٧٠ - ٱلْمَعَارِج
70 - Al-Ma'aarij (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {سَأَلَ } فيه قراءتان منهم من قرأه بالهمزة، ومنهم من قرأه بغير همزة، أما الأولون وهم الجمهور فهذه القراءة تحتمل وجوهاً من التفسير: الأول: أن النضر بن الحرث لما قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأنفال: 32] فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعنى قوله: {سَأَلَ سَائِلٌ } أي دعا داع بعذاب واقع من قولك دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى: {أية : يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فَـٰكِهَةٍ ءامِنِينَ } تفسير : [الدخان: 55] قال ابن الأنباري: وعلى هذا القول تقدير الباء الإسقاط، وتأويل الآية: سأل سائل عذاباً واقعاً، فأكد بالباء كقوله تعالى: {أية : وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } تفسير : [مريم: 25] وقال صاحب الكشاف لما كان {سَأَلَ } معناه ههنا دعا لا جرم عدى تعديته كأنه قال دعا داع بعذاب من الله الثاني: قال الحسن وقتادة لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وخوف المشركين بالعذاب قال المشركون: بعضهم لبعض سلوا محمداً لمن هذا العذاب وبمن يقع فأخبره الله عنه بقوله: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } قال ابن الأنباري: والتأويل على هذا القول: سأل سائل عن عذاب والباء بمعنى عن، كقوله:شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب تفسير : وقال تعالى: {أية : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً } تفسير : [الفرقان: 59] وقال صاحب «الكشاف»: {سَأَلَ } على هذا الوجه في تقدير عنى واهتم كأنه قيل: اهتم مهتم بعذاب واقع الثالث: قال بعضهم: هذا السائل هو رسول الله استعجل بعذاب الكافرين، فبين الله أن هذا العذاب واقع بهم، فلا دافع له قالوا: والذي يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى في آخر الآية: {أية : فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً } تفسير : [المعارج: 5] وهذا يدل على أن ذلك السائل هو الذي أمره بالصبر الجميل، أما القراءة الثانية وهي (سال) بغير همز فلها وجهان: أحدهما: أنه أراد {سَأَلَ } بالهمزة فخفف وقلب قال:شعر : سألت قريش رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما سالت ولم تصب تفسير : والوجه الثاني: أن يكون ذلك من السيلان ويؤيده قراءة ابن عباس سال سيل والسيل مصدر في معنى السائل، كالغور بمعنى الغائر، والمعنى اندفع عليهم واد بعذاب، وهذا قول زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن زيد قالا: سال واد من أودية جهنم بعذاب واقع. أما {سَائِلٌ }، فقد اتفقوا على أنه لا يجوز فيه غير الهمز لأنه إن كان من سأل المهموز فهو بالهمز، وإن لم يكن من المهموز كان بالهمز أيضاً نحو قائل وخائف إلا أنك إن شئت خففت الهمزة فجعلتها بين بين، وقوله تعالى: {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَـٰفِرِينَ } فيه وجهان، وذلك لأنا إن فسرنا قوله: {سَأَلَ } بما ذكرنا من أن النضر طلب العذاب، كان المعنى أنه طلب طالب عذاباً هو واقع لا محالة سواء طلب أو لم يطلب، وذلك لأن ذلك العذاب نازل للكافرين في الآخرة واقع بهم لا يدفعه عنهم أحد، وقد وقع بالنضر في الدنيا لأنه قتل يوم بدر، وهو المراد من قوله: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ } وأما إذا فسرناه بالوجه الثاني وهو أنهم سألوا الرسول عليه السلام، أن هذا العذاب بمن ينزل فأجاب الله تعالى عنه بأنه واقع للكافرين، والقول الأول وهو السديد، وقوله: {مِنَ ٱللَّهِ } فيه وجهان الأول: أن يكون تقدير الآية بعذاب واقع من الله للكافرين الثاني: أن يكون التقدير ليس له دافع من الله، أي ليس لذلك العذاب الصادر من الله دافع من جهته، فإنه إذا أوجبت الحكمة وقوعه امتنع أن لا يفعله الله وقوله: {ذِي ٱلْمَعَارِجِ } المعارج جمع معرج وهو المصعد، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } تفسير : [الزخرف: 33] والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً أحدها: قال ابن عباس في رواية الكلبي: {ذِي ٱلْمَعَارِجِ }، أي ذي السموات، وسماها معارج لأن الملائكة يعرجون فيها وثانيها: قال قتادة: ذي الفواضل والنعم وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه مراتب، وهي تصل إلى الناس على مراتب مختلفة وثالثها: أن المعارج هي الدرجات التي يعطيها أولياءه في الجنة، وعندي فيه وجه رابع: وهو أن هذه السموات كما أنها متفاوتة في الارتفاع والانخفاض والكبر والصغر، فكذا الأرواح الملكية مختلفة في القوة والضعف والكمال والنقص وكثرة المعارف الإلهية وقوتها وشدة القوة على تدبير هذا العالم وضعف تلك القوة، ولعل نور إنعام الله وأثر فيض رحمته لا يصل إلى هذا العالم إلا بواسطة تلك الأرواح، إما على سبيل العادة أولا كذلك على ما قال: {أية : فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً } تفسير : [الذاريات: 4]، {أية : فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } تفسير : [النازعات: 5] فالمراد بقوله: {مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ } الإشارة إلى تلك الأرواح. المختلفة التي هي كالمصاعد لارتفاع مراتب الحاجات من هذا العالم إليها وكالمنازل لنزول أثر الرحمة من ذلك العالم إلى ما ههنا.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} قرأ نافع وابن عامر «سَالَ سَايل» بغير همزة. الباقون بالهمز. فمن همز فهو من السؤال. والباء يجوز أن تكون زائدة، ويجوز أن تكون بمعنى عن. والسؤال بمعنى الدعاء؛ أي دعا داع بعذاب؛ عن ابن عباس وغيره. يقال: دعا على فلان بالويل، ودعا عليه بالعذاب. ويقال: دعوت زيداً؛ أي التمست إحضاره. أي التَمَسَ ملتمِسٌ عذاباً للكافرين؛ وهو واقع بهم لا محالة يوم القيامة. وعلى هذا فالباء زائدة؛ كقوله تعالى: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون:20]، وقوله. {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} تفسير : [مريم:25] فهي تأكيد. أي سأل سائل عذاباً واقعاً.{لِّلْكَافِرِينَ} أي على الكافرين. وهو النضر بن الحارث حيث قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال:32] فنزل سؤاله، وقُتل يوم بدرٍ صبراً هو وعقبة بن أبي مُعيط؛ لم يُقْتل صبراً غيرُهما؛ قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان والفِهْرِيّ. وذلك أنه لما بلغه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في عليّ رضي الله عنه: «حديث : مَنْ كنتُ مَوْلاَه فعليٌّ مولاه» تفسير : ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح ثم قال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إلٰه إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأن نصلّي خمساً فقبلناه منك، ونزكي أموالنا فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في كل عام فقبلناه منك، وأن نَحُجّ فقبلناه منك، ثم لم ترض بهذا حتى فَضَّلْتَ ابن عمك عليناٰ أفهذا شيء منك أم من الله؟ ٰ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : والله الذي لا إلٰه إلا هو ما هو إلا من الله» تفسير : فولّى الحارث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله؛ فنزلت: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} الآية. وقيل: إن السائل هنا أبو جهل وهو القائل لذلك، قاله الربيع. وقيل: إنه قول جماعة من كفار قريش. وقيل: هو نوح عليه السلام سأل العذاب على الكافرين. وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أي دعا عليه السلام بالعقاب وطلب أن يوقعه الله بالكفار؛ وهو واقع بهم لا محالة. وامتدّ الكلام إلى قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} أي لا تستعجل فإنه قريب. وإذا كانت الباء بمعنى عن ـ وهو قول قتادة ـ فكأن سائلاً سأل عن العذاب بمن يقع أو متى يقع. قال الله تعالى: {أية : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} تفسير : [الفرقان:59] أي سل عنه. وقال علقمة:شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبِيب تفسير : أي عن النساء. ويقال: خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. فالمعنى سألوا بمن يقع العذاب ولمن يكون فقال الله: {لِّلْكَافِرِينَ}. قال أبو علي وغيره: وإذا كان السؤال فأصله أن يتعدَّى إلى مفعولين ويجوز الاقتصار على أحدهما. وإذا اقتصر على أحدهما جاز أن يتعدّى إليه بحرف جَرّ؛ فيكون التقدير سأل سائل النبيّ صلى الله عليه وسلم أو المسلمين بعذاب أو عن عذاب. ومن قرأ بغير همز فله وجهان: أحدهما أنه لغة في السؤال وهي لغة قريش؛ تقول العرب: سال يسال؛ مثل نال ينال وخاف يخاف. والثاني أن يكون من السيلان؛ ويؤيده قراءة ابن عباس «سال سَيْل». قال عبد الرحمن بن زيد: سال وادٍ من أودية جهنم يقال له: سائل؛ وهو قول زيد بن ثابت. قال الثعلبي: والأوّل أحسن؛ كقول الأعشى في تخفيف الهمزة:شعر : سالتاني الطلاق إذ رأتاني قَلّ مالي قد جئتماني بنُكْر تفسير : وفي الصحاح: قال الأخفش: يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. وقد تخفف همزته فيقال سال يسال وقال:شعر : ومُرْهقٍ سال إمتاعاً بأُصْدَتِه لم يَسْتَعن وحَوامِي المَوْتِ تغشاه تفسير : المرهق: الذي أدرك ليقتل.والأُصدة بالضم: قميص صغير يلبس تحت الثوب. المهدويّ: من قرأ «سال» جاز أن يكون خفّف الهمزة بإبدالها ألفاً، وهو البدل على غير قياس. وجاز أن تكون الألف منقلبة عن واو على لغة من قال: سِلت أسال؛ كخفت أخاف. النحاس: حكى سيبويه سِلت أسال؛ مثل خفت أخاف؛ بمعنى سألت. وأنشد:شعر : سالَتْ هُذَيلٌ رسولَ الله فاحشةً ضَلّتْ هذيلٌ بما سالتْ ولم تُصِبِ تفسير : ويقال: هما يتساولان. المهدوي: وجاز أن تكون مبدلة من ياء، من سال يسيل. ويكون سايل وادياً في جهنم؛ فهمزة سايل على القول الأوّل أصلية، وعلى الثاني بدل من واو، وعلى الثالث بدل من ياء. القشيري: وسائل مهموز؛ لأنه إن كان من سأل بالهمز فهو مهموز، وإن كان من غير الهمز كان مهموزاً أيضاً؛ نحو قائل وخائف؛ لأن العين اعتلّ في الفعل واعتل في اسم الفاعل أيضا. ولم يكن الاعتلال بالحذف لخوف الالتباس، فكان بالقلب إلى الهمزة، ولك تخفيف الهمزة حتى تكون بين بين. {وَاقِعٍ} أي يقع بالكفار، بيّن أنه من الله ذي المعارج. وقال الحسن: أنزل الله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} فقال لمن هو؟ فقال للكافرين؛ فاللام في الكافرين متعلقة بـ «واقع». وقال الفرّاء: التقدير بعذاب للكافرين واقع؛ فالواقع من نعت العذاب، واللام دخلت للعذاب لا للواقع، أي هذا العذاب للكافرين في الآخرة لا يدفعه عنهم أحد. وقيل إن اللام بمعنى على، والمعنى: واقع على الكافربن. ورُوي أنها في قراءة أُبيّ كذلك. وقيل: بمعنى عن؛ أي ليس له دافع عن الكافرين من الله. أي ذلك العذاب من الله ذي المعارج؛ أي ذي العلوّ والدرجات الفواضل والنِّعم؛ قاله ابن عباس وقتادة. فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق. وقيل ذي العظمة والعلاء. وقال مجاهد: هي معارج السماء. وقيل: هي معارج الملائكة؛ لأن الملائكة تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك. وقيل: المعارج الغرف؛ أي إنه ذو الغُرف، أي جعل لأوليائه في الجنة غرفاً. وقرأ عبد الله «ذي المعاريج» بالياء. يقال: معرج ومعراج ومعارج ومعاريج؛ مثل مفتاح ومفاتيح. والمعارج الدرجات؛ ومنه: {أية : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} تفسير : [الزخرف:33]. {تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} أي تَصْعَد في المعارج التي جعلها الله لهم. وقرأ ابن مسعود وأصحابه والسُّلّمِيّ والكسائي «يَعْرُجُ» بالياء على إرادة الجمع؛ ولقوله: ذكِّروا الملائكة ولاتؤنثوهم. وقرأ الباقون بالتاء على إرادة الجماعة. «وَالرُّوحُ» جبريل عليه السلام؛ قاله ابن عباس. دليله قوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء:193]. وقيل: هو مَلَك آخر عظيم الخِلقة. وقال أبو صالح: إنه خَلْقٌ من خَلْق الله كهيئة الناس وليس بالناس. قال قَبِيصة بن ذُؤَيْب: إنه روح الميت حين يقُبض. {إِلَيْهِ} أي إلى المكان الذي هو محلهم وهو في السماء؛ لأنها محل بِرّه وكرامته. وقيل: هو كقول إبراهيم {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي} تفسير : [الصافات:99]. أي إلى الموضع الذي أمرني به. وقيل: «إلَيْهِ» أي إلى عرشه. {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قال وهب والكلبي ومحمد بن إسحاق: أي عروج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم في وقت كان مقداره على غيرهم لو صَعِد خمسين ألف سنة. وقال وهب أيضاً: ما بين أسفل الأرض إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة. وهو قول مجاهد. وجمع بين هذه الآية وبين قوله: {أية : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [السجدة:5] في سورة السجدة، فقال: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السموات خمسون ألف سنة. وقوله تعالى في: (الۤم تنزيل): {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} يعني بذلك نزول الأمر من سماء الدنيا إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد فذلك مقدار ألف سنة، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن مجاهد أيضاً والحَكَم وعِكْرمة: هو مدّة عمر الدنيا من أوّل ما خلقت إلى آخر ما بقي خمسون ألف سنة. لا يدري أحدٌ كم مضى ولا كم بقي إلا الله عز وجل. وقيل: المراد يوم القيامة، أي مقدار الحُكْم فيه لو تولاه مخلوق خمسون ألف سنة، قاله عكرمة أيضا والكلبي ومحمد بن كعب. يقول سبحانه وتعالى وأنا أفرغ منه في ساعة. وقال الحسن: هو يوم القيامة، ولكن يوم القيامة لا نفاد له. فالمراد ذكر موقفهم للحساب فهو في خمسين ألف سنة من سِني الدنيا، ثم حينئذ يستقر أهل الدارين في الدارين. وقال يَمَان: هو يوم القيامة، فيه خمسون موطناً كل موطن ألف سنة. وقال ابن عباس: هو يوم القيامة، جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، ثم يدخلون النار للاستقرار. قلت: وهذا القول أحسن ما قيل في الآية إن شاء الله، بدليل ما رواه قاسم بن أصْبَغ حديث : من حديث أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة». فقلت: ما أطول هذاٰ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة المكتوبة يصلّيها في الدنيا»تفسير : . واستدّل النحاس على صحة هذا القول بما رواه سُهيل عن أبيه عن أبي هريرة: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما من رجل لم يؤدّ زكاة ماله إلا جعل شجاعاً من نار تكوي به جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين الناس»تفسير : . قال: فهذا يدل على أنه يوم القيامة. وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلا قدر ما بين الظهر والعصر. وروي هذا المعنى مرفوعاً من حديث معاذ: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين ولذلك سَمّى نفسه سريع الحساب وأسرع الحاسبين»تفسير : . ذكره الماورديّ. وقيل: بل يكون الفراغ لنصف يوم، كقوله تعالى: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} تفسير : [الفرقان:24]. وهذا على قدر فَهم الخلائق، وإلا فلا يشغله شأن عن شأن. وكما يرزقهم في ساعة كذا يحاسبهم في لحظة، قال الله تعالى: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [لقمان:28]. وعن ابن عباس أيضاً أنه سئل عن هذه الآية وعن قوله تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فقال: أيام سَمّاها الله عز وجل هو أعلم بها كيف تكون، وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم. وقيل: معنى ذكر خمسين ألف سنة تمثيل، وهو تعريف طول مدّة القيامة في الموقف، وما يلقى الناس فيه من الشدائد. والعرب تصف أيام الشدّة بالطول، وأيام الفرح بالقِصر؛ قال الشاعر:شعر : ويومٍ كظِلّ الرُّمْح قَصَّرَ طولَه دَمُ الزِّق عنّا واصطفاق المزاهر تفسير : وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له من الله دافع، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه. وهذا القول هو معنى ما اخترناه، والموفق الإلٰه.
البيضاوي
تفسير : { مكية وآيها أربع وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } أي دعا داع به بمعنى استدعاه ولذلك عدى الفعل بالباء والسائل هو النضر بن الحارث فإنه قال {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [الأنفال: 32] الآية أو أبو جهل فإنه قال {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [الشعراء: 187] ساله استهزاء أو الرسول عليه الصلاة والسلام استعجل بعذابهم وقرأ نافع وابن عامر « سال» وهو إما من السؤال على لغة قريش قال:شعر : سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما سالت ولم تصب تفسير : أو من السيلان ويؤيده أنه قرىء «سال سيل» على أن السيل مصدر بمعنى السائل كالغور والمعنى سال واد بعذاب ومضى الفعل لتحقق وقوعه إما في الدنيا وهو قتل بدر أو في الآخرة وهو عذاب النار. {لِلْكَـٰفِرِينَ} صفة أخرى لعذاب أو صلة لـ {وَاقِعٍ} وإن صح أن السؤال كان عمن يقع به العذاب كان جواباً والباء على هذا لتضمن {سَأَلَ} معنى اهتم {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} يرده. {مِنَ ٱللَّهِ } من جهته لتعلق إرادته {ذِي ٱلْمَعَارِجِ} ذي المصاعد وهي الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب العمل الصالح أو يترقى فيها المؤمنون في سلوكهم أو في دار ثوابهم أو مراتب الملائكة أو في السموات فإن الملائكة يعرجون فيها. {تَعْرُجُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } استئناف لبيان ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها على التمثيل والتخيل والمعنى أنها بحيث لو قدر قطعها في زمان لكان في زمان يقدر بخمسين ألف سنة من سني الدنيا وقيل تعرج الملائكة والروح إلى عرشه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من حيث إنهم يقطعون فيه ما يقطع الإنسان فيها لو فرض لا أن ما بين أسفل العالم وأعلى شرفات العرش مسيرة خمسين ألف سنة لأن ما بين مركز الأرض ومقعر السماء الدنيا على ما قيل مسيرة خمسمائة عام وثخن كل واحدة من السموات السبع والكرسي والعرش كذلك وحيث قال {أية : فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ }تفسير : [السجده: 5] يريد زمان عروجهم من الأرض إلى محدب السماء الدنيا وقيل {فِى يَوْمٍ } متعلق بـ {وَاقِعٍ } أو {سَالَ} إذا جعل من السيلان والمراد به يوم القيامة واستطالته إما لشدته على الكفار أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات أو لأنه على الحقيقة كذلك والروح جبريل عليه السلام وإفراده لفضله أو خلق أعظم من الملائكة. {فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} لا يشوبه استعجال واضطراب قلب وهو متعلق بـ {سَأَلَ} لأن السؤال كان عن استهزاء أو تعنت وذلك مما يضجره أو عن تضجر واستبطاء للنصر أو بـ {سَأَلَ} لأن المعنى قرب وقوع العذاب {فَٱصْبِرْ } فقد شارفت الانتقام. {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ} الضمير للعذاب أو يوم القيامة {بَعِيداً} من الإِمكان. {وَنَرَاهُ قَرِيباً} منه أو من الوقوع. {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَاء كَٱلْمُهْلِ} ظرف لـ {قَرِيبًا} أي يمكن {يَوْمَ تَكُونُ} أو لمضمر دل عليه {وَاقِعٍ} أو بدل من {فِى يَوْمٍ} إن علق به والمهل المذاب في «مهل» كالفلزات أو دردي الزيت. {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} كالصوف المصبوغ ألواناً لأن الجبال مختلفة الألوان فإذا بست وطيرت في الجو أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح. {وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} ولا يسأل قريب قريباً عن حاله وعن ابن كثير «وَلاَ يُسْـئَلَ» على بناء المفعول أي لا يطلب من حميم حميم أو لا يسأل منه حاله. {يُبَصَّرُونَهُمْ} استئناف أو حال تدل على أن المانع من هذا السؤال هو التشاغل دون الخفاء أو ما يغني عنه من مشاهدة الحال كبياض الوجه وسواده وجمع الضميرين لعموم الحميم. {يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ}. {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِ وَأَخِيهِ} حال من أحد الضميرين أو استئناف يدل على أن اشتغال كل مجرم بنفسه بحيث يتمنى أن يفتدي بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه فضلاً أن يهتم بحاله ويسأل عنها وقرأ نافع والكسائي بفتح ميم {يَوْمَئِذٍ} وقرىء بتنوين «عَذَابٍ» ونصب {يَوْمَئِذ} به لأنه بمعنى تعذيب.
ابن كثير
تفسير : { سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} فيه تضمين دلّ عليه حرف الباء، كأنه مقدر: استعجل سائل بعذاب واقع؛ كقوله تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} تفسير : [الحج: 47] أي: وعذابه واقع لا محالة. قال النسائي: حدثنا بشر بن خالد، حدثنا أبو أسامة، حدثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} قال: النضر بن الحارث بن كلدة. وقال العوفي عن ابن عباس: { سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} قال: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله، وهو واقع بهم، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ}: دعا داع بعذاب واقع يقع في الآخرة، قال: وهو قولهم: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] وقال ابن زيد وغيره: { سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} أي: وادٍ في جهنم يسيل يوم القيامة بالعذاب، وهذا القول ضعيف بعيد عن المراد، والصحيح الأول؛ لدلالة السياق عليه. وقوله تعالى: { وَاقِعٍ لِّلْكَـٰفِرِينَ} أي: مرصد معد للكافرين، وقال ابن عباس: واقع: جاءٍ {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} أي: لا دافع له إذا أراد الله كونه، ولهذا قال تعالى: { مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ} قال الثوري عن الأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {ذِي ٱلْمَعَارِجِ} قال: ذو الدرجات. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ذي المعارج، يعني: العلوّ والفواضل. وقال مجاهد: ذي المعارج: معارج السماء. وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم. وقوله تعالى: {تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ} قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: تعرج: تصعد، وأمّا الروح، فقال أبو صالح: هم خلق من خلق الله يشبهون الناس، وليسوا ناساً، قلت: ويحتمل أن يكون المراد به جبريل، ويكون من باب عطف الخاص على العام، ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم؛ فإنها إذا قبضت، يصعد بها إلى السماء؛ كما دلّ عليه حديث البراء، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المنهال عن زاذان عن البراء مرفوعاً، الحديث بطوله في قبض الروح الطيبة، قال فيه: «حديث : فلا يزال يصعد بها من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله» تفسير : والله أعلم بصحته، فقد تكلم في بعض رواته، ولكنه مشهور، وله شاهد في حديث أبي هريرة فيما تقدم من رواية الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من طريق ابن أبي الدنيا، عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عنه، وهذا إسناد رجاله على شرط الجماعة، وقد بسطنا لفظه عند قوله تعالى: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [إبراهيم: 27]. وقوله تعالى: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فيه أربعة أقوال: [أحدها] أن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى أسفل السافلين، وهو قرار الأرض السابعة، وذلك مسيرة خمسين ألف سنة، هذا ارتفاع العرش عن المركز الذي في وسط الأرض السابعة، وكذلك اتّساع العرش من قطر إلى قطر مسيرة خمسين ألف سنة، وإنه من ياقوتة حمراء؛ كما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش. وقد قال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا حكام عن عمرو بن معمر بن معروف عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السموات خمسين ألف سنة {أية : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [السجدة:5] يعني بذلك حين ينزل الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء والأرض مقدار مسيرة خمسمئة عام. وقد رواه ابن جرير عن ابن حميد عن حكام بن سلم عن عمرو بن معروف عن ليث عن مجاهد قوله، لم يذكر ابن عباس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا نوح المؤدب عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس قال: غلظ كل أرض خمسمئة عام، وبين كل أرض إلى أرض خمسمئة عام، فذلك سبعة آلاف عام، وغلظ كل سماء خمسمئة عام، وبين السماء إلى السماء خمسمئة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله تعالى: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}. [القول الثاني] أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ خلق الله هذا العالم إلى قيام الساعة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة عن ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: الدنيا عمرها خمسون ألف سنة، وذلك عمرها يوم سماها الله عزّ وجلّ يوماً {تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ} قال: اليوم الدنيا. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن الحكم بن أبان عن عكرمة: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: الدنيا من أولها إلى آخرها مقدار خمسين ألف سنة، لا يدري أحد كم مضى، ولا كم بقي، إلا الله عزّ وجلّ. [القول الثالث] أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة، وهو قول غريب جداً. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا بهلول بن المورق، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني محمد بن كعب: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة. [القول الرابع] أن المراد بذلك يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: يوم القيامة. وإسناده صحيح، ورواه الثوري عن سماك بن حرب عن عكرمة: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة: يوم القيامة. وكذا قال الضحاك وابن زيد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: هو يوم القيامة، جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، وقد وردت أحاديث في معنى ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ما أطول هذا اليوم فقال رسول الله: «حديث : والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا» تفسير : ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به، إلا أن دراجاً وشيخه أبا الهيثم ضعيفان، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي عمر العداني قال: كنت عند أبي هريرة، فمر رجل من بني عامر بن صعصعة، فقيل له: هذا أكثر عامري مالاً، فقال أبو هريرة: ردوه إلي، فردوه، فقال: نبئت أنك ذو مال كثير، فقال العامري: إي والله إن لي لمئة حمراً، ومئة أدماً، حتى عدّ من ألوان الإبل وأفنان الرقيق ورباط الخيل، فقال أبو هريرة: إياك وأخفاف الإبل، وأظلاف النعم، يردد ذلك عليه، حتى جعل لون العامري يتغير، فقال: ما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من كانت له إبل لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها» تفسير : قلنا: يا رسول الله ما نجدتها ورسلها؟ قال: «حديث : في عسرها ويسرها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت، وأكثره وأسمنه وآشره، حتى يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه بأخفاقها، فإذا جاوزته أخراها، أعيدت عليه أولاها، في يوم كام مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله، وإذا كانت له بقر لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت، وأكثره وأسمنه وآشره، ثم يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها، وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عقصاء ولا عضباء، إذا جاوزته أخراها، أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله، وإذا كانت له غنم، لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأسمنه وآشره، حتى يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها، وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عقصاء ولا عضباء، إذا جاوزته أخراها، أعيدت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله» تفسير : فقال العامري: وما حق الإبل يا أبا هريرة؟ قال: أن تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتسقي الإبل، وتطرق الفحل. وقد رواه أبو داود من حديث شعبة، والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن قتادة به. [طريق أخرى لهذا الحديث] قال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه، إلا جعل صفائح يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنّة، وإما إلى النار» تفسير : وذكر بقية الحديث في الغنم والإبل كما تقدم، وفيه: «حديث : الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر» تفسير : إلى آخره. ورواه مسلم في صحيحه بتمامه منفرداً به دون البخاري من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، وموضع استقصاء طرقه وألفاظه في كتاب الزكاة من كتاب الأحكام، والغرض من إيراده ههنا قوله: «حديث : حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» تفسير : وقد روى ابن جرير عن يعقوب عن ابن علية، وعبد الوهاب عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن قوله: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ قال: فاتهمه، فقال: إنما سألتك لتحدثني، قال: هما يومان ذكرهما الله، والله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم. وقوله تعالى: { فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} أي: اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، واستعجالهم العذاب؛ استبعاداً لوقوعه؛ كقوله: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} تفسير : [الشورى: 18] ولهذا قال: { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً} أي: وقوع العذاب، وقيام الساعة، يراه الكفرة بعيد الوقوع، بمعنى: مستحيل الوقوع { وَنَرَاهُ قَرِيباً} أي: المؤمنون يعتقدون كونه قريباً، وإن كان له أمد لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ، لكن كل ما هوآت فهو قريب، وواقع لا محالة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَأَلَ سَآئِلٌ } دعا داع {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } قرأ الجمهور: {سأل} بالهمزة، وقرأ نافع، وابن عامر، بغير همزة، فمن همز، فهو من السؤال وهي اللغة الفاشية، وهو إما مضمن معنى الدعاء، فلذلك عدّي بالباء، كما تقول دعوت كذا، والمعنى: دعا داع على نفسه بعذاب واقع، ويجوز أن يكون على أصله، والباء بمعنى عن كقوله: {أية : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً }تفسير : [الفرقان: 59] ومن لم يهمز، فهو إما من باب التخفيف بقلب الهمزة ألفاً، فيكون معناها معنى قراءة من همز، أو يكون من السيلان، والمعنى: سال وادٍ في جهنم، يقال له: سائل، كما قال زيد بن ثابت. ويؤيده قراءة ابن عباس (سال سيل) وقيل: إن سال بمعنى التمس، والمعنى: التمس ملتمس عذاباً للكفار، فتكون الباء زائدة كقوله: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } تفسير : [المؤمنون: 20] والوجه الأوّل هو الظاهر. وقال الأخفش: يقال: خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. قال أبو عليّ الفارسي: وإذا كان من السؤال، فأصله أن يتعدّى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما ويتعدى إليه بحرف الجر، وهذا السائل هو النضر بن الحارث حين قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }تفسير : [الأنفال: 32] وهو ممن قتل يوم بدر صبراً. وقيل: هو أبو جهل، وقيل: هو الحارث بن النعمان الفهري، والأوّل أولى لما سيأتي. وقرأ أبيّ، وابن مسعود "سال سال" مثل مال مال على أن الأصل سائل، فحذفت العين تخفيفاً، كما قيل: شاك في شائك السلاح. وقيل: السائل هو نوح عليه السلام، سأل العذاب للكافرين، وقيل: هو رسول الله دعا بالعقاب عليهم، وقوله: {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } يعني: إما في الدنيا كيوم بدر، أو في الآخرة. وقوله: {لِلْكَـٰفِرِينَ } صفة أخرى لعذاب أي: كائن للكافرين، أو متعلق بواقع، واللام للعلة، أو يسأل على تضمينه معنى دعا، أو في محل رفع على تقدير: هو للكافرين، أو تكون اللام بمعنى على، ويؤيده قراءة أبيّ: "بعذاب واقع على الكافرين". قال الفرّاء: التقدير بعذاب للكافرين واقع بهم، فالواقع من نعت العذاب، وجملة: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ } صفة أخرى لعذاب، أو حال منه، أو مستأنفة، والمعنى: أنه لا يدفع ذلك العذاب الواقع به أحد، وقوله: {مِنَ ٱللَّهِ } متعلق بواقع أي: واقع من جهته سبحانه، أو بدافع، أي: ليس له دافع من جهته تعالى {ذِي ٱلْمَعَارِجِ } أي: ذي الدرجات التي تصعد فيها الملائكة، وقال الكلبي: هي السمٰوات، وسماها معارج لأن الملائكة تعرج فيها. وقيل: المعارج مراتب نعم الله سبحانه على الخلق. وقيل: المعارج العظمة. وقيل: هي الغرف. وقرأ ابن مسعود "ذي المعاريج" بزيادة الياء، يقال: معارج ومعاريج مثل مفاتح ومفاتيح. {تَعْرُجُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ } أي: تصعد في تلك المعارج التي جعلها الله لهم، وقرأ الجمهور: {تعرج} بالفوقية. وقرأ ابن مسعود، وأصحابه، والكسائي، والسلمي بالتحتية، والروح جبريل، أفرد بالذكر بعد الملائكة لشرفه، ويؤيد هذا قوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ }تفسير : [الشعراء: 193]، وقيل: الروح هنا ملك آخر عظيم غير جبريل. وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله سبحانه كهيئة الناس، وليسوا من الناس. وقال قبيصة بن ذؤيب: إنه روح الميت حين تقبض، والأوّل أولى. ومعنى {إِلَيْهِ }: أي: إلى المكان الذي ينتهون إليه. وقيل: إلى عرشه. وقيل: هو كقول إبراهيم: {أية : إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى }تفسير : [الصافات: 99] أي: إلى حيث أمرني ربي {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } قال ابن إسحاق، والكلبي، ووهب بن منبه: أي عرج الملائكة إلى المكان الذي هو محلها في وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد خمسين ألف سنة، وبه قال مجاهد. وقال عكرمة: وروي عن مجاهد أن مدة عمر الدنيا هذا المقدار لا يدري أحدٌ كم مضى، ولا كم بقي، ولا يعلم ذلك إلاّ الله. وقال قتادة، والكلبي، ومحمد بن كعب: إن المراد يوم القيامة، يعني: أن مقدار الأمر فيه لو تولاه غيره سبحانه خمسون ألف سنة، وهو سبحانه يفرغ منه في ساعة، وقيل: إن مدّة موقف العباد للحساب، هي هذا المقدار، ثم يستقرّ بعد ذلك أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وقيل: إن مقدار يوم القيامة على الكافرين خمسون ألف سنة، وعلى المؤمنين مقدار ما بين الظهر والعصر، وقيل: ذكر هذا المقدار لمجرد التمثيل والتخييل لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها، أو لطول يوم القيامة باعتبار ما فيه من الشدائد والمكاره، كما تصف العرب أيام الشدّة بالطول وأيام الفرح بالقصر، ويشبهون اليوم القصير بإبهام القطاة والطويل بظل الرمح، ومنه قول الشاعر:شعر : ويوم كظل الرمح قصر طوله دم الزق عنا واصطفاف المزاهر تفسير : وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: ليس له دافع من الله ذي المعارج في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه، وقد قدّمنا الجمع بين هذه الآية وبين قوله في سورة السجدة {أية : فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } تفسير : [السجدة: 5] فارجع إليه. وقد قيل في الجمع: إن من أسفل العالم إلى العرش خمسين ألف سنة، ومن أعلى سماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة؛ لأن غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة عام، فالمعنى: أن الملائكة إذا عرجت من أسفل العالم إلى العرش كان مسافة ذلك خمسين ألف سنة، وإن عرجوا من هذه الأرض التي نحن فيها إلى باطن هذه السماء التي هي سماء الدنيا كان مسافة ذلك ألف سنة، وسيأتي في آخر البحث ما يؤيد هذا عن ابن عباس. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر فقال: {فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً }، أي: اصبر يا محمد على تكذيبهم لك وكفرهم بما جئت به صبراً جميلاً لا جزع فيه ولا شكوى إلى غير الله، وهذا معنى الصبر الجميل. وقيل: هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري بأنه مصاب. قال ابن زيد، وغيره: هي منسوخة بآية السيف {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً } أي: يرون العذاب الواقع بهم، أو يرون يوم القيامة بعيداً أي: غير كائن لأنهم لا يؤمنون به، فمعنى {بَعِيداً } أي: مستبعداً محالاً، وليس المراد أنهم يرونه بعيداً غير قريب. قال الأعمش: يرون البعث بعيداً؛ لأنهم لا يؤمنون به كأنهم يستبعدونه على جهة الاستحالة، كما تقول لمن تناظره هذا بعيد، أي: لا يكون {وَنَرَاهُ قَرِيباً } أي: نعلمه كائناً قريباً؛ لأن ما هو آت قريب. وقيل المعنى: ونراه هيناً في قدرتنا غير متعسر ولا متعذر، والجملة تعليل للأمر بالصبر. ثم أخبر سبحانه متى يقع بهم العذاب فقال: {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَاء كَٱلْمُهْلِ } والظرف متعلق بمضمر دلّ عليه واقع، أو بدل من قوله: {فِى يَوْمٍ } على تقدير تعلقه بواقع، أو متعلق بقريباً، أو مقدّر بعده، أي: يوم تكون إلخ، كان كيت وكيت، أو بدل من الضمير في نراه، والأوّل أولى. والتقدير يقع بهم العذاب {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَاء كَٱلْمُهْلِ } والمهل: ما أذيب من النحاس والرصاص والفضة. وقال مجاهد: هو القيح من الصديد والدم. وقال عكرمة، وغيره: هو درديّ الزيت، وقد تقدّم تفسيره في سورة الكهف والدخان. {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ } أي: كالصوف المصبوغ، ولا يقال للصوف عهن إلاّ إذا كان مصبوغاً. قال الحسن: تكون الجبال كالعهن، وهو الصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف. وقيل: العهن الصوف ذو الألوان، فشبّه الجبال به في تكوّنها ألواناً، كما في قوله: {أية : جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ... وَغَرَابِيبُ سُودٌ } تفسير : [فاطر: 27] فإذا بست وطيرت في الهواء أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح. {وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } أي: لا يسأل قريب قريبه عن شأنه في ذلك اليوم لما نزل بهم من شدّة الأهوال التي أذهلت القريب عن قريبه، والخليل عن خليله، كما قال سبحانه: {أية : لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } تفسير : [عبس: 37]. وقيل المعنى: لا يسأل حميم عن حميم، فحذف الحرف ووصل الفعل. قرأ الجمهور: {لا يسأل} مبنياً للفاعل. قيل: والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: لا يسأله نصره ولا شفاعته، وقرأ أبو جعفر، وأبو حيوة، وشيبة، وابن كثير في رواية عنه على البناء للمفعول. وروى هذه القراءة البزّي عن عاصم. والمعنى: لا يسأل حميم إحضار حميمه. وقيل: هذه القراءة على إسقاط حرف الجرّ، أي: لا يسأل حميم عن حميم، بل كلّ إنسان يسأل عن نفسه وعن عمله، وجملة: {يُبَصَّرُونَهُمْ } مستأنفة، أو صفة لقوله: {حَمِيماً } أي: يبصر كلّ حميم حميمه، لا يخفى منهم أحد عن أحد. وليس في القيامة مخلوق وإلاّ وهو نصب عين صاحبه، ولا يتساءلون ولا يكلم بعضهم بعضاً لاشتغال كل أحد منهم بنفسه، وقال ابن زيد: يبصر الله الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا، وهم الرؤساء المتبوعون. وقيل: إن قوله: {يُبَصَّرُونَهُمْ } يرجع إلى الملائكة أي: يعرفون أحوال الناس لا يخفون عليهم، وإنما جمع الضمير في يبصرونهم، وهما للحميمين حملاً على معنى العموم؛ لأنهما نكرتان في سياق النفي، قرأ الجمهور: {يبصرونهم} بالتشديد، وقرأ قتادة بالتخفيف. ثم ابتدأ سبحانه الكلام فقال: {يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ } المراد بالمجرم: الكافر، أو كلّ مذنب ذنباً يستحق به النار لو يفتدي من عذاب يوم القيامة الذي نزل به. {بِبَنِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِ وَأَخِيهِ } فإن هؤلاء أعزّ الناس عليه وأكرمهم لديه، فلو قبل منه الفداء لفدى بهم نفسه، وخلص مما نزل به من العذاب، والجملة مستأنفة لبيان أن اشتغال كل مجرم بنفسه بلغ إلى حدّ يودّ الافتداء من العذاب بمن ذكر. قرأ الجمهور: {من عذاب يومئذٍ} بإضافة عذاب إلى يومئذٍ. وقرأ أبو حيوة بتنوين "عذاب" وقطع الإضافة. وقرأ الجمهور: "يومئذ" بكسر الميم. وقرأ نافع، والكسائي، والأعرج، وأبو حيوة بفتحها {وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِى تُـوِيهِ } أي: عشيرته الأقربين الذين يضمونه في النسب، أو عند الشدائد، ويأوي إليهم. قال أبو عبيد: الفصيلة دون القبيلة. وقال ثعلب: هم آباؤهم الأدنون. قال المبرّد: الفصيلة القطعة من أعضاء الجسد. وسميت عشيرة الرجل فصيلة تشبيهاً لها بالبعض منه. وقال مالك: إن الفصيلة هي التي تربيه {وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } أي: ويودّ المجرم لو افتدى بمن في الأرض جميعاً من الثقلين وغيرهما من الخلائق. وقوله: {ثُمَّ يُنجِيهِ } معطوف على يفتدي، أي: يودّ لو يفتدي، ثم ينجيه الافتداء، وكان العطف بثم لدلالتها على استبعاد النجاة. وقيل: إن يودّ تقتضي جواباً، كما في قوله: {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ }تفسير : [القلم: 9] والجواب. {ثم ينجيه}، والأوّل أولى. وقوله: {كَلاَّ } ردع للمجرم عن تلك الودادة، وبيان امتناع ما ودّه من الافتداء، و «كلا» يأتي بمعنى حقاً، وبمعنى لا مع تضمنها لمعنى الزجر والردع، والضمير في قوله: {إِنَّهَا لَظَىٰ } عائد إلى النار المدلول عليها بذكر العذاب، أو هو ضمير مبهم يفسره ما بعده، ولظى علم لجهنم، واشتقاقها من التلظي في النار، وهو التلهب. وقيل: أصله لظظ بمعنى دوام العذاب، فقلبت إحدى الظاءين ألفاً. وقيل لظى: هي الدركة الثانية من طباق جهنم {نَزَّاعَةً لّلشَّوَىٰ } قرأ الجمهور: {نزاعة} بالرفع على أنه خبر ثانٍ لإنّ، أو خبر مبتدأ محذوف، أو تكون لظى بدلاً من الضمير المنصوب، ونزاعة خبر إنّ، أو على أن نزاعة صفة للظى على تقدير عدم كونها علماً، أو يكون الضمير في إنها للقصة، ويكون لظى مبتدأ، ونزاعة خبره، والجملة خبر إنّ، وقرأ حفص عن عاصم، وأبو عمر، وفي رواية عنه، وأبو حيوة، والزعفراني، والترمذي، وابن مقسم (نزاعة) بالنصب على الحال. وقال أبو علي الفارسي: حمله على الحال بعيد؛ لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال. وقيل: العامل فيها ما دلّ عليه الكلام من معنى التلظي، أو النصب على الاختصاص، والشوى: الأطراف، أو جمع شواة، وهي جلدة الرأس، ومنه قول الأعشى:شعر : قالت قتيلة ما له قد جللت شيباً شواته تفسير : وقال الحسن، وثابت البناني: {نَزَّاعَةً لّلشَّوَىٰ }: أي: لمكارم الوجه وحسنه، وكذا قال أبو العالية، وقتادة. وقال قتادة: تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك فيه شيئًا. وقال الكسائي: هي المفاصل. وقال أبو صالح: هي أطراف اليدين والرجلين {تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ } أي: تدعو لظى من أدبر عن الحقّ في الدنيا {وَتَوَلَّىٰ } أي: أعرض عنه {وَجَمَعَ فَأَوْعَى } أي: جمع المال فجعله في وعائه. وقيل: إنها تقول: إليّ يا مشرك، إلي يا منافق، وقيل: معنى تدعو تهلك، تقول العرب: دعاك الله أي: أهلكك، وقيل: ليس هو الدعاء باللسان، ولكن دعاؤها إياهم تمكنها من عذابهم. وقيل: المراد أن خزنة جهنم تدعو الكافرين والمنافقين، فأسند الدعاء إلى النار، من باب إسناد ما هو للحال إلى المحلّ. وقيل: هو تمثيل وتخييل، ولا دعاء في الحقيقة، والمعنى: أن مصيرهم إليها، كما قال الشاعر:شعر : ولقد هبطنا الواد بين قوادنا ندعو الأنيس به الغصيص الأبكم تفسير : والغصيص الأبكم: الذباب، وهي لا تدعو، وفي هذا ذمّ لمن جمع المال فأوعاه، وكنزه ولم ينفقه في سبل الخير، أو لم يؤدّ زكاته. وقد أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {سَأَلَ سَائِلٌ } قال: هو النضر بن الحارث قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [الأنفال: 32]. وفي قوله: {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } قال: كائن {لّلْكَـٰفِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ } قال: ذي الدرجات. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه في قوله: {سَأَلَ سَائِلٌ } قال: سال: وادٍ في جهنم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {ذِي ٱلْمَعَارِجِ } قال: ذي العلوّ والفواضل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع سماوات مقدار خمسين ألف سنة، ويَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ قال: يعني بذلك، ينزل الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقدار ألف سنة؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: غلظ كل أرض خمسمائة عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام، وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، ومن السماء إلى السماء خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في البعث عنه أيضاً في قوله: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } قال: هذا في الدنيا تعرج الملائكة في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون، وفي قوله: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافر مقدار خمسين ألف سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي عنه أيضاً في قوله: {أية : فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [السجدة: 5]قال: لو قدّرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم. قال: يعني يوم القيامة. وقد قدّمنا عن ابن عباس الوقف في الجمع بين الآيتين في سورة السجدة. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله يَوْمٍ كَانَ يَوْمٍ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ما أطول هذا اليوم؟ فقال:«حديث : والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا»تفسير : وفي إسناده دراج عن أبي الهيثم، وهما ضعيفان. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة مرفوعاً قال: ما قدر طول يوم القيامة على المؤمنين إلاّ كقدر ما بين الظهر إلى العصر. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس في قوله: {فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً } قال: لا تشكو إلى أحد غيري. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والخطيب في المتفق والمفترق، والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَاء كَٱلْمُهْلِ } قال: كدرديّ الزيت. وأخرج ابن جرير عنه قال: {يُبَصَّرُونَهُمْ } يعرف بعضهم بعضاً ويتعارفون، ثم يفرّ بعضهم من بعض. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله: {نَزَّاعَةً لّلشَّوَىٰ } قال: تنزع أمّ الرأس.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {سأَل سائلٌ} قرأه الجمهور بهذين الحرفين في سأل سائل، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه استخبر مستخبر عن العذاب متى يقع، على التكذيب. الثاني: دعا داع أن يقع البلاء بهم على وجه الاستهزاء، قاله مجاهد. الثالث: طلب طالب. {بعذابٍ واقعٍ} وفي هذا الطالب ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهالنضر بن الحارث، وكان صاحب لواء المشركين يوم بدر، وقد سأل ذلك في قوله {أية : اللهم إن كان هذا هو الحقَ من عندك فأمطِرْ علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} تفسير : [الأنفال: 32] قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أنه أبو جهل: وهو القائل لذلك، قاله ربيع بن أبي حمزة. الثالث: أنه قول جماعة من قريش. وفي هذا العذاب قولان: أحدهما: أنه العذاب في الآخرة، قاله مجاهد. الثاني: أنها نزلت بمكة وعذابه يوم بدر بالقتل والأسر، قاله السدي. وقرأ نافع وزيد بن أسلم وابنه " سأل سايل" غير مهموز، وسايل واد في جهنم، وسمي بذلك لأنه يسيل بالعذاب. {مِن اللَّهِ ذي المعارج} فيه خمسة تأويلات: أحدها: ذي الدرجات، قاله ابن عباس. الثاني: ذي الفواضل والنعم، قاله قتادة. الثالث: ذي العظمة والعلاء. الرابع: ذي الملائكة، لأنهم كانوا يعرجون إليه، قاله قتيبة. الخامس: أنها معارج السماء، قاله مجاهد. {تَعْرُجُ الملائكةُ والروحُ إليه} أي تصعد، وفي الروح ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه روح الميت حين يقبض، قاله قَبيصة بن ذؤيب، يرفعه. الثاني: أنه جبريل، كما قال تعالى: " نزل به الروح الأمين". الثالث: أنه خلق من خلق اللَّه كهيئة الناس وليس بالناس، قاله أبو صالح. {في يوم كان مِقدارُه خمسينَ ألْفَ سنةٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يوم القيامة، قاله محمد بن كعب والحسن. الثاني: أنها مدة الدنيا، مقدار خمسين ألف سنة، لا يدري أحد كم مضى وكم بقي إلا اللَّه، قاله عكرمة. الثالث: أنه مقدار مدة الحساب في عرف الخلق أنه لو تولى بعضهم محاسبة بعض لكان مدة حسابهم خمسين ألف سنة، إلا أن اللَّه تعالى يتولاه في أسرع مدة. وروى معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يحاسبهم اللَّه بمقدار ما بين الصلاتين ولذلك سمى نفسه سريع الحساب، وأسرع الحاسبين ". تفسير : {فاصْبِرْ صَبْراً جَميلاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه الصبر الذي ليس فيه جزع، قاله مجاهد. الثاني: أنه الصبر الذي لا بث فيه ولا شكوى. الثالث: أنه الانتظار من غير استعجال، قاله ابن بحر. الرابع: أنه المجاملة في الظاهر، قاله الحسن. وفيما أُمر بالصبر عليه قولان: أحدهما: أُمر بالصبر على ما قذفه المشركون من أنه مجنون وأنه ساحر وأنه شاعر، قاله الحسن. الثاني: أنه أُمر بالصبر على كفرهم، وذلك قبل أن يفرض جهادهم، قاله ابن زيد. {إنهم يَرَوْنه بعيداً} فيه قولان: أحدهما: أنه البعث في القيامة. الثاني: عذاب النار. وفي المراد بالبعيد وجهان: أحدهما: مستحيل غير كائن. الثاني: استبعاد منهم للآخرة. {ونراه قريباً} أي كائناً، لأن ما هو كائن قريب.
ابن عطية
تفسير : قرأ جمهور السبعة: "سأل" بهمزة مخففة، قالوا والمعنى: دعا داع، والإشارة إلى من قال من قريش {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} تفسير : [الأنفال: 32]. وروي أن قائل ذلك النضر بن الحارث، وإلى من قال: {أية : ربنا عجل لنا قطنا} تفسير : [ص: 16]، ونحو هذا، وقال بعضهم المعنى: بحث باحث، واستفهم مستفهم، قالوا والإشارة إلى قول قريش: متى هذا الوعد؟ وما جرى مجراه قاله الحسن وقتادة، فأما من قال استفهم مستفهم فالباء توصل توصيل عن، كأنه قال عن عذاب، وهذا كقول علقمة بن عبدة: [الطويل] شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب تفسير : وقرأ نافع بن عامر: "سال سائل" ساكنة الألف، واختلفت القراءة بها، فقال بعضهم: هي "سأل" المهموزة، إلا أن الهمزة سهلت كما قال لا هناك المرتع ونحو ذلك. وقال بعض هي لغة من يقول سلت أسأل، ويتساولون، وهي بلغة مشهورة حكاها سيبويه، فتجيء الألف منقلبة من الواو التي هي عين كقال وحاق، وأما قول الشاعر [حسان بن ثابت]: [البسيط] شعر : سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلّت هذيل بما سالت ولم تصب تفسير : فإن سيبويه قال: هو على لغة تسهيل الهمزة. وقال غيره: هو على لغة من قال: سلت، وقال بعضهم في الآية: هو من سال يسيل: إذا جرى وليست من معنى السؤال، قال زيد بن ثابت: في جهنم واد يسمى سايلاً، والاخبار هاهنا عنه. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل إن لم يصح أمر الوادي أن يكون الإخبار عن نفوذ القدر بذلك العذاب قد استعير له لفظ السيل لما عهد من نفوذ السيل وتصميمه، وقرأ ابن عباس: "سال سيْل" بسكون الياء، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود: "سال سال" مثل قال قال، ألقيت الياء من الخط تخفيفاً، والمراد "سائل". وسؤال الكفار عن العذاب حسب قراءة الجماعة إنما كان على أنه كذب. فوصفه الله تعالى بأنه {واقع} وعيداً لهم. وقوله تعالى: {للكافرين}. قال بعض النحويين: اللام توصل المعنى توصيل "على". وروي أنه في مصحف أبي بن كعب: "على الكافرين"، وقال قتادة والحسن المعنى: كأن قائلاً قال لمن هذا العذاب الواقع؟ فقيل {للكافرين}. و {المعارج} في اللغة الدرج في الأجرام، وهي هنا مستعارة في الرتب والفواضل والصفات الحميدة، قاله قتادة وابن عباس. وقال ابن عباس: {المعارج} السماوات تعرج فيها الملائكة من سماء إلى سماء. وقال الحسن: هي المراقي إلى السماء، وقوله: {تعرج الملائكة} معناه: تصعد على أصل اللفظة في اللغة. {والروح} عند جمهور العلماء: هو جبريل عليه السلام خصصه بالذكر تشريفاً. وقال مجاهد: {الروح} ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة. وقال بعض المفسرين: هو اسم الجنس في أرواح الحيوان. واختلف المتأولون في قوله تعالى: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}. فقال منذر بن سعيد وجماعة من الحذاق: المعنى {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم} من أيامكم هذه مقدار المسافة أن لو عرجها آدمي خمسون ألف سنة، وقاله ابن إسحاق فمن جعل {الروح} جبريل أو نوعاً من الملائكة قال: المسافة هي من قعر الأرض السابعة إلى العرش، قاله مجاهد. ومن جعل {الروح} جنس الحيوان قال المسافة من وجه هذه الأرض إلى منتهى العرش علواً، قاله وهب بن منبه. وقال قوم المعنى: {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره} في نفسه {خمسين ألف سنة} من أيامكم، ثم اختلفوا في تعيين ذلك اليوم، فقال عكرمة والحكم: أراد مدة الدنيا فإنها خمسون ألف سنة، لا يدري أحد ما مضى منها ولا ما بقي، فالمعنى {تعرج الملائكة والروح إليه} في مدة الدنيا، وبقاء هذه البنية ويتمكن على هذا في {الروح} أن يكون جنس أرواح الحيوان، وقال ابن عباس وغيره: بل اليوم المشار إليه يوم القيامة ثم اختلفوا، فقال بعضهم قدره في الطول قدر خمسين ألف سنة، وهذا هو ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له صفائح من نار يوم القيامة، تكوى بها جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقداره ألف سنة". تفسير : وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري: بل قدره في هوله وشدته ورزاياه للكفار قدر {خمسين ألف سنة}. وهذا كما تقول في اليوم العصيب، إنه كسنة ونحو هذا قال أبو سعيد، حديث : قيل يا رسول الله ما أطول يوماً مقداره خمسون ألف سنة، فقال: "والذي نفسي بيده ليخف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة"تفسير : ، وقال عكرمة: المعنى كان مقدار ما ينقضي فيه من القضايا والحساب قدر ما ينقضي بالعدل في {خمسين ألف سنة} من أيام الدنيا. وقد ورد في يوم القيامة أنه كألف سنة وهذا يشبه أن يكون في طوائف دون طوائف. والعامل في قوله {في يوم} على قول من قال إنه يوم القيامة قوله {دافع} وعلى سائر الأقوال {تعرج}، وقرأ جمهور القراء: "تعرج" بالتاء من فوق، وقرأ الكسائي وحده: "يعرج" بالياء لأن التأنيث بالياء غير حقيقي، وبالياء من تحت قرأ ابن مسعود لأنه كان يذكر الملائكة وهي قراءة الأعمش، ثم أمر تعالى نبيه بالصبر الجميل، وهو الذي لا يلحقه عيب من فشل ولا تشكك ولا قلة رضى ولا غير ذلك. والأمر بالصبر الجميل محكم في كل حالة، وقد نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال. وقوله تعالى: {إنهم يرونه بعيداً} يعني يوم القيامة لأنهم يكذبون به، فهو في غاية البعد عندهم، والله تعالى يراه {قريباً} من حيث هو واقع وآت وكل آت قريب. وقال بعض المفسرين: الضمير في {يرونه} عائد على العذاب. وقوله تعالى: {يوم تكون} نصب بإضمار فعل أو على البدل من الضمير المنصوب. و "المهل": عكر الزيت قاله ابن عباس وغيره، فهي لسوادها وانكدار أنوارها تشبه ذلك. والمهل أيضاً: ماء أذيب من فضة ونحوها قاله ابن مسعود وغيره: فيجيء له ألوان وتميع مختلط، والسماء أيضاً - للأهوال التي تدركها - تصير مثل ذلك، و "العهن": الصوف دون تقييد. وقد قال بعض اللغويين: هو الصوف المصبوغ ألواناً، وقيل المصبوغ أي لون كان، وقال الحسن: هو الأحمر، واستدل من قال إنه المصبوغ ألواناً بقول زهير: [الطويل] شعر : كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم تفسير : وحب الفنا هو عنب الثعلب، وكذلك هو عند طيبه، وقبل تحطمه ألوان بعضه أخضر، وبعضه أصفر، وبعضه أحمر، لاختلافه في النضج، وتشبه {الجبال} به على هذا القول لأنها جدد بيض وحمر وسود فيجيء التشبيه من وجهين في الألوان وفي الانتفاش. ومن قال إن العهن: الصوف دون تقييد، وجعل التشبيه في الانتفاش وتخلخل الأجزاء فقط. قال الحسن: والجبال يوم القيامة تسير بالرياح ثم يشتد الأمر فتنهد ثم يشتد الأمر بها فتصير هباء منبثاً. وقرأ السبعة والحسن والمدنيون وطلحة والناس: "ولا يسأل" على بناء الفعل للفاعل، والحميم في هذا الموضع: القريب والوالي، والمعنى لا يسأله نصرة ولا منفعة لعلمه أنه لا يجدها عنده، قال قتادة: المعنى لا يسأله عن حاله لأنها ظاهرة قد بصر كل أحد حالة الجميع، وشغل بنفسه. وقرأ ابن كثير من طريق البزي وأبو جعفر وشيبة بخلاف عنهما وأبو حيوة "لا يُسأل" على بناء الفعل للمفعول. فالمعنى: ولا يسأل إحضاره لأن كل مجرم له سيما يعرف بها، وكذلك كل مؤمن له سيما خير. وقيل المعنى: لا يسأل عن ذنبه وأعماله ليؤخذ بها وليزر وزره. و {يبصرونهم} على هذه القراءة قيل معناه في النار. وقال ابن عباس في المحشر يبصر بالحميم حميمه ثم يفر عنه لشغله بنفسه. وتقول: بصر فلان بالشيء، وبصرته به أريته إياه ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : إذا بصَّرتك البيداء فاسري وأما الآن فاقتصدي وقيلي تفسير : وقرأ قتادة بسكون الباء وكسر الصاد خفيفة، فقال مجاهد: {يبصرونهم} معناه يبصر المؤمنون الكفار في النار، وقال ابن زيد: يبصر الكفار من أضلهم في النار عبرة وانتقاماً عليهم وخزياً لهم.
ابن عبد السلام
تفسير : استخبر مستخبر متى يقع العذاب تكذيباً أو دعا داع بوقوع العذاب استهزاء أو طلب طالب {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} وهو النضر بن الحارث قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ}تفسير : الآية [الأنفال: 32] وكان حامل لوائهم يوم بدر "ع" أو أبو جهل هو قائل ذلك أو جماعة من كفار قريش {بِعَذَابٍ} الآخرة أو يوم بدر بالقتل والأسر. {سال} بغير همز، سائل اسم وادٍ في جهنم لأن يسيل بالعذاب.
النسفي
تفسير : مكية وهي أربع وأربعون آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {سَأَلَ سَآئِلٌ} هو النضر بن الحرث قال: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }تفسير : [الأنفال: 32] أو هو النبي صلى الله عليه وسلم دعا بنزول العذاب عليهم. ولما ضمن سأل معنى دعا عدى تعديته كأنه قيل: دعا داع {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } من قولك: دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه ومنه قوله تعالى: {أية : يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فَـٰكِهَةٍ }تفسير : [الدخان: 55]. و {سال} بغير همز: مدني وشامي وهو من السؤال أيضاً إلا أنه خفف بالتليين و {سَائِلٌ } مهموز إجماعاً {لِلْكَـٰفِرِينَ } صفة لـ {عَذَابِ } أي بعذاب واقع كائن للكافرين {لَيْسَ لَهُ } لذلك العذاب {دَافِعٌ } راد {مِّنَ ٱللَّهِ } متصل بواقع أي واقع من عنده أو بدافع أي ليس له دافع من جهته تعالى إذا جاء وقته {ذِي ٱلْمَعَارِجِ } أي مصاعد السماء للملائكة جمع معرج وهو موضع العروج. ثم وصف المصاعد وبعد مداها في العلو والارتفاع فقال {تَعْرُجُ } تصعد. وبالياء: علي {ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ } أي جبريل عليه السلام خصه بالذكر بعد العموم لفضله وشرفه، أو خلق هم حفظة على الملائكة كما أن الملائكة حفظة علينا، أو أرواح المؤمنين عند الموت {إِلَيْهِ } إلى عرشه ومهبط أمره {فِى يَوْمٍ } من صلة تعرج {كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } من سني الدنيا لو صعد فيه غير الملك، أو «من» صلة {وَاقِعٍ } أي يقع في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة، فإما أن يكون استطالة له لشدته على الكفار، أو لأنه على الحقيقة كذلك فقد قيل فيه خمسون موطناً كل موطن ألف سنة، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر. {فَٱصْبِرْ } متعلق بـ {سَأَلَ سَائِلٌ } لأن استعجال النضر بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم والتكذيب بالوحي، وكان ذلك مما يضجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بالصبر عليه {صَبْراً جَمِيلاً } بلا جزع ولا شكوى {إِنَّهُمْ } إن الكفار {يَرَوْنَهُ } أي العذاب أو يوم القيامة {بَعِيداً } مستحيلاً {وَنَرَاهُ قَرِيباً } كائناً لا محالة، فالمراد بالبعيد من الإمكان وبالقريب القريب منه. نصب {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَاءُ} بـ {قَرِيبًا } أي يمكن في ذلك اليوم أو هو بدل عن {فِى يَوْمٍ } فيمن علقه بـ {وَاقِعٍ } {كَٱلْمُهْلِ } كدردي الزيت أو كالفضة المذابة في تلونها {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ } كالصوف المصبوغ ألواناً لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا بست وطيرت في الجو اشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح {وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } لا يسأل قريب عن قريب لاشتغاله بنفسه. وعن البزي والبرجمي: بضم الياء أي ولا يسأل قريب عن قريب أي لا يطالب به ولا يؤخذ بذنبه. {يُبَصَّرُونَهُمْ } صفة أي حميماً مبصرين معرفين إياهم، أو مستأنف كأنه لما قال {وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } قيل: لعله لا يبصره. فقيل: يبصرونهم ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم. والواو ضمير الحميم الأول و «هم» ضمير الحميم الثاني أي يبصر الأحماء الأحماء فلا يخفون عليهم. وإنما جمع الضميران وهما للحميمين لأن فعيلاً يقع موقع الجمع {يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ } يتمنى المشرك وهو مستأنف، أو حال من الضمير المرفوع، أو المنصوب من {يُبَصَّرُونَهُمْ } {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ } وبالفتح: مدني وعلي على البناء للإضافة إلى غير متمكن {بِبَنِيهِ * وَصَـٰحِبَتِهِ } وزوجته {وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ } وعشيرته الأدنين {ٱلَّتِى تُئْوِيهِ} تضمه انتماء إليها. وبغير همز: يزيد. {وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } من الناس {ثُمَّ يُنجِيهِ } الافتداء عطف على {يفتدى}. {كَلاَّ } ردع للمجرم عن الودادة وتنبيه على أنه لا ينفعه الافتداء ولا ينجيه من العذاب {إِنَّهَا} إن النار، ودل ذكر العذاب عليها، أو هو ضمير مبهم ترجم عنه الخبر أو ضمير القصة {لَظَىٰ } علم للنار {نَزَّاعَةً } حفص والمفضل على الحال المؤكدة، أو على الاختصاص للتهويل. وغيرهما بالرفع خبر بعد خبر لـ «إن» أو على «هي نزاعة» {لِّلشَّوَىٰ } لأطراف الإنسان كاليدين والرجلين، أو جمع شواة وهي جلدة الرأس تنزعها نزعاً فتفرقها ثم تعود إلى ما كانت {تَدْعُواْ } بأسمائهم يا كافر يا منافق إليّ إليّ، أو تهلك من قولهم دعاك الله أي أهلكك، أو لما كان مصيره إليها جعلت كأنها دعته {مَنْ أَدْبَرَ } عن الحق {وَتَوَلَّىٰ } عن الطاعة {وَجَمَعَ } المال {فَأَوْعَى } فجعله في وعاء ولم يؤد حق الله منه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {سأل سائل} قرىء بغير همزة وفيه وجهان الأول أنه لغة في السؤال والثاني أنه من السيل. ومعناه اندفع عليهم واد بعذاب وقيل سال واد من أودية جهنم. وقرىء سأل سائل بالهمز من السؤال {بعذاب} قيل الباء بمعنى عن أي عذاب {واقع} أي نازل وكائن وعلى من ينزل ولمن ينزل ولمن ذلك العذاب فقال الله تعالى مجيباً لذلك السؤال.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {سأل} بغير همز مثل باع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة على التذكير: علي {ولا يسأل} بضم الياء: البزي من طريق الهاشمي والبرجمي {يومئذ} بالفتح على البناء: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعباس وعلي والشموني والبرجمي {توويه} بغير همز: يزيد والأعشى وحمزة في الوقف {نزاعة} بالنصب: حفص والمفضل {يخرجون} من الإخراج: الأعشى وحمزة في الوقف {إلى نصب} بضمتين: ابن عامر وسهل وحفص {نصب} بالضم فالسكون: المفضل الباقون: بالفتح والسكون. الوقوف: {واقع} ه لا {دافع} ه لا {المعارج} ه لا {سنة} ج {جميلاً} ه {بعيداً} ه لا {قريباً} ه ط {كالمهل} ه لا {كالعهن} ه لا {حميماً} ه ج لأن ما بعده منقطع عنه مستأنف ولكن أصلحوا الوقف على {يبصرونهم} {ببنيه} ه لا {وأخيه} ه {تؤويه} ه لا {جميعاً} ه لا للعطف {ينجيه} ه لا {كلا} ط {لظى} ه ج لأن من قرأ {نزاعة} بالرفع جاز أن يكون بدلاً أو خبر {لظى} والضمير في {أنها} للقصة أو خبر مبتدأ محذوف. ومن نصب فعلى الحال المؤكدة أو على الإختصاص. {للشوى} ه ص لأن {يدعو} يصلح مستأنفاً وبدلاً من {نزاعة} {وتولى} ه لا {فأوعى} ه {هلوعاً} ه لا {جزوعاً} ه لا {منوعاً} ه لا {المصلين} ه لا {دائمون} ه لا {معلوم} ه لا {والمحروم} ه ص {الدين} ه {مشفقون} ه ج {مأمون} ه {حافظون} ه لا {ملومين} ه ج {العادون} ه ج {راعون} ه لا {قائمون} ه ك {يحافظون} ه لا {مكرمون} ه ط لانقطاع المعنى {مهطعين} ه لا {عزين} ه {نعيم} ه {كلا} ط {يعلمون} ه {لقادرون} ه ج {منهم} ج بناء على أن الواو للحال {بمسبوقين} ه {يوعدون} ه لأن ما بعد بء دل {يوقضون} ه ج لأن ما بعد حال من الضمير {ذلة} ط {يوعدون} ه. التفسير: من قرأ {سأل} بالهمزة ففيه وجهان: الأول عن ابن عباس أن النضر بن الحرث قال {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة} تفسير : [الأنفال: 32] الآية فأنزل الله تعالى {سأل سائل} أي دعا داع ولهذا عدي بالباء. يقال: دعاه بكذا إذا استدعاه وطلبه. وقال ابن الأنباري: الباء للتأكيد والتقدير: سأل سائل عذاباً لا دافع له البتة. إما في الآخرة وإما في الدنيا كيوم بدر. الثاني قال الحسن وقتادة: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل بعذاب الكافرين، أو سأل عن عذاب. والباء بمعنى " عن ". قال ابن الأنباري: أو عنى واهتم بعذاب أنه على من ينزل وبمن يقع، فبين الله تعالى أن هذا واقع بهم فلا دافع له. والذي يدل على صحة هذا الوجه قوله في آخر الآية {فاصبر صبراً جميلاً} ومن قرأ بغير همز فله وجهان أيضاً: الأول أنه مخفف " سأل " وهي لغة قريش والمعاني كما مرت، والآخر أن يكون من السيلان ويعضده قراءة ابن عباس " سال سيل " وهو مصدر في معنى سائل كالفوز بمعنى الفائز. والمعنى اندفع وأدى عذاب فذهب بهم وأهلكهم أما {سائل} فلا يجوز فيه إلا الهمز وفاقاً لأنه إن كان من سأل المهموز فظاهر، وإن كان من غير المهموز انقلبت الياء همزة كما في بائع. وقوله {للكافرين} صفة أخرى للعذاب أي بعذاب واقع، لا محالة كائن للكافرين، أو متعلق بواقع أي نازل لأجلهم، أو كلام مستأنف جواب للسائل الذي سأل: إن العذاب على من ينزل أي هو للكافرين. والظاهر أن قوله {من الله} يتعلق {بدافع} أي لا دافع له من جهة الله لأنه قضاء مبرم. وجوز أن يتصل بواقع أي نازل من عند {ذي المعارج} المصاعد. روى الكلبي عن ابن عباس أنها السموات لأن الملائكة يعرجون فيها. وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم بحسب الأرواح ومراتب الاستحقاق والاستعداد. وقيل: هي الجنة لأنها درجات. وقال في التفسير الكبير. وهي مراتب أرواح الملكية المختلفة بالشدة والضعف وبسببها يصل آثار فيض الله إلى العالم السفلي عادة، أو غير عادة فتلك الأرواح كالمصاعد لمراتب الحاجات التي ترفع إليها، كالمنازل لآثار الرحمة من ذلك العالم إلينا. قوله {تعرج الملائكة والروح} وفي مواضع أخرى يوم يقوم الروح والملائكة. قيل: إن الروح أعظم الملائكة قدراً وهو أول في درجة نزول الأنوار من جلال الله، ومنه تتشعب إلى أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح. وبين الطرفين معارج مراتب أرواح الملائكة ومدارج منازل الأنوار القدسية ولا يعلم تفصيلها إلا الله. وأما المتكلمون فالجمهور منهم قالوا: إن الروح هو جبريل عليه السلام. ولا استدلال لأهل التشبيه في لفظ {المعارج} فإنا بينا أنها المراتب. قووله {إليه} إلى عرشه أو حكمه أو إلى حيث تهبط أوامره أو إلى مواضع العز والكرامة. والأكثرون على أن قوله {في يوم} من صلة {تعرج}. أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم وهو يوم القيامة. قال الحسن: يعني من موقفهم للحساب إلى حين يقضي بين العباد خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم بعد ذلك يستقر أهل الجنة في الجنة إلى آخر الآية. والأصح أن هذا الطول إنما يكون للكافر لما حديث : روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسوله صلى الله عليه وسلم: ما أطول هذا اليوم؟ فقال: والذي نفسي بيه إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة في الدنيا تفسير : . ومنهم من قال: إن ذلك الموقف وإن طال فقد يكون سبباً لمزيد السرور والراحة للمؤمن. ومنهم من قال: إن هذه المدة على سبيل التقدير لا على سبيل التحقيق. والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الناس وأدهاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة. ثم إنه تعالى يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وأيضاً الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة. قاله وهب وجماعة من أهل التفسير. وقال أبو مسلم: إن هذا اليوم الدنيا كلها من أول ما خلق العالم إلى القيامة وفيه يقع عروج الملائكة. ثم لا يلزم من هذا أن يصير وقت القيامة معلوماً لأنا لا ندري كم مضى وكم بقى. ومر في " ألم السجدة ". وقال جمع من المفسرين قوله {في يوم} من صلة {واقع} أي يقع ذلك العذاب في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة. وثم يحتمل أن يكون المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار، ويحتمل أن العذاب الذي سأله السائل يكون مقدراً بهذه المدة ثم ينقله الله تعالى إلى نوع آخر من العذاب. يروى عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية وعن قوله {في يوم كان مقداره ألف سنة} فقال: أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها ما لا علم لي به. وقال وهب في الجواب: من أسفل العالم إلى أعلى شرف العرش مسيرة خمسين ألف سنة، ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء من السموات السبع مسيرة خمسمائة سنة، وبين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى، فالمراد مقدار ألف سنة لو صعدوا إلى سماء الدنيا ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى العرش. وفي قوله {فاصبر صبراً جميلاً} تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم كأنه قيل له: إن العذاب قرب وقوعه فاصبر فقد شارفت الانتقام قال الكلبي: هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول بالقتال إنهم يرون العذاب أو يوم القيامة بعيد الأمد بعيداً عن الإمكان {ونراه قريب} منه ثم قال {يوم} أي اذكر يوم {تكون السماء كالمهل} كدرديّ الزيت. عن ابن مسعود: كالفضة المذابة. {وتكون الجبال كالعهن} أي الصوف المصبوغ ألواناً لقوله {أية : ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود} تفسير : [فاطر: 27] وجوز جار الله أن ينتصب {يوم} بـ {قريباً} أو بإضمار يقع لدلالة واقع عليه، أو يراد به يوم تكون السماء كالمهل كان كيت وكيت، أو هو بدل من يوم القيامة فيمن علقه {بواقع} قوله {ولا يسأل حميم} من قرأ بفتح الياء فظاهر أي لا يسأله بكيف حالك لاشتغال كل بنفسه، ومن قرأ بالضم فالمعنى لا يسأل حميم عن حميم ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه فيكون على حذف الجار. وقال الفراء: لا يقال الحميم أين حميمك. ثم كان لسائل أن يقول: لعله لا يبصره فلهذا لا يسأل فقال {يبصرونهم} ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تسائلهم ويجوز أن يكون صفة أي حميماً مبصرين معرفين إياهم وإنما جمع ضمير الحميم لأنه في معنى الجمع حيث رفع في سياق النفي. وقيل: إن الملة تتعلق بما بعده والمعنى إن المجرمين يبصرون المؤمنين حال ما يود أحدهم أن يفدي نفسه بكل ما يمكنه فإن الإنسان إذا كان في البلاء ثم رأى عدوه في الرخاء كان ذلك أشد عليه {وفصيلته} عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم {تؤويه} تضمه إليها للانتماء في النسب أو في إعداد النوائب. ومعنى {ثم} استبعاد الإنجاء عن الافتداء ثم أكد الإستبعاد بقوله {كلا} وهو ردع للمجرم عن كونه بحيث يود افتداءه وتنبيه على أنه لا ينفعه ذلك. والضمير في {أنها} للقصة كما ذكرنا أو للنار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العذاب عليها، ويجوز أن يعود إلى العذاب والتأنيث باعتبار الخبر لأن {لظى} علم لنار جهنم. واللظى اللهب الخالص. والشوى الأطراف وهي اليدان والرجلان، والشوى أيضاً جلد الرأس، الواحدة شواة، قال سعيد بن جبير: العصب والعقب ولحم الساقين اليدين تنزعها نزعاً فتهلكها ثم يعيدها الله سبحانه. وفي قوله {تدعو} وجوه منها: أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك جؤاراً أجابتك اعتباراً. فههنا لما كان مرجع كل من الكفرة إلى دركة من دركات جنهم كأنها تدعوهم إلى نفسها. ومنها أن الله تعالى يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحاً فصيحاً: لي يا كافة الكفرة ثم تلتقطهم التقاط الحب. ومنها أن يكون على حذف المضاف أي تدعو زبانيتها. ومنها أن الدعاء بمعنى الإهلاك كقول العرب " دعاه الله " أي أهلكه {من أدبر} أي عن الطاعة {وتولى} عن الإيمان {وجمع} المال حرصاً عليه {فأوعى} جعله في وعاء وكنزه فلم يؤد حقوق الله فيه أصلاً وهذه مجامع آفات النفس. ثم بين أن الإنسان بالطبع مائل إلى الأخلاق الذميمة فقال {إن الإنسان} وهو الكافر عند بعضهم والأظهر العموم بدليل الاستثناء عقيبه {خلق هلوعاً} والهلع قلة الصبر وشدة الحرص كما فسره الله تعالى بقوله {إذا مسه الشر} أي الفقر والمرض ونحوه من المضار {كان جزوعاً وإذا مسه الخير} أضداد ذلك {كان منوعاً} عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : شر ما أعطي ابن آدم شح هالع وجبن خالع"تفسير : قال أهل السنة: الحالة النفسانية التي هي مصدر الأفعال الاختيارية كالجزع والمنع لا شك أنها بخلق الله تعالى. بل الجزع والمنع أيضاً من خلقه ولا اعتراض لأحد عليه خلق بعض الناس هلوعاً وخلق المستثنين منهم غير هلوع بل مشغولي القلب بأحوال الآخرة، وكل ذلك تصرف منه في ملكه، وقالت المعتزلة: ليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف لأنه تعالى ذكره في معرض الذم والله تعالى لا يذم فعله. ولأنه تعالى استثنى منهم جماعة جاهدوا أنفسهم وظلفوها عن الشهوات. ولو كانت ضرورية لم يقدروا على تركها. والجواب أن الذين خلقهم كلذلك لم يقدروا على الترك والذين تركوها هم الذين خلقوا على هذا الوصف وهم أصناف ثمانية: الأول الذين يداومون على الصلوات والمراد منها أداؤها في أوقاتها، وأما المحافظة عليها فترجع إلى الاهتمام بشأنها وذلك يحصل برعاية أمور سابقة على الصلاة كالوضوء وستر العورة وطلب القبلة وغيرها، حتى إذا جاء وقت الصلاة لم يكن يتعلق القلب بشرائطها وأمور مقارنة للصلاة كالخشوع والاحتراز عن الرياء والإتيان بالنوافل والمكملات، وأمور لاحقة بالصلاة كالاحتراز عن اللغو وما يضاد الطاعة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فارتكابه المعصية بعد الصلاة دليل على أن تلك الصلاة لم تقع في حيز القبول. الثاني {والذين في أموالهم حق} قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: هو الزكاة المفروضة. قلت: الدليل عليه وصفه بأنه معلوم واقترانه بإدامة الصلاة، وقال مجاهد وعطاء والنخعي: هو ما سوى الزكاة وإنه على طريق الندب والاستحباب. قلت: هذا التفسير بما في " الذاريات " أشبه لأنه لم يصف الحق هناك بأنه معلوم ولأنه مدح هناك قوماً بالتزام ما لا يلزمهم كقلة الهجوع والإستغفار بالأسحار. الثالث {والذين يصدقون بيوم الدين} أي يؤمنون بالغيب والجزاء. الرابع {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} خائفون والمؤمن خائف من التقصير في الطاعة وبعض الفسقة لا يخافون من إرتكاب أنواع الظلم وأصناف المعصية. ثم أكد ذلك الخوف بقوله {إن عذاب ربهم غير مأمون} لأن الأمور بخواتيمها والخاتمة غير مقطوع بها. الخامس {والذين هم لفروجهم حافظون} إلى قوله {العادون} وقد مر في " المؤمنين ". والسادس {والذين هم لأماناتم وعهدهم راعون} وقد مر أيضاً. السابع {والذين هم بشهاداتهم قائمون} من أفرد فلانها مصدر، ومن جمع فللنظر إلى اختلاف الشهادات وكثرة أنواعها. وأكثر المفسرين قالوا: هي الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها، وهذه من جملة الأمانات خصها بالذكر تنبيهاً على فضلها لأن في إقامتها إحياء للحقوق وفي تركها تضييع لها. وروى عطاء عن ابن عباس أنها الشهادة بالله أنه واحد لا شريك له. الثامن {والذين هم على صلاتهم يحافظون} وقد ذكرناه. ثم عين مكان هؤلاء بقوله تعالى {أولئك في جنات مكرمون} قال المفسرون: كان المشركون يحتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقاً يستهزؤن به وبالمؤمنين ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت. {فما للذين كفروا قبلك} أي نحوك وفي مقابلتك {مهطعين} مسرعين مادين أعناقهم إليك {عزين} فرقاًً شتى جمع عزة محذوفة العجز وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى فهم مفترقون. وجمع بالواو والنون عوضاً عن المحذوف كما مر في {عضين} قوله {كلا} ردع لهم عن الطمع الفاسد وذلك من وجهين: أحدهما أنهم ينكرون البعث فمن أين لهم هذا الطمع. والثاني أنهم لم يعدوا لها زاداً من الإيمان والعمل الصالح. وفي قوله {إنا خلقناهم مما يعلمون} رد عليهم من الوجهين فإن من علم أن أوله نطفة لم ينكر البعث، أو من علم أن أوله نطفة مذرة كسائر بني آدم لم يدع التقدم والشرف بلا توسل من الإيمان والعمل الصالح. ثم بين كمال قدرته على الإيجاد والإعدام مؤكداً بالأقسام وأنه لا يفوته شيء من الممكنات. ومعنى {المشارق والمغارب} قد تقدم في أول " الصافات " و " الرحمن " وإن للشمس في كل يوم من نصف السنة مغرباً ومشرقاً. وقيل: مشرق كل كوكب ومغربه. وقيل: المراد أنواع الهدايات والخذلانات. واختلف فيما وصف الله نفسه بالقدرة لعيه هل خرج إلى الفعل أم لا؟ قال بعضهم: بدل الله بهم الانصار والمهاجرين. وقال آخرون: بدل الله كفرهم بالإيمان. وقيل: التبديل بمعنى الإهلاك الكلي لهم وإيجاد آخرين مكانهم ولكنه هددهم بذلك لكي يؤمنوا، ثم زاد في التهديد بأن يخلوا وشأنهم إلى أوان لقاء الجزاء والأجداث القبور كما في " يس ". ثم شبه إسراعهم إلى الداعي مستبقين بإسراعهم إلى أنصابهم وهي كل ما ينصب فيبعد من دون الله وقد مر في قوله {أية : وما ذبح على النصب}تفسير : [المائدة: 3] ومعنى {يوفضون} يسرعون. {وترهقهم ذلة} تغشاهم والباقي ظاهر والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ} قرأ جمهور السبعة: {سَأَلَ} بهمزة محقَّقةٍ، قالوا: والمعنى دَعَا داعٍ، والإشارةُ إلى مَنْ قال من قريشٍ: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ}تفسير : [الأنفال:32]، الآية، وقولهم: أية : {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا } تفسير : [ص:16] ونحو ذلك، وقال بعضهم: المعنى بَحَثَ بَاحِثٌ واسْتَفْهَمَ مُسْتَفْهِم، قالوا: والإشارةُ إلى قول قريشٍ: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ}تفسير : [الملك:25] وَمَا جَرى مَجْراه؛ قاله الحسن وقتادة، والباء على هذا التأويل في قوله: {بِعَذَابٍ} بمعنى «عن» وقرأ نافع وابن عامر: «سَال سَائِلٌ» ساكنَةَ الأَلِفِ، واختلفَ القراء بها فقال بعضهم: هي «سأل» المهموزةُ إلاَّ أنَّ الهمزةَ سُهِّلَتْ، وقال بعضهم هي لغة من يقول: سَلْتُ أَسَالُ وَيَتَسَاوَلاَنِ، وهي لغةٌ مشهورة، وقال بعضهم في الآية: هي من سَالَ يَسِيلُ إذا جَرَى، وليست من معنى السؤال، قال زيد بن ثابت وغيره: في جهنمَ وادٍ يسمَّى سَائِلاً؛ والإخبارُ هنا عنه، وقرأ ابن عباس: «سَال سيل» ـــ بسكون الياءِ ـــ وسؤَال الكفارِ عن العذابِ ـــ حَسَبَ قراءة الجماعة ـــ إنما كانَ على أنه كَذِبٌ، فوصفَه اللَّه تعالى بأنهُ وَاقِعٌ وعيداً لهم. وقوله: {لِّلْكَـٰفِرِينَ} قال بعض النحاة: اللامُ بمعنى «على»، ورُويَ: أنه كذلِكَ في مصحف أُبَيٍّ: «على الكافرين» والمعارجُ في اللُّغةِ الدَّرَجُ في الأجْرَام، وهي هنا مستَعارَةٌ في الرُّتَبِ والفضائِل، والصفاتِ الحميدة؛ قاله ابن عباس وقتادة، وقال الحسن: هي المَرَاقي في السماء، قال عياض، في «مشارق الأنوار»: قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : فَعَرَجَ بي إلى السَّماء»تفسير : ، أي: ارْتَقَى بي، والمعراجُ الدَّرَجُ وقيل: سُلَّمٌ تَعْرُج فيه الأرواحُ، وقيل: هو أحْسَنُ شيءٍ لا تتمالكُ النفسُ إذا رأته أنْ تَخْرُجَ، وإليه يَشْخَصُ بَصَرُ الميْتِ مِنْ حُسْنِهِ، وقيل: هو الذي تَصْعَدُ فيه الأَعْمَالُ، وقيل: قوله: {ذِي ٱلْمَعَارِجِ} مَعَارِجِ الملائكةِ، وقيل: ذي الفواضِلِ، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}. قرأ نافع وابن عامرٍ: "سَالَ سَائِلٌ" بغير همز. والباقون: بالهمز، فمن همز، فهو من السؤال، وهي اللغةُ الفاشيةُ. ثم لك في "سأل" وجهان: أحدهما: أن يكون قد ضمن معنى "دعا" فلذلك تعدَّى بالباءِ، كما تقول: دعوتُ بكذا، والمعنى: دعا داعٍ بعذابٍ. والثاني: أن يكون على أصله، والباء بمعنى "عن"، كقوله: [الطويل] شعر : 4856 م - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّسَاءِ... ....................... {أية : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}تفسير : [الفرقان: 59] وقد تقدم تحقيقه. والأول أولى لأن التجوزَ في الفعل أولى منه في الحرف لقوته. وأما القراءةُ بالألف ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنها بمعنى قراءة الهمزة، وإنما خففت بقلبها ألفاً، وليس بقياس تخفيف مثلها، بل قياس تخفيفها، جعلها بَيْنَ بَيْنَ، والباء على هذا الوجه كما في الوجه الذي تقدم. الثاني: أنَّها من "سَالَ يَسالُ" مثل: خَافَ يخافُ، وعين الكلمة واو. قال الزمخشريُّ: "وهي لغةُ قريش، يقولون: سلت تسال، وهما يتسايلان". قال أبو حيَّان: وينبغي أن يتثبت في قوله: "إنها لغةُ قريش"؛ لأن ما جاء في القرآن من باب السؤال هو مهموز، أو أصله الهمز، كقراءة من قرأ {وسَلُوا} [النساء: 32]، إذ لا يجوز أن يكون من "سَالَ" التي يكون عينها واواً، إذ كان يكون "وسالوا الله" مثل "خافوا" فيبعد أن يجيء ذلك كلُّه على لغةِ غير قريش، وهم الذين نزل القرآنُ بلغتهم إلا يسيراً فيه لغة غيرهم، ثم جاء في كلام الزمخشري: وهما "يتسايلان" بالياء، وهو وهم من النُّساخ، إنما الصواب: يتساولان - بالواو - لأنه صرح أولاً أنه من السؤال، يعني بالواو الصريحة. وقد حكى أبو زيد عن العرب: إنهما يتساولان. الثالث: إنها من السَّيلان، والمعنى: "سال" واد في جهنم، يقال له: سايل، وهو قول زيد بن ثابت. فالعين ياء، ويؤيده قراءة ابن عباس: "سال سيل". قال الزمخشريُّ: "والسَّيل مصدر في معنى السَّائل، كالغَوْر بمعنى الغَائِر، والمعنى: اندفع عليهم وادي عذاب"، انتهى. والظاهر الوجه الأول لثبوت ذلك لغة مشهورة، قال: [البسيط] شعر : 4857 - سَالَتْ هُذيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فَاحشَةً ضَلَّتْ هُذِيْلٌ بِمَا سَالتْ ولمْ تُصِبِ تفسير : وقرأ أبيُّ بن كعب وعبد الله: "سَال سَالٍ" مثل "مَال". وتخريجها: أن الأصل: "سائل" فحذفت عينُ الكلمة، وهي الهمزة، واللام محل الإعراب، وهذا كما قيل: هذا شاكٍ في شائك السِّلاح. وقد تقدم الكلام على مادة السؤال أول سورة "البقرة" فليلتفت إليه. و"الباء" تتعلق بـ"سال" من السيلان تعلقها بـ"سأل" لِمَا يزيد. وجعل بعضهم الباءَ متعلقة بمصدر دلَّ عليه فعل السؤالِ، كأنه قيل: ما سؤالهم؟. فقيل: سؤالهم بعذاب، كذا حكاه أبو حيَّان عن ابن الخطيب. ولم يعترضه، وهذا عجيب، فإنَّ قوله أولاً: إنه متعلق بمصدر دل عليه فعل السؤال ينافي تقديره بقوله: "سؤالهم بعذاب"؛ لأن الباء في هذا التركيب المقدَّر تتعلق بمحذوف؛ لأنها خبر المبتدأ بالسؤال. وقال الزمخشريُّ: "وعن قتادة سأل سائل عن عذاب الله بمن ينزل وعلى من يقع فنزلت، و"سأل" على هذا الوجه مضمن معنى عني واهتم، كأنه قيل: اهتم مهتم بعذاب واقعٍ". فصل في تفسير السؤال قال القرطبيُّ: الباء يجوز أن تكون بمعنى "عن" والسؤالُ بمعنى الدعاء، أي دعا داع بالعذاب، عن ابن عباس وغيره، يقال: دعا على فلان بالويلِ ودعا عليه بالعذاب. ويقال: دعوتُ زيداً، أي التمستُ إحضاره، والمعنى التمس ملتمسٌ عذاباً للكافرين، وهو واقع بهم لا محالة يوم القيامةِ، وعلى هذا فالباءُ زائدةٌ كقوله تعالى: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ}تفسير : [المؤمنون: 20]، وقوله تعالى: {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ}تفسير : [مريم: 23]، فهي تأكيد، أي: سأل سائل عذاباً واقعاً. "لِلكَافِرينَ" أي: على الكافرين. قيل: هو النضر بن الحارث حيثُ قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32]، فنزل سؤاله، وقتل يوم "بدر" صبراً هو وعقبة بن أبي معيط، لم يقتل صبراً غيرهما، قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: "حديث : إنَّ السائل هنا هو الحارثُ بن النعمان الفهري، وذلك أنه لما بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه: "مَنْ كُنْتُ مَولاهُ فَعَليٌّ مَوْلاهُ" ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح، ثم قال: يا محمدُ، أمرتنا عن الله، أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله، فقبلناه منك، وأن نصلي خمساً، ونزكي أموالنا، فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في كل عام، فقبلناه منك، وأن نحج، فقبلناه منك، ثُمَّ لم ترض بهذا، حتى فضَّلت ابن عمك علينا، أفهذا شيءٌ منك أم من الله؟. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "واللَّهِ الَّذي لا إِلهَ إلاَّ هُوَ، ما هُوَ إلاَّ مِنَ اللَّه" فولى الحارث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقًّا، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذابٍ أليم، فوالله ما وصل إلى ناقته، حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه، فخرج من دبره فقتله، فنزلت {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} ". تفسير : وقال الربيع: السائل هنا أبو جهلٍ وهو القائل ذلك. وقيل: إنه قول جماعة من كفار قريش، وقيل: هو نوح - عليه الصلاة والسلام - سأل العذاب على الكافرين. وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بالعقاب، وطلب أن يوقعه بالكفار، وهو واقع بهم لا محالة، وامتد الكلام إلى قوله تعالى {أية : فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً}تفسير : [المعارج: 5]، أي: لا تستعجل فإنه قريب، وهذا يدل على أن ذلك السائل هو الذي أمره الله بالصبر الجميلِ. وقال قتادة: الباءُ بمعنى "عَنْ"، فكأن سائلاً سأل عن العذاب بمن وقع، أو متى يقع، قال الله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}، أي: فاسأل عنه، وقال علقمةُ: [الطويل] شعر : 4858 - فإن تَسْألُونِي بالنِّسَاءِ... .......................... تفسير : أي: عن النِّساء، فالمعنى: سلوني بمن وقع العذاب، ولمن يكون، فقال الله تعالى: {لِّلْكَافِرِينَ} وقال أبو عليّ وغيره: وإذا كان من السؤال، فأصله أن يتعدَّى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما وإذا اقتصر على أحدهما، جاز أن يتعدى إليه بحرف الجر، فيكون التقدير: سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم أو المسلمين بعذاب أو عن عذاب. قوله: {لِّلْكَافِرِينَ}. فيه أوجه: أحدها: أن يتعلق بـ"سأل" مضمناً معنى "دعا" كما تقدم، أي: دعا لهم بعذاب واقع. الثاني: أن يتعلق بـ"واقع" واللام للعلة، أي نازل لأجلهم. الثالث: أن يتعلق بمحذوف، صفة ثانية لـ"عذاب" أي كائن للكافرين. الرابع: أن يكون جواباً للسائل، فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هو للكافرين. الخامس: أن تكون "اللام" بمعنى "على"، أي: واقع على الكافرين. ويؤيده قراءة أبيّ: "على الكافرين"، وعلى هذا فهي متعلقة بـ"واقع" لا على الوجه الذي تقدم قبله. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: بِمَ يتصل قوله: "للكافرين"؟. قلت: هو على القول الأول متصل بـ"عذاب" صفة له أي بعذاب واقع كائن للكافرين، أو بالفعل أي دعا للكافرين بعذاب واقع أو بواقع، أي: بعذاب نازل لأجلهم. وعلى الثاني: هو كلام مبتدأ جواب للسائل، أي: هو للكافرين انتهى. قال أبو حيَّان: وقال الزمخشري: أو بالفعل، أي: دعا للكافرين، ثم قال: وعلى الثاني، وهو ثاني ما ذكر في توجيهه للكافرين، قال: هو كلام مبتدأ، وقع جواباً للسائل، أي: هو للكافرين، وكان قد قرر أن "سأل" في معنى "دعا" فعدي تعديته، كأنه قال: دعا داعٍ بعذاب، من قولك: دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى: {أية : يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ}تفسير : [الدخان: 55] انتهى، فعلى ما قرره، أنه متعلق بـ"دَعَا" يعني "بسأل"، فكيف يكون كلاماً مبتدأ جواباً للسائل، أي: هو للكافرين، هذا لا يصح. قال شهاب الدين: وقد غلط أبو حيان في فهمه عن أبي القاسم قوله: وعلى الثاني إلى آخره، فمن ثم جاء التخليط الذي ذكره الزمخشريُّ، إنما عنى بالثاني قوله عن قتادة: سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع، فنزلت، و"سأل" على هذا الوجه مضمن معنى "عني واهتم"، فهذا هو الوجه الثاني المقابل للوجه الأول، وهو أن "سأل" يتضمن معنى "دَعَا"، ولا أدري كيف تخبط حتى وقع، ونسب الزمخشري إلى الغلط، وأنه أخذ قول قتادة والحسن وأفسده، والترتيب الذي رتّبه الزمخشري، في تعلق "اللام" من أحسن ما يكون صناعة ومعنى. قال القرطبي: وقال الحسن: أنزل اللَّهُ تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}، وقال: لمن هو؟ فقال: "للكافرين"، فاللام في "لِلكَافِريْنَ" متعلقة بـ"واقع". وقال الفرَّاءُ: التقدير: بعذابٍ للكافرين واقع، فالواقع من نعت العذاب، فاللام دخلت للعذاب لا للواقع. أي: هذا العذاب للكافرين في الآخرة، لا يدفعه عنهم أحدٌ. وقيل: إن اللام بمعنى "على" أي: واقع على الكافرين كما في قراءة أبَيِّ المتقدمة. وقيل: بمعنى "عَنْ" أي: ليس له دافع عن الكافرين. قوله: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ}. يجوز أن يكون نعتاً آخر لـ"عذاب"، وأن يكون مستأنفاً، والأول أظهر. وأن يكون حالاً من "عَذاب" لتخصصه، إما بالعمل وإما بالصفة، وأن يكون حالاً من الضمير في "للكافرين" إن جعلناه نعتاً لـ"عَذاب". قوله: {مِّنَ ٱللَّهِ} يجوز أن يتعلق بـ"دَافِعٌ" بمعنى ليس له دافع من جهته، إذا جاء وقته، وأن يتعلق بـ"واقع"، وبه بدأ الزمخشري، أي: واقع من عنده. وقال أبو البقاء: ولم يمنع النفي من ذلك؛ لأن "لَيْسَ" فعل. كأنه استشعر أن ما قبل النفي لا يعمل فيما بعده. وأجاب: بأنَّ النفي لما كان فعلاً ساغ ذلك. قال أبو حيَّان: والأجود أن يكون "مِنَ اللَّهِ" متعلقاً بـ"وَاقع"، و{لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} جملة اعتراض بين العامل ومعموله. انتهى. وهذا إنما يأتي على البدل، بأنَّ الجملة مستأنفةٌ، لا صفة لـ"عذاب"، وهو غير الظاهر كما تقدم لأخذ الكلام بعضه بحجزة بعض. قوله: "ذي" صفة لله، ومعنى: "ذِي المَعارِج"، أي: ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم؛ لأنها تصل إلى الناس على مراتب مختلفة، قاله ابن عباس وقتادة. "فالمعارج"، مراتبُ إنعامه على الخلق. وقيل: ذي العظمة والعلو. وقال مجاهدٌ: هي معارج السماءِ. وقيل: هي السموات. قال ابن عباس: أي: ذي السموات، سمَّاها معارج الملائكةِ، لأن الملائكةَ تعرج إلى السماءِ، فوصف نفسه بذلك. وقيل: "المعارج" الغرف، أي: أنه ذو الغرف، أي: جعل لأوليائه في الجنة غرفاً. وقرأ عبد الله: "ذِي المعاريج" بالياء. يقال: معرج، ومعراج، ومعارج، ومعاريج مثل مفتاح ومفاتيح. والمعارج: الدرجات ومنه: {أية : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}تفسير : [الزخرف: 33] وتقدم الكلام على المعارج في "الزخرف". قوله: {تَعْرُجُ}. العامة: بالتاء من فوق. وقرأ ابن مسعود، وأصحابه، والسلمي، والكسائي: بالياء من تحت. وهما كقراءتي: "فَنَادَاهُ المَلائِكَةُ ونَادَتْهُ" [آل عمران: 39]، "تَوَفَّاهُ وَتَوَفَّتْهُ"[الأنعام: 61]. وأدغم أبو عمرو: الجيم في التاء. واستضعفها بعضهم من حيث إن مخرج الجيم بعيد من مخرج التاء. وأجيب عن ذلك بأنها قريبة من الشين؛ لأن النقص الذي في الشين يقرِّبها من مخرج التاء، والجيم تدغم في الشين لما بينهما من التقارب، في المخرج والصفة، كما تقدم في {أية : أَخْرَجَ شَطْأَهُ}تفسير : [الفتح: 29] فحُمِلَ الإدغام في التاء، على الإدغام في الشين، لما بين الشين والتاء من التقارب. وأجيب أيضاً: بأنَّ الإدغام يكون لمجرد الصفات، وإنْ لم يتقاربا في المخرج، والجيم تشارك التاء في الاستفال والانفتاح والشّدة. والجملة من "تعرج" مستأنفة. قوله: "والرُّوحُ" من باب عطف الخاص على العام، إن أريد بالروح جبريل، أو ملك آخر من جنسهم، وأخر هنا وقدم في قوله: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً}تفسير : [النبأ: 38]؛ لأن المقامَ هنا يقتضي تقدم الجمع على الواحد، من حيثُ إنه مقامُ تخويفٍ، وتهويل. فصل في تحرير معنى الآية {تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ}، أي: تصعد في المعارج التي جعلها الله لهم. قال ابن عبَّاسِ: الروح: جبريلُ - عليه السلام - لقوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193]. وقيل: هو ملكٌ آخر، عظيمُ الخلقةِ. وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله، كهيئة الناس وليس بالناس. وقال قبيصة بن ذؤيب: إنه روح الميت حين تقبض. قوله: "إليه"، أي: إلى المكان الذي هو محلهم، وهو في السماء؛ لأنه محلُّ برِّه وكرامته وقيل: هو كقول إبراهيم {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي}تفسير : [الصافات: 99]، أي: إلى الموضع الذي أمرني به. وقيل: "إليه" إلى عرشه. قال شهاب الدين: الضمير في "إليْهِ"، الظاهر عوده على الله تعالى. وقيل: يعود على المكان لدلالة الحال والسياق عليه. قوله: "في يوم"، فيه وجهان: أظهرهما: تعلقه بـ"تَعْرجُ". والثاني: أنه يتعلق بـ"دافع". وعلى هذا فالجملة من قوله: "تعرجُ الملائكةُ" معترضة، و"كَانَ مقداره" صفةٌ لـ"يوم". قال ابن الخطيب: الأكثرون على أنَّ قوله: "فِي يَوْمٍ" صلة قوله: "تَعْرُجُ"، أي: يحصل العروج في مثل هذا اليوم. وقال مقاتل: بل هذا من صلة قوله: "بعَذابٍ واقع" [وعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع]، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. وعلى التقدير الأول، فذلك اليوم، إما أن يكون في الآخرة، أو في الدنيا. وعلى تقدير أن يكون في الآخرة، فذلك الطول إما أن يكون واقعاً، وإما أن يكون مقدراً، فإن كان معنى الآية: إن ذلك العُروجَ يقع في يوم من أيام الآخرة طوله خمسون ألف سنةٍ، وهو يوم القيامة، وهذا قول الحسن، قال: وليس يعني أن مقدار طوله هذا فقط؛ إذ لو كان كذلك لحصلت له غاية، ولنفيت الجنة والنار عند انتهاء تلك الغاية، وهذا غير جائز، بل المراد: أن موقفهم للحساب حين يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدُّنيا بعد ذلك يستقر أهل النار في النار، نعوذ بالله منها. فصل في الاحتجاج لهذا القول قال القرطبي: واستدل النحاس على صحة هذا القول بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : مَا مِنْ رجُلٍ لَمْ يُؤدِّ زكَاةَ مالِه إلاَّ جعلَ لَهُ شُجَاعاً مِنْ نَارٍ تُكْوَى بِهِ جبْهَتُهُ وظَهْرُهُ وجَنْبَاهُ يَوْمَ القِيامَةِ في يَوْمٍ كَانَ مقْدارهُ خَمْسينَ ألْفَ سَنةٍ حتَّى يقْضِيَ الله بَيْنَ النَّاسِ"تفسير : وهذا يدل على أنه يوم القيامةِ. وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلا ما قدر ما بين ظهر يومنا وعصره. وروي هذا المعنى مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين"تفسير : ولذلك سمى نفسه {أية : سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [المائدة: 40]، و{أية : أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ}تفسير : [الأنعام: 62]، وإنما خاطبهم على قدر فهم الخلائقِ، وإلا فلا يشغله شأن عن شأن، وكما يرزقهم في ساعة يحاسبهم في لحظة، قال تعالى: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}تفسير : [لقمان: 28]. والمعنى: لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله، لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة. قال البغوي: هذا معنى قول عطاء عن ابن عباس ومقاتل. قال عطاء: ويفرغ الله منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. واعلم أنَّ هذا الطول، إنَّما يكون في حق الكافرِ، وأما في حق المؤمن فلا، لما روى أبو سعيد الخدري أنه قال: "حديث : قِيْلَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أطولَ هذا اليوم؟ فقال: "والذي نَفْسي بِيَدهِ إنَّهُ ليَخِفُّ على المؤمنِ حتَّى إنَّهُ يكُونُ أخفَّ من صلاةٍ مكتوبةٍ يُصلِّيهَا في الدُّنْيَا" ". تفسير : وقال بعضهم: إنَّ ذلك، وإن طال، فيكون سبباً لمزيد السرورِ والراحة لأهل الجنة، ويكون سبباً لمزيد الحزنِ والغمِّ لأهل النار. وأجيب: بأنَّ الآخرة دارُ جزاءٍ، فلا بد وأن يحصل للمثابين ثوابهم، ودارُ الثوابِ هي الجنةُ لا الموقف، فإذاً لا بد من تخصيص طول الموقف بالكفار. وقيل: هذه المدة على سبيل التقدير لا على التحقيق، أي: تعرج الملائكةُ في ساعة قليلة، لو أراد أهل الدنيا العروج إليها كان مقدار مدَّتهم خمسين ألف سنةٍ. وعن مجاهد والحسن وعكرمة: هي مدة إقامة عمر الدنيا من أول ما خلقت إلى آخر ما بقي خمسون ألف سنةٍ، وهو قول أبي مسلمٍ. فإن قيل: كيف الجمعُ بين هذه، وبين قوله في سورة "السَّجدة": {أية : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [السجدة: 5] وقد قال ابن عباس: هي أيام سمَّاها الله تعالى هو أعلم بها، وأنا أكره أن أقول فيها ما لا أعلم؟. فالجوابُ: يحتمل أن من أسفل العالم إلى أعلى العرش خمسين ألف سنةٍ، ومن أعلى سماءِ الدنيا إلى الأرض ألف سنةٍ؛ لأن عرض كل سماءٍ خمسمائة، وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة، فقوله: {في يَوْمٍ} يريد: في يوم من أيام الدنيا، وهو مقدار ألف سنةٍ لو صعدوا فيه إلى سماء الدنيا، ومقدار خمسين ألف سنةٍ لو صعدوا إلى أعلى العرش.
البقاعي
تفسير : لما ختم أمر الطامة الكبرى في الحاقة حتى ثبت أمره، وتساوى سره وجهره، ودل عليها حتى لم يبق هناك نوع لبس في وجوب التفرقة في الحكمة بين المحسن والمسيء، وختم بأن ترك ذلك مناف للكمال فيما نتعارقه من أمور العمال بعد أن أخبر أنه يعلم أن منهم مكذبين، وكان السائل عن شيء يدل على أن السائل ما فهمه حق فهمه، ولا اتصف بحقيقة علمه، عجب في أول هذه ممن سأل عنها فقال: {سأل} ودل على أنه لو لم يسأل عنها إلا واحد من العباد لكان جديراً بالتعجب منه والإنكار عليه بالإفراد في قوله: {سائل} وهو من السؤال في قراءتي من خفف بإبدال الهمزة ألفاً ومن همز. ولما كان سؤالهم من وقت مجيء الساعة والعذاب وطلبهم تعجيل ذلك إنما هو استهزاء، ضمن "سأل" استهزاء ثم حذفه ودل عليه بحال انتزعها منه وحذفها ودل عليها بما تعدى به فقال، أو أنه حذف مفعول السؤال المتعدي "بعن" ليعم كل مسؤول عنه إشارة إلى أن من تأمل الفطرة الأولى وما تدعو إليه من الكمال فأطاعها فكان مسلماً فاضت عليه العلوم، وبرقت له متجليه أشعة الفهوم، فبين المراد من دلالة النص بقوله: {بعذاب} أي عن يوم القيامة بسبب عذاب أو مستهزئاً بعذاب عظيم جداً {واقع *} وعبر باللام تهكماً منهم مثل {فبشرهم بعذاب} فقال: {للكافرين} أي الراسخين في هذا الوصف بمعنى: إن كان لهم في الآخرة شيء فهو العذاب، وقراءة نافع وابن عامر بتخفيف الهمزة أكثر تعجيباً أي اندفع فمه بالكلام وتحركت به شفتاه لأنه مع كونه يقال: سال يسأل مثل خاف يخاف لغة في المهموز يحتمل أن يكون من سأل يسأل، قال البغوي: وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قالوا: من أهل هذا العذاب ولمن هو؟ سلوا عنه، فأنزلت. ولما أخبر بتحتم وقوعه علله بقوله: {ليس له} أي بوجه من الوجوه ولا حيلة من الحيل {دافع *} مبتدىء {من الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له فلا أمر لأحد معه، وإذا لم يكن له دافع منه لم يكن دافع من غيره وقد تقدم الوعد به، ودلت الحكمة عليه فتحتم وقوعه وامتنع رجوعه. ولما كان القادر يوصف بالعلو، والعاجز يوصف بالسفول والدنو، وكان ما يصعد فيه إلى العالي يسمى درجاً، وما يهبط فيه إلى السافل يسمى دركاً، وكانت الأماكن كلها بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء، اختير التعبير بما يدل على العلو الذي يكنى به عن القدرة والعظمة، فقال واصفاً بما يصلح كونه مشيراً إلى التعليل: {ذي المعارج *} أي الدرج التي لا انتهاء لها أصلاً - بما دلت عليه صيغة منتهى الجموع وهي كناية عن العلو، وسميت بذلك لأن الصاعد في الدرج يشبه مشية الأعرج، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها السماوات، ودل على ما دلت عليه الكثرة مع الدلالة على عجيب القدرة في تخفيفها على الملائكة بقوله: {تعرج الملائكة} أي وهم أشد الخلق وأقدره على اختراق الطباق، والإسراع في النفوذ حتى يكونوا أعظم من لمح البرق الخفاق {والروح} أي جبريل عليه السلام، خصه تعظيماً له، أو هو خلق هو أعظم من الملائكة، وقيل: روح العبد المؤمن إذا قبض {إليه} أي محل مناجاته ومنتهى ما يمكن من العلو لمخلوقاته، وعلق بالعروج أو بواقع قوله: {في يوم} أي من أيامكم، فيه آدمياً {خمسين ألف} وبين المشقة في صعوده أو الكون فيه إن أريد القيامة بأن قال: {سنة *} ولم يقل: عاماً - مثلاً، ويجوز أن يكون هذا اليوم ظرفاً للعذاب فيكون المراد به يوم القيامة، وأن يكون طوله على الكافر باعتبار ما يلحقه من الغم لشدة المخاوف عليه لأنه ورد أنه يخفف على المؤمن حتى يكون بمقدار صلاة واحدة - انتهى. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المعنى أنه لو ولي الحساب غير الله لم يفرغ منه إلا في هذا المقدار، ويفرغ منه هو سبحانه في نصف يوم من أيام الدنيا، وقال مجاهد والحكم وعكرمة: هو عمر الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم مضى وكم بقي إلا الله، وقد مضى في سورة {ألم السجدة} ما ينفع ههنا. ولما كان هذا كله تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن استعجالهم إياه بالعذاب استهزاء وتكذيباً سواء أريد تصوير العظمة أو العذاب، سبب عنه قوله: {فاصبر} أي على أذاهم ولا ينفك ذلك عن تبليغهم فإنك شارفت وقت الانتقام منهم أيها الفاتح الخاتم الذي لم أبين لأحد ما بينت على لسانه، والصبر: حبس النفس على المكروه من الإقدام أو الإحجام، وجماله بسكون الظاهر بالتثبت والباطن بالعرفان {صبراً جميلاً *} أي لا يشوبه شيء من اضطراب ولا استثقال، ولا شكوى ولا استعجال، فإن عذابهم ونصرك عليهم لعظمة من أرسلك، فلا بد من وقوعه لأن القدح فيه والتكذيب به قدح فيها، وهذا قبل الأمر بالقتال.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {سأل سائل} قال: هو النضر بن الحارث، قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، وفي قوله: {بعذاب واقع} قال: كائن {للكافرين ليس له دافع. من الله ذي المعارج} قال: ذي الدرجات. وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {سأل سائل} قال: نزلت بمكة في النضر بن الحارث، وقد قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، الآية، وكان عذابه يوم بدر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {بعذاب واقع} قال: يقع في الآخرة قولهم في الدنيا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك هو النضر بن الحارث. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: {سأل سائل بعذاب واقع} فقال الناس: على من يقع العذاب؟ فأنزل الله {على الكافرين ليس له دافع} . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {سأل سائل} قال: دعا داع، وفي قوله: {بعذاب واقع} قال: يقع في الآخرة، وهو قولهم: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: رجل من عبد نزار ويقال له الحارث بن علقمة: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فقال الله؛ {أية : وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب}تفسير : [ ص: 86] وقال الله: {أية : ولقد جئتمونا فرادى} تفسير : [الأنعام: 94] وقال الله: {سأل سائل بعذاب واقع} هو الذي قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر، وهو الذي قال: {ربنا عجل لنا قطنا} وهو الذي سأل عذاباً هو واقع به. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {سأل سائل} قال: سأل وادٍ في جهنم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ذي المعارج} قال: ذي العلو والفواضل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله: {ذي المعارج} قال: معارج السماء. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {ذي المعارج} قال: ذي الفضائل والنعم. وأخرج أحمد وابن خزيمة عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع رجلاً يقول: لبيك ذي المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول ذلك. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ {تعرج الملائكة} بالتاء. وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحق رضي الله عنه قال: كان عبد الله يقرأ "يعرج الملائكة" بالياء. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع سموات {مقداره خمسين ألف سنة} ويوم كان مقداره ألف سنة يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: غلظ كل أرض خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} . وأخرج ابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} قال: هذا في الدنيا {تعرج الملائكة في يوم كان مقداره ألف سنة} وفي قوله: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} قال: لو قدرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم، قال: يعني يوم القيامة. وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: سأل رجل ابن عباس رضي الله عنهما ما هؤلاء الآيات {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} قال: يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة وخلق السموات والأرض في ستة أيام كل يوم ألف سنة ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه {في يوم كان مقداره ألف سنة} قال: ذلك مقدار المسير. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة رضي الله عنهما في قوله: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} قالا: هي الدنيا أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: هو ما بين أسفل الأرض إلى العرش. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} قال: ذلك يوم القيامة. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن حبان والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن {يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} ما أطول هذا اليوم، فقال: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال: قدر يوم القيامة على المؤمن قدر ما بين الظهر إلى العصر. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: يشتد كرب يوم القيامة حتى يلجم الكافر العرق، قيل: فأين المؤمنون يومئذ؟ قال: يوضع لهم كراسي من ذهب، ويظلل عليهم الغمام، ويقصر ذلك اليوم عليهم، ويهون حتى يكون كيوم من أيامكم هذه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: يكون عليهم كالصلاة المكتوبة. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في البعث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً قال: ما قدر طول يوم القيامة على المؤمنين إلا كقدر ما بين الظهر إلى العصر. أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {صبراً جميلاً} قال: لا تشكو إلى أحد غيري. وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الأعلى بن الحجاج في قوله: {فاصبر صبراً جميلاً} يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو.
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها أربع وأربعون {سَأَلَ سَائِلٌ} أي دَعَا داعٍ {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} أي استدعاهُ وطلبَهُ وهُو النَّضرُ بنُ الحارثِ حيثُ قالَ إنكاراً واستهزاءً: {أية : إنْ كانَ هَذا هُو الحقَّ من عندِكَ فأمطرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتنا بعذابٍ أليمٍ} تفسير : [الأنفال، الآية 32]، وقيلَ أبُو جهلٍ حيثُ قالَ أسقطْ علينا كسفاً من السماءِ، وقيلَ هو الحارثُ بنِ النعمانِ الفهريُّ وذلكَ أنَّه لما بلغَهُ قولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في عليَ رضيَ الله عنهُ "حديث : من كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ" تفسير : قالَ اللهمَّ إنْ كانَ ما يقولُ محمدٌ حقاً فأمطرْ علينا حجارةً من السماءِ، فما لبثَ حَتَّى رماهُ الله تعالَى بحجرٍ فوقعَ على دماغِهِ فخرجَ من أسفلِهِ فهلكَ من ساعتِهِ، وقيلَ هُو الرسولُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ استعجلَ عذابَهُمْ. وقُرِىءَ سَأَلَ، وهو إمَّا من السؤالِ على لُغةِ قُريشٍ فالمَعْنَى ما مرَّ أو من السَّيلانِ، ويؤيدُهُ أنَّهُ قُرِىءَ سالَ سيلٌ أي اندفعَ وادٍ بعذابٍ واقعٍ. وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على تحققِ وقوعِهِ إمَّا في الدُّنيا وهو عذابُ بومِ بدرٍ فإنَّ النضرَ قُتِلَ يومئذٍ صَبْراً، وقد مرَّ حالُ الفهريِّ، وإمَّا في الآخرةِ فهو عذابُ النارِ والله أعلمُ. {لِلْكَـٰفِرِينَ} صفةٌ أُخرى لعذابٍ أي كائنٍ للكافرينَ، أو صلةٌ لواقعٍ، أو متعلقٌ بسألَ أي دَعَا للكافرينَ بعذابٍ واقعٍ. وقولُهُ تعالَى: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} صفةٌ أُخرى لعذابٍ، أو حالٌ منهُ لتخصصِهِ بالصفةِ أو بالعملِ أو من الضميرِ في للكافرينَ على تقديرِ كونِهِ صفةً لعذابٍ أو استئنافٌ {مِنَ ٱللَّهِ} متعلقٌ بواقعٍ أو بدافعٌ أي ليسَ له دافعٌ من جهتِهِ تعالَى: {ذِي ٱلْمَعَارِجِ} ذِي المصاعدِ التي يصعدُ فيها الملائكةُ بالأوامرِ والنَّواهِي أو هي عبارةٌ عن السمواتِ المترتبةِ بعضِهَا فوقَ بعضٍ {تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} أي جبريلُ عليهِ السَّلامُ، أفردَ بالذكرِ لتميزِهِ وفضلِهِ وقيلَ الروحُ خلقٌ هم حفظة على الملائكةِ كما أنَّ الملائكةَ حفظةٌ على الناسِ. {إِلَيْهِ} إلى عرشِهِ تعالَى وإلى حيثُ تهبطُ منهُ أوامرُهُ تعالَى وقيلَ هو من قبـيلِ قولِ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ: { أية : إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى} تفسير : [سورة الصافات، الآية 99] أي إلى حيثُ أمرنِي بهِ. {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} مما يعدُّه الناسُ وهو بـيانٌ لغايةِ ارتفاعِ تلكَ المعارجِ وبُعدِ مَداها على منهاجِ التمثيلِ والتخيـيلِ، والمَعْنَى أنَّها من الارتفاعِ بحيثُ لو قُدِّرَ قطعُها في زمانٍ لكانَ ذلكَ الزمانُ مقدارَ خمسينَ ألفَ سنةٍ من سِنِي الدُّنيا، وقيلَ معناهُ تعرُجُ الملائكةُ والروحُ إلى عرشِهِ تعالَى في يومٍ كان مقدارُهُ كمقدارِ خمسينَ ألفَ سنةٍ أي يقطعونَ في يومٍ ما يقطعُهُ الإنسانُ في خمسينَ ألفَ سنةٍ لو فُرضَ ذلكَ، وقيلَ في يومٍ متعلقٌ بواقعٍ، وقيل بسال على تقديرِ كونِهِ من السَّيلانِ، فالمرادُ به يومُ القيامةِ، واستطالتُهُ إمَّا لأنَّه كذلكَ في الحقيقةِ أو لشدتِهِ على الكفارِ أوْ لكثرةِ ما فيهِ من الحالاتِ والمحاسباتِ، وأيَّاً ما كانَ فذلكَ في حقِّ الكافرِ وأمَّا في حقِّ المؤمنِ فلاَ، لِمَا رَوَى أبو سعيدٍ الخدريُّ رضيَ الله عنهُ أنَّه قيلَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ما أطولَ هذا اليومَ، فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " حديث : والذي نفسِي بـيدِهِ أنَّهُ ليخِفُّ على المؤمنِ حتى إنَّهُ يكونُ أخفَّ من صلاةٍ مكتوبةٍ يُصلِّيها في الدُّنيا".
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}. الباء في {بِعَذَابٍ} بمعنى عن، أي سأل سائلٌ عن هذا العذاب لِمَنْ هو؟ فقال تعالى: {لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ}. هذا العذاب للكافرين ليس له دافع {مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ}؛ فهذا العذابُ من الله. ومعنى {ذِي ٱلْمَعَارِجِ} ذي الفضل ومعالي الدرجات التي يُبْلِغُ إليها أولياءَه.
البقلي
تفسير : {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ} هذا وصف اهل الامل والظن الكاذب الذين يظنون انهم يتركون فى قبايح اعمالهم وهم لا يعذبون.
اسماعيل حقي
تفسير : {سأل سائل بعذاب واقع} من السؤال بمعنى الدعاء والطلب يقال دعا بكذا استدعاه وطلبه ومنه قوله تعالى يدعون فيها بكل فاكهة اى يطلبون فى الجنة كل فاكهة والمعنى دعا داع بعذاب واقع نازل لا محالة سوآء طلبه او لم يطلبه اى استدعاه وطلبه ومن التوسعات الشائعة فى لسان العرب حمل النظير على النظير وحمل النقيض على النقيض فتعدية سأل بالباء من قبيل التعدية بحمل النظير على النظير فانه نظير دعا وهو يتعدى بالباء لا من قبيل التعدية بالتضمين بأن ضمن سأل معنى دعا فعدى تعديته كما زعمه صاحب الكشاف لان فائدة التضمين على ما صرح به ذلك الفاضل فى تفسير سورة النحل اعطاء مجموع المعنيين ولا فائدة فى الجمع بين معنى سأل ودعا لان احدهما يغنى عن الاخر والمراد بهذا السائل على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما واختاره الجمهور هو النضر بن الحارث من بنى عبد الدار حيث قال انكارا واستهزآء اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب أليم وصيغة الماضى وهو واقع دون سيوقع للدلالة على تحققق وقوعه اما فى الدنيا وهو عذاب يوم بدر فان النضر قتل يومئذ صبرا واما فى الآخرة وهو عذاب النار وعن معاوية انه قال لرجل من اهل سبأ ما اجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة قال اجهل من قومى قومك قالوا لرسول الله عليه السلام حين دعاهم الى الحق ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء ولم يقولوا ان كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له وقيل السائل هو الرسول عليه السلام استعجل بعذابهم وسأل ان يأخذهم الله اخذا شديدا ويجعله سنين كسنى يوسف وان قوله تعالى سأل سائل حكاية لسؤالهم المعهود على طريقة قوله تعالى يسألونك عن الساعة وقوله تعالى {أية : متى هذا الوعد}تفسير : ونحوهما اذ هو المعهود بالوقوع على الكافرين لا ما دعا بها النضر فالسؤال بمعناه وهو التفتيش والاستفسار لان الكفرة كانوا يسألون النبى عليه السلام واصحابه انكارا واستهزآء عن وقوعه وعلى من ينزل ومتى ينزل والباء بمعنى عن كما فى قوله تعالى {أية : فاسأل به خبيرا}تفسير : اى فاسأل عنه لان الحروف العوامل يقوم بعضها مقام بعض باتفاق العلماء وعن الامام الواحدى ان الباء فى بعذاب زائدة للتأكيد كما فى قوله تعالى {أية : وهزى اليك بجذع النخلة}تفسير : اى عذابا واقعا كقولك سألته الشئ وسألته عن الشئ.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {سأل سائل}، قرأ نافع والشاميّ بغير همز، إمّا من السؤال، على لغة قريش، فإنهم يُسهّلون الهمز، أو مِن السّيلان، ويُؤيده أنه قُرىء "سَال سيْل" أي: سال وادٍ {بعذابٍ واقعٍ للكافرين} يوم القيامة، والتعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه، أو في الدنيا، وهو عذاب يوم بدر، وقرأ الباقون بالهمز، من السؤال, أي: طَلَبَ طالب، وهو النضر بن الحارث، حيث قال استهزاءً: {أية : إِن كَانَ هّذاَ هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ ٱلسَّمَآءِ } تفسير : [الأنفال:32] وقيل: أبو جهل, حيث قال: {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ ٱلسَّمَآءِ } تفسير : [الشعراء:187]، وقيل: هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك أنه لمّا بلغه قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في عَلِيّ: " حديث : مَن كنتُ مولاه فَعَلِيٌّ مولاه " تفسير : ، قال: اللهم إن كان ما يقول محمد حقًّا فأَمْطِر علينا حجارةً من السماء، فما لبث حتى رماه الله بحَجَر، فوقع على دماغه، فخرج من أسفله، فهلك من ساعته. وقوله تعالى: {بعذاب} إذا كان " سال" من السيلان، فالباء على بابها، أي: سال واد بعذاب للكافرين، وإذا كان من السؤال فالباء بمعنى "عن" كقوله تعالى: {أية : فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً } تفسير : [الفرقان:59] أي: سأل عن عذاب، أو ضَمَّن "سأل" معنى دعا، فعدّى تعديته، مِن قولك: دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى: {أية : يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ } تفسير : [الدخان:55] أي: دعا داع بعذابٍ واقع لا محالة، إما في الدنيا أو الآخرة، و"للكافرين": صفة ثانية لعذاب، أي: بعذاب واقع حاصل للكافرين، أو متعلق بسَأل، أي: دعا للكافرين بعذاب واقع، {ليس له} أي: لذلك العذاب {دافع}؛ راد {من الله}: متصل بواقع، أي: واقع من عند الله، أو بدافع، أي: ليس له دافع من جهته تعالى إذا جاء وقته، والجملة: صفة أخرى لعذاب، أو حال منه أو استئناف. {ذي المعارج} أي: ذي المصاعد، التي تصعد فيها الملائكة بالأوامر والنواهي، وهي السموات المترتبة بعضها فوق بعض، أو: ذي الفواضل العالية، أو معالي الدرجات، أو الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب والعمل الصالح، أو: يرقى فيها المؤمنون في سلوكهم. {تعرُجُ الملائكةُ والرُّوحُ} أي: جبريل عليه السلام، أُفرد بالذكر لتميُّزه وفضله، أو الروح: خلقٌ من الملائكة هم حفظة على الملائكة، كما أنَّ الملائكة حفظةٌ علينا، أو: أرواح المؤمنين عند الموت، فإنها تعرج إلى سدرة المنتهى، فتُحاسَب، ثم تدخل الجنة لترى مقعدها، ثم ترجع للسؤال في القبر، وقوله تعالى: {إِليه} أي: إلى عرشه ومهبط أمره {في يوم كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ} مما يعده الناس، وهو بيان لغاية ارتفاع تلك المعارج وبُعد مداها، على منهاج التمثيل والتخييل. والمعنى: أنها من الارتفاع بحيث لو قدر قطعها في زمان؛ لكان ذلك الزمان مقدار خمسين ألف سنة من سِنيِّ الدنيا، وقيل: معناه: تعرج الملائكة والروح إلى عرشه تعالى في كل يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، أي: يقطعون في يوم ما يقطعه الإنسان في خمسين ألف سنة. وقد تقدّم الجواب في سورة السجدة عن المعارضة بين ما هنا وبين قوله هناك: {أية : كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } تفسير : [السجدة:5]، وحاصله: أنَّ الحق تعالى موجود في كل زمان ومكان، فلا يخلو منه مكان ولا زمان، فحيث علّق العروج بتدبير الأمر قرَّب المسافة، وحيث علّقه بذاته، بحيث جعل العروج إليها، بعَّدها؛ تنبيهاً على علو شأنه وارتفاع عظمته. وقيل: هو من [صلة] قوله: {واقع} أي: يقع ذلك العذاب في يوم طويل، مقداره خمسون ألف سنة، وهو يوم القيامة، فإمّا أن يكون استطالته كناية عن شدته على الكفار، أو لأنه يطول حقيقة، فقد قيل: فيه خمسون موطناً، كل موطن ألف سنة، وما قّدْر ذلك على المؤمن إلاَّ كما بين الظهر والعصر أو أقل، على قدر التخفيف اليوم، وفي حديث أبي سعيد الخدري: قيل: يا رسول الله، ما أطول هذا اليوم؟ فقال عليه السلام: " حديث : إنه ليخف على المؤمن، حتى يكون أخف من صلاة مكتوبة يُصلّيها في الدنيا ". تفسير : وقال عبد الحق في العاقبة: إنَّ طول اليوم ذلك المقدار، ولكن مِن الناس مَن يطول قيامه وحبسه إلى آخر اليوم، ومنهم مَن ينفصل في مقدار يوم من أيام الدنيا، وفي ساعة من ساعته، وفي أقل من ذلك، يكون رائحاً في ظل كسبه، وعرش ربه، ومنهم مَن يؤمر به للجنة من غير حساب ولا عذاب، كما أنَّ منهم مَن يُؤمر به إلى النار في أول الأمر، من غير وقوف ولا انتظار، أو بعد يسير من ذلك. هـ. وقال القشيري ما معناه: يحاسب الخلق في يوم قصير ووقت يسير، ما لو كان الناس يشتغلون به لكان ذلك خمسين ألف سنة، والله يُجري ذلك ويُمْضِيه في يوم واحد. هـ. بعيد. {فاصبرْ} يا محمد {صبراً جميلاً}، وهو متعلق بـ "سأل سائل" لأنَّ استعجال النضر بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم والتكذيب بالوحي، وكان ذلك مما يؤذي الرسولَ ـ عليه الصلاة والسلام ـ فأُمر بالصبر عليه. والصبر الجميل: ألاَّ يصحبه جزع ولا شكوى. قال بعضهم: الأمر بالصبر الجميل مُحْكم في كل حال، فلا نسخ فيه، وقيل: نسخ بالقتال. {إِنهم} أي: الكفار {يَرَوْنه} أي: العذاب، أو يوم القيامة {بعيداً}؛ مستحيلاً، {ونراه قريباً}؛ كائناً لا محالة، فالمراد بالبعيد: البعيد من الإمكان، وبالقريب: القريب منه، أي: ونعلمه هيّناً في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذّر. ثم بيَّن وقته بقوله: {يومَ تكونُ السماءُ كالمُهْل}، فهو متعلق بـ"قريباً" أي: يمكن ويقع في ذلك اليوم. قال أبو السعود: ولعل الأقرب أن قوله تعالى: {سأل سائل} حكاية لسؤالهم المعهود، على طريقة قوله تعالى: {أية : يَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ }تفسير : [الأعراف:187والنازعات:42] وقوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا ٱلْوَعْدُ } تفسير : [يونس:48] ونحوه، إذ هو المعهود بالوقوع على الكافرين، لا ما دعا به النضر أو أبو جهل أو الفهري، فالسؤال بمعناه، والباء بمعنى "عن"، وقوله تعالى: {ليس له دافع، من الله}: استئناف مسوق لبيان وقوع المسؤول عنه لا محالة, وقوله تعالى: {فاصبرْ صبراً جميلا} مترتب عليه، أي: فاصبر فإنه يقع لا محالة. وقوله تعالى: {إنهم يرونه بعيداً...} الخ تعليل للأمر بالصبر. وقوله تعالى: {يوم تكون}: متعلق بـ "ليس له دافع" أو: بما يدل عليه، أي: يقع يوم تكون السماء كالمُهل، وهو ما أذيب على مَهَل من النحاس والقار، وقيل: كدرديِّ الزيت. هـ. {وتكونُ الجبالُ كالعِهْنِ}؛ كالصوف المصبوغ ألواناً؛ لأن الجبال {أية : جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } تفسير : [فاطر:27]، فإذا بُسّت, وطُيِّرَتْ في الجو أشبهت العهن المنفوش إذا أطارته الريح، {ولا يَسألُ حميمٌ حميماً} أي: لا يسأل قريب عن قريبه لاشتغاله بنفسه، ومَن قرأ بضم الياء فمعناه: لا يُسأل عنه، بل كلّ واحد يُسألُ عن نفسه، فلا يُطالب أحد بذنب أحد. {يُبَصَّرُونَهم} أي: يبصر الأحماءُ قرباءهم، فلا يخفون عنهم، وما يمنعهم من السؤال إلا اشتغالهم بحال أنفسهم. والجملة صفة لحميم، أي: حميماً مبصَّرين، أو: استئناف بياني، كأنه قيل: لعله لا يبصّر به، فقيل: يبصّرونهم ولكن لتشاغلهم لم يتمكنوا من التساؤل عنهم، وإنما جمع الضميران، وهما للحميمين لعموم الحميم، ولأن فعيلاً يقع على الجمع. {يَودُّ المجرمُ} أي: يتمنى الكافر، وقيل: كل مذنب، {لو يفتدي من عذابِ يومئذٍ} أي: العذاب الذي ابتلي به يومئذ. وقرأ نافع والكسائي بفتح الميم على البناء لإضافته إلى غير متمكّن، {ببنيهِ وصاحبتهِ} أي: زوجته {وأخيه}، والجملة استئنافية، لبيان أنَّ اشتغال كل واحد منهم بنفسه بلغ إلى حيث يتمنى أن يفتدى بأقرب الناس إليه، و"لو" تمنية، أو مصدرية، أي: يود فداء ببنيه.. الخ {وفَصِيلَتِه} أي: عشيرته الأدنين، التي انفصل عنها، {التي تُؤويه} أي: تضمه في النسب، أو عند الشدائد، {ومَن في الأرض جميعاً} من الخلائقن يتمنى الافتداء بهم، {ثم يُنجيه} الافتداء، وهو عطف على "يفتدي" أي: يود لوم يفتدي ثم لو ينجيه الافتداء، و"ثم" لاستبعاد الإنجاء، يعني: يتمنى لو كان هؤلاء جميعاً تحت يده، وبذلهم في فداء نفسه، ثم ينجيه ذلك، وهيهات. {كلاًّ}، ردع للمجرم عن الودادة, وتصريح بامتناع الافتداء، {إِنها} أي: النار، المدلول عليها بالعذاب، أو ضمير مبهم، ترجم عنه الخبر، أو ضمير القصّة، {لَظَى} علم للنار، منقول من اللظى ـ بمعنى اللهب، {نزاعة لِلشَّوَى}؛ خبر بعد خبر، ومَن نصب فعلى الحال المؤكدة، أو على الاختصاص للتهويل. والشَّوى: أطراف الإنسان، كاليدين والرجلين، أو: جمع شواة، وهي جلدة الرأس، تنزعها النارُ نزعاً، فتفرّقها، ثم تعود إلى ما كانت. {تَدعو} أي: تجذبُ، وتخطف، أو: تدعوهم بأسمائهم: يا كافر يا منافق إليَّ، وقيل: تدعو المنافقين بلسان فصيح، ثم تلتقطهم التقاط الحب، أو: تُهْلِك، من قولهم: دعاك الله، أي: أهلكك، أو: لمّا كان مصيره إليها جُعلت كأنها دعته. وقيل: تدعو زبانيتها، ومفعول تدعو: {مَنْ أدبرَ} عن الحق {وتولَّى}؛ أعرض عن الطاعة، {وجمع} المال {فأوْعى}؛ جعله في وعاء، وكَنَزَه ولم يؤدِّ حق الله فيه، أو تشاغل به عن الدين، وزهى باقتنائه حرصاً وتأميلاً، عائذاً بالله من ذلك. الإشارة: سال إلى قلوب أهل الغفلة والإنكار سايل من بحر الهوى، بعذاب واقع نازل بقلوبهم من الجزع والهلع والشكوك والخواطر، أو: سأ سائل عن عذاب واقع لأهل الإنكار، وهو غم الحجاب، وسوء الحساب، ليس له دافع من جهته تعالى؛ لأنه حكم به على أهل البُعد والإنكار. وهو تعالى ذو المعارج، أي: ذو المراقي، تترقى إليه الأرواح والأسرار، من مقام إلى مقام، من مقام الإسلام إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإحسان، أو: من عالَمٍ إلى عالَمٍ، من عالَم المُلك إلى الملكوت، ومن عالَم الملكوت إلى الجبروت، ومن عالَم الجبروت إلى الرحموت. تعرج الملائكة والروح إليه، أمّا الملائكة فتنتهي إلى الدهش والهيمان، وأما الروح الصافية فتنتهي إلى شهود الذات بالصحو والتمكين، وهذا مقام خاصة الخاصة من النبيين والصدِّيقين، تنتهي إلى هذا المقام في زمن يسير، إن سبقت العناية واتصل صاحبها بالخبير، وفي زمن طويل إن لم يتصل بالخبير، ولذلك قال تعالى: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} أي: يقطع ذلك في يوم كان مقداره لو صار بنفسه خمسن ألف سنة. واعلم أنَّ الحق تعالى لا يتصف بقُرب ولا بُعد، هو أقرب إلى كل شيء من كل شيء، وإنما بعّد النفوسَ جهلُها به تعالى ووهْمُها وغفلتها، فإذا ارتفع الجهل والوهم، وَجَدت الحقّ كان قريباً وهي لا تشعر. قال الورتجبي: ليس للحق مكان ومنتهى، حتى أن الخلق يعرجون إليه، بل إنَّ ظهور عزته وجلاله في كل ذرة عيانٌ، فإذا رَفَعْتَ القربَ والبُعدَ من حيث المسافة، وأدرجت الأوهام والأفهام؛ لم يكن بين الحق والروح فصل، وصول الحق لأهل الحق بأقل طرفة، فإنَّ الوصل منه، وهو قريب غير بعيد. هـ. فاصبر أيها السائر صبراً جميلاً؛ لتظفر بالوصل الدائم، إنهم ـ أي أهل الغفلة ـ يرونه بعيداً، ونراه قريباً لمن قربتُه عليه، يوم تكون السماء كالمُهل، أي: وقت الوصول هو حين تتلطّف العوالم وتذوب الكائنات، فيتصل بحر الأزل بما لم يزل، فلم يبقَ إلاَّ الأزل، قال بعض المحققين: حقيقة المشاهدة: تكثيف اللطيف، وحقيقة المعاينة: تلطيف الكثيف، فافهم. ولا يسأل حميمٌ حميماً، أي: لا مودة بين أهل البُعد وأهل القرب، ولو كان مِن أقرب الناس إليه نسباً، وهذا مثل قوله: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَٱلْيَوْمِ ألآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللهَ وَرَسُولَهُ...}تفسير : [المجادلة:22] الآية. يَوَدُّ المجرمُ، حين يرى ما خص اللهُ به أولياءه من العز والقُرب، لو يفتدي بجميع مَا يملك، بل بجميع أهل الأرض مما نزل به من عذابِ القطيعة والبُعد، كلاّ إنها، أي: نار القطيعة، لَظَى، نزاعةَ لرِفْعَةِ الرؤوس، بل تحطها عن مراتب المقربين، تدعوا مَن أدبر عن المجاهدة والتربية، وجَمَعَ الدنيا فأوعاها، وهذا هو الهلوع الذي أشار إليه بقوله: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل المدينة وأهل الشام {سال} بغير همز وهو يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون من السيل تقول: سال يسيل سيلا فهو سائل، وسايل واد في جهنم، كما قال {أعوذ برب الفلق} والفلق جب في جهنم. واجمعوا على همزة {سائل} لانه ولو كان من {سال} بغير همز، فالياء تبدل همزة إذا وقعت بعد الالف مثل البائع والسائر من (باع، وسار). والثاني - بمعنى سأل بالهمزة، لانها لغة يقولون سلت أسال، وهما يتسالان قال الشاعر: شعر : سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما سالت ولم تصب تفسير : فهي لغة أخرى، وليست مخففة من الهمزة الباقون بالهمز من السؤال الذي هو الطلب. وقرأ الكسائي وحده {يعرج} بالياء، لان تأنيث الملائكة ليس بحقيقي، الباقون - بالتاء. وقرأ ابن كثير - في رواية البزي - وعاصم في رواية البرجمي عن ابي بكر {ولا يسأل} بضم الياء. الباقون بفتح الياء اسندوا السؤال إلى الحميم. حكى الله تعالى انه {سأل سائل بعذاب واقع} قال الفراء: الداعي بالعذاب هو النضر بن كلدة أسر يوم بدر وقتل صبراً، هو وعقبة بن أبي معيط. وقال: تقديره سأل سائل بعذاب {واقع للكافرين} قال ابن: خالويه قال النحويون: إن الباء بمعنى (عن) وتقديره: سأل سائل عن عذاب واقع وانشد: شعر : دع المعمر لا تسأل بمصرعه واسأل بمصقله البكري ما فعلا تفسير : أي لا تسأل عن مصرعه، وهذا الذي سأل العذاب الواقع إنما تجاسر عليه لما كذب بالحق ليوهم أنه ليس فيه ضرر، ولم يعلم انه لازم له من الله. وقال مجاهد: سؤاله فى قوله {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء}تفسير : وقال الحسن: سأل المشركون، فقالوا: لمن هذا العذاب الذي يذكره محمد؟ فجاء جوابهم بأنه {للكافرين ليس له دافع} وقيل: معناه دعا داع بعذاب للكافرين، وذلك الداعي هو النبي صلى الله عليه وآله، واللام فى قوله {للكافرين} قيل في معناها قولان: أحدهما - إنها بمعنى (على) وتقديره سأل سائل بعذاب واقع على الكافرين، ذهب اليه الضحاك. والثاني - إنها بمعنى (عن) أي ليس له دافع عن الكافرين، وإنما ذكر وعيد الكافر - ها هنا - مع ذكره فى غير هذا الموضع، لأن فيه معنى الجواب لمن سأل العذاب الواقع، فقيل له: ليس لعذاب الكافرين دافع، فاعمل على هذا، وتقدم نظيره وتأخر، والدافع هو الصارف للشيء عن غيره باعتماد يزيله، عنه دفعه عن كذا يدفعه دفعاً، فهو دافع وذاك مدفوع. وقوله {من الله ذي المعارج} يعني مصاعد الملائكة. وقيل: معناه ذي الفواضل العالية، فيكون وصفاً لله تعالى، وتقديره من الله ذي المعالي التي هي الدرجات التي يعطيها أولياءه من الانبياء والمؤمنين فى الجنة، لانه يعطيهم درجات رفيعة ومنازل شريفة، والمعارج مواضع العروج، واحدها معرج، عرج يعرج عروجاً والعروج الصعود مرتبة بعد مرتبة، ومنه الأعرج لارتفاع احدى رجليه عن الأخرى وقال قتادة: معنى ذي المعارج ذي الفواضل والنعم، لأنها على مراتب. وقال مجاهد: هي معارج السماء. وقيل: هي معالي الدرجات التي يعطيها الله تعالى اولياءه فى الجنة. وقال الحسن: معناه ذي المراقي إلى السماء. والذي اقتضى ذكر المعارج البيان عن العقاب الذي يجب ان يخافه، على خلاف هذا الجاهل الذي سأل العذاب الواقع على من كفر نعمته. وقوله {تعرج الملائكة} معناه تصعد الملائكة {والروح} أي يصعد الروح أيضاً معهم {اليه} والمعنى تعرج الملائكة والروح الذي هو جبرائيل إلى الموضع الذي يعطيهم الله فيه الثواب في الآخرة {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} لعلوّ درجاتهم، وإنما قال {إليه} لانه هناك يعطيهم الثواب، كما قال فى قصة إبراهيم {أية : إني ذاهب إلى ربي}تفسير : أى الموضع الذى وعدني ربي، وكذلك الموضع الذى وعدهم الله بالثواب فيه. وقيل: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره من عروج غيرهم خمسين الف سنة، وذلك من اسفل الأرضين السبع الى فوق السماوات السبع - ذكره مجاهد - وقوله {أية : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون}تفسير : فهو لما بين السماء الدنيا والارض في الصعود والنزول الف سنة: خمسمائة صعوداً وخمسمائة نزولا - ذكره مجاهد - ايضاً. وقيل: المعنى ان يوم القيامة يفعل فيه من الامور ما لو فعل في الدنيا كان مقداره خمسين الف سنة. وقال قوم: المعنى إنه من شدته وهو له وعظم العذاب فيه على الكافرين كانه خمسون الف سنة، كما يقول القائل: ما يومنا إلا شهر أي في شدته، وعلى هذا قول امرء القيس: شعر : ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل ويا لك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل تفسير : ويؤكد هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما نزلت هذه الآية قيل له ما أطول هذا اليوم؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله "حديث : والذي بعثني بالحق نبياً إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا"تفسير : وقال الضحاك وقتادة: هو يوم القيامة. وقال الزجاج: يجوز أن يكون {يوماً} من صلة {واقع} فيكون المعنى سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين الف سنة وذلك العذاب يقع يوم القيامة. وقال الحسن: تعرج الملائكة بأعمال بني آدم في الغمام، كما قال{أية : ويوم تشقق السماء بالغمام}تفسير : وقال الزجاج: سماه يوماً، لأن الملائكة تعرجه في مقدار يوم واحد. ثم أمر نبيه فقال {فاصبر صبراً جميلاً} أي لا شكوى فيه على ما تقاسيه من أذى قومك، وتكذيبهم إياك فيما تخبر به من أمر الآخرة. قال الزجاج: ذلك قبل أن يؤمر بالقتال. وقوله تعالى {إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً} اخبار من الله تعالى أنه يعلم مجيء يوم القيامة وحلول العقاب بالكفار قريباً، ويراه أي يظنه الكفار بعيداً، لانهم لا يعتقدون صحته، وكل ما هو آت قريب، وهذا على وجه الانكار عليهم استبعادهم يوم الجزاء، وتوهمهم أنه بعيد. وبين أنه تعالى يراه قريباً بما يعلمه من حصوله، وإنما جاز أن يقال في توهمهم: يرونه لأنهم يتوهمونه، وهم عند أنفسهم يرونه، فجاء على مزاوجة الكلام الذي ينبئ عن المعنى من غير اخلال. وقيل: معنى إنهم يرون العذاب الذي سألوا عنه بعيداً، لانهم لا يؤمنون به، ونراه قريباً لان كل ما هو آت قريب. ثم وصف الله تعالى يوم القيامة فقال {يوم تكون السماء كالمهل} قال الزجاج: المهل دردي الزيت، وقال مجاهد: هو عكر الزيت. وقال قوم: هو الصفر المذاب. وقال قوم: المهل هو الجاري بغلظة وعكرة على رفق: من أمهله إمهالا، وتمهل تمهلا {وتكون الجبال كالعهن} فالعهن الصوف المنفوش، وذلك ان الجبال تقطع حتى تصير بهذه الصفة، كما أن السماء تشقق بالغمام وتكون كالمهل. وقوله {ولا يسأل حميم حمياً} فالحميم القريب النسب إلى صاحبه الذي يحمى لغضبه وأصله القرب قال الشاعر: شعر : احم الله ذلك من لقاء أحاد احاد في الشهر الحلال تفسير : وقال مجاهد: لا يسأل حميم حميماً لشغل كل إنسان بنفسه عن غيره. وقال الحسن: لا يسأله ان يحمل عنه من اوزاره ليأسه من ذلك في الآخرة. وقيل {لا يسأل حميم حميماً} لانه {أية : يعرف المجرمون بسيماهم}تفسير : ومن ضم الياء أراد لا يطالب قريب بأن يحضر قريبه كما يفعل أهل الدنيا بأن يؤخذ الحميم بحميمه والجار بجاره، لأنه لا جور هناك، ويجوز أن يكون المراد لا يسأل حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته، كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه، والقريب من قريبه. ثم يحذف الجار ويوصل الفعل إلى المفعول به، ويقوي ذلك قوله {يبصرونهم} أى يبصر الحميم حميمه. والفعل فيه قبل تضعيف العين بصرت به، كما قال حكاية عن السامري {أية : بصرت بما لم يبصروا به}.
الجنابذي
تفسير : {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} سأل يتعدّى بنفسه وبعن وبالياء الى المفعول الثّانى، ويخفّف الهمزة فيقال: سال يسال مثل خاف يخاف، وقرئ به ايضاً، قيل: نزلت فى ابى جهلٍ حين قال الرّسول (ص) لقريشٍ: انّ الله بعثنى ان اقتل جميع ملوك الدّنيا واجرّ الملك اليكم فأجيبونى الى ما ادعوكم اليه تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم وتكونوا ملوكاً فى الجنّة، فقال ابو جهل: اللّهمّ ان كان هذا الّذى يقول محمّد (ص) هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السّماء وائتنا بعذابٍ اليمٍ حسداً لرسول الله (ص)، وقيل: نزلت فى الحارث بن عمر الفهرى حين قال رسول الله (ص) فى علىٍّ (ع) ما قال فقال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] (الآية) وقد سبق فى سورة الانفال عند قوله: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال: 32]، بيان لنزول الآية، وفى خبرٍ: لمّا اصطفّت الخيلان يوم بدرٍ رفع ابو جهل يده فقال: اللّهمّ اقطعُنا للرّحم وآتانا بما لا نعرفه ففاجئه العذاب، فأنزل الله تبارك وتعالى سأل سائلٌ بعذابٍ واقعٍ.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي [قال: حدثنا الحسين بن محمد بن مصعب البجلي قال: حدثنا أبو عمارة محمد بن أحمد المهتدى! قال: حدثنا محمد بن معشر المدني! عن سعيد بن أبي سعيد المقبري. ش]. حديث : عن أبي هريرة قال: طرحت الأقتاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم قال: فعلا عليها فحمد الله [تعالى. ر] وأثنى عليه ثم أخذ بعضد علي بن أبي طالب عليه السلام فاستلها فرفعها ثم قال: اللهم من كنت مولاه فعلي [ر: فهذا علي. ش: فهذا] مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. فقام إليه أعرابي من أوسط الناس فقال: يا رسول الله دعوتنا أن نشهد أن لا إله إلا الله فشهدنا، وأنك رسول الله فصدقنا، وأمرتنا بالصلاة فصلينا وبالصيام فصمنا و بالجهاد فجاهدنا وبالزكاة فأدينا، قال: ولم يقنعك [خ ل: تنفعك. ش: تقنعك] إلا [خ: إلى] أن أخذت بيد هذا الغلام على رؤوس الأشهاد فقلت: اللهم من كنت مولاه فهذا علي [أ: فعلي] مولاه، [اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. أ، ب] فهذا عن الله أم عنك؟! قال: هذا عن الله لا عني. [ثم. أ، ب] قال: الله الذي لا إله إلا هو لهذا عن الله لا عنك؟! قال: الله الذي لا إله إلا هو لهذا عن الله لا عني، ثم قال ثالثة: الله الذي لا إله إلا هو لهذا عن ربك لا عنك؟ قال: الله الذي لا إله إلا هو لهذا عن ربي لا عني. قال: فقام الأعرابي مسرعاً إلى بعيره وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم. قال: فما استتم الأعرابي الكلمات حتى نزلت عليه نار من السماء فأحرقته وأنزل الله في عقب ذلك: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج} . تفسير : قال [فرات. ب] حدثني جعفر بن محمد بن بشرويه القطان معنعناً: عن الأوزاعي عن صعصعة بن صوحان والأحنف بن قيس قالا جميعاً: سمعنا [عن. ر، خ] حديث : ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ دخل علينا عمرو بن الحارث الفهري قال: يا أحمد أمرتنا بالصلاة والزكاة أفمنك [كان. ر، ب] هذا أم من ربك يا محمد؟ قال: الفريضة من ربي وأداء الرسالة مني حتى أقول: ما أديت إليكم إلا ما أمرني ربي. [قال. خ]: فأمرتنا بحب علي بن أبي طالب زعمت أنه منك كهارون من موسى، وشيعته على نوق غر محجلة يرفلون في عرصة القيامة حتى يأتي الكوثر فيشرب ويسقى [صح!. ر] هذه الأمة ويكون زمرة في عرصة القيامة، أبهذا الحب سبق من السماء أم كان منك يا محمد؟ قال: بلى سبق من السماء ثم كان مني لقد خلقنا الله نوراً تحت العرش فقال عمرو بن الحارث: الآن علمت أنك ساحر كذاب يا محمد، الستما من ولد آدم؟ قال: بلى ولكن خلقنا [ر: خلقني] الله نوراً تحت العرش قبل أن يخلق الله آدم باثني عشر ألف سنة فلما أن خلق الله آدم ألقى النور في صلب آدم فأقبل ينتقل ذلك النور من صلب إلى صلب حتى تفرقنا في صلب عبد الله بن عبد المطلب وأبي طالب فخلقنا ربي من ذلك النور لكنه [ب: لكن] لا نبي بعدي. قال: فوثب عمرو بن الحارث الفهري مع اثني عشر رجلاً من الكفار وهم ينفضون أرديتهم فيقولون!: اللهم إن كان محمد صادقاً في مقالته فارم عمراً وأصحابه بشواظٍ من نار. قال: فرمي عمرو وأصحابه بصاعقة من السماء فأنزل الله هذه الآية: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج} تفسير : فالسائل عمرو وأصحابه. [فرات. ب] قال: حدثني محمد بن أحمد بن ظبيان معنعناً: عن الحسين بن محمد الخارفي قال: سألت سفيان بن عيينة عن {سأل سائل} فيمن نزلت؟ قال: يا ابن أخي سألتني عن شيءٍ ما سألني عنه أحد [ر، أ: خلق] قبلك، لقد سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن مثل الذي سألتني عنه فقال: أخبرني أبي عن جدي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: حديث : لما كان يوم غدير خم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً فأوجز في خطبته ثم دعا علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ بضبعه ثم رفع [ب: أخذ] بيده حتى رئي بياض إبطيهما [ب: ابطيه] وقال: ألم أبلغكم الرسالة؟ ألم أنصح لكم؟ قالوا: اللهم نعم: فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه: اللهم وال من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. ففشت في الناس فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري فرحل راحلته ثم استوى عليها ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ ذاك بمكة حتى انتهى إلى الأبطح فأناخ ناقته ثم علقها ثم جاء إلى النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] فسلم فرد عليه النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] فقال: يا محمد إنك دعوتنا أن نقول {لا إله إلا الله} فقلنا ثم دعوتنا أن نقول إنك رسول الله فقلنا وفي القلب ما فيه ثم قلت صلّوا فصلينا ثم قلت صوموا فصمنا فأظمأنا نهارنا وأتعبنا أبداننا ثم قلت حجوا فحججنا ثم قلت إذا رزق أحدكم مأتي درهم فليتصدق بخمسة [في. خ] كل سنة ففعلنا ثم أنك أقمت ابن عمك فجعلته علماً وقلت من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله أفعنك أم عن الله؟! قال: بل عن الله - قال فقالها ثلاثاً - قال: فنهض وإنه لمغضب وإنه ليقول: اللهم إن كان ما قال محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء تكون نقمة في أولنا وآية في آخرنا وإن كان ما قال محمد كذباً فأنزل به نقمتك. ثم أثار ناقته فحل عقالها ثم استوى عليها فلما خرج من الأبطح رماه الله [تعالى. ر] بحجر من السماء فسقط على رأسه وخرج من دبره و سقط ميتاً فأنزل [أ، ب: وأنزل] الله فيه {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج} . تفسير : [فرات. ب] قال: حدثنا أبو أحمد بن يحيى بن عبيد بن القاسم القزويني معنعناً: حديث : عن سعد بن أبي وقاص قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر يوم الجمعة ثم أقبل علينا بوجهه الكريم الحسن وأثنى على الله [تبارك و. أ، ب] تعالى فقال: أخرج يوم القيامة وعلي بن أبي طالب أمامي وبيده لواء الحمد وهو يومئذٍ من شقتين شقة من السندس وشقة من الاستبرق فوثب إليه رجل أعرابي من أهل نجد من ولد جعفر بن كلاب بن ربيعة فقال: قد أرسلوني إليك لأسألك؟ فقال: قل يا أخا البادية. قال: ما تقول في علي بن أبي طالب فقد كثر الاختلاف فيه. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضاحكاً فقال: يا أعرابي ولِمَ كثر [أ، ب: يكثر] الاختلاف فيه؟! علي مني كرأسي من بدني وزري من قميصي. فوثب الأعرابي مغضباً ثم قال: يا محمد إني أشد من علي بطشاً فهل يستطيع علي أن يحمل لواء الحمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مهلاً يا أعرابي فقد أعطي علي يوم القيامة خصالاً شتّى: حسن يوسف وزهد يحيى وصبر أيوب وطول آدم وقوة جبرئيل [عليهم الصلاة والسلام. أ، ر] وبيده لواء الحمد وكل الخلائق تحت اللواء يحف به الأئمة والمؤذنون بتلاوة القرآن والأذان وهم الذين لا يتبددون في قبورهم. فوثب الأعرابي مغضباً وقال: اللهم إن يكن ما قال محمد فيه حقاً فأنزل علي حجراً. فأنزل الله عليه [ر: فيه]: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج} .
الأعقم
تفسير : قرأ نافع وابن عامر {سأل سائل} ساكنة الألف غير مهموزة والباقون مهموزة مفتوحة الألف، واتفقوا في سأل أنه مهموز، فمن قرأ بالهمز عنى السؤال لا غير، ومن قرأ بغير همز فقيل: هي لغة في السؤال، وقيل: هو من السيل، وقيل: هو واد في جهنم، قيل: لما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خوف أهل مكة بالعذاب قال المشركون بعضهم لبعض: سلوا محمداً عن العذاب لمن هو؟ وعلى من ينزل؟ فنزلت الآية، وقيل: أن النضر بن الحرث دعا وقال: {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم} تفسير : [الأنفال: 32] فنزل به ما سأل يوم بدر وقتل صبراً، ولم يقتل من الأسرى غير رجلين النضر بن الحارث وبلتعة بن أبي معيط، وسئل سفيان بن عيينة فيمن نزل قوله: {سأل سائل}، فقال: لقد سألتني مسألة ما سألني أحد قبلك، حدثني أبي عن أبي جعفر بن محمد عن آبائه قال: "لما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بغدير خم نادى الناس فلما اجتمعوا أخذ بيد علي (عليه السلام) وقال: من كنت مولاه فهذا مولاه، فشاع ذلك في البلاد فبلغ ذلك الحارث بن النعمان فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ناقة حمراء حتى أتى الأبطح وأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا محمد أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وانك رسول الله فقبلنا منك وأمرتنا بالصلاة والصوم والحج فقبلنا منك ثم لم نرض بهذا حتى رفعت لصنعى ابن عمك فضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فهذا مولاه هذا شيء منك أو من الله؟! فقال: والله الذي لا إله إلا هو أنه من الله، فولى الحارث بن النعمان وقال: اللهم إن كان ما يقوله محمد حق فامطر علينا حجارة من السماء فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله بحجر سقط على هامته وخرج من دبره فقتله وأنزل الله فيه: {سأل سائل}" ذكره الحاكم والنزول والثعلبي {من الله ذي المعارج} أي رب المعارج وخالقها ومالكها، قيل: السماوات لأنها موضع عروج الملائكة {تعرج الملائكة} أي تصعد، {والروح} جبريل {إليه} أي إلى عرشه وحيث يهبط فيه إذا أمره {في يوم كان مقداره} كمدة مقدار {خمسين ألف سنة} مما يعد الناس والروح (عليه السلام) وقيل: الروح خلق هم حفظة على الملائكة كما أن الملائكة حفظة على الناس أراد يوم القيامة أما أن يكون استطالته لشدته على الكفار وأما أنه على الحقيقة كذلك، وقيل: فيه خمسون موطناً كل موطن ألف سنة، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر، وقيل: لو ولى المحاسبة غيره تعالى في ذلك اليوم لم يفرغ إلا بعد خمسين ألف سنة وهو يفرغ في ساعة.
الهواري
تفسير : تفسير سورة سَأَل سَائِلٌ، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ} العامة يقرأونها بالهمز ويقولون: هو من باب السؤال. وتفسير الحسن أن المشركين سألوا النبي عليه السلام: لمن هذا العذاب التي تذكر، يا محمد، أنه يكون في الآخرة. فقال الله تعالى: سأَل سائل {بِعَذَابٍ} أي: عن عذاب {وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ}. وتفسير الكلبي: إنه النضر بن الحارث، أخو بني عبد الدار قال: (أية : اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطَِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) تفسير : [الأنفال: 32]. قال: فقتل يوم بدر، وله في الآخرة عذاب أليم. وبلغنا عن عبد الرحمن أنه كان يقرأها: {سَالَ سَائِلٌ} من باب السيلان. قال هو واد من نار يسيل بعذاب واقع للكافرين. قال تعالى: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ اللهِ} يدفعه {ذِي الْمَعَارِجِ} أي: ذي المراقي إلى السماء {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث ليلة أسري به لما أتى بيت المقدس على البراق: أتي بالمعراج فإذا هو أحسن خلق الله. ألم تر إلى الميت حيث سوى بصره، فإنما يتبع المعراج عجباً به. قال: فقعدنا فيه، فعرج بنا حتى انتهينا إلى باب الحفظة، فذكر ما رأى في تلك الليلة في السماء. قال تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}. ذلك يوم القيامة. وقوله: {مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} أي: لو كلفتم القضاء فيه بين الخلائق لم تفرغوا فيه منه في مقدار خمسين ألف سنة، والله تعالى يفرغ منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وهو قوله عز وجل: (أية : وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) تفسير : [الأنعام:62].
اطفيش
تفسير : {سَأَلَ سَائِلٌ} بالالف في سال لا بالهمزة عند نافع وابن عامر بمعنى سأل بالهمزة وقريش تقوله بغير همز قال حسان في شأن هذيل حين طلبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يبيح لهم الزنى: شعر : سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما سالت ولم تصب تفسير : والسؤال الطلب والسائل النضر بن الحارث القائل ان كان هذا هو الحق من عندك الخ قاله ابن عباس او ابو جهل فانه قال فاسقط علينا كسفا من السماء سأله استهزاء او رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل بعذاب او بمعنى سال الوادي بغير همزة ويؤيده قراءة ابن عباس سال سيل والسيل مصدر بمعنى اسم الفاعل اي اندفع عليهم وادي عذاب فذهب بهم واهلكهم. والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع فان هذا العذاب المندفع عليهم هو قتل بدر او عذاب النار وقرأ غير هؤلاء سأل بالهمز من السؤال اي الطلب وعن قتادة: سأئل سائل عن عذاب الله على من يقع فنزلت وقيل: في معنى سال سائل بالالف سال واد في جهنم يسمى (سالا) وعليه زيد بن ثابت أعني انه الالف ويفسر بذلك وكذا عبدالرحمن بن عوف واما سائل فهو بالهمزة بعد الالف بلا خلاف اما همزة سال المهموز او بدل من الياء عنها الف سال غير مهموز {بِعَذَابٍ} الباء بمعنى عن او ضمن السؤال معنى الدعاء يقال دعاية يدعون فيها بكل فاكهة او بمعنى الاستعجال واما على معنى السيلان فالباء للتعدية {وَاقِعٍ0لِّلكَافِرِينَ} نعتان لعذاب او اللام متعلقة بواقع اي نازل لاجلهم او واقع عليهم. فعليه فاللام للتعليل او للاستعلاء ويصح تعليقه بسأل أي دعا للكافرين بعذاب وعلى تفسير قتادة تتعلق بمحذوف خبر لمحذوف والجملة جواب السؤال اي هو للكافرين كذا ظهر لي ثم رأيت ان ابيا كتب في مصحفه واقع على الكافرين وهو يؤيد ان اللام بمعنى على متعلقة بواقع {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} لا راد لذلك سواء طلبوه او لم يطلبوه.
اطفيش
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سَأَل} جرى {سَائِلٌ} واد سائل {بِعَذَابٍ} كما تقول سال الوادى بالماء، وذلك استعارة شبه تتابع العذاب بسيلان الماء، أو كناية عن كثرة الهلاك وذلك عذاب يوم بدر أو عذاب جهنم. وعن زيد بن ثابت سائل واد فى جهنم، والماضى لتحقق الوقوع وذلك من السيلان كما قرأ بن عباس سال سيل والسيل الماء الجارى، ويجوز أن يكون الأَصل سأَل بالهمزة بمعنى دعا فقلبت ألفاً، أو على لغة من يقول سأَل يسأَل بمعنى دعا بالأَلف فى الماضى والمضارع منقلبة عن ياء مكسورة فى الماضى مفتوحة فى المضارع قلبت ألفاً فيهما، وقيل عن واو من ذلك قول حسان إِذ سأَلت هذيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيح لها الزنى: شعر : سأَلت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما قالت ولم تصب تفسير : والمشهور فى معنى الدعاء سأَل بالهمزة كما قرأ بها الجمهور، يقال سأَل بالطعام أى دعا به أن يؤتى به كقوله تعالى "أية : يدعون فيها بفاكهة" تفسير : [ص: 51] وقد قيل أصله التعدى بنفسه كما هو الظاهر ولكن قرن بالباء لتضمن معنى الاهتمام أو مجاز عن المعنى الاهتمام المتسبب للدعاء الملزوم له، وقد قيل الباء زائدة فى المفعول به، أى طلب عذاباً يقع، وقيل بمعنى عن، والسائل النضر بن الحارث إِذ قال اللهم إِن كان هذا هو الحق من عندك فأَمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فرماه الله بحجر على دماغه فخرج من دبره فمات، ولكن الموجود فى السير أنه قال ذلك لعلى فى غدير خم فى أواخر سنى عمره فلا تكون السورة مكية مع أنها مكية إِجماعاً كما قال الطبرى إِلا "أية : والذين في أموالهم حق معلوم" تفسير : [المعارج: 24] وقيل أبو جهل إِذ قال: فأسقط علينا كسفا من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، وقيل نوح إِذ سأَل عذاب قومه، وقيل هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعجل عذاب قومه، وتنكير سائل للتعظيم على القولين، والقول بأَنه واد وللتحقير على ما قيل أنه النضر أو أبو جهل أو الحارث. {وَاقِعٍ. لّلْكَافِرِينَ} أى واقع على الكافرين كما قرأ به أُبي أو اللام للتعليل أو صلة لواقع وأُجيز أن يتعلق بمحذوف نعت لعذاب، وعن الحسن وقتادة أن أهل مكة خوفهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بعذاب فسأَلوه على من يقع فنزلت، قيل على هذا يكون الوقف على واقع والابتداء بللكافرين اى هو للكافرين، وهو غفلة فإِنه لا يلزم فإِنهم سأَلوه فنزلت الآية والإِعراب كما مر ولا إِشكال فجوابهم هو مجموع سأَل سائل بعذاب واقع للكافرين وما فى الآية إِخبار عن سؤالهم {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} الجملة نعت آخر لعذاب، وإِذا احتمل النعت والحال كما هنا فالحمل على النعت أولى، أو مستأَنفة. {مِّنَ اللهِ} نعت آخر لعذاب، أو متعلق بواقع، ومن للابتداء ولا معنى لتعليقها بدافع وجعلها للابتداء إِذ لا يصح أن يقال لا يبتدئ أحد دفعه من الله، وإِنما يصح أن يقال ليس له دافع ثابت من الله. {ذِي الْمَعَارِجِ} عن ابن عباس السماوات لأَن الملائكة تعرج فيها بالأَوامر والنواهى وأنواع الأَعمال والأَذكار من المؤمنين أو المعارج مراتب الملائكة. وعن ابن عباس وقتادة الفضائل والنعم لأَن أنعامه وأفضاله مراتب أو غرف السعداء أو ما يدل على عظم شأَنه تعالى، ويناسب التفسير بالسماوات وما فوقها أو أعمال المؤمنين قوله تعالى: {تعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ} عطف خاص على عام لتفضيله أو لمطلق إِثبات عظمة له، وشهر أن جبريل أفضل الملائكة ألا ترى أنه الآتى بكتب الله إِلى أنبيائه وسائر الوحى وهو المراد بالروح فى الآية، وقيل إِسرافيل أفضل ويدل أنه الذى يأْخذ من اللوح المحفوظ الكتب إِلى جبريل، وقيل الروح ملائكة حفظة على الملائكة لا تراهم الملائكة، كما أن على بنى آدم حفظة من الملائكة لا يرونهم، فهم أفضل من سائر الملائكة، وقيل خلق الله عز وجل على صورة الإِنسان غير ملائكة حفظة على الملائكة مطلقاً، وقل أعظم الملائكة جسماً هو وحده صف وهم كلهم صف، وقيل ال للجنس والمراد أرواح الموتى المؤمنين لأَن أرواح الكفرة ترد من السماء الدنيا. {إِليْهِ} أى إِلى عرشه كما أن الأَوامر والنواهى من العرش تعالى الله عن التحيز والجسمية والحلول، أو معنى الغاية أن الأُمور لا تتجاوزه إِلى غيره، بمعنى أنه الخالق لها والمبقيها والمتصرف فيها والمفنيها أو إِلى مكان خلقه الله لانتهاء الملائكة إِليه لا يتجاوزونه {فِي يَوْمٍ} مقدار من الزمان ولا يجرى الزمان على الله تعالى، وهو متعلق بواقع، وقيل بدافع، وقيل بتعرج وهو أولى {كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ} كسنيكم وذلك مدة وقوف الناس فى المحشر والحساب، وأما يوم القيامة فلا ينتهى، وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مقدار خمسين ألف سنة ما أطوله فقال حديث : والذي نفسي بيده ليخف على المؤمن حتى يكون عليه أهون من صلاة مكتوبة يصليها في الدنياتفسير : . وعن ابن عمر يوضع للمؤمنين يومئذ كراسى من ذهب ويظلل عليهم الغمام ويقصر عليهم ذلك اليوم ويهون حتى يكون كيوم من أيامهم هذه، وقيل العدد عبارة عن الطول لا حقيقته، ويرده ظاهر الآية والحديث المذكور إِذا بقى الاية على ظاهرها وأجابه بالتخفيف على المؤمن وإِنما يعبر عن الكثرة بالسبعة أو بالسبعين أو نحو ذلك لا بمثل هذا العدد العظيم، وادعى بعض أن الحديث المذكور يدل على أن المراد التطويل لا خصوص العدد، وقيل المراد أنه لو كان قضاء ذلك اليوم بين الناس فى الدنيا على يد مخلوق أو على أيدى الإِنس والجن والملائكة كلهم لكان فى خمسين الف سنة، وذلك العدد كناية عن كثرة الحساب، وقيل ذلك على ظاهره خمسون موطنا كل موطن الف سنة والله يفرغ منه فى نصف يوم كما جاء الحديث أو فى ساعة كما أثر أو لحظة، وإِذا علق بتعرج فذلك فى الدنيا من وجه الأَرض إِلى منتهى العرش، وقيل من قعر الأَرض السابعة غلظ كل أرض وبين كل أرض وأُخرى وسماء وأُخرى وبين الأَرض والسماء وبين السماء السابعة وقعر الكرسى خمسمائة عام وذلك اربعة عشر الف عام ومن قعر الكرسى إِلى العرش ستة وثلاثون ألف عام وذلك خمسون الف سنة، والملك يصعد إِلى العرش فى ساعة أو اقل من الأَرض السابعة، وقيل هذا العدد من الأَرض إِلى العرش هبوطاً وصعوداً، وقيل ذلك مدة الدنيا من حين خلقت إِلا أنه لا يعرف أحد ما مضى أو ما بقى وذلك تمثيل للبعد لا تحقيق للعدد.
الالوسي
تفسير : أي دعا داع به فالسؤال بمعنى الدعاء ولذا عدي بالباء تعديته بها في قوله تعالى: {أية : يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فَـٰكِهَةٍ }تفسير : [الدخان: 55] والمراد استدعاء العذاب وطلبه وليس من التضمين في شيء، وقيل الفعل مضمن معنى الاهتمام والاعتناء أو هو مجاز عن ذلك فلذا عدي بالباء، وقيل إن الباء زائدة وقيل إنها بمعنى عن كما في قوله تعالى: {أية : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً } تفسير : [الفرقان: 59] والسائل هو النضر بن الحرث كما روى النسائي وجماعة وصححه الحاكم عن ابن عباس وروي ذلك عن ابن جريج والسدي والجمهور حيث قال إنكاراً واستهزاءً{أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] وقيل هو أبو جهل حيث قال {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الشعراء: 187] وقيل هو الحرث بن النعمان الفهري وذلك أنه لما بلغه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي كرم الله تعالى وجهه «من كنت مولاه فعلي مولاه» قال اللهم إن كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فما لبث حتى رماه الله تعالى بحجر فوقع على دماغه فخرج من أسفله فهلك من ساعته. وأنت تعلم أن ذلك القول منه عليه الصلاة والسلام في أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه كان في غدير خم وذلك في أواخر سني الهجرة فلا يكون ما نزل مكياً على المشهور في تفسيره وقد سمعت ما قيل في مكية هذه السورة. وقيل هو الرسول صلى الله عليه وسلم استعجل عذابهم وقيل هو نوح عليه السلام سأل عذاب قومه. وقرأ نافع وابن عامر (سال) بألف كقال (سايل) بياء بعد الألف فقيل يجوز أن يكون قد أبدلت همزة الفعل ألفاً وهو بدل على غير قياس وإنما قياس هذا بين بين ويجوز أن يكون على لغة من قال سلت أسال حكاها سيبويه. وفي «الكشاف» هو من السؤال وهو لغة قريش يقولون سلت تسال وهم يتسايلان وأراد أنه من السؤال المهموز معنى لاشتقاقاً بدليل وهما يتسايلان وفيه دلالة على أنه أجوف يائي وليس من تخفيف الهمزة في شيء. وقيل السوال بالواو الصريحة مع ضم السين وكسرها وقوله يتسايلان صوابه يتساولان فتكون ألفه منقلبة عن واو كما في قال وخاف وهو الذي ذهب إليه أبو علي في «الحجة» وذكر فيها أن أبا عثمان حكى عن أبـي زيد أنه سمع من / العرب من يقول هما يتساولان ثم إن في دعوى كون سلت تسال لغة قريش تردداً والظاهر خلاف ذلك وأنشدوا لورود سال قول حسان يهجو هذيلاً لما سألوا النبـي صلى الله عليه وسلم أن يبيح لهم الزنا: شعر : سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما قالت ولم تصب تفسير : وقول آخر: شعر : سالتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكر تفسير : وجوز أن يكون سال من السيلان وأيد بقراءة ابن عباس (سال سيل) فقد قال ابن جني السيل هٰهنا الماء السائل وأصله المصدر من قولك سال الماء سيلاً إلا أنه أوقع على الفاعل كما في قوله تعالى: {أية : إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً }تفسير : [الملك: 30] أي غائراً وقد تسومح في التعبير عن ذلك بالوادي فقيل المعنى اندفع واد بعذاب واقع والتعبير بالماضي قيل للدلالة على تحقق وقوع العذاب إما في الدنيا وهو عذاب يوم بدر وقد قتل يومئذٍ النضر وأبو جهل واما في الآخرة وهو عذاب النار وعن زيد بن ثابت أن سائلاً اسم واد في جهنم وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن ابن عباس ما يحتمله.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة حلقة من حلقات العلاج البطيء، المديد، العميق، الدقيق، لعقابيل الجاهلية في النفس البشرية كما واجهها القرآن في مكة؛ وكما يمكن أن يواجهها في أية جاهلية أخرى مع اختلافات في السطوح لا في الأعماق! وفي الظواهر لا في الحقائق! أو هي جولة من جولات المعركة الطويلة الشاقة التي خاضها في داخل هذه النفس، وفي خلال دروبها ومنحنياتها، ورواسبها وركامها. وهي أضخم وأطول من المعارك الحربية التي خاضها المسلمون ـ فيما بعد ـ كما أن هذه الرواسب وتلك العقابيل هي أكبر وأصعب من القوى التي كانت مرصودة ضد الدعوة الإسلامية والتي ما تزال مرصودة لها في الجاهليات القديمة والحديثة! والحقيقة الأساسية التي تعالج السورة إقرارها هي حقيقة الآخرة وما فيها من جزاء؛ وعلى وجه الخصوص ما فيها من عذاب للكافرين، كما أوعدهم القرآن الكريم. وهي تلم ـ في طريقها إلى إقرار هذه الحقيقة ـ بحقيقة النفس البشرية في السراء والضراء. وهي حقيقة تختلف حين تكون مؤمنة وحين تكون خاوية من الإيمان. كما تلم بسمات النفس المؤمنة ومنهجها في الشعور والسلوك، واستحقاقها للتكريم. وبهوان الذين كفروا على الله وما أعده لهم من مذلة ومهانة تليق بالمستكبرين.. وتقرر السورة كذلك اختلاف القيم والمقاييس في تقدير الله وتقدير البشر، واختلاف الموازين.. وتؤلف بهذه الحقائق حلقة من حلقات العلاج الطويل لعقابيل الجاهلية وتصوراتها، أو جولة من جولات المعركة الشاقة في دروب النفس البشرية ومنحنياتها. تلك المعركة التي خاضها القرآن فانتصر فيها في النهاية مجرداً من كل قوة غير قوته الذاتية. فقد كان انتصار القرآن الحقيقي في داخل النفس البشرية ـ ابتداء ـ قبل أن يكون له سيف يدفع الفتنة عن المؤمنين به فضلاً على أن يرغم به أعداءه على الاستسلام له! والذي يقرأ هذا القرآن ـ وهو مستحضر في ذهنه لأحداث السيرة ـ يشعر بالقوة الغالبة والسلطان البالغ الذي كان هذا القرآن يواجه به النفوس في مكة ويروضها حتى تسلس قيادها راغبة مختارة. ويرى أنه كان يواجه النفوس بأساليب متنوعة تنوعاً عجيباً.. تارة يواجهها بما يشبه الطوفان الغامر من الدلائل الموحية والمؤثرات الجارفة! وتارة يواجهها بما يشبه الهراسة الساحقة التي لا يثبت لها شيء مما هو راسخ في كيانها من التصورات والرواسب! وتارة يواجهها بما يشبه السياط اللاذعة تلهب الحس فلا يطيق وقعها ولا يصبر على لذعها! وتارة يواجهها بما يشبه المناجاة الحبيبة، والمسارة الودود، التي تهفو لها المشاعر وتأنس لها القلوب! وتارة يواجهها بالهول المرعب، والصرخة المفزعة، التي تفتح الأعين على الخطر الداهم القريب! وتارة يواجهها بالحقيقة في بساطة ونصاعة لا تدع مجالاً للتلفت عنها ولا الجدال فيها. وتارة يواجهها بالرجاء الصبوح والأمل الندي الذي يهتف لها ويناجيها. وتارة يتخلل مساربها ودروبها ومنحنياتها فيلقي عليها الأضواء التي تكشفها لذاتها فترى ما يجري في داخلها رأي العين، وتخجل من بعضه، وتكره بعضه، وتتيقظ لحركاتها وانفعالاتها التي كانت غافلة عنها!.. ومئات من اللمسات، ومئات من اللفتات، ومئات من الهتافات، ومئات من المؤثرات.. يطلع عليها قارئ القرآن، وهو يتبع تلك المعركة الطويلة، وذلك العلاج البطيء. ويرى كيف انتصر القرآن على الجاهلية في تلك النفوس العصية العنيدة. وهذه السورة تكشف عن جانب من هذه المحاولة في إقرار حقيقة الآخرة، والحقائق الأخرى التي ألمت بها في الطريق إليها. وحقيقة الآخرة هي ذاتها التي تصدت لها سورة الحاقة. ولكن هذه السورة تعالجها بطريقة أخرى، وتعرض لها من زاوية جديدة، وصور وظلال جديدة.. في سورة الحاقة كان الاتجاه إلى تصوير الهول والرعب في هذا اليوم، ممثلين في حركات عنيفة في مشاهد الكون الهائلة: {أية : فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة، وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة. فيومئذ وقعت الواقعة، وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية}.. تفسير : وفي الجلال المهيب في ذلك المشهد المرهوب: {أية : والملك على أرجآئهآ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}.. تفسير : وفي التكشف الذي ترتج له وتستهوله المشاعر: {أية : يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية }.. تفسير : كذلك كان الهول والرعب يتمثلان في مشاهد العذاب، حتى في النطق بالحكم بهذا العذاب: {أية : خذوه. فغلوه. ثم الجحيم صلوه. ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه}.. تفسير : كما يتجلى في صراخ المعذبين وتأوهاتهم وحسراتهم: {أية : يا ليتني لم أوت كتابيه. ولم أدر ما حسابيه. يا ليتها كانت القاضية.. } تفسير : فأما هنا في هذه السورة فالهول يتجلى في ملامح النفوس وسماتها وخوالجها وخطواتها، أكثر مما يتجلى في مشاهد الكون وحركاته. حتى المشاهد الكونية يكاد الهول فيها نفسياً! وهو على كل حال ليس أبرز ما في الموقف من أهوال. إنما الهول مستكن في النفس يتجلى مداه في مدى ما يحدثه فيها من خلخله وذهول وروعة: {يوم تكون السمآء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن. ولا يسأل حميم حميماً. يُبَصَّرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه}.. وجهنم هنا "نفس" ذات مشاعر وذات وعي تشارك مشاركة الأحياء في سمة الهول الحي: {إنها لظى. نزاعة للشوى. تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى}.. والعذاب ذاته يغلب عليه طابع نفسي أكثر منه حسياً: {يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون}.. فالمشاهد والصور والظلال لهذا اليوم تختلف في سورة المعارج عنها في سورة الحاقة، باختلاف طابعي السورتين في عمومه. مع اتحاد الحقيقة الرئيسية التي تعرضها السورتان في هذه المشاهد. ومن ثم فقد تناولت سورة المعارج ـ فيما تناولت ـ تصوير النفس البشرية في الضراء والسراء، في حالتي الإيمان والخواء من الإيمان. وكان هذا متناسقاً مع طابعها "النفسي" الخاص: فجاء في صفة الإنسان: {إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا. إلا المصلين، الذين هم على صلاتهم دآئمون... الخ}.. واستطرد السياق فصور هنا صفات النفوس المؤمنة وسماتها الظاهرة والمضمرة تمشياً مع طبيعة السورة وأسلوبها: {إلا المصلين. الذين هم على صلاتهم دآئمون. والذين في أموالهم حق معلوم للسآئل والمحروم. والذين يصدقون بيوم الدين. والذين هم من عذاب ربهم مشفقون. إن عذاب ربهم غير مأمون. والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فأنهم غير ملومين. فمن ابتغى ورآء ذلك فأولـئك هم العادون. والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون. والذين هم بشهاداتهم قائمون. والذين هم على صلاتهم يحافظون...}.. ولقد كان الاتجاه الرئيسي في سورة الحاقة إلى تقرير حقيقة الجد الصارم في شأن العقيدة. ومن ثم كانت حقيقة الآخرة واحدة من حقائق أخرى في السورة، كحقيقة أخذ المكذبين أخذاً صارماً في الأرض؛ وأخذ كل من يبدل في العقيدة بلا تسامح.. فأما الاتجاه الرئيسي في سورة المعارج فهو إلى تقرير حقيقة الآخرة وما فيها من جزاء، وموازين هذا الجزاء. فحقيقة الآخرة هي الحقيقة الرئيسية فيها. ومن ثم كانت الحقائق الأخرى في السورة كلها متصلة اتصالاً مباشراً بحقيقة الآخرة فيها. من ذلك حديث السورة عن الفارق بين حساب الله في أيامه وحساب البشر، وتقدير الله لليوم الآخر وتقدير البشر: {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فاصبر صبراً جميلاً. إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً.. الخ} وهو متعلق باليوم الآخر. ومنه ذلك الفارق بين النفس البشرية في الضراء والسراء في حالتي الإيمان والخلو من الإيمان. وهما مؤهلان للجزاء في يوم الجزاء. ومنه غرور الذين كفروا وطمعهم أن يدخلوا كلهم جنات نعيم، مع هوانهم على الله وعجزهم عن سبقه والتفلت من عقابه. وهو متصل اتصالاً وثيقاً بمحور السورة الأصيل. وهكذا تكاد السورة تقتصر على حقيقة الآخرة وهي الحقيقة الكبيرة التي تتصدى لإقرارها في النفوس. مع تنوع اللمسات والحقائق الأخرى المصاحبة للموضوع الأصيل. ظاهرة أخرى في هذا الإيقاع الموسيقي للسورة، الناشئ من بنائها التعبيري.. فقد كان التنوع الإيقاعي في الحاقة ناشئاً من تغير القافية في السياق من فقرة لفقرة. وفق المعنى والجو فيه.. فأما هنا في سورة المعارج فالتنوع أبعد نطاقاً، لأنه يشمل تنوع الجملة الموسيقية كلها لا إيقاع القافية وحدها. والجملة الموسيقية هنا أعمق وأعرض وأشد تركيباً. ويكثر هذا التنوع في شطر السورة الأول بشكل ملحوظ. ففي هذا المطلع ثلاث جمل موسيقية منوعة ـ مع اتحاد الإيقاع في نهاياتها ـ من حيث الطول ومن حيث الإيقاعات الجزئية فيها على النحو التالي: {سأل سآئل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله ذي المعارج. تعرج الملائكة والروح إليه. في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. فاصبر صبراً جميلاً}.. حيث تنتهي بمد الألف في الإيقاع الخامس. {إنهم يرونه بعيداً. ونراه قريباً}.. حيث يتكرر الإيقاع بمد الألف مرتين. {يوم تكون السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن. ولا يسأل حميم حميماً}.. حيث تنتهي بمد الألف في الإيقاع الثالث. مع تنوع الإيقاع في الداخل. {يُبصَّرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه. وصاحبته وأخيه. وفصيلته التي تؤويه. ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه. كلا إنها لظى}.. حيث ينتهي بمد الألف في الإيقاع الخامس كالأول. {نزاعة للشوى.. تدعو من أدبر وتولى. وجمع فأوعى. إن الإنسان خلق هلوعاً. إذا مسه الشر جزوعاً. وإذا مسه الخير منوعاً}.. حيث يتكرر إيقاع المد بالألف خمس مرات منهما اثنتان في النهاية تختلفان عن الثلاثة الأولى. ثم يستقيم الإيقاع في باقي السورة على الميم والنون وقبلهما واو أو ياء.. والتنويع الإيقاعي في مطلع السورة عميق وشديد التعقيد في الصياغة الموسيقية بشكل يلفت الأذن الموسيقية إلى ما في هذا التنويع المعقد الراقي ـ موسيقياً ـ من جمال غريب على البيئة العربية وعلى الإيقاع الموسيقي العربي. ولكن الأسلوب القرآني يطوعه ويمنحه اليسر الذي يدخل به إلى الأذن العربية فتقبل عليه، وإن كان فناً إبداعياً عميقاً جديداً على مألوفها الموسيقي. والآن نستعرض السورة تفصيلاً... {سأل سآئل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع، من الله ذي المعارج، تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فاصبر صبراً جميلاً، إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً، يوم تكون السمآء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن، ولا يسأل حميم حميماً، يُبَصَّرونهم، يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه. كلا! إنها لظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى،وجمع فأوعى}.. كانت حقيقة الآخرة من الحقائق العسيرة الإدراك عند مشركي العرب؛ ولقد لقيت منهم معارضة نفسية عميقة، وكانوا يتلقونها بغاية العجب والدهش والاستغراب؛ وينكرونها أشد الإنكار، ويتحدون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في صور شتى أن يأتيهم بهذا اليوم الموعود، أو أن يقول لهم: متى يكون. وفي رواية عن ابن عباس أن الذي سأل عن العذاب هو النضر بن الحارث. وفي رواية أخرى عنه: قال: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع بهم. وعلى أية حال فالسورة تحكي أن هناك سائلاً سأل وقوع العذاب واستعجله. وتقرر أن هذا العذاب واقع فعلا، لأنه كائن في تقدير الله من جهة، ولأنه قريب الوقوع من جهة أخرى. وأن أحداً لا يمكنه دفعه ولا منعه. فالسؤال عنه واستعجاله ـ وهو واقع ليس له من دافع ـ يبدو تعاسة من السائل المستعجل؛ فرداً كان أو مجموعة! وهذا العذاب للكافرين.. إطلاقاً.. فيدخل فيه أولئك السائلون المستعجلون كما يدخل فيه كل كافر. وهو واقع من الله {ذي المعارج}.. وهو تعبير عن الرفعة والتعالي، كما قال في السورة الأخرى: {أية : رفيع الدرجات ذو العرش }.. تفسير : وبعد هذا الافتتاح الذي يقرر كلمة الفصل في موضوع العذاب، ووقوعه، ومستحقيه، ومصدره، وعلو هذا المصدر ورفعته، مما يجعل قضاءه أمراً علوياً نافذاً لا مرد له ولا دافع.. بعد هذا أخذ في وصف ذلك اليوم الذي سيقع فيه هذا العذاب، والذي يستعجلون به وهو منهم قريب. ولكن تقدير الله غير تقدير البشر، ومقاييسه غير مقاييسهم: {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فاصبر صبراً جميلاً، إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً}.. والأرجح أن اليوم المشار إليه هنا هو يوم القيامة، لأن السياق يكاد يعين هذا المعنى. وفي هذا اليوم تصعد الملائكة والروح إلى الله. والروح: الأرجح أنه جبريل عليه السلام، كما سمي بهذا الاسم في مواضع أخرى. وإنما أفرد بالذكر بعد الملائكة لما له من شأن خاص. وعروج الملائكة والروح في هذا اليوم يفرد كذلك بالذكر، إيحاء بأهميته في هذا اليوم وخصوصيته، وهم يعرجون في شؤون هذا اليوم ومهامه. ولا ندري نحن ـ ولم نكلف أن ندري ـ طبيعة هذه المهام، ولا كيف يصعد الملائكة، ولا إلى أين يصعدون. فهذه كلها تفصيلات في شأن الغيب لا تزيد شيئاً من حكمة النص، وليس لنا إليها من سبيل، وليس لنا عليها من دليل. فحسبنا أن نشعر من خلال هذا المشهد بأهمية ذلك اليوم، الذي ينشغل فيه الملائكة والروح بتحركات تتعلق بمهام ذلك اليوم العظيم. وأما {كان مقداره خمسين ألف سنة}.. فقد تكون كناية عن طول هذا اليوم كما هو مألوف في التعبير العربي. وقد تعني حقيقة معينة، ويكون مقدار هذا اليوم خمسين ألف سنة من سني أهل الأرض فعلا وهو يوم واحد! وتصور هذه الحقيقة قريب جداً الآن. فإن يومنا الأرضي هو مقياس مستمد من دورة الأرض حول نفسها في أربع وعشرين ساعة. وهناك نجوم دورتها حول نفسها تستغرق ما يعادل يومنا هذا آلاف المرات.. ولا يعني هذا أنه المقصود بالخمسين ألف سنة هنا. ولكننا نذكر هذه الحقيقة لتقرب إلى الذهن تصور اختلاف المقاييس بين يوم ويوم! وإذا كان يوم واحد من أيام الله يساوي خمسين ألف سنة، فإن عذاب يوم القيامة قد يرونه هم بعيداً، وهو عند الله قريب.. ومن ثم يدعو الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الصبر الجميل على استعجالهم وتكذيبهم بذلك العذاب القريب. {فاصبر صبراً جميلاً. إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً}.. والدعوة إلى الصبر والتوجيه إليه صاحبت كل دعوة، وتكررت لكل رسول، ولكل مؤمن يتبع الرسول. وهي ضرورية لثقل العبء ومشقة الطريق، ولحفظ هذه النفوس متماسكة راضية، موصولة بالهدف البعيد، متطلعة كذلك إلى الأفق البعيد.. والصبر الجميل هو الصبر المطمئن، الذي لا يصاحبه السخط ولا القلق ولا الشك في صدق الوعد. صبر الواثق من العاقبة، الراضي بقدر الله، الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء، الموصول بالله المحتسب كل شيء عنده مما يقع به. وهذا اللون من الصبر هو الجدير بصاحب الدعوة. فهي دعوة الله، وهي دعوة إلى الله. ليس له هو منها شيء. وليس له وراءها من غاية. فكل ما يلقاه فيها فهو في سبيل الله، وكل ما يقع في شأنها هو من أمر الله. فالصبر الجميل إذن ينبعث متناسقاً مع هذه الحقيقة، ومع الشعور بها في أعماق الضمير. والله صاحب الدعوة التي يقف لها المكذبون، وصاحب الوعد الذي يستعجلون به ويكذبون، يقدر الأحداث ويقدر مواقيتها كما يشاء وفق حكمته وتدبيره للكون كله. ولكن البشر لا يعرفون هذا التدبير وذلك التقدير؛ فيستعجلون. وإذا طال عليهم الأمد يستريبون. وقد يساور القلق أصحاب الدعوة أنفسهم، وتجول في خاطرهم أمنية ورغبة في استعجال الوعد ووقوع الموعود.. عندئذ يجيء مثل هذا التثبيت وهذا التوجيه من الله الخبير: {فاصبر صبراً جميلاً}.. والخطاب هنا للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تثبيتاً لقلبه على ما يلقى من عنت المناوأة والتكذيب. وتقريراً للحقيقة الأخرى: وهي أن تقدير الله للأمور غير تقدير البشر؛ ومقاييسه المطلقة غير مقاييسهم الصغيرة: {إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً}.. ثم يرسم مشاهد اليوم الذي يقع فيه ذلك العذاب الواقع، الذي يرونه بعيداً ويراه الله قريباً. يرسم مشاهده في مجالي الكون وأغوار النفس. وهي مشاهد تشي بالهول المذهل المزلزل في الكون وفي النفس سواء: {يوم تكون السماء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن}.. والمهل ذوب المعادن الكدر كدرديّ الزيت. والعهن هو الصوف المنتفش. والقرآن يقرر في مواضع مختلفة أن أحداثاً كونية كبرى ستقع في هذا اليوم، تغير أوضاع الأجرام الكونية وصفاتها ونسبها وروابطها. ومن هذه الأحداث أن تكون السماء كالمعادن المذابة. وهذه النصوص جديرة بأن يتأملها المشتغلون بالعلوم الطبيعية والفلكية. فمن المرجح عندهم أن الأجرام السماوية مؤلفة من معادن منصهرة إلى الدرجة الغازية ـ وهي بعد درجة الانصهار والسيولة بمراحل ـ فلعلها في يوم القيامة ستنطفئ كما قال: {أية : وإذا النجوم انكدرت}تفسير : وستبرد حتى تصير معادن سائلة! وبهذا تتغير طبيعتها الحالية وهي الطبيعة الغازية! على أية حال هذا مجرد احتمال ينفع الباحثين في هذه العلوم أن يتدبروه. أما نحن فنقف أمام هذا النص نتملى ذلك المشهد المرهوب، الذي تكون فيه السماء كذوب المعادن الكدر، وتكون فيه الجبال كالصوف الواهن المنتفش. ونتملى ما وراء هذا المشهد من الهول المذهل الذي ينطبع في النفوس، فيعبر عنه القرآن أعمق تعبير: {ولا يسأل حميم حميماً. يُبَصَّرونهم. يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه. وصاحبته وأخيه. وفصيلته التي تؤويه. ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه}. إن الناس في هم شاغل، لا يدع لأحد منهم أن يتلفت خارج نفسه، ولا يجد فسحة في شعوره لغيره: {ولا يسأل حميم حميماً}. فلقد قطع الهول المروّع جميع الوشائج، وحبس النفوس على همها لا تتعداه.. وإنهم ليعرضون بعضهم على بعض {يُبَصَّرونهم} كأنما عمداً وقصداً! ولكن لكل منهم همه، ولكل ضمير منهم شغله، فلا يهجس في خاطر صديق أن يسأل صديقه عن حاله، ولا أن يسأله عونه. فالكرب يلف الجميع، والهول يغشى الجميع.. فما بال {المجرم}؟ إن الهول ليأخذ بحسه، وإن الرعب ليذهب بنفسه، وإنه ليود لو يفتدى من عذاب يومئذ بأعز الناس عليه، ممن كان يفتديهم بنفسه في الحياة، ويناضل عنهم، ويعيش لهم.. ببنيه.. وزوجه. وأخيه، وعشيرته القريبة التي تؤويه وتحميه. بل إن لهفته على النجاة لتفقده الشعور بغيره على الإطلاق، فيود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه.. وهي صورة للهفة الطاغية والفزع المذهل والرغبة الجامحة في الإفلات! صورة مبطنة بالهول، مغمورة بالكرب، موشاة بالفزع، ترتسم من خلال التعبير القرآني الموحي. وبينما المجرم في هذه الحال، يتمنى ذلك المحال، يسمع ما ييئس ويقنط من كل بارقة من أمل، أو كل حديث خادع من النفس. كما يسمع الملأ جميعاً حقيقة الموقف وما يجري فيه: {كلا! إنها لظى. نزاعة للشوى. تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى}.. إنه مشهد تطير له النفس شعاعاً، بعد ما أذهلها كرب الموقف وهوله.. {كلا!} في ردع عن تلك الأماني المستحيلة في الافتداء بالبنين والزوج والأخ والعشيرة ومن في الأرض جميعاً... {كلا! إنها لظى} نار تتلظى وتتحرق {نزاعة للشوى} تنزع الجلود عن الوجوه والرؤوس نزعا.. وهي غول مفزعة. ذات نفس حية تشارك في الهول والعذاب عن إرادة وقصد: {تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى}.. تدعوه كما كان يدعى من قبل إلى الهدى فيدبر ويتولى. ولكنه اليوم إذ تدعوه جهنم لا يملك أن يدبر ويتولى! ولقد كان من قبل مشغولا عن الدعوة بجمع المال وحفظه في الأوعية! فأما اليوم فالدعوة من جهنم لا يملك أن يلهو عنها. ولا يملك أن يفتدي بما في الأرض كله منها! والتوكيد في هذه السورة والسورة السابقة قبلها وفي سورة القلم كذلك على منع الخير، وعدم الحض على طعام المسكين، وجمع المال في الأوعية إلى جانب الكفر والتكذيب والمعصية.. هذا التوكيد يدل على أن الدعوة كانت تواجه في مكة حالات خاصة يجتمع فيها البخل والحرص والجشع إلى الكفر والتكذيب والضلالة. مما اقتضى تكرار الإشارة إلى هذا الأمر، والتخويف من عاقبته، بوصفه من موجبات العذاب بعد الكفر والشرك بالله. وفي هذه السورة إشارات أخرى تفيد هذا المعنى، وتؤكد ملامح البيئة المكية التي كانت تواجهها الدعوة. فقد كانت بيئة مشغولة بجمع المال من التجارة ومن الربا. وكان كبراء قريش هم أصحاب هذه المتاجر، وأصحاب القوافل في رحلتي الشتاء والصيف. وكان هنالك تكالب على الثراء، وشح النفوس يجعل الفقراء محرومين، واليتامى مضيعين. ومن ثم تكرر الأمر في هذا الشأن وتكرر التحذير. وظل القرآن يعالج هذا الجشع وهذا الحرص؛ ويخوض هذه المعركة مع الجشع والحرص في أغوار النفس ودروبها قبل الفتح وبعده على السواء. مما هو ظاهر لمن يتتبع التحذير من الربا، ومن أكل أموال الناس بالباطل، ومن أكل أموال اليتامى إسرافاً وبدارا أن يكبروا! ومن الجور على اليتيمات واحتجازهن للزواج الجائر رغبة في أموالهن! ومن نهر السائل، وقهر اليتيم، ومن حرمان المساكين.. إلى آخر هذه الحملات المتتابعة العنيفة الدالة على الكثير من ملامح البيئة. فضلاً على أنها توجيهات دائمة لعلاج النفس الإنسانية في كل بيئة. وحب المال، والحرص عليه، وشح النفس به، والرغبة في احتجانه، آفة تساور النفوس مساورة عنيفة، وتحتاج للانطلاق من إسارها والتخلص من أوهاقها، والتحرر من ربقتها، إلى معارك متلاحقة، وإلى علاج طويل! والآن وقد انتهى من تصوير الهول في مشاهد ذلك اليوم، وفي صورة ذلك العذاب؛ فإنه يتجه إلى تصوير حقيقة النفس البشرية في مواجهة الشر والخير، في حالتي إيمانها وخلوها من الإيمان. ويقرر مصير المؤمنين كما قرر مصير المجرمين: {إن الإنسان خلق هلوعا: إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا. إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دآئمون. والذين في أموالهم حق معلوم للسآئل والمحروم. والذين يصدقون بيوم الدين. والذين هم من عذاب ربهم مشفقون. إن عذاب ربهم غير مأمون. والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى ورآء ذلك فأولـئك هم العادون. والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون. والذين هم بشهاداتهم قائمون. والذين هم على صلاتهم يحافظون. أولـئك في جنات مكرمون}. وصورة الإنسان ـ عند خواء قلبه من الإيمان ـ كما يرسمها القرآن صورة عجيبة في صدقها ودقتها وتعبيرها الكامل عن الملامح الأصيلة في هذا المخلوق؛ التي لا يعصمه منها ولا يرفعه عنها إلا العنصر الإيماني، الذي يصله بمصدر يجد عنده الطمأنينة التي تمسك به من الجزع عند ملاقاة الشر، ومن الشح عند امتلاك الخير. {إن الإنسان خلق هلوعاً: إذا مسه الشر جزوعاً. وإذا مسه الخير منوعاً}.. لكأنما كل كلمة لمسة من ريشة مبدعة تضع خطاً في ملامح هذا الإنسان. حتى إذا اكتملت الآيات الثلاث القصار المعدودة الكلمات نطقت الصورة ونبضت بالحياة. وانتفض من خلالها الإنسان بسماته وملامحه الثابتة. هلوعاً.. جزوعاً عند مس الشر، يتألم للذعته، ويجزع لوقعه، ويحسب أنه دائم لا كاشف له. ويظن اللحظة الحاضرة سرمداً مضروباً عليه؛ ويحبس نفسه بأوهامه في قمقم من هذه اللحظة وما فيها من الشر الواقع به. فلا يتصور أن هناك فرجاً؛ ولا يتوقع من الله تغييراً. ومن ثم يأكله الجزع، ويمزقه الهلع. ذلك أنه لا يأوي إلى ركن ركين يشد من عزمه، ويعلق به رجاءه وأمله.. منوعاً للخير إذا قدر عليه. يحسب أنه من كده وكسبه فيضن به على غيره، ويحتجنه لشخصه، ويصبح أسير ما ملك منه، مستعبدا للحرص عليه! ذلك أنه لا يدرك حقيقة الرزق ودوره هو فيه. ولا يتطلع إلى خير منه عند ربه وهو منقطع عنه خاوي القلب من الشعور به.. فهو هلوع في الحالتين.. هلوع من الشر.. هلوع على الخير.. وهي صورة بائسة للإنسان، حين يخلو قلبه من الإيمان. ومن ثم يبدو الإيمان بالله مسألة ضخمة في حياة الإنسان. لا كلمة تقال باللسان، ولا شعائر تعبدية تقام. إنه حالة نفس ومنهج حياة، وتصور كامل للقيم والأحداث والأحوال. وحين يصبح القلب خاوياً من هذا المقوم فإنه يتأرجح ويهتز وتتناوبه الرياح كالريشة! ويبيت في قلق وخوف دائم، سواء أصابه الشر فجزع، أم أصابه الخير فمنع. فأما حين يعمره الإيمان فهو منه في طمأنينة وعافية، لأنه متصل بمصدر الأحداث ومدبر الأحوال؛ مطمئن إلى قدره شاعر برحمته، مقدر لابتلائه، متطلع دائما إلى فرجه من الضيق، ويسره من العسر. متجه إليه بالخير، عالم أنه ينفق مما رزقه، وأنه مجزي على ما أنفق في سبيله، معوض عنه في الدنيا والآخرة.. فالإيمان كسب في الدنيا يتحقق قبل جزاء الآخرة، يتحقق بالراحة والطمأنينة والثبات والاستقرار طوال رحلة الحياة الدنيا. وصفة المؤمنين المستثنين من الهلع، تلك السمة العامة للإنسان، يفصلها السياق هنا ويحددها: {إلا المصلين. الذين هم على صلاتهم دائمون}.. والصلاة فوق أنها ركن الإسلام وعلامة الإيمان، هي وسيلة الاتصال بالله والاستمداد من ذلك الرصيد. ومظهر العبودية الخالصة التي يتجرد فيها مقام الربوبية ومقام العبودية في صورة معينة. وصفة الدوام التي يخصصها بها هنا: {الذين هم على صلاتهم دائمون}.. تعطي صورة الاستقرار والاستطراد، فهي صلاة لا يقطعها الترك والإهمال والكسل وهي صلة بالله مستمرة غير منقطعة.. وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا عمل شيئاً من العبادة أثبته ـ أي داوم عليه ـ وكان يقول: "حديث : وإن أحب الأعمال إلى الله تعالى ما دام وإن قل.."تفسير : لملاحظة صفة الاطمئنان والاستقرار والثبات على الاتصال بالله، كما ينبغي من الاحترام لهذا الاتصال. فليس هو لعبة توصل أو تقطع، حسب المزاج! {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}.. وهي الزكاة على وجه التخصيص والصدقات المعلومة القدر.. وهي حق في أموال المؤمنين.. أو لعل المعنى أشمل من هذا وأكبر. وهو أنهم يجعلون في أموالهم نصيباً معلوماً يشعرون أنه حق للسائل والمحروم. وفي هذا تخلص من الشح واستعلاء على الحرص! كما أن فيه شعوراً بواجب الواجد تجاه المحروم، في هذه الأمة المتضامنة المتكافلة.. والسائل الذي يسأل؛ والمحروم الذي لا يسأل ولا يعبر عن حاجته فيحرم. أو لعله الذي نزلت به النوازل فحرم وعف عن السؤال. والشعور بأن للمحتاجين والمحرومين حقاً في الأموال هو شعور بفضل الله من جهة، وبآصرة الإنسانية من جهة، فوق ما فيه من تحرر شعوري من ربقة الحرص والشح. وهو في الوقت ذاته ضمانة اجتماعية لتكافل الأمة كلها وتعاونها. فهي فريضة ذات دلالات شتى، في عالم الضمير وعالم الواقع سواء... وذكرها هنا فوق أنه يرسم خطاً في ملامح النفس المؤمنة فهو حلقة من حلقات العلاج للشح والحرص في السورة. {والذين يصدقون بيوم الدين}.. وهذه الصفة ذات علاقة مباشرة بموضوع السورة الرئيسي. وهي في الوقت ذاته ترسم خطاً أساسياً في ملامح النفس المؤمنة. فالتصديق بيوم الدين شطر الإيمان. وهو ذو أثر حاسم في منهج الحياة شعوراً وسلوكاً. والميزان في يد المصدق بيوم الدين غير الميزان في يد المكذب بهذا اليوم أو المستريب فيه. ميزان الحياة والقيم والأعمال والأحداث.. المصدق بيوم الدين يعمل وهو ناظر لميزان السماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدنيا ويتقبل الأحداث خيرها وشرها وفي حسابه أنها مقدمات نتائجها هناك، فيضيف إليها النتائج المرتقبة حين يزنها ويقوّمها.. والمكذب بيوم الدين يحسب كل شيء بحسب ما يقع له منه في هذه الحياة القصيرة المحدودة، ويتحرك وحدوده هي حدود هذه الأرض وحدود هذا العمر. ومن ثم يتغير حسابه وتختلف نتائج موازينه، وينتهي إلى نتائج خاطئه فوق ما ينحصر في مساحة من المكان ومساحة من الزمان محدوده.. وهو بائس مسكين معذب قلق لأن ما يقع في هذا الشطر من الحياة الذي يحصر فيه تأملاته وحساباته وتقديراته، قد لا يكون مطمئناً ولا مريحاً ولا عادلاً ولا معقولاً، ما لم يضف إليه حساب الشطر الآخر وهو أكبر وأطول. ومن ثم يشقى به من لا يحسب حساب الآخرة أو يشقى غيره من حوله. ولا تستقيم له حياة رفيعة لا يجد جزاءها في هذه الأرض واضحاً.. ومن ثم كان التصديق باليوم الآخر شطر الإيمان الذي يقوم عليه منهج الحياة في الإسلام. {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون. إن عذاب ربهم غير مأمون}.. وهذه درجة أخرى وراء مجرد التصديق بيوم الدين. درجة الحساسية المرهفة، والرقابة اليقظة، والشعور بالتقصير في جناب الله على كثرة العبادة، والخوف من تلفت القلب واستحقاقه للعذاب في أية لحظة، والتطلع إلى الله للحماية والوقاية. ولقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو من هو عند الله. وهو يعرف أن الله قد اصطفاه ورعاه.. كان دائم الحذر دائم الخوف لعذاب الله. وكان على يقين أن عمله لا يعصمه ولا يدخله الجنة إلا بفضل من الله ورحمة. وقال لأصحابة: "حديث : لن يدخل الجنة أحداً عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " تفسير : وفي قوله هنا: {إن عذاب ربهم غير مأمون}.. إيحاء بالحساسية الدائمة التي لا تغفل لحظة، فقد تقع موجبات العذاب في لحظة الغفلة فيحق العذاب. والله لا يطلب من الناس إلا هذه اليقظة وهذه الحساسية، فإذا غلبهم ضعفهم معها، فر حمته واسعة، ومغفرته حاضرة. وباب التوبة مفتوح ليست عليه مغاليق! وهذا قوام الأمر في الإسلام بين الغفلة والقلق. والإسلام غير هذا وتلك. والقلب الموصول بالله يحذر ويرجو، ويخاف ويطمع، وهو مطمئن لرحمة الله على كل حال. {والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}.. وهذه تعني طهارة النفس والجماعة، فالإسلام يريد مجتمعاً طاهراً نظيفاً، وفي الوقت ذاته ناصعاً صريحاً. مجتمعاً تؤدى فيه كل الوظائف الحيوية، وتلبي فيه كل دوافع الفطرة. ولكن بغير فوضى ترفع الحياء الجميل، وبغير التواء يقتل الصراحة النظيفة. مجتمعاً يقوم على أساس الأسرة الشرعية المتينة القوائم. وعلى البيت العلني الواضح المعالم. مجتمعاً يعرف فيه كل طفل أباه. ولا يخجل من مولده. لا لأن الحياء منزوع من الوجوه والنفوس. ولكن لأن العلاقات الجنسية قائمة على أساس نظيف صريح، طويل الأمد، واضح الأهداف، يرمي إلى النهوض بواجب إنساني واجتماعي، لا لمجرد إرضاء النزوة الحيوانية والشهوة الجنسية! ومن ثم يذكر القرآن هنا من صفات المؤمنين {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}. فيقرر نظافة الاتصال بالأزواج وبما ملكت الأيمان ـ من الإماء حين يوجدن بسبب مشروع ـ والسبب المشروع الوحيد الذي يعترف به الإسلام هو السبي في قتال في سبيل الله. وهي الحرب الوحيدة التي يقرها الإسلام ـ والأصل في حكم هذا السبي هو ما ذكرته آية سورة محمد: {أية : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما مَنّاً بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها}تفسير : ولكن قد يتخلف بعض السبي بلا منّ ولا فداء لملابسات واقعية؛ فهذا يظل رقيقاً إذا كان المعسكر الآخر يسترق أسرى المسلمين في أية صورة من صور الرق ـ ولو سماه بغير اسمه! ـ ويجوّز الإسلام وطء الإمام عندئذ من صاحبهن وحده، ويجعل عتقهن موكولاً إلى الوسائل الكثيرة التي شرعها الإسلام لتجفيف هذا المورد. ويقف الإسلام بمبادئه صريحاً نظيفاً لا يدع هؤلاء الأسيرات لفوضى الاختلاط الجنسي القذر كما يقع لأسيرات الحروب قديماً وحديثاً! ولا يتدسس ويلتوي فيسميهن حرات وهن إماء في الحقيقة! {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}.. وبذلك يغلق الباب في وجه كل قذارة جنسية، في أية صورة غير هاتين الصورتين الواضحتين الصريحتين.. فلا يرى في الوظيفة الطبيعية قذارة في ذاتها؛ ولكن القذارة في الالتواء بها. والإسلام نظيف صريح قويم.. {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}. وهذه من القوائم الأخلاقية التي يقيم الإسلام عليها نظام المجتمع. ورعاية الأمانات والعهود في الإسلام تبدأ من رعاية الأمانة الكبرى التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. وهي أمانة العقيدة والاستقامة عليها اختياراً لا اضطراراً.. ومن رعاية العهد الأول المقطوع على فطرة الناس وهم بعد في الأصلاب أن الله ربهم الواحد، وهم بخلقهم على هذا العهد شهود.. ومن رعاية تلك الأمانة وهذا العهد تنبثق رعاية سائر الأمانات والعهود في معاملات الأرض وقد شدد الإسلام في الأمانة والعهد وكرر وأكد، ليقيم المجتمع على أسس متينة من الخلق والثقة والطمأنينة. وجعل رعاية الأمانة والعهد سمة النفس المؤمنة، كما جعل خيانة الأمانة وإخلاف العهد سمة النفس المنافقة والكافرة. ورد هذا في مواضع شتى من القرآن والسنة لا تدع مجالاً للشك في أهمية هذا الأمر البالغة في عرف الإسلام. {والذين هم بشهاداتهم قائمون}.. وقد ناط الله بأداء الشهادة حقوقاً كثيرة، بل ناط بها حدود الله، التي تقام بقيام الشهادة. فلم يكن بد أن يشدد الله في القيام بالشهادة، وعدم التخلف عنها ابتداء، وعدم كتمانها عند التقاضي، ومن القيام بها أداؤها بالحق دون ميل ولا تحريف. وقد جعلها الله شهادة له هو ليربطها بطاعته، فقال: {وأقيموا الشهادة لله}.. وجعلها هنا سمة من سمات المؤمنين وهي أمانة من الأمانات، أفردها بالذكر للتعظيم من شأنها وإبراز أهميتها.. وكما بدأ سمات النفوس المؤمنة بالصلاة، ختمها كذلك بالصلاة: {والذين هم على صلاتهم يحافظون}.. وهي صفة غير صفة الدوام التي ذكرت في صدر هذه الصفات. تتحقق بالمحافظة على الصلاة في مواعيدها، وفي فرائضها، وفي سننها، وفي هيئتها، وفي الروح التي تؤدى بها. فلا يضيعونها إهمالاً وكسلا. ولا يضيعونها بعدم إقامتها على وجهها.. وذكر الصلاة في المطلع والختام يوحي بالاحتفال والاهتمام. وبهذا تختم سمات المؤمنين.. وعندئذ يقرر مصير هذا الفريق من الناس بعد ما قرر من قبل مصير الفريق الآخر: {أولئك في جنات مكرمون}.. ويجمع هذا النص القصير بين لون من النعيم الحسي ولون من النعيم الروحي. فهم في جنات. وهم يلقون الكرامة في هذه الجنات. فتجتمع لهم اللذة بالنعيم مع التكريم، جزاء على هذا الخلق الكريم، الذي يتميز به المؤمنون. ثم يعرض السياق مشهداً من مشاهد الدعوة في مكة، والمشركون يسرعون الخطى إلى المكان الذي يكون فيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتلو القرآن. ثم يتفرقون حواليه جماعات. ويستنكر إسراعهم هذا وتجمعهم في غير ما رغبة في الاهتداء بما يسمعون: {فما للذين كفروا قبلك مهطعين؟ عن اليمين وعن الشمال عزين؟}.. المهطع هو الذي يسرع الخطى ماداً عنقه كالمقود. وعزين جمع عزة كفئة وزناً ومعنى.. وفي التعبير تهكم خفي بحركتهم المريبة. وتصوير لهذه الحركة وللهيئة التي تتم بها. وتعجب منهم. وتساؤل عن هذا الحال منهم! وهم لا يسرعون الخطى تجاه الرسول ليسمعوا ويهتدوا، ولكن فقط ليستطلعوا في دهشة ثم يتفرقوا كي يتحلقوا حلقات يتناجون في الكيد والرد على ما يسمعون! ما لهم؟ {أيطمع كل امرئ منهم أن يُدخل جنة نعيم؟}.. وهم على هذه الحال التي لا تؤدي إلى جنة نعيم، إنما تؤدي إلى لظى مأوى المجرمين! ألعلهم يحسبون أنفسهم شيئاً عظيماً عند الله؛ فهم يكفرون ويؤذون الرسول، ويسمعون القرآن ويتناجون بالكيد. ثم يدخلون الجنة بعد هذا كله لأنهم في ميزان الله شيء عظيم؟!. {كلا!} في ردع وفي تحقير.. {إنا خلقناهم مما يعلمون}! وهم يعلمون مم خلقوا! من ذلك الماء المهين الذي يعرفون! والتعبير القرآني المبدع يلمسهم هذه اللمسة الخفية العميقة في الوقت ذاته؛ فيمسح بها كبرياءهم مسحاً، وينكس به خيلاءهم تنكيساً، دون لفظة واحدة نابية، أو تعبير واحد جارح. بينما هذه الإشارة العابرة تصور الهوان والزهادة والرخص أكمل تصوير! فكيف يطمعون أن يدخلوا جنة نعيم على الكفر وسوء الصنيع؟ وهم مخلوقون مما يعلمون! وهم أهون على الله من أن تكون لهم دالة عليه، وخرق لسنته في الجزاء العادل باللظى وبالنعيم. واستطراداً في تهوين أمرهم، وتصغير شأنهم، وتنكيس كبريائهم، ويقرر أن الله قادر على أن يخلق خيراً منهم، وأنهم لا يعجزونه فيذهبون دون ما يستحقون من جزاء أليم: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون، على أن نبدل خيراً منهم وما نحن بمسبوقين}. والأمر ليس في حاجة إلى قسم. ولكن التلويح بذكر المشارق والمغارب، يوحي بعظمة الخالق. والمشارق والمغارب قد تعني مشارق النجوم الكثيرة ومغاربها في هذا الكون الفسيح. كما أنها قد تعني المشارق والمغارب المتوالية على بقاع الأرض. وهي تتوالى في كل لحظة. ففي كل لحظة أثناء دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس يطلع مشرق ويختفي مغرب.. وأياً كان مدلول المشارق والمغارب، فهو يوحي إلى القلب بضخامة هذا الوجود، وبعظمة الخالق لهذا الوجود. فهل يحتاج أمر أولئك المخلوقين مما يعلمون إلى قسم برب المشارق والمغارب، على أنه ـ سبحانه ـ قادر على أن يخلق خيراً منهم، وأنهم لا يسبقونه ولا يفوتونه ولا يهربون من مصيرهم المحتوم؟!. وعندما يبلغ السياق هذا المقطع، بعد تصوير هول العذاب في ذلك اليوم المشهود؛ وكرامة النعيم للمؤمنين، وهوان شأن الكافرين. يتجه بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليدعهم لذلك اليوم ولذلك العذاب، ويرسم مشهدهم فيه، وهو مشهد مكروب ذليل: {فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون. يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون}.. وفي هذا الخطاب من تهوين شأنهم، ومن التهديد لهم، ما يثير الخوف والترقب. وفي مشهدهم وهيئتهم وحركتهم في ذلك اليوم ما يثير الفزع والتخوف. كما أن في التعبير من التهكم والسخرية ما يناسب اعتزازهم بأنفسهم واغترارهم بمكانتهم.. فهؤلاء الخارجون من القبور يسرعون الخطى كأنما هم ذاهبون إلى نصب يعبدونه.. وفي هذا التهكم تناسق مع حالهم في الدنيا. لقد كانوا يسارعون إلى الأنصاب في الأعياد ويتجمعون حولها. فها هم أولاء يسارعون اليوم، ولكن شتان بين يوم ويوم! ثم تتم سماتهم بقوله: {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة} فنلمح من خلال الكلمات سماهم كاملة، وترتسم لنا من قسماتهم صورة واضحة. صورة ذليلة عانية.. لقد كانوا يخوضون ويلعبون فهم اليوم أذلاء مرهقون.. {ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون}. فكانوا يستريبون فيه ويكذبون ويستعجلون! بهذا يلتئم المطلع والختام، وتتم هذه الحلقة من حلقات العلاج الطويل لقضية البعث والجزاء، وتنتهي هذه الجولة من جولات المعركة الطويلة بين التصور الجاهلي والتصور الإسلامي للحياة.
ابن عاشور
تفسير : كان كفار قريش يستهزئون فيسألون النبي صلى الله عليه وسلم متى هذا العذاب الذي تتوعدنا به، ويسألونه تعجيله، قال تعالى: {أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}تفسير : [يونس: 48] {أية : ويستعجلونك بالعذاب}تفسير : [الحج: 47] وكانوا أيضاً يسألون الله أن يوقع عليهم عذاباً إن كان القرآن حقاً من عنده قال تعالى: {أية : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32]. وقيل: إن السائل شخص معين هو النضر بن الحارث قال: {أية : إن كان هذا (أي القرآن) هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله أن يعينه على المشركين بالقحط فأشارت الآية إلى ذلك كله، ولذلك فالمراد بـ {سائل} فريقٌ أو شخص. والسؤال مستعمل في معنيي الاستفهام عن شيء والدعاء، على أن استفهامهم مستعمل في التهكم والتعجيز. ويجوز أن يكون {سأل سائل} بمعنى استعجل وأَلَحّ. وقرأ الجمهور "سأل" بإظهار الهمزة. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "سَالَ" بتخفيف الهمزة ألفاً. قال في «الكشاف»: وهي لغة قريش وهو يريد أن قريشاً قد يخففون المهموز في مقام الثقل وليس ذلك قياساً في لغتهم بل لغتهم تحقيق الهمز ولذلك قال سيبويه: وليس ذا بقياس مُتْلَئِبَ (أي مطرد مستقيم) وإنما يحفظ عن العرب قال: ويكون قياساً متلئباً، إذا اضطُر الشاعر، قال الفرزدق: شعر : راحتْ بِمسلمةَ البغال عشية فارْعَيْ فَزازةُ لا هَنَاكِ المَرتَع تفسير : يريد لا هَنَأكِ بالهمز. وقال حسان:شعر : سَالتْ هُذْيلٌ رسولَ الله فاحشةً ضلتْ هُذيلٌ بمَا سَالت ولم تُصِبِ تفسير : يريد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إباحَةَ الزنا. وقال القرشي زيدُ بن عمرو بن نفيل (يذكر زَوجيه): شعر : سَألتَانِي الطلاقَ أنْ رَأتَاني قَلَّ مَالي قد جيتُمانِي بنُكْرِ تفسير : فهؤلاء ليس لغتهم سَال ولا يَسَالُ وبلغنا أن سَلْتَ تَسَال لغة ا هـ. فجعل إبدال الهمز ألفاً للضرورة مطرداً ولغير الضرورة يُسمع ولا يقاس عليه فتكون قراءة التخفيف سماعاً. وذكر الطيبي عن أبي علي في الحجة: أن من قرأ {سَالَ} غير مهموز جعل الألف منقلبة عن الواو التي هي عين الكلمة مثل: قَال وخاف. وحكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع من يقول: هما متساوِلان. وقال في «الكشاف»: يقولون (أي أهل الحجاز): سَلْتَ تَسَالُ وهما يتسَايلان، أي فهو أجوف يائي مثل هاب يهاب. وكل هذه تلتقي في أن نطق أهل الحجاز "سال" غيرَ مهموز سماعي، وليس بقياس عندهم وأنه إمّا تخفيف للهمزة على غير قياس مطرد وهو رأي سيبويه، وإما لغة لهم في هذا الفعل وأفعال أخرى جاء هذا الفعل أجوف واوياً كما هو رأي أبي علي أو أجوف يائياً كما هو رأي الزمخشري. وبذلك يندحض تردد أبي حيان جعل الزمخشري قراءة "سال" لغة أهل الحجاز إذ قد يكون لبعض القبائل لغتان في فعل واحد. وإنما اجتلب هنا لغة المخفف لثقل الهمز المفتوح بتوالي حركات قبله وبعده وهي أربع فتحات، ولذلك لم يرد في القرآن مخففاً في بعض القراءات إلاّ في هذا الموضع إذ لا نظير له في توالي حركات، وإلاّ فإنه لم يقرأ أحد بالتخفيف في قوله: {أية : وإذا سَألك عبادي}تفسير : [البقرة: 186] وهو يساوي {سال سائل بعذاب} بله قوله: سالتهم وتسالهم ولا يسالون. وقوله: {سال سائل} بمنزلة سُئل لأن مجيء فاعل الفعل اسمَ فاعل من لفظ فعله لا يفيد زيادة علم بفاعل الفعل ما هو، فالعدول عن أن يقول: سُئِل بعذاب إلى قوله {سال سائل بعذاب}، لزيادة تصوير هذا السؤال العجيب، ومثله قول يزيد بن عمرو بن خويلد يهاجي النابغة:شعر : وإن الغدْر قد عَلِمت معدٌّ بنَاه في بني ذُبيان بَانِي تفسير : ومن بلاغة القرآن تعدية {سال} بالباء ليصلح الفعل لمعنى الاستفهام والدعاء والاستعجال، لأن الباء تأتي بمعنى (عن) وهو من معاني الباء الواقعة بعد فعل السؤال نحو {أية : فاسأل به خبيراً}تفسير : [الفرقان: 59]، وقول علقمة: شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب تفسير : أي إن تسألوني عن النساء، وقال الجوهري عن الأخفش: يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. وجعل في «الكشاف» تعدية فعل سأل بالباء لتضمينه معنى عُني واهتمّ. وقد علمت احتمال أن يكون سال بمعنى استعجل، فتكون تعديته بالباء كما في قوله تعالى: {أية : ويستعجلونك بالعذاب}تفسير : [الحج: 47] وقوله: {أية : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها}تفسير : [الشورى: 18]. وقوله: {للكافرين} يجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً بـ {واقع}، ويجوز أن يكون ظرفاً مستقراً خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو للكافرين. واللام لشبه الملك، أي عذاب من خصائصهم كما قال تعالى: {أية : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}تفسير : [البقرة: 24]. ووصف العذاب بأنه واقع، وما بعده من أوصافه إلى قوله: {أية : إنهم يرونه بعيداً}تفسير : [المعارج: 6] إدماج معترض ليفيد تعجيل الإِجابة عما سأل عنه سائل بكلا معنيي السؤال لأن السؤال لم يحك فيه عذاب معين وإنما كان مُجْملاً لأن السائل سأل عن عذاب غير موصوف، أو الداعي دعا بعذاب غير موصوف، فحكي السؤال مجملاً ليرتب عليه وصفه بهذه الأوصاف والتعلقات، فينتقل إلى ذكر أحوال هذا العذاب وما يحفّ به من الأهوال. وقد طويت في مطاوي هذه التعلقات جمل كثيرة كان الكلام بذلك إيجازاً إذ حصل خلالها ما يفهم منه جواب السائل، واستجابة الداعي، والإِنباء بأنه عذاب واقع عليهم من الله لا يدفعه عنهم دافع، ولا يغرهم تأخره. وهذه الأوصاف من قبيل الأسلوب الحكيم لأن ما عدد فيه من أوصاف العذاب وهَوْلِه ووقته هو الأولى لهم أن يعلموه ليحذروه، دون أن يخوضوا في تعيين وقته، فحصل من هذا كله معنى: أنهم سألوا عن العذاب الذي هُددوا به عن وقته ووصفه سؤال استهزاء، ودعوا الله أن يرسل عليهم عذاباً إن كان القرآن حقاً، إظهاراً لقلة اكتراثهم بالإِنذار بالعذاب. فأعلمهم أن العذاب الذي استهزأوا به واقع لا يدفعه عنهم تأخر وقته، فإن أرادوا النجاة فليحذروه. وقوله: {من الله} يتنازع تعلقه وصفا {واقع} و {دافع}. و {مِن} للابتداء المجازي على كلا التعلقين مع اختلاف العلاقة بحسب ما يقتضيه الوصف المتعلَّق به. فابتداء الواقع استعارة لإذن الله بتسليط العذاب على الكافرين وهي استعارة شائعة تساوي الحقيقة. وأما ابتداء الدافع فاستعارة لتجاوزه مع المدفوع عنه من مكان مَجازي تتناوله قدرة القادر مثل {من} في قوله تعالى: {أية : وظنوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه}تفسير : [التوبة: 118] وقوله: {أية : يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله}تفسير : [النساء: 108]. وبهذا يكون حرف {مِن} مستعملاً في تعيين مجازين متقاربين. وإجراء وصف {ذي المعارج} على اسم الجلالة لاستحضار عظمة جلالة ولإِدماج الإِشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه، فإن المعارج من خصائص منازل العظماء قال تعالى: {أية : لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون}تفسير : [الزخرف: 33]. ولكل درجة المعارج قوم عملوا لنوالها قال تعالى: {أية : يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}تفسير : [المجادلة: 11]، وليكون من هذا الوصف تخلص إلى ذكر يوم الجزاء الذي يكون فيه العذاب الحق للكافرين. و {المعارج}: جمع مِعْرَج بكسر الميم وفتح الراء وهو ما يعرج به، أي يصعد من سلم ومدرج.
الشنقيطي
تفسير : المعلوم أن مادة سأل لا تتعدى بالياء، كتعديها هنا. ولذا قال ابن كثير: إن الفعل ضمن معنى فعل آخر يتعدى بالباء وهو مقدر ما استعجل، واستدل لذلك بقوله تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ}تفسير : [الحج: 47]، وذكر عن مجاهد أن سأل بمعنى دعا. واستدل له بقوله تعالى عنهم: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32]، وذكر هذا القول ابن جرير أيضاً عن مجاهد. وقرئ سال بدون همزة من السيل، ذكرها ابن كثير وابن جرير، وقالوا: هو واد في جهنَّم، وقيل: مخفف سأل اهـ. ولعل مما يرجح قول ابن جرير أن الفعل ضمن معنى مثل آخر قوله تعالى: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا}تفسير : [الشورى: 18] الآية. وتقدم للشّيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان هذا المعنى عند الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأنفال: 32] وأحال على سورة سأل وقال وسيأتي زيادة إيضاح إن شاء الله. وقد بين هناك أن قولهم يدل على جهالتهم حيث لم يطلبوا الهداية إليه إن كان هو الحق. وحيث انه رحمه الله أحال على هذه السورة لزيادة الإيضاح فإن المناسب إنما هو هذه الآية: {سَأَلَ سَآئِلُ} بمعنى استعجل أو دعا لوجود الارتباط بين آية سأل، وآية {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ}. المذكورة. فإنَّهما مرتبطان بسبب النزول. كما قال ابن جرير وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلُ} قال: دعا داع بعذاب واقع. قال: هو قولهم {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا} الآية. والقائل هو النضر بن الحارث بن كلدة. والإيضاح المنوه عنه يمكن استنتاجه من هذا الربط ومن قوله رحمه الله: إنه يدل على جهالتهم وبيان ما إذا كان هذا العذاب الواقع هل وقوعه في الدنيا أم يوم القيامة. والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن جهالة قريش دل عليها العقل والنقل، لأن العقل يقضي بطلب النفع ودفع الضر كما قيل: لما نفع يسعى اللبيب فلا تكن ساعياً. وأما النقل فلأن ما قص الله علينا أن سحرة فرعون وقد جاءوا متحدين غاية التحدي لموسى عليه السلام ولكنهم لما عاينوا الحق قالوا آمنا وخروا سجداً ولم يكابروا كما قضى الله علينا من نبئهم في كتابه قال تعالى: {أية : فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 70] ولما اعترض عليهم فرعون وقال: {أية : آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ }تفسير : [طه: 71] إلى آخر كلامه، قالوا وهو محل الشاهد هنا، لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا ولم يبالوا بوعيده ولا بتهديده. وقال في استخفاف: فاقض ما أنت قاض، فهم لما عاينوا البينات خروا سجداً أعلنوا إيمانهم وهؤلاء كفار قريش يقولون مقالتهم تلك. أما وقوع العذاب المسؤول عنه فإنه واقع بهم يوم القيامة، وإنَّما عبَّر بالمضارع الدال على الحال للتأكيد على وقوعه، وكأنه مشاهد وقاله الفخر الرازي وقال هو نظير قوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}تفسير : [النحل: 1]. وفي قوله تعالى {أية : لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ}تفسير : [المعارج: 2-3] دليل على تأكيد وقوعه لأن ما ليس له دافع لا بد من وقوعه. أما متى يكون فقد دلّت آية الطور نظيره هذه أن ذلك سيكون يوم القيامة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ}تفسير : [الطور: 7-8] ثم بين ظرف وقوعه {أية : يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً}تفسير : [الطور: 9-10] وفي سياق هذه السورة في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ}تفسير : [المعارج: 8-11] إلى قوله تعالى {أية : تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ}تفسير : [المعارج: 17-18] فإنها كلها من أحوال يوم القيامة، فدل بذلك على زمن وقوعه. ولعل في قوله تعالى {تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ} رد على أولئك المستخفين بالعذاب المستعجلين به مجازاة لهم بالمثل، كما دعوا وطلبوا لأنفسهم العذاب استخفافاً فهي تدعوهم إليها زجراً وتخويفاً مقابلة دعاء بدعاء، أي إن كنتم في الدنيا دعوتم بالعذاب فهذا هو العذاب يدوعكم إليه {تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ} عن سماع الدعوة وأعرض عنها وتولى وهذا الرد بهذه الصفات التي قبله من تغيير السماء كالمهل وتسيير الجبال كالعهن، وتقطع أواصر القرابة من الفزع والهول مما يخلع القلوب كام وقع بالفعل في الدنيا، كما ذكر القرطبي قصة جبير بن مطعم قال: قدمت المدينة لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فسمعته يقرأ {أية : وَٱلطُّورِ وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ}تفسير : [الطور: 1-2] إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ}تفسير : [الطور : 7-8] فكأنما صدع قلبي فأسلمت خوفاً من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع العذاب. وذكر القرطبي أيضاً عن هشام بن حسان قال: انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن وعنده رجل يقرأ والطور حتى بلغ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} فبكى الحسن وبكى أصحابه فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه. وذكر ابن كثير عن عمر رضي الله عنه أنه كان يعس بالمدينة ذات ليلة إذ سمع رجل يقرأ بالطور قربا لها أعيد منها عشرين ليلة، فكان هذا الوصف المفزع رداً على ذاك الطلب المستخف والله تعالى أعلم. ونأمل أن نكون قد وفينا الإيضاح الذي أراده رحمه الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1، 2، 3- دعا داع - استعجالا على سبيل الاستهزاء - بعذاب واقع من الله للكافرين لا محالة. ليس لذلك العذاب راد يصرفه عنهم، فوقوعه من الله صاحب السماوات التي هي مصدرالقهر القائم والحكم النافذ. 4- تصعد الملائكة وجبريل إلى مهبط أمره فى يوم كان طوله خمسين ألف سنة من سِنى الدنيا. 5، 6، 7- فاصبر - يا محمد - على استهزائهم واستعجالهم بالعذاب صبراً لا جزع فيه ولا شكوى منه. إن الكفار يرون يوم القيامة مستحيلاً لا يقع، ونراه هيناً فى قدرتنا غير متعذر علينا. 8، 9، 10- يوم تكون السماء كالفضة المذابة، وتكون الجبال كالصوف المنفوش، ولا يسأل قريب قريبه كيف حالك، لأن كل واحد منهما مشغول بنفسه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: سأل سائل: أي دعا داع بعذاب واقع. ليس له دافع من الله: أي فهو واقع لا محالة. ذي المعارج: أي ذي العلو والدرجات ومصاعد الملائكة وهي السماوات. تعرج الملائكة والروح إليه: أي تصعد الملائكة وجبريل إلى الله تعالى. في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة: أي تصعد الملائكة وجبريل من منتهى أمره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع في يوم مقداره خمسون ألف سنة بالنسبة لصعود غير الملائكة من الخلق. إنهم يرونه بعيداً: أي العذاب الذي يطالبون به لتكذيبهم وكفرهم بالبعث. يوم تكون السماء كالمهل: اي كذائب النحاس. وتكون الجبال كالعهن: أي كالصوف المصبوغ ألوانا في الخفة والطيران بالريح. ولا يسأل حميم حميما: أي قريب قريبه لانشغال كل بحاله. يبصرونهم: أي يبصر الأَحْمَاء بعضهم بعضا ويتعارفون ولا يتكلمون. وصاحبته: أي زوجته. وفصيلته التي تؤويه: أي عشيرته التي تضمه إليها نسباً وتحميه من الأذى عند الشدة. إنها لظى نزاعة للشوى: أي إن جهنم هي لظى نزاعة للشوى جمع شواة جلدة الرأس. أدبر وتولى: أي عن طاعة الله ورسوله وتولى عن الإِيمان فأنكره وتجاهله. وجمع فأوعى: أي جمع المال وجعله في وعاء ومنع حق الله تعالى فيه فلم ينفق منه في سبيل الله. معنى الآيات: قوله تعالى {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} هذه الآيات نزلت رداً على دعاء النضر بن الحارث ومن وافقه اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو إئتنا بعذاب أليم فأخبر تعالى عنه بقوله {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} أي إنه واقع لا محالة إذ ليس له دافع من الله {ذِي ٱلْمَعَارِجِ} أي صاحب العلو والدرجات ومصاعد الملائكة وهي السماوات وقوله تعالى {تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ} أي تصعد الملائكة وجبريل إليه تعالى {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} أي يصعدون من منتهى أمره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع في يوم مقداره خمسون ألف سنة بالنسبة لصعود غير الملائكة من الخلق {فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} وقوله تعالى {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً} يعني أن المشركين المكذبين يرون العذاب بعيدا لتكذيبهم بالبعث الآخر. ونحن نراه قريبا ويبين تعالى وقت مجيئه فقال {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} أي تذوب فتصير كذائب النحاس {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} أي الصوف المصبوغ خفة وطيرانا بالريح وهذا هو الانقلاب الكوني حيث فني كل شيء ثم يعيد الله الخلق فإِذا الناس في عرصات القيامة واقفون حفاة عراة {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} لانشغال كل بنفسه كما قال تعالى {أية : لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 37] عن السؤال عن غيره أو عن سؤال غيره وقوله تعالى {يُبَصَّرُونَهُمْ} أي عدم سؤال بعضهم بعضا ليس ناتجا عن عدم معرفتهم لبعضهم بعضاً لا بل يبصرهم ربهم بهم فيعرف كل قريب قريبه ولكن اشتغاله بنفسه يحول دون سؤال غيره، ويشرح هذا المعنى قوله تعالى يودّ المجرم أي ذو الاجرام على نفسه بالشرك والمعاصي لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه أي أولاده الذكور ففضلا عن الإِناث وصاحبته أي زوجته وأخيه وفصيلته التي تؤويه بأن تضمنه إلى نسبها والفصيلة العشيرة انفصلت من القبيلة ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه لنتصور عذابا يود المجرم من خوفه منه أن يفتدي بكل شيء في الأرض كيف يكون؟ ومن هنا يرى القريب قريبه ولا يسأله عن حاله لانشغال نفسه عن نفس غيره. وقوله تعالى {كَلاَّ} أي لا قرابة يومئذ تنفع ولا فداء يقبل {إِنَّهَا} أي جهنم {لَظَىٰ نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} أي لجلدة الرأس ولكل عضو غير قاتل للإِنسان إذا نزع منه. تدعو أي جهنم المسماة لظى تدعو تنادي إليّ إليّ يا من أدبر عن طاعة الله ورسوله وتركها ظهره فلم يلتفت إليها وتولى عن الإِيمان فلم يطلبه تكميلا له ليصبح إيمانا يحمله على الطاعات وجمع الأموال فأوعاها في أوعية ولم يؤد منها الحقوق الواجبة فيها من زكاة وغيرها إذ في المال حق غير الزكاة. ومن دعته جهنم دفع إليها دفعاً كما قال تعالى {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} تفسير : [الطور: 13] نعوذ بالله من جهنم وموجباتها من الشرك والمعاصي. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة سؤال العذاب فإِن عذاب الله لا يطاق ولكن تسأل الرحمة والعافية. 2- وجوب الصبر على الطاعة وعلى البلاء فلا تسخّط ولا تجزع. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 4- عظم هول الموقف يوم القيامة وصعوبة الحال. 5- التنديد بالمعرضين عن طاعة الله ورسوله الجامعين للأموال المشتغلين بها حتى سلبتهم الإِيمان والعياذ بالله فأصبحوا يشكُّون في الله وآياته ولقائه.
القطان
تفسير : سأل: طلب. ليس له دافع: لا يستطيع أحد رده. المعارج: الدرجات، والمصاعد. واحدها معرج بكسر الميم ومعرج بفتحها، ومعراج. الروح: جبريل. المُهل: المعدن المذاب كالفضة والحديد وغير ذلك، وعكر الزيت. العهن: الصوف. حميم: قريب، صديق. الفصيلة: العشيرة. لظى: جهنم. الشَّوى: واحدها شواة، جلدة الرأس. جمعَ فأوعى: جمع المال وخبأه في وعاء، وبَخِل به ولم يصرف منه في وجوه الخير. كان زعماءُ قريش كثيراً ما يسألون الرسولَ الكريم عن موضوع القيامة، ويقولون إنّ محمداً يخوّفُنا بالعذاب، فما هذا العذاب؟ ومتى يكون؟ وكان النضرُ بن الحارث ومعه كثيرون يقولون، منكرين ومستهزئين: متى هذا الوعد؟ وينكرون البعثَ والجزاءَ أشدَّ الإنكار. فردّ الله عليهم بهذه السورة الكريمة. إن العذابَ الذي طلبه السائلون واقعٌ بهم لا محالة، لن يستطيع أحدٌ ردَّه، وسيأتيهم من الله تعالى خالقِ السماوات وما فيها من مسالك، والذي يعصَدُ جبريل والملائكة اليه في يومٍ طويلٍ شاقّ على الكافرين مقدارُه خمسون الف سنة من ايامنا هذه. ويجوز ان يكون أطول، فليس المرادُ من ذِكر الخمسين تحديدَ العدد، بل بيان شدةِ ذلك اليوم وعظم هوله. فاصبرْ يا محمدُ على استهزائهم واستعجالهم العذابَ {صَبْراً جَمِيلاً}. ثم بين الله تعالى ان هذا اليومَ آتٍ لا شكّ فيه فقال: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً}. إن الكفار الجاحدين يرون يوم القيامة مستحيلاً لا يَقَع، ونراه واقعاً قريباً غير متعذَّر على قدرتنا، فَلْيحذروه. ثم ذكر وقتَ حدوث ذلك اليوم وشيئاً من أهواله فقال: {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} إنه يوم شديدُ الهول تذوب فيه السماءُ كالمعادن المنصهرة ويصيرُ لونُها مثل عَكْرِ الزيت أما الجبال فتغدو مثل الصوف المنفوش تتطاير في أرجاء الكون. وفي ذلك الهول الشديد يصير كل انسان مشغولاً بنفسه، لا يسألُ عن أقاربه ولا أصدقائه.... وإنهم لَيرون بعضهم البعض لكنه لا يسأل أحدٌ عن احد، ويتمنى الكافر لو يفدي نفسَه من عذاب يوم القيامة ببنيه، وزوجته، وأخيه وعشيرته التي ينتمي اليها، بل وبجميع من في الأرض، علّه ينجو من العذاب.. {كَلاَّ} لا يمكن ان ينجيه شيء، ولا يُقبل منه فداءٌ ولو جاء بأهل الأرض جميعا. بل إن مصيرَهُم الى لظى جهنّم الشديدةِ الحرارة حتى تنزِعَ جلدةَ الرأس عنه. {تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ} انها تنادي أولئك المجرمين الذين تولَّوا عن الدعوة في الدنيا، وأعرضوا عن الحق، وجمعوا المالَ وكدّسوه في خزائنهم، ولم يؤدوا حقّ الله فيه. فهل هناك اكبر من هذا التهديد والوعيد لمن بَخِلَ بماله، وأعرضَ عن الله ورسوله.... فاعتبِروا يا أولي الألباب. قراءات: قرأ الجمهور: سأل سائل بالهمزة. وقرأ نافع وابن عامر: سال بغير همزة. وقرأ الجمهور: تعرج بالتاء. وقرأ الكسائي: يعرج بالياء. وقرأ الجمهور: ولا يسأل بفتح الياء. وقرأ ابن كثير: ولا يسأل بضم الياء مبنيّاً للمجهول. وقرأ حفص وحده: نزاعة بالنصب. والباقون: نزاعة بالرفع.
د. أسعد حومد
تفسير : {سَآئِلٌ} (1) - اسْتَعْجَلَ سَائِلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِإِيقَاعِ العَذَابِ بِهِمْ، وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ فِي الآخِرَةِ لاَ مَحَالَةَ، فَلِمَاذَا يَطْلُبُونَهُ اسْتِهْزَاءً؟ (وَقِيلَ إِنَّ هَذَا السَّائِلَ بِوُقُوعِ العَذَابِ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ).
الثعلبي
تفسير : {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} قرأ أهل المدينة والشام سأل بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، فمن قرأه بالهمز فهو من السؤال لا غير وله وجهان: أحدهما أن تكون الباء في قوله {بِعَذَابٍ} بمعنى عن كقوله سبحانه: {أية : فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} تفسير : [الفرقان: 59] أي عنه، وقال علقمة بن عبدة: شعر : فإن تسألوني بالنساء فانّي بصير بأدواء النساء طبيب تفسير : أي عن النساء. ومعنى الآية: سأل سائل عن عذاب واقع نازل: على من ينزل؟ ولمن هو؟ فقال الله سبحانه مجيباً له: {لِّلْكَافِرِينَ} وهذا قول الحسن وقتادة قالا: كان هذا بمكّة، لما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم إليهم وخوّفهم بالعذاب والنكال، قال المشركون بعضهم لبعض: من أهل هذا العذاب اسألوا محمداً لمن هو وعلى مَنْ ينزل وبمَنْ يقع، فبيّن الله سبحانه وأنزل سأل سائل عذاباً واقعاً للكافرين أي على الكافرين، اللام بمعنى على، وهو النضر بن الحرث حيث دعا على نفسه وسأل العذاب فقال: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ لأنّه نزل به ما سأل يوم بدر، فقتل صبراً ولم يقتل من الأسرى يومئذ غيره وغير عقبه بن أبي معيط، وهذا قول ابن عباس ومجاهد، وسئل سفيان بن عيينة عن قول الله سبحانه: {سَأَلَ سَآئِلٌ} فيمن نزلت، فقال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني أحد قبلك. حدّثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه، فقال: حديث : لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير خم، نادى بالناس فاجتمعوا، فأخذ بيد عليّ رضي الله عنه فقال: "مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه". فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان القهري فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة له حتّى أتى الأبطح، فنزل عن ناقته وأناخها وعقلها، ثمّ أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في ملأ من أصحابه فقال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلّي خمساً فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا بالحجّ فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم شهراً فقبلنا، ثمّ لم ترض بهذا حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله تعالى؟ فقال: "والّذي لا إله إلاّ هو هذا من الله" فولّى الحرث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهمّ إن كان ما يقوله حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتّى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله، وأنزل الله سبحانه: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} . تفسير : ومَنْ قرأ بغير همز فله وجهان: أحدهما أنّه لغة في السؤال، تقول العرب: سأل سائل وسأل سال مثل نال ينال، وخاف يخاف، والثاني: أن يكون من السيل، قال زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، سال واد من أودية جهنم يقال له سائل. {مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ}. قال ابن عباس: يعني ذي السماوات، وقال ابن كيسان: المعارج الفتق الذي بين سمائين وأرضين، قتادة: ذي الفواصل والنعم، سعد بن جبير: ذي الدرجات، القرطبي: ذي الفضائل العالية، مجاهد: معارج الملائكة. {تَعْرُجُ} بالياء الكسائي وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي عبيد، وغيرهم بالتاء {ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} هو جبريل {إِلَيْهِ} إلى الله عزّوجلّ {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} من سنين الدنيا، لو صعد غير الملائكة وذلك أنّها تصعد من منتهى أمر الله من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماء السابعة. وروى ليث عن مجاهد {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السموات مقدار خمسين ألف سنة و{يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد فذلك مقدار ألف سنة؛ لأنّ ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: لو سار بنو آدم من الدنيا إلى موضع العرش ساروا خمسين ألف سنة قبل أن يقطعوه. وقال الحكم بن عكرمة: هو مدة عمر الدنيا من أولها إلى آخرها، خمسون ألف سنة لا يدري أحد كم مضى وكم بقي إلاّ الله. وقال قتادة: هو يوم القيامة. وقال الحسن: هو يوم القيامة وليس يعني أن مقدار طوله هو دون عمره، ولو كان ذلك لكانت له غاية نعني فيها الجنة والنار، ولكنّه يوم موقفهم للحساب، حتّى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا، وذلك أنّ ليوم القيامة أولا وليس له آخر. لأنّه يوم ممدود ولو كان له آخر كان منقطعاً. وقيل: معناه لو ولى محاسبة العباد في ذلك غير الله لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة، وهي رواية محمد بن الفضيل عن الكلبي قال: يقول: لقد لو وليت حساب ذلك اليوم الملائكة والجن والإنس وطالت محاسبتهم لم يفرغوا منه في خمسين ألف سنة، وأنا أفرغ منه في ساعة من النهار. وقال يمان: هو يوم القيامة فيه خمسون موطناً، كل موطن ألف سنة، وفيه تقديم وتأخير، كأنه قال: ليس له دافع من الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة يعرج الملائكة والروح إليه. وروى أبو الجوزاء وابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة فأراد أن أهل الموقف يستطيلون ذلك اليوم. وأخبرنا ابن فنجويه، قال: حدّثنا القطيعي، قال: حدّثنا عبد الله قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حسن قال: حدّثنا ابن لهيعة قال: حدّثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: حديث : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنّه ليخفف على المؤمنين حتّى يكون أخف عليهم من صلاة مكتوبة تصليها في الدنيا ". تفسير : وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلاّ كما بين الظهر والعصر. {فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ} يعني العذاب {بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً}؛ لأنّ ما هو آت قريب {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} كعكر الزيت، وقيل: كالفلز المذاب وقد مرّ تفسيره. {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} كالصوف المصبوغ، ولا يقال عهن إلاّ للمصبوغ. وقال مقاتل: كالصوف المنفوش. قال الحسن: كالصوف الأحمر وهو أضعف الصوف، وأوّل ما تتغير الجبال تصير رملاً مهيلاً، ثمّ عهناً منفوشاً، ثمّ تصير هباءً منثوراً. {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} قريب قريباً لشغله بشأن نفسه، وقرأ: ولا يُسئل بضم الياء، أي لا يسأل حميم عن حميم.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱلْمَعَارِجِ} المصاعد والمدارج التي يرتقي بها الإِنسان جمع معرج وهو المصعد، والعروج الارتفاع إِلى السماء ومنه معراج النبي صلى الله عليه وسلم {ٱلْمُهْلِ} النحاس المذاب {ٱلْعِهْنِ} الصوف المنفوش {فَصِيلَتِهِ} الفصيلة: العشيرة الذي فصل عنهم وتولد منهم {لَظَىٰ} اسم لجهنم سميت بذلك لأن نيرانها تتلظى أي تلتهب {الشَّوَىٰ} جمع شواة وهي جلدة الرأس قال الأعشى: شعر : قالت قتيلة ماله قد جللت شيباً شواته؟ تفسير : {هَلُوعاً} كثير الجزع والضجر، قال أبو عبيدة: الهلوع هو الذي اذا مسَّه الخير لم يشكر، وإِذا مسَّه الضر لم يصبر {عِزِينَ} جماعات متفرقين جمع عزة وهي الجماعة المتفرقة قال الشاعر: شعر : فجاءوا يَهْرعون إِليه حتى يكونوا حول منبره عزينا تفسير : {يُوفِضُونَ} يسرعون يقال: أوفض البعير اذا أسرع السير. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس أن النضر بن الحارث قال حين خوَّفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من عذاب الله {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأنفال: 32] فأنزل الله {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ}. التفسِير: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} أي دعا داعٍ من كفار مكة لنفسه ولقومه بنزول عذاب واقع لا محالة قال المفسرون: السائل هو "النضر بن الحارث" من صناديد قريش وطواغيتها، لمَّا خوفهم رسول الله عذاب الله قال استهزاء {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32] فأهلكه الله يوم بدر، ومات شر ميتة، ونزلت الآية بذمه {لِّلْكَافِرِينَ} أي دعا بهذا العذاب على الكافرين {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} أي لا رادَّ له إِذا أراد الله وقوعه، وهو نازل بهم لا محالة، سواءً طلبوه أو لم يطلبوه، وإِذا نزل العذاب فلن يرفع أو يُدفع {مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ} أي هو صادر من الله العظيم الجليل، صاحب المصاعد التي تصعد بها الملائكة، وتنزل بأمره ووحيه، ثم فصَّل ذلك بقوله {تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ} أي تصعد الملائكة الأبرار وجبريل الأمين الذي خصه الله بالوحي الى الله عز وجل {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} أي في يومٍ طوله خمسون ألف سنة من سني الدنيا قال ابن عباس: هو يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة ثم يدخلون النار للاستقرار قال المفسرون: والجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة السجدة {أية : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [السجدة: 5] أن القيامة مواقف ومواطن، فيها خمسون موطناً كل موطن ألف سنة، وأن هذه المدة الطويلة تخف على المؤمن حتى تكون أخفَّ عليه من صلاة مكتوبة {فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} أي فاصبر يا محمد على استهزاء قومك وأذاهم ولا تضجر، فإِن الله ناصرك عليهم، وهذا تسليةٌ له عليه الصلاة والسلام، لأن استعجال العذاب إِنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره الله بالصبر قال القرطبي: والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه، ولا شكوى لغير الله {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً} أي إِن هؤلاء المستهزئين يستبعدون العذاب ويعتقدون أنه غير نازل، لإِنكارهم للبعث والحساب {وَنَرَاهُ قَرِيباً} أي ونحن نراه قريباً لأن كل ما هو آتٍ قريب.. ثم أخبر تعالى عن هول العذاب وشدته وعن أهوال يوم القيامة فقال {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} أي تكون السماء سائلة غير متماسكة، كالرصاص المذاب قال ابن عباس: كدردي الزيت أي كعكر الزيت {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} أي وتكون الجبال متناثرة متطايرة، كالصوف المنفوش إِذا طيَّرته الريح قال القرطبي: العهن الصوف الأحمر أو ذو الألوان، شبَّه الجبال به في تلونها ألواناً، وأول ما تتغير الجبال تصير رملاً مهيلاً، ثم عهناً منفوشاً، ثم هباءً منثوراً.. هذه حال السماء والأرض في ذلك اليوم المفزع، أما حال الخلائق فهي كما قال تعالى {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} أي لا يسأل صديق صديقه، ولا قريب قريبه عن شأنه، لشغل كل إِنسانٍ بنفسه، وذلك لشدة ما يحيط بهم من الهول والفزع {يُبَصَّرُونَهُمْ} أي يرونهم ويعرفونهم، حتى يرى الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته، فلا يسأله ولا يكلمه بل يفر منه كقوله تعالى {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}تفسير : [عبس: 34-37] قال ابن عباس: {يُبَصَّرُونَهُمْ} أي يعرف بعضهم بعضاً ويتعارفون بينهم، ثم يفرُّ بعضهم من بعض {يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ} أي يتمنى الكافر - مرتكب جريمة الجحود والتكذيب - لو يفدي نفسه من عذاب الله، بأعز من كان عليه في الدنيا من ابنٍ، وزوجةٍ، وأخٍ {وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ} أي وعشيرته التي كانت تضمه إِليها، ويتكل في نوائبه عليها، وليس هذا فحسب بل يتمنى لو يفتدي بجميع أهل الأرض {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ} أي وبجميع من في الأرض من البشر وغيرهم ثم ينجو من عذاب الله، ولكن هيهات أن ينجو المجرم من العذاب، أو ينقذه ذلك من شدة الكرب، وفادح الخطب، قال الإِمام الفخر: و{ثُمَّ} لاستبعاد الإِنجاء يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعاً تحت يده، وبذلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك، وهيهات أن ينجيه {كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ} {كَلاَّ} أداة زجر وتعنيف أي لينزجر هذا الكافر الأثيم وليرتدع عن هذه الأماني، فليس ينجيه من عذاب الله فداء، بل أمامه جهنم، تتلظَّى نيرانها وتلتهب {نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} أي تنزع بشدة حرها جلدة الرأس من الإِنسان كلما قلعت عادت كما كانت زيادة في التنكيل والعذاب، وخصَّها بالذكر لأنها أشد الجسم حساسيةً وتأثراً بالنار {تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ} أي تنادي جهنم وتهتف بمن كذب بالرحمن، وأعرض عن الإِيمان، قال ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح تقول: إِليَّ يا كافر، إِليَّ يا منافق، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب {وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ} أي وتدعو من جمع المال وخبأه وكنزه في الخزائن والصناديق، ولم يؤد منه حقَّ الله وحق المساكين قال المفسرون: والآية وعيدٌ شديد لمن يبخل بالمال، ويحرص على جمعه، فلا ينفقه في سبيل الخير، ولا يخرج منه حق الله حقَّ المسكين، وقد كان الحسن البصري يقول: يا ابن آدم سمعتَ وعيدَ الله ثم أوعيت الدنيا أي جمعتها من حلالٍ وحرام!! ثم أخبر تعالى عن طبيعة الإِنسان، وما جبل عليه من الحرص الشديد على جمع حطام الدنيا فقال {إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} أي إِن الإِنسان جبل على الضجر، لا يصبر على بلاء، ولا يشكر على نعماء قال المفسرون: الهلع: شدة الحرص وقلة الصبر، يقال: جاع فهلع، والمراد بالإِنسان العموم بدليل الاستثناء منه، والاستثناء معيار العموم، ثم فسَّره تعالى بقوله {إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً} أي إِذا نزل به مكروه من فقر، أو مرضٍ، أو خوف، كان مبالغاً في الجزع مكثراً منه، واستولى عليه اليأس والقنوط {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً} أي وإِذا أصابه خيرٌ من غنى، وصحة وسعة رزق كان مبالغاً في المنع والإِمساك، فهو إِذا أصابه الفقر لم يصبر، وإِذا أغناه الله لم ينفق قال ابن كيسان: خلق الله الإِنسان يحب ما يسره، ويهرب مما يكرهه، ثم تعبَّده بإِنفاق ما يحب والصبر على ما يكره {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} استثناهم من أفراد البشر الموصوفين بالهلع، لأن صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون من شرها ولا يبخلون بخيرها {ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} أي مواظبون على أداء الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل، لأن نفوسهم صفت من أكدار الحياة، بتعرضهم لنفحات الله {وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} أي في أموالهم نصيبٌ معيَّن فرضه الله عليهم وهو الزكاة {لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} أي للفقير الذي يسأل ويتكفف الناس، والمحروم الذي يتعفف عن السؤال، فيُظن أنه غنيٌ فيحرم كقوله تعالى {أية : يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ}تفسير : [البقرة: 273] {وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} أي يؤمنون بيوم الحساب والجزاء، ويصدِّقون بمجيئه تصديقاً جازماً لا يشوبه شك أو ارتياب، فيستعدون له بالأعمال الصالحة {وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} أي خائفون على أنفسهم من عذاب الله، يرجون الثواب ويخافون العقاب {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} أي لأن عذاب الله لا ينبغي أن يأمنه إِنسان، إِلاَّ من أمنَّه الرحمن والأمور بخواتيمها.. إِنَّ هؤلاء المصدقين المشفقين قلَّما تزدهيهم الدنيا، أو يبطرهم نعيمها، أو يجزعون على ما فاتهم من حطامها، فسواءٌ عليهم أخسروا حظوظ الدنيا أم غنموا، إِذ أن لديهم من الفكر في جلال ربهم، وذكر معادهم، ما يشغلهم عن الجزع إِذا مسَّهم الشر، ويربأ بهم عن المنع إِذا مسهم الخير، ثم ذكر تعالى الفريق الخامس من الموفقين للخيرات وفعل الطاعات فقال {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} أي أعفاء لا يرتكبون المحارم، ولا يتلوثون بالمآثم، قد صانوا أنفسهم عن الزنى والفواحش {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي يقتصرون على ما أحلَّ الله لهم من الزوجات المنكوحات، والرقيقات المملوكات {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} أي فإِنهم غير مؤاخذين لأن وضع الشهوة فيما أباح الله من الزوجات والمملوكات، حلالٌ يؤجر عليه الإِنسان، لما فيه من تكثير النسل والذرية {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} أي فمن طلب لقضاء شهوته غير الزوجات والمملوكات، فقد تعدَّى حدود الله وعرَّض نفسه لعذاب الله قال الطبري: من التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، ففاعلوا ذلك هم العادون، الذين تعدوا حدود ما أحل الله لهم، إِلى ما حرَّمه عليهم، فهم الملومون {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} أي يؤدون الأمانات، ويحفظون العهود، فإِذا ائتمنوا لم يخونوا، وإِذا عاهدوا لم يغدروا {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ} أي يشهدون بالحق على القريب والبعيد، ولا يكتمون الشهادة ولا يغيرونها، بل يؤدونها على وجهها الكامل، بحيث تصان بها حقوق الناس ومصالحهم، وخصَّها بالذكر مع اندراجها في الأمانات، تنبيهاً على فضلها لأن في إِقامتها إِحياء للحقوق، وفي تركها تضييع للحقوق {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} هذا هو الوصف الثامن من أوصاف المؤمنين الذين وفقهم الله إِلى تطهير نفوسهم من خلق الهلع المذموم أي يراعون شرائط الصلاة ويلتزمون آدابها، ولا سيما الخشوع والتدبر ومراقبة الله فيها، وإِلاَّ كانت حركات صورية لا يجني العبد ثمرتها، فإِن فائدة الصلاة أن تكف عن المحارم {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [العنكبوت: 45] ولما كانت الصلاة عمود الإِسلام بولغ في التوكيد فيها، فذكرت في أول الخصال الحميدة وفي آخرها، ليعلم مرتبتها في الأركان التي بني عليها الإِسلام، قال القرطبي: ذكر تعالى من أوصافهم في البدء {ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} ثم قال في الختم {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} والدوام غير المحافظة، فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها، لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيءٍ من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إِسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفظوها من الإِحباط باقتراف المآثم، فالدوام يرجع الى نفس الصلوات، والمحافظة ترجع الى أحوانها، وبعد أن ذكر تعالى أوصاف المؤمنين المتقين، ذكر مآلهم وعاقبتهم فقال {أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} أي أولئك المتصفون بتلك الأوصاف الجليلة، والمناقب الرفيعة، مستقرون في جنات النعيم، التي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات، مع الإِنعام والتكريم بأنواع الملاذ والمشتهيات، لا تصافهم بمكارم الأخلاق {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ}؟ أي ما لهؤلاء الكفرة المجرمين، مسرعين نحوك يا محمد، مادين أعناقهم إِليك، مقبلين بأبصارهم عليك؟ قال المفسرون: كان المشركون يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم حلقاً حلقاً، يسمعون كلامه ويستهزئون به وبأصحابه، ويقولون: إِن دخل هؤلاء الجنة - كما يقول محمد - فلندخلنها قبلهم فنزلت الآية {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} أي جالسين عن يمينك وعن شمالك فرقاً فرقاً، وجماعات جماعاتٍ يتحدثون ويتعجبون؟ قال أبو عبيدة: عزين أي جماعات جماعات في تفرقة ومنه حديث "حديث : مالي أراكم عزين؟ ألا تصفون كما تصفُّ الملائكة عند ربها" تفسير : {أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} استفهام إِنكاري مع التقريع والتوبيخ أي أيطمع كل واحد من هؤلاء الكفار، أن يدخله الله جنات النعيم، وقد كذب خاتم المرسلين؟ {كَلاَّ} ردع وزجر أي ليس الأمر كما يطمعون، فإِنهم لا يدخلونها أبداً ثم قال {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} أي خلقناهم من الأشياء المستقذرة، من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فمن أين يتشرفون بدخول جنات النعيم قبل المؤمنين، وليس لهم فضل يستوجبون به دخول الجنة؟ وإِنما يستوجب دخول الجنة من أطاع الله قال القرطبي: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم فقال تعالى {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} أي من القذر فلا يليق بهم هذا التكبر {فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ} أي فأقسم برب مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها {إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ} أي قادرون على إِهلاكهم، واستبدالهم بقومٍ أفضل منهم وأطوع لله {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي ولسنا بعاجزين عن ذلك {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ} أي اتركهم يا محمد يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم، واشتغل أنت بما أُمرت به، وهو أمرٌ على جهة الوعيد والتهديد للمشركين {حَتَّىٰ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} أي حتى يلاقوا ذلك اليوم العصيب الرهيب، الذي لا ينفعهم فيه توبة ولا ندم {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً} أي يوم يخرجون من القبور إِلى أرض المحشر مسرعين {كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ} أي كأنهم يسعون ويستبقون إِلى أصنامهم التي نصبوها ليعبدوها، شبَّه حالة إِسراعهم إِلى موقف الحساب، بحالة إِسراعهم وتسابقهم في الدنيا، الى آلهتهم وطواغيتهم، وفي هذا التشبيه تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم، إِذ عبدوا ما لا يستحق العبادة، وتركوا عبادة الواحد الأحد {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} أي خاضعة منكسرة أبصارهم إِلى الأرض لا يرفعونها خجلاً من الله {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي يغشاهم الذل والهوان من كل مكان، وعلى وجوههم آثار الذلة والانكسار {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} أي هذا هو اليوم الذي وعدوا به في الدنيا وكانوا يهزءون ويكذبون، فاليوم يرون عقابهم وجزاءهم!! البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {بَعِيداً.. قَرِيباً} وبين {ٱلْيَمِينِ.. و ٱلشِّمَالِ} وبين {ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ}. 2- جناس الاشتقاق {سَأَلَ سَآئِلٌ} وكذلك {تَعْرُجُ - ٱلْمَعَارِجِ}. 3- ذكر الخاص بعد العام تنبيهاً لفضله وتشريفاً له {تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} الروح هو جبريل. 4- التشبيه المرسل المجمل {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ * وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} لحذف وجه الشبه . 5- ذكر العام بعد الخاص {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ .. وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} جاء بالعموم بعد الخصوص لبيان هول الموقف. 6- المقابلة اللطيفة {إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً} قابله بقوله {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً}. 7- الاستفهام الإِنكاري للتقريع والتوبيخ {أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ}؟ 8- الكناية الفائقة الرائقة {كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} كناية عن المني القذر، مع النزاهة التامة في التعبير، وحسن الإِيقاظ والتذكير، بألطف عبارة وأبلغ إِشارة. 9- التشبيه المرسل المجمل {كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ} وفي تشبيههم بذلك تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم، وتسجيل عليهم بالجهل المشين بالإِسراع في عبادة غير من يستحق العبادة، 10- السجع المرصَّع كأنه الدر والياقوت مثل {كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ * تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ} الخ. تنبيه: نبَّه تعالى بقوله {إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} الآيات إِلى طبائع البشر، فبيَّن أنَّ الإِنسان يتسرع إِلى مشتهاه، اتباعاً لهواه، وأنه مفرط في الهلع والجزع، فإِن مسه خير شحت به نفسه، وإِن نزل به شر اشتد له قلقه، ثم استثنى من ذلك الخلق الذميم أصنافاً من البشر، وهم الذين جمعوا مع الإِيمان صالح الأعمال.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * سَأَلَ سَآئِلٌ} الآية هذه السورة مكية قال الجمهور نزلت في النظر بن الحٰرث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر وإنا لنعلم أن منكم مكذبين أخبر عن ما صدر عن بعض المكذبين بنعم الله تعالى وإن كان السائل نوحاً أو الرسول فناسب تكذيب المكذبين إن دعا عليهم رسولهم. {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} جملة اعتراض بين العامل والمعمول وقيل يتعلق بدافع أي من جهته إذا جاء وقته. {ذِي ٱلْمَعَارِجِ} المعارج لغة الدرج وهنا استعارة قال ابن عباس في الرتب والفواضل والصفات الحميدة وقال ابن عباس أيضاً: المعارج السماوات تعرج فيها الملائكة من سماء إلى سماء. {وَٱلرُّوحُ} هو جبريل عليه السلام خص بالذكر تشريفاً والظاهر أن معنى تعرج في يوم من أيامكم هذه ومقدار المسافة أن لو عرجها آدمي خمسون ألف سنة والجملة من قوله تعرج اعتراض ولما كانوا قد سألوا استعجال العذاب وكان السؤال على سبيل الاستهزاء والتكذيب وكانوا قد وعدوا به أمره تعالى بالصبر والضمير في يرونه عائد على العذاب أو على اليوم إذا أريد به يوم القيامة وهذا الاستبعاد هو على سبيل الاستحالة منهم. {وَنَرَاهُ قَرِيباً} أي هيناً في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر وكل ما هو آت قريب والبعد والقرب في الأماكن لا في مسافة. {يَوْمَ تَكُونُ} يوم منصوب بإِضمار فعل أي يقع يوم تكون أو يوم تكون السماء كالمهل كان كيت وكيت أو بقريباً أو بدل من ضمير نراه إذا كان عائداً على يوم القيامة والمهل دردي الزيت. {كَٱلْعِهْنِ} الصوف المنفوش الذي طيرته الريح. {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} أي لا يسأله نصرة ولا منفعة لعلمه أنه لا يجد ذلك عنده. {يُبَصَّرُونَهُمْ} إستئناف كلام قال ابن عباس في المحشر: يبصر الحميم حميمه ثم يفر عنه لشغله بنفسه. {يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ} أي الكافر وقد يندرج فيه المؤمن العاصي الذي يعذب. {وَصَاحِبَتِهِ} زوجته. {وَفَصِيلَتِهِ} أقرباؤه الأدنون. {تُؤْوِيهِ} تضمه إنتماء إليها. {ثُمَّ يُنجِيهِ} عطف على يفتدى أي ينجيه بالافتداء وكلا ردع لودادتهم الافتداء أو تنبيه على أنه لا ينفع. {إِنَّهَا} الضمير للقصة ولظى نزاعة تفسير لها والشوى جلدة الرأس والشوى القوائم. {تَدْعُواْ} أي جهنم. {مَنْ أَدْبَرَ} عن الحق. {وَتَوَلَّىٰ * وَجَمَعَ} أي جمع المال فأوعاه وكنزه ولم يؤد حق الله تعالى فيه وهذه إشارة إلى كفار أغنياء. {إِنَّ ٱلإِنسَانَ} جنس ولذلك استثنى منه إلا المصلين والإِنسان إذا ناله شر أظهر شدة الجزع وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس ولما كان شدة الجزع والمنع متمكنة في الإِنسان جعل كأنه خلق مجبولاً عليه كقوله: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}تفسير : [الأنبياء: 37]. والخير المال. {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} إستثناء كما قلنا من الإِنسان ولذلك وصفهم مما وصفهم به من الصبر على المكاره والصفات الجميلة التي حازوها. {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} كان عليه السلام يصلي عند الكعبة يقرأ القرآن فكانوا يحتفون به حلقاً حلقاً يستمعون ويستهزؤون بكلامه ويقولون ان دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت ومعنى قبلك أي في الجهة التي تليك. {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ} أي عن يمينك وعن شمالك وعزيز جمع عزة وجمع سلامة شذوذاً فقيل عزون في الرفع وعزين في النصب والجر وهو منصوب على الحال. {إِنَّا خَلَقْنَاهُم} أي أنشأناهم من نطفة مذرة فنحن قادرون على إعادتهم وبعثهم يوم القيامة وعلى الاستبدال بهم خيراً منهم. {فَذَرْهُمْ} وعيد وما فيه من المهادنة منسوخ بآية السيف ويوم بدل من يومهم والنصب ما نصب للإِنسان فهو يقصده مسرعاً إليه من علم أو بناء أو صنم وغلب في الاصنام حتى قيل الأنصاب. {يُوفِضُونَ} يسرعون وقرأ الجمهور (ذلة) منوناً (ذلك اليوم) برفع الميم مبتدأ وخبر.
الجيلاني
تفسير : {سَأَلَ سَآئِلٌ} أي: جرى على سبيل السيل والطغيان وادي الإمكان مملوءاً {بِعَذَابٍ} أي: أنواع من العذاب {وَاقِعٍ} [المعارج: 1]. {لِّلْكَافِرِينَ} الساترين بطبائعهم الكثيفة، وهوياتهم الباطلة السخيفة شمس الحق الظاهرة في الأنفس والآفاق بمقتضى الاستحقاق إلى حيث {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} [المعارج: 2] يرده ويدفعه عنهم. {مِّنَ ٱللَّهِ} أي: من قبله وجتهه؛ لتعلق مشيئته ومضاء قضائه المبرم على وقوعه لأعدائه، مع أنه سبحانه {ذِي ٱلْمَعَارِجِ} [المعارج: 3] والدرجات العليَّة، والمقامات السنيَّة من القرب والكرامات لأوليائه. {تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي: حوامل آثار الأسماء والصفات الإلهية من مجردات العالم السفلي {وَٱلرُّوحُ} الفائض من لدنه سبحانه على هياكل الهويات من ماديات عالم الطبيعة، والأركان القابلة لآثار العلويات من الأسماء والصفات المسمَّاة بالأعيان الثابتة {إِلَيْهِ} أي: إلى الذات البحث الخالص عن مطلق القيود والإضافات بعدما جذبه الحق، وأدركته العناية الإلهية مترقياً من درجة إلى درجة {فِي يَوْمٍ} وشأن لا كأيام الدنيا وشئونها، وإن قسته إلى أيام الدنيا، وأضفتشه إلى المسافة الدنيَّة الدنيوية {كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] من سَني الدنيا، إلاَّ أنهم يقطعونها بعد ورود الجذبة الإلهية، كالبرق الخاطف في أقصر من لمحة وطرفة. وبعدما انكشف لك الأمر {فَٱصْبِرْ} يا أكمل الرسل على أذيات الأعداء واستهزائهم {صَبْراً جَمِيلاً} [المعارج: 5] لا يشوبه قلق واضطراب، وضجرة وسآمة، واستعجال للانتقام، وترقب بالعذاب على وجه التهتك، فإنه سيصيب لهم العذاب الموعود عن قريب. {إِنَّهُمْ} بمقتضى إنكارهم وإصرارهم {يَرَوْنَهُ} أي: نزول العذاب {بَعِيداً} [المعارج: 6] في غاية البعد إلى حيث يعتقدونه محالاً خارجاً عن حد الإمكان. {وَنَرَاهُ قَرِيباً} [المعارج: 7] من لمح البصر، بل هو أقرب منهم. اذكر لهم يا أكمل الرسل كيف يعملون {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ} من القهر الإلهي {كَٱلْمُهْلِ} [المعارج: 8] أي: كالفضة المذابة، يسيل من مكانها من غاية الخشية الإلهية. وتكون الجبال الملونة بالألوان المختلفة بعدما شمله النظر القهري الإلهي {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} [المعارج: 9] أي: كالصوف المصبوغ المندوف تذروه الرياح حيث شاءت. {وَ} حينئذٍ {لاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} [المعارج: 10] أي: لا يسأل قريب عن قريبه، وصديق عن صديقه، بل يومئذ {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}تفسير : [عبس: 34-35]. وبالجملة: لا يلتفت أحد إلى أحد من شدة هوله وشغله بحاله إلى حيث {يُبَصَّرُونَهُمْ} وينبهون عليهم من حال أقاربهم؛ ليرقوا لهم، وهم لا يتلفتون إليهم ولا يرقون لهم، بل {يَوَدُّ} ويحب {ٱلْمُجْرِمُ} حينئذٍ متمنياً {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ} [المعارج: 11] الذين هم أحب وأعز عليه من نفسه في دار الدنيا. {وَ} كيف لا يود أن يفتدي بأحب الناس إليه بعد بنيه {صَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ} [المعارج: 12]؟! {وَفَصِيلَتِهِ} أقاربه وعشائره {ٱلَّتِي} تؤؤيه؛ أي: تضمه إلى نفسه وقت حلول الشدائد ونزول الملمات، بل {تُؤْوِيهِ} [المعارج: 13]. {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} يعني: بل يود ويرضى أن يفتدي عن نفسه جميع من في الأرض من الثقلين {ثُمَّ يُنجِيهِ} [المعارج: 14] من عذاب ذلك اليوم الهائل. {كَلاَّ} وحاشا أن ينقذ وينجى المجرم بأمثال هذه الافتداءات من عذاب الله، بل كل نفس رهينة بما كسبت {إِنَّهَا} أي: النار المسعرة التي اسمها {لَظَىٰ} [المعارج: 15] أي: ذات لهب والتهاب تلتهب دائماً. {نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} [المعارج: 16] أي: تنزع من شدة التهابها الأطراف عن أماكنها، سيما جلدة الوجه والرأس. وبالجملة: {تَدْعُواْ} وتجذب إلى نفسها {مَنْ أَدْبَرَ} عن الإيمان، ولم يقبل عن قبول الدعوى {وَتَوَلَّىٰ} [المعارج: 17] أي: انصرف عن الطاعة وإطاعة الدَّاعي. {وَ} مع ذلك {جَمَعَ} مالاً عظيماً من حطام الدنيا {فَأَوْعَىٰ} [المعارج: 18] أي: فجعله في وعاء، وكنزه من غاية حرصه وأمله، ولم ينفق في سبيل الله؛ لعدم وثوقه بكرم الله.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : أيها السائل عن العذاب الواقع الذي ليس له دافع غير الذكر الواقع قدر صاحبه في العروج النافع له في الرجوع القاطع برهانه الساطع نوره اللامع أما تقرأ سورة المعارج؛ لتفهم من ظاهر تفسيرها كيفية عروجك إلى بارئك، ومن باطن تفسيرها حقيقة رجوعك إلى ربك، وهو قال لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ} [المعارج: 1-3]؛ يعني: حضرة الله معارج جميع اللطائف لطيفة. {تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4]، ولطيفة تعرج إأليه في يوم كان مقداره سبعمائة ألف سنة، ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره ثلاثمائة ألف سنة وستين ألف سنة، ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره سبعين ألف سنة، ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره ستة آلاف سنة، ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة، ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره أقل من لمحة، وهذه اللطيفة الأنانية الكاملة المستحقة للمرآتية وإفشاء سر معارجها ومدتها المقدرة من حد القرآن مما لا يحل إفشاؤها. {تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} [المعارج: 4]؛ يعني: القوى الروحانية والروح الأسنية إليه، إلى حضرة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ لأنهم ما كسبوا من أرض البشرية استعداداً وقوة فأما المدبرات الأمرية التي أنزلها الله من السماوات إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة؛ ولأجل هذا السر قال الشيخ الصمداني أبو الحسن الخرقاني قدس سره: إني صعدت ظهيرة للطوف بالعرش فرأيت جماعة يطوفون بالعرش طوافاً لا يعجبني لبرودتهم وسكونتهم؛ فطفت بالعرش ألف طوفة وما أتموا طوفةً واحدةً فسألتهم من أنتم؟ وما هذه البرودة في طوافكم؟ قالوا: نحن الملائكة، وهذا طبعنا لا يمكن أن نتجاوز عما جبلنا الله عليه، فسألوني من أنت؟ وما هذه السرعة؟ قلت: أنا ابن آدم وهذه السرعة نتيجة طبع النار التي ركدت فينا. {فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} [المعارج: 5]، أيتها اللطيفة الخفية على استهزاء السائلين عن العذاب الواقع للمكذبين لك {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً} [المعارج: 6]؛ يعني: يرون العذاب بعيداً لحجابهم وغطائهم {وَنَرَاهُ قَرِيباً} [المعارج: 7]؛ لأن العذاب محيط بهم، بل صار وجودهم عين العذاب بما كسبوا من النار والحطب في دار الكسب؛ فاصبر حتى تشتعل نارهم ويحترق بنارهم حطبهم ويكشف غطاؤهم؛ ليصيروا بالعذاب ويتضرعوا، ويقولون: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً}تفسير : [السجدة: 12]، فيقول لهم: {أية : ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}تفسير : [السجدة: 20]، ولو أراد والتكرار لقوله لهم: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 108]. {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} [المعارج: 8]؛ يعني: سماء الصدر كغلي الزيت إذا أذيبت من شدة اشتعال نيرانهم، {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} [المعارج: 9]؛ يعني: جبال القوة المعدنية القالبية: كالصوف المنقوش عند هبوب ريح هوائهم، {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} [المعارج: 10] من شدة العذاب، ولا يقدرون من شدة عذاب أنفسهم أن يسألوا عن أحوالهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مبينا لجهل المعاندين، واستعجالهم لعذاب الله، استهزاء وتعنتا وتعجيزا: { سَأَلَ سَائِلٌ } أي: دعا داع، واستفتح مستفتح { بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ } لاستحقاقهم له بكفرهم وعنادهم { لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ } أي: ليس لهذا العذاب الذي استعجل به من استعجل، من متمردي المشركين، أحد يدفعه قبل نزوله، أو يرفعه بعد نزوله، وهذا حين دعا النضر بن الحارث القرشي أو غيره من المشركين فقال: {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } تفسير : إلى آخر الآيات. فالعذاب لا بد أن يقع عليهم من الله، فإما أن يعجل لهم في الدنيا، وإما أن يؤخر عنهم إلى الآخرة، فلو عرفوا الله تعالى، وعرفوا عظمته، وسعة سلطانه وكمال أسمائه وصفاته، لما استعجلوا ولاستسلموا وتأدبوا، ولهذا أخبر تعالى من عظمته ما يضاد أقوالهم القبيحة فقال: { ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ } أي: ذو العلو والجلال والعظمة، والتدبير لسائر الخلق، الذي تعرج إليه الملائكة بما دبرها على تدبيره، وتعرج إليه الروح، وهذا اسم جنس يشمل الأرواح كلها، برها وفاجرها، وهذا عند الوفاة، فأما الأبرار فتعرج أرواحهم إلى الله، فيؤذن لها من سماء إلى سماء، حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله عز وجل، فتحيي ربها وتسلم عليه، وتحظى بقربه، وتبتهج بالدنو منه، ويحصل لها منه الثناء والإكرام والبر والإعظام. وأما أرواح الفجار فتعرج، فإذا وصلت إلى السماء استأذنت فلم يؤذن لها، وأعيدت إلى الأرض. ثم ذكر المسافة التي تعرج إلى الله فيها الملائكة والأرواح وأنها تعرج في يوم بما يسر لها من الأسباب، وأعانها عليه من اللطافة والخفة وسرعة السير، مع أن تلك المسافة على السير المعتاد مقدار خمسين ألف سنة، من ابتداء العروج إلى وصولها ما حد لها، وما تنتهي إليه من الملأ الأعلى، فهذا الملك العظيم، والعالم الكبير، علويه وسفليه، جميعه قد تولى خلقه وتدبيره العلي الأعلى، فعلم أحوالهم الظاهرة والباطنة، وعلم مستقرهم ومستودعهم، وأوصلهم من رحمته وبره ورزقه، ما عمهم وشملهم وأجرى عليهم حكمه القدري، وحكمه الشرعي وحكمه الجزائي. فبؤسا لأقوام جهلوا عظمته، ولم يقدروه حق قدره، فاستعجلوا بالعذاب على وجه التعجيز والامتحان، وسبحان الحليم الذي أمهلهم وما أهملهم، وآذوه فصبر عليهم وعافاهم ورزقهم. هذا أحد الاحتمالات في تفسير هذه الآية [الكريمة] فيكون هذا العروج والصعود في الدنيا، لأن السياق الأول يدل على هذا. ويحتمل أن هذا في يوم القيامة، وأن الله تبارك وتعالى يظهر لعباده في يوم القيامة من عظمته وجلاله وكبريائه، ما هو أكبر دليل على معرفته، مما يشاهدونه من عروج الأملاك والأرواح صاعدة ونازلة، بالتدابير الإلهية، والشئون في الخليقة. في ذلك اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة من طوله وشدته، لكن الله تعالى يخففه على المؤمن. وقوله: { فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا } أي: اصبر على دعوتك لقومك صبرا جميلا لا تضجر فيه ولا ملل، بل استمر على أمر الله، وادع عباده إلى توحيده، ولا يمنعك عنهم ما ترى من عدم انقيادهم، وعدم رغبتهم، فإن في الصبر على ذلك خيرا كثيرا. { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا } الضمير يعود إلى البعث الذي يقع فيه عذاب السائلين بالعذاب أي: إن حالهم حال المنكر له، أو الذي غلبت عليه الشقوة والسكرة، حتى تباعد جميع ما أمامه من البعث والنشور، والله يراه قريبا، لأنه رفيق حليم لا يعجل، ويعلم أنه لا بد أن يكون، وكل ما هو آت فهو قريب. ثم ذكر أهوال ذلك اليوم وما يكون فيه، فقال: { يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ ...}.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {سَأَلَ سَآئِلٌ} 640 - أنا بشرُ بن خالدٍ، نا أبو اُسامة، حدثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولهِ: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} قال: النضرُ بنُ الحارثِ بن كلدةَ.
همام الصنعاني
تفسير : 3321- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ}: [الآية: 1]، قَالَ: سألَ سائل عن عَذَابٍ وَقِعٍ، فقال لله: {لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ ٱللَّهِ}: [الآية: 2-3].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):