٦٩ - ٱلْحَاقَّة
69 - Al-Haqqa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء {نَفْخَةٌ } بالرفع والنصب، وجه الرفع أسند الفعل إليها، وإنما حسن تذكير الفعل للفصل، ووجه النصب أن الفعل مسند إلى الجار والمجرور ثم نصب {نفخة} على المصدر. المسألة الثانية: المراد من هذه النفخة الواحدة هي النفخة الأولى لأن عندها يحصل خراب العالم، فإن قيل: لم قال بعد ذلك {أية : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } تفسير : [الحاقة: 18] والعرض إنما يكون عند النفخة الثانية؟ قلنا: جعل اليوم اسماً للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان، والصعقة والنشور، والوقوف والحساب، فلذلك قال: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } كما تقول: جئته عام كذا، وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته.
القرطبي
تفسير : قال ابن عباس: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلم يبق أحد إلا مات. وجاز تذكير {نُفِخَ} لأن تأنيث النفخة غير حقيقي. وقيل: إن هذه النفخة هي الأخيرة. وقال: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} أي لا تُثَنّى. قال الأخفش: ووقع الفعل على النفخة إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع فقيل: نفخة. ويجوز «نفخةً» نصباً على المصدر. وبها قرأ أبو السَّمال. أو يقال: اقتصر على الإخبار عن الفعل كما تقول: ضرب ضرباً. وقال الزجاج: «فيِ الصُّورِ» يقوم مقام ما لم يسم فاعله.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن أهوال يوم القيامة، وأول ذلك نفخة الفزع، ثم يعقبها نفخة الصعق حين يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور، وهي هذه النفخة، وقد أكدها ههنا بأنها واحدة؛ لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع، ولا يحتاج إلى تكرار ولا تأكيد، وقال الربيع: هي النفخة الأخيرة، والظاهر ما قلناه، ولهذا قال ههنا: { وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً} أي: فمدت مد الأديم العكاظي، وتبدلت الأرض غير الأرض { فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} أي: قامت القيامة { وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} قال سماك عن شيخ من بني أسد عن علي قال: تنشق السماء من المجرة، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جريج: هي كقوله: {أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَٰباً} تفسير : [النبأ: 19] وقال ابن عباس: متخرقة، والعرش بحذائها {وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} الملك اسم جنس، أي: الملائكة على أرجاء السماء، قال ابن عباس: على ما لم يهِ منها، أي: حافاتها، وكذا قال سعيد بن جبير والأوزاعي، وقال الضحاك: أطرافها، وقال الحسن البصري: أبوابها، وقال الربيع بن أنس في قوله: {وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} يقول: على ما استدق من السماء، ينظرون إلى أهل الأرض. وقوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ} أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، ويحتمل أن يكون المراد بهذا: العرش العظيم، أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب. وفي حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب في ذكر حملة العرش: أنهم ثمانية أوعال. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو السمح البصري، حدثنا أبو قبيل حيي بن هانىء: أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: حملة العرش ثمانية، ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مئة عام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: كتب إلي أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه مخفق الطير سبعمئة عام» تفسير : وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، وقد رواه أبو داود في كتاب السنة من سننه: حدثنا أحمد بن حفص ابن عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر ابن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش: أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمئة عام» تفسير : هذا لفظ أبي داود. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ} قال: ثمانية صفوف من الملائكة، قال: وروي عن الشعبي وعكرمة والضحاك وابن جريج مثل ذلك، وكذا روى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: ثمانية صفوف، وكذا روى العوفي عنه، وقال الضحاك عن ابن عباس: الكروبيون ثمانية أجزاء، كل جزء منهم بعدة الإنس والجن والشياطين والملائكة. وقوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ} أي: تعرضون على عالم السر والنجوى، الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال تعالى: {لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ} وقد قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا علي بن رفاعة عن الحسن عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان، فجدال ومعاذير، وأما الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله» تفسير : ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع به، وقد رواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن علي ابن علي عن الحسن عن أبي هريرة به. وقد روى ابن جرير عن مجاهد بن موسى عن يزيد بن سليمان بن حيان عن مروان الأصغر عن أبي وائل عن عبد الله قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله، ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً مثله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وٰحِدَةٌ } للفصل بين الخلائق وهي الثانية.
الماوردي
تفسير : {فيومئذٍ وقَعَتِ الواقعةُ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: القيامة. الثاني: الصيحة. الثالث: أنها الساعة التي يفنى فيها الخلق. {وانْشَقّت السماءُ فهِي يومئذٍ واهيةٌ} في انشقاقها وجهان: أحدهما: أنها فتحت أبوابها، قاله ابن جريج. الثاني: أنها تنشق من المجرة،قاله عليّ رضي الله عنه. وفي قوله" واهية " وجهان: أحدهما: متخرقة، قاله ابن شجرة، مأخوذ من قولهم وَهَى السقاءُ إذا انخرق، ومن أمثالهم: شعر : خَلِّ سبيلَ مَنْ وَهَى سِقاؤه ومَن هُريق بالفلاةِ ماؤهُ تفسير : أي من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه. الثاني: ضعيفه، قاله يحيى بن سلام. {والملَكُ على أَرجائها} فيه وجهان: أحدهما: على أرجاء السماء، ولعله قول مجاهد وقتادة. الثاني: على أرجاء الدنيا، قاله سعيد بن جبير. وفي "أرجائها" أربعة أوجه: أحدها: على جوانبها، قاله سعيد بن جبير. الثاني: على نواحيها، قاله الضحاك. الثالث: أبوابها، قاله الحسن. الرابع: ما استدق منها، قاله الربيع بن أنس. ووقوف الملائكة على أرجائها لما يؤمرون به فيهم من جنة أو نار. {ويَحْمِلُ عَرْشَ ربِّك فوقهم يَومئذٍ ثمانيةُ} يعني أن العرش فوق الثمانية وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: ثمانية أملاك من الملائكة، قاله العباس بن عبد المطلب. الثاني: ثمانية صفوف من الملائكة، قاله ابن جبير. الثالث: ثمانية أجزاء من تسعة، وهم الكروبيون، قاله ابن عباس، وروى أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحمله اليوم أربعة، وهم يوم القيامة ثمانية ". تفسير : وفي قوله {فوقهم} ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم يحملون العرش فوق رؤوسهم. الثاني: أن حملة العرش فوق الملائكة الذين على أرجائها. الثالث: أنهم فوق أهل القيامة. {يومئذٍ تُعْرَضونَ} يعني يوم القيامة، روى الحسن عن أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، أما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف من الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " تفسير : {لا تَخْفَى منكم خافيةٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا يخفى المؤمن من الكافر، ولا البر من الفاجر، قاله عبد اللَّه بن عمرو بن العاص. الثاني: لا تستتر منكم عورة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحشر الناس حفاة عراة " تفسير : الثالث: أن خافية بمعنى خفيّة كانوا يخفونها من أعمالهم حكاه ابن شجرة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ...}. بدأ في وصف القيامة والحساب... قوله جلّ ذكره: {... يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ}. وفي كلِّ نَفَسٍ مع هؤلاء القوم محاسبَةٌ ومطالَبةٌ، منهم مَنْ يستحق المعاتبة، ومنهم من يستحق المعاقبة. قوله جلّ ذكره: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ}. يسلم له السرورُ بنعمة الله، ويأخذ في الحمد والمدح. {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}. القومُ - غداً - في عيشةٍ راضية أي مَرْضِيَّةٍ لهم، وهؤلاء القوم - اليوم - في عيشةٍ راضية، والفرق بينهما أنهم - غداً - في عيشةٍ راضية لأنه قد قُضِيَتْ أوطارُهم، وارتفعت مآربُهم، وحصلت حاجاتُهم، وهم - اليومَ - في عيشةٍ راضية إذ كَفُّوا مآرِبَهم فَدَفَعَ عن قلوبهم حوائجَهم؛ فليس لهم إرادةُ شيءٍ، ولا تَمَسُّهم حاجةٌ. وإنما هم في رَوْح الرضا... فعَيْشُ أولئك في العطاء، وعَيْشُ هؤلاء في الرضاء؛ لأنه إذا بدا عِلْمٌ من الحقيقة أو معنًى من معانيها فلا يكون ثمة حاجة ولا سؤال. ويقال لأولئك غداً.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاذا نفخ فى الصور نفخة واحدة} شروع فى بيان نفس الحاقة وكيفية وقوعها اثر بيان عظم شأنها باهلاك مكذبيها والنفخ ارسال الريح من الفم وبالفارسية دميدن. والصور قرن من نور أوسع من السموات ينفخ فيه اسرافيل بأمر الله فيحدث صوت عظيم فاذا سمع الناس ذلك الصوت يصيحون ثم يموتون الا من شاء الله والمصدر المبهم هو الذى يكون لمجرد التأكيد وان كان لا يقام مقام الفاعل فلا يقال ضرب ضرب اذ لا يفيد امرا زآئدا على مدلول الفعل الا انه حسن اسناد الفعل فى الآية الى المصدر وهو النفخة لكونها نفخا مقيدا بالوحدة والمرة لا نفخا مجردا مبهما والمراد بها ههنا النفخة الاولى التى لا عندها حيوان الا مات ويكون عندها خراب العالم لما دل عليه الحمل والدك الآتيان وفى الكشاف فان قلت هما نفختان فلم قيل واحدة قلت معناه انها لا تثنى فى وقتها انتهى يعنى ان حدوث الامر العظيم بالنفخة وعلى عقبها انما استعظم من حيث وقوع النفخ مرة واحدة لا من حيث انه نفخ فنبه على ذلك بقوله واحدة وفى كشف الاسرار ذكر الواحدة للتأكيد لان النفخة لا تكون الا واحدة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فإِذا نُفخ في الصُّور نفخةٌ واحدةُ}، وهي النفخة الأولى، وتموت عندها الخلائق، والثانية يحيون عندها، {وحُمِلتِ الأرضُ والجبالُ} أي: قلعت ورفعت عن أماكنها، بمجرد القدرة الإلهية، أو بتوسُّط الزلزلة، أو الريح العاصفة، {فدُكَّتا دَكَّةً واحدةً} أي: دقّتا وكسرتا، أي: ضُرب بعضها ببعض حتى تندق وترجع كثيباً مهيلاً وهباءً منثوراً، {فيومئذٍ}، فحينئذ {وقعت الواقعةُ} أي: قامت القيامة بعدها، {وانشقتِ السماءُ} أي: فُتحت أبواباً لنزول الملائكة، {فهي} أي: السماء {يومئذٍ واهيةٌ}؛ ضعيفة مسترخية، كالصوف أو القطن، بعدها كانت مُحْكَمة, {والمَلَكُ} أي: جنس المَلك، وهو بمعنى الجمع، فهو أعمّ من الملائكة، {على أرجائها}؛ جوانبها، جمع رَجاً، مقصور، أي: تنشق السماءِ، التي هي مسكنهم، فيلتجئون إلى أكنافها وأطرافها، {ويحملُ عرشَ ربك فوقهم} أي: فوق الملَك الذين هم على الأرجاء، {يومئذٍ ثمانيةٌ} من الملائكة، واليوم تحمله أربعة، وزيدت أربعة أخرى يوم القيامة إمداداً لتلك الأربعة. رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" حديث : هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة قوّاهم الله تعالى بأربعة أخرى "تفسير : ، وقال ابن عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم أحدٌ عِدتهم. وقال ابن زيدٍ: هم ثمانية أملاك، على هيئة الوعول. الوَعِلَ: تيسُ الجبل، وقيل: على هيئة الناس، أرجلهم تحت الأرض السابعة، وكواهلهم فوق السماء السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم مطرقون. وفي بعض الأخبار: أنَّ الأربعة التي تحمل العرش اليوم؛ أحدهم على صورة الإنسان، يطلب الرزق للأرض، والآخر على صورة الثور، يطلب الرزق للبهائم، والآخر على صورة النسر، يطلب الرزق للطيور، والآخر على صورة الأسد، يطلب الرزق للوحوش، وقيل: المراد بالآية: تمثيل لعظمة الله تعالى بما يُشاهَد من أحوال السلاطين، يوم خروجهم على الناس للقضاء العام، لكونها أقصى ما يتصور من العظمة والجلال، وإلاّ فشؤونه تعالى أجلَّ من كل ما يُحيط به فلك العبارة والإشارة. {يومئذٍ تُعرضون} للسؤال والحساب، شبّه ذلك بعرض السلطان الجيشَ؛ ليعرف أحواله، رُوي " حديث : أن في القيامة ثلاث عَرْضَاتٍ، فأمّا عَرْضَتَان: فاعتذار واحتجاج، وأما الثالثة: ففيها تُنشر الكتب، فيأخذ الفائز كتابه بيمينه، والهالك بشماله" تفسير : ، وهذا وإن كان بعد النفحة الثانية لكن لمّا كان اليوم اسماً لزمان متسع يقع فيه النفحتان، والصعقة والنشور والحساب، وإدخال أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ، صحّ جعله ظرفاً للكل، وظاهر نظم الآية أنَّ نشر الموتى من القبور لا يكون إلاَّ بعد دك الأرض، وتسيير الجبال، فلا يقع النشر إلاّ على الأرض المستوية، لا ترى فيها عِوجاً ولا أمتاً، وأمّا انشقاق السماء فمؤخّر، يكون ـ والله أعلم ـ والناس في الموقف على ما في بعض أخبار الآخرة. ثم قال تعالى: {لا تخفى منكم خافيةٌ} أي: سريرةٌ ولا حالٌ كانت تخفى في الدنيا. والجملة: حال من ضمير "تُعرضون" أي: تُعرضون غير خافٍ عليه تعالى السرائر، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم بالياء؛ لأن تأنيثها مجازي. الإشارة: فإذا نُفخ في صور القلب الغافل، الخالي من الحياة الأبدية، نفخة واحدة، من همّة شيخ كامل، إما بوارد شوق مُقلق، أو خوف مُزعج، وحُملت أرض بشريته، وجبال عقله، فدُكتا دكةً واحدة، فغاب حس البشرية وانخنس، وغاب نور العقل عند سطوع أنوار شمس العرفان، فيومئذ وقعت الواقعة، أي: ظهرت الحقيقة العيانية، وبدلت الأرض غير الأرض، والسموات، فصار الجميع نوراً ملكوتياً، أو سرًّا جبروتيًّا، وانشقت سماء الأرواح, فظهرت أسرار المعاني خلف رداء الأواني، فهي ـ أي: الأواني الحسية ـ يومئذ واهية ضعيفة متلاشية، لا وجود لها من ذاتها، والمَلك، اي: الواردات الإلهية، والخواطر الملكية، على أرجائها: على أطراف سماء الأرواح، يُلهمها العلوم اللدنية، والأعمال الصافية، ويحمل عرش ربك، أي: عرش معرفة الرب، وهو القلب، فهو سرير سلطان المعرفة، ومحل التجليات الذاتية، ثمانية: الصبر، والشكر، والورع، والزهد، والتوكل، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، وهو عرش المعرفة، يومئذ تُعرض الخواطر على القلب، لا يخفى عليه منها شيء، فيقبل الحسَن، ويرفع القبيح. والله تعالى أعلم. وذكر في الحاشية الفاسية ما فوق العرش الحسي، وما تحت الأرض السفلى، فقال ما نصُّه: وفي حديث " حديث : فوق السماء السابعة بحرٌ، بين أعلاه وأسفله، كما بين السماء والسماء، وفوق ذلك ثمانية أَوْعَالٍ، بين أظلافهِنَّ ورُكبهنَّ ما بين سماءٍ إلى سماء، وفوق ظهورهن العرش، بين أسفله وأعلاه ما بين سماء إلى السماء، والله تبارك وتعالى فوق ذلك "تفسير : ، وفي حديث آخر: " حديث : عدد الأرضين سبع، بين كل واحدة والآخرى خمسمائة سنة، والذي نفس محمد بيده؛ لو أنكم دلّيتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله"تفسير : ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم:{ أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلَّظاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ }تفسير : [الحديد:3]. هـ. فتحصل من حديث سيد العارفين، وقدوة الواصلين، أنَّ الحق ـ جلّ جلاله ـ محيط بكل شيء، فأسرار ذاته العلية أحاطت بالوجود بأسره. فما فوق العرش هو عين ما تحت الثرى، فلو صعد أحد إلى ما فوق العرش لوجد الله، ولو هبط إلى ما تحت الأرض السفلى لوجد الله؛ إذ عظمته أحاطته بكل شيء، ومحت وجود كل شيء. واعلم أن الحق جلّ جلاله منفرد بالوجود، لا شيء معه، غير أنَّ عظمة الذات الخارجة عن دائرة قبضة التكوين باقية على أصلها من اللطافة والكنزية، والعظمةَ الداخلة في القبضة حين دخلها التكثيف، وتحسّست ليقع بها التجلِّي، استترت وتردّت برداء الكبرياء، فظهر فيها الضدان؛ العبودية والربوبية، والحس والمعنى، والقدرة والحكمة، فاستترت الربوبية برداء الكبرياء، فكان من اصطلاح الوحي التنزيلي أن يُخبر عن العظمة الأصلية, وينعت أوصافها، ويسكت عن العظمة الفرعية، التي وقع بها التجلِّي، ستراً لسر الربوبية أن يظهر، إذ لو ظهر لفسد نظام عالم الحكمة، ولذلك قال سهل رضي الله عنه: للألوهية سر لو انكشف لبطلت النبوات، وللنبوات سر لو انكشف لبطل العِلم، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. هـ. فَسِرُّ الألوهية هو قيامها بالأشياء، وظهورها بها، بل لا وجود للأشياء معها، فلو انكشف هذا السر لجميع الناس لاستغنوا عن العبادة والعبودية، ولبطلت أحكام النبوة، إذ النبوة إنما هي لبيان العبادة وآداب العبودية، وعند ظهور هذا السر يقع الاستغناء عن تلقي الوحي. وأيضاً، ليست القلوب كلها تقدر على حمل هذا السر، فلو تجلّى للقلوب الضعيفة لوقع لها الدهش والحيرة، وربما أدّاها إلى التلف. وسر النبوات هو سدل الحجاب بين الله وعباده، حتى يفتقر الناس إلى تلقي العلم بواسطة النبوة، فلو انكشف هذا الحجاب لوقع الاستغناء عن النبوة، لتلقِّيه حينئذ كشفاً بدونها من غير تكلُّف، وسر العلم هو إبهام العواقب، فلو انكشف هذا السر وعرف كل واحد مآله للجنة أو النار؛ لبطلت الأحكام؛ إذ مَن عرف أنه للجنة قطعاً استغنى عن العبادة, ومَن عرف أنه للنار قطعاً انهمك في المعاصي، فأخفى الله هذا السر ليعمل كل واحد على الرجاء والخوف. والله تعالى أعلم. ثم قسّم الحق تعالى عباده إلى أهل الشقاوة والسعادة، وبيَّن مآلهما في الآخرة، وهو تفصيلٌ لأحكام العرض، فقال: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}.
الجنابذي
تفسير : {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} لمّا ذكر القيامة وفخّمها فضّلها للتّهويل والتّهديد والمراد بالنّفخة هى النّفخة الاولى او الثّانية، والتّوصيف بالواحدة للاشعار باختصارها وسهولتها مثل قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر:50].
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا نُفِخَ} لم يقل نفخت لان النائب ولو كان مؤنثا لكن تأنيثه مجازي وايضا هو مفصول {فِى الصُّورِ} القرن {نَفْخَةٌ} مصدر اسند اليه الفعل وحسن لانه مقيد بالوحدة بالهيئة لتاء اصالة وبقوله {وَاحِدَةٌ} تأكيدا وقرىء بنصبه على المصدرية فالنائب المجرور قبله وهي النفخة الاولى التى عندها فساد العالم وقيل الثانية والقولان عن ابن عباس ولا ينافي الاول قوله يومئذ تعرضون فان العرض ولو كان بعد النفخة الثانية ان قلنا نفختان فقط. لكن لما كان اليوم اسما لزمان متسع تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والحساب ودخول الجنة والنار جعل ظرفا للكل كما تقول جبته عام كذا انما هو في وقت من اوقاته.
الالوسي
تفسير : شروع في بيان نفس الحاقة وكيفية وقوعها إثر بيان عظم شأنها بإهلاك مكذبيها. والمراد بالنفخة الواحدة النفخة الأولى التي عندها خراب العالم كما قال ابن عباس، وقال ابن المسيب ومقاتل هي النفخة الآخرة، والأول أولى لأنه المناسب لما بعد وإن كانت الواو لا تدل على الترتيب لكن مخالفة الظاهر من غير داع مما لا حاجة إليه. والنفخة قال جار الله في «حواشي كشافه» المرة ودلالتها على النفخ اتفاقية غير مقصودة وحدوث الأمر العظيم بها وعلى عقبها إنما استعظم من حيث وقوع النفخ مرة واحدة لا من حيث إنه نفخ فنبه على ذلك بقوله سبحانه {وَاحِدَةٌ} وعن ابن الحاجب أن (نفخة) لم يوضع للدلالة على الوحدة على حيالها وإنما وضع للدلالة على النفخ والدلالة على الوحدة اتفاقية غير مقصودة. وتعقب بأن هذا بعد التسليم لا يضر لأن الكلام في مقتضى المقام لا أصل الوضع، وقد تقرر أن الذي سيق له الكلام يجعل معتمداً حتى كأن غيره مطروح فالمرة هي المعتمدة نظراً للمقام دون النفخ نفسه وإن كان النظر إلى ظاهر اللفظ يقتضي العكس فافهم. وأياً ما كان فإسناد الفعل إلى نفخة ليس من إسناد الفعل إلى المصدر المؤكد كضرب ضرب وإن لم يلاحظ ما بعده من قوله سبحانه {وَاحِدَةٌ} وحسن تذكير الفعل للفصل، وكون المرفوع غير حقيقي التأنيث، وكونه مصدراً فقد ذكر الجاربردي في «شرح الشافية» أن تأنيثه غير معتبر لتأويله بأن والفعل والمشهور أن (واحدة) صفة مؤكدة وأطلق عليها بعضهم التوكيد وبعضهم البيان، وذكر الطيبـي أن التوابع كالبدل، وعطف البيان والصفة بيان من وجه للمتبوع عند أرباب المعاني وتمام الكلام في ذلك في «المطول». وقرأ أبو السمال (نفخةً واحدةً) بنصبهما على إقامة الجار والمجرور / مقام الفاعل.
ابن عاشور
تفسير : الفاء لتفريع ما بعدها على التهويل الذي صُدرت به السورة من قوله: {أية : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقّة}تفسير : [الحاقة: 1ــ 3] فعلم أنه تهويل لأمر العذاب الذي هُدد به المشركون من أمثال ما نال أمثالهم في الدنيا. ومن عذاب الآخرة الذي ينتظرهم، فلما أتم تهديدهم بعذاب الدنيا فرع عليه إنذارهم بعذاب الآخرة الذي يحل عند القارعة التي كذبوا بها كما كذبت بها ثمود وعاد، فحصل من هذا بيان للقارعة بأنها ساعة البعثِ وهي الواقعة. و {الصور}: قرن ثَوْر يقعر ويجعل في داخله سِداد يسُد بعض فراغه حتى إذا نفَخ فيه نافخ انضغط الهواء فصوَّت صوتاً قوياً، وكانت الجنود تتخذه لنداء بعضهم بعضاً عند إرادة النفير أو الهجوم، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وله المُلْك يوم ينفخ في الصور} تفسير : في سورة الأنعام (73). والنفخ في الصور: عبارة عن أمر التكوين بإحياء الأجساد للبعث مُثِّل الإِحياء بنداء طائفة الجند المكلفة بالأبواق لنداء بقية الجيش حيث لا يتأخر جندي عن الحضور إلى موضع المناداة، وقد يكون للملك الموكَّل موجود يصوّت صوتاً مؤثّراً. و {نفخة}: مصدر نفخ مقترن بهاء دالة على المرة، أي الوحدة فهو في الأصل مفعول مطلق، أو تقع على النيابة عن الفاعل للعلم بأن فاعل النفخ الملك الموكّل بالنفخ في الصور وهو إسرافيل. ووصفت {نفخة} بـ {واحدة} تأكيد لإِفادة الوحدة من صيغة الفعلة تنصيصاً على الوحدة المفادة من التاء. والتنصيص على هذا للتنبيه على التعجيب من تأثر جميع الأجساد البشرية بنفخة واحدة دون تكرير تعجيباً عن عظيم قدرة الله ونفوذ أمره لأن سياق الكلام من مبدأ السورة تهويل يوم القيامة فَتعداد أهواله مقصود، ولأجل القصد إليه هنا لم يذكر وصف واحد في قوله تعالى: {أية : ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دَعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون}تفسير : في سورة الروم (25). فحصل من ذكر {نفحة واحدة} تأكيد معنى النفخ وتأكيد معنى الوحدة، وهذا يبين ما روي عن صاحب «الكشاف» في تقريره بلفظٍ مجمل نقله الطيبي، فليس المراد بوصفها بـ {واحدة} أنها غير مُتَبعة بثانية فقد جاء في آيات أخرى أنهما نفختان، بل المراد أنها غير محتاج حصولُ المراد منها إلى تكررها كناية عن سرعة وقوع الواقعة، أي يوم الواقعة. وأما ذكر كلمة {نفخة} فليتأتى إجراء وصف الوحدة عليها فذِكر {نفخة} تبعٌ غير مسوق له الكلام فتكون هذه النفخة هي الأولى وهي المؤذنة بانقراض الدنيا ثم تقع النفخة الثانية التي تكون عند بعث الأموات. وجملة {وحُملت الأرض والجبال} الخ في موضع الحال لأن دَكّ الأرضِ والجبال قد يحصل قبل النفخ في الصور لأن به فناء الدنيا. ومعنى {حُملت}: أنها أُزيلت من أماكنها بأن أُبعدت الأرض بجبالها عن مدارها المعتاد فارتطمت بأجرام أُخرى في الفضاء {فدكَّتا}، فشبهت هذه الحالة بحمل الحامل شيئاً ليلقيه على الأرض، مثل حمل الكرة بين اللاعبين، ويجوز أن يكون تصرف الملائكة الموكلين بنقض نظام العالم في الكرة الأرضية بإبعادها عن مدارها مشبهاً بالحمل وذلك كله عند اختلال الجاذبية التي جعلها الله لحفظ نظام العالم إلى أمد معلوم لله تعالى. والدك: دَقّ شديد يكسر الشيء المدقوق، أي فإذا فرقت أجزاء الأرض وأجزاء جبالها. وبنيت أفعال "نفخ، وحُملت، ودُكّتا" للمجهول لأن الغرض متعلق ببيان المفعول لا الفاعل وفاعل تلك الأفعال إما الملائكة أو ما أودعه الله من أسباب تلك الأفعال، والكل بإذن الله وقدرته. وجملة {فيومئذٍ وقعت الواقعة} مشتملة على جواب (إذَا)، أعني قولَه {وقعت الواقعة}، وأما قوله: {فيومئذٍ} فهو تأكيد لمعنى {فإذا نُفخ في الصور} إلخ لأن تنوين (يومئذٍ) عوض عن جملة تدل عليها جملة {نُفخ في الصور} إلى قوله {دَكّة واحدة}، أي فيوم إذ نفخ في الصور إلى آخره وقعت الواقعة وهو تأكيد لفظي بمرادف المؤكَّد، فإن المراد بـ (يوم) من قوله {فيومئذٍ وقَعت الواقعة}، مطلقُ الزمان كما هو الغالب في وقوعه مُضافاً إلى (إذا). ومعنى {وقعت الواقعة} تحقق ما كان متوقَّعاً وقوعُه لأنهم كانوا يُتَوعَّدون بواقعة عظيمة فيومئذٍ يتحقق ما كانوا يُتوعدون به. فعبر عنه بفعل المضي تنبيهاً على تحقيق حصوله. والمعنى: فحينئذٍ تقع الواقعة. و {الواقعة}: مرادفة للحاقة والقارعة، فذكرها إظهار في مقام الإِضمار لزيادة التهويل وإفادة ما تحتوي عليه من الأحوال التي تنبىء عنها موارد اشتقاق أوصاف الحاقة والقارعة والواقعة. و {الواقعة} صار علماً بالغلبة في اصطلاح القرآن يوم البعث قال تعالى: {أية : إذا وقَعت الواقعة ليس لوقْعَتِها كاذبة}تفسير : [الواقعة: 1ــ 2]. وفعل {انشقت السماء} يجوز أن يكون معطوفاً على جملة {نفخ في الصور} فيكون ملحقاً بشرط (إذا)، وتأخيرُ عطفه لأجل ما اتصل بهذا الانشقاق من وصف الملائكة المحيطين بها، ومن ذكر العرش الذي يحيط بالسماوات وذكر حملته. ويجوز أن يكون جملة في موضع الحال بتقدير: وقد انشقت السماء. وانشقاق السماء: مطاوعتها لِفعل الشق، والشقُّ: فتح منافذ في محيطها، قال تعالى: {أية : ويوم تشقق السماء بالغمام ونزّل الملائكة تنزيلاً المُلكُ يومئذٍ الحقُ للرحمٰن وكان يوماً على الكافرين عسيراً}تفسير : [الفرقان: 25، 26]. ثم يحتمل أنه غير الذي في قوله تعالى: {أية : فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان}تفسير : [الرحمٰن: 37] ويحتمل أنه عينه. وحقيقة {واهية} ضعيفة ومتفرقة، ويستعار الوهي للسهولة وعدم الممانعة، يقال: وهَى عزمه، إذا تسامح وتساهل، وفي المثل «أوهى من بيت العنكبوت» يضرب لعدم نهوض الحجة. وتقييده بـ {يومئذٍ} أن الوهي طرا عليها بعد أن كانت صلبة بتماسك أجزائها وهو المعبر عنه في القرآن بالرتق كما عبر عن الشق بالفتق، أي فهي يومئذٍ مطروقة مسلوكة. والوهي: قريب من الوهن، والأكثر أن الوهْي يوصف به الأشياء غير العاقلة، والوهن يوصف به الناس. والمعنى: أن الملائكة يترددون إليها صعوداً ونزولاً خلافاً لحالها مِن قبلُ قال تعالى: {أية : فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان}تفسير : [الرحمن: 37]. وجملة {والمَلَك على أرجائها،}حال من ضمير {فهي}، أي ويومئذٍ الملك على أرجائها. و {المَلك}: أصله الواحد من الملائكة، وتعريفه هنا تعريف الجنس وهو في معنى الجمع، أي جنس المَلَك، أي جماعة من الملائكة أو جميع الملائكة إذا أريد الاستغراق، واستغراق المفرد أصرح في الدلالة على الشمول، ولذلك قال ابن عباس: الكتابُ أكْثَرُ من الكُتب، ومنه {أية : ربّ إني وهَن العظمُ منّي}تفسير : [مريم: 4]. والأرجاء: النواحي بلُغة هذيل، واحدُها رجَا مقصوراً وألفه منقلبة عن الواو. وضمير {أرجائها} عائد إلى {السماء}. والمعنى: أن الملائكة يعملون في نواحي السماء ينفّذون إنزال أهل الجنة بالجنة وسَوق أهل النار إلى النار. وعرش الرب: اسم لما يحيط بالسماوات وهو أعظم من السماوات. والمراد بالثمانية الذين يحملون العرش: ثمانيةٌ من الملائكة، فقيل: ثمانية شخوص، وقيل: ثمانية صُفوف، وقيل ثمانية أعشار، أي نحو ثمانين من مجموع عدد الملائكة، وقيل غير ذلك، وهذا من أحوال الغيب التي لا يتعلق الغرض بتفصيلها، إذ المقصود من الآية تمثيل عظمة الله تعالى وتقريب ذلك إلى الأفهام كما قال في غير آية. ولعل المقصود بالإِشارة إلى ما زاد على الموعظة، هو تعليم الله نبيه صلى الله عليه وسلم شيئاً من تلك الأحوال بطريقة رمزية يفتح عليه بفهم تفصيلها ولم يُرد تشغيلنا بعلمها. وكأنَّ الدَّاعي إلى ذكرهم إجمالاً هو الانتقال إلى الأخبار عن عرش الله لئلا يكون ذكره اقتضاباً بعد ذكر الملائكة. وروى الترمذي عن العباس بن عبد المطلب عن النبي حديثاً ذكر فيه أبْعَادَ ما بين السماوات، وفي ذكر حملة العرش رموز ساقها الترمذي مساق التفسير لهذه الآية، وأحد رواتِه عبد الله بن عُميرة عن الأحْنف بن قيس قال البخاري: لا نعلم له سماعاً عن الأحنف. وهنالك أخبار غير حديث العباس لا يعبأ بها، وقال ابن العربي فيها: إنها متلفقات من أهل الكتاب أو من شعر لأمية بن أبي الصلت، ولم يصح أن النبي أنشد بين يديه فصدّقه. اهـ. وضمير {فوقهم} يعود إلى {المَلك}. ويتعلق {فوقَهم} بـ {يحمل عرش ربّك} وهو تأكيد لما دّل عليه يحمل من كون العرش عالياً فهو بمنزلة القيدين في قوله: {أية : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38]. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وإضافة عرش إلى الله إضافة تشريف مثل إضافة الكعبة إليه في قوله: {أية : وطهر بيتي للطائفين}تفسير : الآية [الحج: 26]، والله منزه عن الجلوس على العرش وعن السكنى في بيت. والخطاب في قوله: {تُعرضون} لجميع الناس بقرينة المقام وما بعد ذلك من التفصيل. والعرض: أصله إمْرار الأشياء على من يريد التأمل منها مثل عرض السلعة على المشتري وعرض الجيش على أميره، وأطلق هنا كناية عن لازمه وهو المحاسبة معَ جواز إرادة المعنى الصريح. ومعنى {لا تخفى منكم خافية}: لا تخفى على الله ولا على ملائكته. وتأنيث {خافية} لأنه وصف لموصوف مؤنث يقدر بالفَعلة من أفعال العباد، أو يقدر بنفْس، أي لا تختبىء من الحساب نفس أي أحد، ولا يلتبس كافر بمؤمن، ولا بارٌّ بفاجر. وجملة {يومئذٍ تعرضون} مستأنفة، أو هي بيان لجملة {فيومئذٍ وقعت الواقعة}، أو بدل اشتمال منها. و {منكم} صفة لـ {خافية} قدمت عليه فتكون حالاً. وتكرير {يومئذٍ} أربعَ مرات لتهويل ذلك اليوم الذي مبدؤه النفخ في الصور ثم يعقبه ما بعده مما ذكر في الجُمل بعده، فقد جرى ذكر ذلك اليوم خمس مرات لأن {فيومئذٍ وقَعَتْ الواقعة} تكرير لـ (إذا) من قوله: {فإذا نفخ في الصور} إذ تقدير المضاف إليه في {يومئذٍ} هو مدلول جملة {فإذا نفخ في الصور}، فقد ذكر زمان النفخ أولاً وتكرر ذكره بعد ذلك أربع مرات. وقرأ الجمهور {لا تخفى} بمثناة فوقية. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بالتحتية لأن تأنيث {خافية} غير حقيقي، مع وقوع الفصل بين الفعل وفاعله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: نفخة واحدة: أي النفخة الأولى. حملت الأرض والجبال: أي رُفعت من أماكنها. فدكتا دكة واحدة: أي ضرب بعضها ببعض فاندكت وصارت كثيبا مهيلا. وقعت الواقعة: أي قامت القيامة. فهي يومئذ واهية: أي مسترخية ضعيفة القوة. على أرجائها: أي على أطرافها وحافاتها. ثمانية: أي من الملائكة وهم حملة العرش الأربعة وزيد عليهم أربعة. لا تخفى منكم خافية: أي لا تخفى منكم سريرة من السرائر التي تخفونها. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن القيامة تقريرا لعقيدة البعث والجزاء التي هي الدافع إلى فعل الخير وترك الشر في الدنيا فقال تعالى {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} أي نفخ إسرافيل في الصور الذي هو البوق أو القرن النفخة الأولى وهو المراد بقوله {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}، وقوله تعالى {وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} أي ضرب بعضها ببعض فاندكت فصارت هباء منبثا، {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} أي قامت القيامة {وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} أي انفطرت وتمزقت {فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} ضعيفة مسترخية. {وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} أي على أطرافها وحافاتها، {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} أي ثمانية من الملائك أربعة هم حملة العرش دائما وزيد عليهم أربعة فصاروا ثمانية قال تعالى {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ} أي سريرة مما كنتم تسرون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- بيان كيفية الانقلاب الكوني لنهاية الحياة الأولى وبداية الحياة الثانية. 3- تقرير العرض على الله عز وجل للحساب ثم الجزاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَاحِدَةٌ} (13) - فَإِذَا نَفَخَ إِسْرَافِيلُ، عَلَيهِ السَّلاَمُ، النَّفْخَةَ الأُوْلَى فِي الصُّورِ (وَهُوَ قَرْنٌ إِذَا نُفِخَ فِيهِ أَحْدَثَ صَوْتاً) هَلَكَ العَالَمُ، وَلاَ يَحْتَاجُ الأَمْرُ إِلَى نَفْخَةٍ أُخْرَى - لأَِنَّ أَمْرَ اللهِ وَاحِدٌ لاَ يُخَالَفُ وَلاَ يُمَانَعُ وَلاَ يُكَرَّرُ. الصُّورْ - قَرْنٌ إِذَا نُفِخَ فِيهِ أَحْدَثَ صَوْتاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر ما فعله تعالى بالمكذبين لرسله وكيف جازاهم وعجل لهم العقوبة في الدنيا وأن الله نجى الرسل وأتباعهم كان هذا مقدمة لذكر الجزاء الأخروي وتوفية الأعمال كاملة يوم القيامة. فذكر الأمور الهائلة التي تقع أمام القيامة وأن أول ذلك أنه ينفخ إسرافيل { فِي الصُّورِ } إذا تكاملت الأجساد نابتة. { نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ } فتخرج الأرواح فتدخل كل روح في جسدها فإذا الناس قيام لرب العالمين. { وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً } أي: فتتت الجبال واضمحلت وخلطت بالأرض ونسفت على الأرض فكان الجميع قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. هذا ما يصنع بالأرض وما عليها. وأما ما يصنع بالسماء، فإنها تضطرب وتمور وتتشقق ويتغير لونها، وتهي بعد تلك الصلابة والقوة العظيمة، وما ذاك إلا لأمر عظيم أزعجها، وكرب جسيم هائل أوهاها وأضعفها. { وَالْمَلَكُ } أي: الملائكة الكرام { عَلَى أَرْجَائِهَا } أي: على جوانب السماء وأركانها، خاضعين لربهم، مستكينين لعظمته. { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ } أملاك في غاية القوة إذا أتى للفصل بين العباد والقضاء بينهم بعدله وقسطه وفضله. ولهذا قال: { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } على الله { لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } لا من أجسامكم وأجسادكم ولا من أعمالكم [وصفاتكم]، فإن الله تعالى عالم الغيب والشهادة. ويحشر العباد حفاة عراة غرلا في أرض مستوية، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، فحينئذ يجازيهم بما عملوا، ولهذا ذكر كيفية الجزاء، فقال: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):