٦٩ - ٱلْحَاقَّة
69 - Al-Haqqa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هاء صوت يصوت به، فيفهم منه معنى خذ كأف وحس، وقال أبو القاسم الزجاجي وفيه لغات وأجودها ما حكاه سيبويه عن العرب فقال: ومما يؤمر به من المبنيات قولهم: هاء يا فتى، ومعناه تناول ويفتحون الهمزة ويجعلون فتحها علم المذكر كما قالوا: هاك يا فتى، فتجعل فتحة الكاف علامة المذكر ويقال للإثنين: هاؤما، وللجمع هاؤموا وهاؤم والميم في هذا الموضع كالميم في أنتما وأنتم وهذه الضمة التي تولدت في همزة هاؤم إنما هي ضمة ميم الجمع لأن الأصل فيه هاؤموا وأنتموا فاشبعوا الضمة وحكموا للإثنين بحكم الجمع لأن الإثنين عندهم في حكم الجمع في كثير من الأحكام. المسألة الثانية: إذا اجتمع عاملان على معمول واحد، فإعمال الأقرب جائز بالاتفاق وإعمال الأبعد هل يجوز أم لا؟ ذهب الكوفيون إلى جوازه والبصريون منعوه، واحتج البصريون على قولهم: بهذه الآية، لأن قوله: {هَاؤُمُ } ناصب، وقوله: {ٱقْرَؤُاْ } ناصب أيضاً، فلو كان الناصب هو الأبعد، لكان التقدير: هاؤم كتابيه، فكان يجب أن يقول: اقرأوه، ونظيره {أية : آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } تفسير : [الكهف:96] واعلم: أن هذه الحجة ضعيفة لأن هذه الآية دلت على أن الواقع ههنا إعمال الأقرب وذلك لا نزاع فيه إنما النزاع في أنه هل يجوز إعمال الأبعد أم لا، وليس في الآية تعرض لذلك، وأيضاً قد يحذف الضمير لأن ظهوره يغني عن التصريح به كما في قوله: {أية : وَٱلذكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذاكِرٰتِ } تفسير : [الأحزاب:35] فلم لا يجوز أن يكون ههنا كذلك، ثم احتج الكوفيون بأن العامل الأول متقدم في الوجود على العامل الثاني، والعامل الأول حين وجد اقتضى معمولاً لامتناع حصول العلة دون المعمول، فصيرورة المعمول معمولاً للعامل الأول متقدم على وجود العامل الثاني، والعامل الثاني إنما وجد بعد أن صار معمولاً للعامل الأول فيستحيل أن يصير أيضاً معمولاً للعامل الثاني، لامتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين، ولامتناع تعليل ما وجد قبل بما يوجد بعد، وهذه المسألة من لطائف النحو. المسألة الثالثة: الهاء للسكت {فِى كِتَـٰبيَهْ } وكذا في {أية : حِسَابِيَهْ } تفسير : [الحاقة:20] و{أية : مالية} تفسير : [الحاقة:28] و {أية : سلطانية} تفسير : [الحاقة:29] وحق هذه الهاءات أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، ولما كانت هذه الهاءات مثبتة في المصحف والمثبتة في المصحف لا بد وأن تكون مثبتة في اللفظ، ولم يحسن إثباتها في اللفظ إلا عند الوقف، لا جرم استحبوا الوقف لهذا السبب. وتجاسر بعضهم فأسقط هذه الهاءات عند الوصل، وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء بغيرها. وقرأ جماعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف جميعاً لاتباع المصحف. المسألة الرابعة: اعلم أنه لما أوتي كتابيه بيمينه، ثم إنه يقول: {هَاؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ } دل ذلك على أنه بلغ الغاية في السرور لأنه لما أعطى كتابه بيمينه علم أنه من الناجين ومن الفائزين بالنعيم، فأحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله. وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته. ثم إنه تعالى حكى عنه أنه يقول:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} إعطاء الكتاب باليمين دليلٌ على النجاة. وقال ابن عباس: أوّلُ مَن يُعطَى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس. قيل له: فأين أبو بكر؟ فقال هيهات هيهات زَفَّته الملائكة إلى الجنة. ذكره الثعلبي. وقد ذكرناه مرفوعاً من حديث زيد بن ثابت بلفظه ومعناه في كتاب «التذكرة». والحمد لله. {فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} أي يقول ذلك ثقةً بالإسلام وسروراً بنجاته؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح، والشِّمال من دلائل الغَمّ. قال الشاعر:شعر : أبِينِي أفي يُمْنَى يَدَيْكِ جعلتِني فأفرح أم صيَّرتنِي في شمالِك تفسير : ومعنى: «هَاؤُمُ» تعالوا؛ قاله ابن زيد. وقال مقاتل: هَلُمَّ. وقيل: أي خذوا؛ ومنه الخبر في الربا «إلا هَاءَ وَهَاءَ» أي يقول كلّ واحد لصاحبه: خذ. قال ابن السِّكيّت والكسائي: العرب تقول هاءَ يا رجُل ٱقرأ، وللاثنين هاؤما يا رجلان، وهاؤم يا رجال، وللمرأة هاءِ (بكسر الهمزة) وهاؤما وهاؤُمْنَ. والأصل هاكم فأبدلت الهمزة من الكاف؛ قاله القتيبي. وقيل: إن «هاؤم» كلمةٌ وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح. حديث : روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداه أعرابي بصوت عالٍ فأجابه النبيّ صلى الله عليه وسلم«هاؤم» تفسير : يطوّل صوته. «وَكِتَابِيَهْ» منصوب بـ «ـهاؤم» عند الكوفيين. وعند البصريين بـ «ـاقرءوا» لأنه أقرب العاملين. والأصل «كتابي» فأدخلت الهاء لتبيّن فتحة الياء، وكان الهاء للوقف، وكذلك في أخواته: «حِسَابِيَهْ، وماليه، وسلطانيه» وفي القارعة «ماهيه». وقراءة العامة بالهاء فيهن في الوقف والوصل معاً؛ لأنهنّ وقعن في المصحف بالهاء فلا تترك. واختار أبو عبيد أن يتعمد الوقف عليها ليوافق اللغة في إلحاق الهاء في السَّكْت ويوافق الخط. وقرأ ٱبن مُحَيْصِن ومجاهد وحميد ويعقوب بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف فيهن جُمَع. ووافقهم حمزة في «ماليه وسلطانيه»، و «ماهيه» في القارعة. وجملة هذه الحروف سبعة. وٱختار أبو حاتم قراءة يعقوب ومن معه اتباعاً للغة. ومن قرأهن في الوصل بالهاء فهو على نية الوقف. {إِنِّي ظَنَنتُ} أي أيقنت وعلمت، عن ابن عباس وغيره. وقيل: أي إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي عذبني فقد تفضل عليّ بعفوه ولم يؤاخذني بها. قال الضحاك: كل ظَنٍّ في القرآن من المؤمن فهو يقين. ومن الكافر فهو شكّ. وقال مجاهد: ظَنُّ الآخرة يقين، وظَنُّ الدنيا شكّ. وقال الحسن في هذه الآية: إن المؤمن أحسنَ الظن بربّه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بربّه فأساء العمل. {أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ} أي في الآخرة ولم أنكر البعث؛ يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب، لأنه تيقّن أن الله يحاسبه فعمل للآخرة. {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي في عَيش يرضاه لا مكروه فيه. وقال أبو عبيدة والفرّاء: «رَاضِيَةٍ» أي مرضية؛ كقولك: ماء دافق؛ أي مدفوق. وقيل: ذات رِضاً؛ أي يرضى بها صاحبها. مثل لابِن وتامِر؛ أي صاحب اللبن والتمر. وفي الصحيح: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «حديث : أنهم يعيشون فلا يموتون أبداً ويصحّون فلا يَمْرَضون أبداً ويَنْعَمون فلا يَرَوْن بؤساً أبداً ويَشبّون فلا يَهْرَمُون أبداً»تفسير : . {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي عظيمة في النفوس. {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} أي قريبة التناول، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع على ما يأتي بيانه في سورة «الإنسان». والقُطُوف جمعِ قطف (بكسر القاف) وهو ما يُقطف من الثمار. والقَطْف (بالفتح المصدر). والْقِطَاف (بالفتح والكسر) وقت القطف. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} أي يقال لهم ذلك. {هَنِيئَاً} لا تكدير فيه ولا تنغيص. {بِمَآ أَسْلَفْتُمْ} قدّمتم من الأعمال الصالحة. {فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} أي في الدنيا. وقال: «كُلُوا» بعد قوله: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} لقوله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ} و «مَن» يتضمن معنى الجمع. وذكر الضحاك أن هذه الآية نزلت في أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ؛ وقاله مقاتل. والآية التي تليها في أخيه الأسود بن عبد الأسد؛ في قول ٱبن عباس والضحاك أيضاً؛ قاله الثعلبيّ. ويكون هذا الرجل وأخوه سبب نزول هذه الآيات. ويعمّ المعنى جميع أهل الشقاوة وأهل السعادة؛ يدل عليه قوله تعالى: «كُلُوا وَٱشْرَبُوا». وقد قيل: إن المراد بذلك كلُّ من كان متبوعاً في الخير والشر. فإذا كان الرجل رأساً في الخير، يدعو إليه ويأمر به ويكثر تَبَعه عليه، دُعيَ بٱسمه وٱسم أبيه فيتقدّم، حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض، في باطنه السيئات وفي ظاهره الحسنات؛ فيبدأ بالسيئات فيقرأها فيُشْفِق ويصفرّ وجهه ويتغيّر لونه؛ فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه سيئاتك وقد غفرت لك» فيفرح عند ذلك فرحاً شديداً، ثم يقلب كتابَه فيقرأ حسناتِه فلا يزداد إلا فرحاً؛ حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه حسناتك قد ضُوعفت لك» فيبيض وجهه ويُؤْتى بتاج فيوضع على رأسه، ويُكْسَى حُلَّتين، ويُحلّى كل مفصل منه ويطول ستين ذراعاً وهي قامة آدم عليه السلام؛ ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم وبشّرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا. فإذا أدبر قال: {هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} }. قال الله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي مرضيّة قد رضيها {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} في السماء «قُطُوفُهَا» ثمارها وعناقيدها. «دَانَيِةٌ» أدنيت منهم. فيقول لأصحابه: هل تعرفوني؟ فيقولون: قد غمرتك كرامة، من أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان أبشّر كلَّ رجلٍ منكم بمثل هذا. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} أي قدَّمتم في أيام الدنيا. وإذا كان الرجل رأساً في الشر، يدعو إليه ويأمر به فيكثر تبعه عليه، نودي بٱسمه وٱسم أبيه فيتقدم إلى حسابه، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرأها ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه حسناتك وقد رُدّت عليك» فيسودّ وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من الخير، ثم يقلب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزناً، ولا يزداد وجهه إلاّ سواداً، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك» أي يضاعف عليه العذاب. ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل ـ قال ـ فيعظم للنار وتزرقّ عيناه ويسودّ وجهه، ويكسى سرابيل القَطِرَان ويقال له: انطلق إلى أصحابك وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا؛ فينطلق وهو يقول: {يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ} يتمنىّ الموت. {هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} تفسير ابن عباس: هلكتْ عني حُجتي. وهو قول مجاهد وعِكرمة والسدّي والضحاك. وقال ابن زيد: يعني سلطانيه في الدنيا الذي هو المُلْك. وكان هذا الرجل مطاعاً في أصحابه؛ قال الله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ} قيل: يبتدره مائة ألف مَلَك ثم تجمع يده إلى عنقه وهو قوله عز وجل: «فَغُلُّوهُ» أي شدّوه بالأغلال {ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ} أي اجعلوه يَصْلَى الجحيم {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً} الله أعلم بأيّ ذراع، قاله الحسن. وقال ابن عباس: سبعون ذراعاً بذراع المَلَك. وقال نَوْف: كل ذراع سبعون باعاً، وكل باع أبعد ما بينك وبين مكة. وكان في رحبة الكوفة. وقال مقاتل: لو أن حَلْقة منها وُضعت على ذُرْوة جبل لذاب كما يذوب الرّصاص. وقال كعب: إن حَلْقة من السلسلة التي قال الله تعالى ذرعها سبعون ذراعاً ـ أن حلقة منها ـ مثل جميع حديدِ الدنيا. {فَاسْلُكُوهُ } قال سفيان: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه. وقاله مقاتل. والمعنى ثم ٱسلكوا فيه سلسلة. وقيل: تدخل عنقه فيها ثم يجرّ بها. وجاء في الخبر: أنها تدخل من دبره وتخرج من مَنْخِرَيْهِ. وفي خبر آخر: تدخل مِن فيه وتخرج من دبره، فينادي أصحابه هل تعرفوني؟ فيقولون لا، ولكن قد نرى ما بك من الخزي فمن أنت؟ فينادي أصحابه أنا فلان بن فلان، لكل إنسان منكم مثل هذا. قلت: وهذا التفسير أصح ما قيل في هذه الآية، يدلّ عليه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}تفسير : .[الإسراء:71] وفي الباب حديث أبي هريرة بمعناه خَرّجه الترمذيّ. وقد ذكرناه في سورة «سبحان» فتأمله هناك. {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ} {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} أي على الإطعام، كما يوضع العطاء موضع الإعطاء. قال الشاعر:شعر : أكُفْراً بعد رَدّ الموت عنّي وبعد عطائك المائةَ الرِّتَاعَا تفسير : أراد بعد إعطائك. فبيّن أنه عُذّب على ترك الإطعام وعلى الأمر بالبخل، كما عُذّب بسبب الكفر. والحَضُّ: التحريض والحَثّ. وأصل «طعام» أن يكون منصوباً بالمصدر المقدّر. والطعام عبارة عن العين، وأضيف للمسكين للملابسة التي بينهما. ومن أعمل الطعام كما يعمل الإطعام فموضع المسكين نصب. والتقدير على إطعام المطْعِم المسكين؛ فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى المفعول.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه، وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه: {هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ} أي: خذوا اقرؤوا كتابيه؛ لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة؛ لأنه ممن بدل الله سيئاته حسنات. قال عبد الرحمن بن زيد: معنى {هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ} أي: ها اقرؤوا كتابيه، و (ؤم) زائدة، كذا قال، والظاهر أنها بمعنى هاكم. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مطر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم الأحول عن أبي عثمان قال: المؤمن يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله، فيقرأ سيئاته، فكلما قرأ سيئة، تغير لونه، حتى يمر بحسناته فيقرؤها، فيرجع إليه لونه، ثم ينظر، فإذا سيئاته قد بدلت حسنات، قال: فعند ذلك يقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه. وحدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: إن الله يوقف عبده يوم القيامة، فيبدي، أي: يظهر سيئاته في ظهر صحيفته، فيقول له: أنت عملت هذا؟ فيقول: نعم أي رب فيقول له: إني لم أفضحك به، وإني قد غفرت لك، فيقول عند ذلك: هاؤم اقرؤوا كتابيه، { إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ} حين نجا من فضيحته يوم القيامة. وقد تقدم في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يدني الله العبد يوم القيامة، فيقرره بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد هلك، قال الله تعالى: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق، فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين» تفسير : وقوله تعالى: { إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ} أي: قد كنت موقناً في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة؛ كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ} تفسير : [البقرة: 46] قال الله تعالى: { فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي: مرضية { فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السكوني، حدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: «حديث : نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم»تفسير : . وقد ثبت في الصحيح: «حديث : إن الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»تفسير : . وقاله تعالى: { قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} قال البراء بن عازب: أي: قريبة، يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره، وكذا قال غير واحد. قال الطبراني حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عطاء بن يسار عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يدخل أحد الجنّة إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية» تفسير : وكذا رواه الضياء في صفة الجنّة من طريق سعدان بن سعيد عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يعطى المؤمن جوازاً على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية» تفسير : وقوله تعالى: { كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} أي: يقال لهم ذلك؛ تفضلاً عليهم، وامتناناً وإنعاماً وإحساناً، وإلا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : اعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحداً منكم لن يدخله عمله الجنة» تفسير : قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «حديث : ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ } خطاباً لجماعته لما سر به {هَآؤُمُ } خذوا {ٱقْرَءُوُاْ كِتَٰبيَهْ } تنازع فيه «هاؤم واقرؤوا».
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه العرض ذكر ما يكون فيه، فقال: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ } أي: أعطي كتابه الذي كتبته الحفظة عليه من أعماله {فَيَقُولُ هَاؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ } يقول ذلك سروراً وابتهاجاً. قال ابن السكيت، والكسائي: العرب تقول: ها يا رجل، وللاثنين هاؤما يا رجلان، وللجمع هاؤم يا رجال. قيل: والأصل هاؤكم، فأبدلت الهمزة من الكاف، قال ابن زيد: ومعنى {هاؤم}: تعالوا. وقال مقاتل: هلم. وقيل: خذوا؛ والذي صرح به النحاة أنها بمعنى خذ، يقول: ها بمعنى خذ، وهاؤما بمعنى خذا، وهاؤم بمعنى خذوا، فهي اسم فعل، وقد يكون فعلاً صريحاً لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها، وفيها ثلاث لغات، كما هو معروف في علم الإعراب، وقوله: {كِتَـٰبيَهْ } معمول لقوله: {اقرءوا} لأنه أقرب الفعلين، ومعمول {هَاؤُمُ} محذوف يدل عليه معمول {اقرءوا} والتقدير: هاؤم كتابيه اقرءوا كتابيه، والهاء في كتابيه وحسابيه وسلطانيه وماليه، هي هاء السكت. قرأ الجمهور في هذه بإثبات الهاء وقفاً ووصلاً مطابقة لرسم المصحف، ولولا ذلك لحذفت في الوصل، كما هو شأن هاء السكت، واختار أبو عبيد أن يتعمد الوقف عليها ليوافق اللغة في إلحاق الهاء في السكت، ويوافق الخط، يعني: خط المصحف. قرأ ابن محيصن، وابن أبي إسحاق، وحميد، ومجاهد، والأعمش، ويعقوب بحذفها وصلاً، وإثباتها وقفاً في جميع هذه الألفاظ. ورويت هذه القراءة عن حمزة، واختار أبو حاتم هذه القراءة اتباعاً للغة. وروي عن ابن محيصن أنه قرأ بحذفها وصلاً ووقفاً. {إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ } أي: علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في الآخرة. وقيل المعنى: إني ظننت أن يأخذني الله بسيئاتي، فقد تفضل عليّ بعفوه ولم يؤاخذني. قال الضحاك: كل ظنّ في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. قال مجاهد: ظن الآخرة يقين وظنّ الدنيا شك. قال الحسن في هذه الآية: إن المؤمن أحسن الظنّ بربه فأحسن العمل للآخرة، وإن الكافر أساء الظنّ بربه فأساء العمل. قيل: والتعبير بالظنّ هنا للإشعار بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها العلوم النظرية غالباً {فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } أي: في عيشة مرضية لا مكروهة، أو ذات رضى أي: يرضى بها صاحبها. قال أبو عبيدة، والفراء: راضية أي: مرضية كقوله: {أية : مَّاء دَافِقٍ }تفسير : [الطارق: 6] أي: مدفوق، فقد أسند إلى العيشة ما هو لصاحبها، فكان ذلك من المجاز في الإسناد {فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } أي: مرتفعة المكان لأنها في السماء، أو مرتفعة المنازل، أو عظيمة في النفوس. {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ } القطوف: جمع قطف بكسر القاف، ما يقطف من الثمار، والقطف بالفتح المصدر، والقطاف بالفتح والكسر وقت القطف، والمعنى: أن ثمارها قريبة ممن يتناولها من قائم أو قاعد أو مضطجع. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } أي: يقال لهم: كلوا واشربوا في الجنة {هَنِيئَاً } أي: أكلاً وشرباً هنيئاً لا تكدير فيه ولا تنغيص {بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ } أي: بسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا. وقال مجاهد: هي أيام الصيام. {وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ } حزناً وكرباً لما رأى فيه من سيئاته {فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ } أي: لم أعط كتابيه {وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ } أي: لم أدر أيّ شيء حسابي. لأن كله عليه. {يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ } أي: ليت الموتة التي متّها كانت القاضية، ولم أحي بعدها، ومعنى ٱلْقَاضِيَةَ: القاطعة للحياة، والمعنى: أنه تمنى دوام الموت، وعدم البعث لما شاهد من سوء عمله وما يصير إليه من العذاب، فالضمير في ليتها يعود إلى الموتة التي قد كان ماتها، وإن لم تكن مذكورة؛ لأنها لظهورها كانت كالمذكورة. قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء عنده أكره منه، وشرّ من الموت ما يطلب منه الموت. وقيل: الضمير يعود إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، والمعنى: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت عليّ. {مَا أَغْنَىٰ عَنّى مَالِيَهْ } أي: لم يدفع عني من عذاب الله شيئًا على أن ما نافية، أو استفهامية، والمعنى: أيّ شيء أغنى عني مالي. {هَلَكَ عَنّى سُلْطَـٰنِيَهْ } أي: هلكت عني حجتي وضلت عني، كذا قال مجاهد، وعكرمة، والسديّ، والضحاك. وقال ابن زيد: يعني: سلطاني الذي في الدنيا، وهو الملك، وقيل: تسلطي على جوارحي. قال مقاتل: يعني: حين شهدت عليه الجوارح بالشرك، وحينئذٍ يقول الله عزّ وجلّ: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ } أي: اجمعوا يده إلى عنقه بالأغلال. {ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ } أي: أدخلوه الجحيم، والمعنى: لا تصلوه إلاّ الجحيم، وهي النار العظيمة {ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ } السلسلة حلق منتظمة، وذرعها طولها. قال الحسن: الله أعلم بأيّ ذراع هو. قال نوف الشامي: كل ذراع سبعون باعاً كل باع أبعد مما بينك وبين مكة، وكان نوف في رحبة الكوفة. قال مقاتل: لو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص، ومعنى {فَاْسْلُكُوهُ }: فاجعلوه فيها، يقال: سلكته الطريق إذا أدخلته فيه. قال سفيان: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه. قال الكلبي: تسلك سلك الخيط في اللؤلؤ. وقال سويد بن أبي نجيح: بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة، وتقديم السلسلة للدلالة على الاختصاص كتقديم الجحيم، وجملة: {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ } تعليل لما قبلها. {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } أي: لا يحث على إطعام المسكين من ماله، أو لا يحث الغير على إطعامه، ووضع الطعام موضع الإطعام، كما يوضع العطاء موضع الإعطاء، كما قال الشاعر:شعر : أكفراً بعد ردّ موتي عني وبعد عطائك المال الرعابا تفسير : أي: بعد إعطائك، ويجوز أن يكون الطعام على معناه غير موضوع موضع المصدر، والمعنى: أنه لا يحث نفسه أو غيره على بذل نفس طعام المسكين، وفي جعل هذا قريناً لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدّق على المساكين وسدّ فاقتهم، وحثّ النفس والناس على ذلك ما يدلّ أبلغ دلالة، ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشدّ المآثم. {فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٍ} أي: ليس له يوم القيامة في الآخرة قريب ينفعه أو يشفع له؛ لأنه يوم يفرّ فيه القريب من قريبه، ويهرب عنده الحبيب من حبيبه. {وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ } أي: وليس له طعام يأكله إلاّ من صديد أهل النار، وما ينغسل من أبدانهم من القيح والصديد، وغسلين فعلين من الغسل. وقال الضحاك، والربيع بن أنس: هو شجر يأكله أهل النار. وقال قتادة: هو شرّ الطعام. وقال ابن زيد: لا يعلم ما هو ولا ما الزقوم إلاّ الله تعالى. وقال سبحانه في موضع آخر {أية : لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} تفسير : [ الغاشية: 6]، فيجوز أن يكون الضريع هو الغسلين. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى فليس له اليوم ها هنا حميم إلاّ من غسلين على أن الحميم هو الماء الحار. {وَلاَ طَعَامٌ } أي: ليس لهم طعام يأكلونه، ولا ملجىء لهذا التقديم والتأخير، وجملة: {لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَـٰطِئُونَ } صفة لغسلين، والمراد أصحاب الخطايا وأرباب الذنوب. قال الكلبي: المراد الشرك. قرأ الجمهور: {الخاطئون} مهموزاً، وهو اسم فاعل من خطىء إذا فعل غير الصواب متعمداً، والمخطىء من يفعله غير متعمد. وقرأ الزهري، وطلحة بن مصرف، والحسن: "الخاطيون" بياء مضمومة بدل الهمزة. وقرأ نافع في رواية عنه بضم الطاء بدون همزة. {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ } هذا ردّ لكلام المشركين كأنه قال: ليس الأمر كما تقولون، ولا زائدة، والتقدير: فأقسم بما تشاهدونه وما لا تشاهدونه. قال قتادة: أقسم بالأشياء كلها ما يبصر منها وما لا يبصر، فيدخل في هذا جميع المخلوقات. وقيل: إن «لا» ليست زائدة، بل هي لنفي القسم، أي: لا أحتاج إلى قسم لوضوح الحقّ في ذلك، والأوّل أولى. {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } أي: إن القرآن لتلاوة رسول كريم، على أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أو إنه لقول يبلغه رسول كريم. قال الحسن، والكلبي، ومقاتل: يريد به جبريل، دليله قوله: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ } تفسير : [التكوير: 19 ـ 20] وعلى كل حال، فالقرآن ليس من قول محمد، ولا من قول جبريل عليه السلام، بل هو قول الله، فلا بدّ من تقدير التلاوة أو التبليغ. {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ } كما تزعمون؛ لأنه ليس من أصناف الشعر ولا مشابه لها {قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ } أي: إيماناً قليلاً تؤمنون، وتصديقاً يسيراً تصدقون، و"ما" زائدة {وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ } كما تزعمون، فإن الكهانة أمر آخر لا جامع بينها وبين هذا {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أي: تذكراً قليلاً، أو زماناً قليلاً تتذكرون، وما زائدة، والقلة في الموضعين بمعنى النفي أي: لا تؤمنون ولا تتذكرون أصلاً {تَنزِيلٌ مّن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو تنزيل. وقرأ أبو السماك بالنصب على المصدرية بإضمار فعل أي: نزل تنزيلاً، والمعنى: إنه لقول رسول كريم، وهو تنزيل من ربّ العالمين على لسانه. {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأقَاوِيلِ } أي: ولو تقوّل ذلك الرسول، وهو محمد أو جبريل على ما تقدّم، والتقوّل تكلف القول، والمعنى: أو تكلف ذلك وجاء به من جهة نفسه، وسمي الافتراء تقوّلاً لأنه قول متكلف، وكلّ كاذب يتكلف ما يكذب به. قرأ الجمهور: {تقوّل} مبنياً للفاعل. وقرىء مبنياً للمفعول مع رفع بعض. وقرأ ابن ذكوان "ولو يقول" على صيغة المضارع، والأقاويل جمع أقوال، والأقوال جمع قول. {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ } أي: بيده اليمين. قال ابن جرير: إن هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقب. وقال الفراء، والمبرد، والزجاج، وابن قتيبة: {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ } أي: بالقوّة والقدرة. قال ابن قتيبة: وإنما أقام اليمين مقام القوّة؛ لأن قوّة كل شيء في ميامنه، ومن هذا قول الشاعر:شعر : إذا ما راية نصبت لمجد تلقاها عرابة باليمين تفسير : وقول الآخر:شعر : ولما رأيت الشمس أشرق نورها تناولت منها حاجتي بيميني تفسير : {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ } الوتين عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه. قال الواحدي: والمفسرون يقولون: إنه نياط القلب. انتهى. ومن هذا قول الشاعر:شعر : إذا بلغتني وحملت رحلي عرابة فاشرقي بدم الوتين تفسير : {فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ } أي: ليس منكم أحد يحجزنا عنه ويدفعنا منه، فكيف يتكلف الكذب على الله لأجلكم، مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناه، ولا تقدرون على الدفع منه، والحجز: المنع {وحاجزين} صفة لأحد، أو خبر لما الحجازية. {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } أي: إن القرآن لتذكرة لأهل التقوى لأنهم المنتفعون به. {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذّبِينَ } أي: أن بعضكم يكذب بالقرآن، فنحن نجازيهم على ذلك، وفي هذا وعيد شديد {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي: وإن القرآن لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين، وقيل: هي حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند تحدّيهم بأن يأتوا بسورة من مثله. {وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ } أي: وإن القرآن لكونه من عند الله حقّ، فلا يحول حوله ريب ولا يتطرّق إليه شك. {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } أي: نزهه عما لا يليق به. وقيل: فصلّ لربك، والأوّل أولى. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {إِنّى ظَنَنتُ } قال: أيقنت. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ } قال: قريبة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن البراء في الآية قال: يتناول الرجل من فواكهها وهو قائم. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {فَاْسْلُكُوهُ } قال: السلسلة تدخل في استه ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود، ثم يشوى. وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي الدرداء قال: إن لله سلسلة لم تزل تغلي منها مراجل النار منذ خلق الله جهنم إلى يوم تلقى في أعناق الناس، وقد نجانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم، فحضي على طعام المسكين يا أمّ الدرداء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الغسلين الدّم والماء والصديد الذي يسيل من لحومهم. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري: عن النبيّ قال: «حديث : لو أن دلواً من غسلين يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا»تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: الغسلين اسم طعام من أطعمة أهل النار. وأخرج ابن جرير عنه {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ } يقول: بما ترون وما لا ترون. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ } قال: بقدرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه قال: {ٱلْوَتِينَ } عرق القلب. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم عنه أيضاً قال: {ٱلْوَتِينَ } نياط القلب. وأخرج ابن المنذر، والحاكم، وصححه عنه أيضاً قال: هو حبل القلب الذي في الظهر.
الماوردي
تفسير : {فأمّا مَنْ أُوتي كتابَه بيمينه} لأن إعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة. {فيقول هاؤم اقْرَؤوا كِتابيهْ} ثقة بسلامته وسروراً بنجاته، لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرج، والشمال من دلائل الغم، قال الشاعر: شعر : أبيني أفي يُمْنَى يديكِ جَعَلْتِني فأفرح أم صيرتني من شِمالِك تفسير : وفي قوله " هاؤمُ" ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى هاكم اقرؤوا كتابيه فأبدلت الهمزة من الكاف، قاله ابن قتيبة. الثاني: أنه بمعنى هلموا اقرؤوا كتابيه، قال الكسائي: العرب تقول للواحد هاءَ وللاثنين هاؤما وللثلاثة هاؤم. الثالث: أنها كلمة وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح روي أن أعرابياً نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت عالٍ فأجابه هاؤم بطول صوته. والهاء من " كتابيه" ونظائرها موضوعة للمبالغة، وذكر الضحاك أنها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد. {إني ظننتُ أني مُلاقٍ حِسابِيَهْ} فيه وجهان: أحدهما: أي علمت، قال الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك، وقال مجاهد: ظن الآخرة يقين، وظن الدنيا شك. الثاني: ما قاله الحسن في هذه الآية، أن المؤمن أحْسن بربه الظن، فأحسن العمل، وأن المنافق أساء بربه الظن فأساء العمل. وفي الحساب ها هنا وجهان: أحدهما: في البعث. الثاني: في الجزاء. {فهو في عِيشَةٍ راضيةٍ} بمعنى مَرْضيّة، قال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري يرفعانه: إنهم يعيشون فلا يموتون أبداً، ويصحّون فلا يمرضون أبداً، ويتنعمون فلا يرون بؤساً أبداً، ويشبّون فلا يهرمون أبداً. {في جنة عالية} يحتمل وجهين: أحدهما: رفيعة المكان. الثاني: عظيمة في النفوس. {قطوفها دانيةٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: دانية من الأيدي يتناولها القائم والقاعد. الثاني: دانية الإدراك لا يتأخر حملها ولا نضجها.
ابن عبد السلام
تفسير : {هَآؤُمُ} أصله هاكم فأبدل أو يا هؤلاء أقرءوا تقول العرب للواحد ها وللأثنين هاؤما وللثلاثة هاؤم أو كلمة وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح. نادى أعرابي الرسول صلى الله عليه وسلم بصوت عالٍ فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم هاؤم بطول صوته.
البقاعي
تفسير : ولما كان من المعلوم أنهم قسمان: محسن ومسيء، وكان التقدير: فنعطي كلاًّ منكم صحيفة أعماله من أفعاله وأقواله وجميع خلائقه وأحواله، فمنكم من تدفع إليه في يمينه فتظهر له حسناته وتستر عنه سيئاته، ومنكم من يعطاها في شمالها فتبدو له سيئاته ويمحي ما كان من حسناته، لأنه أوتي ثوابه في الدنيا بما عجل له من طيباته، عطف عليه مفصلاً له قوله: {فأما من أوتي} بناه للمفعول لأن دلالة السعادة الوقوع في اليمين لا من معط معين {كتابه} أي الذي أثبت فيه أعماله {بيمينه فيقول} لما رأى من سعادته تبجحاً بحاله وإظهاراً لنعمة ربه لأن الإنسان مطبوع على أن يظهر ما آتاه من خير تكميلاً للذته بكبت أعدائه وتفريح أوليائه، قيل: إنه تكتب سيئاته في باطن صحيفته وحسناته في ظاهرها، فيقرأ الباطن ويقرأ الناس الظاهر، فإذا أنهاه قيل له: قد غفرها الله، اقلب الصحيفة، فحينئذ يكون قوله: {هاؤم} أي خذوا أيها الحاضرون من الخلائق الملائكة وغيرهم، فيها صوت يفهم منه معنى: خذوا، ويوصل تارة بالكاف وتارة بالهمزة، اسم فعل، وإنما اختارها هنا ليعلم أن خطابها لجميع أهل الموقف من كان منهم باطناً من الملائكة والجن وغيرهم، ومن كان منهم ظاهراً لأن الألف عند الربانيين غيب وإحاطة كما دل عليها مخرجها، فهي عبارة عندهم عن القائم الأعلى المحيط، وروي معنى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، والهمزة بدء غيبه ولذا كان مخرجها أقصى الحروف الحلقية دلالة على ذلك، وبدء غيب الله سبحانه وتعالى أفعاله وهي تشمل الظاهر والخفي أصلها الكاف فهي عندهم ظهور متكامل ذو استقلال، وهو من يكون من شأنه الظهور، وأبناء الجنس أحق بهذا، وقد دل على ذلك مخرج الكاف الذي بعد القاف من أصل اللسان الأقرب إلى وسطه، ومفعول "ما" محذوف عند البصريين دل عليه "كتابيه" من قوله: {اقرءوا كتابيه *} وهاؤه للسكت، كأنها إشارة إلى شدة الكرب في ذلك اليوم للدلالة على أنه إذا كان هذا السعيد بسكت في كل جملة للاستراحة لا يقدر في الكلام على المضي فما الظن بغيره، وتشير أيضاً مع ذلك إلى فراغ الأمر ونجازة الجزم به والوثوق بأنه لا يغير. ولما كانت حقيقة الحساب ذكر الأعمال والمجازاة عليها، وكان الآدمي - لأنه مجبول على النقص - لا يقدر أن يقدر الله حق قدره، وكلما كان الإنسان أعلى كان الاستشعار والنقص من نفسه أكثر، وكان من نوقش الحساب - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - عذب، قال مؤكداً لأن من يرى حاله وكتابه ينكر أن يكون له ذنب أو منه تقصير: {إني ظننت} أي في هذا اليوم خوفاً من من سوء أعمالي التي أعرفها من نفسي {أني ملاق} أي ثابت لي ثباتاً لا ينفك أني ألقى بين يدي الديان {حسابيه *} لأني كنت جامعاً كما أمرت بين الخوف والرجاء، فأخاف أن يقابل بين حسناتي وبين النعم فلا تقوم لي أصغر نعمة فأعذب على سيئاتي وأرجو غفرانه، فحقق سبحانه رجائي وأمن خوفي، فعلمت الآن أني لا أناقش الحساب، وإنما حسابي العرض وهو الحساب اليسير بأن تعرض أعمالي فلا أجازى على سيئها وأثاب على حسنها مناً ورحمة وفضلاً ونعمة، ويجوز أن يكون الظن في الدنيا، عبر به عن اليقين إشارة إلى أنه يكفي العاقل في الخوف الحامل له على العمل ظن الخطر، وفيه إشعار بهضم النفس لأن الإنسان لا ينفك عن خطرات من الشبه تعرض له وتهجم عليه وإيذان بأن مثل ذلك لا يقدح في الجزم بالاعتقاد وتنبيه على أنه يكفي في إيجاب العمل الظن فيكون حينئذ تعليلاً لإعطاء الكتاب باليمين، وفيه تبكيت للكفار ونداء عليهم بأنهم لم يصلوا في هذا الأمر المحقق إلى مرتبة الظن، فكيف بالمحقق من العلم فأهملوا العمل له فخالفوا. ولما كان تقدير هذا واضحاً، سبب عند ما تأثر عن الحساب اليسير من إعطاء الثواب فقال: {فهو في عيشة} أي حالة من العيش. ولما كان الرضى بالشيء لا يكون إلا إذا بلغ نهاية السؤل وغاية المأمول، قال مسنداً الرضا إلى العيشة كناية عن رضا صاحبها على الوجه الأبلغ: {راضية *} أي ثابت له الرضا ودائم لها لأنها في غاية الحسن والكمال، والعرب لا تعبر عن أكثر السعادات بأكثر من العيشة الراضية بمعنى أن أهلها راضون بها، والمعتبر في كمال اللذة الرضى أو أنه لو كان للعيشة عقل لرضيت لنفسها بحالتها. ولما شوق سبحانه إلى حال صاحب هذه العيشة، وكانت أمراً إجمالياً، فصلها وبينها بالإبدال منها زيادة في التشويق فقال: {في جنة} أي بساتين جامعه لجميع ما يراد منها. ولما كان شرف المسكن العلو قال: {عالية *} أي في المكان والمكانة والأبنية والدرجات والأشجار وكل اعتبار. ولما كان من شأن المعالي عسر الوصول إليه قال: {قطوفها} أي جمع كثرة لقطف - بالكسر وهو ما يجنى من الثمرات المجتمعة في عرق من عروقه {دانية *} أي قريبة المأخذ سهلة التناول جداً، لراكب والقائم والقاعد والمضطجع، كل ذلك على حد سواء دائماً من غير انقطاع ولا كلفة على أحد من أهلها في تناول شيء من ذلك. ولما كان كون الثمار بهذه الصفة دالاً على كثرة الري، وكثرة الري دالة على المشرب، وكانت من مفردات اللفظ عامة المعنى، فكان قد أفرد الضمائر باعتبار لفظها تنصيصاً على كل فرد فرد جمع باعتبار المعنى إعلاماً باشتراك جميع أهلها في النعم حال الانفراد والاجتماع فقال: {كلوا واشربوا} أي مولى لهم ذلك إشارة إلى أن ذلك لا مانع منه وإلى أنهم يؤمرون به صريحاً دلالة على رضا صاحب الجنة لئلا يتنغص عليهم عيشهم بنوع من الأنواع الموهمة للخطر، وحذف المفعول إيذاناً بالتعميم لئلا يظن أنه يستثني منها شيء فيكون سبب الفتنة كما وقع لآدم صلوات الله وسلامه عليه. ولما كان المآكل والمشارب في هذه الدار تورث التخم والأمراض وفيها ما لا يلذ، وكان ما وقع لأبينا آدم وأمنا حواء عليهما الصلاة والسلام على أكلة واحدة من وخامة العاقبة معروفاً، قال مؤمناً من ذلك: {هنيئاً} أي أكلاً طيباً لذيذاً شهياً مع البعد عن كل أذى وسلامة العاقبة بكل اعتبار ولا فضلة هناك من بول ولا غائط ولا بصاق ولا مخاط ولا قرف ولا قذر ولا وهن ولا صداع ولا ثقل ولا شيء مؤذ. ولما شوق إلى المسببات حملهم على أسبابهم وحضهم على المسابقة في تحصيلها والمثابرة والمداومة على الاستكثار منها؛ فقال زيادة في لذتهم بأن ذلك على وجه العوض لا امتنان عليهم في شيء منه لأحد من الخلق، فإن أحب ما إلى الإنسان أن يأكل مما أفادته يمينه وحصله بعمله مع ما في ذلك من الشرف: {بما أسلفتم} أي أعطيتم من أنفسكم لآخرتكم طوعاً من الأعمال الصالحة وبما تركتم من الدنيا مما هو سافل بالنسبة إلى ما عوضتم عنه من أعمال القلب والبدن والمال {في الأيام} ولما كان سبحانه قد ضمن كل ما يشتغل به الإنسان من مصالح دنياه فهو واصل إليه لا محالة وإن فرغ أوقاته كلها لعبادة ربه قال: {الخالية *} أي الماضية في الدنيا التي انقضت وذهبت واسترحتم من تعبها والتي لا شاغل فيها عن العبادة. إما بترك الاشتغال بالمعاش للواصل إلى درجة التوكل، وإما بالسعي على وجه الاقتصاد بقصد المساعدة للعباد في أمور هذه الدار والإفضال عليهم وإن لا يكون كلاًّ عليهم من غير اعتماد على السعي بل امتثالاً للأمر مع القناعة بالكفاف.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ}[19] أي فيقول: هاكم اقرؤوا كتابي بما فيه من أنواع الطاعات.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاما} تفصيل لاحكام العرض {من} موصولة {اوتى كتابه} اى مكتوبه الذى كتبت الحفظة فيه تفاصيل اعماله {بيمينه} تعظيما له لان اليمين يتيمن بها والباء بمعنى فى او للالصاق وهو الاوجه والمراد منهم الابرار فان ال مقربين لا كتاب لهم ولا حساب لهم لمكانتهم من الله تعالى وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه عليه السلام قال حديث : اول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الامة عمر بن الخطاب وله شعاع كشعاع الشمستفسير : قيل له فأين أبو بكر فقالحديث : هيهات زفته الملائكة الى الجنة تفسير : يقول الفقير لعل هذا مكافاة له حين اخذ سيفه بيده وخرج من دار الارقم وهو يظهر الاسلام على ملأ من قريش فبسيفه ظهر الاسلام فرضى الله عنه وعن مجيه وفى الحديث اثبب احد فانما عليك نبى والصديق وشهيدان وكان عليه رسول عليه السلام وأبو بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم فتحرك فقاله دل الحديث على انه رتبة أبى بكر فوق رتبة غبره لان الصديقية تلى النبوة {فيقول} فرحا وسرورا فانه لما اوتى كتابه بمينه علم انه من الناجين من النار ومن الفائزين بالجنة فأحب ان يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله {هاؤم اقرأوا كتابيه} اى خذوا يا اهل بيتى وقرابتى واصحابى كتابى وتناولوه اقرأوا كتابى زيرا در اينجا عملى نيست كه از اظهار آن شرم دارم ودر تببان آورده كه اين كتاب ديكر است بغير كتاب اعمل كه نوشته ودراو بشارت جنت است وبس جه كتاب حفظ ميان بنده وخدا وندست وكسى آنرانه بيند ونه خواند. وفى الخبر حسنات المؤمن فى ظاهر كتابه وسيئاته فى باطنه لا يراها الا هو فاذا انتهى يرى مكتوبا فقد غفر تهالك فاقلب فيرى فى الظاهر قد قبلتها منك فيقول من فرط السرور هاؤهم اقرأوا كتابيه اى هلموا اصحابى كما فى عين المعانى يقال هاء يا رجل بفتح الهمزة وهاء يا امرأة بكسرها وهؤما يا رجلان او يا امرأتان وهؤم يا رجال وهاؤن يا نسوة بمعنى خذ خذا خذوا خذى خذا خذن ومفعوله محذوف وكتابى مفعول اقرأ والا اقرب العاملين فهو أقوى لكونه بمنزلة العلة القربية واصله هاؤم كتابى اقرأوا كتابى فحذف الاول لدلالة الثانى عليه ونظيره آتونى افرغ عليه قطرا والهاء للوقف والاستراحة والسكت تثبت بالوقف وتسقط فى الوصل كما هو الاصل فى هاء السكت لانها انما جيئ بها حفظا للحركة اى لتحفظ حركة الموقوف عليه اذلو لاها لسقطت الحركة فى الوقف فتثبت حال الوقف اذ لا حاجة اليها حال الوصل فلذلك كان حقها ان تثبت فى الوقف وتسقط فى الوصل الا ان القرآء السبعة اتفقوا فى كل المواضع على اثباتها وقفا ووصلا اجرآء للوصل مجرى الوقف واتباعا لرسم الامام فانها ثابتة فى المصحف فى كل المواضع وهى كتابيه وحسابيه وماليه وسلطانيه وماهيه فى القارعة وما كان ثابتا فيه لا بد أن يكون مثبتا فى اللفظ الا ان حمزة اسقط الهاء من ثلاث كلم وصلا وهى ماليه وسلطانيه وماهيه واثبتها وقفا على الاصل ولم يعمل بالاصل فى كتابيه وحسابيه وأثبتها فى الحالين جمعا بين اللغتين وتبين من هذا التقرير ان المستحب ايثار الوقف اتباعا للوصل وان اثباتها وصلا انما هو لاتباع المصحف قال فى القاموس هاء السكت هى اللاحقة لبيان حركة او حرف نحو ماهية وها هناه واصلها ان يوقف عليها وربما وصلت بنية الوقف انتهى وهذه الهاء لا تكون الا ساكنة وتحريكها لحن اى خطأ لانه لا يجوز الوقف على المتحرك وهاء السكت فى القرءآن فى سبعة مواضع فى لم يتسنه وفى فبهداهم اقتده وفى كتابيه وفى حسابيه وفى ماليه وفى سلطانيه وفى ماهيه واما الهاء التى فى القاضية وهى هاوية وخاوية وثمانية وعالية ودانية وامثالها فللتأنيث فيوقف عليهن بالهاء يوصلن بالتاء.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فأمّا مَن أُوتي كتابه بيمينه فيقول} تبجُّحاً وابتهاجاً وسروراً، لِما يرى فيه من الخيرات خطاباً لجماعته: {هاؤُمُ}: اسم فعل، بمعنى خُذوا، وفيه لغات، أجودهن المطابقة تقول: هاء يا رجل، وهاءِ يا امرأة، بهمزة مكسورة من غير ياء، وهاؤما يا رجلان وامرأتان، وهاؤم يا رجال وهاؤنّ يا نساء. {اقرؤوا كتابيَهْ}، والأصل: هاؤم كتابي اقرأوا كتابيهْ، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، والعامل في "كتابيه" اقرأوا، عند البصريين؛ لأنهم يُعملون الأقرب، والهاء في "كتابيه"، و"حسابيه"، و"ماليه"، و"سلطانيه" للسكت، وحقها أن تثبت في الوقف، وتسقط في الوصل، وقد استُحبّ إيثار الوقف إيثاراً لثباتها؛ لثبوتها في المصحف. {إِني ظننتُ أني ملاقٍ حسابيهْ} أي: علمت وتيقنت أني سألقى حسابي، ولعل التعبير بالظن للإشعار بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها العلوم النظرية. قاله أبو السعود، وقد تقدّم سره في البقرة. {فهو في عيشةٍ راضيةٍ} أي: ذات رضا يرضى بها صاحبها. جعل الفعل لها مجازاً، وهو لصاحبها؛ لكونها صافية من الشوائب، دائمة، مقرونة بالتعظيم، {في جنةٍ عاليةٍ}؛ مرتفعة المكان؛ لأنها في السماء السابعة، أو: رفيعة الدرجات، أو المباني والأشجار والقصور، وهو خبر بعد خبر، {قُطوفها دانيةُ}؛ ثمارها قريبة من مريدها، ينالها القاعد والمضطجع كالقائم. قال ابن عرفة: هذه الجملة احتراس؛ لأنه تعالى وصفها بالعلو، وشأن المكان العالي أن تكون ثماره كذلك، فأزال ذلك بأنها مع علو ثمارها قريبة التناول، سهلة المأخذ. هـ. والقطوف جمع قطف، وهو ما يحثي بسرعة. ويقال لهم: {كُلُوا واشربوا هنيئاً} أي: أكلاً وشُرباً هنيئاً، لا مكروه فيهما ولا أذىً، أو: هنئتم هنيئاً {بما أسلفتم} أي: بمقابلة ما قدّمتم من الأعمال الصالحة، {في الأيام الخاليةِ} أي: الماضية في الدنيا، وعن مجاهد: أيام الصيام, وقال ابن عباس: هي في الصائمين، أي: كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله تعالى. رُوي أن الله تعالى يقول: " حديث : يا أوليائي، طالما نظرتُ إليكم في الدنيا، وقد قلَصَتْ شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم, وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في نعيمكم، وكلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية"تفسير : ولا تقصر الآية على الصوم، بل كل ما أسلف الإنسانُ من الأعمال الصالحة داخل في الآية، بدليل قوله تعالى: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الطور:19 والمراسلات:43]. وهذه الآية وأمثالها هزّت قلوب المجتهدين، حتى عمَّروا أوقاتهم، وحافظوا على أنفاسهم؛ لئلا تضيع، وكان عمر رضي الله عنه يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبُوا، فإنه أهون، أو أيسر لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن تُوزنوا وتجهّزوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. هـ. {وأمَّا مَن أُوتي كتابه بشِماله}، ورأى ما فيه من قبائح الأعمال، {فيقول يا ليتني لم أُوتَ كتابيهْ} أي: لم أُعطَ كتابي، {ولم أّدْرٍ ما حسابيهْ} أي: يا ليتني لم أعلم حسابي، ولم أقف عليه، لِمَا شاهد من سوء العاقبة، {يا ليتها}: يا ليت الموتة التي متُّها {كانت القاضيةَ} أي: القاطعة لأمري، ولم أُبعث بعدها، ولم ألقَ ما لقيت، فضمير "ليتها" للموتة، ويجوز أن يكون لِما شاهده من الحالة، أي: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قُضيت عليَّ؛ لأنه وجدها أَمَرّ من الموت، فتمناه عندها، وقد جوّز أن يكون للحياة الدنيا، أي: يا ليت الحياة الدنيا كانت الموتة ولم أُخْلَق حيًّا. {ما أغنى عن مالِيَهْ} أي: ما نفعني ما جمعتُ من الأموال شيئاً، فـ"ما" نافية، أو استفهامية للإنكار، أي: أيُّ شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار؟ {هلك عني سلطانيهْ} أي: مُلكي وعزي، وتسلُّطي على الناس، وبقيتُ فقيراً ذليلاً، أو: حُجتي التي كنت أحتجّ بها في الدنيا. فيقول الله تعالى لخزنة جهنّم: {خُذوه فغُلُّوه} أي: فشُدُّوه بالأغلال، بأن تجمع يده إلى عنقه، {ثم الجحيم صَلُّوه} أي: أدخلوه، أي: لا تصلّوه إلاّ للجحيم، وهي النار العظيمة؛ ليكون الجزاء على وفق المعصية، حيث كان يتعاظم على الناس، {ثم في سلسلة ذَرْعُها} أي: طُولها {سبعون ذراعاً} بذراع الملَك، وقيل: لا يعرف قدرها إلاّ الله، {فاسْلُكُوه} أي: فأدْخِلوه فيها، وقيل: تدخل من دبره وتخرج من منخريه، وقيل: تدخل من قُبله وتخرج من دبره. {أِنه كان لا يُؤمن بالله العظيم}، تعليل لاستحقاق العذاب، ووصفه تعالى بالعظيم؛ للإيذان بأنه المستحق للعظمة وحده، فمَن نَسَبَها لنفسه استحقّ أعظم العقوبات، {ولا يَحُضُّ على طعام المسكين} أي: لا يحث على بذل طعام غيره، فضلاً عن أن يبذل ماله، وقيل: ذكر الحض للتنبيه على أنَّ تارك الحضّ إذا كان بهذه المنزلة، فما ظنك بتاركه؟ وفيه دلالة على أنَّ الكفار مخاطبون بالفروع، وأنَّ أقبح العقائد الكفر، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب، وفيه أيضاً إشارة إلى أنه كان لا يؤمن بالبعث، لأنَّ إطعام المساكين إنما يرجى جزاؤه يوم القيامة، فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم، وفيه دليل على عِظم جُرم حرمان المساكين؛ لأنّه عطفه على الكفر، وجعله دليلاً عليه وقرينَه. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يحضّ امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، ويقول: خلَعْنا نصفَ السلسلة بالإيمان، فلنخلع نصفها بهذا، أي: الصدقة. قال النسفي: وهذه الآية ناطقة بأنَّ المؤمنين يُرحمون جميعاً، والكافرون لا يُرحمون؛ لأنه تعالى قسّم الخلق صنفين، فجعل صنفاً منهم أهل اليمين، ووصفهم بالإيمان بقوله: {إني ظننتُ إني ملاقٍ حسابيه}، وصنفاً منهم أهل الشمال، ووصفهم بالكفر بقوله: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم...} الخ، وجاز أنَّ الذي يُعاقَب من المؤمنين إنما يعاقَب قبل أن يؤتَى كتابه بيمينه. هـ. قال ابن عطية: والذين يُعطون كتابهم بأيْمانهم هم المخلَّدون في الجنة من أهل الإيمان، واختلف العلماء في الفرقة التي ينفذ فيها الوعيد من أهل المعاصي، متى تأخذ كتبها؟ فقال بعضهم: الأظهر أنها تأخذها مع الناس، وذلك يُؤنسُها مدة العذاب، قال الحسن: فإذا أعطي كتابه بيمينه لم يقرأه حتى يأذن الله له، فإذا أَذِنَ له قال: {هاؤم اقرأوا كتابيه}، وقال آخرون: الأظهر أنها إذا خرجوا من النار، والإيمان يؤنسُهم وقت العذاب، قال: وهذا هو ظاهر الآية؛ لأنَّ مَن يسير إلى النار كيف يقول: {هاؤم اقرأوا كتابيه}. ثم قال: والمخلَّدون في النار من أهل الكفر هم الذين يُؤتون كتابهم بشمالهم، وقال في آية الانشقاق: مَن ينفذ فيه الوعيد من العصاة، يُعطى كتابه عند خروجه من النار، وقد جَوّز قومٌ أن يُعطاه أولاً قبل دخوله النار، وهذه الآية ترد عليه. هـ. يعني قوله: {أية : وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً}تفسير : [الانشقاق:9]. قلت: والذي يظهر من الأحاديث التي في أخبار البعث: أنَّ الصحف تُنشر دفعة واحدة للطائع والعاصي، والمؤمن والكافر، فالمؤمن يأخذ كتابه بيمينه، فيُسرّ، فإن كان كاملاً فسُروره ظاهر، وإن كان عاصياً فرح أن مآله للجنة، ويجوز أن يُبهم الأمر عليه حينئذ، فيفرح لظنه النجاة، فإن مرَّ على الصراط زلّت قدمه لمكان معاصيه، فينفذ فيه الوعيد، ثم يخرج، وأمّا بعد خروجه من النار وحسابه حينئذٍ فبعيد جدًّا، لم يرد به نص. قال الشيخ ابن أبي جمرة رضي الله عنه: عادته تعالى في التنزيل أن يذكر الكامل في الطاعة، والكامل في العصيان ـ أي: الكفرـ ويسكت عن المخلط، فدلَّ على أنه يرى من هذا ويرى من هذا. هـ. بالمعنى. فالذي يقول: {هاؤم اقرأوا كتابيه} هو الكامل، أو الذي حوسب وعُفي عنه، وأمّا العاصي الذي ينفذ فيه الوعيد، فلعله يسكت. والله تعالى أعلم، وسَتَرِد وتعلم. ثم قال تعالى: {فليس له اليومَ هاهنا حميمٌ} أي: قريب يحميه ويدفع عنه؛ لأنَّ أولياءه الذين يتحامونه يفرُّون منه، {ولا طعامٌ إِلاَّ من غِسْلِينٍ} وهو غسالة أهل النار وصديدُهم، فِعْلِين، من الغَسْلِ، والنون زائدة، والمراد: ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم. وقال ابن عزيز: غِسْلين: غسالة أجواف أهل النار، وكل جرح أو دبر غسلته، فخرج منه شيء، فهو غِسلين. هـ. {لا يأكُله إِلاّ الخاطئون}؛ الكافرون، أصحاب الخطايا العظام. من خَطِىء الرجل: إذا تعمَّد الذنب. أو من الخطأ، المقابل للصواب، وهو هنا: مَن أخطأ طريقَ التوحيد، وعن ابن عباس: هم المشركون. الإشارة: أهل اليمين مَن سبق لهم اليُمن في الأزل، وأهل الشمال مَن سبق لهم الشؤم كذلك. وفي الحديث: " حديث : إن الله قبض قبضة فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، ثم قبض أخرى، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي"تفسير : أي: لا أُبالي بما يعملون. وقال القشيري: في إشارة الآية ما نصه: يشير إلى قوله عليه السلام في أثناء حديث طويل:حديث : قبض قبضة، فإذا فيها آدم وبنوه، فمسح بيده اليُمنى الجمالية اللطيفة على ظهره الأيمن الجمالي، فأخرج منها ذراريه، كالقبضة البيضاء، باليد الجمالية أصحاب اليمين، ثم مسح بيده اليسرى الجلالية القهرية، على ظهره الأيسر الجلالي، فأخرج منه ذريته كالحمصة السوداء، باليد الجلالية، أصحاب الشمال" تفسير : أول ما في معناه. وقوله: (كتابيه) يُشير إلى الكتاب الاستعدادي، المكتوب في الأزل، على لوح جبين كل واحد، بما يعمل إلى الأبد. هـ. فالكتاب الذي يُعطى يوم القيامة نسخة مما سُطِّر على لوح الجبين، الموافق للأزل، فحكمته قيام الحُجة في الظاهر، فمَنْ سبق له سهم العناية تبجّح به، ويقول: هاؤم اقرأوا كتابيه، إني تحققت في الدنيا أني ملاقٍ حسابيهْ. وعبَّر بالظن ستراً لأهل الظنون والخواطر، وتوسعة عليهم، فهم في الدارين في عيشة راضية، في الدنيا في روح الرضا ونسيم التسليم وجنة العرفان، وفي الآخرة في مقعد صِدق في جوار الرحمن، في جنة عالية، رفيعة القدر حسًّا ومعنىً، قُطوفها دانية. أمّا جنة المعارف فقطوفها ما يتجتنى من ثمار العلوم، وفواكه الحِكم، وتزايد الفهوم، وأمّا في الآخرة فزيادة الترقي والكشف أبداً سرمداً، ويُقال لهم: كُلوا من قوت أرواحكم وأشباحكم، واشربوا من خمرة قلوبكم وأسراركم، من كأس المحبة، والاجتباء، هنيئاً لا كدر فيه ولا تعب، بما أسلفتم في أيام مجاهدتكم الماضية، ومَن سبق لهم سهم الشقاء يقول: يا ليته لم يكن شيئاً، ويتمنى بقاءه في حيز العدم، ثم يَلقى من أنواع العذاب الجسماني والروحاني، من البُعد والطرد ما ذكره الحق تعالى في بقية الآية، نعوذ بالله من سوء القضاء، ومن السلب بعد العطاء. ثم أقسم تعالى على حقيّة ما ذكره، فقال: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ}.
الطوسي
تفسير : قال الفراء: نزلت هذه الآية فى أبي سلمة بن عبد الأسود، وكان مؤمناً، وكان أخوه الأسود بن عبد الاسود كافراً، نزلت فيه الآية التي بعدها. قسم الله تعالى حال المكلفين يوم القيامة، فقال {فأما من أوتي}أي اعطي {كتابه} الذي فيه أعماله {بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا} قال ابن زيد: يقول المكلف تعالوا اقرأوا {كتابيه} ليعلمهم انه ليس فيه إلا الطاعات، فلا يستحيون أن ينظر فيها غيرهم، واهل الحجاز يقولون: ها يا رجل، وللاثنين هاؤما، وللجمع هاءموا، وللمرأة هاء - بهمزة - وليس بعدها ياء، وللمرأتين هاؤما، وللجماعة هاؤن يا نسوة. وتميم وقيس يقولون: ها يا رجل مثل قول أهل الحجاز، وللاثنين هاءا، وللثلاثة هاءوا، وللمرأة هائي، وربما قالوا: هاء يا هذه، وللثلاثة هان. وبعض العرب يجعل مكان الهمزة كافاً، فيقول: هاك بغير همزة، ويؤمر بها ولا ينهى و (هاء) بمنزلة خذ وتناول. ووقف الكسائي على {هاؤم} وابتدأ {اقرءوا واكتابيه}. ويقول أيضاً {إني ظننت أني ملاق حسابيه} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه إني علمت، وإنما حسن هذا فيما يلزم العمل فيما يلزم العمل به لتأكد امره بالظن، كما يلزم بالعلم مع مقاومة الظن للعلم بالقوة فى النفس إلا أن العلم معه قوة ينتهي إلى الثقة الثابتة بسكون النفس. والمعنى اني كنت متيقناً فى دار الدنيا بأني ألقى حسابي يوم القيامة، واعلم أني اجازى على الطاعة بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب، وأعمل بما يجب عليّ من الطاعات واجتناب المعاصي. ثم اخبر تعالى عن حال من أعطي كتابه بيمينه فقال {فهو في عيشة راضية} أي فى عيشة مرضية تقول: عاش يعيش عيشاً وعيشة، وهي الحالة التي تستمر بها الحياة ومنه المعاش الذي يطلب التصرف له بعائد النفع عليه، وراضية معناه مرضية. فـ (فاعلة) بمعنى (مفعولة) لأنه فى معنى ذات رضاً، كما قيل: لابن وتامر، أي ذو لبن وذو تمر. قال النابغة: شعر : كليني لهم يا أميمة ناصب وليل اقاسيه بطيء الكواكب تفسير : أي ذو نصب، فكأن العيشة أعطيت حتى رضيت، لانها بمنزلة الطالبة كما أن الشهوة بمنزلة الطالبة للمشتهى. وقيل: هو كقولهم: ليل نائم وسر كاتم وماء دافق، على وجه المبالغة فى الصفة من غير التباس في المعنى: فعلى هذا جاء عيشة راضية ولا يجوز على هذا القياس زيد ضارب بمعنى مضروب لانه يلتبس به. وقوله {في جنة عالية} أي بستان أجنه الشجر مرتفعة، فالعلو الجهة المقابلة لجهة السفل. والعلو والسفل متضمن بالاضافة فيكون الغلو سفلا إذا أضفته إلى ما فوقه، ويكون علواً إذا اضيف إلى ما تحته، وقوله {قطوفها دانية} أي اخذ ثمرها، فالقطف اخذ الثمرة بسرعة من موضعها من الشجر، وهو قطوفها، كأنه قال دانية المتناول، قطف يقطف قطفاً فهو قاطف، وقطف تقطيفاً. والدنو القرب، دنا يدنو دنواً فهو دان، وتدانيا تدانياً وأحدهما أدنى الينا من الآخر. وقال قتادة: معناه قطوفها دانية لا يرد أيديهم عن ثمرها بُعْدٌ ولا شوك. ثم حكى تعالى ما يقال لهم فانه يقال لهم {كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم} وصورته صورة الأمر والمراد به الاباحة، كما قال {أية : وإذا حللتم فاصطادوا}تفسير : وقال قوم: انه أمر على الحقيقة، لان الله يريد من أهل الجنة الأكل والشرب لما لهم في ذلك من زيادة السرور إذا علموا ذلك. وإنما لا يريد ذلك في الدنيا، لانه عبث لا فائدة فيه. وقوله {هنيئاً} معناه مريئاً ليس فيه ما يؤذي، فليس يحتاج فيه الى اخراج فضل لغائط ولا بول. وقوله {بما أسلفتم} أي جزاء على ما عملتموه من الطاعة {في الأيام الخالية} أي الماضية في دار التكليف.
الجنابذي
تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ} عطف من قبيل عطف التّفصيل على الاجمال {بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ} تبجّحاً {هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} ها اسم لخذ وقد يمدّ ويلحق بهما كاف الخطاب ويتصرّف فيها تصرّف الضّمائر بحسب حال المخاطب، وقد يستغنى بتصريف الهمزة نحو تصاريف الكاف عن الحاق الكاف فيقال: هاء بفتح الهمزة وهاء بكسرها، وهاؤما، وهاؤم، وهاؤنّ.
اطفيش
تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بَيَمِينِهِ} تفضيل للعرض وهذا هو السعيد ولا يعذب بالنار وقال قومنا: هو هذا والذي يدخل النار ويخرج من عصاة الموحدين بناء على الخروج وقال بعضهم هذا يعطاها بشماله. {فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} خطاب لجماعة اصحابه فرحا وقيل للناس مطلقا وقيل: لا رقابة وهاء اسم فعل بمعنى تعالوا كذا قيل والمشهور انها بمعنى خذوا وفيه لغات بسطتها في النحو اجودها هاء يا رجل بفتح الهمزة وهاء للمرأة بكسرها بلا ياء وهاء ما يارجلان او امرأتان بضمها وهاؤم يارجال بضم الهمزة مع اسكان الميم او ضمها وهاؤن بضم الهمزة وتشديد النون يانسوه وقيل: الهمزة بدل من الكاف ورد بان الكاف لا تبدل من الهمزة ولا الهمزة منها الا ان اراد انها تحل محل الكاف في لغة من قال هاك يارجل وهاك يا أمرأة وهاكما وهاكم وهاكز. وقيل هاؤم هاكم ابدلت الكاف واوا فالواو همزة ولعل هذا مراد من قال ابدلت الهمزة من الكاف انها ابدلت منها بواسطة ابدال الكاف اولا واوا وان فسرنا هاؤم بتعالوا فلا تنازع بينه وبين اقرأوا وان فسر بخذوا تنازعنا قاله ابن هشام وعلى التنازع فكتابيه مفعول المفعل وهو اقرأوا او مفعول اسم الفعل وهو هاؤم محذوف وجوبا لانه فضله عمل فيها المهمل السابق أي هاؤموه ولو اعمل هاؤم في كتابية لقيل اقرأوه باثبات مفعوله وجوبا لان اقرأوا ثان مهمل فلا يحذف معموله الا ضرورة او شذوذا خلافا لبعضهم القائل ان اثبات اولوي لا وجوبي والياء مضاف اليه والهاء للسكت حرف زائد فليقف القارىء عليها تبعا للمصحف فان كتابتها في الامام اعني مصحف عثمان نص في الوقف عليها. وقيل: يجوز ان تصل وتحذفها وقيل: يجوز اثباتها وصلا ووقفا وقد قرأ جماعة باثباتها وصلا ووقفا وقرأ ابن محيصن باثبات الياء ساكنة واسقاط الهاء.
اطفيش
تفسير : مفعول به لاقرءوا ومفعول هاؤم محذوف لأَنه فضله ولأَن اللغة الفصحى أن اسم الفعل لا يتصل به الضمير على التنازع أى هاؤموه ولو كان مفعولا به لهاؤم لقيل اقرءوه بالعمل فى الضمير، لكن قد تحذف الفضلة، ومعنى هاؤم خذوا، وجاء فى هذه الأيام كتاب سيبويه بخط القالب مع شرح صغير وفيه العرب تقول هاءَ يا رجل بالفتح وهاء يا امرأة بالكسر وهاؤما يا رجلان أو امرأتان وهاؤم يا رجال وهَاؤُمْنَ يا نسوة ا.هـ. وهو متعد، وقيل معناه تعالوا فيتعدى بإِلى وعلى كل حال ميمه ونونه كميم أنتما وأنتن، وقيل أصله هاكم أسقطت الكاف وجعل مكانها الهمزة، وقيل هاؤم كلمة وضعت لإِجابة عند الفرح، كما روى نادى أعرابى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصوت عال، فأَجابه - صلى الله عليه وسلم - بصولة صوته هاؤم، فالمعنى خذوا يا أصحابى أى تعالوا إِلى يا أصحابى أو أن لى فرحاً يا أصحابى فافرحوا معى يدعو حاضريه إِلى قراءة كتابه فرحاً به ثم يقرأه والهاء فيه وفى حسابيه وماليه وسلطانيه وماهيه هاء السكت تثبت وقفاً ووصلا.
الالوسي
تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ } تفصيل لأحكام العرض. والمراد بكتابه ما كتب الملائكة فيه ما فعله في الدنيا. وقد ذكروا أن أعمال كل يوم وليلة تكتب في صحيفة فتتعدد صحف العبد الواحد، فقيل توصل له فيؤتاها موصولة وقيل ينسخ ما في جميعها في صحيفة واحدة، وهذا ما جزم به الغزالي عليه الرحمة، وعلى القولين يصدق على ما يؤتاه العبد كتاب. وقيل إن العبد يكتب في قبره أعماله في كتاب وهو الذي يؤتاه يوم القيامة وهذا قول ضعيف لا يعول عليه وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان كيف يؤتى العبد ذلك. {فَيَقُولُ } تبجحاً وافتخاراً {هَاؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ } قال الرضي: ها اسم لخذ وفيه ثمان لغات الأولى بالألف مفردة ساكنة للواحد والإثنين والجمع، مذكراً كان أو مؤنثاً الثانية أن تلحق هذه الألف المفردة كاف الخطاب الحرفية كما في ذلك وتصرفها نحو هاك هاكما هاكم هاكن الثالثة أن تلحق الألف همزة مكان الكاف وتصريفها تصريف الكاف نحوها هاؤما هاؤم هاء هاؤما هاؤن الرابعة أن تلحق الألف همزة مفتوحة قبل كاف الخطاب وتصرف الكاف الخامسة هأ بهمزة / ساكنة بعد الهاء للكل السادسة أن تصرف هذه الجملة تصريف دع السابعة أن تصرفها تصريف خف ومن ذلك ما حكى الكسائي من قول من قيل له هاء بالفتح الأم إهاء وإهاء بفتح همزة المتكلم وكسرها الثامنة أن تلحق الألف همزة وتصرفها تصريف ناد والثلاثة الأخيرة أفعال غير متصرفة لا مضي لها ولا مضارع وليست بأسماء أفعال قال الجوهري هاء بكسرة الهمزة بمعنى هات وبفتحها بمعنى خذ وإذا قيل لك هاء بالفتح قلت ما أهاء أي ما آخذ وما أهاء على مالم يسم فاعله أي ما أعطي وهذا الذي قال مبني على السابعة نحو ما أخاف وما أخاف انتهى. وقال أبو القاسم فيها لغات أجودها ما حكاه سيبويه في «كتابه» فقال العرب تقول هاء يا رجل بفتح الهمزة وهاء يا امرأة بكسرها وهاؤما يا رجلان أو امرأتان وهاؤم يا رجال وهاؤن يا نسوة فالميم في هاؤم كالميم في أنتم وضمها كضمها في بعض الأحيان وفسر هٰهنا بخذوا وهو متعد بنفسه إلى المفعول تعديته والمفعول محذوف دل عليه المذكور أعني {كِتَـٰبيَهْ} وهو مفعول {ٱقْرَؤُاْ} واختير هذا دون العكس لأنه لو كان مفعول (هاؤم) لقيل اقرؤه إذ الأولى إضمار الضمير إذا أمكن كما هنا وإنما لم يظهر في الأول لئلا يعود على متأخر لفظاً ورتبة وهو منصوب مع أن العامل على اللغة الجيدة اسم فعل فلا يتصل به الضمير. وقيل {هَاؤُمُ} بمعنى تعالوا فيتعدى بإلى وزعم القتبـي أن الهمزة بدل من الكاف قيل وهو ضعيف إلا إن كان قد عنى أنها تحل محلها في لغة كما سمعت فيمكن لا أنه بدل صناعي لأن الكاف لا تبدل من الهمزة ولا الهمزة منها. وقيل {هَاؤُمُ} كلمة وضعت لإجابة الداعي عند الفرح والنشاط حديث : وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام ناداه أعرابـي بصوت عال فجاوبه صلى الله عليه وسلم هاؤم تفسير : بصولة صوته وجوز إرادة هذا المعنى هنا فإنه يحتمل أن ينادي ذلك المؤتى كتابه بيمينه أقرباؤه وأصحابه مثلاً ليقرؤا كتابه فيجيبهم لمزيد فرحه ونشاطه بقوله {هَاؤُمُ} وزعم قوم أنها مركبة في الأصل ها أَمُوا أي اقصدوا ثم نقله التخفيف والاستعمال إلى ما ذكر. وزعم آخرون أن الميم ضمير جماعة الذكور. والهاء في {كِتَـٰبيَهْ} وكذا في {حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 20] و{مَالِيَهْ} [الحاقة: 28] و{سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 29] وكذا {مَا هِيَهْ} في القارعة [10] للسكت لا ضمير غيبة فحقها أن تحذف وصلاً وتثبت وقفاً لتصان حركة الموقوف عليه فإذا وصل استغنى عنها، ومنهم من أثبتها في الوصل لإجرائه مجرى الوقف أو لأنه وصل بنية الوقف والقراآت مختلفة فقرأ الجمهور بإثباتها وصلاً ووقفاً قال الزمخشري اتباعاً للمصحف الإمام وتعقبه ابن المنير فقال تقليل القراءة باتباع المصحف عجيب مع أن المعتقد الحق أن القراآت بتفاصيلها منقولة عن النبـي صلى الله عليه وسلم وأطال في التشنيع عليه وهو كما قال. وقرأ ابن محيصن بحذفها وصلاً ووقفاً وإسكان الياء فيما ذكر ولم ينقل ذلك في {مَا هِيَهْ} فيما وقفت عليه وابن أبـي إسحٰق والأعمش بطرح الهاء فيهن في الوصل لا في الوقف وطرحها حمزة في مالي وسلطاني وما هي في الوصل لا في الوقف وفتح الياء فيهن وما قاله الزهراوي من أن إثبات الهاء في الوصل لحن لا يجوز عند أحد علمته ليس بشيء فإن ذلك متواتر فوجب قبوله.
ابن عاشور
تفسير : الفاء تفصيل لما يتضمنه {أية : تُعرضون}تفسير : [الحاقة: 18] إذ العرض عرض للحساب والجزاء فإيتاء الكتاب هو إيقاف كل واحد على صحيفة أعمال. و (أمَّا) حرف تفصيل وشرطٍ وهو يفيد مفاد (مَهْمَا يكن من شيء)، والمعنى: مهما يكن عَرْض {فأمّا مَن أوتي كتابه بيمينه... فهو في عيشة راضية}، وشأن الفاء الرَّابطة لجوابها أن يفصل بينها وبين (أما) بجُزء من جملة الجواب أو بشيء من متعلقات الجواب مهتَم به لأنهم لما التزموا حذف فعل الشرط لاندماجه في مدلول (أما) كرهوا اتصال فاء الجواب بأداة الشرط ففصلوا بينهما بفاصل تحسيناً لصورة الكلام، فقوله: {من أوتي كتابه بيمينه} أصله صدر جملة الجواب، وهو مبتدأ خبره {فيَقول هاؤم اقرأوا كتابيه} كما سيأتي. ودل قوله: {فأما من أوتي كتابه بيمينه} على كلام محذوف للإِيجاز تقديره فيؤتى كلُّ أحد كتابَ أعماله، فأما من أوتي كتابه إلخ على طريقة قوله تعالى: {أية : أنْ اضربْ بعصاك البحرَ فانفلق}تفسير : [الشعراء: 63]. والباء في قوله: {بيمينه} للمصاحبة أو بمعنى (في). وإيتاء الكتاب باليمين علامة على أنه إيتاء كرامة وتبشير، والعرب يذكرون التناول باليمين كناية عن الاهتمام بالمأخوذ والاعتزاز به، قال الشمَّاخ:شعر : إذا مَا رايةٌ رُفِعَتْ لمجد تلقّاها عَرابة باليمين تفسير : وقال تعالى: {أية : وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود}تفسير : الآية [الواقعة: 27ــ 28] ثم قال: {أية : وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم}تفسير : الآية [الواقعة: 41ــ 42]. وجملة {فيقول هَاؤُم اقروا كتابِيْه} جواب شرط (أمَّا) وهو مغن عن خبر المبتدأ، وهذا القوْل قول ذي بهجة وحُبور يبعثان على إطْلاع الناس على ما في كتاب أعماله من جزاء في مقام الاغتباط والفخار، ففيه كناية عن كونه من حبور ونعيم فإن المعنى الكنائي هو الغرض الأهم من ذكر العَرْض. و {هاؤم} مركب من (هاء) ممدوداً ومقصوراً والممدود مبني على فتح الهمزة إذا تجرد عن علامات الخطاب ما عدا الموجَّه إلى امرأة فهو بكسر الهمزة دون ياء. وإذا خوطب به أكثر من واحد التُزم مدُّه ليتأتى إلحاق علامة خطاب كالعلامة التي تلحق ضمير المخاطب وضمُّوا همزته ضمةً كضمةِ ضمير الخطاب إذ لحقتْه علامة التثنية والجمع، فيقال: هاؤُما، كما يقال: أنتما، وهاؤُمُ كما يقال: أنتم، وهاؤُنَّ كما يقال: أنتن، ومن أهل اللغة من ادعى أن {هاؤم} أصله: هَا أُمُّوا مركباً من كلمتين (هَا) وفعلِ أمر للجماعة من فعل أمَّ، إذا قصد، ثم خفف لكثرة الاستعمال، ولا يصح لأنه لم يسمع هاؤمين في خطاب جماعة النساء، وفيه لغات أخرى واستعمالات في اتصال كاف الخطاب به تقصاها الرضي في شرح «الكافية» وابن مكرم في «لسان العرب». و {هاؤم} بتصاريفه معتبر اسم فعل أمر بمعنى: خذ، كما في «الكشاف» وبمعنى تعال، أيضاً كما في «النهاية». والخطاب في قوله: {هاؤم اقرأوا} للصالحين من أهل المحشر. و {كتابيَه} أصله: كتابِيَ بتحريك ياء المتكلم على أحد وجُوه في يَاء المتكلم إذا وقعت مضافاً إليها وهو تحريك أحسب أنه يقصد به إظهار إضافة المضاف إلى تلك الياء للوقوف، محافظة على حركة الياء المقصودِ اجتلابها. و {اقرأُوا} بيان للمقصود من اسم الفعل من قوله {هاؤم}. وقد تنازع كل من {هاؤُم} و {اقرأوا} قوله: {كتابيه}. والتقدير: هاؤم كتابيه اقرأوا كتابيه. والهاء في كتابيه ونظائرها للسْكتِ حين الوقف. وحق هذه الهاء أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل. وقد أثبتت في هذه الآية في الحالين عند جمهور القراء وكتبت في المصاحف، فعلم أنها للتعبير عن الكلام المحكي بلغة ذلك القائل بما يرادفه في الاستعمال العربي لأن الاستعمال أن يأتي القائل بهذه الهاء بالوقف على كلتا الجملتين. ولأن هذه الكلمات وقعت فواصل والفواصل مثل الأسجاع تعتبر بحالة الوقف مثل القوافي، فلو قيل: اقرأوا كتابيَ إني ظننت أني ملاقٍ حسابيَ، سقطت فاصلتان وذلك تفريط في محسّنَيْن. وقرأها يعقوب إذا وصلها بحذف الهاء والقراء يستحبون أن يقف عليها القارىء ليوافق مشهور رسم المصحف ولئلا يذهب حسن السجع. وأُطلق الظن في قوله: {إني ظننت أني ملاققٍ حسابيه}، على معنى اليقين وهو أحد معنييه، وعن الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين ومن الكافر فهو شك. وحقيقة الظن: عِلم لم يتحقق؛ إِما لأن المعلوم به لم يقع بعدُ ولم يخرج إلى عالم الحس، وإِما لأن علم صاحبه مخلوط بشك. وبهذا يكون إطلاق الظن على المعلوم المتيقن إطلاقاً حقيقياً. وعلى هذا جرى الأزهري في «التهذيب» وأبو عمرو واقتصر على هذا المعنى ابن عطية. وكلام «الكشاف» يدل على أن أصْل الظن: علم غير متيقن ولكنه قد يُجرى مُجرى العِلْم لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام، وقال: يقال: أظن ظناً كاليقين أن الأمر كَيت وكَيت، فهو عنده إذا أطلق على اليقين كان مجازاً. وهذا أيضاً رأي الجوهري وابن سيده والفيروزابادي، وأما قوله تعالى: {أية : إن نظن إلاّ ظناً وما نحن بمستيقنين}تفسير : [الجاثية: 32] فلا دلالة فيه لأن تنكير {ظناً} أريد به التقليل، وأكد، بـ {ما نحن بمستيقنين} فاحتمل الاحتمالين، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وإنا لنظنك من الكاذبين} تفسير : في سورة الأعراف (66) وقوله: {أية : وظنوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه} تفسير : في سورة براءة (118). والمعنى: إني علمت في الدنيا أني ألقى الحساب، أي آمنت بالبعث. وهذا الخبر مستعمل كناية عن استعداده للحساب بتقديم الإِيمان والأعمال الصالحة مما كان سبب سعادته. وجملة {إني ظننت أني ملاق حسابيه} في موقع التعليل للفرح والبهجة التي دل عليها قوله: {هاؤم اقرأُوا كتابيهْ} وبذلك يكون حرف (إنَّ) لمجرد الاهتمام وإفادة التسبب. وموقع {فهو في عيشة راضية} موقع التفريع على ما تقدم من إيتائه كتابه بيمينه وما كان لذلك من أثر المسرة والكرامة في المحشر، فتكون الفاء لتفريع ذكر هذه الجملة على ذكر ما قبلها. ولك أن تجعلها بدل اشتمال من جملة {فيقول هاؤم اقرأُوا كتابيه} فإن ذلك القول اشتمل على أن قائله في نعيم كما تقدم وإعادة الفاء مع الجملة من إعادة العامل في المبدل منه مع البدل للتأكيد كقوله تعالى: {أية : تكون لنا عيداً لأوَّلنا وآخرنا}تفسير : [المائدة: 114]. والعيشة: حالة العيش وهيئته. ووصف {عيشة} بـ {راضية} مجاز عقلي لِملابسة العيشة حالةَ صاحبها وهو العائش ملابسة الصفةِ لموصوفها. والراضي: هو صاحب العيشة لا العِيشة، لأن {راضية} اسم فاعل رضيَت إذا حصل لها الرضى وهو الفرح والغبطة. والعيشة ليست راضية ولكنها لحسنها رَضي صاحبها، فوصفُها بـ {راضية} من إسناد الوصف إلى غير ما هو له وهو من المبالغة لأنه يدل على شدة الرضى بسببها حتى سرى إليها، ولذلك الاعتبار أرجع السكاكي ما يسمى بالمجاز العقلي إلى الاستعارة المكنية كما ذُكر في عالم البيان. و {في} للظرفية المجازية وهي الملابسة. وجملة {في جنة عالية} بدل اشتمال من جملة {فهو في عيشة راضية}. والعلوّ: الارتفاع وهو من محاسن الجنّات لأن صاحبها يشرف على جهات من متسع النظر ولأنه يبدو له كثير من محاسن جنته حين ينظر إليها من أعلاها أو وسطها مما لا يَلوح لنظره لو كانت جنته في أرض منبسطة، وذلك من زيادة البهجة والمسرة، لأن جمال المناظر من مسرات النفس ومن النعم، ووقع في شعر زهير:شعر : كأن عينيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَة من النواضح تسقِي جَنَّة سُحُقاً تفسير : فقد قال أهل اللغة: يجوز أن يكون سُحُقاً، نعتاً للجنة بدون تقدير كما قالوا: ناقةُ عُلُط وامرأة عُطُل. ولم يعرجوا على معنى السَّحَق فيها وهو الارتفاع لأن المرتفع بعيد، وقالوا: سَحُقت النخلة ككرم إذا طالت. وفي القرآن {أية : كمثَل جنة بِرَبْوة}تفسير : [البقرة: 265]. وجوزوا أن يراد أيضاً بالعلو علوّ القدر مثل فلان ذو درجة رفيعة، وبذلك كان للفظ {عالية} هنا ما ليس لقوله: {كمثل جنة بربوة} لأن المراد هنالك جنة من الدنيا. والقُطوف: جمع قِطْف بكسر القاف وسكون الطاء، وهو الثمر، سمي بذلك لأنه يُقطف وأصله فِعل بمعنى مَفعول مثل ذِبْح. ومعنى دُنوها: قربها من أيدي المتناولين لأن ذلك أهنأ إذ لا كلفة فيه، قال تعالى: {أية : وذُلِّلتْ قطوفُها تذليلاً}تفسير : [الإنسان: 14]. وجملة {كلوا واشربوا} إلى آخرها مقول قول محذوف وهو ومقوله في موضع صفة لـ {جنة} إذ التقدير: يقال للفريق الذين يُؤتَون كتبهم بأيمانهم حين يستقرون في الجنة: {كلوا واشربوا} الخ. ويجوز أن تكون الجملة خبراً ثانياً عن الضمير في قوله: {فهو في عيشة راضية}. وإنما أفردت ضمائر الفريق الذي أوتي كتابه بيمينه فيما تقدم ثم جاء الضمير ضمير جمع عند حكاية خطابهم لأن هذه الضمائر السابقة حُكيت معها أفعال مما يتلبس بكل فرد من الفريق عند إتمام حسابه. وأما ضمير {كلوا واشربوا} فهو خطاب لجميع الفريق بعد حلولهم في الجنة، كما يدخل الضيوف إلى المأدبة فيُحيّي كل داخل منهم بكلام يخصه فإذا استقروا أقبل عليهم مضيِّفهم بعبارات الإِكرام. و {هنيئاً} يجوز أن يكون فعيلاً بمعنى فاعل إذا ثبت له الهناء فيكون منصوباً على النيابة عن المفعول المطلق لأنه وصفه وإسناد الهناء للأكل والشرب مجاز عقلي لأنهما متلبسان بالهناء للآكِلِ والشارب. ويجوز أن يكون اسم فاعل من غير الثلاثي بوزن ما للثلاثي. والتقدير: مهنّئاً، أي سبب هناء، كما قال عَمرو بن معد يكرب:شعر : أمِنْ ريْحَانَةَ الداعي السميع تفسير : أي المسْمع، وكما وصف الله تعالى بالحكيم بمعنى الحُكم المصنوعات، ويجوز أن يكون فَعيلاً بمعنى مفعول، أي مَهْنِيئاً به. وعلى الاحتمالات كلها فإفراد {هنيئاً} في حال أنه وصف لشيئين بناءٌ على أن فَعيلاً بمعنى فاعل لا يطابق موصوفه أو على أنه إذا كان صفة لمصدر فهو نائب عن موصوفه، والوصف بالمصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. و {بما أسلفتم} في موضع الحال من ضمير {كلوا واشربوا}. والباء للسببية. ومَا صْدَقُ (ما) الموصولة هو العمل، أي الصالح. والإِسلاف: جعل الشيء سلفاً، أي سابقاً. والمراد أنه مقدم سابق لإِبانه ليُنتفع به عند الحاجة إليه، ومنه اشتق السلَف للقرض، والإِسلاف للإِقراض، والسُّلْفَة للسَّلَم. و {الأيام الخالية}: الماضية البعيدة مشتق من الخلوّ وهو الشغور والبعد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}. تقدم للشيخ رحمة الله بيان قضية أخذ الكتب وحقيقتها، عند قوله تعالى: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ}تفسير : [الكهف: 49] في سورة الكهف. وكذلك بحثها في كتابه دفع إيهام الاضطراب، وبيان القسم الثالث من وراء ظهره، وفي هذا التفصيل في حق الكتاب والكتابة وتسجيل الأعمال وإيتائها بنصوص صريحة واضحة، كقوله تعالى: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَاب فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ}تفسير : [الكهف: 49]. وقولهم صراحة: {أية : يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا}تفسير : [الكهف: 49]. وقوله: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تفسير : [قۤ: 18]. وقوله: {أية : ٱقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء: 14]، فهو كتاب مكتوب ينشر يوم القيامة يقرؤه كل إنسان بنفسه مما يرد قول من يجعل أخذ الكتاب باليمين أو الشمال كناية عن اليمن والشؤم. وهذا في الواقع إنما هو من شؤم التأويل الفاسد وبدون دليل عليه، والمسمى عند الأصوليين باللعب. نسأل الله السلامة والعافية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 19- فأما مَن أُعطى كتابه بيمينه فيقول - معلناً سروره لمن حوله -: خذوا اقرأوا كتابى. 20- إنى أيقنت فى الدنيا أنى ملاق حسابى، فأعددت نفسى لهذا اللقاء. 21- فهو فى عيشة يعمّها الرضى. 22- فى جنة رفيعة المكان والدرجات. 23- ثمارها قريبة التناول. 24- كلوا واشربوا أكلاً وشرباً - لا مكروه فيهما، ولا أذى منهما - بما قدمتم من الأعمال الصالحة فى أيام الدنيا الماضية. 25، 26- وأما من أُعطى كتابه بشماله فيقول ندماً وحسرةً: يا ليتنى لم أُعْطَ كتابى، ولم أعلم ما حسابى. 27- يا ليت الموتة التى متها كانت الفاصلة فى أمرى، فلم أُبعث بعدها. 28، 29- ما نفعنى شئ ملكته فى الدنيا. ذهبت عنى صحتى، وزالت قوتى. 30، 31، 32- يُقال لخزنة جهنم: خذوه فاجمعوا يديه إلى عنقه، ثم لا تدخلوه إلا نار الجحيم، ثم فى سلسلة بالغة الطول فاسلكوه. 33، 34- إنه كان لا يصدق بالله العظيم، ولا يحث أحداً على إطعام المسكين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: هاؤم: أي خذوا. إني ظننت: أي علمت. راضية: أي يرضى بها صاحبها. قطوفها دانية: أي ما يقتطف ويجنى من الثمار. بما أسلفتم: أي بما قدمتم. في الأيام الخالية: أي الماضية. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء ببيان ما يجري في يوم القيامة فقال تعالى {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ} أي إنه بعد مجيء الربّ تبارك وتعالى لفصل القضاء تعطى الكتب فمن آخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله فأما من أوتي كتابه الذي ضم حسناته بيمينه فيقول في فرح عظيم هاؤم أي خذوا كتابي فاقرأوه إنه مشرق كله ما فيه سواد السيئات، ويُعلل لسلامة كتابه من السيئات فيقول إني ظننت أي علمت أني ملاقٍ حسابية لا محالة فلذا لم أقارف السيئات وإن قدر عليّ شيء فقارفته جهلا فإِني تبت منه فورا فانمحى أثره من نفسي فلم يكتب عليّ قال تعالى مخبراً عن آثار نجاحه في سلامة كتابه من السيئات فهو في عيشة راضية. أي يرضاها لهناءتها وسعة خيراتها في جنّة عالية قطوفها أي جناها وما يقتطف منها دانية أي قريبة التناول ينالها بيده وهو متكيء على أريكته ويقال لهم كلوا واشربوا من طعام الجنة وشرابها هنيئاً ويذكر لهم سبب فوزهم فيقول {بِمَآ أَسْلَفْتُمْ} أي قدمتم لأنفسكم {فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} أي أيام الدنيا الماضية إذ كانوا مؤمنين صوامين قوامين بالمعروف آمرن وعن المنكر ناهين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء أي الإِيمان باليوم الآخر. 2- آثار الإِيمان بالبعث والجزاء ظاهرة في سلامة كتاب المؤمن من السيئات. وقد علل لذلك بقوله إني ظننت أني ملاق حسابي فلذا لم أعصِ ربي. 3- إثبات حقيقة هي قول العامة الدنيا مزرعة الآخرة أي من عمل في الدنيا نال ثمار عمله في الآخرة خيراً أو شراً.
القطان
تفسير : هاؤم: خذوا. ظننتُ: علمت، أيقنت. راضية: يرضى بها صاحبها. عالية: في القدر والمكان. قطوفها: جمع قِطف بكسر القاف، ما يقطف من الثمر. دانية: قريبة سهلة التناول. هنيئا: يعني كلوا واشربوا سائغا بلا تنغيص ولا كدر. أسلفتم: قدمتم. الأيام الخالية: الايام الماضية في الدنيا. يا ليتها كانت القاضية: على حياته فيرتاح ولم يُبعث. ما أغنَى عني ماليه: لم يغن عني مالي الذي جمعته في الدنيا شيئا. هلكَ عني سُلْطَانِيَهْ: ذهب عني كل ما املك من قوة ومال وصحة. غُلّوه: شدوه بالقيود، والغلّ هو القيد الذي يجمع بين اليدين والعنق. صَلّوه: ألقوه في النار حتى يصلاها. ذرعُها: طولها. فاسلكوه: فاجعلوه في هذه السلسلة الطويلة. حميم: قريب او صديق. غِسلين: صديد اهل النار. بعد ان قدّم وصفاً رهيباً ليوم القيامة، وكيف تزول الأرضُ والجبال عن مواقعها وتُدكّ وتنشقّ السماء، وتقفُ الملائكة على جوانبها، ويوضع العرشُ، ويُفتح حسابُ البشر وفي ذلك اليوم لا يخفى على الله شيء - بعد هذا كله أتى بذِكر صورتين متقابلتين من أحوالِ البشَر، وهم: السعداءُ أصحاب اليمين، والأشقياءُ أصحاب الشمال. فأما السعداء فإنهم يتلقَّون كتابَهم بأيمانهم، ويغدُون مسرورين فرحين، يعرِضون كُتبَهم على الناس ليقرأوها. وكل واحدٍ منهم يقول: إني علمت أن ربّي سيحاسبني حسابا يسيرا، {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} مرضيّة خاليةٍ مما يكدِّر، {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} وهي جنة الخلد ذاتُ المكان الرفيع والثمارِ المختلفة التي يسهُل تناولها. وكلهم في نعيمٍ وحبور ويقول لهم ربهم: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ}.. كُلوا من ثمار جنةِ الخلد هنيئاً، واشربوا من شرابها مريئا، وذلك كلّه جزاءَ ما قدّمتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية. واما الأشقياء، وهم الذين كذّبوا الرسلَ، ولم يؤمنوا بالله ولا البعث والحساب - فإن الواحدَ منهم حين ينظر في صحيفة أعماله بعد أن تلقّاها بشماله - ينفر منها ويقول: {يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ}. يا ليتني لم أتلقّ كتابي، ولم أعلم أي شيء عن حسابي، ويا ليتَ الموتةَ التي مِتُّها كانت نهايةَ الحياة، لم أُبعث بعدَها ولم ألقَ ما أنا فيه من عذابٍ وسوء منقلَب. {مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}. لم ينفعني مالي وما جمعتُ في الدنيا، وذهَب عنّي كلُّ عزٍّ وجاهٍ وصحة وقوة.. ذهبَ ذلك كلُّه وبقيَ العذابُ والوبال. وعندها يقال لزبانية جهنم: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ}. خذوه وأدخِلوه في النار مقيَّدا، في سلسلة طولها سبعون ذراعا لُفُّوها على جسمه حتى لا يستطيعَ حَراكا. وليس المرادُ أن طولَها كذلك، ولكن القصدَ إهانته وبيانُ هول العذاب. فقد كان لا يؤمن بالله العظيم، وكان بخيلاً ممسِكاً لا يُطعِم الفقراء والمساكين ولا يحثّ الناسَ على إطعامهم. لذلك: {فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ} ليس له صديقٌ ولا قريب يدفع عنه في هذا اليوم. وطعامُه من صديدِ اهل النار، الذي لا يأكله الا الخاطئون المذنبون أمثاله ممن أصرّوا على الكفر والجحود وماتوا عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {كِتَابَهُ} {كِتَابيَهْ} {ٱقْرَؤُا}ْ (19) - وَيُعْطَى النَّاسُ صُحُفَ أَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ تَنَاوَلَ صَحِيفَةَ عَمَلِهِ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ فَرِحاً مَسْرُوراً لِكُلِّ مَنْ يَلْقَاهُ: هَذِهِ هِيَ صَحِيفَةُ أَعْمَالِي، خُذُوهَا فَاقْرَؤُوهَا، لأَِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِيهَا خَيرٌ وَحَسَنَاتٌ، لأَِنَّهُ مِمَّنْ بَدَّلَ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ. هَاؤُمُ - خَذُوا أَوْ تَعَالَوا. كِتَابِيَهْ - كِتَابِي وَالهَاءُ لِلسَّكْتِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهؤلاء هم أهل السعادة يعطون كتبهم التي فيها أعمالهم الصالحة بأيمانهم تمييزا لهم وتنويها بشأنهم ورفعا لمقدارهم، ويقول أحدهم عند ذلك من الفرح والسرور ومحبة أن يطلع الخلق على ما من الله عليه به من الكرامة: { هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ } أي: دونكم كتابي فاقرأوه فإنه يبشر بالجنات، وأنواع الكرامات، ومغفرة الذنوب، وستر العيوب. والذي أوصلني إلى هذه الحال، ما من الله به علي من الإيمان بالبعث والحساب، والاستعداد له بالممكن من العمل، ولهذا قال: { إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ } أي: أيقنت فالظن -هنا- [بمعنى] اليقين. { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } أي: جامعة لما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وقد رضوها ولم يختاروا عليها غيرها. { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } المنازل والقصور عالية المحل. { قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ } أي: ثمرها وجناها من أنواع الفواكه قريبة، سهلة التناول على أهلها، ينالها أهلها قياما وقعودا ومتكئين. ويقال لهم إكراما: { كُلُوا وَاشْرَبُوا } أي: من كل طعام لذيذ، وشراب شهي، { هَنِيئًا } أي: تاما كاملا من غير مكدر ولا منغص. وذلك الجزاء حصل لكم { بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ } من الأعمال الصالحة -وترك الأعمال السيئة- من صلاة وصيام وصدقة وحج وإحسان إلى الخلق، وذكر لله وإنابة إليه. فالأعمال جعلها الله سببا لدخول الجنة ومادة لنعيمها وأصلا لسعادتها.
النسائي
تفسير : قولهُ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ} [19] 638 - أنا سويد بن نصرٍ، أنا عبد اللهِ، عن عثمان بن الأسودِ، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة قالت: سمعتُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: وأنا يوسف بن عيسى، أنا الفضلُ بن موسى، أنا عُثمان بن الأسودِ، عن ابن أبي مُليكةَ قال: قالت عائشة: إن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من نُوقش الحساب هلك" قُلت يا رسول اللهِ: فإنَّ الله يقولُ: {مَنْ} - وقال يوسفُ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الأنشقاق: 7-8] قال: "ذلك العرضُ ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):