٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر من أول هذه السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من التكاليف والأحكام الشرعية، قطع ههنا ببيان الأحكام الشرعية، وذكر أحوال أعداء الدين وأقاصيص المتقدمين، لأن البقاء في النوع الواحد من العلم مما يكل الطبع ويكدر الخاطر، فأما الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع آخر، فإنه ينشط الخاطر ويقوي القريحة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أَلَمْ تَرَ } معناه: ألم ينته علمك إلى هؤلاء، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [البقرة: 258] وحاصل الكلام أن العلم اليقيني يشبه الرؤية، فيجوز جعل الرؤية استعارة عن مثل هذا العلم. المسألة الثانية: الذين أوتوا نصيبا من الكتاب: هم اليهود، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله بعد هذه الآية: {أية : مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } تفسير : [النساء: 46] متعلق بهذه الآية. الثاني: روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود، كانا يأتيان رأس المنافقان عبدالله بن أبي ورهطه فيثبطونهم عن الإسلام. الثالث: أن عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة النصارى بنص القرآن، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى. المسألة الثالثة: لم يقل تعالى: انهم أوتوا علم الكتاب، بل قال: {أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى عليه السلام، ولم يعرفوا منها نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأما الذين أسلموا كعبدالله بن سلام وعرفوا الأمرين، فوصفهم الله بأن معهم علم الكتاب، فقال:{أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 43] والله أعلم. المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين: الضلال والإضلال، أما الضلال فهو قوله: {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ } وفيه وجوه: الأول: قال الزجاج: يؤثرون تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم الرياسة، وإنما ذكر ذلك بلفظ الاشتراء لأن من اشترى شيئا آثره. الثاني: أن في الآية إضمارا، وتأويله: يشترون الضلالة بالهدى كقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة: 16] أي يستبدلون الضلالة بالهدى، ولا إضمار على قول الزجاج. الثالث: المراد بهذه الآية عوام اليهود، فانهم كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم ويطلبون منهم أن ينصروا اليهودية ويتعصبوا لها، فكانوا جارين مجرى من يشتري بماله الشبهة والضلالة، ولا إضمار على هذا التأويل أيضا، ولكن الأولى أن تكون الآية نازلة في علمائهم، ثم لما وصفهم تعالى بالضلال وصفهم بعد ذلك بالإضلال فقال: {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ } يعني أنهم يتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم؛ لكي يخرجوا عن الإسلام. واعلم أنك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعني الضلال والإضلال. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ } أي هو سبحانه أعلم بكنه ما في قلوبهم وصدورهم من العداوة والبغضاء. ثم قال تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً } والمعنى أنه تعالى لما بين شدة عداوتهم للمسلمين، بين أن الله تعالى ولي المسلمين وناصرهم، ومن كان الله وليا له وناصرا له لم تضره عداوة الخلق، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: ولاية الله لعبده عبارة عن نصرته له، فذكر النصير بعد ذكر الولي تكرارا. والجواب: أن الولي المتصرف في الشيء، والمتصرف في الشيء لا يجب أن يكون ناصرا له فزال التكرار. السؤال الثاني: لم لم يقل: وكفى بالله وليا ونصيرا؟ وما الفائدة في تكرير قوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ }. والجواب: أن التكرار في مثل هذا المقام يكون أشد تأثيرا في القلب وأكثر مبالغة. السؤال الثالث: ما فائدة الباء في قوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً }. والجواب: ذكروا وجوها، الأول: لو قيل: كفى الله، كان يتصل الفعل بالفاعل. ثم ههنا زيدت الباء إيذانا أن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره في الرتبة وعظم المنزلة. الثاني: قال ابن السراج: تقدير الكلام: كفى اكتفاؤك بالله وليا، ولما ذكرت «كفى» دل على الاكتفاء، لأنه من لفظه، كما تقول: من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شراً له، فأضمرته لدلالة الفعل عليه. الثالث: يخطر ببالي أن الباء في الأصل للإلصاق، وذلك إنما يحسن في المؤثر الذي لا واسطة بينه وبين التأثير، ولو قيل: كفى الله، دل ذلك على كونه تعالى فاعلا لهذه الكفاية، ولكن لا يدل ذلك على أنه تعالى يفعل بواسطة أو بغير واسطة، فإذا ذكرت حرف الباء دل على أنه يفعل بغير واسطة، بل هو تعالى يتكفل بتحصيل هذا المطلوب ابتداء من غير واسطة أحد، كما قال: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [قۤ: 16].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} إلى قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} الآية. نزلت في يهود المدينة وما وَالاها. قال ٱبن إسحاق: وكان رِفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهودَ، إذا كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوّى لسانه وقال: أرْعِنا سمَعْك يا محمد حتى نفهمك؛ ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله عز وجل {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} إلى قوله {قَلِيلاً}. ومعنى {يَشْتَرُونَ} يستبدلون فهو في موضع نصب على الحال، وفي الكلام حذف تقديره يشترون الضلالة بالهدى؛ كما قال تعالى { أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة: 16] قاله القتبيّ وغيره. {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} عطف عليه، والمعنى تضِلوا طريق الحق. وقرأ الحسن: «تُضَلُّوا» بفتح الضاد أي عن السبيل. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} يريد منكم؛ فلا تستصحبوهم فإنهم أعداؤكم. ويجوز أن يكون «أعلم» بمعنى عليم؛ كقوله تعالى { أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } تفسير : [الروم: 27] أي هيّن. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً} الباء زائدة؛ زيدت لأن المعنى ٱكتفوا بالله فهو يكفيكم أعداءكم. و «وَلِيّاً» و «نَصِيراً» نصب على البيان، وإن شئت على الحال. قوله تعالى: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} قال الزجاج: إن جُعلت {مِّنَ} متعلقة بما قبل فلا يوقف على قوله {نَصِيراً}، وإن جعلت منقطعة فيجوز الوقف على {نَصِيراً} والتقدير من الذين هادوا قوم يحرّفون الكلم؛ ثم حذف. وهذا مذهب سيبويه، وأنشد النحويون: شعر : لو قلت ما في قومها لم تيثَمِ يفضُلها في حسبٍ وَمَبْسِمِ تفسير : قالوا: المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضُلها؛ ثم حذف. وقال الفراء: المحذوف {مِّنَ} المعنى: مِن الذين هادوا مَن يحرّفون. وهذا كقوله تعالى: { أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] أي مَن له. وقال ذو الرُّمَّة: شعر : فظَلّوا ومِنهم دَمْعُه سابقٌ له وآخر يُذْرِي عَبْرةَ العَيْن بالهَمْلِ تفسير : يريد ومنهم مَن دمعه، فحذف الموصول. وأنكره المبرّد والزجاج؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميّ وإبراهيم النَّخَعِيّ «الكَلاَمَ». قال النحاس: و «الكَلِم» في هذا أوْلى؛ لأنهم إنما يحرّفون كلم النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو ما عندهم في التوراة وليس يحرّفون جميع الكلام، ومعنى {يُحَرِّفُونَ} يتأوّلونه على غير تأويله. وذَمّهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين. وقيل: {عَن مَّوَاضِعِهِ} يعني صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} أي سمعنا قولك وعصينا أمرك. {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} قال ٱبن عباس: كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ٱسمع لا سمعتَ، هذا مرادهم ـ لعنهم الله ـ وهم يظهرون أنهم يريدون ٱسمع غير مسمَع مكروها ولا أذًى. وقال الحسن ومجاهد: معناه غير مسمع منك، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول. قال النحاس: ولو كان كذلك لكان غير مسموعٍ منك. وتقدّم القول في {وَرَاعِنَا}. ومعنى {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} أي يلوُون ألسنتهم عن الحق أي يُميلونها إلى ما في قلوبهم. وأصل اللّيّ الفَتْل، وهو نصب على المصدر، وإن شئت كان مفعولاً من أجله. وأصله لَوْياً ثم أدغمت الواو في الياء. {وَطَعْناً} معطوف عليه أي يطعنون في الدّين، أي يقولون لأصحابهم لو كان نبِيّاً لدَرَى أننا نَسُبُّه، فأظهر الله تعالى نبيّه على ذلك فكان من علامات نبوته، ونهاهم عن هذا القول. ومعنى {وَأَقْوَمَ} أصوب لهم في الرأي. {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلا إيماناً قليلاً لا يستحقون به اسم الإيمان. وقيل: معناه لا يؤمنون إلا قليلاً منهم؛ وهذا بعيد لأنه عز وجل قد أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم. قوله تعالى: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا} قال ابن إسحاق:حديث : كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساءَ من أحبار يهود منهم عبد الله بن صُورِيا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم: «يا معشر يهود ٱتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق» تفسير : قالوا: ما نعرف ذلك يا محمد. وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} إلى آخر الآية. قوله تعالى: {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} نصب على الحال. {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} الطّمْس استئصال أثر الشيء؛ ومنه قوله تعالى: { أية : فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ } تفسير : [المرسلات: 8]. ونطمِس ونطمُس بكسر الميم وضمها في المستقبل لغتان. ويقال في الكلام: طَسَم يَطْسِم ويَطْسُم بمعنى طَمَس؛ يقال: طَمَس الأثرُ وطَسَم أي ٱمّحى، كله لغات؛ ومنه قوله تعالى: { أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ } تفسير : [يونس: 88] أي أهلكها؛ عن ابن عرفة. ويقال: طَمَسته فطَمَس لازم ومتعد. وطمس الله بصره، وهو مطموس البصر إذا ذهب أثر العين؛ ومنه قوله تعالى: { أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } تفسير : [يسۤ: 66] يقول أعميناهم. واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية؛ هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين. أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسَلْبِهِم التوفيق؟ قولان. رُوي عن أُبيّ بن كعب أنه قال: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ} من قبل أن نضلكم إضلالاً لا تهتدون بعده. يذهب إلى أنه تمثيل وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبةً. وقال قتادة: معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء. أي يذهب بالأنف والشفاه والأعين والحواجب؛ هذا معناه عند أهل اللغة. ورُوي عن ابن عباس وعطية العَوْفيّ: أن الطّمس أن تُزال العينان خاصّةً وتردّ في القفا، فيكون ذلك رَدّاً على الدبر ويمشي القَهْقَرَى. وقال مالك رحمه الله: كان أوّل إسلام كعب الأحبار أنه مَر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ} فوضع كفّيه على وجهه ورجع القَهْقَرَى إلى بيته فأسلم مكانه وقال: والله لقد خِفت ألا أبلغ بيتي حتى يُطمَس وجهي. وكذلك فعل عبد الله بن سَلاَم، لمّا نزلت هذه الآية وسمعها أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أدري أن أصل إليك حتى يحوّل وجهي في قفاي. فإن قيل: كيف جاز أن يهدّدهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بهم؛ فقيل: إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. وقال المُبَرِّد: الوعيد باق منتظر. وقال: لا بدّ من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة. قوله تعالى: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ} أي أصحاب الوجوه {كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ} أي نمسخهم قِردةً وخنازير؛ عن الحسن وقتادة. وقيل: هو خروج من الخطاب إلى الغيبة. {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} أي كائناً موجوداً. ويراد بالأمر المأمورُ فهو مصدر وقع موقع المفعول؛ فالمعنى أنه متى أراده أوجده. وقيل: معناه أن كل أمر أخبر بكونه فهو كائن على ما أخبر به. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تلا { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } تفسير : [الزمر: 53] فقال له رجل: يا رسول الله والشرك! فنزل {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}. وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأُمة. {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه. فقال محمد بن جرير الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحبِ كبيرةٍ ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شِرْكاً بالله تعالى. وقال بعضهم: قد بين الله تعالى ذلك بقوله: { أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } تفسير : [النساء: 31] فأعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخةٌ لِلّتِي في آخر «الفرقان». قال زيد بن ثابت: نزلت سورة «النساء» بعد «الفرقان» بستة أشهر، والصحيح أن لا نسخ؛ لأن النسخ في الأخبار يستحيل. وسيأتي بيان الجمع بين الآي في هذه السورة وفي «الفرقان» إن شاء الله تعالى. وفي التّرمذيّ عن عليّ بن أبي طالب قال: ما في القرآن آية أحبّ إليّ من هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} قال: هذا حديث حسن غريب. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} فيه ثلاث مسائل. الأُولى ـقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} هذا اللفظ عام في ظاهره ولم يختلف أحد من المتأوّلين في أن المراد اليهود. واختلفوا في المعنى الذي زَكّوا به أنفسهم؛ فقال قتادة والحسن: ذلك قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}، وقولهم: {لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} وقال الضّحاك والسُّدِّي: قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه نهاراً غُفر لنا ليلاً وما فعلناه ليلاً غفر لنا نهاراً، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب. وقال مجاهد وأبو مالك وعِكْرمة: تقديمهم الصغار للصلاة؛ لأنهم لا ذنوب عليهم. وهذا يبعد من مقصد الآية. وقال ابن عباس: ذلك قولهم آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا. وقال عبد الله بن مسعود: ذلك ثناء بعضهم على بعض. وهذا أحسن ما قيل؛ فإنه الظاهر من معنى الآية، والتزكية: التطهير والتبرية من الذنوب. الثانية ـ هذه الآية وقولُه تعالى: { أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النجم: 32] يقتضي الغَضّ من المُزَكّي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزّاكِي المُزَكَّى من حسنت أفعاله وزكّاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له. وفي صحيح مسلم حديث : عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمّيت ٱبنتي بَرّةَ؛ فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسمّيت بَرّة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُزكّوا أنفسكم الله أعلم بأهل البِر منكم»فقالوا: بِمَ نسميها؟ فقال: «سمّوها زينب» تفسير : . فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسَه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسَهم بالنعوت التي تقتضي التزكية؛ كزكيّ الدين ومُحْيي الدين وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد شيئاً. الثالثة ـ فأما تزكية الغير ومدحُه له؛ ففي البخاريّ من حديث أبي بكرة حديث : أن رجلاً ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيراً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «وَيْحَك قطعت عنق صاحبك ـ يقوله مراراً ـ إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل أحسِب كذا وكذا إن كان يَرى أنه كذلك وحَسِيبه الله ولا يزكِّي على اللَّهِ أحداً» تفسير : فنهى صلى الله عليه وسلم أن يُفرِطَ في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكِبْر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : وَيْحَك قطعت عنق صاحِبك » تفسير : . وفي الحديث الآخر: « حديث : قطعتم ظهر الرجل » تفسير : حين وصفوه بما ليس فيه. وعلى هذا تأوّل العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ٱحْثُوا التراب في وجوه المدّاحين » تفسير : أن المراد به المدّاحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويَفتنونه؛ فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحَسَن والأمر المحمود ليكون منه ترغيباً له في أمثاله وتحريضاً للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمدّاح، وإن كان قد صار مادحاً بما تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النيات « حديث : والله يعلم المفسِد من المصلِح » تفسير : . وقد مدح صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يَحْثُ في وجوه المدّاحين التراب، ولا أمر بذلك. كقول أبي طالب: شعر : وأبيض يُستسقَى الغمامُ بوجهه ثِمَال اليتامى عِصْمة للأراملِ تفسير : وكمدح العباس وحسّان له في شعرهما، ومدَحه كعب بن زُهير، ومدح هو أيضاً أصحابه فقال: « حديث : إنكم لتَقِلون عند الطمع وتَكْثرون عند الفزع » تفسير : . وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث: « حديث : لا تُطرُوني كما أطرتِ النصارى عيسى ابن مريم وقولوا: عبد الله ورسوله » تفسير : فمعناه لا تصفوني بما ليس فيّ من الصفات تلتمسون بذلك مَدْحِي، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلّوا. وهذا يقتضي أن من رفع ٱمْراً فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعْتَد آثم؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} الضمير في «يُظْلَمُونَ» عائد على المذكورين ممن زكَّى نفسه وممن يزكيه الله عز وجل. وغيرُ هذين الصنفين عُلِم أن الله تعالى لا يظلمه من غير هذه الآية. والفَتِيل الخيط الذي في شَقّ نواة التمرة؛ قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقيل: القشرة التي حول النواة بينها وبين البُسْرة. وقال ابن عباس أيضاً وأبو مالك والسُّدِّي: هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفّيك من الوسخ إذا فتلتهما؛ فهو فعِيل بمعنى مفعول. وهذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه شيئاً. ومثل هذا في التحقير قوله تعالى: { أية : وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } تفسير : [النساء: 124] وهو النكتة التي في ظهر النّواة، ومنه تنبت النخلة، وسيأتي. قال الشاعر يذمّ بعض الملوك: شعر : تَجمعُ الجيْشَ ذا الأُلوف وتغْزُو ثم لا تَرْزأ العدوّ فَتيلا تفسير : ثم عجب النبيّ صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} في قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه. وقيل: تزكيتهم لأنفسهم؛ عن ابن جُريج. وروي أنهم قالوا: ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أبنائنا يوم تولد. والافتراء الاختلاق؛ ومنه ٱفترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه. وفَريَت الشيء قطعته. {وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً} نصب على البيان. والمعنى تعظيم الذنب وذمه. والعرب تستعمل مثل ذلك في المدح والذم. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} يعني اليهود {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ} اختلف أهل التأويل في تأويل الجِبْت والطاغوت؛ فقال ابن عباس وابن جُبير وأبو العالية: الجِبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن. وقال الفاروق عمر رضي الله عنه: الجِبت السحر والطاغوت الشيطان. ابن مسعود: الجِبت والطاغوت هٰهنا كعب بن الأشرف وحُيَي بن أخطب. عِكرمة: الجِبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف؛ دليله قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ}. قتادة: الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن. وروى ٱبن وهب عن مالك بن أنس: الطاغوت ما عُبد من دون الله. قال: وسمعت من يقول إن الجِبت الشيطان؛ ذكره النحاس. وقيل: هما كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله؛ وهذا حسن. وأصل الجِبت الجِبس وهو الذي لا خير فيه، فأبدلت التاء من السين؛ قاله قُطْرُب. وقيل: الجِبت إبليس والطاغوتُ أولياؤه. وقول مالك في هذا الباب حَسَن؛ يدل عليه قوله تعالى: { أية : أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ } تفسير : [النحل: 36] وقال تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا } تفسير : [الزمر: 17]. وروى قَطَن بن المخارِق عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : الطَّرْق والطِّيَرة والعِيافة من الجبت » تفسير : . الطّرق الزجر، والعِيافة الخط؛ خرّجه أبو داود في سننه. وقيل: الجبت كل ما حرم الله، والطاغوت كل ما يطغى الإنسان. والله أعلم. قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى سبيلاً من الذين آمنوا بمحمد. وذلك أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أُحُد ليحالفوا قريشاً على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دُور قريش فتعاقدوا وتعاهدوا ليجتمعنّ على قتال محمد؛ فقال أبو سفيان: إنك ٱمرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أُمِّيُّون لا نعلم، فأينّا أهدى سبيلاً وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد. قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ} أي أَلَهم؟ والميم صلة. «نَصِيبٌ» حظ «من الملك» وهذا على وجه الإنكار؛ يعني ليس لهم من المُلك شيء، ولو كان لهم منه شيء لم يعطوا أحداً منه شيئاً لبخلهم وحسدهم. وقيل: المعنى بل ألهم نصيب؛ فتكون أم منقطعة ومعناها الإضراب عن الأوّل والاستئناف للثاني. وقيل: هي عاطفة على محذوف؛ لأنهم أنِفُوا من ٱتباع محمد صلى الله عليه وسلم. والتقدير: أهم أوْلى بالنبوّة ممن أرسلتهُ أم لهم نصيب من الملك؟. {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} أي يمنعون الحقوق. خبّر الله عز وجل عنهم بما يعلمه منهم. والنّقير: النكتة في ظهر النواة؛ عن ابن عباس وقتادة وغيرهما. وعن ابن عباس أيضاً: النقير: ما نقر الرجل بأصبعه كما ينقر الأرض. وقال أبو العالية: سألت ابن عباس عن النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم رفعهما وقال: هذا النقير. والنقير: أصل خشبة يُنقَر ويُنبَذ فيه؛ وفيه جاء النهي ثم نسخ. وفلان كريم النّقِير أي الأصل. و «إذاً» هنا ملغاة غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب لجاز. قال سيبويه: «إذاً» في عوامل الأفعال بمنزلة «أظن» في عوامل الأسماء، أي تُلْغَى إذا لم يكن الكلام معتمداً عليها، فإن كانت في أوّل الكلام وكان الذي بعدها مستقبلاً نصبت؛ كقولك: أنا أزورك، فيقول مجيباً لك: إذاً أكرمَك. قال عبد الله بن عنَمَة الضَّبيّ: شعر : أُرْدُدْ حِمارَك لا يرتع برَوْضَتِنَا إذَنْ يُرَدَّ وَقَيْدُ العَيْرِ مكروبُ تفسير : نصب لأن الذي قبل «إذن» تام فوقعت ابتداء كلام. فإن وقعت متوسطة بين شيئين كقولك: زيد إذاً يزورك ألغيت؛ فإن دخل عليها فاء العطف أو واو العطف فيجوز فيها الإعمال والإلغاء؛ أما الإعمال فلأن ما بعد الواو يستأنف على طريق عطف الجملة على الجملة، فيجوز في غير القرآن فإذاً لا يؤتوا. وفي التنزيل { أية : وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ } تفسير : [الإسراء: 76] وفي مصحف أُبَيّ «وإذاً لا يلبثوا». وأما الإلغاء فلأن ما بعد الواو لا يكون إلا بعد كلام يعطف عليه، والناصب للفعل عند سيبويه «إذاً» لمضارعتها «أن»، وعند الخليل أن مضمرة بعد إذاً. وزعم الفرّاء أن إذاً تكتب بالألف وأنها منوّنة. قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: أشتهي أن أكوي يدَ مَن يكتب إذاً بالألف؛ إنها مثل لَنْ وأَنْ، ولا يدخل التنوين في الحروف.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن اليهود ـ عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ـ أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ليشتروا به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا، {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} أي: يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} أي: هو أعلم بهم، ويحذركم منهم، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً} أي: كفى به ولياً لمن لجأ إليه، ونصيراً لمن استنصره. ثم قال تعالى: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} «من» في هذا لبيان الجنس كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ} تفسير : [الحج: 30]، وقوله: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} أي: يتأولون الكلام على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل؛ قصداً منهم وافتراء {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} أي: يقولون: سمعنا ما قلته يا محمد، ولا نطيعك فيه، هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد، وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم، وأنهم يتولون عن كتاب الله بعدما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة، وقوله: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي: اسمع ما نقول، لا سمعت، رواه الضحاك عن ابن عباس، وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك، قال ابن جرير: والأول أصح، وهو كما قال، وهذا استهزاء منهم واستهتار، عليهم لعنة الله، {وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدِّينِ} أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم: راعنا، وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا} تفسير : [البقرة: 104] ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدِّينِ}، يعني بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: قلوبهم مطرودة عن الخير، مبعدة منه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم، وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} والمقصود أنهم لا يؤمنون إيماناً نافعاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا } حظًّا {مّنَ ٱلْكِتَٰبِ } وهم اليهود {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلٰلَةَ } بالهدى {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ } تخطئوا الطريق الحق لتكونوا مثلهم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } كلام مستأنف، والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المسلمين. والنصيب: الحظّ، والمراد: اليهود أوتوا نصيباً من التوراة. وقوله: {يَشْتَرُونَ } جملة حالية، والمراد بالاشتراء: الاستبدال، وقد تقدم تحقيق معناه. والمعنى: أن اليهود استبدلوا الضلالة، وهي: البقاء على اليهودية، بعد وضوح الحجة على صحة نبوّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ } عطف على قوله: {يَشْتَرُونَ } مشارك له في بيان سوء صنيعهم، وضعف اختيارهم، أي: لم يكتفوا بما جنوه على أنفسهم من استبدال الضلالة بالهدى، بل أرادوا مع ضلالهم أن يتوصلوا بكتمهم وجحدهم إلى أن تضلوا أنتم أيها المؤمنون السبيل المستقيم، الذي هو سبيل الحق: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ } أيها المؤمنون، وما يريدونه بكم من الإضلال، والجملة اعتراضية {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً } لكم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً } ينصركم في مواطن الحرب، فاكتفوا بولايته ونصره، ولا تتولوا غيره، ولا تستنصروه، والباء في قوله: {بِٱللَّهِ } في الموضعين زائدة. قوله: {مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } قال الزجاج: إن جعلت متلعقة بما قبل، فلا يوقف على قوله: {نَصِيراً } وإن جعلت منقطعة، فيجوز الوقف على {نصيراً} والتقدير: من الذين هادوا قوم يحرّفون، ثم حذف، وهذا مذهب سيبويه، ومثله قول الشاعر:شعر : لو قلت ما في قومها لم أيثم يفضلها في حسب وميسم تفسير : قالوا: المعنى: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، ثم حذف. وقال الفراء: المحذوف لفظ من: أي من الذين هادوا من يحرّفون الكلم كقوله: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] أي: من له، ومنه قول ذي الرمة:شعر : فظلوا ومنهم دمعه سابق له تفسير : أي: من دمعه، وأنكره المبرّد والزجاج؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة؛ وقيل إن قوله: {مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } بيان لقوله: {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ }. والتحريف: الإمالة والإزالة، أي: يميلونه ويزيلونه عن مواضعه، ويجعلون مكانه غيره، أو المراد: أنهم يتأوّلونه على غير تأويله، وذمهم الله عزّ وجلّ بذلك، لأنهم يفعلونه عناداً وبغياً، وتأثيراً لغرض الدنيا. قوله: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } أي: سمعنا قولك، وعصينا أمرك {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } أي: اسمع حال كونك غير مسمع، وهو يحتمل أن يكون دعاء على النبيّ صلى الله عليه وسلم، والمعنى: اسمع لا سمعت، ويحتمل أن يكون المعنى: اسمع غير مسمع مكروهاً، أو اسمع غير مسمع جواباً. وقد تقدم الكلام في راعنا. ومعنى: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } أنهم يلوونها عن الحق، أي: يميلونها إلى ما في قلوبهم، وأصل الليّ: الفتل وهو منتصب على المصدر، ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله. قوله: {وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ } معطوف على {ليا}، أي: يطعنون في الدين بقولهم: لو كان نبياً لعلم أنا نسُّبه، فأطلع الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا } قولك: {وَأَطَعْنَا } أمرك: {وَٱسْمَعْ } ما نقول: {وَٱنْظُرْنَا } أي: لو قالوا هذا مكان قولهم راعنا {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } مما قالوه {وَأَقْوَمُ } أي: أعدل، وأولى من قولهم الأوّل، وهو قولهم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرٰعِنَا } لما في هذا من المخالفة وسوء الأدب، واحتمال الذم في راعنا {وَلَـٰكِنِ } لم يسلكوا المسلك الحسن، ويأتوا بما هو خير لهم وأقوم، ولهذا: {لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي: إلا إيماناً قليلاً، وهو الإيمان ببعض الكتب دون بعض، وببعض الرسل دون بعض. قوله: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } ذكر سبحانه أوّلاً أنهم أوتوا نصيباً من الكتاب، وهنا ذكر أنهم أوتوا الكتاب. والمراد: أنهم أوتوا نصيباً منه؛ لأنهم لم يعملوا بجميع ما فيه، بل حرّفوا وبدّلوا. وقوله: {مُصَدّقاً } منتصب على الحال. والطمس: استئصال أثر الشيء، ومنه {أية : وَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ } تفسير : [المرسلات: 8] يقال: نطمس بكسر الميم وضمها لغتان في المستقبل، ويقال: طمس الأثر أي: محاه كله، ومنه {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ } تفسير : [يونس: 88] أي: أهلكها، ويقال: هو مطموس البصر، ومنه: {أية : وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ }تفسير : [يس: 66] أي: أعميناهم. واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية هل هو حقيقة؟ فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين، أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم، وسلبهم التوفيق؟ فذهب إلى الأوّل طائفة، وذهب إلى الآخر آخرون، وعلى الأوّل، فالمراد بقوله: {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } نجعلها قفا، أي: نذهب بآثار الوجه، وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا، وقيل: إنه بعد الطمس يردّها إلى موضع القفا، والقفا إلى مواضعها، وهذا هو ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله: {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } فإن قيل: كيف جاز أن يهدّدهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا، ولم يفعل ذلك بهم؟ فقيل: إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. وقال المبرد: الوعيد باق منتظر وقال: لا بدّ من طمس في اليهود، ومسخ قبل يوم القيامة. قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ } الضمير عائد إلى أصحاب الوجوه، قيل المراد باللعن هنا: المسخ لأجل تشبيهه بلعن أصحاب السبت، وكان لعن أصحاب السبت مسخهم قردة وخنازير، وقيل المراد: نفس اللعنة، وهم ملعونون بكل لسان. والمراد: وقوع أحد الأمرين: إما الطمس، أو اللعن. وقد وقع اللعن، ولكنه يقوّي الأوّل تشبيه هذا اللعن بلعن أهل أصحاب السبت. قوله: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } أي: كائناً موجوداً لا محالة، أو يراد بالأمر المأمور. والمعنى أنه متى أراده كان، كقوله: {أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }تفسير : [يس: 82] قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } هذا الحكم يشمل جميع طوائف الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، ولا يختص بكفار أهل الحرب، لأن اليهود قالوا عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالوا ثالث ثلاثة. ولا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من أهل المغفرة التي تفضل الله بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته؛ وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين، فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. قال ابن جرير: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عزّ وجلّ إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه ما لم تكن كبيرته شركاً بالله عزّ وجلّ. وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلاً منه ورحمة، وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة، وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة. وقد تقدّم قوله تعالى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ } تفسير : [النساء: 31] وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر، فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } يعني: يحرفون حدود الله في التوراة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } قال: تبديل اليهود التوراة {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } قالوا: سمعنا ما تقول ولا نطيعك {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } قال: غير مقبول ما تقول: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } قال: خلافاً يلوون به ألسنتهم {وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا } قال: أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } قال: يقولون اسمع لا سمعت. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار اليهود: منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم: "حديث : يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق"تفسير : . فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } قال: طمسها أن تعمي {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقري. ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } يقول: عن صراط الحق {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } قال: في الضلالة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: "حديث : وما دينه؟"تفسير : قال: يصلي ويوحد الله، قال: استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل منه ذلك، فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: وجدته شحيحاً على دينه، فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } الآية. وأخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدّي بسند صحيح، عن ابن عمر قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم:"حديث : {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} "تفسير : وقال: "حديث : إنيّ ادّخرت دعوتي، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" تفسير : فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عمر قال: لما نزلت: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الزمر: 53] الآية قام رجل فقال: والشرك يا نبيّ الله؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال في هذه الآية: إن الله حرّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج الترمذي، وحسنه عن علي قال: أحبّ آية إلىّ في القرآن {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } الآية.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم قد صاروا لجحودهم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كمشتري الضلالة بالهدى. والثاني: أنهم كانوا يعطون أحبارهم أموالهم على ما كانواْ يصنعونه من التكذيب بالرسول صلى الله عليه وسلم. والثالث: أنهم كانوا يأخذون الرشا، وقد روى ثابت البناني عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الراشي، والمرتشي، والرائش، وهو المتوسط بينهما. قوله تعالى: {… وَاسْمَعَ غَيْرَ مُسْمَعٍ} فيه قولان: إحداهما: معناه: اسمع لا سمعت، وهو قول ابن عباس، وابن زيد. والثاني: أنه غير مقبول منك، وهو قول الحسن، ومجاهد. {وَرَاعِنَا لَيَّاً بِأَلْسِنَتِهِم} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن هذه الكلمة كانت سَبّاً في لغتهم، فأطلع الله نبيّه عليها فنهاهم عنها. والثاني: أنها كانت تجري مجرى الهُزْءِ. والثالث: إنها كانت تخرج مخرج الكِبْر.
ابن عطية
تفسير : الرؤية في قوله {ألم تر} من رؤية القلب، وهي علم بالشيء، وقال قوم: معناه "الم تعلم" وقال آخرون: "ألم تخبر" وهذا كله يتقارب، والرؤية بالقلب تصل بحرف الجر وبغير حرف الجر، والمراد بـ {الذين}: اليهود، قاله قتادة وغيره، ثم اللفظ يتناول معهم النصارى، وقال ابن عباس: نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت اليهودي، و {أوتوا} إعطوا، و "النصيب" الحظ، و {الكتاب}: التوراة والإنجيل، وإنما جعل المعطى نصيباً في حق كل واحد منفرد، لأنه لا يحصر علم الكتاب واحد بوجه، و {يشترون} عبارة عن إيثارهم الكفر وتركهم الإيمان، فكأنه أخذ وإعطاء، هذا قول جماعة، وقالت فرقة: أراد الذين كانوا يعطون أموالهم للأحبار على إقامة شرعهم فهذا شراء على وجهه على هذا التأويل، {ويريدون أن تضلوا السبيل}، معناه أن تكفروا، وقرأ النخعي، "وتريدون أن تضلوا" بالتاء منقوطة من فوق في تريدون. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وما بعدها، تقتضي توبيخاً للمؤمنين على استنامة قوم منهم إلى أحبار اليهود، في سؤال عن دين، أو في موالاة أو ما أشبه ذلك، وهذا بيّن في ألفاظها، فمن ذلك، {ويريدزن أن تضلوا}، أي تدعوا الصواب في اجتنابهم، وتحسبوهم غير أعداء، والله أعلم بهم، وقوله: {والله أعلم بأعدائكم} خبر في ضمنه التحذير منهم، وبالله، قي قوله: {وكفى بالله} في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض، وفائدة زيادته تبيين معنى الأمر في لفظ الخبر، أي اكتفوا بالله، فالباء تدل على المراد من ذلك، {ولياً} فعيلاً، و {نصيراً} كذلك، من الولاية والنصر. وقوله تعالى: {من الذين هادوا} قال بعض المتأولين {من} راجعة على {الذين} الأولى، فهي على هذا متعلقة بـ {تر}، وقالت طائفة، هي متعلقة بـ {نصيراً} والمعنى ينصركم من الذين هادوا، فعلى هذين التاويلين لا يوقف في قوله: {نصيراً} وقالت فرقة: هي لابتداء الكلام، وفيه إضمار تقديره قوم يحرفون، هذا مذهب أبي علي، ونظيره قول الشاعر [النابغة الذبياني]: [الوافر] شعر : كأنك مِنْ جِمَالِ أَبي أَقَيْشٍْ يُقَعْقِعُ خَلْفَ رِجْليهِ بِشَنِّ تفسير : وقال الفراء وغيره: تقديره من، ومثله قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعَهُ سَابِقٌ لَهُ وَآخَرُ يَثْني دَمْعَةَ الْعَيْنِ بِالْيَدِ تفسير : فعلى هذا التأويل يوقف في قوله: {نصيراً} وقول سيبويه أصوب لأن إضمار الموصول ثقيل، وإضمار الموصوف أسهل، و {هادوا} مأخوذ من هاد إذا تاب أو من يهود بن يعقوب وغيره التعريب، أو من التهود وهو الرويد من المشي واللين في القول، ذكر هذه كلها الخليل، وقد تقدم شرحها وبيانها في سورة البقرة، و "تحريف الكلم" على وجهين، إما بتغيير اللفظ، وقد فعلوا ذلك في الأقل، وإما بتغيير التأويل، وقد فعلوا ذلك في الأكثر، وإليه ذهب الطبري، وهذا كله في التوراة على قول الجمهور، وقالت طائفة: هو كلم القرآن، وقال مكي: كلام النبي محمد عليه السلام، فلا يكون التحريف على هذا إلا في التأويل، وقرأ النخعي وأبو رجاء: يحرفون الكلام بالألف، ومن جعل "من" متعلقة "بنصيراً" جعل "يحرفون" في موضع الحال، ومن جعلها منقطعة جعل "يحرفون " صفة، وقوله تعالى عنهم {سمعنا وعصينا} عبارة عن عتوهم في كفرهم وطغيانهم فيه، و {مسمع} لا يتصرف إلا من أسمع، و {غير مسمع} يتخرج فيه معنيان: أحدهما غير مأمور صاغر، كأنه قال: غير أن تسمع مأموراً بذلك، والآخر على جهة الدعاء، أي لا سمعت، كما تقول: امض غير مصيب، وغير ذلك، فكانت اليهود إذا خاطبت النبي بغير مسمع، أرادت في الباطن الدعاء عليه، وأرت ظاهراً أنها تريد تعظيمه، قال نحوه ابن عباس وغيره، وكذلك {راعنا} كانوا يريدون منه في نفوسهم معنى الرعونة، وحكى مكي معنى رعاية الماشية، ويظهرون منه معنى المراعاة، فهذا معنى "ليّ اللسان" فقال الزجّاج: كانوا يريدون: اجعل سمعك لكلامنا مرعى. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا جفاء لا يخاطب به نبي، وفي مصحف ابن مسعود"راعونا" ومن قال: {غير مسمع} غير مقبول منك فإنه لا يساعده التصريف، وقد حكاه الطبري عن الحسن ومجاهد، و {ليّاً} أصله لوياً، قلبت الواو ياء وأدغمت {وطعناً في الدين} أي توهينا له وإظهاراً للاستخفاف به. قال القاضي أبو محمد: وهذا الليّ باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل، ويحفظ منه في عصرنا أمثلة، إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب، وقوله تعالى: {ولو أنهم} الآية: المعنى: لو أنهم آمنوا وسمعوا وأطاعوا، واختلف المتأولون في قوله، {وانظرنا} فقال مجاهد وعكرمة وغيرهما: معناه انتظرنا، بمعنى: افهمنا وتمهل علينا حتى نفهم عنك ونعي قولك، وهذا كما قال الحطيئة: شعر : وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ إيناءَ صادِرَةٍ لِلْخَمْسِ طَالَ بِهَا مَسْحي وَتَنَّاسي تفسير : وقالت فرقة: انظر - معناه: انظر إلينا، فكأنه استدعاء اهتبال وتحف، ومنه قول ابن الرقيات [الخفيف]: شعر : ظاهراتُ الجمالِ والْحُسْنِ يَنْظُرْ نَ كَمَا تَنْظُرُ الأَرَاكَ الظِّباءُ تفسير : {وأقوم} معناه: أعدل وأصوب، "واللعنة ": الإبعاد، فمعناه، أبعدهم من المهدي، و {قليلاً}: نعت، إما لإيمان وإما لنفر أو قوم، والمعنى مختلف، فمن عبر بالقلة عن الإيمان قال: إما هي عبارة عن عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم: أرض قل ما تنبت كذا وهي لا تنبته جملة، وإما قلل الإيمان لما قلت الأشياء التي آمنوا بها فلم ينفعهم ذلك، وذلك أنهم كانوا يؤمنون بالتوحيد ويكفرون بمحمد وبجميع أوامر شريعه ونواهيها، ومن عبر بالقلة عن النفر قال: لا يؤمن منهم إلا قليل، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهما، وإذا قدرت الكلام نفراً قليلاً، فهو نصب في موضع الحال وفي هذا نظر.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ} كأنهم بكتمان صفة محمد صلى الله عليه وسلم اشتروا الضلالة بالهدى، أو أعطوا أحبارهم [أموالهم] على ما صنعوا من التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو كانوا يأخذون الرشا.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} نزلت في يهود المدينة وقال ابن عباس نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم اليهوديين كانا إذا تلكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لويا ألسنتهما وعاباه فأنزل الله تعالى ألم تر يعني ألم ينته علمك يا محمد إلى هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يعني أعطوا حظاً من علم التوراة وذلك أنهم عرفوا نبوة موسى من التوراة وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم منها فلذلك أتى بمن التي هي للتبعيض وقيل إنهم علموا التوراة ولم يؤتوا العمل بها {يشترون الضلالة} يؤثرون تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ليأخذوا بذلك الرشا وتحصل لهم الرياسة وإنما ذكر بلفظ الشراء لأنه استبدال شيء بشيء وقيل فيه إضمار يعني يستبدلون الضلالة بالهدى {ويريدون} يعني اليهود {أن تضلوا السبيل} يعني عن السبيل والمعنى أنهم يتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم لكي يجتنبوا الإسلام.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ...} الآية: {أَلَمْ تَرَ}: مِنْ رؤية القَلْب، وهي عِلْمٌ بالشيء، والمراد بـ «الَّذِينَ»: اليهودُ؛ قال قتادة وغيره، ثم اللفظ يتناوَلُ معهم النصارَىٰ، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدِ بنِ التَّابُوتِ اليهوديِّ، والكتابُ: التوراةُ والإنجيلُ، و {يَشْتَرُونَ}: عبارةٌ عن إيثارهم الكفْرَ، وتركِهِمُ الإيمانَ، وقالتْ فرقة: أراد الَّذِينَ كانوا يُعْطُون أموالهم للأحبارِ علَىٰ إقامةِ شَرْعِهِمْ، فهو شراءٌ حقيقةً، {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} معناه: أنْ تَكْفُروا. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} خبرٌ في ضمنه التحذيرُ منهم، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً}، أيْ: ٱكْتَفُوا باللَّه وليًّا. وقوله سبحانه: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ}، قال بعضُ المتأوِّلين: «مِنْ» راجعةٌ على «الَّذِينَ» الأُولَىٰ، وقالتْ فرقة: «مِنْ» متعلِّقة بـــ «نَصِيراً»، والمعنَىٰ: ينصُرُكم من الذين هَادُوا، فعلَىٰ هذين التأويلَيْن لا يُوقَفُ في قوله: «نَصِيراً»، وقالتْ فرقة: هي ٱبتداءُ كلامٍ، وفيه إضمارٌ، تقديره: قَوْمٌ يحرِّفون، وهذا مذهبُ أبي عَلِيٍّ، وعلَىٰ هذا التأويلِ يُوقَفُ في «نَصِيراً»، وقول سيبَوَيْهِ أصْوَبُ؛ لأنَّ إضمار الموصولِ ثقيلٌ، وإضمار الموصوفِ أسهلُ، وتحريفهم للكلامِ علَىٰ وجْهَيْنِ، إما بتغييرِ اللفظِ، وقد فَعَلُوا ذلك في الأقَلِّ، وإمَّا بتغيير التَّأْويلِ، وقد فَعَلُوا ذلك في الأكْثَرِ، وإليه ذهب الطَّبَرِيُّ، وهذا كلُّه في التوراة؛ علَىٰ قولِ الجُمْهورِ، وقالتْ طائفة: هو كَلِمُ القُرآن، وقال مَكِّيٌّ: هو كلامُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فالتَّحْرِيفُ علَىٰ هذا في التأويلِ. وقوله تعالى عنهم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} عبارةٌ عَنْ عُتُوِّهم في كُفْرهم وطُغْيانِهِمْ فيه، و {غَيْرَ مُسْمَعٍ}: يتخرَّج فيه معنيانِ: أحدُهُما: غير مأمور وغير صاغر؛ كأنهم قالوا: غَيْرَ أَنْ تُسَمَّعَ مأموراً بذلك. والآخر: على جهة الدعاءِ، أي: لاَ سَمِعْتَ؛ كما تَقُولُ: ٱمْضِ غَيْرَ مُصِيبٍ، ونحو ذلك، فكانَتِ اليهودُ إذا خاطَبَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بــ {غَيْرَ مُسْمَعٍ}، أَرادَتْ في الباطِنِ الدعاءَ علَيْه، وأَرَتْ ظاهراً؛ أنها تريدُ تعظيمَهُ، قال ابنُ عبَّاس وغيره نحوه، وكذلكَ كَانُوا يُرِيدُونَ منه في أَنْفُسِهِمْ معنَى الرُّعُونَة، وحكَىٰ مَكِّيٌّ معنَىٰ رِعَايَةِ الماشِيَةِ، ويُظْهِرُونَ منه مَعْنَى المُرَاعَاةِ، فهذا مَعْنَىٰ لَيِّ اللسانِ، وقال الحسنُ ومُجَاهد: {غَيْرَ مُسْمَعٍ}، أي: غَيْرَ مقبولٍ منك، وَ {لَيّاً}: أَصله «لَوْياً»، و {طَعْناً فِي ٱلدِّينِ}: أيْ: توهيناً له وإظهاراً للإستخفافِ به. قال * ع *: وهذا اللَّيُّ باللسانِ إلَىٰ خلافِ مَا في القَلْبِ موجُودٌ حتَّى الآن فِي بَنِي إسرائيل، ويُحْفِظُ منه في عَصْرنا أمثلة إلاَّ أنه لا يَلِيقُ ذِكْرُهَا بهذا الكتَابِ. وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ...} الآية: المعنَىٰ: ولو أنهم آمنوا وسمعوا وأطاعوا، و {أَقْوَم}: معناه: أعْدَلُ وأصوَبُ، و {قَلِيلاً }: نعْتٌ إما لإِيمانٍ، وإما لِنَفَرٍ، أوْ قَوْمٍ، والمعنى مختلفٌ.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر - تعالى - أنْوَاع التَّكَالِيف من أوَّل السُّورة إلى هنا، ذكر أقَاصيص المُتقدِّمين؛ لأن الانْتِقَال من نَوْع من العُلُومِ إلى نَوع آخر كأنه يُنَشِّط الخَاطِر، وقد تقدَّم الكلام في قوله - تعالى - {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [البقرة: 258] والمراد بـ {الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} هم اليَهُود". وقال ابن عبَّاس: نزلت هذه الآيةُ في حَبْرٍ من أحْبار اليَهُود، كانا يأتِيَان رَأس المُنَافِقِين عبد الله أبيّ [ابن سَلُول] ورَهْطه، يُثَبِّطُونهُم عن الإسْلاَم. وعن ابن عباس أيضاً؛ قال: نزلَتْ في رفاعة بن زَيْدٍ، ومالك بن دخشم، كَانَا إذا تَكَلم رسُول الله صلى الله عليه وسلم لوياً لِسَانَهُمَا، وعَابَاهُ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قوله: "من الكتاب" فيه وَجْهَان: أحدهما: أنه مُتَعلِّق بمحْذُوفٍ، إذ هو صِفَة لـ "نصيباً" فهو في مَحَلِّ نصبٍ. والثاني: متعلَِّق بـ "أوتوا" أي أُوتوا من الكِتاب نصيباً، و "يشترون": حالٌ، وفي صاحبها وَجْهَان: أحدهما: أنه واو "[أوتُوا]". والثاني: أنه المَوْصُول وهي على هذا حَالٌ مُقَدرة، والمُشْتَري به مَحْذُوف، أي: بالهُدَى، كما صرح به في مَوَاضِع، ومعنى "يشترون": يستبدِلون الضَّلالة بالهُدَى. قوله: "ويريدون" عطف على "يشترون". وقال النَّخْعِي: {وتريدون أن تضلوا} بتاء الخطاب، والمَعْنَى: تُرِيدُون أيها المؤمنون أن تدَّعُوا الصَّواب، وقرأ الحسن: "أن تِضُلُّوا" من أضل. وقرئ "أن تُضَلُّوا السبيل" بضم التَّاءِ وفتح الضَّادِ على ما لَمْ يُسَمّ فَاعِلُه، والسَّبيل مفعول به؛ كقولك: أخطأ الطَّريقَ، وليس بِظَرْف، وقيل: يتعدى بـ "عن"؛ تقول: ضلَلْت السَّبيل، وعن السَّبيل، ثم قال: {والله أعلم بأعدائكم} أي: أعْلَم بما في قُلُوبهم وصدورهم من العَدَاوة والبَغْضاء. قوله: {وكفى بالله ولياً} تقدم الكلام عليه أوّل السُّورة، وكذا الكلام في المَنْصُوب بَعْده، والمعنى: أنه - تعالى - لما بيَّن شِدَّة عداوتِهم للمسْلِمين، بين أنه - تعالى - وليُّ المؤمِنين ونَاصِرُّهُم. فإن قيل: ولاية اللَّه لعبده عِبارةَ عن نُصْرَته، فَذكْر النَّصِير بعد ذِكر الوَلِي تكْرَارٌ. فالجواب: أن الوَلِيَّ هو المُتَصرِّف في الشَّيْء، والمتصرِّف في الشَّيء يجب أن يكُونَ نَاصِراً. فإن قيل: ما الفَائِدة من تكْرار قوله: "وكفى بالله". فالجواب: أن التِّكْرَا في مِثل هذا المقَام يكون أشَد تَأثِيراً في القَلْب، وأكْثَر مُبَالَغَة. فإن قيل: ما فائدة تكرار الباء في قوله: "بالله" فذكروا وجوهاً: أحدها: لَوْ قيل: كفى اللَّه، يتصل الفِعْل بالفَاعِل ثم ههُنا زيدَت البَاء إيذَاناً بأن الكفاية من الله لَيْسَت كالكِفَايَة من غَيْره. وثانيها: قال ابن السَّرَّاج: تقديره: كفى اكْتِفَاؤُه باللَّه وَلِيًّا، ولما ذكرت "كفى" دلَّ على الاكتفاءِ؛ كما تقول: من كذب كان شَرّاً له، أي: كان الكَذِبُ شرًّا له، فأضمرته لدلالة الفِعْل عليه. وثالثها: قال ابن الخَطيب: البَاءُ في الأصْل للإلْصَاقِ، وإنما يَحْسُن في المؤثِّر لذي لا وَاسِطَة بَيْنَهُ وبين التَّأثِير، فلو قيل: كَفَى اللَّهُ، دلَّ ذلك على كَوْنِهِ فاعلاً لهذه الكِفَايَةِ، ولكن لا يَدُلُّ [ذَلِك على أنَّهُ فعل] بِواسِطَة أو غير وَاسِطَة، فإذا ذَكَرْت البَاء، دلَّ على أنه - تعالى - يَفْعَل بغير واسِطَة، بل هو - تعالى - يتكفَّل به ابتداء من غير واسطَة؛ كقوله: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق: 16].
البقاعي
تفسير : ولما أفهم ختام هذه الآية أن التشديد في الأحكام يكون سبباً للإجرام، فيكون سبباً في الانتقام؛ قرر ذلك بحال اليهود الذين أوجبت لهم الآصار عذاب النار فقال - ليكون ذلك مرغباً في تقبل ما مر من التكاليف ليسره ولرجاء الثواب، مرهباً من تركها خوفاً من العقاب، وليصير الكلام حلواً رائقاً بهجاً بتفصيل نظمه تارة بأحكام، وتارة بأقاصيص عظام، فينشط الخاطر وتقوى القريحة -: {ألم تر} أو يقال: إنه لما حذر سبحانه وتعالى فيما مضى من أهل الكتاب بقوله سبحانه وتعالى {أية : ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً}تفسير : [النساء: 27] ومر إلى أن أنزل هذه فيمن حرف في الصلاة لسانه فقط لا عن عمد الكلم عن واضعه؛ أتبعها التصريح بالتعجيب من حال المحرفين بالقلب واللسان عمداً وعدواناً اجتراء على الله سبحانه وتعالى، الملوح إليهم بالآية السابقة أنهم يريدون لنا الضلال عما هدينا إليه من سننهم فقال: {ألم تر} . ولما كانوا بمحل البعد - بما لهم من اللعن - عن حضرته الشريفة، عبر بأداة الانتهاء، بصرية كانت الرؤية أو قلبية، فقال: {إلى الذين أوتوا} وحقر أمرهم بالبناء للمفعول وبقوله: {نصيباً من الكتاب} أي كشاس بن قيس الذي أراد الخلف بين الأنصار، وفي ذلك أن أقل شيء من الكتاب يكفي في ذم الضلال، لأنه كاف في الهداية {يشترون} أي يتكلفون ويلحون - بما هم فيه من رئاسة الدنيا من المال والجاه - أن يأخذوا {الضلالة} معرضين عن الهدى غير ذاكريه بوجه، وسبب كثير من ذلك ما في دينهم من الآصال والأثقال، كما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى {أية : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} تفسير : [مريم: 59] أي بسبب ما شدد عليهم فيها بأنها لا تفعل إلا في الموضع المبني لها، وبغير ذلك من أنواع الشدة، وكذا غيرها المشار إليه بقوله سبحانه وتعالى {أية : فبما نقضهم ميثاقهم}تفسير : [النساء: 155] وغير ذلك، ومن أعظمه ما يخفون من صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ليتقربوا بذلك إلى أهل دينهم، ويأخذوا منهم الرشى على ذلك، ويجعلوهم عليهم رؤساء. ولما ذكر ضلالهم المتضمن لإضلالهم، أتبعه ما يدل على إعراقهم فيه، فقال مخاطباً لمن يمكن توجيه هممهم بإضلال إليه: {ويريدون أن تضلوا} أي يا أيها الذين آمنوا {السبيل *} حتى تساووهم، فلذلك يذكرونكم بالأحقاد والأضغان والأنكاد - كما فعل شاس - لا محبة فيكم، ويلقون إليكم الشبهة، فالله سبحانه وتعالى أعلم بهم حيث حذركم منه بقوله {أية : لا يألونكم خبالاً}تفسير : [آل عمران: 118] وما بعده إلى هنا {والله} أي المحيط علمه وقدرته {أعلم} أي من كل أحد {بأعدائكم} أي كلهم هؤلاء وغيرهم، بما يعلم من البواطن، فمن حذركم منه كائناً من كان فاحذره. ولما كان كل من قبيلتي الأنصار قد والوا ناساً من اليهود ليعتزوا بهم وليستنصروهم، قال تعالى فاطماً لهم عن موالاتهم: {وكفى} أي والحال أنه كفى به هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الاسم الأعظم لتستحضر عظمته، فيستهان أمر الأعداء فقال: {بالله ولياً} أي قريباً بعمل جميع ما يفعله القريب الشفيق. ولما كان الولي قد تكون فيه قوة النصرة، والنصير قد لا يكون له شفقة الولي، وكانت النصرة أعظم ما يحتاج إلى الولي فيه؛ أفردها بالذكر إعلاماً باجتماع الوصفين مكرراً الفعل والاسم الأعظم اهتماماً بأمرها فقال: {وكفى بالله} أي الذي له العظمة كلها {نصيراً *} أي لمن والاه فلا يضره عداوة أحد، فثقوا بولايته ونصرته دونهم، ولا تبالوا بأحد منهم ولا من غيرهم، فهو يكفيكم الجميع. ولما وفرت هذه الآيات الدواعي على تعيين هؤلاء الذين يريدون الإضلال، قال بعد الاعتراض بما بين المبين والمبين من الجمل لمزيد الاهتمام به: {من الذين هادوا} ثم بين ما يضلون به ويضلون بقوله - ويجوز أن يكون استئنافاً بمعنى: بعضهم، أو منهم من -: {يحرفون الكلم} أي الذي أتى به شرعهم من صفة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وصفه دينه وأمته وغير ذلك مما يريدون تحريفه لغرض، فيتألفون في إمالته وتغييره عن حده وطرفه إلى حد آخر مجاوزين به {عن} ولما كانت الكلمة إذا غيرت تبعها الكلام وهو المقصود بالذات، نبه على ذلك بتذكير الضمير فقال: {مواضعه} أي التي هي به أليق، فيتم ضلالهم وإضلالهم، وهو يشمل ما إذا كان المعنى المغير إليه بعيداً عن المغير أو قريباً، فالذي في المائدة أخص. ولما كان سبحانه وتعالى عالماً بجميع تحريفهم، أشار إليه بالعطف على ما تقديره: فيقولون كذا ويقولون كذا: {ويقولون سمعنا} أي ما تقول {وعصينا} موهمين أنهم يريدون أن ذلك حكاية ما وقع لأسلافهم قديماً، وإنما يريدون أنهم هم سمعوا ما تقول وخالفوه عمداً ليظن من سمع ذلك أنهم على بصيرة في المخالفة بسبب ما عندهم من العلم الرباني ليورثه ذلك شكاً في أمره وحيرة في شأنه {واسمع} حال كونك {غير مسمع} موهمين عدم إسماعه ما يكره من قولهم: فلان أسمع فلاناً الكلام، وإنما يريدون الدعاء، كما يقال: اسمع لا سمعت! {وراعنا} موهمين إرادة المراعاة والإقبال عليهم، وإنما يريدون الشتم بالرعونة؛ وقال الأصفهاني: ويحتمل شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها وهي: راعينا، فكانوا - سخرية بالدين وهزءاً برسول الله صلى الله عليه وسلم - يكلمونه بكلام محتمل، ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون التوقير والإكرام، ولذلك قال: {ليّاً بألسنتهم} أي صرفاً لها عن مخارج الحروف التي تحق لها في العربية إلى ما يفعله العبرانيون من تغليظ بعض الحروف وشوب بعضها بغيره، لإرادة معانٍ عندهم قبيحة مع احتمالها لإرادة معانٍ غير تلك يقصدها العرب مليحة {وطعناً في الدين} أي بما يفسرونه به لمن يطمعون فيه من تلك المعاني الخبيثة. ولما ذكر هذه الكلمات الموجهة، بين ما كان عليهم لو وقفوا فقال قاطعاً جدالهم: {ولو أنهم قالوا} أي في الجواب له صلى الله عليه وسلم {سمعنا وأطعنا} أي بدل الكلمة الأولى {واسمع وانظرنا} بدل ما بعدها {لكان} أي هذا القول {خيراً لهم} أي من ذلك، لعدم استيجابهم الإثم {وأقوم} أي لعدم الاحتمال الذم {ولكن لعنهم الله} أي طردهم الذي له جميع صفات العظمة والكمال، وأبعدهم عن الخير {بكفرهم} أي بدناءتهم بما يغطون من أنوار الحق ودلائل الخير، فلم يقولوا ذلك. ولما سبب عن طردهم استمرار كفرهم قال: {فلا يؤمنون} أي يتجدد لهم إيمان {إلا قليلاً *} أي منهم؛ استثناء من الواو، فإنهم يؤمنون، أو هو استثناء مفرغ من مصدر يؤمن أي من إيمانهم ببعض الآيات الذي لا ينفعها لكفرهم بغيره.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال: ارعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه. فأنزل الله فيه {ألم تر الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة} إلى قوله {فلا يؤمنون إلا قليلاً}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} إلى قوله {يحرفون الكلم عن مواضعه} قال: نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت اليهودي والله أعلم. وأخرج ابن أبي حاتم وهيب بن الورد قال: قال الله "حديث : يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {يحرفون الكلم عن مواضعه} يعني يحرفون حدود الله في التوراة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {يحرفون الكلم عن مواضعه} قال: تبديل اليهود التوراة {ويقولون سمعنا وعصينا} قالوا: سمعنا ما تقول ولا نطعيك {واسمع غير مسمع} قال: غير مقبول ما تقول {لياً بألسنتهم} قال: خلافاً يلوون به ألسنتهم {واسمع وانظرنا} قال: أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {يحرفون الكلم عن مواضعه} قال: لا يضعونه على ما أنزله الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله {واسمع غير مسمع} يقولون: اسمع لأسمعت. وفي قوله {وراعنا} قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك وإنما راعنا كقولك عاطنا. وفي قوله {لياً بألسنتهم} قال: تحريفاً بالكذب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع كقولك: اسمع غير صاغر. وفي قوله {لياً بألسنتهم} قال: بالكلام شبه الاستهزاء {وطعنا في الدين} قال: في دين محمد عليه السلام. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: اللي تحريكهم ألسنتهم بذلك.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لتعجب المؤمنين من سوء حالِهم والتحذيرِ عن موالاتهم، والخطابُ لكل من يتأتّى منه الرؤيةُ من المؤمنين وتوجيهُه فيما بعدُ إلى الكل معاً للإيذان بكمال شهرةِ شناعةِ حالِهم وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجّبُ منها كلُّ مِنْ يراها والرؤيةُ بَصَريةٌ أي ألم تنظُرْ إليهم فإنهم أحِقّاءُ أن تشاهِدَهم وتتعجب من أحوالهم، وتجويزُ كونِها قلبـيةً على أن {إِلَىٰ} تتضمن معنى الانتهاءِ لما فعلوه يأباه مقامُ تشهيرِ شنائعِهم ونظمِها في سلك الأمورِ المشاهدةِ والمرادُ بهم أحبارُ اليهود. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في حَبْريْنِ من أحبار اليهودِ كانا يأتيان رأسَ المنافقين عبدَ اللَّه بنَ أُبـيَ ورهطَه يُثبِّطانِهم عن الإسلام. وعنه رضي الله عنه أيضاً أنها نزلت في رُفاعةَ بنِ زيدٍ ومالكِ بنِ دخشم كانا إذا تكلم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لَوَيا لسانَهما وعاباه. والمرادُ بالكتاب هو التوراةُ وحملُه على جنس الكتابِ المنتظِمِ لها انتظاماً أولياً تطويلٌ للمسافة، وبالذي أوتوه ما بُـيِّن لهم فيها من الأحكام والعُلومِ التي من جملتها ما علِموه من نُعوت النبـيِّ صلى الله عليه وسلم وحقِّيةِ الإسلامِ، والتعبـيرُ عنه بالنصيب المنبىءِ عن كونه حقاً من حقوقهم التي يجب مراعاتُها والمحافظةُ عليها للإيذان بكمال ركاكةِ آرائِهم حيث ضيّعوه تضيـيعاً، وتنوينُه تفخيميٌّ مؤيدٌ للتشنيع عليهم والتعجيبِ من حالهم، فالتعبـيرُ عنهم بالموصول للتنبـيه بما في حيز الصلةِ على كمال شناعتِهم والإشعارِ بمكان ما طُويَ ذكرُه في المعاملة المَحْكيةِ عنهم من الهدى الذي هو أحدُ العِوَضَيْنِ، وكلمةُ {مِنْ} متعلقةٌ إما بأُوتوا أو بمحذوف وقع صفةً لنصيباً مبـينةً لفخامته الإضافيةِ إثرَ بـيانِ فخامتِه الذاتيةِ أي نصيباً كائناً من الكتاب وقوله تعالى: {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ} قيل: هو حالٌ مقدرةٌ من واوِ {أُوتُواْ} ولا ريب في أن اعتبارَ تقديرِ اشترائِهم المذكورِ في الإيتاء مما لا يليقُ بالمقام، وقيل: هو حالٌ من الموصولِ أي ألم تنظُرْ إليهم حال اشترائِهم، وأنت خبـيرٌ بأنه خالٍ عن إفادة أن مادةَ التشنيعِ والتعجيبِ هو الاشتراءُ المذكورُ وما عطف عليه، والذي تقتضيه جزالةُ النظمِ الكريمِ أنه استئنافٌ مبـينٌ لمناط التشنيعِ ومدارِ التعجيبِ المفهومَيْن من صدر الكلامِ على وجه الإجمالِ والإبهامِ، مبنيٌّ على سؤال نشأ منه كأنه قيل: ماذا يصنعون حتى يُنظَرَ إليهم؟ فقيل: يأخذون الضلالةَ ويترُكون ما أُوتوه من الهداية، وإنما طُويَ ذكرُ المتروك لغاية ظهورِ الأمرِ لا سيما بعد الإشعارِ المذكورِ، والتعبـيرُ عن ذلك بالاشتراء الذي هو عبارةٌ عن استبدال السلعةِ بالثمن أي أخذِها بدلاً منه أخذاً ناشئاً عن الرغبة فيها والإعراضِ عنه للإيذان بكمال رغبتِهم في الضلالة التي حقُّها أن يُعرَضَ عنها كلَّ الإعراضِ، وإعراضِهم عن الهداية التي يتنافس فيها المتنافسون، وفيه من التسجيل على نهاية سخافةِ عقولِهم وغايةِ ركاكةِ آرائِهم ما لا يخفى حيث صُوِّرت حالُهم بصورة ما لا يكاد يتعاطاه أحدٌ ممن له أدنى تميـيزٍ، وليس المرادُ بالضلالة جنسَها الحاصلَ لهم من قبلُ حتى يُخِلَّ بمعنى الاشتراءِ المنبـيءِ عن تأخُّرِها عنه بل هو فردُها الكاملُ وهو عنادُهم وتماديهم في الكفر بعد ما علموا بشأن النبـيِّ عليه السلام وتيقنوا بحقِّية دينه وأنه هو النبـيُّ العربـيُّ المبشَّرُ به في التوراة، ولا ريب في أن هذه الرتبةَ لم تكن حاصلةً لهم قبل ذلك وقد مر في أوائل سورة البقرة. {وَيُرِيدُونَ} عطفٌ على يشترون شريكٌ له في بـيان محلِّ التشنيعِ والتعجبِ، وصيغةُ المضارعِ فيهما للدِلالة على الاستمرار التجدّدي، فإن تجددَ حُكمِ اشترائِهم المذكورِ وتكررَ العملِ بموجبه في قوة تجدّدِ نفسِه وتكرُّرِه، أي لا يكتفون بضلال أنفسِهم بل يريدون بما فعلوا من كتمان نعوتِه عليه السلام {أَن تَضِلُّواْ} أنتم أيضاً أيها المؤمنون {ٱلسَّبِيلِ} المستقيمَ الموصِلَ إلى الحق.
القشيري
تفسير : ومكروا مكراً ولم يشعروا وجهة مكرهم أن أُعْطُوا الكتابَ ثم حُرِمُوا بركاتِ الفهم حتى حرَّفوا وأصَرُّوا. قوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ}... الآية: تركوا حشمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورفضوا حرمته، فعوقبوا بالشك في أمره، ولذلك لم يترك أحد حشمته (محتشم) إلا حيل بينه وبين نيل بركات صحبته وزوائد خدمته. ولو أنهم عاجلوا في نفي ما دَاخَلَهم من الحسد وقابلوا حاله بالتبجيل والإعظام لوجدوا بركات متابعته، فأُسْعِدوا به في الدارين، وكيف لم يكونوا كذلك وقد أقصتهم السوابق فأقعدتهم القسمة عن بساط الخدمة؟ وإنَّ مَنْ قعدت به الأقدار لم ينهض به الاحتيال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر} الخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المؤمنين والرؤية بصرية لشهرة شنائع الموصوفين حتى انتظمت فى سلك الامور المشاهدة {الى الذين اوتوا نصيبا} حظا كائنا {من الكتاب} من علم الكتاب وهو التوراة والمراد بهم احبار اليهود اى الم تنظر اليهم فانهم احقاء بان تشاهدهم وتتعجب من احوالهم. نزلت فى حبرين من احبار اليهود كانا يأتيان رئيس المنافقين عبد الله بن ابى ورهطه يثبطانهم عن الاسلام {يشترون الضلالة} كأنه قيل ماذا يصنعون حتى ينظر اليهم فقيل يأخذون الضلالة ويتركون ما اوتوه من الهداية {ويريدون} اى لا يكتفون بضلالة انفسهم بل يريدون بما فعلوا من كتمان نعوته صلى الله عليه وسلم {ان تضلوا} انتم ايضا ايها المؤمنون {السبيل} المستقيم الموصل الى الحق وانما ارادوا ذلك ليكون الناس كلهم على دينهم فتكون لهم الرياسة على الكل واخذ المرافق من الكل.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: دخلت الباء على الفاعل في {كفى بالله}، لتضمنه معنى أكتف بالله وكيلاً. يقول الحقّ جلّ جلاله {ألم تر} يا محمد، أو يا من يسمع، ببصرك أو بقلبك {إلى} حال {الذين أوتوا نصيبًا} يسيرًا {من} علم {الكتاب} أي: التوراة، وهم أحبار اليهود، {يشترون الظلال} بالهدى، أي: يستبدلونها بها بعد تمكنهم منها عادة، {ويُريدون أن تضلوا السبيل} أي: الطريق الموصلة إلى الحق، أي: يتمنون انحرافكم عنها، فإذا سمعوا عنكم ما يحرفكم عنه فرحوا واستبشروا، لأنهم انحرفوا عنها فحرفوا كتابهم وبدلوا، فتمنوا أن تكونوا مثلهم، فاحذروا ما يتوقع منكم أعداؤكم، فإن الله أعلم بهم منكم، فسيكفيكم الله أمرهم، فثقوا به وتوكلوا عليه، فكفى بالله وليًا وكفى بالله نصيرًا، فسيتولى أمركم وينصركم على من عاداكم. وبالله التوفيق. الإشارة: من شأن أهل الإنكار، ولا سيما من سلف له في أسلافه رياسة أو إظهار، إذا سمعوا بأهل النسبة وقع لهم شيء من الأكدار، فرحوا واستبشروا، وودوا لو حادوا كلهم عن سبيل الحق، والله مطلع على أسرارهم، وكاف بأسهم وشرهم، {وكفى بالله وليًا} لأوليائه ونصيرًا لأحبابه، والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : القراءة والنزول: في الكوفي جعلوا {السبيل} آخر الأولى. وآية واحدة في غير الكوفي. ذكر ابن عباس، وقتادة، وعكرمة: أن الآية نزلت في قوم من اليهود، وكانوا يستبدلون الضلالة بالهدى، لتكذيبهم بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بدلا من التصديق به، مع قيام الحجة عليهم بما ثبت من صفته عندهم، فكأنهم اشتروا الضلالة بالهدى. وقال أبو علي الجبائي، وغيره: كانت اليهود تعطي أحبارها كثيراً من أموالهم على ما كانوا يصفونه لهم، فجعل ذلك اشتراء منهم. وقال الزجاج: كانوا يأخذون الرشا. المعنى: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها التأكيد للأحكام التي يجب العمل بها، بالتحذير ممن يدعو إلى خلافها، ويكذب بها. وقوله: {ألم تر} قال الزجاج، معناه: ألم تخبر في جميع القرآن؟ وقال غيره: ألم تعلم؟ وقال الرماني، معناه: رؤية البصر، والمرئي هو الدين، وإنما دخلت {إلى}، لأن الكلام يتضمن معنى التعجب، كقولك: ألم تر إلى زيد ما أكرمه؟ تقديره: ألم تر عجباً بانتهاء رؤيتك إلى زيد؟ ثم بين ذلك بقوله: ما أكرمه، ومثله قوله: {أية : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل}. تفسير : كأنه قال: ألم تر عجباً بانتهاء رؤيتك إلى تدبير ربك كيف مدّ الظل؟ قال: ومن فسره على: ألم تخبر، ألم تعلم، فانما ذهب إلى ما يؤول المعنى إليه، لأن الخبر والعلم لا يصلح فيهما (إلى) كما يصلح مع الرؤية. وقوله: {ويريدون أن تضلوا السبيل} معناه: يريد هؤلاء اليهود أن تضلوا، معشر المؤمنين، أي تزلوا عن قصد الطريق، ومحجة الحق، فتكذبوا بمحمد فتكونون ضلالا، وفي ذلك تحذير للمؤمنين أن يستنصحوا أحداً من أعداء الاسلام في شيء من أمورهم لدينهم ودنياهم، ثم بين تعالى أنه أعلم منكم بعداوة اليهود لكم أيها المؤمنون، فانتهوا إلى طاعتي، وامتثال أوامري فيما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكم، فاني أعلم بباطنهم منكم، وما هم عليه من الغش، والحسد، والعداوة. وقيل معناه: والله يجازيهم على عداوتهم، كقولك: إني أعلم ما تفعل أي اجازيك عليه. وقوله: {وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} معناه: إن ولاية الله لكم، ونصرته إياكم، تغنيكم عن غيره من هؤلاء اليهود ومن جرى مجراهم، ممن تطمعون في نصرته. ودخلت الباء في قوله: {بالله} لأحد أمرين: أحدهما - للتأكيد، لأن الاسم في "كفى الله" كان يتصل اتصال الفاعل، فلما دخلت الباء صار يتصل اتصال المضاف واتصال الفاعل، ليعلم أن الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره في المرتبة، وعظم المنزلة، فضوعف لفظها لمضاعفة معناها. الثاني - لأنه دخله معنى: اكتفوا بالله، ذكره الزجاج، وموضعه رفع بلا خلاف. اللغة: والعداوة الابعاد من حال النصرة، وضدها الولاية، وهي التقرب من حال النصرة، وأما البغض فهو إرادة الاستخفاف والاهانة، وضده المحبة وهي إرادة الاعظام والكرامة. والكفاية بلوغ الغاية في مقدار الحاجة، كفى يكفي كفاية فهو كاف، والاكتفاء الاجتزاء بشيء دون شيء، ومثله الاستغناء، والنصرة الزيادة في القوة للغلبة، ومثلها المعونة، وضدها الخذلان، ولا يكون ذلك إلا عقوبة، لأن منع المعونة مع الحاجة عقوبة.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً} حظّاً يسيراً {مِّنَ ٱلْكِتَابِ} اى كتاب النّبوّة بان دخلوا فى شريعة وقبلوا دعوة نبىّ دعوته الظّاهرة مثل اليهود والنّصارى والمسلمين الّذين بايعوا محمّداً (ص) بالبيعة العامّة النّبويّة بان لا يخالفوا قوله ويطيعوا امره ونهيه وان كان نزول الآية فى احبار اليهود فالمقصود منافقوا الامّة تعريضاً الّذين انحرفوا عن طريق الولاية ومنعوا غيرهم والآية تعجيب من حالهم الّتى كانوا عليها لانّ النصيب من الكتاب يقتضى الاهتداء الى اصحاب الكتاب والبيعة معهم وقبول ولايتهم لانّ الاسلام طريق الى الايمان وبه يهتدى اليه وذلك قال تعالى {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ} والخروج من طريق الولاية وطريق القلب بالهدى الّذى يحصل لهم من ظاهر اسلامهم لانّه بضاعتهم المكتسبة من اسلامهم و {بِٱلْهُدَىٰ} الّذى هو فطرتهم ولا يقنعون به {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ} ايّها المؤمنون عن {ٱلسَّبِيلَ} الّذى انتم عليه من ولاية علىّ (ع).
الهواري
تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ} يعني اليهود {يَشْتَرُونَ الضّلاَلَةَ} أي يختارون الضلالة، في تفسير الحسن. وقال غيره يستحبون الضلالة على الهدى، حرَّفوا كتاب الله. {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ} يعني محمداً وأصحابه. وذلك أنهم دعوهم إلى دينهم. {وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} يعني اليهود، وهو كقوله: (أية : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) تفسير : [المائدة: 82] قال: {وَكَفَى بِاللهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللهِ نَصِيراً}. قوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}. قال مجاهد: تبديل اليهود التوراة. وقال الحسن: تحريفهم؛ حرَّفوا كلام الله، وهو الذي وضعوا من قِبَل أنفسهم من الكتاب، ثم ادَّعوا أنه من كتاب الله. قال: (أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ).تفسير : [البقرة:79]. قوله: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} وهم اليهود. قال الكلبي: {غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي: لا سمعت. وقال الحسن: غير مسمع منا ما تحب. وقال مجاهد: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} أي: سمعنا ما تقول ولا نطيعك. {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي: غير مقبول ما تقول. قوله: {وَرَاعِنَا} قال الكلبي: يلوي لسانه بالسبّ. وقد فسّرناه في سورة البقرة. وقال الحسن: (رَاعِنَا): السخريّ من القول: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} يعني ما يلوون به ألسنتهم من كتمانهم محمداً والإِسلام. وقال مجاهد: كان أحدهم يقول: ارعني سمعك، يلوي بذلك لسانه. قال: {وَطَعْناً فِي الدِّينِ} أي في الإِسلام. قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا} حتى نتفهم {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ} لأمرهم. {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}. قال بعضهم: قلَّ من آمن من اليهود. ذكر محمد بن سيرين قال: ما نعلم أحداً من اليهود أسلم على عهد النبي محمد عليه السلام غير عبد الله بن سلام، والحسن يذكر آخر، ما أدري من هو. ذكروا عن رفاعة القرظي في قوله: (أية : الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ) تفسير : [القصص:52] قال: نزلت في عشرة ممن أسلم من اليهود أنا أحدهم. ذكر أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لو آمن بي واتبعني وصدقني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا اتبعني تفسير : . فقال كعب: اثنا عشر. وفي حديث الحسن: عشرة. ومصداق ذلك في كتاب الله: (أية : وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِّنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) تفسير : [المائدة:12]. وقال بعض العلماء: إن لم يكن قال هذا النبي بعدما أسلم الاثنان اللذان قال محمد بن سيرين فما أدري ما هو.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ}: التوراة وهم أحبار اليهود الذين كانوا بالمدينة، وقيل اليهود والنصارى، فالكتاب التوراة والإنجيل، والرؤية قلبية وعديت بإلى لتضمنها معنى الانتهاء، أى: ألم نأته علمك إليهم أو البصرية لأنها تعدى بإلى كالنظر، كما تعدى بنفسها، يقال: ورأيت إليه، كما يقال: نظرت إليه، والأول أولى، ووجه الثانى أنه يقال: أنظر إنه الذى فعل كذا، ويريدون النظر إليه بالعين، ولكن المراد التوصل بنظر بدنه إلى توسم أحواله، وقال ابن عباس: أنزلت فى رفاعة بن زيد، ومالك اليهوديين، كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكياه وعاباه وعاباه والنصيب من الكتاب: بعضه، وقيل معرفتهم بموسى، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يعرفوها، وقيل عرفوها وأنكروها فيه، أنه من عرف شيئاً فقد أوتيه ولو أنكره بلسانه، وقيل: النصيب الذى أوتوه المعرفة والنصيب الذى لم يؤتوه هو العمل، والصحيح الأول، وهو أنه عرفوا بعض الكتاب هكذا بحيث نعم ذلك بالبعض نبوة سيرة محمد صلى الله عليه وسلم {يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ}: الضلالة: تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبقاء على اليهودية. والهدى: الإيمان به، لتبقى رئاستهم والعطايا التى يعطونها والرشا التى يرشونها فى الحكم، وعلى تحريف التوراة، والاشتراء إما اختيارهم الضلالة والإعراض عما يذكر لهم من الهدى، قبل أن يفهموه، وإما اختيارهم لها بعد إدراكهم الهدى وفهمهم له، أو بعد تمكنهم من فهمه، فاستعمل الشراء فى مطلق الإقبال على شىء وترك غيره استعمالا للفظ الموضوع للمعنى المقيد فى المعنى المطلق، أو استعير لفظ الشراء لذلك الإقبال، وقيل: المراد الذين يعطون أموالهم للأحبار. {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّواْ السَّبِيلَ}: كما ضلوه، لم يكتفوا بضلالتهم، بل أرادوا أن تصلوا معهم أيها المؤمنون بعد وضوح الآيات لهم ولكم على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه النبى المبشر فى التوراة والإنجيل، وكانوا يدعونكم إلى الضلالة، والسبيل سبيل الحق والشرع المحمدى، أو ملة إبراهيم عليه السلام، والنصب على حذف "عن" أى عن السبيل، أو على المفعولية لتضمين تضلوا معنى تتركوا أو تفقدوا، وقرئ: {يضلوا} بياء مضمومة مع كسر الضاد على حذف مفعول، أى أن يضلوكم السبيل، أو يضلوا غيرهم السبيل، ومع فتح الضاد، أى أن يوقفهم الله أو الشيطان فى الضلالة، شبه سعيهم فى الضلالة بإرادة أن يوقعهم الله فيها، أو الشيطان.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} ألم تبصر بعينيك، أو لم تعلم، فذلك تعجيب، والخطاب له صلى الله عليه وسلم، وخطاب سيد القوم خطاب لهم، أو ذلك خطاب لكل من يصلح له، ولتضمنه معنى الانتهاء، فعدى بإلى فى قوله {إَلَى الَّذِينَ أُوتُوا} وهم أحبار اليهود، ومنهم حبران يأتيان رأس المنافقين، عبد الله بن أُبىّ ورهطه يثبطانهم عن الإسلام، وهما رفاعة بن زيد، ومالك بن دخشم، وكانا إذا تكلم صلى الله عليه وسلم لويا لسانهما، وعاباه {نَصِيباً} قليلا {مِّنَ الكِتَابِ} من علم التوراة، أو جنس الكتاب، وقيل القرآن، ولو أنكره اليهود، لأنه حق فى قلوبهم {يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ} يأخذونها، إعراضاً عن الهدى، وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقد أمكن لهم، أو كأنه كان فى أيديهم لقوة أدلته، فاشتروا الضلالة به، أو كان فى أيديهم تحقيقاً وتركوه لهما، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، أو اشتراء الضلالة أخذ الرشا وتحريف التوراة {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا} أيها المؤمنون كما ضلوا لم يكتفوا بضلال أنفسهم {السَّبِيلّ} سبيل الحق؛ إى تفقدوه، ولهذا التضمين تعدى، أو عن السبيل فهو مفعول به غير صريح.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} استئناف لتعجيب المؤمنين من سوء حالهم والتحذير عن موالاتهم إثر ذكر أنواع التكاليف والأحكام الشرعية، والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المؤمنين؛ وفيه إيذان بكمال شهرة شناعة حالهم، وقيل: لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وخطاب سيد القوم في مقام خطابهم والرؤية بصرية، وتعديها بإلى حملاً لها على النظر ـ أي ألم تنظر إليهم ـ وجعلها علمية وتعديها بإلى لتضمينها معنى الانتهاء ـ أي ألم ينته علمك إليهم ـ منحط في مقام التعجيب وتشهير شنائعهم، ونظمها في سلك الأمور المشاهدة، والمراد من الموصول يهود المدينة. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لويا لسانهما وعاباه، وعنه أنها / نزلت في حبرين كانا يأتيان رأس المنافقين عبد الله بن أبـيّ ورهطه يثبطانهم عن الإسلام. والمراد من الكتاب التوراة، وقيل: الجنس وتدخل فيه دخولاً أولياً وفيه تطويل للمسافة، وقيل: القرآن لأن اليهود علموا أنه كتاب حق أتى به نبـي صادق لا شبهة في نبوته، وفيه أنه خلاف الظاهر، وبالذي أوتوه ما بين لهم فيه من الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه من نعت النبـي صلى الله عليه وسلم، والتعبير عن بالنصيب المشعر بأنه حق من حقوقهم التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها للإيذان بركاكة آرائهم في الإهمال، والتنوين للتفخيم، وهو مؤيد للتشنيع، ومثله ما لو حمل على التكثير، و {مِنْ} متعلقة بمحذوف وقع صفة لنصيباً مبينة لفخامته الإضافية إثر فخامته الذاتية، وقيل: متعلقة ـ بأوتوا ـ وقوله تعالى: {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ} استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار التعجيب المفهومين من صدر الكلام مبني على سؤال نشأ منه كأنه قيل: ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم؟ فقيل: يختارون الضلالة على الهدى أو يستبدلونها به بعد تمكنهم منه المنزل منزلة الحصول، أو حصوله لهم بالفعل بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: المعنى يأخذون الرشا ويحرفون التوراة، فالضلالة هو هذا التحريف أي اشتروها بمال الرشا، وذهب أبو البقاء إلى أن جملة {يَشْتَرُونَ} حال مقدرة من ضمير {أُوتُواْ} أو حال من {ٱلَّذِينَ}، وتعقب الوجه الأول: بأنه لا ريب في أن اعتبار تقدير اشترائهم المذكور في الإيتاء مما لا يليق بالمقام، والثاني: بأنه خال عن إفادة أن مادة التشنيع والتعجيب هو الاشتراء المذكور، وما عطف عليه من قوله تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} فالأوجه الاستئناف والمعطوف شريك للمعطوف عليه فيما سبق له، والمعنى أنهم لا يكتفون بضلال أنفسهم بل يريدون بما فعلوا من تكذيب النبـي صلى الله عليه وسلم وكتم نعوته الناطقة بها التوراة أن تكونوا أنتم أيضاً ضالين الطريق المستقيم الموصل إلى الحق، والتعبير بصيغة المضارع في الموضعين للإيذان بالاستمرار التجددي فإن تجدد حكم اشترائهم المذكور وتكرر العمل بموجبه في قوة تجدد نفسه وتكرره، وفي ذلك أيضاً من التشنيع ما لا يخفى، وقرىء {أَن يَضِلُّواْ} بالياء بفتح الضاد وكسرها.
سيد قطب
تفسير : ابتداء من هذا الدرس في السورة، تبدأ المعركة التي يخوضها القرآن بالجماعة المسلمة، في مواجهة الجاهلية المحيطة بها - واليهود من أهل الكتاب خاصة - تلك المعركة التي شهدنا مواقعها ومجالاتها في سورتي البقرة وآل عمران من قبل.. وهي هي.. والمعسكرات المعادية هي هي كذلك! المعسكرات التي تحدثنا عنها في تقديم سورة البقرة، وفي تقديم سورة آل عمران، وفي تقديم هذه السورة كذلك. ابتداء من هذا الدرس تبدأ المعركة الخارجية. معركة الجماعة المسلمة مع المعسكرات المعادية من حولها.. ولكن هذا في الحقيقة ليس بدء المعركة. فكل ما سبق في السورة من التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والعائلية والأخلاقية؛ ومحو الملامح الجاهلية - في المجتمع المسلم الذي التقطه المنهج الرباني من سفح الجاهلية - وتخطيط وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة في هذا المجتمع.. كل ذلك لم يكن بعيداً عن المعركة الخارجية مع أعداء الجماعة المسلمة في المدينة خاصة؛ وفي الجزيرة عامة.. إنما كان التمهيد الحقيقي لها، والاستعداد الحقيقي لمواجهتها.. كانت تلك معركة البناء. بناء هذا المجتمع الجديد، على أسس المنهج الإسلامي الجديد؛ كي يستطيع أن يواجه المجتمعات المعادية من حوله، ويتفوق عليها. وكما رأينا في سورتي البقرة وآل عمران العناية تتجه أولاً إلى بناء هذا المجتمع من داخله. بناء عقيدته وتصوراته، وأخلاقه ومشاعره، وتشريعاته وأوضاعه، إلى جانب تعليم الجماعة المسلمة كل شيء عن طبيعة أعدائها، ووسائلهم، وتحذيرها من كيدهم ومكرهم، وتوجيهها إلى المعركة معهم بقلوب مطمئنة، وعيون مفتوحة، وإرادات محشودة، ومعرفة بطبيعة المعركة وطبيعة الأعداء.. كذلك نجد الأمر هنا في هذه السورة، سواء بسواء. لقد كان القرآن فيها جميعاً، يخوض المعركة بالجماعة المسلمة، في كل جبهة.. كان يخوضها في الضمائر والمشاعر، حيث ينشى ء فيها عقيدة جديدة، ومعرفة بربها جديدة، وتصوراً للوجود جديداً، ويقيم فيها موازين جديدة، وينشىء فيها قيماً جديدة؛ ويستنقذ فطرتها من ركام الجاهلية؛ ويمحو ملامح الجاهلية في النفس والمجتمع؛ وينشىء ويثبت ملامح الإسلام الوضيئة الجميلة.. ثم يقودها في المعركة مع أعدائها المتربصين بها في الداخل والخارج.. اليهود والمنافقين والمشركين.. وهي على أتم استعداد للقائهم، والتفوق عليهم؛ بمتانة بنائها الداخلي الجديد: الاعتقادي والأخلاقي والاجتماعي والتنظيمي سواء.. ولقد كان التفوق الحقيقي للمجتمع المسلم على المجتمعات الجاهلية من حوله - بما فيها مجتمع اليهود القائم في قلب المدينة - هو تفوقه في البناء الروحي والخلقي والاجتماعي والتنظيمي - بفضل المنهج القرآني الرباني - قبل أن يكون تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً أو مادياً على العموم! بل هو لم يكن قط تفوقاً عسكرياً واقتصادياً - مادياً - فقد كان أعداء المعسكر الإسلامي دائماً أكثر عدداً، وأقوى عدة، وأغنى مالاً، وأوفر مقدرات مادية على العموم! سواء في داخل الجزيرة العربية، أو في خارجها في زمن الفتوحات الكبرى بعد ذلك.. ولكن التفوق الحقيقي كان في ذلك البناء الروحي والخلقي والاجتماعي - ومن ثم السياسي والقيادي - الذي أسسه الإسلام بمنهجه الرباني المتفرد. وبهذا التفوق الساحق على الجاهلية في بنائها الروحي والخلقي والاجتماعي - ومن ثم السياسي والقيادي - اجتاح الإسلام الجاهلية.. اجتاحها أولاً في الجزيرة العربية. واجتاحها ثانياً في الإمبراطوريتين العظيمتين الممتدتين حوله: إمبراطوريتي كسرى وقيصر.. ثم بعد ذلك في جوانب الأرض الأخرى. سواء كان معه جيش وسيف، أم كان معه مصحف وأذان! ولولا هذا التفوق الساحق ما وقعت تلك الخارقة التي لم يعرف لها التاريخ نظيراً. حتى في الاكتساحات العسكرية التاريخية الشهيرة. كزحف التتار في التاريخ القديم. وزحف الجيوش الهتلرية في التاريخ الحديث.. ذلك أنه لم يكن اكتساحاً عسكرياً فحسب. ولكنه كان اكتساحاً عقيدياً. ثقافياً. حضارياً كذلك! يتجلى فيه التفوق الساحق الذي يطوي - من غير إكراه - عقائد الشعوب ولغاتها، وتقاليدها وعاداتها.. الأمر الذي لا نظير له على الإطلاق في أي اكتساح عسكري آخر، قديماً أو حديثاً! لقد كان تفوقاً "إنسانياً" كاملاً. تفوقاً في كل خصائص "الإنسانية" ومقوماتها. كان ميلاداً آخر للإنسان. ميلاد إنسان جديد غير الذي تعرفه الأرض على وجه اليقين والتأكيد. ومن ثم صبغ البلاد التي غمرها هذا المد بصبغته؛ وترك عليها طابعه الخاص؛ وطغى هذا المد على رواسب الحضارات التي عاشت عشرات القرون من قبل في بعض البلاد. كالحضارة الفرعونية في مصر. وحضارة البابليين والأشوريين في العراق، وحضارة الفينيقيين والسريان في الشام. لأنه كان أعمق جذوراً في الفطرة البشرية؛ وأوسع مجالاً في النفس الإنسانية، وأضخم قواعد وأشمل اتجاهات في حياة بني الإنسان، من كل تلك الحضارات. وغلبة اللغة الإسلامية واستقرارها في هذه البلاد، ظاهرة عجيبة، لم تستوف ما تستحقه من البحث والدراسة والتأمل، وهي في نظري أعجب من غلبة العقيدة واستقرارها. إذ أن اللغة من العمق في الكينونة البشرية ومن التشابك مع الحياة الاجتماعية. بحيث يعد تغييرها على هذا النحو معجزة كاملة! وليس الأمر في هذا هو أمر "اللغة العربية". فاللغة العربية كانت قائمة؛ ولكنها لم تصنع هذه المعجزة في أي مكان على ظهر الأرض - قبل الاسلام - ومن ثم سميتها "اللغة الإسلامية" فالقوة الجديدة التي تولدت في اللغة العربية، وأظهرت هذه المعجزة على يديها، كانت هي "الإسلام" قطعاً! وكذلك اتجهت العبقريات الكامنة في البلاد المفتوحة (المفتوحة للحرية والنور والطلاقة) اتجهت إلى التعبير عن ذاتها - لا بلغاتها الأصلية - لكن باللغة الجديدة. لغة هذا الدين. اللغة الإسلامية. وأنتجت بهذه اللغة في كل حقل من حقول الثقافة نتاجاً تبدو فيه الأصالة؛ ولا يلوح عليه الاحتباس من معاناة التعبير في لغة غريبة - غير اللغة الأم - لقد أصبحت اللغة الإسلامية هي اللغة الأم فعلاً لهذه العبقريات.. ذلك أن الرصيد الذي حملته هذه اللغة كان من الضخامة أولاً؛ ومن ملاصقة الفطرة ثانياً؛ بحيث كان أقرب إلى النفوس وأعمق فيها, من ثقافاتها القديمة. ومن لغاتها القديمة أيضاً! لقد كان هذا الرصيد هو رصيد العقيدة والتصور؛ ورصيد البناء الروحي والعقلي والخلقي والاجتماعي الذي أنشاه المنهج الإسلامي في فترة وجيزة. وكان من الضخامة والعمق واللصوق بالفطرة، بحيث أمد اللغة - لغة الإسلام - بسلطان لا يقاوم. كما أمد الجيوش - جيوش الإسلام - بسلطان لا يقاوم كذلك! وبغير هذا التفسير يصعب أن نعلل تلك الظاهرة التاريخية الفريدة. وعلى أية حال فهذا موضوع يطول شرحه. فحسبنا منه هذه اللمحة في سياق الظلال.. منذ هذا الدرس في هذه السورة تبدأ المعركة مع المعسكرات المعادية المتربصة بالجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة.. ففي هذا الدرس تعجيب من حال اليهود وتصرفاتهم في مواجهة الدين الجديد والجماعة التي تمثله.. وفي الدرس الذي يليه بيان لوظيفة الجماعة المسلمة، وطبيعة منهجها، وحد الإسلام، وشرط الإيمان، الذي يتميز به منهجها وحياتها ونظامها.. وفي الدرس الذي يليه دعوة لهذه الجماعة للذود عن منهجها ووضعها ووجودها؛ وكشف للمنافقين المندسين فيها؛ وبيان لطبيعة الموت والحياة وقدر الله الذي يجري بهما؛ وهو جزء من تربية هذه الجماعة، وإعدادها لوظيفتها وللمعركة مع أعدائها.. وفي الدرس الذي يليه مزيد من الحديث عن المنافقين؛ وتحذير للجماعة المسلمة من الانقسام في شأنهم، أو الدفاع عن تصرفاتهم. ثم تفصيل للإجراءات التي تواجه بها الجماعة المسلمة شتى المعسكرات من حولها - أي لقواعد قانون المعاملات الدولية - وفي الدرس الذي يليه نجد نموذجاً لرفعة الإسلام في معاملته ليهودي فرد في المجتمع الإسلامي!.. والدرس الذي يليه جولة مع الشرك والمشركين، وتوهين للأسس التي يقوم عليها المجتمع المشرك في الجزيرة.. ويتوسط هذه المعركة لمحة من التنظيم الداخلي، ترتبط بأوائل السورة في شأن الأسرة.. ثم يجيء الدرس الأخير - في هذا الجزء - خاصاً بالنفاق والمنافقين؛ يهبط بهم إلى الدرك الأسفل من النار! وهذه الإشارات الخاطفة تبين لنا طبيعة مجالات المعركة وجوانبها المتعددة - في الداخل والخارج.. وطبيعة التوافق والتكامل، بين المعركة الداخلية والمعركة الخارجية في حياة المجتمع الإسلامي الأول.. وهي هي بذاتها معركة الأمة المسلمة اليوم وغداً في أساسها وحقيقتها. {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، يشترون الضلالة، ويريدون أن تضلوا السبيل؟ والله أعلم بأعدائكم، وكفى بالله ولياً، وكفى بالله نصيراً. من الذين هادوا، يحرفون الكلم عن مواضعه. ويقولون: سمعنا وعصينا، واسمع - غير مسمع - وراعنا. ليّاً بألسنتهم، وطعناً في الدين. ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا، واسمع وانظرنا، لكان خيراً لهم وأقوم. ولكن لعنهم الله بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلاً}.. إنه التعجيب الأول - من سلسلة التعجيبات الكثيرة - من موقف أهل الكتاب - من اليهود - يوجه الخطاب فيه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو إلى كل من يرى هذا الموقف العجيب المستنكر: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب.. يشترون الضلالة. ويريدون أن تضلوا السبيل}.. لقد كان من شأن أن يؤتوا نصيباً من الكتاب.. الهداية.. فقد آتاهم الله التوراة، على يدي موسى عليه السلام، لتكون هداية لهم من ضلالتهم الأولى.. ولكنهم يدعون هذا النصيب. يدعون الهداية. ويشترون الضلالة! والتعبير بالشراء يعني القصد والنية في المبادلة! ففي أيديهم الهدى ولكنهم يتركونه ويأخذون الضلالة. فكأنما هي صفقة عن علم وعن قصد وعمد. لا عن جهل أو خطأ أو سهو! وهو أمر عجيب مستنكر، يستحق التعجيب منه والاستنكار. ولكنهم لا يقفون عند هذا الأمر العجيب المستنكر. بل هم يريدون أن يضلوا المهتدين. يريدون أن يضلوا المسلمين.. بشتى الوسائل وشتى الطرق. التي سبق ذكرها في سورتي البقرة وآل عمران؛ والتي سيجيء طرف منها في هذه السورة كذلك.. فهم لا يكتفون بضلال أنفسهم الذي يشترونه؛ بل يحاولون طمس معالم الهدى من حولهم؛ حتى لا يكون هناك هدى ولا مهتدون! وفي هذه اللمسة: الأولى، والثانية، تنبيه للمسلمين وتحذير؛ من ألاعيب اليهود وتدبيرهم.. ويا له من تدبير! وإثارة كذلك لنفوس المسلمين ضد الذين يريدون لهم الضلالة بعد الهدى. وقد كان المسلمون يعتزون بهذا الهدى؛ ويعادون من يحاول ردهم عنه إلى جاهليتهم التي عرفوها وعرفوا الإسلام. فكرهوها وأحبوا الإسلام! وكرهوا كل من يحاول ردهم إليها في قليل أو كثير.. وكان القرآن يخاطبهم هكذا، عن علم من الله، بما في صدورهم من هذا الأمر الكبير. ومن ثم يعقب على إبراز هذه المحاولة من اليهود، بالتصريح بأن هؤلاء أعداء للمسلمين. وبتطمين الجماعة المسلمة إلى ولاية الله ونصره، إزاء تلك المحاولة: {والله أعلم بأعدائكم. وكفى بالله ولياًَ. وكفى بالله نصيراً}.. وهكذا يصرح العداء ويستعلن، بين الجماعة المسلمة واليهود في المدينة.. وتتحدد الخطوط.. وقد كان التعجيب من أهل الكتاب عامة - وكان المفهوم أن المعنيين هم يهود المدينة - ولكن السياق لا يكتفي بهذا المفهوم. بل يمضي فيعين اليهود. ثم يصف حالهم وتصرفاتهم وسوء أدبهم مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الفترة التي يبدو أنها كانت في أوائل سنوات الهجرة، قبل أن تخضد شوكتهم في المدينة: {من الذين هادوا، يحرفون الكلم عن مواضعه؛ ويقولون: سمعنا وعصينا. واسمع - غير مسمع - وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين.}.. لقد بلغ من التوائهم، وسوء أدبهم مع الله عز وجل: أن يحرفوا الكلام عن المقصود به. والأرجح أن ذلك يعني تأويلهم لعبارات التوراة بغير المقصود منها. وذلك كي ينفوا ما فيها من دلائل على الرسالة الأخيرة؛ ومن أحكام كذلك وتشريعات يصدقها الكتاب الأخير؛ وتدل وحدتها في الكتابين على المصدر الواحد؛ وتبعاً لهذا على صحة رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم. وتحريف الكلم عن المقصود به، ليوافق الأهواء, ظاهرة ملحوظة في كل رجال دين ينحرفون عن دينهم، ويتخذونه حرفة وصناعة، يوافقون بها أهواء ذوي السلطان في كل زمان؛ وأهواء الجماهير التي تريد التفلت من الدين.. واليهود أبرع من يصنع ذلك. وإن كان في زماننا هذا من محترفي دين المسلمين من ينافسون - في هذه الخصلة - اليهود! ثم بلغ من التوائهم وسوء أدبهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقولوا له: سمعنا يا محمد ما تقول. ولكننا عصينا! فلا نؤمن ولا نتبع ولا نطيع! - مما يدل على أن هذه الآيات نزلت في وقت مبكر، حيث كانت لليهود هذه الجرأة على مواجهة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يضيفون إلى التبجح سوء الأدب والخلق والالتواء أيضاً. إذ يقولون للرسول - صلى الله عليه وسلم -: {واسمع - غير مسمع - وراعنا}.. ففي ظاهر اللفظ أنهم يقولون: اسمع - غير مأمور بالسمع وهي (صيغة تأدب) - وراعنا: أى: انظر إلينا نظرة رعاية لحالنا أو نظرة اهتمام لوضعنا. بما أنهم أهل كتاب، فلا ينبغي أن يدعوا إلى إلاسلام كالمشركين! أما في الليّ الذي يلوونه، فهم يقصدون: اسمع - لا سمعت، ولا كنت سامعاً! - (أخزاهم الله). وراعنا يميلونها إلى وصف "الرعونة"! وهكذا.. تبجح وسوء أدب، والتواء ومداهنة، وتحريف للكلم عن مواضعه وعن معانيه.. إنها يهود!!! وبعد أن يحكي القرآن هذا عنهم؛ يقرر المنهج اللائق بأهل الكتاب؛ والأدب الجدير بمن أوتوا نصيباً منه. ويطمعهم - بعد ذلك كله - في الهداية والجزاء الحسن والفضل والخير من الله. لو ثابوا إلى الطريق القويم. وذلك مع بيان حقيقة طبيعتهم. وأنها هكذا كانت وهكذا تكون: {ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا، واسمع وانظرنا، لكان خيراً لهم وأقوم، ولكن لعنهم الله بكفرهم، فلا يؤمنون إلاقليلاً".. فهم لا يواجهون الحق بهذه الصراحة وهذه النصاعة وهذه الاستقامة. ولو أنهم واجهوه هكذا بالألفاظ الصريحة التي لا التواء فيها: {سمعنا وأطعنا، واسمع وانظرنا}. لكان هذا خيراً لهم، وأقوم لطبيعتهم وأنفسهم وحالهم. ولكن واقع الأمر أنهم - بسبب كفرهم - مطرودون من هداية. الله فلا يؤمن منهم إلا القليل. وصدق قول الله.. فلم يدخل في الإسلام - في تاريخه الطويل - إلا القليل من اليهود. ممن قسم الله لهم الخير، وأراد لهم الهدى؛ باجتهادهم للخير وسعيهم للهدى. أما كتلة اليهود، فقد ظلت طوال أربعة عشر قرناً، حرباً على الإسلام والمسلمين. منذ أن جاورهم الإسلام في المدينة إلى اللحظة الحاضرة. وكيدهم للإسلام كان هو الكيد الواصب الذي لا ينقطع، العنيد الذي لا يكف، المنوع الأشكال والألوان والفنون، منذ ذلك الحين! وما من كيد كاده أحد للإسلام في تاريخه كله - بما في ذلك كيد الصليبية العالمية والاستعمار بشتى أشكاله - إلا كان من ورائه اليهود. أو كان لليهود فيه نصيب! بعد ذلك يتجه الخطاب إلى الذين أوتوا الكتاب - اليهود - دعوة إلى الكتاب المصدق لما بين أيديهم؛ وتهديداً لهم بالمسخ واللعن المتوقعين من وراء عنادهم وأفاعيلهم. ودمغاً لهم بالشرك والانحراف عن التوحيد الخالص، الذي عليه دينهم، والله لا يغفر أن يشرك به.. وفي الوقت ذاته بيان عام لحدود المغفرة الواسعة؛ وبشاعة الشرك حتى إنه ليخرج من هذه الحدود: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا، مصدقاً لما معكم، من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت.. وكان أمر الله مفعولاً. إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك - لمن يشاء - ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً}.. إنه نداء لهم بالصفة التي كان من شأنها أن يكونوا أول المستجيبين؛ وبالسبب الذي كان من شأنه أن يكونوا أول المسلمين: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب، آمنوا بما نزلنا، مصدقاً لما معكم}.. فهم أوتوا الكتاب، فليس غريباً عليهم هذا الهدى. والله الذي آتاهم الكتاب هو الذي يدعوهم إلى الإيمان بما أنزل مصدقاً لما معهم. فليس غريباً عليهم كذلك. وهو مصدق لما معهم.. ولو كان الإيمان بالبينة. أو بالأسباب الظاهرة. لآمنت يهود أول من آمن. ولكن يهود كانت لها مصالح ومطامح. وكانت لها أحقاد وعناد. وكانت هي بطبعها منحرفة صلبة الرقبة.. كما تعبر عنهم التوراة بأنهم: "شعب صلب الرقبة!". ومن ثم لم تؤمن. ومن ثم يجيئها التهديد العنيف القاسي: {من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها. أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت. وكان أمر الله مفعولاً}.. وطمس الوجوه إزالة معالمها المميزة لآدميتها؛ وردها على أدبارها، دفعها لأن تمشي القهقرى.. وقد يكون المقصود هو التهديد بمعناه المادي؛ الذي يفقدهم آدميتهم ويردهم يمشون على أدبارهم؛ ويكون كذلك اللعن الذي أصاب أصحاب السبت (وهم الذين احتالوا على صيد السمك يوم السبت، وهو محرم عليهم في شريعتهم) هو مسخهم بالفعل قردة وخنازير.. كما قد يكون المقصود طمس معالم الهدى والبصيرة في نفوسهم، وردهم إلى كفرهم وجاهليتهم، قبل أن يؤتيهم الله الكتاب. والكفر بعد الإيمان، والهدى بعد الضلال، طمس للوجوه والبصائر، وارتداد على الأدبار دونه كل ارتداد. وسواء كان هذا هو المقصود أو ذاك.. فهو التهديد الرعيب العنيف؛ الذي يليق بطبيعة يهود الجاسية الغليظة؛ كما يليق بفعالهم اللئيمة الخبيثة! وقد كان ممن ارتدع بهذا التهديد: كعب الأحبار فأسلم: أخرج ابن أبي حاتم: حدثنا أبي. حدثنا ابن نفيل. حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن جليس، عن أبى إدريس عائذ الله الخولاني، قال: كان أبو مسلم الخليلي معلم كعب. وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فبعثه إليه ينظر: أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة. فإذا تال يقرأ القرآن يقول: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم، من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها... } فبادرت الماء فاغتسلت، وإني لأمس وجهي مخافة أن أطمس! ثم أسلمت. والتعقيب على هذا التهديد: {وكان أمر الله مفعولاً}.. فيه توكيد للتهديد، يناسب كذلك طبيعة اليهود! ثم يجيء تعقيب يتضمن تهديداً آخر في الآخرة. تهديداً بعدم المغفرة لجريمة الشرك. مع فتح أبواب الرحمة الإلهية كلها لما دون ذلك من الذنوب: {إن الله لا يغفر أن يشرك به؛ ويغفر ما دون ذلك - لمن يشاء - ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً}.. وسياق الآية هكذا يتضمن اتهام اليهود بالشرك؛ ودعوتهم إلى الإيمان الخالص والتوحيد. ولا يذكر هنا القول أو الفعل الذي يعده عليهم شركاً.. وقد ورد في مواضع أخرى تفصيل لهذا: فقد روى القرآن عنهم قولهم: {أية : عزير ابن الله} تفسير : كقول النصارى {أية : المسيح ابن الله}تفسير : . وهو شرك لا شك فيه! كذلك روى عن هؤلاء وهؤلاء أنهم {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}تفسير : .. وهم لم يكونوا يعبدون الأحبار والرهبان. إنما كانوا - فقط - يقرون لهم بحق التشريع. حق التحليل والتحريم. الحق الخاص بالله، والذي هو من خصائص الألوهية. ومن ثم اعتبرهم القرآن مشركين.. ولهذا الاعتبار قيمة خاصة في التصور الإسلامي الصحيح لحد الإسلام وشرط الإيمان - كما سيجيء في سياق السورة بالتفصيل. وعلى أية حال فاليهود على عهد الرسالة المحمدية كانت عقائدهم في الجزيرة حافلة بالوثنيات، منحرفة عن التوحيد. والتهديد هنا موجه إليهم بأن الله يغفر ما دون الشرك - لمن يشاء - ولكنه لا يتسامح في إثم الشرك العظيم. ولا مغفرة عنده لمن لقيه مشركاً به؛ لم يرجع في الدنيا عن شركه. إن الشرك انقطاع ما بين الله والعباد. فلا يبقى لهم معه أمل في مغفرة. إذا خرجوا من هذه الدنيا وهم مشركون. مقطوعو الصلة بالله رب العالمين. وما تشرك النفس بالله، وتبقى على هذا الشرك حتى تخرج من الدنيا - وأمامها دلائل التوحيد في صفحة الكون وفي هداية الرسل - ما تفعل النفس هذا وفيها عنصر من عناصر الخير والصلاحية. إنما تفعله وقد فسدت فساداً لا رجعة فيه! وتلفت فطرتها التي برأها الله عليها، وارتدت أسفل سافلين، وتهيأت بذاتها لحياة الجحيم! أما ما وراء هذا الإثم المبين الواضح الظاهر، والظلم العظيم الوقح الجاهر.. أما ما وراء ذلك من الذنوب - والكبائر - فإن الله يغفره - لمن يشاء - فهو داخل في حدود المغفرة - بتوبة أو من غير توبة كما تقول بعض الروايات المأثورة الواردة - ما دام العبد يشعر بالله؛ ويرجو مغفرته؛ ويستيقن أنه قادر على أن يغفر له؛ وأن عفوه لا يقصر عن ذنبه.. وهذا منتهى الأمد في تصوير الرحمة التي لا تنفد ولا تحد؛ والمغفرة التي لا يوصد لها باب؛ ولا يقف عليها بوّاب! أخرج البخاري ومسلم - كلاهما - عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، "حديث : عن أبي ذر، قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي وحده، وليس معه إنسان. قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد. قال فجعلت أمشي في ظل القمر. فالتفت فرآني. فقال: "من هذا" فقلت: أبو ذر - جعلني الله فداك - قال: "يا أبا ذر تعال!" قال: فمشيت معه ساعة. فقال لي: "إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه الله خيراً، فيجعل يبثه عن يمينه وشماله وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيراً" قال: فمشيت معه ساعة، فقال لي: "اجلس ها هنا". فأجلسني في قاع حوله حجارة. فقال لي: "اجلس هاهنا حتى أرجع إليك" قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه. فلبث عني، حتى إذا طال اللبث.. ثم إني سمعته وهو مقبل يقول: "وإن زنى وإن سرق" قال فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي الله - جعلني الله فداك - من تكلمه في جانب الحرة،؟ فإني سمعت أحداً يرجع إليك. قال: "ذلك جبريل، عرض لي جانب الحرة، فقال: "بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة". قلت أيا جبريل. وإن سرق وإن زنى؟". قال: "نعم". "قلت: وإن سرق وإن زنى؟" قال: نعم. وإن شرب الخمر"تفسير : .. وأخرج ابن أبى حاتم - بإسناده - "حديث : عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما من نفس تموت، لا تشرك بالله شيئاً، إلا حلت لها المغفرة, إن شاء الله عذبها، وإن شاء غفر لها. إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"تفسير : .. وأخرج ابن أبي حاتم - بإسناده - عن ابن عمر قال. "كنا - أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وقاذف المحصنات، وشاهد الزور. حتى نزلت: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فأمسك أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الشهادة! وروى الطبراني - بإسناده - عن عكرمة، "حديث : عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله عز وجل: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي. ما لم يشرك بي شيئاً"تفسير : . وفي هذا الحديث الأخير لمحة كاشفة.. فالمهم هو شعور القلب بالله على حقيقته - سبحانه - ومن وراء هذا الشعور الخير. والرجاء. والخوف. والحياء.. فإذا وقع الذنب، فمن ورائه هذه السمات تؤهل للتقوى وتؤهل للمغفرة. ثم يمضي القرآن - وهو يخوض المعركة بالجماعة المسلمة مع اليهود في المدينة - يعجب من أمر هؤلاء الخلق؛ الذين يزعمون أنهم شعب الله المختار؛ ويثنون على أنفسهم؛ ويزكونها؛ بينما هم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتطاولون على الله ورسوله - كما سبق - وبينما هم يؤمنون بالجبت والطاغوت - كما سيجيء - كاذبين على الله في تزكيتهم لأنفسهم، وفي زعمهم أنهم مقربون إليه مهما عملوا من السوء!: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم؟ بل الله يزكي من يشاء، ولا يظلمون فتيلاً. انظر كيف يفترون على الله الكذب! وكفى به إثماً مبيناً}.. ودعوى اليهود أنهم شعب الله المختار هي دعواهم من قديم. وقد اختارهم الله فعلاً لحمل الأمانة وأداء الرسالة، وفضلهم على العالمين في ذلك الأوان؛ وأهلك لهم فرعون وملأه، وأورثهم الأرض المقدسة.. ولكنهم هم انحرفوا بعد ذلك عن منهج الله؛ وعتوا في الأرض عتواً كبيرا، واجترحوا السيئات التي تضج منها الأرض، وأحل لهم أحبارهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما أحله لهم، واتبعوهم؛ ولم ينكروا عليهم حق الألوهية هذا الذي ادعوه عملياً - بهذا التحريم والتحليل - وقد بدل هؤلاء الأحبار في شريعة الله، ليرضوا ذوي السلطان والشرفاء؛ وليملقوا كذلك رغبات الجماهير وأهواءهم. وبذلك اتخذوا أحبارهم أرباباً من دون الله. وأكلوا الربا.. ووهنت علاقتهم بدين الله وكتابة الذي أنزله عليهم.. وعلى الرغم من ذلك كله - وغيره كثير - فقد ظلوا يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه. وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة. وأنه لا يهتدي ولا يقبل عند الله إلا من كان هوداً! كأن المسألة مسألة قرابة ونسب ومحاباة بينهم وبين الله - تعالى عن ذلك علواً كبيراً - فالله لا تصل بينه وبين أحد من خلقه قرابة ولا نسب؛ إنما تربط عباده به العقيدة المستقيمة والعمل الصالح، والاستقامة على منهج الله.. فمن أخل بهذا فقد غضب الله عليه. ويشتد غضبه إذا كان قد آتى الضالين الهدى فانحرفوا عنه! وما شأن هؤلاء اليهود إلا شأن من يزعمون الإسلام اليوم، ويحسبون أنهم من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن الله لا بد ناصرهم، ومخرج لهم اليهود من أرضهم.. بينما هم ينسلخون انسلاخاً كاملاً من دين الله الذي هو منهجه للحياة؛ فينبذونه من حياتهم؛ ولا يتحاكمون إلى كتاب الله لا في أقضيتهم ولا في اقتصادهم، ولا في اجتماعهم، ولا في آدابهم، ولا في تقاليدهم. وكل ما لهم من الإسلام أسماء المسلمين! وأنهم ولدوا في أرض كان المسلمون يسكنونها ذات يوم! ويقيمون فيها دين الله، ويحكمون منهجه في الحياة! والله يعجب رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أمر أولئك اليهود الذين يزكون أنفسهم. وأمر "المسلمين" المعاصرين أعجب، وأشد إثارة للتعجيب والتعجب!! إنه ليس الناس هم الذين يزكون أنفسهم؛ ويشهدون لها بالصلاح والقرب من الله واختيار الله. إنما الله هو الذي يزكي من يشاء. فهو أعلم بالقلوب والأعمال. ولن يظلم الناس شيئاً، وإذا هم تركوا هذا التقدير لله - سبحانه - واتجهوا إلى العمل. لا إلى الادعاء. فلئن عملوا - وهم ساكتون متواضعون في حياء من الله، وبدون تزكية ولا ادعاء - فلن يغبنوا عند الله؛ ولن ينسى لهم عمل؛ ولن يبخس لهم حق. والله - سبحانه - يشهد على اليهود أنهم - إذ يزكون أنفسهم ويدعون أن الله راض عنهم - يفترون عليه الكذب. ويشنع بفعلتهم هذه، ويوجه الأنظار إلى بشاعتها: {انظر. كيف يفترون على الله الكذب. وكفى به إثماً مبينا!". وما أرى أننا - الذين ندعي الإسلام لأننا نحمل أسماء المسلمين، ونعيش في أرض كان يسكنها المسلمون! بينما نحن لا نجعل الإسلام في شيء من منهجنا في الحياة.. ما أحسبنا ونحن ندعي الإسلام، فنشوه الإسلام بصورتنا وواقعنا؛ ونؤدي ضده شهادة منفرة منه! ثم ونحن ندعي أن الله مختار لنا لأننا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بينما دين محمد ومنهجه مطرود من واقع حياتنا طرداً.. ما أحسبنا إلا في مثل هذا الموضع، الذي يعجب الله - سبحانه - منه رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويدمغ أصحابه بافتراء الكذب على الله، وارتكاب هذا الإثم المبين! والعياذ بالله! إن دين الله منهج حياة. وطاعة الله هي تحكيم هذا المنهج في الحياة. والقرب من الله لا يكون إلا بطاعته.. فلننظر أين نحن من الله ودينه ومنهجه.. ثم لننظر أين نحن من حال هؤلاء اليهود، الذين يعجب الله من حالهم، ويدمغهم بإثم الافتراء عليه في تزكيتهم لأنفسهم! فالقاعدة هي القاعدة. والحال هي الحال. وليس لأحد عند الله نسب ولا صهر ولا محاباة!!! ويمضي السياق في التعجيب من أمر أولئك الذين يزكون أنفسهم.. بينما هم يؤمنون بالباطل وبالأحكام التي لا تستند إلى شرع الله، وليس لها ضابط منه يعصمها من الطغيان: "الجبت والطاغوت" وبينما هم يشهدون للشرك والمشركين بأنهم أهدى من المؤمنين بكتاب الله ومنهجه وشريعته، ويحمل عليهم - بعد التعجيب من أمرهم، وذكر هذه المخازي عنهم - حملة عنيفة؛ ويرذلهم ترذيلاً شديداً؛ ويظهر كامن طباعهم من الحسد والبخل؛ والأسباب الحقيقية التي تجعلهم يقفون هذا الموقف إلى جانب انحرافهم عن دين إبراهيم - الذي يفخرون بالانتساب إليه - وينهي هذه الحملة بتهديدهم بجهنم. {وكفى بجهنم سعيراً}. {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً! أولئك الذين لعنهم الله. ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً. أم لهم نصيب من الملك؟ فإذا لا يؤتون الناس نقيرا. أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله؟ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة؛ وآتيناهم ملكاً عظيماً. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه؛ وكفى بجهنم سعيراً}.. لقد كان الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، أولى الناس أن يتبعوا الكتاب؛ وأن يكفروا بالشرك الذي يعتنقه من لم يأتهم من الله هدى؛ وأن يحكموا كتاب الله في حياتهم، فلا يتبعوا الطاغوت - وهو كل شرع لم يأذن به الله، وكل حكم ليس له من شريعة الله سند - ولكن اليهود - الذين كانوا يزكون أنفسهم، ويتباهون بأنهم أحباء الله - كانوا في الوقت ذاته يتبعون الباطل والشرك باتباعهم للكهانة وتركهم الكهان والأحبار يشرعون لهم ما لم يأذن به الله. وكانوا يؤمنون بالطاغوت؛ وهو هذا الحكم الذي يقوم على غير شريعة الله.. وهو طاغوت لما فيه من طغيان - بادعاء الإنسان إحدى خصائص الألوهية - وهي الحاكمية - وبعدم انضباطه بحدود من شرع الله، تلزمه العدل والحق. فهو طغيان، وهو طاغوت؛ والمؤمنون به والمتبعون له، مشركون أو كافرون.. يعجب الله من أمرهم، وقد أوتوا نصيباً من الكتاب، فلم يلتزموا بما أوتوه من الكتاب! ولقد كانوا يضيفون إلى الإيمان بالجبت والطاغوت، موقفهم في صف المشركين الكفار، ضد المؤمنين الذين آتاهم الله الكتاب أيضاً: {ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً}.. قال ابن إسحاق. حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة - أو عن سعيد بن جبير - عن ابن عباس. قال: "كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة، حيي بن أخطب، وسلام بن الحقيق، وأبو رافع، والربيع بن الحقيق، وأبو عامر، ووحوح بن عامر، وهودة بن قيس، فأما وحوح وأبو عامر وهودة، فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير.. فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتاب الأول. فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم. فقالوا: دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله - عز وجل -: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب}... إلى قوله عز وجل: {وآتيناهم ملكاً عظيماً}.. وهذا لعن لهم، وإخبار بأنه لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة. لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين. وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم. وقد أجابوهم، وجاءوا معهم يوم الأحزاب؛ حتى حفر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حول المدينة الخندق، وكفى الله شرهم {أية : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً. وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً } تفسير : وكان عجيباً أن يقول اليهود: إن دين المشركين خير من دين محمد ومن معه، وإن المشركين أهدى سبيلاً من الذين آمنوا بكتاب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولكن هذا ليس بالعجيب من اليهود.. إنه موقفهم دائماً من الحق والباطل، ومن أهل الحق وأهل الباطل.. إنهم ذوو أطماع لا تنتهي، وذوو أهواء لا تعتدل، وذوو أحقاد لا تزول! وهم لا يجدون عند الحق وأهله عوناً لهم في شيء من أطماعهم وأهوائهم وأحقادهم إنما يجدون العون والنصرة - دائماً - عند الباطل وأهله. ومن ثم يشهدون للباطل ضد الحق؛ ولأهل الباطل ضد أهل الحق! هذه حال دائمة، سببها كذلك قائم.. وكان طبيعياً منهم ومنطقياً أن يقولوا عن الذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً! وهم يقولونها اليوم وغداً. إنهم يشوهون بوسائل الدعاية والإعلام التي في أيديهم كل حركة إسلامية ناجحة على ظهر الأرض؛ ويعينون عليها أهل الباطل لتشويهها وتحطيمها - بالضبط كما كانوا يعينون مشركي قريش ويستنصرون بهم في الوقت ذاته - لتشويه الحركة الإسلامية الأولى وتحطيمها. ولكنهم أحياناً - لخبثهم ولتمرسهم بالحيل الماكرة ولملابسات العصر الحديث - قد لا يثنون ثناء مكشوفاً على الباطل وأهله. بل يكتفون بتشويه الحق وأهله. ليعينوا الباطل على هدمه وسحقه. ذلك أن ثناءهم المكشوف - في هذا الزمان - أصبح متهماً، وقد يثير الشبهات حول حلفائهم المستورين، الذين يعملون لحسابهم، في سحق الحركات الإسلامية في كل مكان.. بل لقد يبلغ بهم المكر والحذق أحياناً، أن يتظاهروا بعداوة وحرب حلفائهم، الذين يسحقون لهم الحق وأهله. ويتظاهروا كذلك بمعركة كاذبة جوفاء من الكلام. ليبعدوا الشبهة تماماً عن أخلص حلفائهم، الذين يحققون لهم أهدافهم البعيدة! ولكنهم لا يكفون أبداً عن تشويه الإسلام وأهله.. لأن حقدهم على الإسلام، وعلى كل شبح من بعيد لأي بعث إسلامي، أضخم من أن يداروه.. ولو للخداع والتمويه! إنها جبلة واحدة، وخطة واحدة، وغاية واحدة.. هي التي من أجلها يجبههم الله باللعنة والطرد، وفقدان النصير. والذي يفقد نصرة الله فما له من ناصر وما له من معين ولو كان أهل الأرض كلهم له ناصر وكلهم له معين: {أؤلئك الذين لعنهم الله. ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً}.. ولقد يهولنا اليوم أن نجد دول الغرب كلها نصيراً لليهود. فنسأل: وأين وعد الله بأنه لعنهم، وأن من يلعن الله فلن تجد له نصيراً؟ ولكن الناصر الحقيقي ليس هو الناس. ليس هو الدول. ولو كانت تملك القنابل الأيدروجينية والصواريخ. إنما الناصر الحق هو الله. القاهر فوق عباده: ومن هؤلاء العباد من يملكون القنابل الأيدروجينية والصواريخ! والله ناصر من ينصره.. {ولينصرن الله من ينصره} والله معين من يؤمن به حق الإيمان، ويتبع منهجه حق الاتباع؛ ويتحاكم إلى منهجه في رضى وفي تسليم.. ولقد كان الله - سبحانه - يخاطب بهذا الكلام أمة مؤمنة به، متبعة لمنهجه، محتكمة إلى شريعته. وكان يهوّن من شأن عدوها - اليهود - وناصريهم. وكان يعد المسلمين النصر عليهم لأنهم - اليهود - لا نصير لهم. وقد حقق الله لهم وعده. وعده الذى لا يناله إلا المؤمنون حقاً. والذي لا يتحقق إلا على أيدي العصبة المؤمنة حين تقوم. فلا يهولننا ما نلقاه من نصرة الملحدين والمشركين والصليبيين لليهود. فهم في كل زمان ينصرونهم على الإسلام والمسلمين.. فليست هذه هي النصرة.. ولكن كذلك لا يخدعننا هذا. فإنما يتحقق هذا الأمر للمسلمين! ويوم يكونون مسلمين! وليحاول المسلمون أن يجربوا - مرة واحدة - أن يكونوا مسلمين. ثم يروا بأعينهم إن كان يبقى لليهود نصير. أو أن ينفعهم هذا النصير! وبعد التعجيب من أمرهم وموقفهم وقولهم؛ وإعلان اللعنة عليهم والخذلان.. يأخذ في استنكار موقفهم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين؛ وغيظهم من أن يمن الله عليهم هذه المنة.. منة الدين والنصر والتمكين. وحسدهم لهم على ما أعطاعهم الله من فضله. وهم لم يعطوهم من عندهم شيئاً! ويكشف في الوقت ذاته عن كزازة طبيعتهم؛ واستكثار أي عطاء يناله غيرهم؛ مع أن الله قد أفاض عليهم وعلى آبائهم، فلم يعلمهم هذا الفيض السماحة؛ ولم يمنعهم من الحسد والكنود: {أم لهم نصيب من الملك؟ فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً! أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله؟ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة، وآتيناهم ملكاً عظيماً}.. يا عجباً! إنهم لا يطيقون أن ينعم الله على عبد من عباده بشيء من عنده.. فهل هم شركاؤه - سبحانه! - هل لهم نصيب في ملكه، الذي يمنح منه ويفيض؟ ولو كان لهم نصيب لضنوا - بكزازتهم وشحهم - أن يعطوا الناس نقيراً.. والنقير النقرة تكون في ظهر النواة - وهذه لا تسمح كزازة يهود وأثرتها البغيضة أن تعطيها للناس، لو كان لها في الملك نصيب! والحمد لله أن ليس لها في الملك نصيب.. وإلا لهلك الناس جميعاً وهم لا يعطون حتى النقير!!! أم لعله الحسد.. حسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، على ما آتاهم الله من فضله.. من هذا الدين الذي أنشأهم نشأة أخرى ووهب لهم ميلاداً جديداً، وجعل لهم وجوداً إنسانيا متميزاً؛ ووهبهم النور والثقة والطمأنينة واليقين؛ كما وهبهم النظافة والطهر، مع العز والتمكين؟ وإنه فعلاً للحسد من يهود. مع تفويت أطماعها في السيادة الأدبية والاقتصادية على العرب الجاهلين المتفرقين المتخاصمين.. يوم أن لم يكن لهم دين.. ولكن لماذا يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله من النبوة والتمكين في الأرض؟ وهم غارقون في فضل الله من عهد إبراهيم.. الذي آتاه الله وآله الكتاب والحكمة - وهي النبوة - وآتاهم الملك كذلك والسيادة. وهم لم يرعوا الفضل ولم يحتفظوا بالنعمة، ولم يصونوا العهد القديم، بل كان منهم فريق من غير المؤمنين. ومن يؤت هذا الفضل كله لا يليق أن يكون منهم جاحدون كافرون! {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً. فمنهم من آمن به، ومنهم من صد عنه}. إنه لمن أَلأم الحسد: أن يحسد ذو النعمة الموهوب! لقد يحسد المحروم ويكون الحسد منه رذيلة! أما أن يحسد الواجد المغمور بالنعمة، فهذا هو الشر الأصيل العميق! شر يهود! المتميز الفريد! ومن ثم يكون التهديد بالسعير، هو الجزاء المقابل لهذا الشر النكير: {وكفى بجهنم سعيراً}.. وعندما يبلغ السياق هذا المقطع من ذكر الإيمان والصدود عن الإيمان في آل إبراهيم، يعقب بالقاعدة الشاملة للجزاء. جزاء المكذبين، وجزاء المؤمنين.. هؤلاء وهؤلاء أجمعين.. في كل دين وفي كل حين؛ ويعرض هذا الجزاء في صورة مشهد من مشاهد القيامة العنيفة الرعيبة: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. إن الله كان عزيزاً حكيماً. والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبداً، لهم فيها أزواج مطهرة، وندخلهم ظلاً ظليلاً}.. ... {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب}... إنه مشهد لا يكاد ينتهي. مشهد شاخص متكرر. يشخص له الخيال، ولا ينصرف عنه! إنه الهول. وللهول جاذبية آسرة قاهرة! والسياق يرسم ذلك المشهد ويكرره بلفظ واحد.. "كلما".. ويرسمه كذلك عنيفاً مفزعاً بشطر جملة.. {كلما نضجت جلودهم}.. ويرسمه عجيباً خارقاً للمألوف بتكملة الجملة.. {بدلناهم جلوداً غيرها}.. ويجمل الهول الرهيب المفزع العنيف كله في جملة شرطية واحدة لا تزيد! ذلك جزاء الكفر - وقد تهيأت أسباب الإيمان - وهو مقصود. وهو جزاء وفاق: {ليذوقوا العذاب}.. ذلك، أن الله قادر على الجزاء. حكيم في توقيعه: {إن الله كان عزيزاً حكيماً}.. وفي مقابل هذا السعير المتأجج. وفي مقابل الجلود الناضجة المشوية المعذبة.. كلما نضجت بدلت. ليعود الاحتراق من جديد. ويعود الألم من جديد. في مقابل هذا المشهد المكروب الملهوف.. نجد {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} في جنات ندية: {تجري من تحتها الأنهار}: ونجد في المشهد ثباتاً وخلوداً مطمئناً أكيداً: {خالدين فيها أبداً} ونجد في الجنات والخلد الدائم أزواجاً مطهرة: {لهم فيها أزواج مطهرة}.. ونجد روح الظلال الندية؛ يرف على مشهد النعيم: {وندخلهم ظلاً ظليلاً }.. تقابل كامل في الجزاء. وفي المشاهد. وفي الصور. وفي الإيقاع.. على طريقة القرآن في "مشاهد القيامة" ذات الإيحاء القوي النافذ العميق.
ابن عاشور
تفسير : استئناف كلام راجع إلى مهيع الآيات التي سبقت من قوله: {أية : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً}تفسير : [النساء: 36] فإنّه بعد نذارة المشركين وجّه الإنذار لأهل الكتاب، ووقعت آيات تحريم الخمر وقت الصلاة، وآيات مشروعية الطهارة لها فيما بينهما، وفيه مناسبة للأمر بترك الخمر في أوقات الصلوات والأمرِ بالطهارة، لأنّ ذلك من الهدى الذي لم يسبق لليهود نظيره، فهم يحسدون المسلمين عليه، لأنّهم حرموا من مثله وفرطوا في هدى عظيم، وأرادوا إضلال المسلمين عَداء منهم. وجملة {ألم تر} ـــ الى ـــ {الكتاب} جملة يقصد منها التعجيب، والاستفهام فيها تقريري عن نفي فعل لا يودّ المخاطب انتفاءه عنه، ليكون ذلك محرّضا على الإقرار بأنه فعَل، وهو مفيد مع ذلك للتعجيب، وتقدّم نظيرها في قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم} تفسير : في سورة آل عمران (23). وجملة {يشترون} حالية فهي قيْد لجملة {ألم تر}، وحالة اشترائهم الضلالة وإن كانت غير مشاهدة بالبصر فقد نزّلت منزلة المشاهَد المرئيّ، لأنّ شهرة الشيء وتحقّقه تجعله بمنزلة المَرْئيّ. والنصيب تقدّم عند قوله: {أية : وللرجال نصيب}تفسير : [النساء: 7] في هذه السورةِ، وفي اختياره هنا إلقاء احتمالِ قلّته في نفوس السامعين، وإلاّ لقيل: أوتوا الكتاب، وهذا نظير قوله تعالى بعد هذا {أية : فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم}تفسير : [النساء: 141]، أي نصيب من الفتح أو من النصر. والمراد بالكتاب التوراة، لأنّ اليهود هم الذين كانوا مختلطين مع المسلمين بالمدينة، ولم يكن فيها أحد من النصارى. والاشتراء مجاز في الاختيار والسعي لتحصيل الشيء، لأنّ المشتري هو آخذ الشيء المرغوب فيه من المتبائعيْن، والبائع هو باذل الشيء المرغوب فيه لحاجته إلى ثمنه، هكذا اعتبرَ أهل العرف الذي بنيت عليه اللغة وإلاّ فإنّ كلا المتبايعين مشتر وشَار، فلا جرم أن أطلق الاشتراء مجازاً على الاختيار، وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}تفسير : في سورة البقرة (16). وهذا يدلّ على أنّهم اقتحموا الضلالة عن عمد لضعف إيمانهم بكتابهم وقلّة جدوى عِلمهم عليهم. وقوله: {ويريدون أن تضلوا السبيل} أي يريدون للمؤمنين الضلالة لئلا يفضلوهم بالاهتداء، كقوله: {أية : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق}تفسير : [البقرة: 109]. فالإرادة هنا بمعنى المحبّة كقوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الدين من قبلكم}. ولك أن تجعل الإرادة على الغالب في معناها وهو الباعث النفساني على العمل، أي يسعون لأن تضلّوا، وذلك بإلقاء الشبه والسعي في صرف المسلمين عن الإيمان، وقد تقدّم آنفاً قوله تعالى: {أية : ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيماً}تفسير : [النساء: 27]. وجملة {والله أعلم بأعدائكم} معترضة، وهي تعريض؛ فإنّ إرادتهم الضلالة للمؤمنين عن عداوة وحسد. وجملة {أية : وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً}تفسير : [النساء: 45] تذييل لتَطْمئنّ نفوس المؤمنين بنصر الله، لأنّ الإخبار عن اليهود بأنّهم يريدون ضلال المسلمين، وأنّهم أعداء للمسلمين، من شأنه أن يلقي الروع في قلوب المسلمين، إذ كان اليهود المحاورون للمسلمين ذوي عَدد وعُدد، وبيدهم الأموال، وهم مبثوثون في المدينة وما حولها: من قينقاع وقريظة والنضِير وخِيْبر، فعداوتهم، وسوء نواياهم، ليسا بالأمر الذي يستهان به؛ فكان قوله: {وكفى بالله ولياً} مناسباً لقوله: {ويريدون أن تضلوا السبيل}، أي إذا كانوا مضمرين لكم السوء فاللَّه وليّكم يهديكم ويتولّى أموركم شأن الوليّ مع مولاه، وكان قوله: {وكفى بالله نصيراً} مناسباً لقوله: {بأعدائكم}، أي فاللَّه ينصركم. وفعل (كفى) في قوله: {وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} مستعمل في تقوية اتّصاف فاعله بوصف يدلّ عليه التمييز المذكورُ بعده، أي أنّ فاعل (كفى) أجدر من يتّصف بذلك الوصف، ولأجل الدلالة على هذا غلَب في الكلام إدخال باء على فاعل فعل كفى، وهي باء زائدة لتوكيد الكفاية، بحيث يحصل إبهام يشوّق السامع إلى معرفة تفصيله، فيأتون باسم يُميّز نوع تلك النسبة ليتمكّن المعنى في ذهن السامع. وقد يجيء فاعل (كفى) غير مجرور بالباء، كقول عبدِ بني الحسحاس:شعر : كفَى الشيبُ والأسلام للمرء ناهياً تفسير : وجعل الزجّاج الباء هنا غير زائدة وقال: ضُمّن فعل كفَى معنى اكتف، واستحسنه ابن هشام. وشذّت زيادة الباء في المفعول، كقول كعب بن مالك أو حسّان بن ثابت:شعر : فكفَى بنَا فضلاً على مَنْ غَيْرُنا حُبَّ النبي محمّد إيّانا تفسير : وجزم الواحدي في شرح قول المتنبّي:شعر : كفى بجسمي نحولا أنّني رجل لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني تفسير : بأنه شذوذ. ولا تزاد الباء في فاعل {كفى} بمعنى أجزأ، ولا التي بمعنى وقّى، فرقا بين استعمال كفى المجازي واستعمالها الحقيقي الذي هو معنى الاكتفاء بذات الشيء نحو:شعر : كفاني ولم أطلب قليل من المال
الشنقيطي
تفسير : ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين أوتوا نصيباً من الكتاب مع اشترائهم الضلالة يريدون إضلال المسلمين ايضاً. وذكر في موضع آخر أنهم كثير، وأنهم يتمنون ردة المسلمين، وأن السبب الحامل لهم على ذلك إنما هو الحسد وأنهم ما صدر منهم ذلك إلا بعد معرفتهم الحق وهو قوله تعالى: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ}تفسير : [البقرة: 109]. وذكر في موضع آخر أن هذا الإضلال الذي يتمنونه للمسلمين لا يقع من المسلمين، وإنما يقع منهم - أعني المتمنين الضلال للمسلمين - وهو قوله: {أية : وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}تفسير : [آل عمران: 69].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم تر: ألم تبصر أي بقلبك أي تعلم. نصيباً: حظاً وقسطاً. يشترون الضلالة: أي الكفر بالإيمان. الأعداء: جمع عدو وهو من يقف بعيداً عنك يود ضرك ويكره نفعك. هادوا: أي اليهود قيل لهم ذلك لقولهم: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 156] أي تبنا ورجعنا. يحرفون: التحريف: الميل بالكلام عن معناه إلى معنى باطل للتضليل. الكلم: الكلام وهو كلام الله تعالى في التوراة. واسمع غير مسمع: أي اسمع ما تقول لا أسمعك الله. وهذا كفر منهم صريح. وطعناً في الدين: سبهم للرسول صلى الله عليه وسلم هو الطعن الأعظم في الدين. وانظرنا: وَأمهلنا حتى نسمع فنفهم. أقوم: أعدل وأصوب. لعنهم الله بكفرهم: طردهم من رحمته وأبعدهم من هداه بسبب كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. معنى الآيات: روي أن هذه الآيات نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت أحد عظماء اليهود بالمدينة، كان إذا كلم رسول صلى الله عليه وسلم لَوَّى لسانه وقال راعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله تعالى هذه الآيات الثلاث إلى قوله {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} وهذا شرحها: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} أي ألم ينته إلى علمك وإلى علم أصحابك ما يحملكم على التعجب: العلم بالدين أتوا نصيباً من الكتاب وهم رفاعة بن زيد وإخوانه من اليهود، أعطوا حظاً من التوراة فعرفوا صحة الدين الإِسلامي، وصدق نبيه صلى الله عليه وسلم {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ} وهو الكفر يشترونها بالإيمان، حيث جحدوا نعوت النبي وصفاته في التوراة للإِبقاء على مركزهم بين قومهم يسودون ويتفضلون، ويريدون مع ذلك أن تضلوا أيها المؤمنون السبيل سبيل الحق والرشد وهو الإِيمان بالله ورسوله والعمل بطاعتهما للإِسعاد والإِكمال. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} الذين يودون ضركم ولا يودون نفعكم، ولذا أخبركم بهم لتعرفوهم وتجتنبوهم فتنجوا من مكرهم وتضليلهم. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً} لكم تعتمدون عليه وتفوضون أموركم إليه {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً} ينصركم عليهم وعلى غيرهم فاعبدوه وتوكلوا عليه. {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} أي هم من اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، والكلام هو كلام الله تعالى في التوراة وتحريفه بالميل به عن القصد، أو بتبديله وتغييره تضليلاً للناس وإبعاداً لهم عن الحق المطلوب منهم الإِيمان به والنطقُ والعمل به. ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كفراً وعناداً {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي لا أسمعك الله {وَرَٰعِنَا} وهي كلمة ظاهرها أنها من المراعاة وباطنها الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اليهود يعدونها من الرعونة يقولونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم سباً وشتماً له قبحهم الله ولعنهم وقطع دابرهم وقوله تعالى: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ} أي يلوون ألسنتهم بالكلمة التي يسبون بها حتى لا تظهر عليهم، ويطعنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا} أي انتظرنا بدل راعنا لكان خيراً لهم وأقوم أي أعدل وأكثر لياقة وأدباً ولكن لا يقولون هذا لأن الله تعالى لعنهم وحرمهم من كل توفيق بسبب كفرهم ومكرهم فهم لا يؤمنون إلا قليلاً. اي إيماناً لا ينفعهم لقلته فهو لا يصلح أخلاقهم ولا يطهر نفوسهم ولا يهيئهم للكمال في الدنيا ولا في الآخرة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان مكر اليهود بالمؤمنين بالعمل على إضلالهم في عهد النبوة وإلى اليوم. 2- في كفاية الله للمؤمنين ونصرته ما يغنيهم أن يطلبوا ذلك من أحد غير ربهم عز وجل. 3- الكشف عن سوء نيات وأعمال اليهود إزاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. 4- الإِيمان القليل لا يجدي صاحبه ولا ينفعه بحال.
القطان
تفسير : ألم تعجب يا محمد من هؤلاء الذين أُعطوا حظاً من معرفة الكتب السابقة كيف حُرموا الهداية وتبعوا الضلالة، يختارونها لأنفسهم، ويريدون لكم ان تضِلّوا طريق الحق القويم أيها المؤمنون. إنهم دائبون على الكيد لكم، ليردوكم عن دينكم ان استطاعوا. والله أعلم منكم بمن هم أعداؤكم الحقيقيون، وأخبرُ بما تنطوي عليه نفوسهم، لكنه يحميكم ويكفيكم اعداءكم. فلا تطلبوا الولاية من غيره ولا النصر من سواه، بل اتّبعوا دينكم ولا تستعينوا الا بربكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {ٱلضَّلاَلَةَ} (44) - ألا تَعْجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أمْرِ هَؤُلاءِ الذِينَ أُعْطُوا حَظّاً مِنَ الكُتُبِ السَّابِقَةِ كَيْفَ حُرِمُوا هِدَايَتَهَا، وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا ضِدَّهَا، فَهُمْ يَخْتَارُونَ الضَّلاَلَةَ لأنْفُسِهِمْ، وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا بِهَا طَرِيقَ الحَقِّ القَوِيمِ، كَمَا ضَلُّوا هُمْ، وَهُمْ دَائِبُو الكَيْدِ لِيَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا. (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} يَدُلُّ عَلَى أنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوا كِتَابَهُمْ كُلَّهُ، لأِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَظْهِرُوهُ زَمَنَ التَّنْزِيلِ، كَمَا حَفِظَ المُسْلِمُونَ قُرآنَهُمْ، وَلَمْ يَكْتُبُوا مِنْهُ نُسَخاً مُتَعَدِّدَةً فِي العَصْرِ الأوَّلِ حَتَّى إذَا فُقِدَ بَعْضُهَا قَامَ مَقَامَهَا بَعْضٌ آخَرُ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : حين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يؤكد قضية من قضايا الكون ليمهد لقضية من قضايا العقائد التي تحرس نظام الكون فهو يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: "ألم تر". والرؤية عمل العين - وعمل العين متعلق بانكشاف الأحداث التي تتعرض لها العين - والشيء المرئي دليله معه؛ لأن الشيء المسموع دليله يؤخذ من صدق قائله، وصدق قائله أمر مظنون، أيكذب أم يصدق؟ أما المرئي فدليله معه؛ ولذلك قالوا: ليس مع العين أين، أي أنك إذا رأيت شيئاً فلا تقل: أين هو، وليس الخبر كالعيان، فالخبر الذي تسمعه ليس كالمشاهدة، إذن فالمشاهدة دليلها معها، فلا يقال: دلل على أن فلاناً يلبس جلباباً أبيض وأنت تراه. إذن فحين يريد الحق أن يؤكد قضية يقول: أرأيت. ولذلك فأنت إذا حدثت إنساناً عن انحراف إنسان آخر. قد يصدقك وقد لا يصدقك، لكن إذا ما رأيت الإنسان يلعب ميسراً أو يشرب خمراً ثم تقول لمن حدثته من قبل: أرأيت من قلت لك عليه، كأن الرؤية دليل. والحق سبحانه وتعالى حين يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: "أرأيت" ننظر إلى الأمر، فإذا كان مشهوداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يراه بذلك تكون "أرأيت" على حقيقتها، كما يقول له: {أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} تفسير : [العلق: 9-10]. هو صلى الله عليه وسلم قد رآه، فتكون "أرأيت" على حقيقتها أم ليست على حقيقتها؟ ولماذا يأتي بهمزة الاستفهام "أرأيت"؛ على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم قد رأى من ينهى إنساناً عن الصلاة ولماذا لم يقل: "رأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى"، لا؛ لأن الحق يريد أن يؤكد الخبر بمراحل. فمرة يكون الخبر خبراً تسمعه الأذن، ومرة يكون رؤية تراه، ومرة لا يقول له: أنت رأيت، ولكن يستفهم منه بـ "أرأيت" لكي ينتظر منه الجواب. وبذلك يأتي الجواب من المخاطب نفسه وليس من المتكلم، وهذه آكَد أنواع البيان وآكد ألوان التحقيق، فحين يخاطب الحق سبحانه وتعالى بقوله: "أرأيت" نقول: أكان ذلك مشهداً لرسول الله رآه، فتكون الرؤية على حقيقتها. فإذا كان الأمر لم يكن معاصراً لرسول الله ثم يخاطب الله رسوله بقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. ونعلم أن أصحاب الفيل كانوا عام ميلاده صلى الله عليه وسلم، فهو حين يخاطب رسوله لم يكن المشهد أمامه، فـ {أية : أَلَمْ تَرَ ..} تفسير : [الفيل: 1] هنا بمعنى أعلمت. ولماذا عدل هنا عن أعلمت إلى قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ ..} تفسير : [الفيل: 1]؟. لأن الحق سبحانه وتعالى حين يخاطب رسوله بأمر منه فهو يوضح له: إن أخبرتك بشيء فاعلم أني أصدق من عينك، فإذا قال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ ..} تفسير : [الفيل: 1] فهذا يعني أنك علمت من الحق سبحانه وتعالى، وإخبار الحق ليس كإخبار الخلق؛ لأن إخبار الخلق يحتمل الصدق والكذب، لكن إخبار الحق لا يعني إلا الصدق، إذن فرؤية عينك قد تخونك؛ لأنك قد تكون غافلاً فلا ترى كل الحقيقة، لكن إذا أخبرك الحق سبحانه وتعالى فسيخبرك بكل زوايا الحقيقة. إذن فإخبار الحق أوثق وآكد من رؤية العين وسبحانه عندما قال: {أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} تفسير : [العلق: 9-10]. هذه مثلت الأولى، وحين قال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. كأنك تراهم الآن، فـ {أية : أَلَمْ تَرَ ..} تفسير : [الفيل: 1] تعني كأن المشهد أمامك. إذن فوسائل تأكيد الأشياء: خبر من خلق يحتمل الصدق ويحتمل الكذب. هذه واحدة، ورؤية مَنْ خلق تحتمل أنها استوعبت كل المرئي أو أحاطت ببعضه، أو خبر من خالق أحاط بكل شيء، فيجب أن يكون الخبر من الخالق أوثق الأخبار في تصديقهم. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} [النساء: 44] جاءت هذه الآية ورسول الله يعاصره قوم من اليهود. ورأى منهم بالفعل أنهم أوتوا نصيباً من الكتاب؛ لأنهم أهل الكتاب، ومع ذلك يشترون الضلالة؛ ولا يقولون الحق، فيكون هذا أمراً مشهدياً بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وحينما أرسل الله محمداً جعله ختاماً للأنبياء وختم به ركب النبوة، وهذا يعني: أن النبوة كان لها ركب. وفي كل عصر من العصور يأتي نبي على مقدار اتساع الحياة، وعلى مقدار التقاء الكائنين في الحياة، وعلى مقدار الداءات والأمراض التي تأتي في المجتمع، ولكن الله علم أزلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأتي في فترة ورسالته ومنهجه ينتظم ويضم كل قضايا الزمن إلى أن تقوم الساعة، وهو زمن يعلم الله أن فوارق المواصلات فيه ستنتهي، وفوارق الحواجز فيه ستنتهي، فيحدث الخبر في أدنى الشرق وأعلاه فتسمعه في أدنى الغرب وأعلاه، والخبر في الغرب تسمعه في الشرق. والداء يوجد مرة في أمريكا وبعد يوم أو يومين يوجد في أي بلد من البلاد. إذن فالمسافات انتهت، وجعلت المواصلات العالم كقطعة واحدة، إذن فالداءات في المجتمع القديم لعسر الاتصال كانت تنعزل انعزالاً إقليمياً وكل داء في جماعة قد لا يصل إلى الجماعة الأخرى، فهؤلاء لهم داء لا يصل إلى الجماعة الأخرى؛ لذلك كان الحق يرسل رسولاً لكل جماعة ليعالج داءاتها، لكن إذا التحم العالم هذا الالتحام؛ فلا بد أن يأتي رسول واحد جامع للناس جميعاً؛ لأن قضايا الداءات ستكون واحدة. ونحن نرى الآن كل يوم عجباً، كلما تحدث حادثة هناك نجدها عندنا. إذن فلا بد أن تتوحد الرسالة. وحين تتوحد الرسالة فلا يأتي رسول ليستدرك بعد ذلك، فرسول الله صلى الله عليه وسلم جاء خاتماً؛ ولذلك أخذ الله العهد على كل رسول أن يبشر قومه بأنه سيأتي رسول خاتم ليكون عند أهل كل ديانة خَلْفية تطمئنهم على أنه إذا جاء رسول، فقد عرفوا خبر مقدمه ويقولون: لقد قالت لنا رسلنا؛ ولذلك قال الحق: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ..} تفسير : [آل عمران: 81]. ثم قال: {أية : قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81]. إذن: فرسول الله مشهود له من كل الرسل؛ ولذلك أكد صلى الله عليه وسلم ديانات كل الرسل، وجاء دينه بديانات كل الرسل؛ لأنهم معه على منهجه الذي نزل به، والذين يلتحمون بالإيمان بالسماء بواسطة الرسل السابقين؛ إذا ما جاءهم خبر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد يجعلهم تعصبهم لدينهم ينصرفون عنه، فأعطاهم الحق الخميرة الإيمانية وأوضح لهم: سيأتي رسول خاتم فتنبهوا يا كل الأقوام إذا ما جاء الرسول الخاتم فلا بد أن تؤمنوا به. وكان عندهم في كتبهم الدلالات والإخبارات. إذن: فالله أعطاهم نصيباً من الكتاب. وانظروا إلى دقة الأداء القرآني: {أَلَمْ تَرَ ..} [النساء: 44] يا محمد {إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ ..} [النساء: 44] جاء هذا القول وهو يحمل لهم عذرهم إن فاتهم شيء من الكتاب؛ لأنه سيقول في آية أخرى: {أية : وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} تفسير : [المائدة: 13]. وما داموا قد نسوا فهم معذورون، لكن مَنْ عندهم كفاية في العلم من الذين {أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ ..} [النساء: 44]، كان المفروض فيهم أن تكون آذانهم مستشرفة إلى صوت داعية الحق الخاتم، وهذا كان معروفاً لهم من قبل؛ لذلك يقول لنا ربنا: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} تفسير : [البقرة: 89]. فهم كانوا يقولون لعبدة الأوثان من العرب: نحن في انتظار النبي الخاتم الذي سيرسله الله لنسبقكم إلى الإيمان به، فإذا ما سبقناكم إلى الإيمان به وظللتم على كفركم، سنقتلكم به قتل عاد وإرم. إذن: فهم معتصمون بالإيمان بالسماء، فقل لي: إذا قالوا هذا القول، وهم معروفون أنهم أهل كتاب فلماذا كفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ إن كفار قريش لم يقولوا: إننا أهل كتاب، بل كانوا على فترة من الرسل، فكان المفروض أنه إذا ما جاء الرسول تسابق أهل الكتاب إلى الإيمان به لأنه سبق لهم أن توعدوا به العرب. لقد أعطاهم الله منزلة عالية لكنهم من لؤمهم لم ينتفعوا بها؛ فيقول الحق: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الرعد: 43]. لقد جعلكم الحق شهوداً على صدق الدعوة، هو شاهد وأنتم شهود، وهذه منزلة كبيرة، لكنهم لم يلتفتوا إلى تلك المنزلة وركبوا سفينة العناد الغارقة: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ..} تفسير : [البقرة: 89]. ولكن يجب أن نفطن إلى أن الحق سبحانه وتعالى حينما يرسل قضية عقدية في الكون فيخالفها مخالف يظن أنه يضار الله، نقول له: لا أنت تفعل ذلك لشهوة في نفسك. لكن الحق سيجعلها لنصرة الدين الخاتم، وتكون أنت مغفلاً في هذا الموقف. فإياك أن تظن أنك قادر أن تصادر مرادات الله حين كذَّبت بمحمد وجعلك ربنا تقول هذه الكلمة للمشركين من قريش، فانتظر ماذا ستفعل هذه الكلمة؟ ولكي تعرف أنت بإنكارك ماذا قدمت للإيمان. أنت فهمت أنك صادمت الإيمان. لا، أنت أيدت ونصرت الإيمان لكن بتغفيل! وعليك وزر. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلن دعوته من ربه. قال العرب المشركون الوثنيون: إن هذا النبي هو الذي توعدتنا به اليهود، فهيا نسبق إلى الإيمان به قبل أن يسبقونا. إذن: أخدموا الإيمان أم لا؟ لقد خدموا الإيمان. إذن: فلا يظنن عاصٍ إنه يقدر أن يطفىء نور الله؛ لأن الله يتم نوره ولو كره الكافرون. ومثال لذلك عندما غَيَّر ربنا القبلة ويوضح: يا محمد أنا أعرف أنك مستشرف ومتشوق إلى أن تتوجه إلى الكعبة، وأنا قد وجهتك أولاً لبيت المقدس لمعنى، ولكن أنا سأوجهك للكعبة وعليك أن تلاحظ أنني حين أوجهك إلى الكعبة سيقول السفهاء "وهم اليهود": {أية : مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..} تفسير : [البقرة: 142]. فهم يتساءلون: ما الذي جعلهم يتركون القبلة التي كانوا عليها؟ فإن كانت قبلة إبراهيم هي الكعبة فلماذا لم يتجه إليها من أول الأمر؟ هم سيقولون هذا الكلام. ونزل به قرآن يُتلى ويُسجل، ومن تغفيلهم ساعة تغيرت القبلة قالوا ذلك القول أيضاً، ولم يلتفتوا إلى أن الحق قال من قبل: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ..} تفسير : [البقرة: 142]. فعلى الرغم من ذكائهم إلا أنهم قالوا هذا الكلام، مما يدل على أن الكفر مظلم والكافر في ظلام فلا يعرف كيف ينصر نفسه. وجعل الله الكفر وسيلة للإيمان. فلو أنهم كانوا أذكياء بحق وأصحاب بصيرة لكانوا بمجرد أن قال القرآن: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..} تفسير : [البقرة: 142]، لجمعوا بعضهم وقالوا: القرآن قال: إننا سنقول كذا وكذا، فهيَّا لا نقول كي يكون القرآن غير صادق. لكنهم لم يقدروا على ذلك. إذن فالكافر مغفل. هم يظنون أنهم بكفرهم يطمسون الإيمان بالله. لا؛ لأن الله جعل الكفر وسيلة للإيمان، والحديث الشريف يقول: "حديث : إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". تفسير : فالحق سبحانه وتعالى يبيّن: هؤلاء أوتوا نصيباً من الكتاب، وكان المفروض لمن أوتوا نصيباً من الكتاب أن يكونوا أول مَنْ آمن. لكنهم لم يؤمنوا، هذه أول مرتبة، وليتهم اقتصروا في الشرّ على هذه، وبذلك تقف المسألة وتظل معلَّقة بهم، ولكنهم يشترون الضلالة، ليس فقط في نفوسهم بل يريدون أن يُضلوا غيرهم، وهذه هي المرحلة الثانية، فهناك مَنْ يَضِل في ذاته وهو حرّ، لكن أن يحاول إضلال غيره فهذا كفر مركب. أنت ضَلَلْت وانتهيت، فلماذا تريدني أن أضل؟ لأن الضال أو المنحرف أو الذي ليس على طريق مستقيم إنما يعرف الطريق المستقيم جيداً. ولكن الصعوبة في أنه لا يستطيع أن يحمل نفسه عليه. فإذا ما وجد إنساناً مؤمناً فهو يستصغر نفسه، "لماذا آمن هو وأنا لم أؤمن"؟ إذن فلا أقلَّ من أن يحاول جذبه في صفه حتى لا يكون هو المنحرف الوحيد، فإذا رأيت مثلاً في بلد من البلاد بعض المنحرفين، ويرون واحداً مستقيماً فهم يتضاءلون أمامه، وينظرون إليه نظرة حقد، ويقولون: لماذا هو مستقيم؟ لا بد أن نسحبه للانحراف. ولذلك يجب على المستقيمين أن ينتبهوا جيداً إلى أن شياطين الإنس لن تتركهم في طاعتهم، بل إنهم سيحاولون أن يستميلوهم؛ لأنه يعزّ عليهم أنهم لا يقدرون على أنفسهم ويحزّ في نفوسهم أكثر أن يجدوا بشراً مثلهم قد قدر على نفسه واستقام. ولذلك يقولون: هيا نكون كلنا معاً في المعصية حتى لا يرفع أحد رأسه على الآخر. فلنكن كلنا كذابين حتى لا يوجد فينا واحد صادق يذلنا. والكذاب كلما رأى الصادق يشعر أن هناك حربة تنغرز في قلبه!! والخائن ساعة يرى الأمين تكون الرؤية حربة تنزل في قلبه؛ فيريد أن يكون الكل مثله، هذه معنى {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ ..} [النساء: 44]. والحق يقول لهم: أنتم أحرار بشرائكم الضلالة وستجدون الجزاء في النار، فلماذا تريدون أن تضلوا الناس؟ إذن فيجب أن ينتبه أهل الطاعة إلى هذا الأمر، وعندما يستهزئ أحد من طاعتهم فعليهم أن يلتفتوا إلى قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} تفسير : [المطففين: 29-31]. وهذا ما يحدث إذا رأى بعض المنحرفين واحداً يذهب إلى المسجد أو يصلي، يقولون له: "خذنا على جناحك" ويسخرون منه ويستهزئون، لأنهم ساعة يرونه مقبلاً على الطاعة وهم غير قادرين على أن يكونوا طائعين يتضاءلون أمام أنفسهم؛ لذلك يريدون أن يكون الكل غير طائع، وهذه هي الصورة التي نراها الآن، وعندما يقابل هؤلاء أهاليهم يتضاحكون بسرور من أنهم ضايقوا مؤمناً، ويقولون: قابلنا مؤمناً واستهزأنا به، ويتابع الحق. {أية : وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} تفسير : [المطففين: 32-33]. فالله سبحانه وتعالى يوضح لنا: أن هؤلاء المستهزئين بالدين يتهمون المتدينين بأنهم على ضلال. فإياكم أن تيأسوا أمام هؤلاء، إياكم أن تُهزموا أمام هؤلاء لأنني سأنتقم عياناً من هؤلاء، وذلك يأتي يوم الآخرة ويقول الله بعد أن ينزل بهم النكال والعذاب: {أية : هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 36]. فالحق يتساءل ليأتي الجواب على ألسنتنا، والسؤال هو: هل قدرنا أن نجازيهم على ما فعلوه فيكم؟ فاسخروا أنتم منهم، واضحكوا عليهم كما سخروا منكم في الدنيا. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ ..} [النساء: 44] وهم اليهود: {أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ ..} [النساء: 44] أي أنهم لم يأخذوا بكل الكتاب بدليل أنهم نسوا حظاً مما ذُكِّروا به، {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ ..} [النساء: 44]، وساعة تسمع كلمة "يشتري" أعرف أن هناك معاوضة ومبادلة، سلعة وثمناً، فيشترون الضلالة بماذا؟ ماذا سيدفعون؟ الحق يقول في آية أخرى: {أية : ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 16]. أي أنهم دفعوا الهدى ثمناً وأخذوا الضلالة سلعة، وعادة ما ندفعه يضيع من يدنا، وما نشتريه نأخذه لنا. فحين تشتري سلعة بجنيه، فالجنيه يضيع، بعد أن كان معك أولاً، فحين يقول: {أية : ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 16] فهل كان معهم هدى وقدموه وأخذوا الضلالة؟! نعم، كان معهم هدى الفطرة. فكل واحد عنده هدى الفطرة. إياك أن تظن أن العقل الواعي ينتظر رسولاً ليدله على الله، إنما هو ينتظر رسولاً ليبلغه مرادات الله منه، ذلك أن الإيمان بالله أمر من أمور الفطرة، فالإنسان عندما يتفتح وعيه يجد أشياء في الكون تخدمه، خدمة مستقيمة رتيبة، ولا تتخلف عن خدمته أبداً، هناك شمس تطلع كل يوم، وهواء يمر، أرض عندما تزرعها تعطيك خيراً كثيراً. ألك قدرة على شيء من هذا؟ هل ادعى إنسان مثلك أن له قدرة عليه؟ كل هذه الكائنات أنت تطرأ عليها، ولم تأت بها. وعندما يولد الإنسان ويرى كل هذه النعم موجودة. ألا يؤمن بأنها من عطاء خالق؟ الإنسان فوجيء عندما ولد بوجود النعم. وأيضاً آدم عندما خلق فوجىء بالنعم موجودة، إذن فهو طرأ عليها، بالله ما دام هو قد طرأ عليها ألا يفكر مَنْ الذي أقام هذه النعم له؟ كان لا بد أن يفكر من الذي صنع له كل هذه النعم، وضربنا من قبل مثلاً بِمَنْ انقطعت به الوسائل وهو في الصحراء ولم يجد ماءً ولم يجد طعاماً، ثم يئس فنام، ثم استيقظ فوجد مائدة عليها أطايب الطعام، بالله قبلما يأكل ألا ينظر ويفكر ويقول في نفسه: من الذي أعدّ وأقام تلك المائدة؟ أنت - إذن - وارد على الكون بخيره كله، ولا أحد قال لك: أنا الذي فعلته، لا أبوك ولا جدك ولا جد جدك قال هذا، فلا بد أن تنتبه إلى أن له خالقاً. إذن فالذين اشتروا الضلالة بالهدى، أكان معهم هدى فقدموه وأخذوا الضلالة؟! نعم كان معهم هدى الفطرة، ولذلك حين سُئل الإمام علي - كرّم الله وجهه -: أعرفتَ ربك بمحمد أم عرفتَ محمداً بربك؟ قال: لو عرفت محمداً بربي ما احتجت إلى رسول، إذن فلا يصلح أيضاً أن يقال لأحد "عرفت ربك بمحمد"؛ لذلك قال علي كرم الله وجهه: ولكني عرفت ربي بربي، وجاء محمد فبلغني مراد ربي مني. إذن فقوله: {أية : ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 16] ماذا فعلوا؟ باعوا هدى الفطرة واشتروا الضلالة. وهنا يقول الحق: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ ..} [النساء: 44]. ولم يأت بـ "الهدى" هنا، وهذا يدل على أن الفطرة انطمست عندهم انطماساً بحيث لم يقدموا ثمناً للضلالة من الهدى. {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} [النساء: 44] والإرادة هي: أن يرجح الشخص المختار حكماً على حكم، ومثال ذلك: أنت أمامك جوربان مثلاً، فلك أن تختار واحداً منهما، لكن لو كان أمامك جورب واحد فإرادتك لا ترجح. إن الإرادة ترجح اختياراً على اختيار، وما معنى "تضلوا"؟ الضلال يُطلق بإطلاقات متعددة، فحواها كلها أن هناك أمراً من الحق ليس على بالك، فهل يحدث ذلك لأنك نسيته أو عرفته وتعمدت أن تتركه؟. فالذي نسي هذا الأمر معذور. لكنْ هناك إنسان آخر يعرف هذا الأمر لكنه تعمد أن يتركه، إذن فالضلال يطلق مرة على النسيان كما في قول الحق: {أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 282]. فالضلال هنا نسيان لكن هناك مَنْ يضل لأنه يفتقد المنهج الحق ويتشوف ويتطلع إليه ليتبعه، كما في قوله: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7]. أي أن المسائل متشعبة على الإنسان فيرى هذا وذاك، فأوضح الحق لك: لا تتعب نفسك لأني سأعطيك السبيل المستقيم. إذن فالضلالة لها معان متعددة، وفحواها جميعاً أنها لا توصلك إلى الغاية، والحق سبحانه وتعالى حينما يعرض قضية إيمانية عقدية معنوية يستعمل فيها الألفاظ التي يستعملها الناس في الكونيات، ولذلك فما هو السبيل؟. السبيل - عندنا - هو الطريق، وكلنا حتى غير المؤمنين يعرفون أن الطريق يُصنع ليوصل إلى غاية، ولكن لا بد أن نعرف الهدف أولاً وبعد ذلك نرصف الطريق ونعبِّده، ففيه فرق بين السبب الدافع والواقع. نحن قبلما نرصف الطريق نرى إلى أين يذهب؟ إذن: فالغاية أولاً وبعد ذلك نلتمس أقصر طريق يوصلنا إلى المطلوب، وعندما نكتشف أقصر طريق يوصلنا للمطلوب نمهده ونعبّده لكيلا نتعب الناس، إذن فالسبيل هو: الطريق الموصل إلى الغاية. ولذلك أوضح لنا الحق أن الطريق إلى الإيمان مستقيم كي لا يأخذ مسافات، فالخط المستقيم هو أقصر الخطوط. إننا لا بد أن نعرف الغاية قبل أن نعرف السبيل إلى الغاية. وآفة الدنيا وأهلها أنهم يعيشون فيها ولا يعرفون غاياتهم النهائية، إنما يعرفون غاياتهم الجزئية، فالطالب يريد أن يتعلم كي يكون موظفاً، لكي يتزوج ويقيم أسرة، والتاجر يتاجر لكي يعمل كذا، هذه هي الغايات الجزئية، والذكي هو مَنْ لا يذهب للغايات القريبة المنتهية، بل ينظر إلى الغايات الأخيرة، لأن الناس يختلفون في الغايات المنتهية، فواحد يعيش خمسين سنة، وآخر يعيش ستين عاماً، وثالث يعيش لمدة سنة، إذن فلا بد أن تنظر إلى الغاية التي سيذهب لها الكل، وآفة الناس أنها تعمل للدنيا، يعني للغايات القريبة، برغم أن "الدنيا" تعني الأقل والأتفه، ولذلك اسمها "الدنيا"، وما دامت "دنيا" إذن فهناك "عليا". إن تعب الناس يأتي من أنها يعملون للغايات الدنيا؛ لذلك نقول لكل إنسان: انظر الغاية العليا التي سيكون الكل شركاء فيها، والكل لا بد أن يصل لها. فإذا ما عرفنا الغاية العليا نجونا من إرهاق قصر النظر والغرق في الغايات المحدودة، مثلاً: أنت تبعث ابنك ليتعلم من سن الحضانة ثم إلى الروضة ثم الابتدائي ثم الإعدادي ثم الثانوي ثم التعليم العالي ثم يتخصص في مجال معين في التعليم العالي، وتصل سنوات عمره إلى العشرين سنة ليتخرج ويتوظف ويقدر أن يعيش بكدِّه وعرقه، والأب يعمل لهذه الغاية، وقد لا يصل الابن إلى الوظيفة، وقد يُتعب الابن والده ولا يكمل تعليمه وبذلك تفلت منه الغاية، لكن نحن نريد الغاية التي لا تفلت، فأنت الآن تعيش في أسباب خلقها لك الحق، فاجعل غايتك أن تعيش مع الحق. إنك في الدنيا تعيش مع الأسباب التي خلقها لك الحق، لكنك في الآخرة ستكون مع الحق نفسه. أنت في الدنيا تعيش بالأسباب، ولكنك تعيش في الآخرة بالمسبب، ومهما ارتقت أسبابك. فأنت لن تستطيع أن تصل إلى مستوى رفاهة الآخرة. صحيح أنه إذا ارتقت حياتك في الدنيا فقد تضغط على زر في الحجرة ويأتيك فنجان قهوة، أو تضغط على زر فيأتيك الأكل، ولكن قل لي: مهما ارتقت الحياة أيوجد ارتقاء بحيث إذا خطر الشيء على بالك يأتيك؟ لا يمكن، وهذا ما سيكون لنا في الآخرة، إذن فهذه هي الغاية الحسنة، ونحن نعيش في الدنيا مع أسباب الله الممدودة لنا، أما في الآخرة فسوف نعيش مع الله ولذلك أوضح سبحانه: سأعطي المؤمن والكافر الأسباب في الدنيا، فالكافر عندما يزرع يجد نتاجاً، وعندما يبحث في الكون وينظر أسراره فالأسرار تتكشف له؛ لأن الأسباب خلقها الله لمن يأخذ بها سواء أكان مؤمناً أم كافراً. لكن المسبب لا يذهب له إلا مَنْ آمن به، أما الكافر فقد آمن بالأسباب فأخذ الأسباب، ولم يمنعها الله منه: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. إذن: فهل غايتك أن تبقى مع الأسباب أو تذهب إلى المسبب؟ انظر إلى غايات الدنيا القريبة، ستجد أنها قد تنتهي قبل أن تصل إليها ويكون تعبك قد ذهب هباء، ولذلك أخفى الله الموت وأسبابه وزمنه كي يختبر الإنسان، فهناك مَنْ يحقق كل ما رغب فيه وفي آخر الأمر تنتهي المسألة بالموت، وهو قد أخذ الهباء لأنه لم يؤمن بالمسبب، هب أنه أخذ الدنيا كلها عنده، نقول له: سيأتيك الموت، يعني إما أن تفارق أنت النعمة وإما أن تفارقك النعمة، ولكن في الحياة الآخرة أنت لا تفارق النعمة ولا النعمة تفارقك فهذه - إذن - هي الغاية الحقة، غاية العقلاء، ومتعتك في دنياك كما قلنا على قدر أسبابك، أما متعتك في الآخرة فهي على قدر المسبب، وسبحانه لا يقادر قدره ولا أحد يماثله في فعله، والعاقل هو مَنْ ينظر إلى الغاية البعيدة. إذن فالسبيل لا يمكن أن يكون طريقاً إلا إذا علمت الغاية، والذي يجعل الناس تتعب في الدنيا، أنهم لا يعرفون إلا الغايات القريبة، ولذلك سماها "الدنيا" ولا يوجد اسم أدنى من ذلك لها، وكان يجب أن يوحي هذا الاسم بأنها فانية وهناك باقية. إذن فقبلما ترسم السبيل لا بد أن تحدد الغاية. وبعدما تحدد الغاية تختار السبيل الذي يوصلك للغاية، وهكذا نعرف أن هناك فرقاً بين واقع ودافع، الشيء الدافع هو أن تنصب الغاية أولاً وتحددها، فالتلميذ يجتهد كي ينجح، وينجح لكي يأخذ حظه في الحياة، وهذه الغاية لا بد أن توجد في ذهنه قبلما يتعلم، وعندما يتصور النجاح ولذته في ذهنه فهو يبدأ في المذاكرة، وعندما يذاكر يصل إلى الغاية وهي النجاح، فالغاية نوعان: غاية دافعة، وغاية واقعة، فالغاية الدافعة تسبق الطريق، والغاية الواقعة تتأخر عن الطريق، ومَنْ الذي يحدد الغاية؟ إن الذي يحدد غاية كل شيء هو مَنْ صنعه، وغايتك أنت من الذي يحددها؟ أنت تحدد الغايات الدنيا، أما الغايات العليا فعليك أن تتركها للأعلى ليحددها وهو الله. وما دام هو سبحانه الذي يحددها لأنك صنعته وخَلقه؛ لذلك تسأله: أنت سبحانك الذي تعلم موقعها فهيِّئ لنا الطريق الذي يوصلنا لها. لا بُدَّ إذن من الإيمان إذا ما كانت الغاية هي أن تعيش مع الحق، والسبيل هو المنهج: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ..} تفسير : [الأنعام: 153]. أي أن سبلكم أنتم لا توصلكم إليَّ؛ لأنكم حددتموها بغاياتكم، أمّا أنا فقد حددت السبيل بغايتي فمن أراد أن يصل إليّ فلينظر إلى طريقي. وكلمة "السبيل"، و "الطريق" كلها أمور حسية، والحق يستعملها لنا ليدلنا على المعاني العقدية والمعاني المعنوية يوضحها - سبحانه - بأمور حسية أمامنا، وعندما توجد في مفترق طرق وتريد أن تصل إلى المنطقة الفلانية. فانحرافك بمقدار ملليمتر واحد في بداية الطريق، يبعدك عن الهدف، وكلما امتد بك السير اتسع المشوار وتبعد المسافة، فأنت تتوه، ونمثل لهذا بشيء بسيط جداً: كلنا نركب القطارات، والقطارات تسير على قضبان مستقيمة، فإذا أردنا أن نحول القطار فنحن لا نرفعه ونضعه على قضيب آخر، بل نأتي بتحويلة لا تتجاوز اثنين من الملليمتر ونقربها إلى حد الالتصاق في القضيب الأصلي، وهذا ما يفعله "المحولجي"، فينحرف القطار لينتظم الخط وليصل إلى المحطة المطلوبة. ولفتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بما رواه سيدنا حذيفة - رضي الله عنه - حينما قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال - أي أن الإيمان فطري - ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم حدثنا رسول الله عن رفع الأمانة قال: "حديث : ينام الرجل النومة فتغيض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت - وهو اللسعة التي توجد أثراً على الجلد - ثم ينام الرجل النومة فتغيض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجْل" تفسير : (والمجل هو أثر الجمرة التي تظل مدة طويلة على جلد الإنسان فتسبب ورماً فيه مياه - كجمر دحرجته على رجلك فنفط - أي انتفخ - فتراه منتبراً وليس به شيء) حديث : فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد يوجد أحد منهم يؤدي الأمانة حتى يقال: "إن في بني فلان رجلاً أميناً" ". تفسير : ويستمر سيدنا حذيفة قائلاً: ولقد مر عليّ زمان وما كنت أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلماً ليردنه عليّ دينه ولئن كان نصرانياً ليردنه عليّ ساعيه - أي المحتسب - وأما الآن فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً. إن الإيمان فطري. إنّ قصارى ما يعطيك هذا الإيمان الفطري أن وراء هذا الكون الدقيق قوة عظمى؛ فالكون المنظم، الرتيب، الذي لا يدخل تحت طاقتك ولا تحت قدرتك، هذا الكون يسير على أحسن نظام. والقوة العظمى القادرة التي وراء ذلك الكون تتصف بالقدرة، وبالعلم، وبالحكمة، وبكل صفات الكمال. لكن أيعطيك فكرك وعقلك اسم هذه القوة؟ لا يمكن أن يعطي العقل اسم هذه القوة. أيعطيك فكرك وعقلك مرادات هذه القوة؟ إنك لا تستطيع أن تعرف مرادات هذه القوة إلا برسول ترسله ليبلغ عنها. والرسول عندما يأتي تقول: إن القوة التي تبحثون عنها، والتي آمنتم بها إيماناً مجملاً اسمها "الله". فلا بد أن نصدق الرسول. فالعقل لا يقول لنا اسم القوة الخالقة. ولكن الذي يقول لنا اسم هذه القوة هو البلاغ، ويعطينا الحق هذا البلاغ من خلال الرسول بكل مراداته من وجودنا. وهذا هو أقصر طريق للوصول إلى الحق بعيداً عن تعقيدات الفلسفة أو تعقيدات المنطق، وسفسطة الجدل، هذا الطريق الذي يثبت أن مَنْ يعبد أي قوة غير الله لا حق له في مثل هذه العبادة. فالذي يعبد الشمس مثلاً هل يستطيع أن يقول لنا ما هو منهج الشمس الذي تطلبه من الإنسان؟ وماذا قالت لمَنْ يعبدها جزاءً للفعل الحسن أو عقاباً على الفعل السيئ؟ ماذا تستطيع هذه الشمس أن تفعل لمن لا يعبدها؟. إنها لا تملك ثواباً ولا عقاباً، ولا منهج لها، وإله بلا منهج لا يصلح أن يكون إلهاً. فالإله لا بد له من منهج يدل الناس على صواب الفعل وينهى عن سوء الفعل ويملك سلطان الثواب والعقاب، والشمس لا تملك منهجاً تعطيه، وكذلك الحجر أو القمر. إذن فهذه الأشياء مخلوقة بدورها من قبل خالق ولا تصلح أن تكون آلهة. ووجود الرسل المبلِّغين عن الله دليل على صدق الدعوة. فالحق سبحانه وتعالى يعطينا إيماناً بوجوده من خلال المنهج، ونحن قبل البلاغ نعرف أن هناك قوة خالقة لا نعرف اسمها ولا مرادها؛ ولذلك فعندما يأتي الرسول بالبلاغ فهذه رحمة من الله بالخلق. أما مَنْ يحاول أن يخطط بعقله لحياته بدون الرسول فنقول له: أنت تصيب نفسك وروحك بالتعب ولن تصل إلى شيء. ونضرب هذا المثل دائماً - ولله المثل الأعلى - هب أننا نجلس في غرفة والباب مغلق ثم طرق الباب طارق. هنا نتفق نحن الجلوس في الغرفة في أن وراء الباب طارقاً. ولكن إذا أردنا تحديد هذا الطارق وتعيينه فسنختلف فيقول قائل: إنه رجل، ويقول آخر: لا، إنه امرأة، ويقول ثالث: لا، إنه طفل، ويقول رابع: هذا بشير، ويقول خامس: هذا نذير، ويقول سادس: إنه القادم لنا بالقهوة، ويقول سابع: إنه رجل مكلف بالقبض علينا. هكذا نتفق على أن طارقاً بالباب ونختلف في تحديد "مَنْ الطارق"، وهكذا الكون، الكون وراءه قوة هائلة وعندما يحاول الإنسان أن يقول اسم هذه القوة بعقله أو مرادات هذه القوة فهذا يسبب الخلاف. ولكن حينما ترسل القوة عن نفسها رسولاً ليقول: إن القوة الخالقة اسمها الله ومرادات الله كذا، ففي ذلك حسم للخلاف. إن الذي أرهق الفلاسفة ووصل ببعضهم إلى دهاليز التيه، هو أن بعضهم لم يكتف بتعقل القوة التي خلقت الكون، بل إنهم أرادوا أن يتصوروا القوة وماهياتها ومراداتها. ونقول: إن نظرة الفلاسفة إلى الخالق لا تصلح؛ لأنهم بتلك النظرة يظلون في التيه، ولكن البلاغ عن طريق رسول هو الذي يحسم هذه المسألة. والحديث الذي رواه لنا سيدنا حذيفة عن الأمانة يصور لنا مهمة الإيمان، وكيف يتعلم المؤمن من القرآن والسنة، وعندما يهمل هذا العلم، فما الذي يحدث؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمثل لنا مراحل فقدان الأمانة، وينبهنا: احذروا من أن تتسلل الانحرافات بنومة قليلة، ثم إلى أخرى أكبر منها، ثم إلى ثالثة أكبر وأوسع. وشرحنا ذلك بمثل الانحراف المقصود لقطارات السكك الحديدية. إن قوله الحق سبحانه: {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ..} [النساء: 44] كي لا ينفردوا - وحدهم - بالضلال، والحق سبحانه يعطينا مناعة ضد كلامهم، فهم لهم حظ من علم الكتاب وهذا قد يجعلنا نحسن الظن بأن لهم صلة بالسماء؛ لأنهم أتباع رسل، فسبحانه يوضح لنا: هؤلاء يريدون أن تضلوا السبيل ويتخذوا من نصيب الكتاب الذي عندهم وسيلة كي يضلوكم. وفي عصرنا نجد أن أعدى أعداء أي عقيدة ليسوا أعداءها الظاهرين وإنما أعداؤها من أنفسهم؛ لأن عدوّي الظاهر الكافر يجابهني وأنا واثق أنه يريد أن يدس لديني ويدلس ويحرف فيه، لكن عندما يكون هناك مسلم مثلي يأتي ليكلمني فربما آخذ كلامه على أنه مسلم؛ ولذلك فخصوم الإسلام يئسوا أن يواجهوا الإسلام مواجهة صريحة؛ ولذلك نجد الغرب قد توقف الآن عن مسألة الاستشراق، وما بقي من الاستشراق فهذا هو القديم. وكان المستشرق من هؤلاء يؤلف كتاباً؛ ساعة يقرأه المسلم قد يقول: إنه رجل يعمل على خدمة العلم وعلى خدمة الثقافة، وخدمة سنة رسول الله، وقد يكتفي هذا المؤلف بأن يدس في الكتاب الواحد فكرة واحدة بعد أن يجعل القارئ يثق فيه. وعندما علموا أننا فطنا لهذا دخلوا علينا بالمستغربين، وهم أناس منا ذهبوا إلى الغرب فأخذوا الداءات من هناك وجاءوا فبثوها في مناهج تعليمنا، وفي برامجنا، وفي وسائل الإعلام، وفي الصحافة، والواحد من هؤلاء المستغربين يفعل ذلك وهو مسلم، فيكون محل ثقة، ووجد الغرب أيسر طريق لهم الآن أن يدخلوا إلينا عن طريق بعض المسلمين الذين أوتوا نصيباً من الكتاب؛ لأن الإنسان سيكون مطمئناً إلى أن هؤلاء مسلمون. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا: أن خصومك الظاهرين أهون عليك من خصومك المنسوبين إلى دينك؛ لأن هؤلاء يدخلون عليك بالثقة الأولى، ثقة انتسابهم للإسلام؛ ولذلك يوضح لنا ربنا هذا الأمر لأنه قد يتعب ويصيب المؤمنين بالعنت لذلك يقول: {أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ ..} [النساء: 44] وهم يعيشون على هذه. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ...}.
الصابوني
تفسير : سَبَبُ النّزول: روي أن أبا سفيان قال لكعب بن الأشرف - أحد أحبار اليهود - إِنك امرؤٌ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقاً نحن أم محمد؟ فقال: اعرضوا عليَّ دينكم فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونعمر بيت ربنا، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم!! فقال: دينكم خير من دينه وأنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ...} الآية. المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى شيئاً من أحوال الكفار في الآخرة وأنهم يتمنون لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً.. أعقبه بذكر ما عليه اليهود من الكفر والجحود والتكذيب بآيات الله، ثم ذكر طائفة من عقائد أهل الكتاب الزائغة وما أعد لهم من العذاب المقيم في دار الجحيم أعاذنا الله منها. اللغَة: {رَاعِنَا} راقبنا وانظرنا وهي كلمة سب في العبرية وكان اليهود يقولونها ويعنون بها معنى الرعونة {أَقْوَمَ} أعدل وأصوب {نَّطْمِسَ} الطمس: المحو وإِذهاب أثر الشيء {فَتِيلاً} الفتيل: الخيط الذي في شق النواة {ٱلْجِبْتِ} اسم الصنم ثم صار مستعملاً لكل باطل {ٱلطَّاغُوت} كل ما عبد من دون الله من حجر أو بشر أو شيطان وقيل هو اسم للشيطان {نَقِيرا} النقير: النقطة التي على ظهر النواة {نُصْلِيهِمْ} ندخلهم. التفسِير: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} الاستفهام للتعجيب من سوء حالهم والتحذير عن موالاتهم أي ألم تنظر يا محمد إِلى الذين أعطوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ} أي يختارون الضلالة على الهدى ويؤثرون الكفر على الإِيمان {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} أي ويريدون لكم يا معشر المؤمنين أن تضلوا طريق الحق لتكونوا مثلهم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} أي هو تعالى أعلم بعداوة هؤلاء اليهود الضالِّين منكم فاحذروهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً} أي حسبكم أن يكون الله ولياً وناصراً لكم فثقوا به واعتمدوا عليه وحده فهو تعالى يكفيكم مكرهم.. ثم ذكر تعالى طرفاً من قبائح اليهود اللعناء فقال {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} أي من هؤلاء اليهود فريق يبدّلون كلام الله في التوراة ويفسرونه بغير مراد الله قصداً وعمداً فقد غيّروا نعت محمد صلى الله عليه وسلم وأحكام الرجم وغير ذلك {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} أي ويقولون لك إِذا دعوتهم للإِيمان سمعنا قولك وعصينا أمرك قال مجاهد: سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه، وهذا أبلغ في الكفر والعناد {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي اسمع ما نقول لا سمعتَ والكلام ذو وجهين يحتمل الخير والشر وأصله للخير أي لا سمعتَ مكروهاً ولكنَّ اليهود الخبثاء كانوا يقصدون به الدعاء على الرسول صلى الله عليه وسلم أي لا أسمعكَ الله وهو دعاء بالصمم أو بالموت {وَرَاعِنَا} أي ويقولون في أثناء خطابهم راعنا وهي كلمة سبّ من الرعونة وهي الحُمْق، فكانوا سخريةً وهزؤاً برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإِهانة ويظهرون به التوقير والإِكرام ولهذا قال تعالى {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ} أي فتلاً وتحريفاً عن الحق إِلى الباطل وقدحاً في الإِسلام قال ابن عطية: وهذا موجود حتى الآن في اليهود وقد شاهدناهم يربّون أولادهم الصغار على ذلك ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي عوضاً من قولهم سمعنا وعصينا {وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا} أي عوضاً عن قولهم غير مسمع وراعنا أي لو أن هؤلاء اليهود قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم ذلك القول اللطيف بدل ذلك القول الشنيع {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ} أي لكان ذلك القول خيراً لهم عند الله وأعدل وأصوب {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي أبعدهم الله عن الهدى وعن رحمته بسبب كفرهم السابق فلا يؤمنون إِلا إِيماناً قليلاً قال الزمخشري: أي ضعيفاً ركيكاً لا يُعبأ به وهو إِيمانهم ببعض الكتب والرسل.. ثم توعدهم تعالى بالطمس وإِذهاب الحواس فقال {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا} أي يا معشر اليهود آمنوا بالقرآن الذي نزلناه على محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} أي مصدقاً للتوراة {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ} أي نطمس منها الحواس من أنفٍ أو عين أو حاجب حتى تصير كالأدبار، وهذا تشويه عظيم لمحاسن الإِنسان وهو قول ابن عباس {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ} أي نمسخهم كما مسخنا أصحاب السبت وهم الذين اعتدوا في السبت فمسخهم الله قردة وخنازير {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} أي إِذا أمر بأمر فإِنه نافذ كائن لا محالة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} أي لا يغفر الشرك ويغفر ما سوى ذلك من الذنوب لمن شاء من عباده {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} أي من أشرك بالله فقد اختلق إِثماً عظيماً قال الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إِن شاء عفا عنه وإِن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركاً بالله.. ثم ذكر تعالى تزكية اليهود أنفسهم مع كفرهم وتحريفهم الكتاب فقال {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} أي ألم يبلغك خبر هؤلاء الذين يمدحون أنفسهم ويصفونها بالطاعة والتقوى؟ والاستفهام للتعجيب من أمرهم قال قتادة: ذلكم أعداء الله اليهود زكُّوا أنفسهم فقالوا {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] وقالوا: لا ذنوب لنا {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} أي ليس الأمر بتزكيتهم بل بتزكية الله فهو أعلم بحقائق الأمور وغوامضها يزكي المرتضين من عباده وهم الأطهار الأبرار لا اليهود الأشرار {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي لا ينقصون من أعمالهم بقدر الفتيل وهو الخيط الذي في شق النواة وهو مثلٌ للقلة كقوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} تفسير : [النساء: 40] {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} هذا تعجيب من افترائهم وكذبهم أي انظر يا محمد كيف اختلقوا على الله الكذب في تزكيتهم أنفسهم وادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه؟ {وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً} أي كفى بهذا الافتراء وزراً بيناً وجرماً عظيماً {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ} الاستفهام للتعجيب والمراد بهم أيضاً اليهود أُعطوا حظاً من التوراة وهم مع ذلك يؤمنون بالأوثان والأصنام وكلّ ما عبد من دون الرحمن {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى سبيلاً من محمد وأصحابه قال ابن كثير: يفضّلون الكفار على المسلمين بجهلهم وقلة دينهم وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم قال تعالى إِخباراً عن ضلالهم {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي طردهم وأبعدهم عن رحمته {وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} أي من يطرده من رحمته فمن ينصره من عذاب الله؟ ويمنع عنه آثار اللعنة وهو العذاب العظيم {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ} أي أم لهم حظٌ من الملك؟ وهذا على وجه الإِنكار يعني ليس لهم من الملك شيء {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} أي لو كان لهم نصيب من الملك فإِذاً لا يؤتون أحداً مقدار نقير لفرط بخلهم، والنقير مثلٌ في القلة كالفتيل والقطمير وهو النكتة في ظهر النواة، ثم انتقل إِلى خصلة ذميمة أشد من البخل فقال {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} قال ابن عباس: حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم على النبوة وحسدوا أصحابه على الإِيمان والمعنى: بل أيحسدون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على النبوة التي فضل الله بها محمداً وشرّف بها العرب ويحسدون المؤمنين على ازدياد العز والتمكين؟ {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} أي فقد أعطينا أسلافكم من ذرية إِبراهيم النبوة وأنزلنا عليهم الكتب وأعطيناهم الملك العظيم مع النبوة كداود وسليمان فلأي شيء تخصون محمداً صلى الله عليه وسلم بالحسد دون غيره ممن أنعم الله عليهم؟ والمقصود الرد على اليهود في حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وإِلزام لهم بما عرفوه من فضل الله على آل إِبراهيم {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أي من اليهود من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم قلة قليلة ومنهم من أعرض فلم يؤمن وهم الكثرة كقوله {أية : فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} تفسير : [الحديد: 26] {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} أي كفى بالنار المسعّرة عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم.. ثم أخبر تعالى بما أعده للكفرة الفجرة من الوعيد والعذاب الشديد فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} أي سوف ندخلهم ناراً عظيمة هائلة تشوي الوجوه والجلود {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أي كلما انشوت جلودهم واحترقت احتراقاً تاماً بدلناهم جلوداً غيرها ليدوم لهم ألم العذاب، قال الحسن: تُنْضجهم النار في اليوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فعادوا كما كانوا وقال الربيع: جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وبطنُه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإِذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها وفي الحديث "حديث : يعظم أهل النار في النار حتى إِن بين شحمة أذن أحدهم إِلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعاً وإِن ضرسه مثل أحد" تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} أي عزيز لا يمتنع عليه شيء حكيم لا يعذّب إِلا بعدل {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} هذا إِخبار عن مآل السعداء أي سندخلهم جنات تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها وأرجائها حيث شاءوا وأين أرادوا مقيمين في الجنة لا يموتون {لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي لهم في الجنة زوجات مطهرات من الأقذار والأذى قال مجاهد: مطهرات من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} أي ظلاً دائماً لا تنسخه الشمس ولا حر فيه ولا برد قال الحسن: وُصف بأنه ظليل لأنه لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحرّ والسموم، وفي الحديث "حديث : إِن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبلاغة والبديع ما يلي بالإِيجاز: 1- المجاز المرسل في {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} المراد به محمد صلى الله عليه وسلم من باب تسمية الخاص باسم العام إِشارة إِلى أنه جمعت فيه كمالات الأولين والآخرين. 2- الاستعارة في {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ} وفي {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} لأن أصل الذوق باللسان فاستعير إِلى الألم الذي يصيب الإِنسان وفي {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} لأن أصل الليّ فتل الحبل فاستعير للكلام الذي قصد به غير ظاهره وفي {نَّطْمِسَ وُجُوهاً} وهي عبارة عن مسخ الوجوه تشبيهاً بالصحيفة المطموسة التي عُمّيت سطورها وأشكلت حروفها. 3- الاستفهام الذي يراد به التعجب في {أَلَمْ تَرَ} في موضعين. 4- التعجب بلفظ الأمر في {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ} وتلوين الخطاب في {يَفْتَرُونَ} وإقامته مقام الماضي للدلالة على الدوام والاستمرار. 5- الاستفهام الذي يراد منه التوبيخ والتقريع في {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ} وفي {أَمْ يَحْسُدُونَ}. 6- التعريض في {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} عرَّض بشدة بخلهم. 7- الطباق في {وُجُوه.. وَأَدْبَارِ} وفي {آمِنُواْ.. وكَفَرُواْ}. 8- جناس الاشتقاق في {نَلْعَنَهُمْ.. وَلَعَنَّآ} وفي {يُؤْتُونَ... وآتَاهُمُ} وفي {ظِـلاًّ ظَلِيلاً}. 9- الإِطناب في مواضع، والحذف في مواضع.
الأندلسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} الآية نزلت في اليهود مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر شيئاً من أحوال الآخرة وأن الكفار إذ ذاك يودون لو تسوى بهم الأرض، وجاءت الآية بعد ذلك كالاعتراض بين ذكر أحوال الكفار في الآخرة وذكر أحوالهم في الدنيا مع المؤمنين ذكر أحوالهم في الدنيا وما هم عليه من معاداة المؤمنين وكيف يعاملون رسول الله الذي يأتي عليهم شهيداً وعلى غيرهم ولما كان اليهود أشد إنكاراً للحق وأبعد من قبول الخير، وكان قد تقدم أيضاً {أية : ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ} تفسير : [النساء: 37] وهم أشد الناس تحلياً بهذين الوصفين. {أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ} الظاهر أن من الكتاب صفة لقوله: نصيباً، وأريد بالكتاب الجنس والنصيب التوراة ويجوز أن يتعلق من الكتاب بقوله: أوتوا. {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ} أي بالهدى وحذفه لأن الضلالة تدل عليه كما صرح به في قوله اشتروا الضلالة بالهدى. والمعنى ألا تعجب ممن أنزل عليه من الكتب الإِلهية ومع ذلك لم يتبع ما أنزل إليه وآثروا الضلالة على الهدى. {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} أي لم يكفهم أن ضلوا في أنفسهم حتى تعلقت آمالهم بضلالكم أنتم أيها المؤمنون عن سبيل الحق، لأنهم لما علموا أنهم قد خرجوا من الحق إلى الباطل كرهوا أن يكون المؤمنون مختصين باتباع الحق فأرادوا أن يضلوا كما ضلوهم. كما قال تعالى: {أية : وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً}تفسير : [النساء: 89]. وقرىء: {أَن تَضِلُّواْ} بضم التاء وكسر الضاد من أضل وقراءة الجمهور بفتح التاء وكسر الضاد من ضل. {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} لما ذكر تعالى أنهم أوتوا التوراة وآثروا اشتراء الضلالة، ذكر أيضاً مما يذمهم به وهو تحريف الكلم عن مواضعه. فقوله: {يُحَرِّفُونَ} صفة لمبتدأ محذوف وخبره الجار والمجرور قبله وحذفه فصيح كقول العرب: مناطعن ومنا أقام. وأجاز القراء أن يكون المحذوف الموصول تقديره من يحرفون فيحرفون صلة لمن المحذوفة. {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} الظاهر أنهم شافهوا النبي صلى الله عليه وسلم بهاتين الجملتين وخاطبوه بقولهم: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} وهذا كلام موجّه. والظاهر أنهم أرادوا به الوجه المكروه لسياق ما قبله من قوله: سمعنا وعصينا، وانتصب غير مسمع على الحال أي واسمع حال كونك لا تسمع فيكون ذلك على سبيل الدعاء كأنهم قالوا: واسمع لا سمعت. ويجوز أن يكون غير مسمع صفة لمصدر محذوف أي واسمع سمعاً غير مسمع. {وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} تقدم تفسير راعنا في البقرة. وليا أي فتلا، وتحريفاً عن الحق إلى الباطل. وانتصاب ليا وطعناً على المفعول من أجله أو على أنهما مصدران في موضع الحال وطعنهم في الدين إنكار نبوته وتغيير نعته. {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي لو تبدلوا بالعصيان الطاعة ومن راعنا بأنظرنا. وقال الزمخشري: ولو ثبت قولهم سمعنا وأطعنا لكان قولهم ذلك حيزاً لهم وأقوم وأعدل وأسد. "انتهى". سبك الزمخشري من أنهم قالوا مصدراً مرتفعاً بثبت على الفاعلية وهذا مذهب المبرد خلافاً لسيبويه إذ يرى سيبويه أن انّ بعد لو مع ما عملت فيه تتقدر باسم مبتدأ وهل الخبر محذوف أو لا يحتاج إلى تقدير الخبر لجريان المسند والمسند إليه في صلة أن قولان أصحهما هذا. فالزمخشري وافق مذهب المبرد وهو مذهب مرجوح في علم النحو. {إِلاَّ قَلِيلاً} استثناء من ضمير المفعول في لعنهم، أي إلا قليلاً لم يلعنهم فأمنوا، أو استثناء من الفاعل في فلا يؤمنون، أي إلا قليلاً فآمنوا كعبد الله بن سلام وكعب الاحبار وغيرهما أو هو راجع إلى المصدر المفهوم من قوله: فلا يؤمنون أي إلا إيماناً قليلاً فلله إذ آمنوا بالتوحيد وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبشرائعه. وقال الزمخشري: إلا إيماناً قليلاً أي ضعيفاً ركيكاً لا يعبأ به وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره وأراد بالقلة العدم كقوله: شعر : قليل التشكي للهموم تصيبه تفسير : أي عديم التشكي. وقال ابن عطية: من عبر بالقلة عن الإِيمان، قال: هي عبارة عن عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم أرض قلّما تنبت كذا وهي لا تنبت جملة. وهذا الذي ذكره الزمخشري وابن عطية من أن القليل يراد به العدم هو صحيح في نفسه لكن ليس هذا التركيب الاستثنائي من تراكيبه، فإِذا قلت: لا أقوم إلا قليلاً لم يوضع هذا الانتفاء القيام البتة، بل هذا يدل على انتفاء القيام منك إلا قليلاً فيوجد منك. وإذا قلت: قلّ ما يقوم أحد إلا زيد وأقلُّ رجل يقول ذلك، احتمل هذا أن يراد به التقليل المقابل للتكثير، واحتمل أن يراد به النفي المحض، وكأنك قلت: ما يقوم أحد إلا زيد وما رجل يقول ذلك، اما أن تنفي ثم توجب ويصير الإِيجاب بعد النفي يدل على النفي فلا إذ تكون إلا وما بعدها على التقدير جيء بها لغواً لا فائدة إذ الانتفاء قد فهم من قولك لا أقوم فأي فائدة في استثناء مثبت يراد به الانتفاء المفهوم من الجملة السابقة، وأيضاً فإِنه يؤدي إلى أن يكون ما بعد إلا موافقاً لما قبلها في المعنى، وباب الاستثناء لا يكون فيه ما بعد إلا موافقاً لما قبلها. وظاهر قوله: فلا يؤمنون إلا قليلاً إذا جعلناه عائداً إلى الإِيمان إن الإِيمان يتجزأ بالقلة والكثرة فيزيد وينقص والجواب أن زيادته ونقصه هو بحسب قلة المتعلقات وكثرتها.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه مستفهماً مخاطباً لمن يتأتى منه الرؤية عن حرمان بعض المعاندين عن هداية القرآن: {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {إِلَى} قبح صنيع القوم {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً} حظاً {مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ} الجامع لجميع الكتب، الهادي للكل لكونهم موجودين عند نزوله، سامعين الدعوة، فممن أنزل إليه صلى الله عليه وسلم كيف يحرمون أنفسهمم عن الهادية إلى حيث {يَشْتَرُونَ} يختارون لأنفسهم {ٱلضَّلَٰلَةَ} بدل هدايته {وَ} مع ذلك لا يقتصرون عليه بل {يُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ} ترتدوا ويظلموا عليكم أيها المؤمنون {ٱلسَّبِيلَ} [النساء: 44] الواضح الموصل إلى زلال الهداية بإلقاء الشبه الزائفة في قلوب ضعفائكم، وإظهار التكذيب وادعاء المخالفة بينك وبين الكتب المتقدمة. ولا تغتروا أيها المؤمنون بودادتهم وتلمقهم ولا تتخذوهم أولياء؛ إذ هم أعداء لكم {وَٱللَّهُ} الرقيب عليكم {أَعْلَمُ } منكم {بِأَعْدَائِكُمْ} فعليكم أن تفوضوا أموركم كلها إليه، والتجئوا نحوه واستنصروا منه ليدفع بلطفه مؤونة شرورهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً} أي: كفى الله ولياً للأولياء {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً} [النساء: 45] لهم ينصرهم علكى الأعداء بأن يغلبهم عليهم وينتقم منهم خصوصاً. {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} نسبوا إلى اليهودية وسموا به، وهم من غاية بغضهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم يدعون مخالفة القرآن بجميع الكتب السالفة، لذلك {يُحَرِّفُونَ} ويغيرون {ٱلْكَلِمَ} المنزلة في التوراة في شأن القرآن وشأن بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {عَن مَّوَاضِعِهِ} التي وضعها الحق سبحانه، بل يستبدلونها لفظاً ومعنى مراء ومجادلة {وَيَقُولُونَ} حين دعاهم الرسول إلى الإيمان: {سَمِعْنَا} قولك {وَعَصَيْنَا} أمرك {وَٱسْمَعْ} منا في أمرن الدين كلاماً {غَيْرَ مُسْمَعٍ} لك من أحد {وَرَٰعِنَا} لتستفيد منا، وإنما يقصدون بأمثال هذه المزخرفات الباطلة {لَيّاً} إعراضاً وصرفاً للمؤمنين {بِأَلْسِنَتِهِمْ} عما توجهوا نحوه من التوحيد الإيمان إلى ما تشتهيه نفوسهم. {وَ} يريدون أن توقعوا بها {طَعْناً فِي ٱلدِّينِ} القويم والشرع المستقيم {وَلَوْ أَنَّهُمْ} من أهل الهداية ولهم نصيب منها {قَالُواْ} حين دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام: {سَمِعْنَا} قولك {وَأَطَعْنَا} أمرك {وَٱسْمَعْ} من ربك من الأحكمام، واسمع إيانا {وَٱنْظُرْنَا} بنظر الشفقة والمرحمة حتى نسترشد منك ونستهدي {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} في أولاهم وأخراهم {وَأَقْوَمَ} أي: أعدل سبيلاً إلى التوحيد والإيمان {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي: طردهم عن عز حضوره في سابق علمه {بِكُفْرِهِمْ} المركوز في جبلتهم {فَلاَ يُؤْمِنُونَ} منهم {إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 46] استثناهم الله سبحانه في سابق علمه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً} [النساء: 44]، إشارة في الآيتين: إن {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ} [النساء: 44]، يشير إلى: إن من رزق شيئاً من علم الكتاب ظاهراً، ولم يرزق أسراره وحقائقه وهم علماء السوء الماهنون في دين الله حرصاً على الدنيا، وطمعاً في المال والجاه، وحباً للرياسة والقبول، {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ} [النساء: 44]، وهي المداهنة وإتباع الهوى، فيبيعون الدين بالدنيا {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ} [النساء: 44]، يا معشر العلماء الأتقياء ورثة أنبيائه وطلاب الحق من بين الخلق عن {ٱلسَّبِيلَ} [النساء: 44]، الحق بما يجدونكم وينكرون عليكم، ويكرمونكم ويودونكم بطريق النصح وإظهار المحبة { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} [النساء: 45]؛ أي: بعدوانهم إياكم هو أعلم منكم ومنهم بحالكم وحالهم، فلا تقبلون نصيحتهم فيما يقطعون عليكم طريق الحق ويردونكم عنه، ويصدونكم عن الحق بالتحريض على طلب غير الله ورعاية حق غير الله، وأطيعوا أمر الله تعالى فيما أمركم به قوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} تفسير : [الأنعام: 92]. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً} [النساء: 45]، فلا يضركم إن لم يكن غيره ولياً لكم، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً} [النساء: 45]، يعني: حسبكم الله بالنصرة والولاية، {أية : إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [آل عمران: 160]. {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} [النساء: 46]؛ يعني: دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا، {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [النساء: 46] بالفعال لا بالمقال، {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا} [النساء: 46]، بالمقال فيما أمر الله من ترك الدنيا وزينتها وإتباع الأوامر، ومن إيثار الآخرة على الأولى والانقطاع عن الخلق، {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ} [النساء: 46]، وأهل الدين {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النساء: 46]، في القرآن قولاً وفعلاً، {وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا} [النساء: 46]؛ أي: أجب دعاءنا ولا تجيب رجاءنا، {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ} [النساء: 46]، في قوم أخلاقهم واستقامة أحوالهم، {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 46]، يبعدهم الله عن الحضرة، وطردهم عن القربة بشؤم إنكارهم وكفران نعمة إيتاء العلم، {أية : فَعَمُواْ} تفسير : [المائدة: 71] ببصر البصيرة عن رؤية الحق، {أية : وَصَمُّواْ}تفسير : [المائدة: 71] بالآذان الواعية عن استماع كلام الحق، {فَلاَ يُؤْمِنُونَ} [النساء: 46]، بالقلوب السليمة {إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 46] منهم، بأن يكفروا بهوى نفوسهم ويؤمنوا بالإيمان الحقيقي الذي من نتائج الإرادة والصدق في طلب الحق، والإخلاص في العمل لله، وترك الدنيا وزخارفها، بل بذل الوجود في طلب المعبود.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا ذم لمن { أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ } وفي ضمنه تحذير عباده عن الاغترار بهم، والوقوع في أشراكهم، فأخبر أنهم في أنفسهم { يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ } أي: يحبونها محبة عظيمة ويؤثرونها إيثار من يبذل المال الكثير في طلب ما يحبه. فيؤثرون الضلال على الهدى، والكفر على الإيمان، والشقاء على السعادة، ومع هذا { يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ } . فهم حريصون على إضلالكم غاية الحرص، باذلون جهدهم في ذلك .ولكن لما كان الله ولي عباده المؤمنين وناصرهم، بيَّن لهم ما اشتملوا عليه من الضلال والإضلال، ولهذا قال: { وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا } أي: يتولى أحوال عباده ويلطف بهم في جميع أمورهم، وييسر لهم ما به سعادتهم وفلاحهم. { وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا } ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم. فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر. ثم بين كيفية ضلالهم وعنادهم وإيثارهم الباطل على الحق فقال: { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا } أي: اليهود وهم علماء الضلال منهم. { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } إما بتغيير اللفظ أو المعنى، أو هما جميعا. فمن تحريفهم تنزيل الصفات التي ذكرت في كتبهم التي لا تنطبق ولا تصدق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم على أنه غير مراد بها، ولا مقصود بها بل أريد بها غيره، وكتمانهم ذلك. فهذا حالهم في العلم أشر حال، قلبوا فيه الحقائق، ونزلوا الحق على الباطل، وجحدوا لذلك الحق، وأما حالهم في العمل والانقياد فإنهم { يَقُولون سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك، وهذا غاية الكفر والعناد والشرود عن الانقياد، وكذلك يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بأقبح خطاب وأبعده عن الأدب فيقولون: { اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } قصدهم: اسمع منا غير مسمع ما تحب، بل مسمع ما تكره، { وَرَاعِنَا } قصدهم بذلك الرعونة، بالعيب القبيح، ويظنون أن اللفظ -لما كان محتملا لغير ما أرادوا من الأمور- أنه يروج على الله وعلى رسوله، فتوصلوا بذلك اللفظِ الذي يلوون به ألسنتهم إلى الطعن في الدين والعيب للرسول، ويصرحون بذلك فيما بينهم، فلهذا قال: { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ } . ثم أرشدهم إلى ما هو خير لهم من ذلك فقال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ } وذلك لما تضمنه هذا الكلام من حسن الخطاب والأدب اللائق في مخاطبة الرسول، والدخول تحت طاعة الله والانقياد لأمره، وحسن التلطف في طلبهم العلم بسماع سؤالهم، والاعتناء بأمرهم، فهذا هو الذي ينبغي لهم سلوكه. ولكن لما كانت طبائعهم غير زكية، أعرضوا عن ذلك، وطردهم الله بكفرهم وعنادهم، ولهذا قال: { وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا } .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):