٦٩ - ٱلْحَاقَّة
69 - Al-Haqqa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى بين أنه لما نظر في كتابه وتذكر قبائح أفعاله خجل منها وصار العذاب الحاصل من تلك الخجالة أزيد من عذاب النار، فقال: ليتهم عذبوني بالنار، وما عرضوا هذا الكتاب الذي ذكرني قبائح أفعالي حتى لا أقع في هذه الخجالة، وهذا ينبهك على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني، وقوله: {وَلَمْ أَدْرِ ما حسابية } أي ولم أدر أي شيء حسابيه، لأنه حاصل ولا طائل له في ذلك الحساب، وإنما كله عليه.
ابن كثير
تفسير : وهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في العرصات بشماله، فحينئذ يندم غاية الندم، {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} قال الضحاك: يعني: موتة لاحياة بعدها، وكذا قال محمد بن كعب والربيع والسدي، وقال قتادة: تمنى الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه {مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ} أي: لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبأسه، بل خلص الأمر إلي وحدي، فلا معين لي ولا مجير، فعندها يقول الله عز وجل: { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ } أي: يأمر الزبانية أن تأخذه عنفاً من المحشر، فتغله، أي: تضع الأغلال في عنقه، ثم تورده إلى جهنم، فتصليه إياها، أي: تغمره فيها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن عمرو بن قيس عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله تعالى: خذوه، ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول هكذا، فيلقى سبعين ألفاً في النار. وروى ابن أبي الدنيا في الأهوال: أنه يبتدره أربعمئة ألف، ولا يبقى شيء إلا دقه، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: إن الرب عليك غضبان، فكل شيء غضبان عليك. وقال الفضيل بن عياض: إذا قال الرب عزّ وجلّ: خذوه فغلوه، ابتدره سبعون ألف ملك، أيهم يجعل الغل في عنقه { ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ} أي: اغمروه فيها. وقوله تعالى: { ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ} قال كعب الأحبار: كل حلقة منها قدر حديد الدنيا. وقال العوفي عن ابن عباس وابن جريج: بذراع الملك. وقال ابن جريج: قال ابن عباس: {فَاْسْلُكُوهُ}: تدخل في أسته، ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى. وقال العوفي عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أن رضاضة مثل هذه ــــ وأشار إلى جمجمة ــــ أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمئة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة، لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها، أو أصلها» تفسير : وأخرجه الترمذي عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك به، وقال: هذا حديث حسن. وقوله تعالى: { إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } أي: لا يقوم بحق الله عليه؛ من طاعته وعبادته، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن لله على العباد أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئاً، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان والمعاونة على البر والتقوى، ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «حديث : الصلاة وما ملكت أيمانكم» تفسير : وقوله تعالى: { فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَـٰطِئُونَ } أي: ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله تعالى، لا حميم وهو القريب، ولا شفيع يطاع، ولا طعام له ههنا إلا من غسلين، قال قتادة: هو شر طعام أهل النار. وقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد المؤدب عن خصيف عن مجاهد عن ابن عباس قال: ما أدري ما الغسلين، ولكني أظنه الزقوم. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال: الغسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم. وقال علي بن أبي طلحة عنه: الغسلين: صديد أهل النار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يا} للتنبيه {لَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ }.
الماوردي
تفسير : {وأمّا من أُوتي كتابه بشماله} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان يقول ذلك راجياً. الثاني: أنه كان مستوراً فافتضح، ومن عادة العرب أن تفرق بين القبول والرد وبين الكرامة والهوان، باليمين والشمال، فتجعل اليمين بشيراً بالقبول والكرامة، وتجعل الشمال نذيراً بالرد والهوان. {ولم أَدْرِ ما حِسابِيَهْ} يحتمل وجهين: أحدهما: لما شاهد من كثرة سيئاته وكان يظنها قليلة، لأنه أحصاه اللَّه ونسوه. الثاني: لما رأى فيه من عظيم عذابه وأليم عقابه. {يَا لَيْتَها كانت القاضيةَ} فيه وجهان: أحدهما: يعني موتاً لا حياة فيه بعدها، قاله الضحاك. الثاني: أنه تمنى أن يموت في الحال، ولم يكن في الدنيا أكره إليه من الموت، قاله قتادة. {ما أغْنَى عَنيِّ مالِيَهْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن كثرة ماله في الدنيا لم يمنع عنه في الآخرة. الثاني: لأن رغبته في زينة الدنيا وكثرة المال هو الذي ألهاه عن الآخرة. {هَلَكَ عني سُلْطانِيَهْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه ضللت عن حُجّتي، قاله مجاهد وعكرمة والسدي والضحاك. الثاني: سلطانه الذي تسلط به على بدنه حتى أقدم به على معصيته، وهذا معنى قول قتادة. الثالث: أنه كان في الدنيا مطاعاً في أتباعه، عزيزاً في امتناعه، وهذا معنى قول الربيع بن أنس. وحكي أن هذا في أبي جهل بن هشام، وذكر الضحاك أنها نزلت في الأسود ابن عبد الأسد. {فليس له اليومَ ها هنا حَميمٌ} الحميم: القريب، ومعناه ليس له قريب ينفعه ويدفع عنه كما كان يفعل معه في الدنيا. {ولا طعامٌ إلا مِنْ غِسْلين} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه غسالة أطرافهم، قاله يحيى بن سلام، قال الأخفش: هو فعلين من الغسل. الثاني: أنه صديد أهل النار، قاله ابن عباس. الثالث: أنه شجرة في النار هي أخبث طعامهم، قاله الربيع بن أنس. الرابع: أنه الحار الذي قد اشتد نضجه، بلغة أزد شنوءة.
الخازن
تفسير : {وأما من أوتي كتابه بشماله}، قيل تلوى يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى كتابه بها. وقيل تنزع يده اليسرى من صدره إلى خلف ظهره ثم يعطى كتابه بها {فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه} وذلك لما نظر في كتابه ورأى قبائح أعماله مثبتة عليه تمنى أنه لم يؤت كتابه لما حصل له من الخجل والافتضاح {ولم أدر ما حسابيه} أي لم أدر أي شيء حسابي لأنه لا طائل ولا حاصل له وإنما كله عليه لا له {يا ليتها كانت القاضية} تمنى أنه لم يبيعث للحساب والمعنى يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت القاضية عن كل ما بعدها والقاطعة للحياة أي ما أحيا بعدها قال قتادة تمنى الموت ولم يكن شيء عنده أكره منه إليه أي من الموت في الدنيا لأنه رأى تلك الحالة أشنع وأمر مما ذاقه من الموت {ما أغنى عني ماليه} أي لم يدفع عني يساري ومالي من العذاب شيئاً {هلك عني سلطانيه} أي ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا وقيل ضلت عنه حجته حين شهدت عليه الجوارح بالشرك وقيل معناه زال عني ملكي وقوتى وتسلطي على الناس وبقيت ذليلاً حقيراً فقيراً {خذوه} أي يقول الله تعالى لخزنة جهنم خذوه {فغلوه} أي أجمعوا يديه إلى عنقه {ثم الجحيم صلوه} أي أدخلوه معظم النار لأنه كان يتعاظم في الدنيا {ثم في سلسلة} وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة {ذرعها} أي مقدارها والذرع التقدير بالذراع من اليد أو غيرها {سبعون ذراعاً} قال ابن عباس بذرع الملك. وقال نوفر البكالي سبعون ذراعاً كل ذراع سبعون باعاً كل باع أبعد مما بينك وبين مكة وكان في رحبة الكوفة. وقال سفيان كل ذراع سبعون ذراعاً، وقال الحسن الله أعلم أي ذراع هو عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أن رضاضة مثل هذه وأشار إلى مثل الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل ولو أنها أرسلت في رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. الرضاض: الحصباء الصغار، وقوله مثل هذه وأشار إلى مثل الجمجمة. الجمجمة قدح من خشب وجمعه جماجم والجمجمة الرأس وهو أشرف الأعضاء وقال وهب لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها وقوله تعالى: {فاسلكوه} أي أدخلوه فيها قال ابن عباس تدخل في دبره وتخرج من منخره. وقيل تدخل في فيه وتخرج من دبره {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم} أي لا يصدق بوحدانية الله وعظمته، {ولا يحض على طعام المسكين} أي ولا يحث نفسه على إطعام المسكين ولا يأمر أهله بذلك وفيه دليل على تعظيم الجرم في حرمان المساكين لأن الله تعالى عطفه على الكفر وجعله قرينه. قال الحسن في هذه الآية أدركت أقواماً يعزمون على أهليهم أن لا يردوا سائلاً وعن بعضهم أنه كان يأمر أهله بكثير المرقة لأجل المساكين ويقول خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع النصف الثاني بالإطعام.
البقاعي
تفسير : ولما كانت العادة جارية بأن أهل العرض ينقسمون إلى قسمين: مقبول ومردود، وذكر سبحانه وتعالى المقبول بادئاً به تشويقاً إلى حاله وتغبيطاً بعاقبته وحسن مآله، أتبعه المردود تنفيراً عن أعماله بما ذكر من قبائح أحواله فقال: {وأما من} ولما كان الدال على المساءة الإيتاء على وجه قبيح، لا تعيين المؤتي، قال بانياً للمفعول لذلك وللدلالة على ذل الأخذ وعدم قدرته على الامتناع عن شيء يسوءه: {أوتي كتابه} أي صحيفة أعماله - أعاذنا الله من ذلك {بشماله فيقول} أي لما يرى من سوء عاقبته التي كشف له عنها الغطاء حتى لم يشك فيها لما يرى من قبائحه التي قدمها، وكل ما يأتي مما يوهم سكتة في ذلك اليوم فمن باب المكابرة والمدافعة بالباطل على ما كان عليه في الدنيا {يا ليتني} تمنياً للمحال، وجرى عن نسق ما مضى في البناء للمفعول الدال على ذله وعدم جبلته فقال: {لم أوت} أي من مؤت ما {كتابيه *} أي هذا الذي ذكرني بخبائث أعمالي وعرفني جزاءها {ولم} أي ويا ليتني لم {أدر} ولو حاولت الدراية {ما} أي حقيقة {حسابيه *} من ذكر العمل وذكر جزائه، بل استمريت جاهلاً لذلك كما كنت في الدنيا. ولما تمنى هذين الشيئين، استأنف مراده بهما فقال لأنه رأى أن ما يستقبله شر مما كان فيه من البرزخ: {يا ليتها} أي الموتة التي منها {كانت القاضية *} أي الباتة الجازمة الملزمة لدوام الموت الخاتمة عليها حتى لا يكون بعدها بعث ولا شيء غير الموت كما كنت أعتقد في الدنيا؛ قال الإمام الرازي: وفي الحديث"حديث : تمنوا الموت"تفسير : أي إذ ذاك ولم يكن في الدنيا شيء أكره منه عندهم. ولما كان التمني مفهماً لأنه كان له ضد ما تمناه من البعث على ما كانت تخبره به الرسل ومن الحساب الذي هو سر البعث وخالصه، وقد كان يقول: إنه يتخلص منه، على تقدير كونه، بماله وجاهه قال معللاً لتمنيه: {ما أغنى} نافياً تأسفاً على فوات ما كان يرجو من نفعه، والمفعول على هذا التقدير محذوف للتعميم، أو مستفهماً استفهام إنكار على نفسه وتوبيخ حيث سولت له ما أثمر له كل سوء وكل محال منازعة للفطرة الأولى المؤيدة بما أخبرت به الرسل حتى أوقعه ذلك التسويل في الهلكة {عني ماليه *} أي الذي منعت منه حق الله وتعظمت به على عباده. وهذا النفي للإغناء سائغ مفهوم على كل من تقريري النفي والاستفهام. ولما كان المال سبب الوصول إلى السلطان، قال نافياً لما أوصله إليه ماله شارحاً لعدم إغنائه، {هلك عني} أي مجاوزاً لي حتى كأني لم أكن فيه ساعة قط {سلطانيه *} أي تسلطي على الدعاة إلى الله بالشبه الباطلة التي كان يطلق اللسان بها فأساعده عليها مع ظهور بطلانها الملك الذي أوصل إليه المال فعاد لأن ذلك الملك الأعظم هلك والمساعد أبعد مباعد. ولما كان كأنه قيل: هذا ما قال، فما يقال؟ أجيب بأنه يقال للزبانية تعذيباً لروحه بالتوبيخ والأمر بالتعذيب على رؤس الأشهاد: {خذوه} أي أيها الزبانية الذين كان يستهين بهم عند سماع ذكرهم. ولما كان الأخذ دالاً على الإهانة الناشئة عن الغضب، سبب عنه قوله: {فغلوه *} أي اجمعوا يديه إلى عنقه ورجليه من وراء قفاه إلى ناصيته. ولما كان الغل لما بعده من العقاب، قال معظماً رتبة عقابه في الشدة والهول بالتعبير بأداة التراخي: {ثم الجحيم} أي النار العظمى التي تجمح على من يريد دفاعاً وتحجم عنها من رآها لأنها في غاية الحمو والتوقد والتغيظ والتشدد {صلوه *} أي بالغوا في تصليته إياها وكرروها لغمسه في النار كالشاة المصلية مرة بعد أخرى ولا تصلوه في أول أمره غيرها لأنه كان لا يألو جهداً أن يحرق قلوب النصحاء بأشد ما يقدر عليه من الكلام وغيره، وكان يتعظم على الضعفاء، فناسب أن يصلي أعظم النيران، وعبر أيضاً بأداة التراخي لعلو رتبة مدخولها، فقال مؤذناً بعدم الخلاص: {ثم في سلسلة} أي عظيمة جداً لا ما هو دونها. ولما قدمها دلالة على الاهتمام بها وعلى تخصيصها لشدة مخافتها، عرف بعظيم هولها وشدة فظاعتها ليجتمع المفهوم والمنطوق على تهويلها فقال: {ذرعها} أي في أيّ شيء فرضت من طول أو عرض {سبعون ذراعاً} يحتمل أن يكون هذا العدد حقيقة، وأن يكون مبالغة، والذي يدل على أنها للمبالغة ما رواه الترمذي - وقال: إسناده حسن - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - وأرسلت من السماء إلى الأرض - وهي مسيرة خمسمائة سنة - لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها وقعرها" تفسير : وأشار سبحانه إلى ضيقها على ما تحيط به من بدنه بتعبيره بالسلك فقال: {فاسلكوه *} أي أدخلوه بحث يكون كأنه السلك - أي الحبل - الذي يدخل في ثقب الخرزة بعسر لضيق ذلك الثقب إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه بأن تلف عليه فيصير في غاية الضنك والهوان لا يقدر على حركة أصلاً، وهذا تعذيب القالب لأنه أفسد القلب بعدم الإيمان والقالب بعدم الأعمال. ولما ذكر على الإجمال عقابه أتبعه أسبابه، فقال بادئاً بأعظمها مؤكداً لأن كل كافر حتى المعطل يقر بالله تعالى نوع إقرار ويدعي الإيمان به نوع ادعاء، لأنه لا يقدر على غير ذلك لما له سبحانه من غلبة الظهور وانتشار الضياء والنور: {إنه كان} أي جبلة وطبعاً وإن أظهر شيئاً يلبس به على الضعفاء ويدلس على الأغنياء {لا يؤمن} أي الآن ولا في مستقبل الزمان {بالله} أي الملك الأعلى الذي يعلم السر وأخفى. ولما كانت عظمة الملك موجبة لزيادة النكال لمن يعانده على قدر علوها، وكان الذي أورث هذا الشقي هذا الخزي هو تعظمه على أمر الله وعباده، أشار إلى أنه لا يستحق العظمة غيره سبحانه فقال: {العظيم *} أي الكامل العظم.
التستري
تفسير : {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}[25] أي بما فيه من الأعمال الخبيثة والكفر، فيتمنى أن يكون غير مبعوث.
اسماعيل حقي
تفسير : {واما من اوتى كتابه بشماله} تحقيرا له لان الشمال يتشاءم بها بان تلوى يسراه الى خلف ظهره فيأخذه بها ويرى ما فيه من قبائح الاعمال {فيقول} تحزنا وتحسرا وخوفا مما فيه وهو من قبيل الألم الروحانى الذى هو أشد من الألم الجسمانى {يا} هؤلاء يا معشر المحشر {ليتنى} كاشكى من. وهو تمنٍ للمحال {لم اوت} متكلم مجهول من الايتاء بمعنى لم اعط {كتابيه} هذا الذى جمع جميع سيئاتى.
الطوسي
تفسير : لما حكى الله تعالى قصة أهل الجنة وشرح أحوالهم، حكى - ها هنا - قصة أهل النار وشرح أحوالهم، فقال {وأما من أوتي كتابه} يعني من أعطي كتابه الذي فيه أعماله مثبتة {بشماله} وإنما يعطي الله هؤلاء كتابهم بشمالهم، لانه جعل ذلك إمارة للملائكة والخلائق على أن صاحبه من أهل النار، فهو إذا اعطي كتابه في شماله يقول عند ذلك متمنياً متحسراً على ما فرط {يا ليتني لم أوت كتابيه....} أى ليتني لم اعط هذا الكتاب، والتمني هو قول القائل لما كان: ليته لم يكن، ولما لم يكن: ليته كان: فهو من صفات الكلام. وقال قوم: هو معنى في النفس فهؤلاء الذين يعطون كتابهم بشمالهم يتمنون أن لم يعطوا كتابهم أصلا، ولم يعلموا ما لهم وما عليهم، لان اعمالهم كلها معاصي، وهم يستحقون العقاب لا غير فلذلك يتمنون أن لا يعرفوا حسابهم، والحساب اخراج الكثير مما تضمن معنى العدة، وهو محتمل الزيادة والنقصان، والتمني في قول الكفار معناه التحسر والتندم وإن خرج مخرج التمني. ثم حكى تعالى أنهم لعظم ما دفعوا اليه من العقاب والاهوال ينتدمون ويتحسرون ويتمنون أن لو كانت القاضية بدلا مما هم فيه. قال الفراء: معناه ليت الموتة الأولى التي متناها لم نجئ بعدها. والقاضية الفاصلة بالامانة، يقال: قضى فلان إذا مات، واصله فصل الأمر، ومنه قضية الحاكم، وجمعها قضايا، ومنه قضاء الله وهو الاخبار بأنه يكون على القطع، والهاء في {يا ليتها} كناية عن الحالة التي هم فيها، وقيل كناية عن الموتة. قال قتادة: يعني الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء اكره منه. ثم حكى انه يقول {ما أغنى عني ماليه} ومعناه ما كفاني في صرف المكروه ولا صرف عني شيئاً من عقاب الله تعالى يقال: أغنى يغني غنى واغناء، قال ابن زيد: معناه ما نفعني ملكي الذى كان لي في الدنيا. وقوله {هلك عني سلطانيه} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: هلك عني حجتي. وقال الحسن: قد جعل الله لكل إنسان سلطاناً على نفسه ودينه وعيشه. وقال قوم: معناه هلك عني تسلطي وأمري ونهيي في دار الدنيا على ما كنت مسلطاً عليه لا أمر لي ولا نهي، فالهلاك ذهاب الشيء بحيث لا يقع عليه احساس، هلك يهلك هلوكاً، فهو هالك، قال الزجاج: والوجه أن يوقف على هذه الهاآت، ولا توصل، لانها ادخلت للوقف، وقد حذفها قوم. وفي ذلك مخالفة المصحف، فلا احب حذفها. قال: ولا احب ان اصل وأثبت الهاء، فان هذه رؤس الآي فالوجه الوقف عندها، وكذلك قوله {وما أدراك ما هيه} وقد وصل بلاهاء الكسائي. الباقون بالهاء في الحالين. ثم حكى ما يقول الله تعالى للملائكة ويأمرهم به، فانه يقول لهم {خذوه} يعني الكفار الذى أعطي كتابه بشماله {فغلوه} أى اوثقوه بالغل، وهو أن يشد احدى يديه او رجليه إلى عنقه بجامعة {ثم الجحيم صلوه} فالجحيم هي النار الغليظة لأن النار قد تكون ضعيفة كنار السراج ونار القدح، وقد تكون قوية كنار الحريق فلا يقال لنار السراج: جحيم، وهو اسم علم على نار جهنم التي أعدها الله للكفار والعصاة، والتصلية إلزام النار، ومنه الاصطلاء وهو القعود عند النار للدفا، واصله لزوم الأمر، فمنه المصلي الذي فى أثر السابق ومنه قول الشاعر: شعر : وصلى على دنها وارتسم تفسير : أي لزم الدعاء لهاء. وقوله {ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه} تقديره: ثم اسلكوه فى سلسلة طولها سبعون ذراعاً فاسلكوه فيها، فالسلسلة حلق منتظمة كل واحدة منها فى الأخرى، ومنه يقال: سلسل كلامه إذا عقده شيئاً بعد شيء، وتسلسل إذا استمر شيئاً قبل شيء على الولاء والانتظام. والذرع اخذ قدر الذراع مرة او أكثر، ذرع الرجل الثوب يذرعه ذرعاً، فهو ذرّاع، والثوب مذروع، مأخوذ من الذراع وهو العضو الذي يكون فى طرف الكف من الانسان. وقيل: اسلكوه في السلسلة، لأنه يأخذ عنقه فيها، ثم يجرّ بها. وقال الضحاك: إنها تدخل في فيه وتخرج من دبره. وقيل: المعنى ثم اسلك السلسلة فيه فقلب كما يقال: ادخلت القلنسوة في رأسي، وإنما أدخل رأسه فيها، وكما قال الاعشي: شعر : [غضوب من السوط زيّافة] إذا ما أرتدى بالسراه الاكم تفسير : وإنما السراة ترتدي بالاكم، ولكنه قلب، فهو يجري مجرى التقديم والتأخير اتساعاً في اللغة من غير اخلال بالمعنى. ويقولون أيضاً: ادخلت الخاتم في يدي، والخف في رجلي، وإنما تدخل اليد والرجل في الخاتم والخف، فقلب. ثم بين تعالى لم فعل به ذلك؟ وعلى أي شيء استحقه، فقال {إنه كان لا يؤمن بالله}أى لم يكن يوحد الله في دار التكليف ولم يصدق بالله {العظيم} في صفاته التي لا يشاركه فيها غيره {ولا يحض على طعام المسكين} أى لا يحث على ذلك مما يجب عليه من الزكاة والكفارات والنذور. ثم قال تعالى {فليس له} يعني للكافر {اليوم ها هنا} يعني يوم القيامة {حميم} وهو القريب الذى يحمي لغضب صاحبه {ولا طعام الأمن غسلين} يعنى من صديد أهل النار وما يجري منهم، فالطعام هو ما هيئ للأكل، فلذلك لا يسمى التراب طعاماً للانسان، والخشب طعام الأرضة، وليس من طعام أكثر الحيوان. فلما هيئ الصديد لأكل أهل النار كان ذلك طعاماً لهم. والغسلين هو الصديد الذى يتغسل بسيلانه من ابدان أهل النار. ووزنه (فعلين) من الغسل وقال ابن عباس: هو صديد أهل النار. وقيل: اهل النار طبقات منهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين، لانه قال في موضع آخر {أية : ليس لهم طعام إلا من ضريع}تفسير : وقال قطرب: يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين، فعبر عنه بعبارتين، وقال قوم: يجوز ان يكون المراد ليس لهم طعام إلا من ضريع ولا شراب الا من غسلين، فسماه طعاماً كما قال الشاعر: شعر : علفتها تبناً وماء بارداً تفسير : ثم قال تعالى {لا يأكله} أي لا يأكل هذا الغسلين {إلا الخاطئون} وهم الجائرون عن طريق الحق عامدين. والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن المخطئ قد يكون من غير تعمد لما وقع به من ترك اصابة المطلوب، وخطئ يخطىء خطأ فهو خاطئ قال امرؤ القيس: شعر : يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا القائلين الملك الحلا حلا تفسير : فهؤلاء الكفار قد جاروا عن طريق الحق وضلوا عن الصراط المستقيم وتبعوا الضلال فى الدين.
الجنابذي
تفسير : {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} قيل: نزلت فى معاوية {فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} لما يرى من سوء العاقبة وثبت الاعمال السّيّئة.
الأعقم
تفسير : {وأمَّا من أوتي كتابه بشماله} وهم العصاة {فيقول} هي علامة أهل النار تلوى يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى كتابه، وقيل: تنزع من صدره إلى خلف ظهره فإذا قرأ كتابه مشحوناً بكل قبيح وفاحشة قال تحسراً: {يا ليتني لم أوتَ كتابيه} كلام من ضاق صدره وقلّت حيلته فيقول: يا ليتني لم أعط هذا الكتاب ليتني لم أره {ولم أدر ما حسابيه} هذا كلام تحسراً وندماً {يا ليتها كانت القاضية} يعني الموتة الأولى في الدنيا ولم يكن لي حياة، وقيل: معناه ليتني مت فلم يكن لي حياة واسترحت {ما أغنى عني ماليه} أي ما كفى عني شيئاً من عذاب الله وما ينفعني اليوم {هلك عني سلطانيه} قيل: حجتي {خذوه} أي يقال للملائكة الذين هم خزنة جهنم {خذوه فغلوه} أي اجعلوا الأغلال في أعناقهم {ثم الجحيم صلّوه} أي أدخلوه النار وألزموه اياها {ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً} بذراع الملك أي اسلكوه في السلسلة قيل: تدخل من دبره وتخرج من منخرته، وقيل: تدخل من فيه وتخرج من دبره، وقيل: تدخل من دبره وتخرج من حَلقه وتكون محمّاة بنار جهنم، واختلفوا بالذراع، قيل: سبعون ذراعاً، وروي: لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم} شأنه وصفاته {ولا يحض على طعام المسكين} وهو المحتاج الفقير وهو منع الزكاة {فليس له اليوم هاهنا حميم} يعني يوم القيامة حميم صديق، وقيل: أحد يحميه، وقيل: قريب يعينه {ولا طعام إلا من غسلين} وهو غسالة أهل النار وما يسيل من أبدانهم من الصديد {لا يأكله إلا الخاطئون} الآثمون {فلا أقسم بما تبصرون} {وما لا تبصرون} وما لا ترون وأراد جميع المكونات، وقيل: ما تبصرون الشمس والقمر وما لا تبصرون العرش والكرسي، وقيل: الجنة والنار، وقيل: ما على وجه الأرض وما في بطنها، وقيل: بالنعم الظاهرة والباطنة، وقيل: بالأجسام والأرواح، وقيل: الجن والإِنس {إنه} جواب القسم {لقول رسول} قيل: جبريل، وقيل: محمد {كريم} على ربه أي بقوله ويكلم به على وجه الرسالة عند الله {وما هو بقول شاعر} ولا كاهن كما تدّعون {قليلاً ما تؤمنون} والقلَّة في معنى العدم، أي لا تؤمنون ولا تذكرون البتة {تنزيل} بياناً لأنه قوله: {رسول كريم} نزل عليه {من رب العالمين} {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} قيل: ادّعى الوحي فيما لم يوح إليه، وقيل: بزيادة أو نقصان أو بغير لو فعل ذلك {لأخذنا منه باليمين} أي لو فعل ذلك لانتقم الله منه فنفى ذلك منه وبين عصمته، وقيل: باليمين بالقوة، وقيل: لقطعنا يده اليمنى {ثم لقطعنا منه الوتين} قيل: نياط القلب، وقيل: عروق في القلب تتصل بالظهر {فما منكم من أحد عنه حاجزين} أي مانعين من العقاب {وإنه} يعني القرآن {لتذكرة} أي عظة لمن تدبر وتفكر وخصَّ {للمتقين} لأنهم الذين ينتفعون به ليفكروا فيه {وإنَّا لنعلم أن منكم مكذبين} إشارة إلى أن منهم مصدق ومكذب {وإنه لحسرة على الكافرين} قيل: القرآن حسرة عليهم حيث لم يعملوا به، وقيل: البعث والحساب حيث لم يُعدّوا لهما، وقيل: أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حسرة عليهم حيث كذبوا به {وإنه لحق اليقين}، قيل: معناه أنه صدق ويقين {فسبح باسم ربك العظيم} أي نزهه عما لا يجوز عليه من الصفات.
اطفيش
تفسير : {وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشَمَالِهِ} وهو المشرك والمنافق وعن بعض قومنا ان الموحد يخرج منها وانه يعطى كتابه بشماله {فَيَقُولُ} فيقول لما يرى من قبح العمل وسوء العاقبة {يَالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} يا حرف نداء والمنادى محذوف او حرف تنبيه. وكذا في مثله انه يؤته لما حصل له من الخجل والافتضاح.
اطفيش
تفسير : لما يرى من السوء، والمراد تمنى أن يكون لا كتاب سوء له ولا حساب فضلا عن أن يؤتى كتاباً ويدرى حساباً، أو المراد التضرر والتحسر جداً فى الحساب والكتاب حتى أنه رضى أن يعذب بدونهما وهو شامل للفاسق يؤتى كتابه بشماله كالمشرك ووقف بعض قومنا وقال بعض قومنا: يأْخذه بيمينه، ولا يتصور هذا إِلا بناء على أنه سيخرج منها إِلى الجنة، وقال بعض منهم: إِنه يأْخذ كتابه بيمينه بغير الخروج منها وكل يقرأ كتابه وبذلك وردت الأَخبار، وزعم بعض أن بعض المشركين تراه لدهشة حتى لا يميز، وبعض يقرأه وكل أحد يقرا كتابه ولو كان لا يعرف ما عمله فى الدنيا والشقى يقرأ السطر الأَول اسود فيسود وجهه ولا بياض فى كتابه أو أنه يقرأ حسناته أولا فيفرح ثم يعقب بسيئاته فيشتد كربه، وأول من يأخذ قاله الأَسود بن عبد الأَشد.
الالوسي
تفسير : / لما يرى من قبح العمل وانجلاء الحساب عما يسوءه.
ابن عاشور
تفسير : هذا قَسِيم {أية : من أُوتي كتابه بيمينه}تفسير : [الحاقة: 19]، فالقول في إيتائه كتابه بشماله قد عرف وجَهه ممَّا تقدم. وتمنِّي كل من أوتي كتابه بشماله أنه لم يُؤْت كتابه، لأنه علم من الاطلاع على كتابه أنه صائر إلى العذاب فيتمنى أن لا يكون عَلِم بذلك إبقاء على نفسه من حزنها زمناً فإن ترقُّب السوء عذاب. وجملة {ولم أدْرِ ما حسابيه} في موضع الحال من ضمير {لَيتَني}. والمعنى: إنه كان مكذباً بالحساب وهو مقابل قول الذي أوتي كتابه بيمينه: {أية : إِني ظننتُ أني ملاقٍ حسابيه}تفسير : [الحاقة: 20]. وجملة الحال معترضة بين جملتي التمني. ويجوز أن يكون عطفاً على التمني، أي يا ليتني لم أدر مَا حسابيَه، أي لم أعرِف كنه حسابي، أي نتيجته، وهذا وإن كان في معنى التمني الذي قبله فإِعادته تكرير لأجْل التحسر والتحزن. و {ما} استفهامية، والاستفهام بها هو الذي عَلَّق فعل {أدْرِ} عن العمل، و {يا ليتها كانت القاضية} تمنٍّ آخر ولم يعطف على التمنّي الأول لأن المقصود التحسر والتندم. وضمير {ليتها} عائد إلى معلوم من السياق، أي ليت حالتي، أو ليت مصيبتي كانت القاضية. و {القاضية}: الموت وهو معنى قوله تعالى: {أية : ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً}تفسير : [النبأ: 40]، أي مقبوراً في التراب. وجملة {يا ليتها كانت القاضية} من الكلام الصالح لأن يكون مثلاً لإيجازه ووفرة دلالته ورشاقة معناه عبر بها عما يقوله من أوتي كتابه بشماله من التحسر بالعبارة التي يقولها المتحسر في الدنيا بكلام عربي يؤدي المعنى المقصود. ونظيره ما حكي عنهم في قوله تعالى: {أية : دَعَوا هنالك ثبوراً}تفسير : [الفرقان: 13] وقوله: {أية : يا وَيْلَتَا ليتني لم أتَّخِذْ فُلاناً خليلاً}تفسير : [الفرقان: 28] وقوله: {أية : يا ويلتنا ما لهذا الكتاب}تفسير : الآية [الكهف: 49]. ثم أخذ يتحسر على ما فرط فيه من الخير في الدنيا بالإِقبال على ما لم يُجْدِه في العالم الأبدي فقال: {ما أغنى عني مَاليَه}، أي يقول ذلك من كان ذا مال وذا سلطان من ذلك الفريق من جميع أهل الإشراك والكفر، فما ظنك بحسرة من اتبعوهم واقتدوا بهم إذا رأوهم كذلك، وفي هذا تعريض بسادة مشركي العرب مثل أبي جهل وأمية بن خلف قال تعالى: {أية : وذرني والمكذبين أولي النَّعمة}تفسير : [المزمل: 11]. وفي {أغْنَى عَنّي} الجناس الخَطِّي ولو مَع اختلاف قليل كما في قولهم «غرّك عِزُّك فَصَار قصارى ذَلِك ذُلّك». ومعنى هلاك السلطان: عدم الانتفاع به يومئذٍ فهو هلاك مجازي. وضمّن {هلك} معنى (غاب) فعدي بـ (عن)، أي لم يحضرني سلطاني الذي عهدته. والقول في هاءَات "كتابيهْ، وحسابيهْ، وماليهْ، وسلطانيهْ"، كالقول فيما تقدم إلاّ أن حمزة وخلفاً قرآ هنا {ما أغنى عني مالِيه هلك عني سلطانيه} بدون هاء في حالة الوصل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يا ليتني لم أُوت كتابية: أي يتمنى أنه لم يعط كتابه لما رأى فيه من السيئات. كانت القاضية: أي الموتة في الدنيا كانت القاطعة لحياتي حتى لا أبعث. هلك عني سلطانية: أي قوتي وحجتي. خذوه: أي أيها الزبانية خذوا هذا الكافر. فغلوه: أي اجعلوا يديه إلى عنقه في الغل. ثم الجحيم صلوه: أي ثم في النار المحرقة أدخلوه وبالغوا في تصليته كالشاة المصلية. حميم: أي من قريب ينفعه أو صديق. إلا من غسلين: أي صديد أهل النار الخارج من بطونهم لأكلهم شجر الغسلين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر ما يجري من أحداث وقد تقدم ذكر الذي أُوتي كتابه بيمينه وما له من كرامة عند ربّه وفي هذه الآيات ذكر الذي أُوتي كتابه بشماله وما له من مهانة وعذاب جزاء كفره فقال تعالى {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ} أي في عرصات القيامة فيقول بعد النظر فيه وما يلوح له فيه من السيئات {يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ} يتمنى لو أنه لم يعط كتابه ولم يدر ما حسابه وأن الموتة التي ماتها في الدنيا يتمنى لو كانت القاطعة لحياته حتى لا يبعث، ثم يواصل تحسره وتحزنه قائلا {مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ} أي مالي والهاء في ماليه وفي كتابيه وحسابيه وفي ماليه وسلطانيه يقال لها هاء السكت يوقف عليها بالسكون قراءة كافة القراء وقوله {هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} أي ذهبت عني حججي فلم أجد ما احتج به لنفسي قال تعالى للزبانية {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ} أي شدوا يديه في عنقه بالغل {ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ} أي أدخلوه فيها وصلوه بحرها المرة بعد المرة كما يصلى الكبش المشوى المصلي، {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ} طويلة {ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ} ولم يعرف مدى طول هذه الذراع إلا أنه إذا كان الكافر ما بين كتفيه كما بين مكة وقديد قرابة مائة وخمسين ميلا فإِن السلسلة في ذرعها السبعين ذراعا لا بد وأن تكون مناسبة لهذا الجسم {فَاسْلُكُوهُ} أي ادخلوه فيها فتدخل من فمه وتخرج من دبره كسلك الخرزة في الخيط وذكر تعالى علّة هذا الحكم عليه فقال {إِنَّهُ كَانَ} أي في الدنيا {لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} فانحصرت جريمته في شيئين الكفر بالله ومنع الحقوق الواجب في المال ثم أخبر تعالى عن حال هذا الكافر الشقي في جهنم فقال {فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا} أي في جهنم {حَمِيمٌ} أي صديق أو قريب ينتفع به فيدفع عنه العذاب أو يخففه {وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} أي وليس له طعام يأكله إلا من طعام الغسلين الذي هو صديد أهل النار فإِنهم عندما يأكلون شجر الغسلين يكون كالمسهل في بطونهم فيخرج كل ما في بطونهم وذلك هو الغسلين الذي يأكلونه ذلك الغسلين الذي لا يأكله إلا الخاطئون أي الذين ارتكبوا خطيئة الكفر والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحداثها. 2- المال الذي باع المفلسون فيه الأمة والملة لا يغني يوم القيامة عن صاحبه شيئا. 3- التنديد بالكفر بالله وأهله. 4- عظم جريمة منع الحقوق المالية من الزكاة وغيرها.
د. أسعد حومد
تفسير : {كِتَابَهُ} {يٰلَيْتَنِي} {كِتَابِيَهْ} (25) - أَمَّا الأَشْرَارُ الأَشْقِيَاءُ فَإِنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ صَحِيفَةَ أَعْمَالِهِمْ فَيَتَنَاوَلُونَهَا بِشَمَائِلِهِمْ، وَحِينَئِذٍ يَرَونَ مَا فِيهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ فَيَنْدَمُونَ غَايَةَ النَّدَمِ عَلَى مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَتَمَنَّوْنَ أَنَّهُمْ قُذِفَ بِهِمْ فِي النَّارِ، وَلَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَا فِي صَحِيفَةِ أَعْمَالِهِمْ مِنَ المَخَازِي وَالأَعْمَالِ المُخْجِلَةِ.
الجيلاني
تفسير : {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ} بعدما رأى تفصيل المعاصي والمقابح الصادرة منه في نشأة الاعتبار، متمنياً متحسراً من كمال الضجرة والأسف المفرط: {يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ} [الحاقة: 25] هذا. {وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 26] فيه. {يٰلَيْتَهَا كَانَتِ} هذه الحالة الآتية عليَّ {ٱلْقَاضِيَةَ} [الحاقة: 27] الفارقة الفاصلة بيني وبين الحياة، بحيث لم أصر حياً بعد هذه الحالة؛ حتى لا أُفتضح على رءوس الأشهاد. ثمَّ قال متأسفاً متحسراً على ما مضى عليه: {مَآ أَغْنَىٰ} ودفع {عَنِّي} العذاب {مَالِيَهْ} [الحاقة: 28] أي: ما نُسب إليَّ من الأموال والأولاد والأتباع. بل {هَّلَكَ} وضاع {عَنِّي} اليوم {سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 29] أي: تسلطني على الناس، وتفوقي على الأقران. وهو في أمثال هذه الهواجس على سبيل الحسرة والضجرة، قيل للموكَّلين من قِبَل الحق: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ} [الحاقة: 30] بالأغلال الضيقة الثقيلة. {ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ} العظيم المعهود الذي يُعدّ لأصحاب الثروة من الكفرة {صَلُّوهُ} [الحاقة: 31] واطرحوه. {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا} قدرها طولاً: {سَبْعُونَ ذِرَاعاً} بذراع لا يعرف طولها إلاَّ الله {فَاسْلُكُوهُ} [الحاقة: 32] وأدخلوه وألقوه به، بحيث يصير محفوفاً بها، لا يقدر على الحركة أصلاً. وكيف لا يُعذب كذلك {إِنَّهُ} من كمال نخوته وتجبره {كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ} [الحاقة: 33] المستحق للعبودية والإيمان عتواً وعناداً؟! ولا شك أن من تعظَّم على الله العلي العظيم فقد استحق أعظم العذاب، واستوجب أشد النكال. {وَ} مع ذلك {لاَ يَحُضُّ} أي: لا يحب ولا يرضى {عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} [الحاقة: 34] إن أطعمه أحد فضلاً أن يطعمه هو نفسه من ماله. {فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا} أي: في يوم العرض والجزاء {حَمِيمٌ} [الحاقة: 35] قريب من أقاربه يحميه ويشفع له، كما في الدنيا. {وَلاَ طَعَامٌ} يأكله ويشبع منه {إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} [الحاقة: 36] أي: غُسالة أهل النار، وما يسيل منهم من القيح والصديد. وبالجملة: {لاَّ يَأْكُلُهُ} أي: الغسلين {إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ} [الحاقة: 37] أي: أصحاب الخطايا والعصيان العظام، والجرائم الكبيرة والآثام.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هؤلاء أهل الشقاء يعطون كتب أعمالهم السيئة بشمالهم تمييزا لهم وخزيا وعارا وفضيحة، فيقول أحدهم من الهم والغم والخزي { يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ } لأنه يبشر بدخول النار والخسارة الأبدية. { وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ } أي: ليتني كنت نسيا منسيا ولم أبعث وأحاسب ولهذا قال: { يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ } أي:: يا ليت موتتي هي الموتة التي لا بعث بعدها. ثم التفت إلى ماله وسلطانه، فإذا هو وبال عليه لم يقدم منه لآخرته، ولم ينفعه في الافتداء من عذاب الله فيقول: { مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ } أي: ما نفعني لا في الدنيا، لم أقدم منه شيئا، ولا في الآخرة، قد ذهب وقت نفعه. { هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } أي: ذهب واضمحل فلم تنفع الجنود الكثيرة، ولا العدد الخطيرة، ولا الجاه العريض، بل ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وفاتت بسببه المتاجر والأرباح، وحضر بدله الهموم والغموم والأتراح، فحينئذ يؤمر بعذابه فيقال للزبانية الغلاظ الشداد: { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ } أي: اجعلوا في عنقه غلا يخنقه. { ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ } أي: قلبوه على جمرها ولهبها. { ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا } من سلاسل الجحيم في غاية الحرارة { فَاسْلُكُوهُ } أي: انظموه فيها بأن تدخل في دبره وتخرج من فمه، ويعلق فيها، فلا يزال يعذب هذا العذاب الفظيع، فبئس العذاب والعقاب، وواحسرة من له التوبيخ والعتاب. فإن السبب الذي أوصله إلى هذا المحل: { إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ } بأن كان كافرا بربه معاندا لرسله رادا ما جاءوا به من الحق. { وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } أي: ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء والمساكين فلا يطعمهم [من ماله] ولا يحض غيره على إطعامهم، لعدم الوازع في قلبه، وذلك لأن مدار السعادة ومادتها أمران: الإخلاص لله، الذي أصله الإيمان بالله، والإحسان إلى الخلق بوجوه الإحسان، الذي من أعظمها، دفع ضرورة المحتاجين بإطعامهم ما يتقوتون به، وهؤلاء لا إخلاص ولا إحسان، فلذلك استحقوا ما استحقوا. { فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا } أي: يوم القيامة { حَمِيمٍ } أي: قريب أو صديق يشفع له لينجو من عذاب الله أو يفوز بثواب الله: {أية : وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } {أية : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ }. تفسير : وليس له طعام إلا من غسلين وهو صديد أهل النار، الذي هو في غاية الحرارة، ونتن الريح، وقبح الطعم ومرارته لا يأكل هذا الطعام الذميم { إِلا الْخَاطِئُونَ } الذين أخطأوا الصراط المستقيم وسلكوا سبل الجحيم فلذلك استحقوا العذاب الأليم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):