Verse. 5332 (AR)

٦٩ - ٱلْحَاقَّة

69 - Al-Haqqa (AR)

وَجَاۗءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَہٗ وَالْمُؤْتَفِكٰتُ بِالْخَاطِئَۃِ۝۹ۚ
Wajaa firAAawnu waman qablahu waalmutafikatu bialkhatiati

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجاء فرعون ومن قبَلَهُ» أتباعه، وفي قراءة بفتح القاف وسكون الباء، أي من تقدمه من الأمم الكافرة «والمؤتفكات» أي أهلها وهي قرى قوم لوط «بالخاطئة» بالفعلات ذات الخطأ.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : أي ومن كان قبله من الأمم التي كفرت كما كفر هو، و (من) لفظ عام ومعناه خاص في الكفار دون المؤمنين، قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي، {وَمِن قَبْلِهِ } بكسر القاف وفتح الباء، قال سيبويه: قبل لما ولي الشيء تقول: ذهب قبل السوق، ولى قبلك حق، أي فيما يليك، واتسع فيه حتى صار بمنزلة لي عليك، فمعنى {مِن قَبْلِهِ } أي من عنده من أتباعه وجنوده والذي يؤكد هذه القراءة ما روي أن ابن مسعود وأبياً وأبا موسى قرؤا: {وَمِنْ تلقاءه} روى عن أبي وحده أنه قرأ: {وَمَن مَّعَهُ } أما قوله: {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ } فقد تقدم تفسيرها، وهم الذين أهلكوا من قوم لوط، على معنى والجماعات المؤتفكات، وقوله: {بِالْخَاطِئَةِ } فيه وجهان الأول: أن الخاطئة مصدر كالخطأ والثاني: أن يكون المراد بالفعلة أو الأفعال ذات الخطأ العظيم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ} قرأ أبو عمرو والكسائي «ومَن قِبَله» بكسر القاف وفتح الباء؛ أي ومن معه وتبعه من جنوده. وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتباراً بقراءة عبد الله وأبَيّ «ومَن مَعَهُ». وقرأ أبو موسى الأشعرِيّ «ومَن تلقاءه». الباقون «قَبْلَه» بفتح القاف وسكون الباء؛ أي ومن تقدّمه من القرون الخالية والأمم الماضية. {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ} أي أهل قرى لوط. وقراءة العامة بالألف. وقرأ الحسن والجَحْدَرِيّ «وَالْمُؤْتَفِكَة» على التوحيد. قال قتادة: إنما سُمِّيت قُرَى قوم لوط «مؤتفكات» لأنها ائتفكت بهم، أي انقلبت. وذكر الطبري عن محمد بن كعب القُرَظِيّ قال: خمس قَرْيات: صبعة وصعرة وعمرة ودوما وسدوم؛ وهي القرية العظمى. {بِالْخَاطِئَةِ } أي بالفعلة الخاطئة وهي المعصية والكفر. وقال مجاهد: بالخطايا التي كانوا يفعلونها. وقال الجرجانِيّ: أي بالخطأ العظيم؛ فالخاطئة مصدر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ } أتباعه. وفي قراءة بفتح القاف وسكون الباء أي من تقدّمه من الأمم الكافرة {وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتُ } أي أهلها وهي قرى قوم لوط {بِالْخَاطِئَةِ } بالفعلات ذات الخطأ.

ابن عطية

تفسير : وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة وأبو جعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن والناس: "من قَبْله" بفتح القاف وسكون الباء أي الأمم الكافرة التي كانت قبله، ويؤيد ذلك ذكره قصة نوح في طغيان الماء لأن قوله: {من قبله}، قد تضمنه فحسن اقتضاب أمرهم بعد ذلك دون تصريح. وقال أبو عمرو والكسائي وعاصم في رواية أبان والحسن بخلاف عنه وأبو رجاء والجحدري وطلحة: "ومن قِبَله"، بكسر القاف وفتح الباء أي أجناده وأهل طاعته ويؤيد ذلك أن في مصحف أبيّ بن كعب: "وجاء فرعون ومن معه"، وفي حرف أبي موسى: "ومن تلقاءه". وقرأ طلحة بن مصرف: "ومن حوله". وقبل الإنسان: ما يليه في المكان وكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة عندي وفي ذمتي وما يليني بأي وجه وليني. و: {المؤتفكات} قرى قوم لوط، وكانت أربعاً فيما روي، وائتفكت: قلبت وصرفت عاليها سافلها فائتفكت هي فهي مؤتفكة، وقرأ الحسن هنا: "والمؤتفكة" على الإفراد، و {الخاطئة}: إما أن تكون صفة لمحذوف كأنه قال بالفعل الخاطئة، وإما أن يريد المصدر، أي بالخطأ في كفرهم وعصيانهم. وقوله تعالى: {فعصوا رسول ربهم} يحتمل أن يكون الرسول: اسم جنس كأنه قال: فعصا هؤلاء الأقوام والفرق أنبياء الله الذين أرسلهم إليهم، ويحتمل أن يكون الرسول بمعنى: الرسالة، وقال الكلبي: يعني موسى، وقال غيره في كتاب الثعلبي: يعني لوطاً والرابية: النامية التي قد عظمت جداً، ومنه ربا المال، ومنه الربا، ومنه اهتزت وربت. ثم عدد تعالى على الناس نعمته في قوله: {إنَّا لمّا طغا الماء} الآية، و المراد: {طغا الماء} في وقت الطوفان الذي كان على قوم نوح. والطغيان: الزيادة على الحدود المتعارفة في الأشياء، ومعناه طغا على خزانه في خروجه وعلى البشر في أن أغرقهم، قال قتادة: علا على كل شيء خمسة عشر ذراعاً، و {الجارية}: السفينة، والضمير في {لنجعلها} عائد على الفعلة أي من يذكرها ازدجر، ويحتمل أن يعود على {الجارية}، أي من سمعها اعتبر. و {الجارية} يراد بها سفينة نوح قاله منذر، وقال المهدوي: المعنى في السفن الجارية، وقال قتادة: أبقى الله تعالى تلك السفينة حتى رأى بعض عيدانها أوائل هذه الأمة وغيرها من السفن التي صنعت بعدها قد صارت رموداً. وقوله تعالى: {وتعيها أذن واعية} عبارة عن الرجل الفهم المنور القلب، الذي يسمع القول فيتلقاه بفهم وتدبر. قال أبو عمران الجوني: {واعية} عقلت عن الله عز وجل. ويروىحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إني دعوت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي". قال علي: فما سمعت بعد ذلك شيئاً فنسيتهتفسير : . وقرأ الجمهور: "تعِيها" بكسر العين على وزن تليها. وقرأ ابن كثير في رواية الحلواني وقنبل وابن مصرف: "وتَعْيها" بسكون العين جعل التاء التي هي علامة في المضارع بمنزلة الكاف من كتف إذ حرف المضارع لا يفارق الفعل فسكن تخفيفاً كما يقال: كتف ونحو هذا قول الشاعر: شعر : قالت سليمى اشترْ لنا سويقا تفسير : على أن هذا البيت منفصل، فهو أبعد لكن ضرورة الشعر تسامح به، ثم ذكر تعالى أمر القيامة، و {الصور}: القرن الذي ينفخ فيه، قال سليمان بن أرقم: بلغنيحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن {الصور} فقال: "هو قرن من نور فمه أوسع من السماوات" تفسير : ،والنفخة المشار إليها في هذه الآية، نفخة القيامة التي للفزع ومعها يكون الصعق، ثم نفخة البعث، وقيل: هي نفخات ثلاثة: نفخة الفزع ونفخة الصعق ثم نفخة البعث، والإشارة بآياتنا هذه إلى نفخة الفزع، لأن حمل الجبال هو بعدها. وقرأ الجمهور: "نفخةٌ" بالرفع، لما نعت صح رفعه، وقرأ أبو السمال: "نفخةً واحدةً" بالنصب. وقرأ جمهور القراء: "وحمَلت" بتخفيف الميم بمعنى حملتها الرياح والقدرة، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه: "وحمّلت" بشد الميم، وذلك يحتمل معنيين أحدهما أنها حاملة حملت قدرة وعنفاً وشدة نفثها فهي محملة حاملة. والآخر أن يكون محمولة حملت ملائكة أو قدرة. وقوله تعالى: {فدكتا} وقد ذكر جمعاً ساغ، ذلك لأن المذكور فرقتان وهذا كما قال الشاعر [القطامي]: [الوافر] شعر : ألم يحزنك أن حبال قومي وقومك قد تباينتا انقطاعا تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : كانتا رتقاً} تفسير : [الأنبياء: 30] و {دكتا} معناه: سوى جميعها كما يقال: ناقة دكاً: إذا ضعفت فاستوت حدبتها مع ظهرها، و {الواقعة}: القيامة والطامة الكبرى، وقال بعض الناس: هي إشارة إلى صخرة بيت المقدس وهذا ضعيف، وانشقاق السماء هو تفطيرها وتمييز بعضها عن بعض وذلك هو الوهي الذي ينالها كما يقال في الجدارات البالية المتشققة واهية، {والملك} اسم الجنس يريد به الملائكة، وقال جمهور المفسرين: الضمير في {أرجائها} عائد على {السماء} أي الملائكة على نواحيها وما لم يَهِ منها والرجا: الجانب من الحائط والبئر ونحوه ومنه قول الشاعر [المرادي]: [الطويل] شعر : كأن لم تري قبلي أسيراً مقيداً ولا رجلاً يرعى به الرجوان تفسير : أي يلقى في بئر فهو لا يجد ما يتمسك به. وقال الضحاك أيضاً وابن جبير: الضمير في {أرجائها} عائد على الأرض وإن كان لم يتقدم لها ذكر قريب لأن القصة واللفظ يقتضي إفهام ذلك، وفسر هذه الآية بما روي أن الله تعالى يأمر ملائكة سماء الدنيا فيقفون صفاً على حافات الأرض ثم يأمر ملائكة السماء الثانية فيصفون خلفهم ثم كذلك ملائكة كل سماء، فكلما فر أحد من الجن والإنس وجد الأرض قد أحيط بها، قالوا فهذا تفسير هذه الآيات، وهو أيضاً معنى قوله تعالى: {أية : وجاء ربك والملك صفاً صفاً} تفسير : [الفجر: 22] وهو أيضاً تفسير قوله {أية : يوم التناد يوم تولون مدبرين} تفسير : [غافر: 32-33] على قراءة من شد الدال، وهو تفسير قوله: {أية : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا} تفسير : [الرحمن: 33]، واختلف الناس في الثمانية الحاملين للعرش، فقال ابن عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم أحد عدتهم. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك على هيئة الوعول، وقال جماعة من المفسرين: هم على هيئة الناس، أرجلهم تحت الأرض السفلى ورؤوسهم وكواهلهم فوق السماء السابعة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة قواهم الله بأربعة سواهم". تفسير : والضمير في قوله: {فوقهم} للملائكة الحملة، وقيل للعالم كله وكل قدرة كيفما تصورت فإنما هي بحول الله وقوته.

ابن عبد السلام

تفسير : {قِبَله} من معه و {قَبْلَهُ} من تقدمه {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} الأمم الآفكة من الإفك وهو الكذب أو المقلوبات بالخسف قوم لوط أو قارون وقومه لأنه خسف بهم. {بِالْخَاطِئَةِ} الذنوب والخطايا.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ}. قرأ أبو عمرو والكسائيُّ: بكسر القاف، وفتح الباء، أي: ومن هو في جهته، ويؤيده قراءةُ أبي موسى: "ومن تلقاه". وقرأ أبيٌّ وعبد الله: "ومنْ مَعَه". والباقون: بالفتحِ والسكونِ على أنه ظرف، أي: ومن تقدمه. والقراءة الأولى اختارها أبو عبيدة، وأبو حاتم اعتباراً بقراءة أبيّ، وعبد الله. قوله: {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ}. "المؤتفكات": أهل قرى لوط. وقراءة العامة: بالألف. وقرأ الحسن والجحدريُّ: "والمُؤتَفكةُ" على التوحيد. قال قتادةُ: إنما سُمِّيتْ قرى لوط "مُؤتفِكَات" لأنَّها ائتفكت بهم، أي: انقلبت. وذكر الطبري عن محمد بن كعب القرظيِّ قال: خمس قريات: "صبعة، وصعرة وعمرة، ودوما، وسدوم"، وهي القرية العظمى. وقوله: "بالخاطئة". إما أن تكون صفة، أي: بالفعلة، أو الفعلات الخاطئة، وهي المعصية والكفر. وقال مجاهد: بالخطايا كانوا يفعلونها. وقال الجرجاني: بالخطأ العظيمِ، فيكون مصدراً كـ"العاقبة" و"الكاذبة". قوله: {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ} إن عاد الضمير إلى فرعون، ومن قبله، فرسول ربِّهم موسى - عليه الصلاة والسلام -. وإن كان عائداً إلى أهلِ المؤتفكاتِ، فرسولُ ربِّهم لوط عليه الصلاة والسلام. قال الواحديُّ: والوجه أن يقال: المراد بالرسول كلاهما للخبر عن الأمتين بعد ذكرهما بقوله: "فَعَصَوْا" فيكون كقوله: {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 16] قال القرطبي: وقيل: "رسول" بمعنى رسالة، وقد يعبر عن الرسالة بالرسول، كقوله: [الطويل] شعر : 4843 - لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِندهُمْ بِسِرِّ ولا أرْسلتُهُمْ بِرسُولِ تفسير : قوله: {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً}، أي: عالية زائدة على الأخذات، وعلى عذاب الأمم، يقال: ربا الشيء يربوا إذا زاد، ومنه الرِّبا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطي. والمعنى: أنها كانت زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفار، كما أن أفعالهم كانت زائدة في القُبحِ على أفعال سائرِ الكفار. وقيل: إن عقوبة آل فرعون في الدنيا متعلقة بعذاب الآخرة، لقوله: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً}تفسير : [نوح: 25] وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدُّنيا، فتلك العقوبة كأنها كانت تنمو وتربو. ثم ذكر قصة قومِ نوح، وهي قوله: {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ}، أي: ارتفع وعلا. وقال عليٌّ رضي الله عنه: طَغَى على خُزَّانه من الملائكة غضباً لربِّه، فلم يقدروا على حبسه. قال المفسرون: زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً. وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنه: طغى الماءُ زمن نوحٍ على خزانه، فكثر عليهم فلم يدروا كم خرج، وليس من الماء قطرة تنزل قبله، ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم، وقد تقدم مرفوعاً أوَّل السورةِ، والمقصود من ذكر قصص هذه الأممِ، وذكر ما حل بهم من العذاب، زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسولِ، ثم منَّ عليهم بأن جعلهم ذرية من نجا من الغرق بقوله: "حَمَلْناكُم" أي: حملنا آباءكم، وأنتم في أصلابهم، "فِي الجَاريَةِ" أي: في السفن الجاريةِ، والمحمولُ في الجارية إنَّما هو نوحٌ وأولاده، وكل من على وجه الأرض من نسل أولئك. والجارية من أسماء السفينة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ}تفسير : [الرحمن: 24]، وغلب استعمالُ الجاريةِ في السفينة؛ كقوله في بعض الألغاز: [البسيط] شعر : 4844 - رَأيْتُ جَاريَةً في بَطْنِ جَارِيَةٍ فِي بَطْنِهَا رجُلٌ في بطْنهِ جَمَلُ تفسير : قوله: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً}، أي: سفينة نوح - عليه الصلاة والسلام - جعلها الله تذكرة وعظةً لهذه الأمةِ حتى أدركها أوائلهم. في قول قتادة. قال ابن جريجِ: كانت ألواحُهَا على الجوديِّ، والمعنى: أبقيتُ لكم الخشباتِ حتى تذكروا ما حلَّ بقوم نوحٍ، وأنجى الله أباكم، وكم من سفينةٍ هلكت وصارت تراباً، ولم يبق منها شيءٌ، وهذا قولُ الفرَّاءِ. قال ابنُ الخطيبِ: وهذا ضعيفٌ، بل الصوابُ ما قاله الزجاج: أن الضمير في قوله: "لنجعلها" يعود إلى "الواقِعَة" التي هي معلومةٌ، وإن كانت هنا غير مذكورةٍ، والتقدير: لنجعل نجاةَ المؤمنين وإغراق الكافرين عظةً، وعبرةً، ويدل على صحته قوله: {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} فالضمير في قوله: "وتَعِيهَا" لا يمكن عوده إلى السفينة، فكذا الضمير الأول. قوله: "وتَعِيهَا" العامة: على كسر العين وتخفيف التاء، وهو مضارع "وَعَى" منصوب عطفاً على "لنجْعَلهَا". وابن مصرف وأبو عمرو في رواية هارون عنه وقنبل، قال القرطبي: وحميد والأعرج بإسكانها تشبيهاً له بـ "رحم، وشهد" وإن لم يكن منه، ولكن صار في اللفظ بمنزلة الفعل الحلقي العين. قال ابن الخطيب: وروى عن ابن كثيرٍ إسكان العين، جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلةٍ واحدةٍ، فحذف وأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من "فَخْذ وكَبْد وكَتْف"، وإنما فعل ذلك؛ لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل، فأشبه ما هو من نفس الكلمة، وصار كقول من قال: وَهْو وَهْي، ومثل ذلك {أية : وَيَتَّقْهِ}تفسير : [النور: 52] في قراءة من سكَّن القاف. وروي عن حمزة: إخفاء الكسرة. وروي عن عاصم وحمزة: بتشديد "الياء". وهو غلط عليهما، وإنما سمعهما الراوي يثبتان حركة الياء، فظنَّها شدة. وقيل: أجريا الوصل مجرى الوقف فضعِّف الحرفُ، وهذا لا ينبغي أن يلتفت إليه. وروي عن حمزة أيضاً، وموسى بن عبد الله العبسي: "وتعِيهَا" بسكون "الياء". وفيه وجهان: الاستئناف، والعطف على المنصوب، وإنما سكنا "الياء" استثقالاً للحركة على حرف العلة، كقراءة: {أية : تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}تفسير : [المائدة: 89]. فصل في "وعى" قال الزَّجَّاجُ: يقال: وعيتُ كذا، أي: حفظتُه في نفسي، أعيه وعْياً ووعيتُ العلمَ، ووعيتُ ما قلته كله بمعنى، وأوعيت المتاع في الوعاء. قال الزجاجُ: يقال لكل ما حفظته في غير نفسك: أوعيتُه - بالألف - ولما حفظته في نفسك: وعيته، بغير ألف. قال ابن الخطيب: واعلم أن وجه التذكير في هذا أن نجاة قومٍ من الغرقِ في السَّفينة، وتغريق من سواهم يدل على قدرة مدبر العالم، ونفاذ مشيئته، ونهاية حكمته، ورحمته، وشدة قهره. "حديث : روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية: "سَألْتُ اللَّه أنْ يَجْعلهَا أذنَكَ يا عليُّ"، قال علي رضي الله عنه: "فما نَسِيتُ شيئاً بعد ذلك" ". تفسير : فإن قيل: لِمَ قال: "أذُنٌ واعِيَةٌ" على التوحيد والتنكير؟. فالجوابُ: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلةٌ، ولتوبيخ الناس بقلة من يَعِي منهم، والدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعيت وعقلتْ عن الله، فهي السَّواد الأعظم عند الله، وأن سواها لا يلتفت إليهم، وإن امتلأ العالمُ منهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ}تفسير : [ق: 37]. قال قتادة: الأذُنُ الواعيةُ أذنٌ عقلتْ عن الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عز وجل. قوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}. لما حكى هذه القصص الثلاثة ونبَّه بها على ثبوت القدرة والحكمة للصانع، فحينئذ ثبت بثبوت القدرة إمكان القيامة، ويثبت القدرة إمكان وقوع الحشر، ولما ثبت ذلك شرع سبحانه في تفاصيل أحوال القيامة، فذكر أولاً مقدماتها، فقال: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}. قوله: "واحدةٌ" تأكيد، و"نَفْخَةٌ" مصدر قام مقام الفاعل. وقال ابنُ عطية: "لما نُعِتَ صحَّ رفعهُ" انتهى. ولو لم يُنعتْ لصحَّ رفعه؛ لأنه مصدر مختص لدلالته على الوحدة، والممنوع عند البصريين إنما هو إقامة المبهمِ، نحو: "ضَرَبَ". والعامةُ على الرفع فيهما. وقرأ أبو السّمال: بنصبهما، كأنه أقام الجارَّ مقام الفاعلِ، فترك المصدر على أصله، ولم يؤنث الفعل وهو: "نُفِخَ"؛ لأن التأنيث مجازي وحسَّنه الفصل انتهى. فصل في النفخة الأولى قال ابن عباس: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلا يبقى أحد إلا مات. قال ابن الخطيب: لأن عندها يحصل خرابُ العالمِ. فإن قيل: لم قال بعد ذلك {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ} والعرض إنما يكون عند النفخة الثانية؟. قلت: جعل اليوم اسماً للحين الواسع الذي تقع فيه النَّفختان، والصَّعقة والنشور، والوقوف، والحساب، فكذلك {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ} كقوله: "جئتُه عام كذا" وإنَّما كان مجيئُك في وقتٍ واحدٍ من أوقاته. وقيل: إنَّ هذه النَّفخة هي الأخيرةُ. وقال: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}، أي: لا تثنَّى. قال الأخفشُ: ووقع الفعلُ على النَّفخة، إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع، فقيل: نفخة. قوله: {وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ}، قرأ العامة: بتخفيف "الميم". أي: وحملتها الريحُ، أو الملائكةُ، أو القدرةُ، أي: رفعتْ من أماكنها، "فَدُكَّتا"، أي: فُتَّتَا وكسِّرتا، {دَكَّةً وَاحِدةً} أي: الأرض والجبالُ؛ لأن المراد الشيئان المتقدمان، كقوله: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}تفسير : [الحجرات: 9]. ولا يجوزُ في "دكَّةً" إلا النصبُ؛ لارتفاع الضمير في "دُكَّتَا". وقال الفرَّاءُ: لم يقلْ: "فَدُكِكْنَ"؛ لأنه جعل الجبال كلها كالجملةِ الواحدة [والأرض كالجملة الواحدة] ومثله: {أية : أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً}تفسير : [الأنبياء: 30]، ولم يقل: "كُنَّ". وهذا الدَّكُّ، كالزلزلةِ لقوله تعالى: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا}تفسير : [الزلزلة: 1]. وإما بريح بلغت من قوة عصفها أنَّها تحمل الأرض والجبال، أو بملك من الملائكة، أو بقدرة الله، "فَدُكَّتَا"، أي: جملة الأرض، وجملة الجبال تضرب بعضها في بعض حتى تندق وتصير {أية : كَثِيباً مَّهِيلاً}تفسير : [المزمل: 14]، و{أية : هَبَآءً مُّنبَثّاً}تفسير : [الواقعة: 6]. والدَّكُّ أبلغُ من الدَّق وقيل: "دُكَّتا" أي: بُسطتا بسطةً واحدةً، ومنه اندكَّ سنامُ البعير، إذا انفرش في ظهره. وقرأ ابن عامرٍ في رواية، والأعمش، وابن أبي عبلة وابن مقسم: "وحُمِّلت" - بتشديد الميم -. فجاز أن يكون التشديد للتكثير، فلم يكسب الفعل مفعولاً آخر. وجاز أن يكون للتعدية فيكسبه مفعولاً آخر، فيحتمل أن يكون الثاني محذوفاً، والأول هو القائمُ مقام الفاعلِ تقديره: وحُمِّلت الأرض والجبال ريحاً تفتتها، لقوله: {أية : فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً}تفسير : [طه: 105]. وقيل: التقدير: حملنا ملائكة، ويحتمل أن يكون الأول هو المحذوف، والثاني هو القائم مقام الفاعل. قوله: "فيَومئذٍ" منصوب بـ"وقعت"، و"وقَعَتِ الواقِعَةُ" لا بُدَّ فيه من تأويلٍ، وهو أن تكون "الوَاقعةُ" صارت علماً بالغلبةِ على القيامة، أو الواقعة العظيمة، وإلاَّ فقام القائمُ لا يجوز، إذ لا فائدة فيه، وتقدم هذا في قوله: {أية : إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ}تفسير : [الواقعة: 1] والتنوين في "يومئذٍ" للعوضِ من الجملة، تقديره: يومئذٍ نُفِخَ في الصُّوْرِ. فصل في معنى الآية المعنى قامت القيامة الكبرى {وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} أي: انصدعت وتفطرت. وقيل: انشقت لنزول الملائكة بدليل قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً}تفسير : [الفرقان: 25] {فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ}، أي: ضعيفة مسترخيةٌ ساقطةٌ {أية : كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ}تفسير : [القارعة: 5] بعد ما كانت محكمةً. يقال: وهى البناء يَهِي وهْياً، فهو واهٍ إذا ضعف جدّاً. ويقال: كلامٌ واهٍ أي: ضعيف. فقيل: إنَّها تصير بعد صلابتها بمنزلة الصوف في الوهْي، ويكون ذلك لنزولِ الملائكةِ. وقيل: لهولِ يوم القيامةِ. وقال ابن شجرة: "واهية" أي: متخرقة، مأخوذ من قولهم: وهى السِّقاءُ، إذا انخرق. ومن أمثالهم: [الرجز] شعر : 4845 - خَلِّ سَبيلَ مَنْ وهَى سِقاؤهُ ومَنْ هُرِيقَ بالفَلاةِ مَاؤهُ تفسير : أي: من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه. {وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ}. لم يردْ به ملكاً واحداً، بل المراد الجنس والجمع. "على أرجائها" "الأرجاء" في اللغة: النواحي والأقطار بلغة "هُذَيْل"، واحدها: "رجا" مقصور وتثنيته "رجوان"، مثل "عصا، وعصوان"، قال الشاعر: [الوافر] شعر : 4846 - فَلاَ يُرْمَى بِيَ الرَّجوانِ أنَّي أقَلُّ القَوْمِ مَنْ يُغْنِي مَكانِي تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 4847 - كَأنْ لَمْ تَرَي قَبْلِي أسِيراً مُقَيَّداً ولا رَجُلاً يُرْمَى بِهِ الرَّجوانِ تفسير : و"رجاء" هذا يكتب بالألف عكس "رَجَا"؛ لأنه من ذوات الواو، ويقال: "رجا"، ورجوانِ، والجمع: "الأرجاء"، ويقال ذلك لحرفي البئر وحرف القبر وما أشبهه. فصل في تفسير الآية قاب ابن عباس: على أطرافها حين تنشق. قال الماورديُّ: ولعله قول مجاهد وقتادة، وحكاه الثعلبي عن الضحاك، قال: على أطرافها مما لم تنشقّ منها. وقال سعيد بن جبيرٍ: المعنى والملك على حافات الدنيا، أي: ينزلون إلى الأرض، ويحرسون أطرافها. وقال: إذا صارت السماءُ قطعاً، تقف الملائكةُ على تلك القطعِ التي ليست مُتشققة في أنفسها. فإن قيل: الملائكةُ يمُوتُونَ في الصَّعقةِ الأولى، لقوله تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الزمر: 68] فكيف يقال: إنهم يقفون على أرجاء السماء؟. فالجوابُ من وجهين: الأول: أنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء، ثم يموتون. والثاني: المراد الذين استثناهم في قوله: {أية : إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الزمر: 68] [النمل: 87]. فإن قيل: إنَّ الناس إذا رأوا جهنَّم هالتهم، فندُّوا كما تندُّ الإبلُ، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلاَّ رأوا ملائكة، فيرجعون من حيثُ جاءوا. وقيل: {عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النَّارِ من السَّوق إليها، وفي أهل الجنة من التحية والكرامة، وهذا كلُّه راجعٌ إلى قول ابن جبير، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {أية : وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً}تفسير : [الفرقان: 25]. قوله: {عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ}، خبر المبتدأ، والضمير للسماء، وقيل: للأرضِ، على ما تقدم. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما الفرق بين قوله: "والمَلَكُ" وبين أن يقال: "والمَلائِكَةُ"؟ قلت: الملكُ أعمُّ من الملائكةِ، ألا ترى إلى قولك: "ما من ملك إلاَّ وهو ساجدٌ" أعم من قولك: "ما مِنْ ملائكةٍ" انتهى. قال أبو حيَّان: ولا يظهر أنَّ الملك أعمُّ من الملائكةِ، لأن المفرد المحلَّى بالألف واللام، قُصاراه أن يكون مراداً به الجمع المحلَّى، ولذلك صح الاستثناءُ منه، فقصاراه أن يكون كالجمع المُحَلَّى بهما، وأما دعواه أنه أعم منه، بقوله: "ألا ترى" إلى آخره، فليس دليلاً على دعواه؛ لأن "مِنْ ملكٍ" نكرةٌ مفردة في سياق النفي قد دخلت عليها "مِن" المخلصة للاستغراق، فشملت كل ملكٍ فاندرج تحتها الجمعُ لوجود الفرد فيه، فانتفى كل فردٍ فرد، بخلاف "مِنْ ملائِكةِ"، فإن "مِنْ" دخلت على جمع منكَّر، فعمّ في كل جمع جمع من الملائكةِ، ولا يلزم من ذلك انتفاء كلِّ فردٍ فردٍ من الملائكة، لو قلت: "ما في الدار من رجال" جاز أن يكون فيها واحدٌ، لأن النفي إنما انسحب على جمع، ولا يلزم من انتفاء الجمع أن ينتفي المفردُ، والملك في الآية ليس في سياق نفي دخلت عليه "مِنْ" وإنَّما جِيءَ به مفرداً؛ لأنه أخفُّ، ولأن قوله: {عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} يدلُّ على الجمع؛ لأن الواحد بما هو واحد لا يمكن أن يكون "على أرجائِهَا" في وقتٍ واحدٍ بل أوقات، والمراد - والله أعلم - أن الملائكة على أرجائها إلاَّ أنه ملك واحد ينتقل على أرجائها في أوقات. وقال شهاب الدين: إنَّ الزمخشريَّ منزعهُ في هذا ما تقدم عنه في أواخر سورة "البقرة" عند قوله: {أية : وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}تفسير : [البقرة: 285] فليرجع ثمَّة. وأما قول أبي حيان: "ما مِنْ رجالٍ" أن النفي منسحبٌ على رُتَب الجمع، ففيه خلاف، والتحقيق ما ذكره. قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}. الضمير في "فَوقَهُمْ" يجوز أن يعود على "الملائكة" بمعنى كما تقدم، وأن يعود على الحاملين الثمانية. وقيل: إنَّ حملة العرشِ فوقَ الملائكةِ الذينَ في السماء على أرجائها. وقيل: يعود على جميع العالم، أي: أن الملائكة تحمل عرش الله فوق العالم كلِّه. فصل في هؤلاء الثمانية قال ابن عباس: ثمانية صنوفٍ من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاكٍ. وعن الحسن: الله أعلمُ كم هم ثمانية، أم ثمانية آلاف، أو ثمانية صفوف. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أَنَّ حَمَلةَ العَرْشِ اليَوْم أربعةُ أوعالٍ، فإذَا كان يومُ القيامةِ أيدهُم اللَّهُ بأربَعة آخرين، فكانُوا ثَمانيَةً"تفسير : خرَّجَهُ الماورديُّ مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. ورواه العباسُ بنُ عبد المطّلب عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : هُمْ ثَمانِيَةُ أملاكٍ على صورةِ الأوعالِ، لكلِّ ملكٍ منهُم أربعةُ أوجهٍ: وجهُ رجُلٍ، ووجهُ أسدٍ، ووجهُ ثورٍ، ووجهُ نسْرٍ، وكلُّ وجهٍ مِنْهَا يسألُ اللَّهَ الرِّزقَ لذلك الجِنْسِ ". تفسير : فإن قيل: إذا لم يكنْ فيهم صورةُ وعلٍ، فكيف سُمُّوا أوعالاً؟. فالجواب: أنَّ وجْهَ الثَّور إذا كانت له قرون الوعْلِ أشبه الوعْلَ. وفي الخبرِ: "حديث : أنَّ فَوْقَ السَّماءِ السَّابعةِ ثمانيةَ أوْعالٍ بينَ أظلافهِنَّ ورُكبهنَّ مثلُ ما بَيْنَ سماءٍ إلى سماءٍ، وفوقَ ظُهورهِنَّ العَرْشُ"تفسير : . ذكره القشيريُّ، وخرَّجهُ الترمذيُّ من حديث العباس بن عبد المُطلبِ. وفي حديث مرفوع: "حديث : أنَّ حَمَلَةَ العرْشِ ثَمَانيَةُ أمْلاكٍ؛ على صُوَرِ الأوعالِ، ما بين أظْلافهَا إلى رُكَبِهَا مسِيْرةُ سبعِينَ عاماً للطَّائرِ المُسْرعِ ". تفسير : ورُوي أنَّ أرجلهنَّ في السَّماءِ السَّابعةِ. فصل في إضافة العرش إلى الله إضافة العرش إلى الله - تعالى - كإضافة البيت إليه، وليس البيتُ للسكنِ، فكذلك العرشُ، ومعنى "فوقهم" أي: فوق رءوسهم. قال ابنُ الخطيب: قالت المشبِّهةُ: لو لم يكن اللَّهُ في العرشِ لكان حملُ العرش عبثاً لا فائدة فيه، لا سيما قد أكَّد ذلك بقوله: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ}، والعرش إنَّما يكونُ لو كان الإلهُ حاضراً في العرش. وأجاب: بأنه لا يمكن أن يكون المراد أنَّ الله - تعالى - جالس في العرش؛ لأن كل من كان حاملاً للعرش؛ كان حاملاً لكل ما كان في العرش فلو كان الإلهُ على العرش لزم أن يكون الملائكة حاملين لله تعالى، وذلك محالٌ؛ لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدراً من الله، وكل ذلك كفرٌ، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل، فنقول: السببُ في هذا الكلام هو أنه - تعالى - خاطبهم بما يتعارفونه، فخلق لنفسه بيتاً يزورونه ليس أنه يسكنه - تعالى الله عن ذلك - وجعل في ركن البيت حجراً، هو يمينه في الأرض إذْ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العبادِ حفظةً لا لأن النسيان يجوزُ عليه سبحانه، وكذلك أنَّ الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس على سريره، ووقفت الأعوانُ حوله، فسمى الله يوم القيامة عرشاً، وحفَّت به الملائكة لا لأنه يقعد عليه، أو يحتاجُ إليه، بل كما قلنا في البيت والطَّواف. قوله: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ} هو جواب "إذَا" من قوله: "فَإذَا نُفِخَ". قاله أبو حيَّان. وفيه نظرٌ، بل جوابها ما تقدم من قوله: "وقَعَتِ الواقِعَةُ" و"تُعْرضُونَ" على هذا مستأنفة. قوله: {لاَ تَخْفَىٰ}. قرأ الأخوان: بالياء من تحت؛ لأن التأنيث مجازي، كقوله: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ}تفسير : [هود: 67]. واختاره أبو عبيد؛ لأنه قد حال بين الفعل والاسم المؤنث الجار والمجرور. والأخوان: على أصلهما في إمالة الألف. وقرأ الباقون: "لا تَخْفَى" بالتاء من فوق للتأنيث اللفظي والفتح وهو الأصل، واختاره أبو حاتم. فصل في العرض على الله قال القرطبيُّ: هذا هو العرضُ على الله، ودليله: {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً}تفسير : [الكهف: 48] وليس ذلك عرضاً ليعلم ما لم يكن عالماً، بل ذلك العرضُ عبارةٌ عن المحاسبة والمساءلة وتقدير الأعمال عليهم للمجازاة. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُعْرَضُ النَّاسُ يوم القِيامةِ ثلاثَ عَرضَاتٍ، فأما عَرْضتانِ فَجِدالٌ، ومعَاذِيرٌ وأما الثَّالثةُ فعند ذلك تَطِيْرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي فآخِذٌ بيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشمالهِ ". تفسير : وقوله: {لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ}. قال ابن شجرة: أي: هو عالم بكل شيء من أعمالكم، فـ"خَافِيَة" على هذا بمعنى "خفيَّة" كانوا يخفونها من أعمالهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ}تفسير : [غافر: 16]. قال ابن الخطيب: فيكون الغرضُ المبالغة في التهديدِ، يعني: "تُعرَضُون على من لا يخفى عليه شيء". وقيل: لا يخفى عليه إنسان لا يحاسب. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لا يَخْفَى المُؤمِنُ من الكافر، ولا البَرُّ من الفاجرِ. وقيل: لا يتسر منكم عورة، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : يُحْشرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً ". تفسير : قوله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}، وهذا دليلٌ على النجاة. قال ابن عباسٍ: أول من يُعْطَى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمرُ بن الخطاب، وله شعاعٌ كشعاع الشمس، وقيل له: فأين أبو بكر، فقال: هيهات، زفَّته الملائكةُ إلى الجنَّة. قال القرطبي: وقد ذكرناه مرفوعاً من حديث زيد بن ثابت بلفظه، ومعناه في كتاب "التذكرة". قوله: "هَاؤمَ"، أي: خذوا {ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} يقول ذلك ثقة بالإسلام وسروراً بنجاته؛ لأن اليمين عند العرب من دلائلِ الفرح. قال الشاعر: [الوافر] شعر : 4848 - إذَا مَا رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ لقَّاهَا عَرابَةُ باليَ‍ميْنِ تفسير : وقال: [الطويل] شعر : 4849 - أبِينِي أفِي يُمْنَى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فأفْرَحُ أمْ صيَّدْتِنِي بِشمَالِكِ تفسير : وقال ابن زيدٍ: معنى: "هَاؤمُ": تعالوا، فتتعدى بـ"إلى". وقال مقاتلُ: "هَلُمَّ". وقيل: خذوا، ومنه الحديث في الربا: "حديث : إلا هَاء وهَاءَ"تفسير : أي: يقول كل واحد لصاحبه: خُذْ، وهذا هو المشهورُ. وقيل: هي كلمةٌ وضعت لأجابة الدَّاعي عند الفرح، والنَّشاط. وفي الحديث:"حديث : أنَّه نَاداهُ أعرَابِيٌّ بصَوْتٍ عَالٍ، فأجَابَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم "هَاؤمُ" يطول صوته. ". تفسير : وقيل: معناها "اقصدوا". وزعم هؤلاء أنها مركبة من هاء التنبيه، وأموا، من الأم، وهو القصدُ، فصيره التخفيف والاستعمال إلى "هاؤم". وقيل: "الميمُ" ضميرُ جماعةِ الذكور. وزعم القتيبي: أنَّ "الهمزة" بدلٌ من "الكاف". فإن عنى أنها تحلُّ محلَّها فصحيح، وإن عنى البدل الصناعي فليس بصحيح. فقوله: "هاؤم" يطلب مفعولاً يتعدى إليه بنفسه إن كان بمعنى: "خُذْ" أو "اقْصِد إليّ" إن كان بمعنى: "تَعَالَوْا"، و"اقرأوا" يطلبه أيضاً، فقد تنازعا في: "كِتَابِيَه" وأعمل الثاني للحذف من الأول. وقد تقدم تحقيق هذا في سورة "الكهف". وفيها لغاتٌ: وذلك أنها تكون فعلاً صريحاً، وتكون اسم فعل، ومعناها في الحالين: "خذ" فإن كانت اسم فعلٍ، وهي المذكورة في الآية الكريمة، ففيها لغتان: المدّ والقصر تقول: "هَا درهماً يا زيدُ، وهاء درهماً"، ويكونان كذلك في الأحوال كلها من إفراد وتثنيةٍ وجمعٍ وتذكيرٍ وتأنيثٍ، ويتصل بهما كافُ الخطاب، اتصالها بإسم الإشارة، فتطابق مخاطبك بحسب الواقع مطابقتها وهي ضميره، نحو: "هَاكَ، هَاكِ، هاءَكَ" إلى آخره. وتخلف كافُ الخطابِ همزة "هاءَ" مصرفة تصرف كاف الخطاب، فتقول: "هَاءَ يا زيدُ، هاءِ يا هندُ، هاؤم، هاؤن" وهي لغةُ القرآن. وإذا كانت فعلاً صريحاً؛ لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها كان فيها ثلاثة لغاتٍ: إحداها: أن يكون مثل "عَاطَى يُعَاطِي"، فيقال: "هاء يا زيدُ، هائِي يا هندُ، هائيَا يا زيدان أو يا هنداتُ، هاءوا يا زيدون، هائين يا هنداتُ". الثانية: أن تكون مثل: "هَبْ" فيقال: "هَأ، هِىء، هَاءَا، هِئُوا، هِئْنَ"، مثل: "هَبْ، هِبِي، هِبَا، هِبُوا، هِبْنَ". الثالثة: أن تكون مثل: "خَفْ" أمراً من الخوف، فيقال: "هَأْ، هَائِي، هَاءَا، هَاءُوا، هَأنَ"، مثل: "خَفْ، خَافِي، خَافَا، خَافُوا، خفْنَ". قوله: "كتابيه". منصوب بـ"هاؤم" عند الكوفيين، وعند البصريين بـ"اقرأوا"؛ لأنه أقربُ العاملين، والأصل "كتابي" فأدخل "الهاء" لتبين فتحة "الياءِ" و"الهاء" في "كتابيه" و"حسابيه" و"سلطانيه" و"ماليه" للسكتِ، وكان حقُّها أن تحذف وصلاً وتثبت وقفاً، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف، أو وصل بنية الوقف في "كتابيه" و"حسابيه" اتفاقاً، فأثبت "الهاء". وكذلك في "مَاليَه" و"سلطانيه" و{أية : مَا هِيَهْ}تفسير : [القارعة: 10] في القارعة، عند القُرَّاء كلهم إلا حمزة، فإنه حذف الهاء من هذه الكلم الثلاث وصلاً، وأثبتها وقفاً؛ لأنها في الوقف يحتاج إليها؛ لتحصينِ حركةِ الموقوفِ عليه، وفي الوصل يستغنى عنها. فإن قيل: فَلِمَ لم يفعل ذلك في "كتابيه" و"حسابيه"؟. فالجواب: أنه جمع بين اللغتين، هذا في القراءات السبعِ. وقرأ ابن محيصن: بحذفها في الكلم كلِّها وصلاً ووقفاً إلا في "القارعة"، فإنه لم يتحقق عنه فيها نقل. وقرأ الأعمشُ، وابن أبي إسحاق: بحذفها فيهن وصلاً، وإثباتها وقفاً. وابن محيصن: يسكنُ الهاء في الكلم المذكورة بغيرها. والحق أنها قراءةٌ صحيحةٌ، أعني ثبوت هاء السكتِ وصلاً؛ لثبوتها في خط المصحف الكريم، ولا يلتفت إلى قول الزهراوي إن إثباتها في الوصل لحن لا أعلم أحداً يجيزه. وقد تقدم الكلام على هاء السكت في البقرة والأنعام. قوله: {إنِّي ظَنَنتُ}. قال ابن عباس: أي: أيقنتُ وعلمتُ. وقيل: ظننتُ أن يؤاخذني الله بسيئاتي إن عذبني فقد تفضَّل علي بعفوه، ولم يؤاخذني بها. قال الضحاك: كل ظن من المؤمن في القرآن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. وقال مجاهد: ظَنُّ الآخرة يقين وظَنُّ الدنيا شَكٌّ. وقال الحسن في هذه الآية: إنّ المؤمن من أحسن الظَّن بربّه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بربه، فأساء العمل. وقوله: {أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ}، أي: في الآخرة، ولم أنكرْ البعث، يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب؛ لأنه تيقّن أن الله يحاسبه، فعمل للآخرة. قوله: {رَّاضِيَةٍ}، فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على المجاز جعلت العيشة راضية؛ لمحلها في مستحقيها، وأنها لا حال أكمل من حالها، والمعنى في عيش يرضاه لا مكروه فيه. الثاني: أنه على النَّسب، أي: ذات رضا، نحو: "لابنٌ وتامرٌ" لصاحب اللَّبن والتَّمْرِ والمعنى: ذات رضا يرضى بها صاحبها. الثالث: قال أبو عبيدة والفراء: إنه مما جاء فيه "فاعل" بمعنى مفعول نحو: {مَّآءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 6]، أي: مدفوق، كما جاء مفعول بمعنى فاعل، كقوله: {حِجَاباً مَّسْتُوراً} [الإسراء: 45]، أي: ساتراً. فصل في تنعم أهل الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنَّهُم يَعِيشون فلا يَمُوتُون أبداً، ويصحُّونَ فلا يَمْرضُونَ أبداً، وينعَمُونَ فلا يَرَوْنَ بأساً أبَداً ويَشِبُّونَ فلا يَهْرمُونَ أبداً ". تفسير : قوله: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}، أي: عظيمةٌ في النفوس، {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ}، القطوف جمع: قطف، وهو فعل بمعنى مفعول، كـ"الدِّعْي" و"الذِّبْح"، وهو ما يَجتنِيهِ الجاني من الثِّمار، و"دَانِيَةٌ"، أي: قريبة التناولِ يتناولها القائم، والقاعد، والمضطجع. والقِطْف - بكسر القاف - وهو ما يقطفُ من الثِّمار، والقَطْفِ - بالفتح - المصدر، والقِطَاف - بالفتح والكسر - وقت القطف. {كُلُواْ}، أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، وهذا أمر امتنان، لا أمرُ تكليف. وقوله: "هنيئاً" قد تقدم في أول النساء وجوَّز الزمخشريُّ فيه هنا أن ينتصب نعتاً لمصدر محذوفٍ، أي: "أكْلاً هنيئاً وشُرْباً هنيئاً"، وأن ينتصب على المصدر بعامل من لفظه مقدر، أي: "هَنِئْتُم بذلك هَنِيئاً". و"الباء" في "بما أسْلفتُمْ" سببية، و"ما" مصدرية أو اسمية، ومعنى "هَنِيئاً"، لا تكدير فيه ولا تنغيص، "بما أسْلَفْتُم" قدمتم من الأعمال {فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ}، أي: في الدنيا. قالت المعتزلةُ: وهذا يدل على أنَّ العمل يوجبُ الثوابَ، وأن الفعل للعبدِ، وقال: "كُلُوا" بعد قوله: {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} لقوله: {فأما من أوتي كتابه}، و"من" تتضمنُ معنى الجمعِ. فصل فيمن نزلت فيه الآية ذكر الضحاكُ: أن هذه الآية نزلت في أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي. وقال مقاتل: والآية التي قبلها في أخيه الأسود بن عبد الأسد في قول ابن عبَّاس والضحاك. قال الثعلبي: ويكون هذا الرجل، وأخوه سبب نزول هذه الآيات، ويعم المعنى جميع أهل الشقاوةِ، والسعادة، بدليل قوله تعالى: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ}. وقيل: إنَّ المراد بذلك كل من كان متبوعاً في الخير والشر يدعو إليه، ويأمر به. قوله: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} لما نظر في كتابه وتذكر قبائح أفعاله يخجل منها ويقول: {يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} ثُم يتمنَّى الموت، ويقول: {يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ}. فالضَّميرُ في "لَيْتهَا" قيل: يعود إلى الموتةِ الأولى، وإن لم تكن مذكورة، إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة. و"القَاضِيَة": القاطعةُ من الحياة، قال تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ}تفسير : [الجمعة: 10]، ويقال: قُضِيَ على فلان، إذا مات، والمعنى: يا ليتها الموتة التي كانت القاطعة لأمري، ولم أبْعَثْ بعدها، ولم ألقَ ما وصلت إليه. قال قتادة: يتمنى الموت، ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت، وشرٌّ من الموت ما يطلب منه الموت؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 4850 - وشَرٌّ مِنَ الموْتِ الذي إنْ لَقيتُهُ تَمَنَّيتُ مِنْهُ المَوْتَ، والمَوْتُ أعْظَمُ تفسير : وقيل: يعود إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، والمعنى: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليَّ. قوله: {مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي}، يجوزُ أن يكون نفياً، وأن يكون استفهام توبيخٍ لنفسه، أي: أيُّ شيءٍ أغنى عني ما كان لي من اليسار. {هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} قال ابن عباس: هلكتْ عنِّي حُجَّتِي، والسلطانُ: الحجةُ التي كنتُ أحتجُّ بها، وهو قول مجاهدٍ وعكرمة والسُّدي والضَّحاك. وقال مقاتل: ضلت عني حجّتي حين شهدت عليه الجوارح. وقال ابن زيد: يعني مُلكي وتسلّطي على الناس، وبقيت ذليلاً فقيراً، وكان مُطاعاً في أصحابه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وجاء فرعون} اى فرعون موسى افرده بالذكر لغاية علوه واستكباره {ومن قبله} ومن تقدمه من الكفرة غير عاد وثمود فهو من قبيل التعميم بعد التخصيص ومن صولة وقبل نقيض بعد وقرأ ابو عمرو ويعقوب والكسائى قبله بكسر القاف وفتح الباء بمعنى ومن معه من القبط من اهل مصر فى {والمؤتفكات} اى قرى قوم لوط اى اهلها لانها عطفت على ما قبلها من فرعون ومن قبله يقال افكه عن الشئ اى قلبه وائتفكت البلدة بأهلها اى انقلبت والله تعالى قلب قرى قوم لوط عليهم فهى المنقلبات بالخسف وهى خمس قريات صعبة وصعده وعمره ودوماسدوم وهى اعظم القرى ثم هذا من قبيل التخصيص بعد التعميم للتتميم لان قوم لوط اتوا بفاحشة ما سبقهم بها من احد من العالمين {بالخاطئة} الباء للملابسة والتعدية وهو الاظهر اى بالخطأ او بالغفلة او الافعال ذات الخطأ العظيم التى من جملتها تكذيب البعث والقيامة فالخاطئة على الاول مصدر كالعاقبة وعلى الاخيرين صفة لمحذوف والبناء للنسبة على التجريد والاظهر انه من المجاز العقلى كشعر شاعر.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وجاء فرعونُ ومَنْ قبله} أي: ومَن تقدمه. وقرأ البصري والكسائي: ( ومَن قِبَلَهُ) بكسر القاف، أي: ومَن عنده من أتباعه وجنوده، ويؤيده أنه قُرىء "ومن معه". {والمؤتفكاتُ} وهي قُرى قوم لوط؛ لأنها ائتفَكت، أي: انقلبت بهم، أي: وجاء أهل المؤتفكات {بالخاطئة}؛ بالخطأ، أو بالفعلة، أو الأفعال الخاطئة، أي: ذات الخطأ، التي من جملتها: تكذيب البعث والقيامة. {فَعَصَوا رسولَ ربهم} أي: عصت كل أمة رسولها، حيث نهوهم عما كانوا يتعاطونه من القبائح، {فأخَذّهم} أي: الله عزّ وجل {أخذةً رابيةً} أي: زائدة في الشدة، كما زادت قبائحهم في القُبح، من: ربا الشيء إذا زاد. {إِنَّا لَمَّا طغى الماءُ}؛ ارتفع وقت الطوفان، على أعلى جبل في الدنيا، خمسة عشر ذراعاً، بسبب إصرار قوم نوح على فنون المعاصي، ومبالغتهم في تكذيبه عليه السلام وما أوحي إليه من الأحكام، التي من جملتها أحوال الحاقة، {حملناكم} أي: في أصلاب آبائكم، محمولين {في الجارية}؛ في سفينة نوح عليه السلام، والمراد: حملهم فيها أيام الطوفان، فالجار متعلق بمحذوف حال، لا صلة لحملنا، أي: رفعناكم فوق الماء، حال كونكم محمولين في السفينة بأمرنا وحفظنا. وفيه تنبيه على أنَّ مدار حفظهم محض عصمته تعالى، وإنما السفينة سبب صوري. {لِنجعلَها} أي: الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين {لكم تذكرةً}؛ عِبرة ودلالة على كمال قدرته تعالى وحكمته، وقوة قهره، وسعة رحمته {وتَعِيَها} أي: تحفظها. والوعي: أن تحفظ الشيء في نفسك، والإيعاء: أن تحفظه في غيرك، {أُذنٌ واعيةٌ} أي: أُذن مِن شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه، بتذكيره وإشاعته والتفكُّر فيه، ولا تضيعة بترك العمل به. والتنكير لدلالة قلتها. قال قتادة: الأذن الواعية هي التي عقلت عن الله، وانتفعت بما سمعت. وعن عليّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : سألتُ الله تعالى أن يجعلها أذنَك يا علي " تفسير : قال: فما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ونسيته قط. الإشارة: وجاء فرعون النفس، ومَن تقدمه من شواغل الدنيا، ووساوس الشيطان، أو مَن قِبَلَهُ من هامان الهوى، وقارون الحظوظ، والمؤتفكات: القلوب المُنَكَّسَةِ عن قبول الحق، أتت بالخاطئة، وهي الإصرار على الوقوف مع العوائد والحظوظ، فعَصَوا رسولَ ربهم، وهو مَن يدعوهم إلى الله، بالخروج عن عوائدهم، فأخذهم بالهلاك، والبُعد والطرد عن ساحة الحضرة, أخذةً رابية زائدة على قُبح فعلهم، لتأبُّدهم في غمِّ الحجاب. إنّا لما طغا الماء، وهو طوفان حب الدنيا، عَمَّ الناسَ وأغرقهم في بحر الهوى، حملناكم ـ يا معشر أهل النسبة، الذين أجابوا الداعي، ودخلوا في حصن تربيته في سفينة النجاة، ليَعْتبر بكم مَن تقدّم عنكم ومَن تأخر، أو: لمّا طغى الماء الغيبي وظهر، وانطبق بحر الأحدية عليكم، حملناكم في سفينة الشريعة؛ لئلا تصطلموا، أو: حملناكم في سفينة الأفكار الجارية في بحار الملكوت وأسرار الجبروت، لنجلعها لكم تذكرة وترقية, وتعيها أُذن واعية راسخة في علم الربوبية، فتدونَها في الكتب؛ لينتفع بها مَن يروم العوم في تلك البحار، وهذا شأن مَن غنَّى بتلك الأسرار، كالششتري وغيره، أو ألَّف فيها كابن عطاء الله وأمثاله، نفع الله ببركاتهم. ثم ذكر أحوال الحاقة، ومبادىء أهوالها، فقال: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}.

الأعقم

تفسير : {وجاء فرعون ومن قبله} قرئ بفتح القاف وسكون الباء نافع، أي من يقدمه من الأمم، وقرأ الكسائي وأبو عمرو بكسر القاف وفتح الباء، يعني ومن معه من أتباعه {والمؤتفكات} قرى قوم لوط انقلبت بهم {بالخاطئة} أي بالخطيئة والمعاصي فأخطأوا طريق الحق {فعصوا رسول ربهم} فيما أمرهم به {فأخذهم} الله {أخذة رابية} قيل: شديدة، وقيل: زائدة {إنا لمَّا طغى الماء} أي جاوز الحد في المقدار طغى فوق كل شيء خمسة عشر ذراعاً، وقيل: أكثر {حملناكم} أي حملنا آباءكم لأن الابن يخاطب بالشكر {في الجارية} أي السفينة، وقيل: السفينة ألف وثلاثمائة ذراع وعرضها ستمائة ذراع {لنجعلها لكم تذكرة} أي عظةً تذكرونها، وقيل: تذكرون بها عظم نعم الله في انتقامه وإنجائه وبيان قدرته وحكمته {وتعيها أذن واعية} قيل: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي فما نسيت شيئاً بعد وما كان لي أن أنساه" أي يعني كل شيء ويعلم، وقيل: حافظ {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} قيل: أراد النفخة الأولى {وحملت الأرض والجبال} أي كسرتا قيل: صارا تراباً، وقيل: بسطتا بسطة واحدة، وقيل: ضرب بعضها ببعض حتى تفتّت الجبال وسقتها الرياح وبقيت الأرض شيئاً واحداً {فيومئذ وقعت الواقعة} أي قامت القيامة {وانشقت السماء فهي يومئذ واهية} أي ضعيفة {والملك على أرجائها} نواحيها وأقطارها {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} ثمانية منهم وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين" تفسير : وروي ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤوسهم مطرقون مسبحون، وقيل: بعضهم على صور الانسان، وبعضهم على صور الأسد، وبعضهم على صور الثور، وبعضهم على صور النسر، وروي: ثمانية أملاك على خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين سنة، وعن الحسن: الله أعلم كم هم أثمانية أم ثمانية آلاف، وعن الضحاك: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله {يومئذ تعرضون} على ثلاث عرضات ثنتان فيهما جدال ومعاذير والثالث نشر الكتب فأخذ بيمينه وأخذ بشماله، والعرض للجزاء والمحاسبة {لا تخفى منكم خافية} لأنه تعالى يعلم سرّهم وجهرهم {فأمَّا من أُوتي كتابه بيمينه} وهم المؤمنون {فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه} قيل: تعالى اقرأوا كتابيه وهذا كلام من بلغ الغاية في السرور قيل: يدعو أهله وقراباته {إني ظننت} عاينت وأيقنت في الدنيا {اني ملاق حسابيه}، قيل: انها لنظم رؤوس الآي، وقيل: للاستراحة {فهو في عيشة راضية} قيل: مرضيَّة، وقيل: ذات رضا {في جنة عالية} رفيعة المكان {قطوفها دانية} ثمارها قريبة {كلوا واشربوا هنيئاً} قيل: الهنيء المريء الذي ليس فيه ما يؤذي ولا يعقب إذا كالغائط والبول {بما أسلفتم} قدمتم {في الأيام الخالية} الماضية، يعني في الدنيا، وقيل: أيام الصوم، وقيل: أيام الخلوة، قال قتادة: أيامكم هذه أيام خالية تؤديكم إلى أيام باقية اعملوا فيها وقدموا خيراً، وقيل: كتاب المؤمن من نور وعليه خط من نور.

اطفيش

تفسير : {وَجَآءَ فِرْعَوْنَ وَمَن قَبْلَهُ} من الامم المكذبة للرسل وقرأ عاصم والكسائي في رواية عنهما وابو عمر وبكسر القاف وفتح الباء أي ومن معه من أتباعه ويؤيدها قراءة ابن مسعود وأبي ومن معه وقراءة أبي موسى ومن تلقاه {وَالمُؤْتَفِكَاتُ} أي اهل المؤتفكات وهي قرى قوم لوط الثلاثة وقيل خمسة وقيل: المراد الاواقم المؤتفكات {بِالخَاطِئَةِ} مصدر بمعنى الخطأ او اسم فاعل أي الفعلة او الافعال الخاطئة طريق الصواب او ذات الخطأ على انه مصدر والمراد الشرك والمعاصي متعلق بجاء.

الالوسي

تفسير : {وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ } ومن تقدمه من الأمم الكافرة كقوم نوح عليه السلام، وفيه تعميم بعد التخصيص فإن منهم عاداً وثموداً. وقرأ أبو رجاء وطلحة والجحدري والحسن بخلاف عنه وعاصم في رواية أبان والنحويان وأبان (ومَنْ قِبَله) بكسر القاف وفتح الباء أي ومن في جهته وجانبه والمراد ومن عنده من أتباعه وأهل طاعته، ويؤيده قراءة أبـي وابن مسعود (ومن معه). {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ } أي قرى قوم لوط عليه السلام والمراد أهلها مجازاً بإطلاق المحل على الحال أو بتقدير مضاف وعلى الإسناد المجازي والقرينة العطف على من يتصف بالمجيء. وقرأ الحسن هنا (والمؤتفكة) على الإفراد {بِالْخَاطِئَةِ } أي بالخطأ على أنه مصدر على زنة فاعلة أو بالفعلة أو الأفعال ذات الخطأ العظيم على أن الإسناد مجازي وهو حقيقة لأصحابها واعتبار العظم لأنه لا يجعل الفعل خاطئاً إلا إذا كان صاحبه بليغ الخطأ ويجوز أن تكون الصيغة للنسبة.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : كذبت ثمود وعاد بالقارعة}تفسير : [الحاقة: 4]. وقد جُمع في الذكر هنا عدةُ أمم تقدمت قبل بعثة موسى عليه السلام إجمالاً وتصريحاً، وخص منهم بالتصريح قوم فرعون والمؤتفكات لأنهم من أشهر الأمم ذكراً عند أهل الكتاب المختلطين بالعرب والنازلين بجوارهم، فمن العرب من يبلغه بعض الخبر عن قصتهم. وفي عطف هؤلاء على ثمود وعاد في سياق ذكر التكذيب بالقارعة إيماء إلى أنهم تشابهوا في التكذيب بالقارعة كما تشابهوا في المجيء بالخاطئة وعصيان رسل ربّهم، فحصل في الكلام احتباك. والمراد بفرعون فرعون الذي أرسل إليه موسى عليه السلام وهو (مِنفطاح الثاني). وإنما أسند الخِطْء إليه لأن موسى أرسل إليه ليُطلق بني إسرائيل من العبودية قال تعالى: {أية : اذهب إلى فرعون إنه طغى}تفسير : [النازعات: 17] فهو المؤاخذ بهذا العصيان وتبعه القبط امتثالاً لأمره وكذبوا موسى وأعرضوا عن دعوته. وشمل قوله: {ومَن قبله} أمَماً كثيرة منها قوم نوح وقوم إبراهيم. وقرأ الجمهور {ومن قَبله} بفتح القاف وسكون الباء. وقرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب بكسر القاف وفتح الباء، أي ومن كان من جهته، أي قومه وأتباعه. و {المؤتفكات}: قُرى لوط الثلاثُ، وأريد بالمؤتفكات سكانها وهم قوم لوط وخصوا بالذكر لشهرة جريمتهم ولكونهم كانوا مشهورين عند العرب إذ كانت قُراهم في طريقهم إلى الشام، قال تعالى: {أية : وإنكم لتمرُّون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون}تفسير : [الصافات: 137، 138] وقال: {أية : ولقد أتوا على القرية التي أُمْطِرت مطَر السوء أفلم يكونوا يرونها}تفسير : [الفرقان: 40]. ووصفت قرى قوم لوط بـ {المؤتفكات} جمع مؤتفكة اسم فاعل ائتفك مُطاوع أفَكَه، إذا قلَبَه، فهي المنقلبات، أي قلبها قالب، أي خسف بها قال تعالى: {أية : جعلنا عاليها سافلها}تفسير : [هود: 82]. والخاطئة: إمّا مصدر بوزن فاعلة وهاؤه هاء المرة الواحدة فلما استعمل مصدراً قطع النظر عن المرة، كما تقدم في قوله: {أية : الحاقة}تفسير : [الحاقة: 1] فهو مصدر خَطِىءَ، إذا أذنب. والذنب: الخِطْء بكسر الخاء، وإِما اسم فاعل خَطِىءَ وتأنيثه بتأويل: الفعلة ذات الخِطْء فهاؤه هاء تأنيث. والتعريف فيه تعريف الجنس على كلا الوجهين، فالمعنى: جاء كل منهم بالذنب المستحق للعقاب. وفرع عنه تفصيل ذنبهم المعبر عنه بالخَاطئة فقال {فعصوا رسول ربّهم} وهذا التفريع للتفصيل نظير التفريع في قوله: {أية : كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر}تفسير : [القمر: 9] في أنه تفريع بيان على المبيَّن. وضمير (عصوا) يجوز أن يرجع إلى {فرعون} باعتباره رأس قومه، فالضمير عائد إليه وإلى قومه، والقرينة ظاهرة على قراءة الجمهور، وإما على قراءة أبي عمرو والكسائي فالأمر أظهر وعلى هذا الاعتبار في محل ضمير (عصوا) يكون المراد بـ {رسول ربّهم} موسى عليه السلام. وتعريفه بالإِضافة لما في لفظ المضاف إليه من الإِشارة إلى تخطئتهم في عبادة فرعون وجعلهم إياه إلٰهاً لهم. ويجُوز أن يرجع ضمير (عصوا) إلى {فرعون ومَن قبله والمؤتفكات}. {ورسول ربّهم} هو الرسول المرسل إلى كل قوم من هؤلاء. فإفراد {رسول} مراد به التوزيع على الجماعات، أي رسول الله لكل جماعة منهم، والقرينة ظاهرة، وهو أجمل نظماً من أن يقال: فعصوا رسُل ربّهم، لما في إفراد {رسول} من التفنن في صيغ الكلم من جمع وإفراد تفادياً من تتابع ثلاثة جموع لأن صيغ الجمع لا تخلو من ثقل لقلة استعمالها وعكسه قوله في سورة الفرقان (37) {أية : وقومَ نوح لمّا كذَّبوا الرُسل أغرقناهم}تفسير : ، وإنما كذبوا رسولاً واحداً، وقوله: {أية : كذبت قوم نوح المرسلين} تفسير : وما بعده في سورة الشعراء (105)، وقد تقدم تأويل ذلك في موضعه. والأخذ: مستعمل في الإِهلاك، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}تفسير : في سورة الأنعام (44) وفي مواضع أخرى. و {أخْذَةً}: واحدة من الأخذ، فيراد بها أخذ فرعون وقومه بالغرق، كما قال تعالى: {أية : فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر}تفسير : [القمر: 42]، وإذا أعيد ضمير الغائب إلى {فرعون ومن قبله والمؤتفكات} كان إفراد الأخذة كإفراد {رسول ربّهم}، أي أخذنا كل أمة منهم أخذة. والرابية: اسم فاعل من ربَا يَربو إذا زاد فلما صيغ منه وزن فاعلة، قلبت الواو ياء لوقوعها متَحركة إثر كسرة. واستعير الرُّبُوّ هنا للشدة كما تستعار الكثرة للشدة في نحو قوله تعالى: {أية : وادعوا ثبوراً كثيراً}تفسير : [الفرقان: 14]. والمراد بالأخذة الرابية: إهلاك الاستئصال، أي ليس في إهلاكهم إبقاء قليل منهم.

الشنقيطي

تفسير : المؤتفكات: المنقلبات، وهي قرى قوم لوط. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه تفصيل ذلك عند قوله تعالى في هود {أية : فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا}تفسير : [هود: 82] الآية. وفي النجم عند قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ}تفسير : [النجم: 53]. تنبيه نص تعالى هنا أن فرعون ومن قبله، والمؤتفكات جاءوا بالخاطئة وهي: {أية : فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ}تفسير : [الحاقة: 10]، وكذلك عاد وثمود كذبوا بالقارعة. فالجميع اشترك في الخاطئة، وهي عصيان الرسول{أية : فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ}تفسير : [المزمل: 16]، ولكنه قد أخذهم أخذة رابية. ونوع في أخذهم ذلك: فأغرق فرعون وقوم نوح، وأخذ ثمود بالصيحة، وعاداً بريح، وقوم لوط بقلب قراهم، كما أخذ جيش أبرهة بطير أبابيل، فهل في ذلك مناسبة بين كل أمة وعقوبتها، أم أنه للتنويع في العقوبة لبيان قدرته تعالى وتنكيله بالعصاة لرسل الله. الواقع أن أي نوع من العقوبة فيه آية على القدرة، وفيه تنكيل بمن وقع بهم، ولكن تخصيص كل أمة بما وقع عليها يثير تساؤلاً، ولعل مما يشير إليه القرآن إشارة خفيفة هو الآتي: أما فرعون فقد كان يقول: {أية : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ}تفسير : [الزخرف: 51]، فلما كان يتطاول بها جعل الله هلاكه فيها أي في جنسها. وأما قوم نوح فلما يئس منهم بعد ألف سنةإلا خمسين عاماً، وأصبحوا لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً، فلزم تطهير الأرض منهم، ولا يصلح لذلك إلا الطوفان. وأما ثمود فأخذوا بالصيحة الطاغية، لأنهم نادوا صاحبهم فتعاطى فعقر، فلما كان نداؤهم صاحبهم سبباً في عقر الناقة كان هلاكهم بالصيحة الطاغية. وأما عاد فلطغيانهم بقوتهم، كما قال تعالى فيهم: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ}تفسير : [الفجر: 6-8]، وسواء عماد بيوتهم وقصورهم، فهو كناية عن طول أجسامهم ووفرة أموالهم وتوافر القوة عندهم، فأخذوا بالريح وهو أرق وألطف ما يكون، مما لم يكونوا يتوقعون منه أية مضرة ولا شدة. وكذلك جيش أبرهة لما جاء مدل بعدده وعدته، وجاء معه بالفيل أقوى الحيوانات، سلط الله عليه أضعف المخلوقات والطيور {أية : وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ}تفسير : [الفيل: 3-4]. أما قولم لوط فلكونهم قلبوا الأوضاع بإتيان الذكور دون الإناث، فكان الجزاء من جنس العمل، قلب الله عليهم قراهم. والعلم عند الله تعالى. ولا شك أن في ذلك كله تخويف لقريش.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 9- وجاء فرعون ومَن قبله من الأمم التى كفرت، والجماعة المنصرفة عن الحق والفطرة السليمة بالأفعال ذات الخطأ العظيم الفاحش. 10- فعصت كل أمة من هؤلاء رسول ربهم، فأخذهم بعقابه أخذة زائدة فى الشدة. 11- إنا لما جاوز الماء حدَّه، وعلا فوق الجبال فى حادث الطوفان. حملناكم - بحمل أصولكم - فى السفينة الجارية. 12- لنجعل الواقعة التى كان فيها نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين عبرة لكم وعظة، وتحفظها كلُّ أذُنٍ حافظة لما تسمع. 13، 14- فإذا نفخ فى الصور نفخة واحدة، ورفعت الأرض والجبال عن موضعهما، فَدُكَّتا مرة واحدة. 15، 16- فيومئذٍ نزلت النازلة، وانشقت السماء بزوال أحكامها، فهى يومئذٍ ضعيفة بعد أن كانت محكمة قوية. 17- والملائكة على جوانبها، ويحمل عرش ربك فوق هؤلاء الملائكة يومئذ ثمانية. 18- يومئذ تعرضون للحساب لا يخفى منكم أى سر كنتم تكتمونه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمُؤْتَفِكَاتُ} (9) - وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الأُمَمِ التِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ، وَكَفَرَتْ بِاللهِ، كَعَادٍ وَثَمُودَ وَالقُرَى التِي دُمِّرَتْ بِأَهْلِهَا، وَقُلِبَتْ رَأْساً عَلَى عَقِبٍ (المُؤتَفِكَاتُ) بِالكُفْرِ وَبِالأَفْعَالِ الخَاطِئَةِ، ذَاتِ الخَطأَ الكَبِيرِ الفَاحِشِ. المُؤْتَفِكَاتُ - القُرَى التِي قُلِبَ عَالَيهَا سَافِلَهَا وَهِيَ قُرَى قَوْمِ لَوْطٍ. الخَاطِئَةُ - الفِعْلاَتُ ذَاتُ الخَطَأِ الجَسِيمِ - الكُفْرُ -

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ} معناه قَومُ لُوطٍ ائتفكتْ بهم الأرضُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وكذلك غير هاتين الأمتين الطاغيتين عاد وثمود جاء غيرهم من الطغاة العتاة كفرعون مصر الذي أرسل الله إليه عبده ورسوله موسى [ابن عمران] عليه الصلاة والسلام وأراه من الآيات البينات ما تيقنوا بها الحق ولكن جحدوا وكفروا ظلما وعلوا وجاء من قبله من المكذبين، { وَالْمُؤْتَفِكَاتِ } أي: قرى قوم لوط الجميع جاءوا { بِالْخَاطِئَةِ } أي: بالفعلة الطاغية وهي الكفر والتكذيب والظلم والمعاندة وما انضم إلى ذلك من أنواع الفواحش والفسوق. { فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ } وهذا اسم جنس أي: كل من هؤلاء كذب الرسول الذي أرسله الله إليهم. فأخذ الله الجميع { أَخْذَةً رَابِيَةً } أي: زائدة على الحد والمقدار الذي يحصل به هلاكهم. ومن جملة أولئك قوم نوح أغرقهم الله في اليم حين طغى [الماء على وجه] الأرض وعلا على مواضعها الرفيعة.وامتن الله على الخلق الموجودين بعدهم أن الله حملهم { فِي الْجَارِيَةِ } وهي: السفينة في أصلاب آبائهم وأمهاتهم الذين نجاهم الله. فاحمدوا الله واشكروا الذي نجاكم حين أهلك الطاغين واعتبروا بآياته الدالة على توحيده ولهذا قال: { لِنَجْعَلَهَا } أي: الجارية والمراد جنسها، { لَكُمْ تَذْكِرَةً } تذكركم أول سفينة صنعت وما قصتها وكيف نجى الله عليها من آمن به واتبع رسوله وأهلك أهل الأرض كلهم فإن جنس الشيء مذكر بأصله. وقوله: { وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } أي: تعقلها أولو الألباب ويعرفون المقصود منها ووجه الآية بها. وهذا بخلاف أهل الإعراض والغفلة وأهل البلادة وعدم الفطنة فإنهم ليس لهم انتفاع بآيات الله لعدم وعيهم عن الله، وفكرهم بآيات الله.

همام الصنعاني

تفسير : 3305- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تالى: {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ}: [الآية: 9]، قال: هم قوم لوط، ائتفكت بهم أَرْضُوهم.