صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلاّ أنّا سمعناك تقول وأنت بمكة: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} [الفرقان: 68]، وقد دعونا مع الله إلهاً آخر، وقتلنا النفس التي حرّم الله، وزنينا، ولولا هذه الآية لاتبعناك، فنزلت {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ} [الفرقان: 70] الآيتين فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي وأصحابه، فلمّا قرأوها كتبوا إليه: هذا شرط شديد نخاف ألاّ نعمل عملا صالحاً فلا نكون من [أهل] هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} فبعث بها إليهم فقرؤوها، فبعثوا إليه: إنا نخاف ألاّ نكون من أهل مشيئته، فنزلت: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ...} [الزمر: 23]، فبعث بها إليهم فلما قرؤوها دخل هو أصحابه في الإسلام، ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لوحشي: "أخبرني كيف قتلت حمزة؟ "، فلما أخبره قال: "ويحك غيّب وجهك عنّي"، فلحق وحشي بالشام فكان بها إلى أن مات تفسير : وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في اليهود {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ} فمشيئته لأهل التوحيد. أبو مجلز، عن ابن عمر: حديث : نزلت في المؤمنين، وذلك أنّه لمّا نزلت {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس، فقام إليه رجل، فقال: والشرك بالله؟ فسكت ثم قام إليه مرّتين أو ثلاثاً، فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : الآية، فأُثبتت هذه في الزمر وهذه في النساء. المسيب بن شريك، عن مطرف بن الشخير قال: قال ابن عمر: كنّا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل منّا على كبيرة شهدنا أنّه من أهل النار، حتى نزلت هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} ، فأمسكنا عن الشهادات. عن جابر بن عبد الله حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "[لا تزال]المغفرة تحل بالعبد ما لم يرفع الحجاب". قيل: يا رسول الله، وما (وقوع) الحجاب؟ قال: "الإشراك بالله" ثم قرأ: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} تفسير : الآية. مسروق عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنّة ولم يضرّه معه خطيئة، كما لو لقيه وهو يشرك به شيئاً دخل النار ولم تنفعه حسنة"تفسير : . وعن عليّ (رضي الله عنه) عنه قال: "ما في القرآن أرجى إليّ من هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } ". {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً * أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} الآية، قال الكلبي: نزلت في رجال من اليهود، أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم منهم عدي بن عمرو والنعمان ابن أوفى وصهيب بن زيد، فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ فقال: "لا"، فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم، ما عملناه بالنهار كفّر عنّا بالليل، وما عملناه بالليل كفّر عنا بالنهار، فكفّرهم الله تعالى، وأنزلت هذه الآية. الحسن والضحاك وقتادة وسفيان والسّديّ: نزلت في اليهود والنصارى ممن قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] وقالوا: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة: 111]. مجاهد وعكرمة: هو أنّهم كانوا يقدّمون أطفالهم في الصّلاة يزعمون أنهم لا ذنب لهم، فتلك التزكية. عطية عن ابن عباس: هو أنّ اليهود قالوا: إنّ آباءنا وأبناءنا تُوفوا، فهم سيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال عبد الله: هو تزكية بعضهم لبعض، وعن طارق ابن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن الرجل ليغدو من بيته ومعه دينه، فيلقى الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرّاً ولا نفعاً، فيقول: والله إنّك لذيت لذيت، فلعله لا يخلو منه شيء، فيرجع إلى بيته وما معه من دينه شيء، ثم قرأ عبد الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ}. {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي} أي يطهّر من الذنوب {مَن يَشَآءُ} [...] لذلك {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} وهو ما يكون في شق النواة، وقيل: هو ما فتلته بين إصبعيك من الوسخ فيكون فعيلا بمعنى مفعول قال الشاعر: شعر : يجمع الجيش ذا الالوف فيغزو ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا تفسير : {انظُرْ} يا محمد {كَيفَ يَفْتَرُونَ} يحيكون على الله الكذب في تفسيرهم كتابه {وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً * أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} قرأ السلميّ: (ألم تره) في كلّ القرآن، وهي لغة قوم لا يكتفون من الجزم بحذف الحرف حتى يسكنوا حركته، كقول الشاعر: شعر : من يهدِه الله يهتدْ لا مضل له ومن أضل فما يهديه من هادي تفسير : {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ} اختلفوا فيهما، فقال عكرمة: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله. أبو عبيدة: هما كلّ معبود من حجر أو مدر أو صورة أو شيطان، يدل عليه قوله: {أية : أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} تفسير : [النحل: 36]، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} تفسير : [الزمر: 17]. عطية عن ابن عباس: الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام الذين يكونون بين أيديهم يفترون عنها الكذب ليضلوا النّاس، وقيل: الجبت: الأوثان، والطاغوت: شياطين الأصنام، لكل صنم شيطان يفسّر عنها فيغترّ بها النّاس. أبو عمرو الشّعبي ومجاهد: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. زيد بن أرقم: الجبت: الساحر، ويقال له: الجبس، قلبت سينه تاء، والطاغوت: الشيطان، يدلّ عليه قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} تفسير : [البقرة: 257]. قال محمد بن سيرين ومكحول: الجبت: الكاهن ، والطّاغوت: الساحر، وهو رواية الوالبي عن ابن عباس. سعيد بن جبير وأبو العالية، الجبت: شاعر بلسان الحبشة، والطّاغوت: الكاهن. عكرمة: كان أبو هريرة كاهناً في الجاهلية ممن أقرّ إليه ناس ممّن أسلم، فنزلت هذه الآية. الضحاك والكلبي ومقاتل: الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف ودليله قوله: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} تفسير : [النساء: 60] . حكى أبو القاسم الحسين، عن بعضهم أنّ الجبت إبليس، والطاغوت أولياؤه، عن قطر بن قيصيه، عن مخارق عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطرق والطيرة والعيافة من الجبت، والجبت كلّ ما حرّم الله، والطّاغوت هو ما يُطغي الإنسان ". تفسير : {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} قال المفسّرون: خرج كعب ابن الأشرف في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنّكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب ونحن أُمية، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، وإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل ذلك، فذلك قوله: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ} ثم قال كعب لأهل مكة: ليجئ منكم ثلاثون ومنّا ثلاثون فلنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد ربّ البيت لنجهدنَّ على قتال محمد ففعلوا ذلك، فلمّا فرغوا قال أبو سفيان: إنّك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أمّيون لا نعلم فأيّنا أهدى طريقاً وأقرب الى الحق؟ أنحن أم محمد؟ فقال كعب: اعرضوا عليَّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحاج الكرماء ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفكّ العاني ونصل الرحم ونعمّر بيت ربّنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث. فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا ممّا عليه محمد، فأنزل الله الآية {إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ}: يعني كعباً وأصحابه، يؤمنون بالجبت والطاغوت يعني الصنمين {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أبي سفيان وأصحابه: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا؛ محمد وأصحابه سبيلا أي ديناً. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً}. {أَمْ لَهُمْ} يعني ألهمْ، والميم صلة {نَصِيبٌ} حظ {مِّنَ ٱلْمُلْكِ} وهذا على وجه الإنكار، يعني ليس لهم من الملك شيء، ولو كان لهم من الملك {نَقِيراً} من حسدهم وبخلهم وبغضهم. رفع قوله (يؤتون) [.........]. وفي قراءة عبدالله: فإذاً لا يؤتوا الناس بالنصب [.........]. واختلفوا في النقير، فقال ابن عباس: هو النقطة في ظهر النواة، ومنها: [.......] مجاهد: حبّة النواة التي وسطها. الضحّاك: يعني النواة الأبيض الذي يكون وسطها. أبو العالية: هو نقر الرجل الشيء بطرف إصبعه، كما يُنقر الدرهم وقال: سألت ابن عباس عنه فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم رفعها وقال: هذا هو النقير.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا ينقلنا الحق من الأوامر، من العبادات وعدم الإشراك بالله،، من التحذير من النفقة رئاء الناس وأنه سبحانه لا يظلم أحداً وأننا كلنا سنجتمع أمامه يوم لا ظل إلا ظله، بعد ذلك أراد أن يصلنا به وصل العِبادية التي تجعلك تعلن ولاءك لله في كل يوم، خمس مرات، وسبحانه يريدك أن تقبل عليه بجماع عقلك وفكرك وروحك بحيث لا يغيب منك شيء. هو سبحانه يقول: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ ..} [النساء: 43] ولم يقل: لا تصلوا وأنتم سكارى؟ أي لا تقاربوا الصلاة ولا تقوموا إليها واجتنبوها، وفيه إشارة إلى ترك المسكرات، فما معنى {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ ..} [النساء: 43]؟ معنى ذلك أنهم إذا كانوا لا يقربون الصلاة إذا ما شربوا الخمر، فيكون تحريم المسكرات لم يأت به التشريع بعد، فقد مرّ هذا الأمر على مراحل؛ لأن الدين حينما جاء ليواجه أمة كانت على فترة من الرسل أي بعدت صلتها بالرسل، فيجيء إلى أمر العقائد فيتكلم فيها كلاماً حاسماً باتّاً لا مَرْحليَّة فيه، فالإيمان بإله واحد وعدم الشرك بالله هذه أمور ليس فيها مراحل، ولا هوادة فيها. لكن المسائل التي تتعلق بإلف العادة، فقد جاءت الأوامر فيها مرحلية. فلا نقسر ولا نكره العادة على غير معتادها بل نحاول أن نتدرج في المسائل الخاضعة للعادة ما دام هناك شيء يقود إلى التعود. إن الحق سبحانه وتعالى من رحمته بمن يشرع لهم جعل في مسائل العادة والرتابة مرحليات، فهذه مرحلة من المراحل: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ ..} [النساء: 43] والصلاة هي: الأقوال والأفعال المعروفة المبدوءة بالتكبير والمنتهية بالتسليم بشرائطها الخاصة، هذه هي الصلاة، اصطلاحياً في الإسلام وإن كانت الصلاة في المعنى اللغوي العام هي: مطلق الدعاء. و "سُكارى" جمع "سكران" وهو من شرب ما يستر عقله،، وأصل المسألة مأخوذة من السَّكرْ ما سد به النهر؛ فالماء حين ينساب يضعون سداً، هذا السد يمنع تدفق الماء، كذلك الخمر ساعة يشربها تمنع تدفق الفكر والعقل، فأخذ من هذا المعنى، {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ ..} [النساء: 43] المفهوم أن الصلاة تأخذكم خمسة أوقات للقاء الله، والسَّكر والخُمار؛ وهو ما يمكث من أثر المسْكِر في النفس، وما دام لن يقرب الصلاة وهو سكران فيمتنع في الأوقات المتقاربة بالنهار. إذن فقد حملهم على أن يخرقوا العادة بأوقات يطول فيها أمد الابتعاد عن السَّكَر. وما داموا قد اعتادوا أن يتركوها طوال النهار وحتى العشاء، فسيصلي الواحد منهم العشاء ثم يشرب وينام. إذن فقد مكث طوال النهار لم يشرب، هذه مرحلة من المراحل، وأوجد الحق سبحانه وتعالى في هذه المسألة مرحليات تتقبلها النفس البشرية. فأول ما جاء ليتكلم عن الخمر قال: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ..} تفسير : [النحل: 67]. ويلاحظ هنا أن "السَّكَر" مقدم، على الرزق الموصوف بالحسن، ففيه سكر وفيه رزق. كأنهم عندما كانوا يأكلون العنب أو البلح فهذا رزق، ووصف الله الرزق بأنه حسن. لكنهم كانوا أيضاً يأخذون العنب ويصنعون منه خمراً، فقدم ربنا "السَّكَرَ" لأنهم يفعلون ذلك فيه، ولكنه لم يصفه بالحسن، بل قال: {أية : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً ..} تفسير : [النحل: 67]، لكن كلمة رزق وُصفت بالحسن. بالله عندما نسمع {أية : سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ..} تفسير : [النحل: 67] ألا نفهم أن كونه سكراً يعني غير حسن، لأن مقابل الحسن: قبيح. وكأنه قال: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً أي شراباً قبيحاً ورزقاً حسناً، ولاهتمامكم أنتم بالسكر، قدمه، وبعد ذلك ماذا حدث؟ عندما يريد الحق سبحانه وتعالى أن يأتي بحكم تكون المقدمة له مثل النصيحة؛ فالنصيحة ليست حكماً شرعياً، والنصيحة أن يبين لك وأنت تختار، يقول الحق: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ..} تفسير : [البقرة: 219]. هو سبحانه شرح القضية فقط وأنت حر في أن تختار فقال: {أية : قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [البقرة: 219] ولكن الإثم أكبر من النفع، فهل قال لنا ماذا نفعل؟ لا؛ لأنه يريد أن يستأنس العقول لترجح من نفسها الحكم، وأن يصل الإنسان إلى الحكم بنفسه، فسبحانه قال: "وإثمهما أكبر من نفعهما" فما دام الإثم أكبر من النفع فما مرجحات البدائل؟ مرجحات البدائل تظهر لك حين تقارن بين بديلين ثم تعرف أقل البديلين شرّاً وأكثر البديلين خيراً. فحين يقول الحق: {أية : فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ..} تفسير : [البقرة: 219] إذن فهذه نصيحة، وما دامت نصيحة فالخير أن يتبعها الإنسان ويستأمن الله على نصيحته. لكن لا حكم هنا، فظل هناك ناس يشربون وناس لا يشربون، وبعد ذلك حدثت قصة من جاء يصلي وقرأ سورة الكافرون، ولأن عقله قد سدّ قال: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فوصلت المسألة ذروتها وهنا جاء الحكم فنحن لا نتدخل معك سواء سكرت أم لا، لكن سكرك لا يصح أن يؤدي بك أن تكفر في الصلاة، فلا تقرب الصلاة وأنت مخمور. هذا نهي، وأمر، وتكليف. {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ ..} [النساء: 43] وما دام لا نقرب الصلاة ونحن سكارى فسنأخذ وقتاً نمتنع فيه، إذن ففيه إلف بالترك، وبعد ذلك حدثت الحكاية التي طلبوا فيها أن يفتي الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الخمر، فقالوا للنبي: بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزل قوله الحق: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ ..} تفسير : [المائدة: 90]. إذن فقوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ ..} [النساء: 43]، مرحلة من مراحل التلطف في تحريم الخمر، فحرمها زمناً، هذا الزمن هو الوقت الذي يلقى الإنسان فيه ربه، إنّه أوضح لك: اعملها بعيداً، لكن عندما تأتيني فعليك أن تأتي بجماع فكرك وجماع عقلك، {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ..} [النساء: 43] فكأن هذه أعطتنا حكماً: أن الذي يسكر لا يعرف ماذا يقول، هذه واحدة، وما دام لا يعرف ما يقوله، إن كان في المسائل العادية فليقل ما يقول، إنما في العبادة وفي القرآن فلا يصح أن يصل إلى هذا الحدّ، وعندما تصل إلى هذا الحدّ يتدخل ربنا فيقول: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ..} [النساء: 43]. ثم جاء بحكم آخر: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ ..} [النساء: 43] ومعروف ما هي الجنابة: إنها الأثر الناتج عن التقاء الرجل بالمرأة. ويقال: إنها اللذة التي يغيب فيها الفكر عن خالقه، وهذه لذة يسمونها "جماع اللذات"؛ لأنها تعمل في البدن تلك الرعشة المخصوصة التي تأخذ خلاصات الجسم؛ ولذلك قيل: إنه نور عينيك ومخ ساقيك فأكثر منه أو أقلل يعني أنا أعطيك هذه القدرة وأنت حرّ ونحن نغتسل لنعيد النشاط إلى النفس البشرية، وليس لأحد شأن بهذه المسائل ما دامت تتم في ضوء شريعة الله وشأننا في ذلك أن نأتمر بأمر ربنا ونغتسل من الجنابة سواء فهمنا الحكمة من وراء ذلك أو لم نفهم. {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ ..} [النساء: 43] إذا كان المراد بالصلاة، فلا تقربوا الصلاة، بالسكر أو بالجنابة ولم يقل: "لا تصلوا". والصلاة مكانها المسجد، فقول: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً ..} [النساء: 43]، أي لا تقربوا الصلاة، والقرب عرضة أن يكون ذهاباً للمسجد، فكأنه يقول: لا تذهب إلا إذا كان المسجد لا طريق للماء إلا منه. {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ ..} [النساء: 43] أي كان عندكم عذر يمنع من الماء. {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ ..} [النساء: 43]، و "الغائط" هو: الأرض الوطيئة، الهابطة قليلاً، وكانوا يقضون فيها حاجاتهم،، وأصبح علماً على قضاء الحاجة، وكل واحد منا يكنى عنها بأشياء كثيرة فيقول واحد: أنا أريد أن أذهب إلى "بيت الماء" ويتساءل آخر أين "دورة المياه؟" وفي هذا تلطف في الإخبار عن عملية تستقذرها النفس؛ ولذلك نقول في العبارات الشائعة: أنا ذاهب - أعمل زي الناس - يعني أنا لست بدعاً أن أقضي حاجتي، فكل الناس تعمل هذا. فربنا سبحانه وتعالى يقول: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ..} [النساء: 43] ومن رحمة الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن لطف الحق بها أن التشريع جاء ليقبل عليه الإنسان؛ لأنه تشريع فلا تقل لي مثلاً: أنا أتوضأ لكي أنظف نفسي ولكننا نقول لك: هل تتوضأ لتنظف نفسك وعندما تفقد الماء تأتي بتراب لتضعه على وجهك؟ فلا تقل لي النظافة أو كذا، إنّه استباحة الصلاة بالشيء الذي فرضه الله، فقال لي: توضأ فإن لم تجد ماءً فتيمم، أينقلني من الماء الذي ينظف إلى أن أمسح كَفَّيَّ بالتراب ثم ألمس بهما وجهي؟! نعم؛ لأن المسألة أمر من الله فُهمت علّته أو لم تُفهم؛ ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "حديث : أعطيتُ خمساً لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجُعلت لي الأرض مسجداً طهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ". تفسير : {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ..} [النساء: 43]، أي أن تكون واثقاً أنه ليس عليه نجاسة، {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ..} [النساء: 43]، المسألة فيها "جنب" وفيها كذا وكذا، "وتيمم"، إذن فكلمة {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ..} [النساء: 43] ليس ذلك معناه أن التيمم خَلَف وبديل عن الوضوء فحسب، ففي الوضوء كنت أتمضمض، وكنت أستنشق، وكنت أغسل الوجه، وكنت أغسل اليدين، وأمسح الرأس والأذنين مثلاً، وأنا أتكلم عن الأركان والسنن، وفي هذه الآية يوضح الحق: ما دامت المسألة بصعيد طيب وتراب فذلك يصح سواء أكانت للحدث الأصغر أم للجنابة، إذن فيكفي أن تمسح بالوجه واليدين. {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ..} [النساء: 43]، وتساءل بعضهم: أهي ضربة واحدة نلمس بها الأرض أم ضربتان؟ نقول: سبحانه قال: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ..} [النساء: 43] وبعض العلماء قال: ضربة واحدة، وبعضهم قال: ضربتان وكلها تيسير. وهذا التخفيف مناسب لكلمة العفو، فيقول الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء: 43] ولكن ماذا حدث هنا ليذكر المغفرة؟ لأنه غفر وستر علينا المشقة في ضرورة البحث عن الماء ويسر ورخص لنا في التيمم. ويقول الحق بعد ذلك: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: حدثنا أَبو جعفر الرازي، عن زيد بن أَسلم، عن عطاءِ بن يسار، عن ابن عباس: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} [الآية: 43]. قال: يعني لا تدخل المسجد وأَنت جنب إِلا أَن يكون طريقك فيه، فتمر فيه ولا تجلس. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} [الآية: 43] يعني: مسافرين لا يجدون الماءَ فيتيممون ويصلون. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن، الملامة: الجماع [الآية: 43]. / 14ظ / أَنبا أَبو القاسم، عبد الرحمن بن الحسن بن أَحمد بن عبيد. القاضي الهمذاني، قراءَة عليه، قال: حدثنا إِبراهيم بن الحسن بن علي الكسائي، قال: ثنا آدم بن أَبي إِياس قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [الآية: 46]. يعني تبديل اليهود التوراة. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [الآية: 46] أَي سمعنا ما تقول يا محمد فلا نطيعك. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} [الآية: 46]. يقول: غير مقبول ما تقول يا محمد. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَرَاعِنَا} [الآية: 46] يقول: خلافاً لقولك يا محمد {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} أَي يلوون أَلسنتهم. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} [الآية: 47] قال: عن صراط الحق، {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ} يعني في الضلالة. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱنْظُرْنَا} [الآية: 46]: أَفهمنا بيّن لنا.
الصابوني
تفسير : [5] حرمة الصلاة على السكران والجنب التحليل اللفظي {سُكَٰرَىٰ}: قال في "اللسان": السّكر نقيض الصحو، وأسكره الشراب، والجمع سُكارى وسَكْرى، شبّه بالنّوْكى، والحمقى، والهلْكَى لزوال عقل السكران. وقال الراغب: السّكْر حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل في الشراب، وقد يعتري من الغضب والعشق ولذلك قال الشاعر: شعر : سُكْرانِ سُكْرُ هَوى وسكرُ مُدام تفسير : وأصل السُّكْر من السِّكْر وهو سد مجرى الماء، فبالسّكْر ينسد طريق المعرفة، وسكرةُ الموت شدته. {جُنُباً}: الجنب اسم يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع يقال: رجل جنب، ورجال جنب، وأصل الجنابة البعد، ويقال للذي يجب عليه الغسل من حدث الجنابة جنب، لأن جنابته تبعده عن الصلاة وعن المسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر. {عَابِرِي سَبِيلٍ}: العابر من العبور يقال: عبرت النهر والطريق إذا قطعته من الجانب إلى الجانب الآخر، السبيلُ: الطريقُ ويراد يعابر السبيل المسافر، أو الذي يعبر بالمسجد أي يمر به. {ٱلْغَآئِطِ}: الغائط المكان المطئن من الأرض، وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب منخفضاً من الأرض ليغيب عن عيون الناس، ثمّ كثر ذلك حتى قالوا للحدث غائطاً، فكنّوا به عن الحدث تسمية للشيء باسم مكانه. {لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ}: اللمس حقيقته المس باليد، وإذا أضيف إلى النساء يراد به الجماع، وقد كثر هذا الاستعمال في لغة العرب، والقرآن قد كنى بالمباشرة والمس عن الجماع في آيات عديدة قال تعالى: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 3] وقال تعالى: {أية : وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} تفسير : [البقرة: 187]. {فَتَيَمَّمُواْ}: التيمم في اللغة: القصد يقال: تيممته برمحي أي قصدته دون غيره، وأنشد الخليل: شعر : يمّمتُه الرمح شَزْراً ثم قلتُ له هذي البسالةُ لا لعبُ الزحاليق تفسير : وتيمّم البلدة قصد التوجه إليها قال الشاعر: شعر : وما أدري إذا يمّمتُ أرضاً أريدُ الخير أيّهما يليني تفسير : وفي الشرع: مسح الوجه واليدين بالتراب بقصد الطهارة، وقد جمع الشاعر المعنيين بقوله: شعر : تيمّمتُكُم لمّا فقدتُ أولي النّهى ومن لم يجد (ماءً) تيمَّمَ بالترب تفسير : {صَعِيداً طَيِّباً}: قال الزجاج: الصعيد وجه الأرض تراباً كان أو غيره، قال تعالى {أية : وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} تفسير : [الكهف: 8] وقال تعالى: {أية : فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} تفسير : [الكهف: 40] أي أرضاً ملساء تنزلق عليها الأقدام، وسمي صعيداً لأنه يصعد من الأرض. قال صاحب "القاموس": الصعيد التراب، ووجه الأرض. قال ابن قتيبة: ومعنى {صَعِيداً طَيِّباً} أي تراباً نظيفاً. {فَٱمْسَحُواْ}: قال في "اللسان": المسحُ إمرارك يدك على الشيء تريد إذهابه، كمسحك رأسك من الماء، وجبينك في الرّشح، مسحه مسحاً وتمسَّح منه وبه. {عَفُوّاً غَفُوراً}: أي مسامحاً لعباده، متجاوزاً عمّا صدر منهم من خطأٍ وتقصير. المعنى الإجمالي نهى الله عباده المؤمنين عن أداء الصلاة في حالة السكر، لأن هذه الحالة لا يتأتى معها الخشوع والخضوع بمناجاته تعالى بكتابه وذكره ودعائه، وقد كان هذا قبل أن تحرم الخمر، وكان تمهيداً لتحريمه تحريماً باتاً، إذ لا يأمن من شرب الخمر في النهار أن تدركه الصلاة وهو سكران، وقد ورد أنهم كانوا بعد نزولها يشربون بعد العشاء فلا يصبحون إلا وقد زال عنهم السكر. والمعنى: يا أيها المؤمنون لا تصلوا في حالة السكر حتى تعلموا ما تقولون وتقرؤون في صلاتكم، ولا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلاّ إذا كنتم مسافرين فإذا اغتسلتم فصلوا. وإن كنتم مرضى ويضركم استعمال الماء، أو مسافرين ولم تجدوا الماء، أو أحدثتم ببول أو غائط حدثاً أصغر، أو غشيتم النساء حدثاً أكبر، ولم تجدوا ماءً تتطهرون به، فاقصدوا صعيداً طيباً من وجه الأرض فتطهروا به، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ثم صلوا، ذلك رحمة من ربكم وتيسير عليكم، لأن الله يريد بكم اليسر، وكان الله عفواً غفوراً. سبب النزول روى الترمذي عن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه أنه قال: "صنع لنا (عبد الرحمٰن بن عوف) طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون" قال، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال الفخر الرازي: فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر، ثم نزل تحريمها على الإطلاق في المائدة. وجوه القراءات قرأ الجمهور {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} وقرأ حمزة والكسائي (لَمَسْتُم النّسَاءَ) بغير ألف. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ} مبتدأ وخبر والجملة حال من ضمير الفاعل في تقربوا. 2 - قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً} صعيداً مفعول تيمموا أي قصدوا صعيداً، وقيل منصوب بنزع الخافض أي بصعيد. 3 - قوله تعالى: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ} قال العكبري: الباء زائدة أي امسحوا وجوهكم به. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ورد التعبير بالنهي عن قربان الصلاة في حالة السكر {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ} والنهي بهذه الصيغة أبلغ من قوله: "لا تصلوا وأنتم سكارى" فإذا حرم قربان الصلاة ففعلها وأداوها يكون ممنوعاً من باب أولى فهو كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 32] وقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [الأنعام: 152]. قال أبو السعود: "وتوجيه النهي إلى قربان الصلاة مع أن المراد هو النهي عن إقامتها للمبالغة في ذلك، وقيل: المراد النهي عن قربان المساجد ويأباه قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}. اللطيفة الثانية: التدرج في تحريم الخمر بهذه الطريقة الحكيمة التي سلكها القرآن الكريم برهان ساطع على عظمة الشريعة الغراء، فإن العرب كانوا يشربون الخمر كما يشرب أحدنا الماء الزلال، فلو حرّمت عليهم دفعة واحدة لثقل عليهم تركها، ولما أمكن اقتلاع جذورها من قلوبهم، وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "أول ما نزل من القرآن آيات من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، فلما ثاب الناس للإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول ما نزل لا تشربوا الخمرة لقالوا: لا ندع الخمرة أبداً". اللطيفة الثالثة: التعليل بقوله تعالى: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} فيه إشارة لطيفة إلى أن المصلي ينبغي عليه أن يكون خاشعاً في صلاته يعرف ما يقوله من تلاوة، وذكر، وتسبيح، وتمجيد، فقد نهى سبحانه السكران عن الصلاة لأنه فاقد التمييز لا يعرف ماذا قرأ؟ فإذا لم يعرف المصلي المستغرق بهموم الدنيا كم صلى، وماذا قرأ؟ فقد أشبه السكران، ولهذا ورد عن بعضهم تفسير السكر بأنه السكر من النوم والنعاس، وهو صحيح في المعنى ولكنه بعيد في التفسير لا يناسبه سبب النزول. اللطيفة الرابعة: طريقة القرآن الكريم (الكناية) عمّا لا يحسن التصريح به من الألفاظ، وهذا أدب من آداب القرآن لإرشاد الأمة إلى سلوكه عند تخاطبهم، فقد كنّى عن الحدث بالمجيء من الغائط، والغائط هو المكان المنخفض من الأرض يقصده الإنسان لقضاء حاجته تستراً واستخفاءً عن الأبصار، ثم صار حقيقة عرفية في الحدث لكثرة الاستعمال، وملامسة النساء كناية عن غشيانهن ومجامعتهن، ولمّا كان لفظ الجماع لا يجمل التصريح به فقد أورده بالكناية {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ}. ففي الآية الكريمة كنايتان وهما من لطيف العبارة ورائع البيان. اللطيفة الخامسة: قال في "البحر المحيط": "وفي الآية تغليب الخطاب، إذ قد اجتمع خطاب وغيبة فالخطاب {كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ} و{لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} والغيبة قوله: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ} وما أحسن ما جاءت هذه الغيبة لأنه لما كنّى عن الحاجة بالغائط كره إسناد ذلك إلى المخاطبين، فنزع به إلى لفظ الغائب بقوله: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ} وهذا من أحسن الملاحظات، وأجمل المخاطبات، ولمّا كان المرض والسفر ولمس النساء لا يفحش الخطاب بها جاءت على سبيل الخطاب" فتدبر هذا السر الدقيق. اللطيفة السادسة:حديث : روي أن الصحابة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وانقطع عقد لعائشة رضي الله عنها، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم على التماسه والناس معه وليس معهم ماء، فأغلظ (أبو بكر) على عائشة وقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليس معهم ماء؟ فنزلت الآية، فلما صلّوا بالتيمم وأرادوا السير بعثوا الجمل فوجدوا العقد تحتهتفسير : ، فقال (أسيد بن حضير) ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، يرحمك الله يا عائشة فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً وفرجاً. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد من قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ}؟ اختلف العلماء في المراد من الصلاة في الآية الكريمة، فذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بها حقيقة الصلاة، وهو مذهب (أبي حنيفة) ومروي عن (علي) و(مجاهد) و(قتادة). وذهب بعض العلماء إلى أن المراد مواضع الصلاة وهي المساجد، وأن الكلام على حذف مضاف، وهو مذهب (الشافعي) ومروي عن ابن مسعود، وأنس، وسعيد بن المسيب. استدل الفريق الأول بأنّ الله تعالى قال: {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} فإنه يدل على أن المراد لا تقربوا نفس الصلاة، إذ المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع منه السكر، أما الصلاة ففيها أقوال مشروعة من قراءة، ودعاءٍ، وذكر، يمنع منها السكر، فكان الحمل على ظاهر اللفظ أولى. واستدل الفريق الثاني بأن القرب والبعد أولى أن يكون في المحسوسات فحمله على المسجد أولى، ولأنّا إذا حملناه على الصلاة لم يصحّ الاستثناء في قوله {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} وإذا قلنا إن المراد به المسجد صح الاستثناء، وكان المراد به النهي عن دخول الجنب للمسجد إلا في حالة العبور. فسرّ الحنفية (عابر السبيل) بأن المراد به المسافر الذي لا يجد الماء فإنه يتيمم ويصّلي، وقد اختار الطبري القول الأول وهو الظاهر المتبادر لأن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله على الحقيقة أولى. ويؤيد ذلك ما ورد في سبب النزول. قال في "تفسير المنار": "والمراد بالصلاة حقيقتها لا موضعها وهو المساجد كما قال الشافعية، والنهي عن قربانها دون مطلق الإتيان بها لا يدل على إرادة المسجد، إذ النهي عن قربان العمل معروف في الكلام العربي، وفي التنزيل خاصة {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 32] والنهي عن العمل بهذه الصيغة يتضمن النهي عن مقدماته". وثمرة الخلاف بين الفريقين تظهر في حكم شرعي وهو هل يحل للجنب دخول المسجد؟ فعلى الرأي الأول لا يكون في الآية نص على الحرمة وإنما تثبت الحرمة بالسنة المطهرة كقوله عليه السلام: "حديث : فإني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض"تفسير : وغير ذلك من الأدلة. وعلى الرأي الثاني تكون الآية نصاً في حرمة دخول الجنب للمسجد إلا في حالة العبور فإنه يجوز له أن يعبر دون أن يمكث. الحكم الثاني: ما هي الأسباب المبيحة للتيمم؟ ذكرت الآية الكريمة أسباب التيمم وهي أربعة (المرض، السفر، المجيء من الغائط، ملامسة النساء) فالسفر يبيح التيمم عند عدم الماء، والمرض أياً كان نوعه مبيح للتيمم عند عدم الماء، وكذلك ملامسة النساء، والمجيء من الغائط عند عدم الماء، لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} فهذا القيد راجع إلى الكل، فالغالب في المسافر ألا يجد الماء، والمريض الذي يخشى على نفسه الضرر يباح له التيمم لأنه مع وجود الماء قد لا يستطيع الاستعمال فيكون كالفاقد للماء، فهو كمن يجد ماء في قعر بئر يتعذر عليه الوصول إليه فهو عادم للماء حكماً، ويدل عليه ما ورد في السنة المطهرة من حديث جابر رضي الله عنه قال: "حديث : خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منّا حجرٌ فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العيّ السؤال ". تفسير : ويدل عليه أيضاً ما روي حديث : عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29] فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً" . تفسير : قال ابن تيمية: في حديث عمرو من العلم أن التمسك بالعمومات حجة صحيحة. بقي أنه ما الفائدة إذاً من ذكر السفر والمرض في جملة الأسباب ما دام المسافر والمريض والمقيم والصحيح، كلهم على السوء لا يباح لهم التيمم إلا عند فقد الماء؟ أجاب المفسّرون عن ذلك بأن المسافر لمّا كان غالب حاله عدم وجود الماء جاء ذكره كأنه فاقد الماء، وأما المريض فاللفظ يشعر بأن المرض له دخل في السببية والله أعلم. الحكم الثالث: ما المراد بالملامسة في الآية الكريمة؟ اختلف السلف رضوان الله عليهم في المراد من الملامسة في قوله تعالى: {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} فذهب علي، وابن عباس، والحسن إلى أن المراد به الجماع، وهو مذهب الحنفية. وذهب ابن مسعود، وابن عمر، والشعبي إلى أن المراد به اللمس باليد، وهو مذهب الشافعية. قال ابن جرير الطبري: "وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، ثم روى عن عائشة قالت: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبّل، ثم يصلي"تفسير : ، وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة: قلتُ: من هي إلاّ أنت؟ فضحكت". وقد اختلف الفقهاء في مسّ المرأة هل هو ناقض للوضوء أم لا؟ على أقوال. أ - فذهب أبو حنيفة إلى أن مسّ المرأة غير ناقض للوضوء سواءً كان بشهوة أم بغير شهوة. ب - وذهب الشافعي إلى أن مسّ المرأة ناقض للوضوء بشهوة أم بغير شهوة. جـ - وذهب مالك إلى أن المسّ إن كان بشهوة انتقض الوضوء، وإن كان بغير شهوة لم ينتقض. دليل الحنفية: استدل أبو حنيفة بأن المسّ ليس بحدث بما روي عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبّل نساءه ثم يصلي ولا يتوضأ. واستدل أيضاً بما روي عن عائشة أنها طلبت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، قالت: فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو ساجد يقول: أعوذ برضاك من سخطك... وأما الآية فهي كناية عن الجماع كما نقل عن ابن عباس، واللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد إلاّ أنه قد عهد في القرآن استعماله بطريق الكناية مثل قوله تعالى: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} تفسير : [البقرة: 237] وقوله: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 3]. دليل الشافعية: واستدل الشافعي بظاهر الآية الكريمة فقال: إن اللمس حقيقة في المس باليد، وفي الجماع مجاز أو كناية، والأصل حمل الكلام على حقيقته، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وقد ترجح ذلك بالقراءة الثانية {أو لمستم النساء} فكان حمله على ما قلنا أولى. قال الإمام ابن رشد في "بداية المجتهد": "وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم اللمس في كلام العرب، فإن العرب تطلقه مرة على اللمس الذي هو باليد، ومرة تكني به عن الجماع، فذهب قوم إلى أن اللمس الموجب للطهارة هو الجماع في قوله {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} وذهب آخرون إلى أنه اللمس باليد، وقد احتج من أوجب الوضوء من اللمس باليد بأن اللمس ينطلق حقيقة على اللمس باليد، وينطلق مجازاً على الجماع، وإذا تردّد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فالأولى أن يحمل على الحقيقة حتى يدل الدليل على المجاز. وقال الآخرون: إن المجاز إذا كثر استعماله كان أدل على المجاز منه على الحقيقة، كالحال في اسم "الغائط" الذي هو أدل على الحدث الذي هو مجاز منه على المطمئن من الأرض الذي هو فيه حقيقة. ثم قال: والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على المعنيين إلاّ أنه أظهر عندي في الجماع، وإن كان مجازاً لأن الله تعالى قد كنى بالمباشرة والمس عن الجماع وهما في معنى اللمس". الترجيح: ولعل هذا الرأي يكون أرجح، لأنّ به يمكن التوفيق بين الآية الكريمة والآثار السابقة، ولأنه قد تعورف عند إضافة المس إلى النساء معنى الجماع، حتى كاد يكون ظاهراً فيه، كما أن الوطء حقيقته المشي بالقدم، فإذا أضيف إلى النساء لم يفهم منه غير الجماع والله أعلم. الحكم الرابع: ما المراد بالصعيد الطيب في الآية الكريمة؟ اختلف أهل اللغة في معنى الصعيد فقال بعضهم: إنه التراب، وقال بعضهم: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره، وقال آخرون: هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غراس. وبناءً على هذا الاختلاف اللغوي اختلف الفقهاء فيما يصح به التيمم. أ - فقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بالتراب وبالحجر وبكل شيء من الأرض ولو لم يكن عليه تراب. ب - قال الشافعي: بل لا بدّ من التراب الذي يلتصق بيده، فإذا لم يوجد التراب لم يصح التيمم. حجة أبي حنيفة: احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال: التيمم هو القصد، والصعيد ما تصاعد من الأرض فقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} أي اقصدوا أرضاً طاهرة، فوجب أن يكون هذا القدر كافياً، واشترط تلميذه (أبو يوسف) أن يكون المتيمَم به تراباً أو رملاً. حجة الشافعي: واحتج الشافعي من جهتين: الأول أن الله تعالى أوجب كون الصعيد طيباً، والأرض الطيبة هي التي تُنبت، بدليل قوله تعالى: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} تفسير : [الأعراف: 58] فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة. والثاني: أن الآية مطلقة هنا، ومقيدة في سورة المائدة بكلمة (منه) في قوله تعالى: {أية : فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} تفسير : [المائدة: 6] وكلمة (من) للتبعيض، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه فوجب ألا يصح التيمم إلا بالتراب. الترجيح: ولعل ما ذهب إليه الشافعية يكون أرجح لا سيما وقد خصصه النبي عليه السلام به في قوله: "حديث : التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء ". تفسير : ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - تحريم الصلاة على السكران حال السكر حتى يصحو ويعود إليه رشده. 2 - تحريم الصلاة وقراءة القرآن ودخول المسجد على الجنب حتى يغتسل. 3 - المريض والمسافر والمحدث حدثاً أصغر أو أكبر يجوز لهم التيمم إذا فقدوا الماء. 4 - التراب طهور المسلم عند فقد الماء ولو دام ذلك سنين عديدة. 5 - التيمم يكون بمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بالتراب الطاهر.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} والمُلاَمَسَةُ: الجمَاعُ. تفسير : وقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} فالتَّيمّمُ: التعمدُ. والصَّعِيدُ: وَجهُ الأَرضِ. والطِّيبُ: النَّظيفُ. تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} فالغَائِطُ: الفَتحُ مِنَ الأَرضِ المُتصوِّبُ: أَي المُتَحَدِرُ. وأَرادَ بِهِ لكنايَةُ عَنْ حَاجَةِ ذِي البَطنِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، حتى يعلموا ما يقولون، وهذا شامل لقربان مواضع الصلاة، كالمسجد، فإنه لا يمكَّن السكران من دخوله. وشامل لنفس الصلاة، فإنه لا يجوز للسكران صلاة ولا عبادة، لاختلاط عقله وعدم علمه بما يقول، ولهذا حدد تعالى ذلك وغياه إلى وجود العلم بما يقول السكران. وهذه الآية الكريمة منسوخة بتحريم الخمر مطلقا، فإن الخمر -في أول الأمر- كان غير محرم، ثم إن الله تعالى عرض لعباده بتحريمه بقوله: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا }. ثم إنه تعالى نهاهم عن الخمر عند حضور الصلاة كما في هذه الآية، ثم إنه تعالى حرمه على الإطلاق في جميع الأوقات في قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } الآية. ومع هذا فإنه يشتد تحريمه وقت حضور الصلاة لتضمنه هذه المفسدة العظيمة، بعد حصول مقصود الصلاة الذي هو روحها ولبها وهو الخشوع وحضور القلب، فإن الخمر يسكر القلب، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويؤخذ من المعنى منع الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا يشعر صاحبه بما يقول ويفعل، بل لعل فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل يشغل فكره، كمدافعة الأخبثين والتوق لطعام ونحوه كما ورد في ذلك الحديث الصحيح. ثم قال: { وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ } أي: لا تقربوا الصلاة حالة كون أحدكم جنبا، إلا في هذه الحال وهو عابر السبيل أي: تمرون في المسجد ولا تمكثون فيه، { حَتَّى تَغْتَسِلُوا } أي: فإذا اغتسلتم فهو غاية المنع من قربان الصلاة للجنب، فيحل للجنب المرور في المسجد فقط. { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا }. فأباح التيمم للمريض مطلقًا مع وجود الماء وعدمه، والعلة المرض الذي يشق معه استعمال الماء، وكذلك السفر فإنه مظنة فقد الماء، فإذا فقده المسافر أو وجد ما يتعلق بحاجته من شرب ونحوه، جاز له التيمم. وكذلك إذا أحدث الإنسان ببول أو غائط أو ملامسة النساء، فإنه يباح له التيمم إذا لم يجد الماء، حضرًا وسفرًا كما يدل على ذلك عموم الآية. والحاصل: أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين: حال عدم الماء، وهذا مطلقا في الحضر والسفر، وحال المشقة باستعماله بمرض ونحوه. واختلف المفسرون في معنى قوله: { أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ } هل المراد بذلك: الجماع فتكون الآية نصا في جواز التيمم للجنب، كما تكاثرت بذلك الأحاديث الصحيحة؟ أو المراد بذلك مجرد اللمس باليد، ويقيد ذلك بما إذا كان مظنة خروج المذي، وهو المس الذي يكون لشهوة فتكون الآية دالة على نقض الوضوء بذلك؟ واستدل الفقهاء بقوله: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } بوجوب طلب الماء عند دخول الوقت، قالوا: لأنه لا يقال: "لم يجد" لمن لم يطلب، بل لا يكون ذلك إلا بعد الطلب، واستدل بذلك أيضا على أن الماء المتغير بشيء من الطاهرات يجوز بل يتعين التطهر به لدخوله في قوله: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } وهذا ماء. ونوزع في ذلك أنه ماء غير مطلق وفي ذلك نظر. وفي هذه الآية الكريمة مشروعية هذا الحكم العظيم الذي امتن به الله على هذه الأمة، وهو مشروعية التيمم، وقد أجمع على ذلك العلماء ولله الحمد، وأن التيمم يكون بالصعيد الطيب، وهو كل ما تصاعد على وجه الأرض سواء كان له غبار أم لا ويحتمل أن يختص ذلك بذي الغبار لأن الله قال: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } وما لا غبار له لا يمسح به. وقوله: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ } هذا محل المسح في التيمم: الوجه جميعه واليدان إلى الكوعين، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، ويستحب أن يكون ذلك بضربة واحدة، كما دل على ذلك حديث عمار، وفيه أن تيمم الجنب كتيمم غيره، بالوجه واليدين. فائدة : اعلم أن قواعد الطب تدور على ثلاث قواعد: حفظ الصحة عن المؤذيات، والاستفراغ منها، والحمية عنها. وقد نبه تعالى عليها في كتابه العزيز. أما حفظ الصحة والحمية عن المؤذي، فقد أمر بالأكل والشرب وعدم الإسراف في ذلك، وأباح للمسافر والمريض الفطر حفظا لصحتهما، باستعمال ما يصلح البدن على وجه العدل، وحماية للمريض عما يضره. وأما استفراغ المؤذي فقد أباح تعالى للمحْرِم المتأذي برأسه أن يحلقه لإزالة الأبخرة المحتقنة فيه، ففيه تنبيه على استفراغ ما هو أولى منها من البول والغائط والقيء والمني والدم، وغير ذلك، نبه على ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى. وفي الآية وجوب تعميم مسح الوجه واليدين، وأنه يجوز التيمم ولو لم يضق الوقت، وأنه لا يخاطب بطلب الماء إلا بعد وجود سبب الوجوب والله أعلم. ثم ختم الآية بقوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا } أي: كثير العفو والمغفرة لعباده المؤمنين، بتيسير ما أمرهم به، وتسهيله غاية التسهيل، بحيث لا يشق على العبد امتثاله، فيحرج بذلك. ومن عفوه ومغفرته أن رحم هذه الأمة بشرع طهارة التراب بدل الماء، عند تعذر استعماله. ومن عفوه ومغفرته أن فتح للمذنبين باب التوبة والإنابة ودعاهم إليه ووعدهم بمغفرة ذنوبهم. ومن عفوه ومغفرته أن المؤمن لو أتاه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه لا يشرك به شيئا، لأتاه بقرابها مغفرة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 221 : 47 : 26 - سفين عن عطاء بن السايب عن أبي عبد الرحمن السلمي إن رجلاً من الانصار صنع طعاماً. فدعا عليا وعبد الرحمن بن عوف وناساً من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم. فسقاهم الخمر، فلما حضرت المغرب، قدموا علياً. فقرأ {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [الكافرون: 1]. فخلط فيها. فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}. [الآية 43].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ} [43] 126- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا أبو داود، نا سفيان، عن علي ابن بَذيمة، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ} قال نسختها {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}تفسير : الآية [المائدة: 6]. قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} [43] 127- أنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقدٌ لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم / وبالناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي قد نام، فقال: أحبست رسول الله والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي فما يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله عز وجل آية التيمم {فَتَيَمَّمُواْ} قال أُسيد بن حُضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قال: فبعثنا البعير الذي كُنتُ عليه، فوجدنا العقد تحته . تفسير : ذيل التفسير قوله تعالى: [{لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ} [43]] 11/ 746- (عن) عمرو بن علي، (عن) ابن مهدي، (عن) سفيان، (عن) عطاء بن السائب، (عن) أبي عبد الرحمن السُّلمي، (عن) علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رجلا من الأنصار دعاه وعبد الرحمن ابن عوف، فسقاهما قبل أن تُحرَّم الخمر، فأمَّهم علي في المغرب فقرأ {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [الكافرون: 1] فخلط فيها، فنزلت {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}.
همام الصنعاني
تفسير : 591- عبد الرزاق قال: أنبأنا معْمر، عن قتادة في قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ}: [الآية: 43]، قال: كانوا يجتنبون السكر عند حُضُورِ الصَّلاة ثم نسخت في تحريم الخمر. 592- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعمَر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}: [الآية: 43]، قال: هو الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة، فَيَتيمَّمُ ويُصَلِّي. 593- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، قال: أخبرني عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسْعودٍ عن أبيه قال: هو الممر في المسجد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):