Verse. 5383 (AR)

٧٠ - ٱلْمَعَارِج

70 - Al-Ma'aarij (AR)

يَوْمَ تَكُوْنُ السَّمَاۗءُ كَالْمُہْلِ۝۸ۙ
Yawma takoonu alssamao kaalmuhli

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يوم تكون السماء» متعلق بمحذوف تقديره يقع «كالمهل» كذائب الفضة.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسألتان: المسألة الأولى: {يَوْمَ تَكُونُ } منصوب بماذا؟ فيه وجوه أحدها: بقريباً، والتقدير: ونراه قريباً، يوم تكون السماء كالمهل، أي يمكن ولا يتعذر في ذلك اليوم وثانيها: التقدير: سأل سائل بعذاب واقع يوم تكون السماء كالمهل والثالث: التقدير يوم تكون السماء كالمهل كان كذا وكذا والرابع: أن يكون بدلاً من {يوم}، والتقدير سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة يوم تكون السماء كالمهل. المسألة الثانية: أنه ذكر لذلك اليوم صفات: الصفة الأولى: أن السماء تكون فيه كالمهل وذكرنا تفسير المهل عند قوله: {أية : بِمَاء كَٱلْمُهْلِ } تفسير : [الكهف: 29] قال ابن عباس: كدردى الزيت، وروى عنه عطاء: كعكر القطران، وقال الحسن: مثل الفضة إذا أذيبت، وهو قول ابن مسعود. الصفة الثانية: أن تكون الجبال فيه كالعهن، ومعنى العهن في اللغة: الصوف المصبوغ ألواناً، وإنما وقع التشبيه به، لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود فإذا بست وطيرت في الجو أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح. الصفة الثالثة: قوله: {وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس الحميم القريب الذي يعصب له، وعدم السؤال إنما كان لاشتغال كل أحد بنفسه، وهو كقوله: {أية : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } تفسير : [الحج: 2] وقوله: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ } تفسير : [عبس: 34] إلى قوله {أية : لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } تفسير : [عبس: 37] ثم في الآية وجوه أحدها: أن يكون التقدير: لا يسأل حميم عن حميمه فحذف الجار وأوصل الفعل الثاني: لا يسأل حميم حميمه كيف حالك ولا يكلمه، لأن لكل أحد ما يشغله عن هذا الكلام الثالث: لا يسأل حميم حميماً شفاعة، ولا يسأل حميم حميماً إحساناً إليه ولا رفقاً به. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير: {وَلاَ يَسْـئَلُ } بضم الياء، والمعنى لا يسأل حميم عن حميمه ليتعرف شأنه من جهته، كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه، وهذا أيضاً على حذف الجار قال الفراء: أي لا يقال لحميم أين حميمك ولست أحب هذه القراءة لأنها مخالفة لما أجمع عليه القراء.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} العامل في «يَوْمَ» «واقع»؛ تقديره يقع بهم العذاب يوم. وقيل: «نَرَاهُ» أو «يُبَصَّرونهم» أو يكون بدلاً من قريب. والْمُهْلُ: دُرْدِيّ الزيت وَعَكرُه؛ في قول ابن عباس وغيره. وقال ابن مسعود: ما أذيب من الرَّصاص والنُّحاص والفضّة. وقال مجاهد: «كَالْمُهْلِ» كقيح من دم وصديد. وقد مضى في سورة «الدخان»، و «الكهف» القول فيه. {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} أي كالصُّوف المصبوغ. ولا يقال للصوف عِهْن إلا أن يكون مصبوغاً. وقال الحسن: {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} وهو الصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف. ومنه قول زُهير:شعر : كأن فُتات العِهنِ في كل منزل نزلن به حَبُّ الفَنَا لم يُحَطَّمِ تفسير : الفُتاتُ القِطَع. والعِهْنُ الصوفُ الأحمر؛ واحده عِهْنة. وقيل: العهْنُ الصوف ذو الألوان؛ فشبّه الجبال به في تَلَوُّنها ألواناً. والمعنى: أنها تلين بعد الشدّة، وتتفرق بعد الاجتماع. وقيل: أوّل ما تتغير الجبال تصير رَمْلاً مَهِيلاً، ثم عِهْناً منفوشاً، ثم هَباءً مُنْبثاً. {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} أي عن شأنه لشغل كل إنسان بنفسه، قاله قتادة. كما قال تعالى: {أية : لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس:37]. وقيل: لا يسأل حميم عن حميم، فحذف الجار ووصل الفعل. وقراءة العامة «يسأل» بفتح الياء. وقرأ شيبة والبَزِّي عن عاصم «ولا يُسأل» بالضم على ما لم يسم فاعله، أي لا يُسأل حميم عن حميمه ولا ذو قرابة عن قرابته، بل كل إنسان يسأل عن عمله. نظيره: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} تفسير : [المدثر:38].

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: العذاب واقع بالكافرين { يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد ابن جبير وعكرمة والسدي وغير واحد: أي: كدردي الزيت { وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} أي: كالصوف المنفوش، قاله مجاهد وقتادة و السدي، وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} تفسير : [القارعة: 5] وقوله تعالى: { وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} أي: لا يسأل القريب قريبه عن حاله، وهو يراه في أسوأ الأحوال، فتشغله نفسه عن غيره، قال العوفي عن ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون بينهم، ثم يفرّ بعضهم من بعض بعد ذلك، يقول الله تعالى: {أية : لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 37] وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} تفسير : [لقمان: 33] وكقوله تعالى: {أية : وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} تفسير : [فاطر: 18] وكقوله تعالى: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101] وكقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } تفسير : [عبس: 34 ــــ 37] وقوله تعالى: { يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِى تُـئْوِيهِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ كَلاَّ} أي: لا يقبل منه فداء، ولو جاء بأهل الأرض وبأعز ما يجده من المال، ولو بملء الأرض ذهباً، أو من ولده الذي كان في الدنيا حشاشة كبده، يود يوم القيامة إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب الله به، ولا يقبل منه. قال مجاهد والسدي: {وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُئْوِيهِ} قبيلته وعشيرته، وقال عكرمة: فخذه الذي هومنهم، وقال أشهب عن مالك: فصيلته: أمه، وقوله تعالى: {إِنَّهَا لَظَىٰ} يصف النار وشدة حرها { نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} قال ابن عباس ومجاهد: جلدة الرأس، وقال العوفي عن ابن عباس: {نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} الجلود والهام، وقال مجاهد: ما دون العظم من اللحم، وقال سعيد بن جبير: للعصب والعقب. وقال أبو صالح: { نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} يعني: أطراف اليدين والرجلين، وقال أيضاً: { نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ}: لحم الساقين، وقال الحسن البصري وثابت البناني: { نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} أي: مكارم وجهه، وقال الحسن أيضاً: تحرق كل شيء فيه، ويبقى فؤاده يصيح. وقال قتادة: { نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} أي: نزاعة لهامته، ومكارم وجهه، وخلقه وأطرافه. وقال الضحاك: تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً، وقال ابن زيد: الشوى: الآراب العظام، فقوله: نزاعة، قال: تقطع عظامهم، ثم تبدل جلودهم وخلقهم. وقوله تعالى: { تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ } أي: تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها، وقدر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق، ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر كما يلتقط الطير الحب، وذلك أنهم كما قال الله عزّ وجلّ: كانوا ممن أدبر وتولى، أي: كذب بقلبه، وترك العمل بجوارحه، { وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ} أي: جمع المال بعضه على بعض فأوعاه، أي: أوكاه، ومنع حق الله منه؛ من الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة، وقد ورد في الحديث: «حديث : لا توعى فيوعى الله عليك» تفسير : وكان عبد الله بن عكيم لا يربط له كيساً، ويقول: سمعت الله يقول: { وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ} وقال الحسن البصري: يابن آدم سمعت وعيد الله، ثم أوعيت الدنيا. وقال قتادة في قوله: { وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ} قال: كان جموعاً قموماً للخبيث.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ } متعلق بمحذوف أي يقع {كَٱلْمُهْلِ } كذائب الفضة.

الماوردي

تفسير : {يومَ تكونُ السّماءُ كالمُهْلِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كدرديّ الزيت، قاله ابن عباس. الثاني: كمذاب الرصاص والنحاس والفضلة، قاله ابن مسعود. الثالث: كقيح من دم، قاله مجاهد. {وتكونُ الجبالُ كالعِهْنِ} يعني كالصوف المصبوغ، والمعنى أنها تلين بعد الشدة، وتتفرق بعد الاجتماع. {يُبْصّرُونَهم} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه يبصر بعضهم بعضاً فيتعارفون، قاله قتادة. الثاني: أن المؤمنين يبصرون الكافرين، قاله مجاهد. الثالث: أن الكافرين يبصرون الذين أضلوهم في النار، قاله ابن زيد. الرابع: أنه يبصر المظلوم ظالمه، والمقتول قاتله. {يَوَدّ المجْرِمُ} فيه وجهان: أحدهما: يحب. الثاني: يتمنى، والمجرم هو الكافر. {لو يَفْتَدِي مِن عَذابِ يومِئذ} يعني يفتدي من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا من أقاربه، فلا يقدر. ثم ذكرهم فقال: {ببنيه}. {وصاحبته} يعني زوجته: {وأخيه}. {وفصيلته} فيه وجهان: أحدهما: عشيرته التي تنصره، قاله ابن زيد. الثاني: أنها أمه التي تربيه، قاله مالك، وقال أبو عبيدة: الفصيلة دون القبيلة. {التي تؤويه} فيه وجهان: أحدهما: التي يأوي إليها في نسبه، قاله الضحاك. الثاني: يأوي إليها في خوفه. {كلا إنها لَظَى} فيه وجهان: أحدهما: أنها اسم من أسماء جهنم، سميت بذلك لأنها التي تتلظى، وهو اشتداد حرها. الثاني: أنه اسم الدرك الثامن في جهنم، قاله الضحاك. {نَزّاعة للشّوَى} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنها أطراف اليدين والرجلين، قاله أبو صالح، قال الشاعر: شعر : إذا نَظَرْتَ عَرَفْت الفخر منها وعَيْنيها ولم تعْرِفْ شَواها. تفسير : الثاني: قال الضحاك: هي جهنم تفري اللحم والجلد عن العظم، وقال مجاهد: جلدة الرأس ومنه قول الأعشى: شعر : قالت قُتَيْلَةُ ما لَه قد جُلِّلَتْ شيْباً شَواتهُ. تفسير : الثالث: أنه العصب والعقب، قاله ابن جبير. الرابع: أنه مكارم وجهه، قاله الحسن. الخامس: أنه اللحم والجلد الذي على العظم،لأن النار تشويه، قاله الضحاك. {تَدْعو مَنْ أَدْبَرَ وتَوَلّى} وفي دعائها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تدعوهم بأسمائهم فتقول للكافر: يا كافر إليّ، وللمنافق: يا منافق إليّ، قاله الفراء. الثاني: أن مصير من أدبر وتولى إليها، فكأنها الداعية لهم، ومثله قول الشاعر: شعر : ولقد هَبَطْنا الوادِيَيْن فوادياً يَدْعو الأنيسَ به العَضيضُ الأبكمُ. تفسير : العضيض الأبكم: الذباب، وهو لا يدعو وإنما طنينه ينبه عليه، فدعا إليه. الثالث: الداعي خزنة جهنم أضيف دعاؤهم إليها، لأنهم يدعون إليها. وفي ما {أدبر وتولى} عنه أربعة أوجه: أحدها: أدبر عن الطاعة وتولى عن الحق، قاله مجاهد. الثاني: أدبر عن الإيمان وتولى إلى الكفر، قاله مقاتل. الثالث: أدبر عن أمر اللَّه وتولى عن كتاب اللَّه، قاله قتادة. الرابع: أدبر عن القبول وتولى عن العمل. {وجَمَع فأوْعَى} يعني الذي أدبر وتولى جمع المال فأوعى، بأن جعله في وعاء حفظاً له ومنعاً لحق اللَّه منه، قال قتادة: فكان جموعاً منوعاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {كَالْمُهْلِ} كدردي الزيت "ع" أو كذوب النحاس والرصاص والفضة أو كقيح ودم.

القشيري

تفسير : الإشارة فيه أنه في ذلك اليوم مَنْ كان في سُمُوِّ نخوته ونُبُوِّ صولته يلين ويستكين ويَضْعُفُ مَنْ كان يَشْرُفُ، ويَذَلُّ مَنْ كان يُذِلُّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {يوم تكون السماء كالمهل} وهو ههنا خبث الحديد ونحوه مما يذاب على مهل وتدريج او دردى الزيت لسيلانه على مهل لثخانته وعن ابن مسعود كالفضة المذابة فى تلونها او كالقير والقطران فى سوادهما ويوم متعلق بقريبا اى يمكن ولا يتعذر فى ذلك اليوم اى يظهر امكانه والا فنفس الامكان لا اختصاص له بوقت او متعلق بمضمر مؤخرأى يوم تكون السماء كالمهل يكون من الاحوال والاهوال مالا يوصف.

الجنابذي

تفسير : {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} كالفلزّ المذاب او كدردىّ الزّيت ويوم بدل من قوله فى يوم او خبر مبتدءٍ محذوفٍ او ظرف ليبصرونهم او ليودّ المجرم.

اطفيش

تفسير : {يَوْمَ} متعلق بـ (قريبا) أي يمكن او يقع يوم او بيقع محذوفا او بدل من مجموع الجار والمجرور او من محل المجرور وهو النصب لصحة ظهوره في الفصيح والجار والمجرور هما قوله في يوم وانما يصح الابدال ان علق في يوم بواقع او بسال من السيلان او متعلق بما حذف تهويلا وتفخيما أي يكون كيت وكيت يوم {تَكُونُ السَّمَاءُ كَالمُهْلِ} في اللون والسيلان وهو دردي الزيت او الفضة المذابة او غير ذلك مما مر وذلك انه يزول نورها وتتكدر. وروي ان ابن مسعود اهديت له فضة فامر فاذيبت فقال ادع لي نفرا من اهل الكوفة فدخلوا فقالوا ما رأينا شيئا اشبه بالمهل من هذا وظاهر كلامهم ان المهل صفة تكون عليها السماء وليست بصفة الفضة ولكن اشبهتها.

اطفيش

تفسير : متعلق بقريباً أى يقرب وقوعه عقب حصول كونها كالمهل أو واقع فى ذلك اليوم أو ممكن فيه أو متعلق بيقع محذوفاً دل عليه واقع أو بدل من فى يوم إِن علق بواقع ومجموع الجار والمجرور كأَنه اسم منصوب أو بدل من يوم على محله لحصول إِسقاط فى ونصب يوم، ويجوز أن يبدل من لفظة المجرور على أن فتحة يوم الثانى بناء على قول الكوفيين بجواز بناء الظرف إِذا أُضيف لجملة ولو كان فعلها مضارعاً معرباً ويجوز تعليق فى بتعرج وتبدل يوم من يوم على أن المراد يوم القيامة، وإِذا أُريد بالعذاب عذاب الدنيا تعلق يوم بمحذوف أى يوم تكون السماء كالمهل الخ. يكون كذا وكذا ويجوز إِبدال يوم من هاء يرونه إِذا أُعيدت إِلى يوم القيامة، ويجوز كونه مفعولا لا ذكر والمهل ما يكون فى قعر الزيت، وقيل ما أُذيب من فضة أو نحاس أو نحوه.

الالوسي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَاء كَٱلْمُهْلِ } قيل متعلق بقريباً أو بمضمر يدل عليه{أية : وَاقِعٍ}تفسير : [المعارج: 1] وهو يقع أو بدل عن{أية : فِي يَوْمٍ}تفسير : [المعارج: 4] إن علل به دون {تَعْرُجُ} والنصب باعتبار أن محل الجار والمجرور ذلك إذ ليس بدلاً عن المجرور وحده فاشتراط أبـي حيان لمراعاة المحل كون الجار زائداً أو شبهه كرب غير صحيح ولا يحتاج تصحيح البدلية إلى التزام كون حركة {يَوْمَ} بنائية بناء على مذهب الكوفيين المجوزين لذلك وإن أضيف لمعرب وذكر أنه على هذه التقادير الثلاث المراد بالعذاب عذاب القيامة وأما إذا أريد عذاب الدنيا فيتعين أن يكون التقدير يوم تكون السماء يكون كيت وكيت وكأنهم لما استعجلوا العذاب أجيبوا بأزف الوقوع ثم قيل ليهن ذلك في جنب ما أعد لكم يوم تكون السماء كالمهل فحينئذ يكون العذاب الذي هو العذاب ثم لا يخفى أن البدلية ممكنة على تقدير تعلق {فِي يَوْمٍ} بتعرج أيضاً بناء على أن المراد به يوم القيامة أيضاً كما قدمنا وأن الأولى عند تعلقه بقريباً أن لا يراد من القرب من الإمكان الإمكان الذاتي لما في تقييده باليوم نوع إيهام وأن ضميري {يَرَوْنَهُ} و{نَرَاهُ} إذا كانا ليوم القيامة يلزم وقوع الزمان في الزمان في قولنا يقع يوم القيامة يوم تكون كالمهل ويجاب بما لا يخفى وجوز في «البحر» كونه بدلاً من ضمير {نَرَاهُ} إذا كان عائداً على يوم القيامة وفي «الارشاد» كونه متعلقاً بليس له دافع وبعضهم كونه مفعولاً به لاذكر محذوفاً وتعلقه بنراه كما قاله مكي لا نراه وكذا تعلقه بيبصرونهم كما حكاه ومثله ما عسى أن يقال متعلقه بيود الآتي بعد فتأمل. والمهل أخرج أحمد والضياء في «المختارة» وغيرهما عن ابن عباس أنه دردي الزيت وهو ما يكون في قعره وقال غير واحد المهل ما أذيب على مهل من الفلزات والمراد يوم تكون السماء واهية وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية أن السماء الآن خضراء وأنها تحول يوم القيامة لوناً آخر إلى الحمرة.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يتعلق {يوم تكون السماء} بفعل {أية : تعرج}تفسير : [المعارج: 4]، وأن يتعلق بـ {يَوَدُّ المجرم} قدم عليه للاهتمام بذكر اليوم فيكون قوله: {يوم تكون السماء كالمهل} ابتداء كلام، والجملة المجعولة مبدأ كلام تجعل بدل اشتمال من جملة {ولا يسأل حميم حميماً} لأن عدم المساءلة مسبب عن شدة الهَول، ومما يشتمل عليه ذلك أن يود المَوَل لو يفتدي من ذلك العذاب. و {المُهل}: دُردِيّ الزيتِ. والمعنى: تشبيه السماء في انحلال أجزائها بالزيت، وهذا كقوله في سورة الرحمان (37) {أية : فكانت وردة كالدِهان}تفسير : . والعِهن: الصوف المصبوغ، قيل المصبوغ مطلقاً، وقيل المصبوغ ألواناً مختلفة وهو الذي درج عليه الراغب والزمخشري، قال زهير:شعر : كان فُتات العِهن في كل منزِلٍ نَزلْنَ به حَبُّ الفَنا لم يُحَطَّم تفسير : والفنا بالقصر: حب في البادية، يقال له: عنب الثعلب، وله ألوان بعضه أخضر وبعضه أصفر وبعضه أحمر. والعهنة: شجر بالبادية لها ورد أحمر. ووجه الشبه بالعهن تفرق الأجزاء كما جاءت في آية القارعة (5) {أية : وتكون الجبال كالعهن المنفوشِ}تفسير : فإيثار العهن بالذكر لإِكمال المشابهة لأن الجبال ذات ألوان قال تعالى: {أية : ومن الجبال جُدد بيضٌ وحُمْرٌ مختلف ألوانها}تفسير : [فاطر: 27]. وإنما تكون السماء والجبال بهاته الحالة حين ينحلّ تماسك أجزائهما عند انقراض هذا العالم والمصيرِ إلى عالم الآخرة. ومعنى {ولا يَسأل حميم حميماً} لشدة ما يعتري الناس من الهول فمن شدة ذلك أن يرى الحميم حميمه في كرب وعناء فلا يتفرغ لسؤاله عن حاله لأنه في شاغل عنه، فحذف متعلق {يسأل} لظهوره من المقام ومن قوله: {يبصِّرونهم} أي يبصر الأخلاء أحوال أخلائهم من الكرب فلا يسأل حميم حميماً، قال كعب بن زهير:شعر : وقال كل خليل كنتُ ءآمُله لا أُلْهِيَنَّك إِني عنك مشغول تفسير : والحميم: الخليل الصديق. وقرأ الجمهور بفتح ياء {يَسأل} على البناء للفاعل. وقرأه أبو جعفر والبزي عن ابن كثير بضم الياء على البناء للمجهول. فالمعنى: لا يُسأل حميم عن حميم بحذف حرف الجر. وموقع {يبصّرونهم} الاستئناف البياني لدفع احتمال أن يقع في نفس السامع أن الأحِمَّاء لا يرى بعضهم بعضاً يومئذٍ لأن كل أحد في شاغل، فأجيب بأنهم يكشف لهم عنهم ليروا ما هم فيه من العذاب فيزدادوا عذاباً فوق العذاب. ويجوز أن تكون جملة {يبصرونهم} في موضع الحال، أي لا يسأل حميم حميماً في حال أن كل حميم يبصر حميمه يقال له: انظر مَاذا يقاسي فلان. و{يبصرونهم} مضارع بَصَّره بالأمر إذا جعله مبصراً له، أي ناظراً فأصله: يبصَّرون بهم فوقع فيه حذف الجار وتعدية الفعل. والضميران راجعان إلى {حميم} المرفوع وإلى {حميماً} المنصوب، أي يبصر كل حميم حميمه فجمع الضميران نظراً إلى عموم {حمِيمٌ} و {حميماً} في سياق النفي. و {يودّ}: يحب، أي يتمنى، وذلك إما بخاطر يخطر في نفسه عند رؤية العذاب. وإما بكلام يصدر منه نظير قوله: {أية : ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً}تفسير : [النبأ: 40]، وهذا هو الظاهر، أي يصرخ الكافر يومئذٍ فيقول: أفتدي من العذاب ببني وصاحبتي وفصيلتي فيكون ذلك فضيحة له يومئذٍ بين أهله. و {المجرم}: الذي أتى الجُرم، وهو الذنب العظيم، أي الكفر لأن الناس في صدر البعثة صنفان كافر ومؤمن مطيع. و{يومئذٍ} هو {يوم تكون السماء كالمهل} فإن كان قوله: {يوم تكون السماء} متعلقاً بـ {يودّ} فقوله: {يومئذٍ} تأكيد لـ {يوم تكون السماء كالمهل}، وإن كان متعلقاً بقوله: {أية : تعرج الملائكة}تفسير : [المعارج: 4] فقوله: {يومئذٍ} إفادة لكون ذلك اليوم هو يوم يود المجرم لو يفتدي من العذاب بمن ذكر بعده. و {لو} مصدرية فما بعدها في حكم المفعول لـ {يود}، أي يود الافتداء من العذاب ببنيه إلى آخره. وقرأ الجمهور {يومئذٍ} بكسر ميم (يوم) مجروراً بإضافة (عذاب الله). وقرأه نافع والكسائي بفتح الميم على بنائه لإِضافة (يوم) إلى (إذ)، وهي اسم غير متمكن والوجهان جائزان. والافتداء: إعطاء الفِداء، وهو ما يعطى عوضاً لإِنقاذٍ من تبعةٍ، ومنه قوله تعالى: {أية : وإن يأتوكم أسارى تفادوهم}تفسير : في البقرة (85) وقوله: ولو افتدى به في آل عمران (91)، والمعنى: لو يفتدي نفسه، والباء بعد مادة الفداء تدخل على العوض المبذول فمعنى الباء التعويض. ومعنى (مِن) الابتداء المجازي لتضمين فعل يفتدي معنى يَتخلص و {صاحبِته}: زوجِهِ. والفصيلة: الأقرباء الأدْنَوْن من القبيلة، وهم الأقرباء المفصول مِنهم، أي المستخرج منهم، فشملت الآباء والأمهاتِ قال ابن العربي: قال أشهب: سألتُ مالكاً عن قول الله تعالى: {وفصيلته التي تؤويه} فقال هي أمه اهـ، أي ويفهم منها الأب بطريق لحن الخطاب فيكون قد استوفى ذكر أقرب القرابة بالصراحة والمفهوم، وأمّا على التفسير المشهور فالفصيلة دلت على الآباء باللفظ وتستفاد الأمهات بدلالة لحن الخطاب. وقد رتبت الأقرباء على حسب شدة الميْل الطبيعي إليهم في العرف الغالب لأن الميل الطبيعي ينشأ عن الملازمة وكثرة المخالطة. ولم يذكر الأبوان لدخولهما في الفصيلة قصداً للإِيجاز. والايواء: الضم والانحياز. قال تعالى: {أية : ءاوَى إليه أخاه}تفسير : [يوسف: 69] وقال: {أية : سآوي إلى جبل}تفسير : [هود: 43]. و {التي تؤويه}: إن كانت القبيلةَ، فالإِيواء مجاز في الحماية والنصر، أي ومع ذلك يفتدي بها لعلمه بأنها لا تغني عنه شيئاً يومئذٍ. وإن كانت الأمَّ فالإِيواء على حقيقته باعتبار الماضي، وصيغة المضارع لاستحضار الحالة كقوله: {أية : الله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً}تفسير : [الروم: 48] أي يودّ لو يفتدي بأمه، مع شدة تعلق نفسه بها إذ كانت تؤويه، فإيثار لفظ فصيلته وفعل تؤويه هنا من إيجاز القرآن وإعجازه ليشمل هذه المعاني. {ومن في الأرض جميعاً} عطف على {بنِيه}، أي ويفتدي بمن في الأرض، أي ومن له في الأرض مما يعزّ عليه من أخلاء وقرابة ونفائس الأموال مما شأن الناس الشح ببذله والرغبة في استبقائه على نحو قوله تعالى: {أية : فلن يقبل من أحدهم مِلْءُ الأرض ذهباً ولو افتدى به}تفسير : [آل عمران: 91]. و {مَن} الموصولة لتغليب العاقل على غيره لأن منهم الأخلاء. و {ثم} في قوله: {ثم ينجيه} للتراخي الرتبي، أي يودّ بذل ذلك وأن ينجيه الفداء من العذاب، فالإِنجاء من العذاب هو الأهم عند المجرم في ودادته والضمير البارز في قوله: {ينجيه} عائد إلى الافتداء المفهوم من {يفتدي} على نحو قوله تعالى: {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]. والمعطوف بـ {ثم} هو المسبب عن الودادة فلذلك كان الظاهر أن يعطف بالفاء وهو الأكثر في مثله كقوله تعالى: {أية : ودُّوا لو تكفرون كما كفروا فتكُونون سواء}تفسير : [النساء: 89] وقوله: {ودُّوا لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9]، فعدل عن عطفه بالفاء هنا إلى عطفه بـ {ثم} للدلالة على شدة اهتمام المجرم بالنجاة بأية وسيلة. ومتعلِّق {ينجيه} محذوف يدل عليه قوله: {من عذاب يومئذٍ}. و {كَلاَّ} حرف ردع وإبطال لكلام سابق، ولا يخلو من أن يذكر بعده كلام، وهو هنا لإِبطال ما يخامر نفوس المجرم من الودادة، نزل منزلة الكلام لأن الله مطلع عليه أو لإِبطال ما يتفوه به من تمنّي ذلك. قال تعالى: {أية : ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً}تفسير : [النبأ: 40]، ألا ترى أنه عبر عن قوله ذلك بالودادة، في قوله تعالى: {أية : يومئذٍ يودّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض}تفسير : [النساء: 42] أي يصيرون من ترابها. فالتقدير: يقال له كلا، أي لا افتداء ولا إنجاء. وجملة {إنها لظَى} استئناف بياني ناشىء عما أفاده حرف {كلا} من الإِبطال. وضمير {إنها} عائد إلى ما يشاهده المجرم قبالته من مرأى جهنم فأخبر بأن ذلك لظى. ولما كان {لظى} مقترناً بألف التأنيث أنّث الضمير باعتبار تأنيث الخبر واتبع اسمها بأوصاف. والمقصود التعريض بأنها أعدت له، أي أنها تحرقك وتنزع شَواك، وقد صرح بما وقع التعريض به في قوله: {تدعو من أدبر وتولى وجَمع فأوعى،}أي تدعوك يا من أدبر عن دعوة التوحيد وتولى عنها ولم يعبأ إلاّ بجمع المال. فحرف (إنَّ) للتوكيد للمعنى التعريضي من الخبر، لا إلى الإِخبار بأن ما يشاهده لظى إذ ليس ذلك بمحل التردد. و {لظى} خبر (إن). ويجوز أن يكون ضمير {إنها} ضمير القصة وهو ضمير الشأن، أي إن قصتك وشأنك لَظى، فتكون {لظى} مبتدأ. وقرأ الجمهور {نزّاعةٌ} بالرفع فهو خبر ثان عن (إنَّ) إن جعل الضمير ضميراً عائداً إلى النار المشاهدة، أو هو خبر عن {لظى} إن جعل الضمير ضمير القصة وجُعل {لظى} مبتدأ. وقرأه حفص بالنصب على الحال فيتعين على قراءة حفص أن الضمير ليس ضمير قصة. والتعريض هو هو، وحرف (إنّ) إما للتوكيد متوجهاً إلى المعنى التعريضي كما تقدم، وإما لمجرد الاهتمام بالجملة التي بعده لأن الجمل المفتتحة بضمير الشأن من الأَخبار المهتم بها. و {لَظى}: علَم منقول من اسم اللهب، جعل علَماً لـ «جهنم»، وألفه ألف تأنيث، وأصله: لظى بوزن فتًى منوناً اسم جنس للهب النار. فنقل اسم الجنس إلى جعله عَلَماً على واحد من جنسه، فقرن بألف تأنيث تنبيهاً بذلك التغيير على نقله إلى العلمية. والعرب قد يدخلون تغييراً على الاسم غير العلم إذا نقلوه إلى العلمية كما سموا شُمْس بضم الشين منقولاً من شَمْس بفتح الشين. كما قال ابن جني في شرح قول تأبط شراً:شعر : إني لمهد من ثنائي فقاصدٌ به لابنِ عمِّ الصِدِق شُمْسِ بنِ مالك تفسير : وليس من العلَم بالغلبة إذ ليس معرفاً ولا مضافاً، ولاجتماع العلمية والتأنيث فيه كان ممنوعاً من الصرف فلا تقول: لظًى بالتنوين إلاّ إذا أردت جنس اللهب، ولا تقول: اللَّظَى إلاّ إذا أردت لهباً معيناً، فأما إذا أردت اسم جهنم فتقول لظى بألف التأنيث دون تنوين ودون تعريف. والنّزاعة: مبالغة في النزع وهو الفصل والقطع. والشوى: اسم جمع شواة بفتح الشين وتخفيف الواو، وهي العضو غيرُ الرأس مثل اليد والرجل فالجمع باعتبار ما لكل أحد من شوى، وقيل الشواة: جلْدة الرأس فالجمع باعتبار كثرة الناس. وجملة {تدعو} إما خبر ثان حسب قراءة {نزّاعة} بالرفع وإمّا حال على القراءتين. والدعاء في قوله: {تدعو} يجوز أن يكون غير حقيقة بأن يعتبر استعارة مكنية، شبهت لظّى في انهيال الناس إليها بضائف لمأدُبة، ورُمز إلى ذلك بـ {تدعو}وذلك على طريقة التهكم. ويكون {من أدبر وتولى وجمع فأوعى} قرينةً، أو تجريداً، أي من أدبر وتولى عن الإِيمان بالله. وفيه الطباق لأن الإِدبار والتولي يضادَّانِ الدعوة في الجملة إذ الشأن أن المدعو يقبل ولا يدبر، ويكون (تدعوا) مشتقاً من الدُعوة المضمومة الدال، أو أن يشبه إحضار الكفار عندها بدعوتها إياهم للحضور على طريقة التبعية، لأن التشبيه بدَعوة المنادي، كقول ذي الرمة يصف الثور الوحشي:شعر : أمسى بوَهْبَيْنِ مُخْتَاراً لِمَرْتَعه من ذي الفوارس تدعُو أنفَه الرِّبَبُ تفسير : الرِّبَب بكسر الراء وبموحدتين: جمع رِبَّة بكسر الراء وتشديد الموحدة: نبات ينبت في الصيف أخضرُ. ويجوز أن يكون {تدعوا} مستعملاً حقيقة، و «الذين يَدْعون»: هم الملائكة الموكلون بجهنم، وإسنادُ الدعاء إلى جهنم إسناداً مجازياً لأنها مكان الداعين أو لأنها سبب الدعاء، أو جهنم تدعو حقيقة بأن يخلُق الله فيها أصواتاً تنادي الذين تولوا أن يَرِدوا عليها فتلتهمهم. و {من أدبر وتولى وجمع فأوعى} جنس الموصوفين بأنهم أدبروا وتولوا وجمعوا وهم المجرمون الذين يودون أن يفتَدوا من عذاب يومئذٍ. وهذه الصفات خصائص المشركين، وهي من آثار دين الشرك التي هي أقوى باعث لهم على إعراضهم عن دعوة الإِسلام. وهي ثلاثة: الإِدبار والإِعراض، وجمع المال، أي الخشية على أموالهم. والإِدبار: ترك شيء في جهة الوراء لأن الدّبر هو الظهر، فأدبر: جعل شيئاً وراءه بأن لا يعرج عليه أصلاً أو بأن يقبل عليه ثم يفارقَه. والتولّي: الإِدبار عن شيء والبعد عنه، وأصله مشتق من الوَلاية وهي الملازمة قال تعالى: {أية : فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام}تفسير : [البقرة: 144]، ثم قالوا: ولَّى عنه، أرادوا اتخذ غيره ولياً، أي ترك وَلايته إلى ولاية غيره مثل ما قالوا: رَغب فيه ورغب عنه، فصار «ولي» بمعنى: أدبر وأعرض، قال تعالى: {أية : فأعْرِض عمن تولَّى عن ذِكرنا}تفسير : [النجم: 29] أي عامِلْه بالإِعراض عنه. ففي التولي معنى إيثار غير المتولَّى عنه، ولذلك يكون بين التولّي والإِدبار فرق، وباعتبار ذلك الفرق عُطف و {تولَّى} على {أدبر} أي تدعو من ترك الحق وتولى عنه إلى الباطل. وهذه دقيقة من إعجاز القرآن بأن يكون الإِدبار مراداً به إدبارَ غير تَول، أي إدباراً من أول وهلة، ويكون التولي مراداً به الإِعراض بعد ملابسة، ولذلك يكون الإِدبار مستعاراً لعدم قبول القرآن ونفي استماع دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حال الذين قال الله فيهم: {أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن}تفسير : [فصلت: 26]، والتولي مستعار للإِعراض عن القرآن بعد سماعه وللنفور عن دعوة الرسول كما قال تعالى: {أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلاّ أساطير الأولين}تفسير : [الأنفال: 31] وكلا الحالين حال كفر ومحقة للعقاب وهما مجتمعتان في جميع المشركين. والمقصود من ذكرهما معاً تفظيع أصحابهما، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون متعلِّق {أدبر وتولى} متّحداً يتنازعه كلا الفعلين، ويقدر بنحو: عن الحق، وفي «الكشاف»: أدبر عن الحق وتولى عنه، إذ العبرة باختلاف معنيي الفعلين وإن كان متعلقهما متحداً. ويجوز أن يقدر لكل فعل متعلِّقٌ هو أشد مناسبة لمعناه، فقدر البيضاوي: أدبر عن الحق وتولى عن الطاعة، أي لم يقبل الحق وهو الإِيمان من أصله، وأعرض عن طاعة الرسول بعد سماع دعوته. وعن قتادة عكسه: أدبر عن طاعة الله وتولى عن كتاب الله وتبعه الفخر والنيسابوري. والجمع والإِيعاء في قوله: {وجمع فأوعى} مرتب ثانيهما على أولهما، فيدل ترتب الثاني على الأول أن مفعول {جمع} المحذوف هو شيء مما يوعى، أي يُجعل في وعاء. والوعاء: الظرف، أي جمع المال فكنزه ولم ينفع به المحَاويج، ومنه جاء فعل {أوعى} إذا شحّ. وفي الحديث: «حديث : ولا تُوعي فيُوعَى عليك»تفسير : . وفي قوله: {جمَع} إشارة إلى الحرص، وفي قوله: {فأوعى} إشارة إلى طول الأمل. وعن قتادة {جمع فأوعى} كان جَمُوعاً للخبيث، وهذا تفسير حسن، أي بأن يُقدَّر لـ {جمع} مفعول يدل عليه السياق، أي وزاد على إدباره وتوليه أنه جمع الخبائث. وعليه يكون {فأوعى} مستعاراً لملازمته مَا فيه من خصال الخبائث واستمراره عليها فكأنها مختزنَة لا يفرط فيها.

الشنقيطي

تفسير : المهل دريدي الزيت، وقيل غير ذلك. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الرحمن عند الكلام على قوله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ}تفسير : [الرحمن: 37].

د. أسعد حومد

تفسير : (8) - وَتَقُومُ السَّاعَةُ، وَيَقَعُ العَذَابُ بِالكَافِرِينَ حِينَمَا تُصْبحُ السَّمَاءُ كَعَكَرِ الزَّيْتِ. المُهْلُ - عَكَرُ الزَّيْتِ، وَقِيلَ إِنَّهُ الفِضَّةُ الذَّائِبَةُ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} كعَصرِ دُرْدِيّ الزَّيتِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { يَوْمِ } أي: القيامة، تقع فيه هذه الأمور العظيمة فـ { تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ } وهو الرصاص المذاب من تشققها وبلوغ الهول منها كل مبلغ. { وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ } وهو الصوف المنفوش، ثم تكون بعد ذاك هباء منثورا فتضمحل، فإذا كان هذا القلق والانزعاج لهذه الأجرام الكبيرة الشديدة، فما ظنك بالعبد الضعيف الذي قد أثقل ظهره بالذنوب والأوزار؟ أليس حقيقا أن ينخلع قلبه وينزعج لبه، ويذهل عن كل أحد؟ ولهذا قال: { وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ } أي: يشاهد الحميم، وهو القريب حميمه، فلا يبقى في قلبه متسع لسؤال حميمه عن حاله، ولا فيما يتعلق بعشرتهم ومودتهم، ولا يهمه إلا نفسه. { يَوَدُّ الْمُجْرِمُ } الذي حق عليه العذاب { لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ } أي: زوجته { وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ } أي: قرابته { الَّتِي تُؤْوِيهِ } أي: التي جرت عادتها في الدنيا أن تتناصر ويعين بعضها بعضا، ففي يوم القيامة، لا ينفع أحد أحدا، ولا يشفع أحد إلا بإذن الله. بل لو يفتدي [المجرم المستحق للعذاب] بجميع ما في الأرضِ ثم ينجيه لم ينفعه ذلك. { كلا } أي: لا حيلة ولا مناص لهم، قد حقت عليهم كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون، وذهب نفع الأقارب والأصدقاء. { إِنَّهَا لَظَى نزاعَةً لِلشَّوَى } أي: للأعضاء الظاهرة والباطنة من شدة عذابها. { تَدْعُوا } إليها { مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وجمع فأوعى } أي: أدبر عن اتباع الحق وأعرض عنه، فليس له فيه غرض، وجمع الأموال بعضها فوق بعض وأوعاها، فلم ينفق منها، فإن النار تدعوهم إلى نفسها، وتستعد للالتهاب بهم.