٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يشترون الضلالة شرح كيفية تلك الضلالة وهي أمور: أحدها: أنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في متعلق قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ } وجوه: الأول: أن يكون بيانا للذين أوتوا نصيبا من الكتاب، والتقدير: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا، والثاني: أن يتعلق بقوله: {نَصِيراً } والتقدير: وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا، وهو كقوله: {أية : وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير : [الأنبياء: 77] الثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، و{يُحَرّفُونَ } صفته. تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، فحذف الموصوف وأقيم الوصف مكانه. الرابع: أنه تعالى لما قال: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ } تفسير : [النساء: 44] بقي ذلك مجملا من وجهين، فكأنه قيل: ومن ذلك الذين أوتوا نصيبا من الكتاب؟ فأجيب وقيل: من الذين هادوا، ثم قيل: وكيف يشترون الضلالة؟ فأجيب وقيل: يحرفون الكلم. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: الجمع مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: يحرفون الكلم عن مواضعها. والجواب: قال الواحدي: هذا جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره، ويمكن أن يقال: كون الجمع مؤنثا ليس أمراً حقيقياً، بل هو أمر لفظي، فكان التذكير والتأنيث فيه جائزا وقرىء، يحرفون الكلم. المسألة الثالثة: في كيفية التحريف وجوه: أحدها: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر مثل تحريفهم اسم «ربعة» عن موضعه في التوراة بوضعهم «آدم طويل» مكانه، ونحو تحريفهم «الرجم» بوضعهم «الحد» بدله ونظيره قوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 79]. فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب؟ قلنا لعله يقال: القوم كانوا قليلين، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة فقدروا على هذا التحريف، والثاني: أن المراد بالتحريف: إلقاء الشبه الباطلة، والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم، وهذا هو الأصح. الثالث: أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به، فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه. المسألة الرابعة: ذكر الله تعالى ههنا: {عَن مَّوٰضِعِهِ } وفي المائدة {أية : مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ }تفسير : [المائدة: 41] والفرق أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة، فههنا قوله: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } معناه: أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، فههنا قوله: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } معناه: أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب. وأما الآية المذكورة في سورة المائدة، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة، وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب، فقوله: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ } إشارة إلى التأويل الباطل وقوله: {مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ } إشارة إلى إخراجه عن الكتاب. النوع الثاني: من ضلالاتهم: ما ذكره الله تعالى بقوله: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وفيه وجهان: الأول: أن النبي عليه السلام كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر: سمعنا، وقالوا في أنفسهم: وعصينا والثاني: أنهم كانوا يظهرون قولهم: سمعنا وعصينا، إظهاراً للمخالفة، واستحقاراً للأمر. النوع الثالث: من ضلالتهم قوله: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ }. واعلم أن هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم، ويحتمل الاهانة والشتم. أما أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروها، وأما أنه محتمل للشتم والذم فذاك من وجوه: الأول: أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اسمع، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت، فقوله: {غَيْرَ مُسْمَعٍ } معناه: غير سامع، فإن السامع مسمع، والمسمع سامع. الثاني: غير مسمع، أي غير مقبول منك، ولا تجاب إلى ما تدعو اليه، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك، فكأنك ما أسمعت شيئا. الثالث: اسمع غير مسمع كلاما ترضاه، ومتى كان كذلك فإن الإنسان لا يسمعه لنبو سمعه عنه، فثبت بما ذكرنا أن هذه الكلمة محتملة للذم والمدح، فكانوا يذكرونها لغرض الشتم. النوع الرابع: من ضلالاتهم قولهم: {وَرٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ } أما تفسير {رٰعِنَا } فقد ذكرناه في سورة البقرة وفيه وجوه: الأول: أن هذه كلمة كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخرية، فلذلك نهى المسلمون أن يتلفظوا بها في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم. الثاني: قوله: {رٰعِنَا } معناه ارعنا سمعك، أي اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم، وهذا مما لا يخاطب به الأنبياء عليهم السلام، بل إنما يخاطبون بالإجلال والتعظيم. الثالث: كانوا يقولون راعنا ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك، وكانوا يريدون سبه بالرعونة في لغتهم. الرابع: أنهم كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم: {رٰعِنَا } راعينا، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا، وقوله: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } قال الواحدي: أصل (لياً) لويا، لأنه من لويت، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون، ومثله الطي وفي تفسيره وجوه: الأول: قال الفراء كانوا يقولون: راعنا ويريدون به الشتم، فذاك هو اللي، وكذلك قولهم: {غير مسمع} وأرادوا به لا سمعت، فهذا هو اللي. الثاني: انهم كانوا يصلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير على سبيل النفاق. الثالث: لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام على سبيل السخرية، كما جرت عادة من يهزأ بإنسان بمثل هذا الأفعال، ثم بين تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين، لأنهم كانوا يقولون لأصحابهم: إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيا لعرف ذلك، فأظهر الله تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم، فانقلب ما فعلوه طعنا في نبوته دلالة قاطعة على نبوته، لأن الإخبار عن الغيب معجز. فان قيل: كيف جاؤا بالقول المحتمل للوجهين بعدما حرفوا، وقالوا سمعنا وعصينا؟ والجواب من وجهين: الأول: أنا حكينا عن بعض المفسرين أنه قال: إنهم ما كانوا يظهرون قولهم: {وَعَصَيْنَا } بل كانوا يقولونه فى أنفسهم. والثاني: هب أنهم أظهروا ذلك إلا أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان، ولا يواجهونه بالسب والشتم. ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ } والمعنى أنهم لو قالوا بدل قولهم: سمعنا وعصينا، سمعنا وأطعنا لعلمهم بصدقك ولإظهارك الدلائل والبينات مرات بعد مرات، وبدل قولهم: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } قولهم واسمع، وبدل قولهم: {رٰعِنَا } قولهم: {ٱنظُرْنَا } أي اسمع منا ما نقول، وانظرنا حتى نتفهم عنك لكان خيرا لهم عند الله وأقوم، أي أعدل وأصوب، ومنه يقال: رمح قويم أي مستقيم؛ وقومت الشيء من عوج فتقوم. ثم قال: {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } والمراد أنه تعالى إنما لعنهم بسبب كفرهم. ثم قال: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } وفيه قولان: أحدهما: أن القليل صفة للقوم، والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون. ثم منهم من قال: كان ذلك القليل عبدالله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم الذين علم الله منهم أنهم يؤمنون بعد ذلك. والقول الثاني: أن القليل صفة للإيمان، والتقدير فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء، ورجح أبو علي الفارسي هذا القول على الأول، قال: لأن «قليلا» لفظ مفرد، ولو أريد به ناس لجمع نحو قوله: {أية : إِنَّ هَـٰؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } تفسير : [الشعراء: 54] ويمكن أن يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفردا، والمراد به الجمع قال تعالى: {أية : وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً } تفسير : [النساء: 69] وقال: {أية : وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ } تفسير : [المعارج: 10، 11] فدل عود الذكر مجموعا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } قوم {يُحَرّفُونَ } يغيِّرون {ٱلْكَلِمُ } الذي أنزل الله في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم {عَن مَّوٰضِعِهِ } التي وضع عليها {وَيَقُولُونَ } للنبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بشيء {سَمِعْنَا } قولك {وَعَصَيْنَا } أمرك {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } حال بمعنى الدعاء أي (لا سمعت) {وَ} يقولون له {رٰعِنَا } وقد نهي عن خطابه بها وهي كلمة سب بلغتهم {لَيّاً } تحريفاً {بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً } قدحاً {فِى ٱلدّينِ } الإسلام {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } بدل و(عصينا ) {وَٱسْمَعْ } فقط {وَٱنْظُرْنَا } انظرْ إلينا بدل (راعنا) {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } مما قالوه {وَأَقْوَمَ } أعدل منه {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ } أبعدهم عن رحمته {بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.
ابن عبد السلام
تفسير : {غَيْرَ مُسْمَعٍ} غير مقبول منك، أو اسمع لا سمعت. {وَرَاعِنَا} كانت سبّاً في لغتهم، أو أجروها مجرى الهزء. أو مجرى الكبر.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: [{مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}] الآية. لما حَكى عنهم أنَّهم يَشْترون الضلالة، بيَّن تلك الضَّلالَةَ ما هي. قوله: {من الذين هادوا} فيه سَبْعَةُ أوْجُه: أحدها: أن يكُون "من الذين" خبر مُقدم، و "يحرفون" جُمْلَة في محلِّ رفع صِفَة لموصُوف مَحْذُوف هو مُبْتَدأ، تقديره: مِنَ الذين هَادُوا قومٌ يُحَرِّفُون، وحَذْف الموْصُوف بَعْد "مِنَ" التَّبِعِيضيَّة جَائِزٌ، وإنْ كانت الصِّفَة فِعْلاً؛ كقولهم "مِنَّا ظَعَنَ، ومِنَّا أقَامَ"، أي: فريقٌ أقام، وهذا مَذْهَب سيبويه والفارسِي؛ ومثله: [الطويل] شعر : 1805- وَمَا الدَّهْرُ إلا تارتانِ فَمِنْهُمَا أمُوتُ وأخرى أبْتَغِي العَيْشَ أكدحُ تفسير : أي: فمنهما تَارةٌ أمُوت فِيها. الثاني: قول الفرَّاء، وهو أن الجَارَّ والمجرور خَبَر مقدَّم أيضاً، ولكن المُبْتدأ المحذُوف يقدره مَوصولاً، تقدِيره: "من الذين هادوا من يحرفون"، ويكون قد حمل على المَعنى في "يحرفون" قال الفرَّاء: ومِثْله [قول ذي الرِّمَّة] [الطويل] شعر : 1806- فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعه العَيْنِ بِالْيَدِ تفسير : قال: تقديره، ومنهم [مَنْ] دَمْعه سَابِقٌ لَهُ، والبَصْرِيُّون لا يُجَوِّزُونَ حذف الموصُولِ؛ لأنه جُزْءُ كلمة، وهذا عِنْدَهم مؤولٌ على حَذْفِ موصوفٍ كما تَقَدَّمَ، وتأويلُهُم أولى لعطفِ النكرة عليه، وهو: آخر وأخْرَى في البَيْت قَبْلَه، فيكون في ذلك دلالةٌ على المَحْذُوفِ، والتقدير: فمنهم عَاشِقٌ سَابِقٌ دَمْعه لَهُ وآخَر. الثالث: أن "من الذين" خَبَر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: "هم الذين هادوا"، و "يحرفون" على هذا حَالٌ من ضمير "هادوا" وعلى هذه الأوْجُه الثَّلاثة يكون الكلام قم تَمَّ عند قوله: "نصيراً". الرابع: أن يكون "من الذين" حَالاً [من فاعل "يريدون" قاله أبو البقاء، ومنع أن يكُون حالاً] من الضَّمير في "أوتوا" ومن "الذين" أعْنِي: في قوله - تعالى -: {ألم تر إلى الذين أوتوا} قال: لأنَّ الحال لا تكُون لِشَيْءٍ واحِدٍ، إلا بعطف بَعْضِها على بَعْضٍ. قال شهاب الدين: في هذه المسْألة خلافٌ بين النحويين: منهم من مَنَعَ، وَمِنْهم من جَوَّزَ، وهو الصَّحيح. الخامس: أن {مِّنَ ٱلَّذِينَ} بيان للموصول في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ} تفسير : [آل عمران:23] لأنهم يهُود ونَصَارَى، فَبَيَّنَهُم باليهُودِ، قاله الزمخشري، وفيه نظر من حَيْث إنَّه قد فُصِلَ بينهما بثلاثة جمل هي: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ}، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ}، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ}. وإذا كان الفَارِسيّ قد منع الاعتراض بجُمْلَتيْن، فما بالك بِثلاثٍ، قاله أبو حيان، وفيه نَظَرٌ؛ فإن الجُمَل هنا مُتَعَاطِفَة، والعَطْفُ يصير الشَّيئيْن شيئاً واحِداً. السادس: أنه بَيَانٌ لأعْدَائِكُم، وما بَيْنَهما اعْتراض أيضاً، وقد عُرِف ما فيه. السابع: أنه متعلِّق بـ {نَصِيراً} وهذه المادَّة تتعَدَّى بـ "مِن"؛ قال - تعالى -: {أية : وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ} تفسير : [الأنبياء: 77] {أية : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ} تفسير : [غافر: 29] على أحد تأويلَيْن: إمَّا على تَضْمِين النَّصْر معنى المَنْع، أي: مَنَعْنَاهُ من القَوْم، وكذلك: كَفَى بالله مَانِعاً بِنصْره من الذين هَادُوا. وإمَّا: على جعل "مِنْ" بمعنى "عَلَى"، والأوَّل مَذْهَب البَصْريين، فإذا جَعَلْنَا {مِّنَ ٱلَّذِينَ} بياناً لما قَبْلَهُ، فبِمَ يتعلَّق والظاهر [أنَّه يتعلَّقُ بمحذُوفٍ؛ ويدل على ذَلِك أنَّهُم قالوا في سقياً لك]، إنه مُتعلِّق بمحذوف لأنه بَيَانٌ له، وقال أبو البقاء: [وقيل] وهو حَالٌ من أعْدَائِكُم، أي: [والله أعلم بأعْدَائِكُم] كائنين من الذين هادُوا، والفَصْل بينهما مُسَدَّد، فلم يمنع من الحَالِ، فقوله هذا يُعْطي أنه بَيَانٌ لأعْدَائِكُم مع إعْرَابه له حالاً، فيتعَلَّق أيضاً بمحذُوفٍ، لكن لا على ذلك الحَذْف المَقْصُود في البَيَانِ، وقد ظهر مِمَّا تقدم أن {يُحَرِّفُونَ}، إما لا مَحَلَّ له، أو لَهُ مَحَلُّ رَفْع أو نَصْبٍ على حَسَب ما تقدَّم وقال أبو رَجَاءٍ والنَّخعِي: "الكَلاَم" وقُرئ: "الكِلْم" بكسر الكاف وسكون اللام، جمع "كَلِم" مخففة من كلمة، ومعانيها مُتَقَارِبَة. قوله: {عَن مَّوَاضِعِهِ} متعلِّق بـ {يُحَرِّفُونَ} وذكر الضمير في {مَّوَاضِعِهِ} حملاً على {ٱلْكَلِم}، لأنَّها جِنْس. وقال الوَاحِدِي: هذا جمع حُرُوفه أقَلُّ من حُروف واحِده، وكل جَمْع يكون كذلِك، فإنه يجوز تَذْكِيرُه. وقال غيره: يمكن أن يُقال: كون هذا الجَمْعِ مؤنَّثاً ليس أمْراً حقيقيَّاً، بل هو أمر لَفْظِيٌّ، فكان التَّذْكير والتَّأنِيث فيه جَائِزاً. وجاء هُنَا "عن مواضعه" وفي المائدة: {أية : مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} تفسير : [المائدة: 41]. قال الزَّمَخْشَرِي: أما {عَن مَّوَاضِعِهِ} فعلى ما فَسَّرْناه من إزالَتِه عن مواضِعِه، التي أوْجَبَت حِكْمَة الله وَضْعُه فِيهَا بما اقْتَضَت شَهَوَاتُهم من إبْدَال غيره مَكَانَه، وأما {من بعد مواضعه}، فالمَعْنَى: أنه كَانَت له مواضعُ هو قَمِنٌ بأن يكُون فيها فحين حَرَّفُوه، تركُوهُ كالغَرِيب الذي لا مَوْضِع له بَعْد مَوَاضِعِه ومَقَارّه والمعنيان مُتَقَارِبَان. قال أبو حيَّان: وقد يُقَال: إنهما سِيَّان لكنه حذف هُنَا وفي أول المائدة [الآية 13] من بعد مواضعه؛ لأن قوله {عَن مَّوَاضِعِهِ} يدل على استِقْرَار مواضِع له، وحذف في ثَانِي المَائِدة "من مواضعه"؛ لأن التَّحْرِيف "من بعد مواضعه" يدل على أنَّه تحريفٌ عن مَوَاضِعِه، فالأصل: يُحَرِّفون الكَلِم من بعد مَواضِعِه عنها. فحذف هنا البَعْدِيَّة، وهناك تَوَسُّعاً في العِبَارة، وكانت البَدْأة هنا بِقَوْله: "عن مواضعه"؛ لأنه أخصر، وفيه تَنْصِيصٌ باللَّفْظ على "عَنْ" وعلى المَوَاضِع، وإشارة إلى البَعْدِيّة. وقال أيْضاً: والظَّاهِر أنهم حَيْثُ وُصِفُوا بشدة التَّمَرُّد والطُّغْيَان، وإظْهَار العَدَاوَة، واشْتراء الضَّلالة، ونقص المِيثَاقِ، جاء {يحرفون الكلم عن مواضعه} كأنهم حَرَّفُوها من أوَّل وهْلَة قبل اسْتَقْرَارِها في مَوَاضِعِها، وبادَرُوا إلى ذلك، ولذلك جاء أوّل المَائِدة كهذه الآية؛ حَيث وَصَفَهمُ بِنَقْض المِيثَاقِ، وقسْوَة القُلُوب، وحيث وُصِفوا باللِّين وترديد الحُكْم إلى الرَّسُول، جاء {من بعد مواضعه} كأنهم لم يُبَادِرُوا إلى التَّحرِيف، بل عَرَضَ لهم بَعْد استِقْرَار الكَلِمِ في مواضِعِهَا، فهما سِيَاقان مُخْتَلِفَان. [وقوله:] {وَيَقُولُونَ} عَطْفٌ على {يُحَرِّفُونَ} وقد تَقَدَّم، وما بعده في محلِّ نَصْب به. فصل: الخلاف في كيفية التحريف اخْتَلَفُوا في كيْفِيَّة التَّحريف، فقيل: كانوا يُبْدِّلُون اللَّفْظَ بلفظ آخَر؛ كتحريفهم الرَّجْم [ووضعُوا] موضِعَهُ الجَلْدَ؛ ونظيره {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 79]. فإن قيل: كيف يُمْكن هَذَا في الكتاب الَّذي بَلَغَتْ آحَادُ حُرُوفه، وكلماته مَبْلَغ التَّوَاتُر، واشتهر في الشَّرْق والغَرْب. فالجواب: لعل القَوْم كانوا قليلين، والعُلَمَاء بالكِتَاب كانوا في غَايَةِ من القِلَّة فَقَدَرُوا على ذَلِك. وقيل: المُرَاد بالتَّحْرِيفِ: إلْقَاء الشُّبَه والتَّأويلاَتِ الفاسدَةِ لتلك النُّصُوصِ، وأما الآيَةُ التي في المَائِدة: فهي دالَّة على الجَمْع بين الأمْرَيْنِ، فكانوا يَذْكُرُون التَّأوِيلاَت الفاسِدَةِ، وكانوا يُحرِّفُون اللَّفْظَ أيضاً من الكِتَابِ. فقوله: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ} إشارة إلى التَّأويل الباطل. وقوله: {من بعد مواضعه} إشارة إلى إخراجه عن هذا الكِتَابِ. وقيل: المراد بالتَّحْرِيف: تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبَّاس: كانت اليَهُود يأتون رسُول الله صلى الله عليه وسلم ويسْألُونه عن الأمْر، فيُخْبِرهم، فيرى أنَّهُم يأخُذُون بِقَوْلِهِ، فإذا انصرفوا من عِِنْدِه، حرِّفوا كلامه {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا} منك قولك {وَعَصَيْنَا} أمْرَك، وهو المُرَادُ بقوله: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}. قوله: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ}، في نصبِ "غَيْر" وجْهَان: أحدهما: أنه حَالٌ. والثاني: أنه مَفْعُول به، والمعنى، اسْمَع غير مُسْمَعٍ كلاماً ترضاه، فَسَمْعُك عنه نَابٍ. قال الزَّمَخْشريّ، بعد حكايته نَصْبه على الحَالِ، وذكرهُ المعنى المتقدِّم: ويجوزُ على هَذَا أن يكون "غير مسمع" مفعول اسْمَع، أي: اسْمَع كلاماً غير مُسْمَع إيَّاك؛ لأن أذُنَك لا تعيه نبُوّاً عنه، وهذا الكلام ذُو وَجْهَيْن، يعني أنه يَحْتَمِل المدْحَ والذَّم: فبإرادة المدْحِ تقدر غير مُسْمَع مكْرُوهاً، فيكون قد حَذَفَ المَفْعُول الثَّاني؛ لأن الأوّل قَامَ مَقَام الفَاعِل. وبإرادة الذَّمِّ تقدّر "غير مسمع خيراً" وحذف المفعول الثاني: أيضاً [والمعنى: كانوا يَقُولُون للنَّبِي صلى الله عليه وسلم اسْمع، ويقُولون في أنْفُسِهم: لا سَمِعْتَ]. وقال أبو البقاء: وقيل: أرادُوا غير مَسْمُوع مِنْكَ، وهذا القَوْل نقله ابن عطيّة عن الطَّبَرِي، وقال: إنه حِكَايةٌ عن الحَسَن ومُجَاهِد. وقال ابن عطيَّة: ولا يُسَاعِده التَّصْريف، يَعْني: أنّ العَرَب لا تقُولُ أسْمَعْتُكَ بمعنى قَبِلْتُ منك، [وإنما تقول أسْمَعْتُه بمعنى: سَبَبْتُه، وسمعت منه بمعنى قَبِلْتُ ويعبرون بالسماع لا بالإسماع عن القبول مجازاً، وتقدم القولُ في {أية : رَاعِنَا} تفسير : [البقرة: 104]، وفيها وجوه: أحدُها: أن هذه كلمةٌ كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخريةِ، وقيل معناها: أرِعْنَا سمْعَك، أيْ: اصرف سمْعَك إلى كلامنَا، وقيل: كانوا يقولُونَ: راعِناً، ويُوهِمُونَهُ في ظاهر الأمْر أنهم يُرِيدُونَ رَاعِنَا سَمْعَك، ومرادُهم التشبيهُ بالرعُونةِ في لُغَتِهم. وقيل: كانوا يَلْوُون ألْسِنَتهم، حتى يصيرَ قولُهم: {وَرَاعِنَا}: رَاعِينَا، ويُريدُون: أنَّك كُنْتَ تَرْعَى أغْنَاماً لَنَا. قال الفراءُ: كانوا يَقُولُونَ: رَاعِنَا [ويُوهِمُونَهُ في ظاهر الأمْر أنهم يُرِيدُونَ رَاعِنَا سَمْعَك، ومرادُهم التشبيهُ بالرعُونة] ويريدون الشَّتْمَ، فذاك هو اللَّيُّ، وكذلك قولهم: {غَيْرَ مُسْمَعٍ} أرَادُوا به، لا سَمِعْتَ فهذا هو اللَّيُّ. فإنْ قيلَ: كَيْفَ جاءُوا بقولٍ يحتملُ الوجهيْنِ بعد تَصْريحهم بقولهم: سَمِعْنَا وعَصَيْنَا؟ فالجوابُ: أنه قال بعضُ المفسِّرين: إنهم كانوا يقولون "وعصينا" سراً في نفوسهم. وقيل: كان بعضُهم يقولُه سِرًّا، وبعضهم يقول جَهْراً. قوله {لَيًّا بألسنتهم وطعناً} فيهما وجهانِ: أحدهما: أنَّهُمَا مفعول مِنْ أجْلهِ ناصبُهما "ويقُولونَ". والثَّاني: أنَّهُمَا مَصْدَرَانِ في موضع الحَالِ، أيْ: لاوين وطاعِنينَ، وأصْلُ لَيًّا ["لَوْيٌ]" من لَوَى يلْوِي، فأدغِمَتِ الواوُ في الياءِ بعد قلبها ياءً، فهو مِثْلُ "طَيٍّ" مصدر طَوَى، يَطْوِي. و "بألسنتهم"، و "في الدين" متعلِّقان بالمصْدَريْنِ قبلهما، وتقدَّم في البَقَرة على قَوْله: {ولو أنهم قالوا}. قوله: {لكان خيراً لهم} فيه قَوْلاَن: أظهرهما: أن يكُون بمعنى أفْعَل، ويكون المُفَضَّل عَلَيْه [محذوفاً، أي: لو قالُوا هذا الكلام، لكان خَيْراً من ذَلِك الكَلاَمِ. والثاني: أنه لا تَفْضِيل فيه] بل يَكُون بمعنى جيّد وفَاضِل، فلا حَذْف حينئذٍ، والباءُ في "بكفرهم" للسَّبَبية. قوله: "إلا قليلاً" فيه ثلاثة أوجُه: أحدها: أنه مَنْصُوب على الاستثنَاء من {لَّعَنَهُمُ}، أي: لعنهم الله إلا قليلاً منهم، فإنَّهم آمنُوا فلم يَلْعَنْهُم. والثاني: أنه مستثْنى من الضَّمِير في "فلا يؤمنون"، والمراد بالقَلِيلِ عبد الله بن سَلاَم وأضرابه، ولم يَسْتَحسن مَكِّي هذيْن الوَجْهَيْن: أما الأوّل: قال: لأنَّ من كَفَرَ مَلْعُونٌ لا يُسْتَثْنَى منهم أحد. وأما الثاني: فلأن الوجْه الرَّفع على البَدَل؛ لأن الكَلامَ غير مُوجِبٍ. والثالث: أنَّه صِفَةٌ لمصدر محذُوف، أي: إلا إيماناً قَلِيلاً؛ وتعليله هو أنَّهُم آمنوا بالتَّوحيد وكَفَرُوا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم وشَرِيعَته. وعبَّر الزَّمَخْشَري وابن عطيّة عن هذا التَّقليل بالعَدَم، يعني: أنَّهُم لا يؤمِنُون ألْبَتَّةَ كقوله: [الطويل] شعر : 1807- قَلِيلُ التَّشَكِّي للمُهِمِّ يُصِيبُهُ كَثيرُ الهَوَى شَتَّى النَّوَى والمَسَالِك تفسير : قال أبو حيان: وما ذكراهُ من أنَّ التقْليل يُرادُ به العَدَم صَحِيحٌ، غير أن هَذَا التَّرْكيب الاستثنائي يأباه، فإذا قُلت: لم أقُمْ إلاَّ قَلِيلاً، فالمعنى انْتِفَاء القِيَامِ إلا القَلِيل، فيوجد منك إلا أنَّه دالٌّ على انْتِفَاءِ القِيَام ألْبَتَّةَ]، بخلاف: قلَّما يقُول ذلك أحَدٌّ إلا زَيْد، وقَلَّ رَجُلٌ يفعل ذلك، فإنه يَحْتَمِل التَّقْليل المُقَابل للتكثيرِ، ويحتمل النَّفْي المَحْض، أما أنك تَنْفِي ثم تُوجِب، ثم تُريد بالإيجَابِ بعد النَّفْي نَفْياً فلا؛ لأنه يَلْزَم أن تَجيء "إلاَّ" وما بَعْدَها لَغْواً من غير فائدةٍ؛ لأن انْتِفَاء القِيَام قد فُهِمَ من قَوْلِكَ: لَمْ أقُمْ، فأيُّ فَائِدةٍ في استِثْنَاءٍ مُثْبَتٍ يرادُ به انْتِفَاء مَفْهُوم من الجُمْلَة السَّابِقة، وأيْضاً فإنَّه يُؤدِّي إلى أن يكُون ما بَعْدَ "إلاَّ" مُوافقاً لما قبلها في المَعْنَى، والاستِثْنَاء يَلْزَم أن يكُون ما بعد إلا مُخالفاً لما قبلها فيهِ. فصل: الخلاف في القليل الوارد في الآية معنى الكَلاَم: فلا يُؤمِن إلاَّ أقْوامٌ قَلِيلُون، واخْتَلَفُوا في ذلك القليل: فقال بعضُهم: هو عَبْد اللَّه بن سَلاَم، ومن أسْلَم معه مِنْهُم. وقليل: القَلِيل صفة للإيمان، والتَّقدير: فلا يؤمِنُون إلا إيماناً قليلاً، فإنَّهم كَانُوا يؤمِنُون بالله والتَّوْرَاة [موسى]، والتَّقْدِير: فلا يُؤمِنُون إلا بِمُوسَى، ولكنَّهم كانوا يَكْفُرون بسائِر الأنبياءِ، وَرَجَّح أبو عَلِيٍّ الفَارِسِيّ هذا القَوْل؛ قال: لأن {قَلِيلاً} لفظ مُفْرَد، والمُرَادُ به الجَمْع، قال - تعالى -: {أية : وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69]، وقال: {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ} تفسير : [المعارج:10، 11] فدلَّ عَوْد الذكر مَجْمُوعاً إلى الآيتيْن على أنَّه أريد بهما الكَثْرة. فصل: الاستدلال بالآية على جواز تكليف ما لا يطاق استدل بَعْضُ العُلماء بهذه الآيةِ مع الآيةِ التي بَعْدَهَا، على جَوازِ تكْلِيفِ ما لا يُطَاق؛ لأنه - تعالى - أخْبَرَ عَنْهُم في هذه الآية بأنَّهُم لا يُؤمِنُون، وخبرُهُ - تعالى - صِدْق وحَقٌّ، ثم أمرهم في الآيةِ التي بَعْدَها بالإيمانِ، فقال: {أية : يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ} تفسير : [النساء: 47] فأمرهم بالإيمان مع إخْبَارِه بأنَّهمُ لا يُؤمِنُون.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} [الآية: 46]. قال: إذا سمع ولم يفهم فهو غير مسموع، وإذا سمع وفهم فهو السَّمعُ المبتغى فى ذلك الفهم وهو التفضيل.
اسماعيل حقي
تفسير : {من الذين هادوا} خبر مبتدأ محذوف اى من الذين هادوا قوم {يحرفون الكلم عن مواضعه} الكلم اسم جنس ولذا ذكر الضمير فى مواضع وجمع المواضع لتكرره فى التوراة فى مواضع بحسب الجنس اى يزيلون لانهم لما غيروه ووضعوا مكانه غيره فقد ازالوه عن مواضعه التى وضعه الله فيها وامالوه عنها. والتحريف نوعان. احدهما صرف الكلام الى غير المراد بضرب من التأويل الباطل كما يفعل اهل البدعة فى زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم. والثانى تبديل الكلمة باخرى وكانوا يفعلون ذلك نحو تحريفهم فى نعت النبى صلى الله عليه وسلم اسمر ربعة عن موضعه فى التوراة بوضعهم آدم طوال مكانه ونحو تحريفهم الرجم بوضعهم الحد بدله {ويقولون} فى كل امر مخالف لاهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبى عليه السلام ام لا بلسان المقال والحال {سمعنا} قولك {وعصينا} امرك عنادا وتحقيقا للمخالفة {واسمع} اى قولنا {غير مسمع} حال من المخاطب وهو كلام ذو وجهين. احدهما المدح بان يحمل على معنى اسمع غير مسمع مكروها. والثانى الذم بان يحمل على معنى اسمع حال كونك غير مسمع كلاما اصلا بصمم او موت اى مدعوا عليك بلا سمعت لانه لو اجيبت دعوتهم عليه لم يسمع فكان اصم غير مسمع فكأنهم قالوا ذلك تمنيا لاجابة دعوتهم عليه كانوا يخاطبون به النبى عليه السلام مظهرين له ارادة المعنى الاول وهم مضمرون فى انفسهم المعنى الاخير مطمئنون به {وراعنا} كلمة ذات جهتين ايضا. محتملة للخير بحملها على معنى ارقبنا وانتظرنا واصرف سمعك الى كلامنا نكلمك. وللشر بحملها على السب بالرعونة اى الحمق او باجرائها مجرى شبهها من كلمة عبرانية او سريانية كانوا يتسابون بها وهى راعنا كانوا يخاطبون به النبى صلى الله عليه وسلم ينوون الشتيمة والاهانة ويظهرون التوقير والاحترام. فان قلت كيف جاؤا بالقول المحتمل ذى الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا قلت جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء حشمة منه عليه السلام وخوفا من بطش المؤمنين {ليا بألسنتهم} انتصابه على العلية اى يقولون ذلك للفتل بها ولصرف الكلام عن نهجه الى نسبة السب حيث وضعوا غير مسمع موضع لا استمعت مكروها واجروا راعنا المشابهة لراعينا مجرى انظرنا او فتلا بها وضما لما يظهرون من الدعاء والتوقير الى ما يضمرون من السب والتحقير {وطعنا فى الدين} اى قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية {ولو انهم} عندما سمعوا شيئاً من اوامر الله ونواهيه {قالوا} بلسان المقال او بلسان الحال مكان قولهم سمعنا وعصينا {سمعنا واطعنا} وبدل قولهم واسمع غير مسمع {واسمع} ولا يلحقون به غير مسمع وبدل قولهم راعنا {وانظرنا} ولم يدسوا تحت كلامهم شرا وفسادا اى لو ثبت انهم قالوا هذا مكان ما قالوا من الاقوال {لكان} قولهم ذلك {خيرا لهم} مما قالوا {واقوم} اى اعدل واسد فى نفسه واصوب من القيم اى المستقيم قالوا لما لم يكن فى الذى اختاروه خيرا اصلا لم جعل هذا خيرا من ذلك وجوابه انه كذلك على زعمهم فخوطبوا على ذلك وهو كقوله {أية : الله خير أَمَّا يشركون} تفسير : [النمل: 59]. {ولكن لعنهم الله بكفرهم} اى ولكن قالوا ذلك واستمروا على كفرهم فخذلهم الله وابعدهم عن الهدى بسبب كفرهم بذلك {فلا يؤمنون} بعد ذلك {الا قليلا} استثناء من ضمير المفعول فى لعنهم اى ولكن لعنهم الله الا فريقا قليلا فانه تعالى لم يلعنهم فلم ينسد عليهم باب الايمان وقد آمن بعد ذلك فريق من الاحبار كعبد الله بن سلام وكعب واضرابهما وهو استثناء من ضمير لا يؤمنون اى لا يؤمنون الا ايمانا قليلا وهو ايمانهم بموسى وكفرهم بمحمد عليهما السلام. والاشارة ان العلماء السوء من هذه الامة {يحرفون الكلم عن مواضعه} بالفعال لا بالمقال كما كان اهل الكتاب يحرفونه بالمقال {ويقولون سمعنا} بالمقال فيما امر الله به من ترك الدنيا وزينتها واتباع الهوى ومن ايثار الآخرة على الاولى والانقطاع عن الخلق فى طلب المولى {وعصينا} بالفعال اذ لا يشمون روائح هذه المعاملات ولا يدورون حول هذه المقامات وينكرون على اهل هذه الكرامات ويستهزؤن بانواع المقالات فلا يؤمنون بالقلوب السليمة الا قليلا منها بان يكفروا بهوى نفوسهم ويؤمنوا بالايمان الحقيقى الذى هو من نتائج الارادة والصدق فى طلب الحق والاخلاص فى العمل لله وترك الدنيا وزخارفها بل بذل الوجود فى طلب المعبود: قال العطار قدس سره شعر : مشو مغرور اين نطق مزور بنادانى مكن خودرا توسرور اكر علم همه عالم بخوانى جوبى عشقى ازوحر وفى ندانى تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من تعلم علما لا يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة" تفسير : اى ريحها. قال الشيخ الشاذلى العلم النافع هو الذى يستعان به على طاعة الله ويلزمك المخافة من الله والوقوف على حدود الله وهو علم المعرفة بالله. قال الشيخ ابو الحسن رضى الله عنه العلوم كالدنانير والدراهم ان شاء نفعك بها وان شاء اضرك معها والعلم ان قارنته الخشية فلك اجره وثوابه وحصول النفع به والا فعليك وزره وعقابه وقيام الحجة به وعلامة خشية الله ترك الدنيا والخلق ومحاربة النفس والشيطان: قال الشيخ السعدى قدس سره شعر : دعوى كنى كه بر ترم از ديكران بعلم جون كبر كردى ازهمه دونان فروترى شاخ درخت علم ندانم بجز عمل تاعلم باعمل نكنى شاخ بى برى علم آدميتست وجوانمردى وادب ورنه بدى بصورت انسان برابرى ترك هواست كشتىء درياى معرفت عارف بذات شونه بدين قلندرى هر علم راكه كار نه بندى جه فائده جشم از براى آن بود آخركه بنكرى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {من الذين هادوا}: خبر عن محذوف، أي: منهم قوم يحرفون، أو بيان للذين قبله، أو متعلق بأعدائكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: من اليهود قوم تمردوا في الكفر؛ وهم أحبارهم، {يُحرّفون الكلم} وهو التوراة {عن مواضعه} أي: يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، بإزالة لفظه أو تأويله. وقال ابن عباس: (لا يقدر أحد أن يُحرّف كلام الله ولكن يفسرونه على غير وجهه)، {ويقولون} لمن دعاهم إليه، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم: {سمعنا} قولك، {وعصينا} أمرك، {واسمع} منا {غير مسمع} قولك، أي: لا نلتفت إليه، أو دعاء بالصمم: أي: لا سمعت، أو غير مسمع منا مكروهًا، نفاقًا، ويقولون له مكان انظرنا: {راعنا} قاصدين بذلك الشتم والسخرية، من الرعونة، وقد كان الصحابة يخاطبون به الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومعناه: انظرنا. أو راعنا بقلبك، فوجد اليهود بها سبيلاً إلى الشتم، فنهاهم الله عن ذلك، وبقيت اليهود تقولها شتماً واستهزاءً {ليًّا بألسنتهم}، أي: فَتلاً لها عن معناها، من الانتظار إلى ما قصدوا من رَميِه بالرُّعُونة، {وطعنًا في الدين} أي: استهزاء به، {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا} مكان سمعنا وعصينا، {واسمع} منا فقط، مكان: واسمع غير مسمع، {وانظرنا} مكان راعنا، {لَكَانَ} قولهم ذلك {خيرًا لهم وأقوم} وأعدل، {ولكن لعنهم الله} أي: طردهم وأبعدهم بسبب كفرهم، {فلا يؤمنون إلا} إيمانًا {قليلاً} لا يعبأ به وهو الإيمان بالبعض والكفر بالبعض من الآيات والرسل. والله تعالى أعلم. الإشارة: والله ما ربح من ربح، إلا بالأدب والتعظيم، وما خسر من خسر إلا من فقدهما. قال بعضهم: " اجعل عملك ملحًا، وأدبك دقيقًا". وآداب الظاهر عنوان آداب الباطن، ويظهر الأدب في حسن الخطاب، ورد الجواب، وفي حسن الأفعال، وظهور محاسن الخلال. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : المعنى والاعراب: قيل في معنى قوله: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه} قولان: أحدهما - قال الفراء، والزجاج، والرماني: ان يكون تبييناً للذين {أوتوا نصيباً من الكتاب} ويكون العامل فيه {أوتوا} وهو في صلة الذين، ويجوز ألا يكون في الصلة، كما تقول: انظر إلى النفر من قومك ما صنعوا. الثاني - أن يكون على الاستئناف، والتقدير: {من الذين هادوا} فريق {يحرفون الكلم} كما قال ذو الرمة: شعر : فضلوا ومنهم دمعه سابق له وآخر يثني دمعة العين بالمهل تفسير : وأنشد سيبويه: شعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح تفسير : وقال آخر: شعر : لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب وميسم تفسير : أي أحد يفضلها وقال النابغة: شعر : كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشن تفسير : يريد كأنك جمل من جمال بني أقيش. قال الفراء: المحذوف {من} والتقدير: من الذين هادوا من يحرفون الكلم كما يقولون: منا يقول ذاك ومنا لا يقوله، قال: والعرب تضمر (من) في مبتدأ الكلام بمن، لأن من بعض لما هي منه، كما قال: {أية : وما منا إلا له مقام معلوم} تفسير : وقال: {أية : وإن منكم إلا واردها} تفسير : وأنشد بيت ذي الرمة الذي قدمناه، قال: ولا يجوز إضمار (من) في شيء من الصفات على هذا المعنى إلا في من لما قلناه، وضعف البيت الذي أنشدناه: (لو قلت ما في قومها لم تيثم) وهي لغة هوازن، وتأثم رواية أخرى. وقال انما جاز في (في) لأنك تجد (في) تضارع معنى (من) لأنه بعض ما أضيف، لأنك تقول: فينا الصالحون وفينادون ذلك، كأنك قلت: منا، ولا يجوز: في الدار يقول ذاك، وتريد: من يقول ذاك، لأنه إنما يجوز إذا أضفت (في) إلى جنس المتروك. وقال أبو العباس، والزجاج ما قاله الفراء لا يجوز، لأن (من) تحتاج إلى صلة أو صفة تقوم مقام الصلة، فلا يحسن حذف الموصول مع بقاء الصلة، كما لا يحسن حذف بعض الكلمة، وإنما قال: {من الذين هادوا} لأنه ليس جميع اليهود حرّفوا، وإنما حرّف أحبارهم وعلماؤهم. وقوله: {يحرفون الكلم عن مواضعه} يعني يغيرونها عن تأويلها، والكلم جمع كلمة. وقال مجاهد: يعني بالكلم التوراة. وقوله: {سمعنا وعصينا} يعني اليهود يقولون: سمعنا قولك يا محمد، ويقولون سراً عصينا. وقوله: {واسمع غير مسمع} اخبار من الله تعالى عن اليهود الذين كانوا حوالي المدينة في عصره، لأنهم كانوا يسبون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كما يقول القائل لغيره إذا سبه بالقبيح: اسمع لا أسمعك الله، ذكره ابن عباس، وابن زيد. وقال مجاهد، والحسن: ان تأويل ذلك اسمع غير مقبول منك، أي غير مجاب. وقوله: {وراعنا ليّاً بألسنتهم} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - أن هذه اللفظة كانت سباً في لغتهم، فاعلم الله نبيه ذلك ونهاهم عنها. الثاني - انها كانت تجري منهم على وجه الاستهزاء والسخرية. الثالث - انها كانت تجري منهم على حدّ الكبر، كما يقول القائل: انصت لكلامنا، وتفهم عنا. وانما راعنا من المراعاة التي هي المراقبة. وقوله: {ليّاً بألسنتهم} يعني تحريكا منهم ألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه. اللغة: وأصل اللي القتل، تقول: لويت العود ألويه ليّاً، ولويت الغريم إذا مطلته، واللوى من الرمل - مقصور - مسترقه، ولواء الجيش ممدود، واللوية ما تتحف به المرأة ضيفها لتلوي بقلبه إليها، وألوى بهم الدهر إذا أفناهم، ولوي البقل إذا اصفر ولم يستحكم يبسه. واللسان آلة الكلام، واللسان اللغة، ومنه قوله: {أية : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } تفسير : ولسن فلان فلاناً بلسنه إذا أخذه بلسانه، ورجل لسن: بين اللسن. ولسان الميزان، ولسان القوم: متكلمهم، وشيء ملسن إذا كان طرفه كطرف اللسان. وقوله: {وطعناً في الدين} فالاصل الطعن بالرمح ونحوه. والطعن باللسان كالطعن بالرمح. ومنه تطاعنوا في الحرب. وأطعنوا مطاعنة وطعاناً، وطعن يطعن ويطعن طعناً. وقوله: {ولو أنهم قالوا} يعني هؤلاء اليهود {سمعنا} يا محمد قولك {وأطعنا} أمرك، وقبلنا ما جئتنا به {واسمع} منا {وانظرنا} بمعنى انتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا {لكان خيراً لهم وأقوم} يعني أعدل وأصوب في القول، مأخوذاً من الاستقامة، ومنه قوله: {أية : وأقوم قيلاً }تفسير : بمعنى وأصوب. وقوله: {ولكن لعنهم الله بكفرهم} يعني أبعدهم الله من ثوابه. ثم أخبر تعالى، فقال: {فلا يؤمنون} في المستقبل {إلا قليلاً} منهم فانهم آمنوا. وقال البلخي: معناه لا يؤمنون إلا ايماناً قليلا كما قال الشاعر: شعر : فالفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا تفسير : يريد إلا ذكراً قليلا. وسقط التنوين من ذاكر لاجتماع الساكنين. وقال أبو روق: إلا قليلا ايمانهم قولهم: الله خالقنا ورازقنا، وليس لعن الله لهم بمانع لهم من الايمان، وقدرتهم عليه، لأنه إنما لعنهم الله لما كفروا فاستحقوا ذلك، ولو تركوا الكفر وآمنوا، لزال عنهم استحقاق اللعن.
الجنابذي
تفسير : {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} من بيانيّة والظّرف حال عن الّذين اوتوا نصيباً من الكتاب او من تبعيضيّة والظّرف بنفسه مبتدأ لقوّة معنى البعضيّة فى من التبعيضيّة سواء جعلت اسماً او حرفاً، او الظّرف قائم مقام الموصوف المحذوف الّذى هو مبتدأ {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} بتبديل كلمة مكان كلمة، او باسقاط بعضٍ من الكلم، او بصرفه عن مصاديقه الى غيرها بتمويه انّ ذلك الغير مصاديقه او بصرفه عن مقاصده المرادة بتمويه انّ غيرها مقصود من الكلم سواء كان ذلك عن علمٍ بالمصداق والمقصود او عن جهلٍ وهو تعريض بمنافقى الامّة وبفعلهم بكلم الكتاب والّسنّة حيث كتموا بعضه وبدّلوا بعضه وصرفوا بعضه عن مصداقه وبعضه عن مقصوده وهو يجرى ايضاً فيمن اقام نفسه مقام بيان الكلم وصرفه عن مصداقه ومقصوده جهلاً بهما كاكثر العامّة {وَ} بيان التّحريف انّهم {يَقُولُونَ سَمِعْنَا} بلسانهم {وَعَصَيْنَا} فى انفسهم لانّهم لا يصرّحون بالعصيان {وَ} يقولون {ٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} بتبديل غير مسمع عن مقصوده الّذى هو معنى غير مسمع مكروهاً الى معنى غير مسمع بالصّمم او الموت {وَ} يقولون {رَاعِنَا} بصرف راعنا عن معناه ومفهومه العربىّ الى معناه الّذى هو سبّ فى لغتهم {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} التواء للحروف بالسنتهم من غير القصد الى معناه المعروف او التواءً للكلم عن معناه المعروف المدحىّ الى المعنى الغير المعروف السّبّى {وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ} استهزاء بالدّين بسبب ما يضمرونه من خلاف المعروف وهو مفعول مطلق قائم مقام فعله او مفعول له او حال وكذلك ليّاً {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا} بتبديل راعنا به او بقصد هذا المعنى من راعنا {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ} واعدل {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ} ابعدهم عن الخير والصّلاح {بِكُفْرِهِمْ} بك {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} ايماناً قليلاً وهو الايمان ببعض ما يؤمن به من آيات الكتاب والرّسل او الاّ قليلاً منهم على ان يكون المستثنى فى الكلام المنفىّ التّامّ منصوباً.
اطفيش
تفسير : {مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ}: متعلق بمحذوف حال من الذين أوتوا نصيباً و{من} للبيان، والجمل بينهما معترضات، أو يشترون حال من {الذين} أوتوا، أو متعلق بمحذوف وجوباً حال من أعدائكم بيان له أيضاً، أو متعلق بنصيراً، وعليه فمن للابتداء، أو بمعنى عن، أو على، فالجملتان معترضتان وقوله: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَّوَاضِعِهِ}: مستأنف أو حال من الذين هادوا، أو نعت لمبتدأ محذوف، ومن الذين هادوا: خبره، أى: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، وعليه أو على الفارسى، فمن للتبعيض وقد زعم أن من التبعيضية اسم مضاف لمجرورها، فعليه فهى مبتدأ خبره يحرفون، وقرئ: {الكلم} بكسر الكاف وإسكان اللام، أما جمع كلمة بكسر كافها وإسكان لامها، أو جمع كلمة بفتح فكسر، نقل جمعها إلى كسر فإسكان، وقرئ: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} وتحريف الكلام عن مواضعه: تبديل اليهود كلام التوراة بكلام آخر من أنفسهم، يجعلونه مكان كلام التوراة، بالكتابة أو بالقراءة أو بكليهما، كما يجعلون مكان ربعه فى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لفظ طوال وذلك قول الحسن، كما أزالوا الرجم ووضعوا الجلد مكانهُ، وقيل: المراد بالتحريف تفسيره على غير ما هو به، وهو أكثر تحريفهم، فإنه أكثر من تحريفهم بالتبديل، وقيل: إلقاء الشبه وذلك كله فى التوراة عليه الصحيح، وعليه الجمهور، وقالت طائفة: التحريف بالتأويل فى القرآن، وقيل: فى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا قال مكى: قيل يسألونه عن الأمر، فيخبرهم به فيرى أنهم يأخذون بقوله فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه، فى المائدة {أية : مواضعه} تفسير : للإشارة إلى أنه بعد أن كان له مكان فى التوراة، أزيل عنه، فكان كغريب تغرب عن موضعه، ولم يؤنث ضمير الكلم فى مواضعه، لجواز تذكير ضمير اسم الجمع الذى هو بالتاء وواحده بالتاء، وقال الواحدى: كل جمع حروفه أقل من حروف واحده، يجوز تذكيره. قلت: ليس كذلك، كما لا يصح قول من قال: ذكر لأنه ليس مؤنثاً حقيقياً. {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا}: قولك. {وَعَصَيْنَا} أمرك. {وَاسْمَعْ}: كلامنا. {غَيْرَ مُسْمَعٍ}: حال كونك غير مسمع ما تكره يقال اسمعه فلان فيفهم السامع أنه اسمعه على مسوء يقال إلى الآن اسمعه كلاماً إذا أسمعه مكروها. {وَرَاعِنَا}: أنظرنا نفهم كلامك أو انظرنا نكلمك، قالوا ذلك كله بطريق اللين والتواضع بحسب الظاهر، كمن يقول: ما أجرأنا على الله، نسمع كلامه ولا نعمل به، أى سمعنا كلامك يا محمد وعصينا أمرك وما يحسن لنا ذلك وقد أسأنا ومرادهم الاستهزاء، كما قال: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى الدِّينِ}: فَإنَّ لَيّاً وطعناً: منصوبان بيقولون، فهما عائدان إلى سمعنا وعصينا، واسمع غير مسمع، وراعنا لا إلى {راعنا} وحده والنصب على الحال، أى: ذوى لى وطعن، أو لاوين وطاعنين، أو على طريق المبالغة فى أنهم نفس اللى والطعن أو المفعولية المطلقة لـ {يقولون} على تضمين القولى معنى اللى والتطعن: زيادة على معناه أو تقدير حال، أى:لا وين ليّاً وطاعنين طعنا، وغير حال من المستتر فى اسمع، ويحتمل أن يكون قولهم، واسمع غير مسمع ذمّاً أى اسمع مدعواً عليك بلا سمعت، لأنهُ لو أجبت دعوتهم عليه لم يسمع فكأنه أصم غير مسمع قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم لاسمعت، دعوة مستجابة، ويحتمل أن يكون المعنى: اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، ومعناه: غير مسمع جواباً يوافقك فكأنك لم تسمع شيئاً، كما قال مجاهد: غير مسمع، غير مقبول ما تقول، ويحتمل أن يكون المعنى: اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه، فينبو عنه سمعك كما قال الحسن: غير مسمع منا ما تحب، وليجوز على هذا الوجه الأخير أن يكون {غير} مفعولا لقوله {اسمع} أى: اسمع كلاماً غير مسمع إياك، لأن أذنك لا تعيه، وحاصل الأوجه كلها أنهم يقولون: إما الكلام حقّاً يلوونه إلى الباطل، وإما سبّاً يظهرونه بصورة التوقير، وتقدم الكلام على راعنا فى البقرة، وحكى مكى: من معانيه ارعى الماشية يرمونه بأنه يصلح لرعيها فقط يظهرون معنى المراعاة، واللى بألسنتهم صرف اللفظ عما فى قلوبهم من السوء، وأصله لوياً بفتح اللام وإسكان الواو، قلبت ياءً وأدغمت فى الياء، ويجوز أن يكون: أو يقولون ذلك فيما بينهم وأن يكونوا لم ينطقوا بذلك لكن قالوا بلسان حالهم: إذ لم يؤمنوا، وكلا الوجهين خلاف الظاهر، وخلاف المروى، والطعن فى الدين تحقيره والهزء به، مستعار من الطعن فى الشىء بمعنى الضرب له، وكانوا يقولون لأصحابهم: تشتمه ولا يعرف ولو كان نبيا يعرف ذلك، ومن شتمهم قولهم: {راعنا} يريدونهُ من الرعونه وهى الحماقة فأخبره الله جل جلاله. {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ}: أى ولو ثبت أنهم قالوا، أى: ولو ثبت قولهم {سَمِعْنَا}: قولك. {وَأَطَعْنَا}: أمرك بدل عصينا. {وَاسْمَعْ}: كلامنا لتعلمنا ما جهلناه بدل واسمع غير مسمع. {وَانْظُرْنَا}: بدل راعنا، أى: تمهل لنا فنفهم، أو راع أحوالنا وأرشدنا. {لَكَانَ}: قولهم. {خَيْراً}: أى منفعة. {لَّهُمْ}: عند الله، وعند الذين آمنوا، أو خيراً: اسم تفضيل خارجاً عن بابه، أى لكان عدلا وصواباً، أو باقياً على بابه، إذ زعموا لو كان فى طباعهم وهواهم أن ذلك الكلام السىء حسن أيضاً، فيقول الله عز وجل: إن حسن هذا خير من الحسن الذى تدعونه، ويدل على التفضيل بوجهيه قوله: {وَأَقْوَمَ}: أى وقيما، أو أقوم من قولهم إذ زعموا أنه قيم، وضد الأقوم: الأعوج، وقولهم معوج فاسد. {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} زادهم الله طرداً عن رحمته بكفرهم بمحمد، وما جاء به، بعد أن طردهم بعدم اتباعهم سائر أحكام التوراة. {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ}: إيماناً. {قَلِيلاً}: وهم إيمانهم لأن الله جل وعلا خلقهم ورزقهم، أو إيمانهم ببعض الآيات وبعض الرسل، فقليلا: مفعول مطلق، كما رأيت، نعت لمصدر محذوف، وإنما اخترت ذلك لأنا لو قلنا إنه نصب على الاستثناء وأنه وقع على من آمن منهم، لكان مستثنى منصوباً فى إيجاب وتمام مع اتصال وتأخير والراجح حينئذ الإبدال، ويجوز أن يراد بالقلة النفى، كقولك: قلما يقوم خالد إذا كان لا يقوم البتة، وقوله: شعر : *قليل التشكى للمهم يصيبه* تفسير : وأيضاً إذا قل مؤمنهم صدق أنه قل إيمانهم، فهو أيضاً مغن عن أن يجعل {قليلاً} منصوباً على الاستثناء، كما جعله {بعض}. قال بعض: قل من آمن من اليهود، وعم محمد بن سرين: ما نعلم أحداً من اليهود أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عبد الله بن سلام، والحسن يذكر آخر ما أدرى من هو؟ قلت: بل أسلم جماعة منها أخوة أسلموا معاً ويذكر ذلك فى سير الغزوات، وعن رفاعة القرظى فى قوله تعالى {أية : الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به مؤمنون}تفسير : نزلت فى عشرة من اليهود أسملوا أنا أحدهم، قلت: المشهور فى هذه الآية غير هذا كما تراه فى تفسيرها، قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو آمن بى عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودى إلا اتبعنى"تفسير : وقال كعب: اثنى عشر، ومصداق ذلك فى كتاب الله {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً}تفسير : ومر الكلام على من أسلم منهم فى غير هذه السورة.
اطفيش
تفسير : {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا} أى نصيرا لكم على الذين هادوا: فمن بمعنى على، أو تضمن نصيرا معنى مانعا، وذلك كقوله عز وجل: {أية : ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا} تفسير : [الأنبياء: 77]، وقوله عز وجل: {أية : فمن ينصرنا من بأس الله} تفسير : [غافر: 29]، أو ذلك بيان للذين {أية : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّواضِعِهِ} تفسير : حال أو نعت لمبتدأ محذوف، خبره من الذين، أى من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه أى يميلونه عن مواضعه، كتحويل ضفته صلى الله عليه وسلم، والحكم فى التوراة إلى أسود وطويل جدا، أو قصير جدا، وإلى جعد الشعر ونحو ذلك عن عكسه، وإلى الجلد عن الرجم، والتفسير بغير المراد، إلقاء الشبه والمحو، وقوله فى المائدة بعد مواضعه أدل مما هنا على ثبوت مقدار الحكم واشتهارها {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا} قولك {وَعَصَيْنَا} أمرك ونهيك {وَاسْمَعْ} قولنا أو كلامنا {غَيْرَ مُسْمَعٍ} حال كونك مدعوا عليك بلا سمعت، لموت أو صمم، وفيه إن الإنشاء لا يفاد بالمفرد، وهوغير مسمع إذ ليس جملة اللهم إلا بتوسط السمع، أو حال كونك غير مسمع، دعوا بلا سمعت، فتوهموا أو تجاهلوا أن دعوتهم مستجابة، أو حال كونك غير مسمع كلاما تدعو إليه، فإنا لا نجيبك إليه أو حال كونك غير مسمع لكراهته، أو حال كونك غير مسمع ما تكره، وهذا منافقة، كقولهم، راعنا أو ذلك من التوجيه البديعى، وهو جعل الكلام ذا وجهين كقوله: شعر : خَاطَ لِى عَمْرٌو قِبَاء لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءْ تفسير : احتمل أن تبصر العين العوراء وأن تعمى الباصرة لأنه أعور {وَرَاعنَا} اعتبرنا نكلمك ونفهم كلامك ومر فى البقرة،أو كلمة عبرانية أو سريانية بمعنى الحمق، أو أنت راعى ما شيتنا فحذفوا الياء، وذلك شتم {لَيَّا} صرفا، الأصل لويا، قلبت الواو وأدغمت فى الياء {بِأَلْسِنَتِهِمْ} إلى الحق ظاهراً عن الباطل سرا {وَطَعْناً فِى الدِّينِ} أى لأجل اللى والطعن، أو حال كونهم لاوين وطاعنين، أو ذوى لى وطعن، أو حال كونهم ليا وطعناً مبالغة {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا} كلامك {وَأَطْعنَا} أمرك ونهيك {وَاسْمَعْ} كلامنا {وَانظُرْنَا} كي نفهم {لَكَانَ} قولهم هذا {خَيْراً لَّهُمْ} نفعاً، أو أحسن، أى حسناً، وقولهم السابق قبيح، {وَأَقْوَمَ} أعدل أى عدلا، أو خيراً وأقوم باقيان على التفضيل باعتبار اعتقادهم {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهَ بِكُفْرِهِمْ} أبعدهم عن الهدى بكفرهم السابق فالذنب يجلب ذنباً وعقاباً {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إلاّ قَلِيلاً} زماناً قليلا، ويرجعون للكفر عناداً، وذلك فى قلوبهم، وفيما بينهم، وفى السر أو إلاّ إيماناً قليلا، وهو إيمان ببعض الرسل وبعض آيات القرآن، ولا ينفعهم، أو أريد بالقلة العدم أى إلا إيمانا معدوما، فهومن أبلغ نفى، كما تقول قلما فعل زيد كذا، تريد أنه لا يفعله ألبتة أو النصب على الاستثناء من الواو، أى قليلا منهم آمنوا أو سيؤمنون.
الالوسي
تفسير : {مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} قيل: هو بيان ـ للذين أوتوا ـ المتناول بحسب المفهوم لأهل الكتابين، وقد وسط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناء ببيان محل التشنيع والتعجيب والمسارعة إلى تنفير المؤمنين عنهم والاهتمام بحثهم على / الثقة بالله تعالى والاكتفاء بولايته ونصرته، واعترضه أبو حيان بأن الفارسي قد منع الاعتراض بجملتين فما ظنك بالثلاث؟! وأجاب الحلبـي بأن الخلاف إذا لم يكن عطف ـ والجمل هنا متعاطفة ـ وبه يصير الشيئان شيئاً واحداً، وقيل: إنه بيان لأعدائكم، وفيه أنه لا وجه لتخصيص علمه سبحانه بطائفة من أعدائهم لا سيما في معرض الاعتراض، وقيل: إنه صلة ـ لنصير ـ أي ينصركم من الذين هادوا وفيه تحجير لواسع نصرة الله تعالى مع أنه لا داعي لوضع الموصول موضع ضمير الأعداء وكون ما في حيز الصلة وصفاً ملائماً للنصر غير ظاهر، وقيل: إنه خبر مبتدأ محذوف. وقوله تعالى: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ} صفة له أي: من الذين هادوا قوم يحرفون ويتعين هذا في قراءة عبد الله و {مِنَ ٱلَّذِينَ} وقد تقرر أن المبتدأ إذا وصف بجملة أو ظرف، وكان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه يطرد حذفه، ومنه قوله:شعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح تفسير : والفراء يجعل المبتدأ المحذوف اسماً موصولاً، و {يُحَرّفُونَ} صلته أي: من الذين هادوا من يحرفون والبصريون يمنعون حذف الموصول مع بقاء صلته إلا أنه يؤيده ما في مصحف حفصة رضي الله تعالى عنها ـ مَن يحرفون ـ واعترض هذا أيضاً بأنه يقتضي بظاهره كون الفريق السابق بمعزل من التحريف الذي هو المصداق لاشترائهم في الحقيقة، والكلم اسم جنس واحده كلمة ـ كلبنة ولبن، ونبقة ونبق ـ وقيل: جمع ـ وليس بشيء على المختار ـ ولعل من أطلقه عليه أراد المعنى اللغوي أعني ما يدل على ما فوق الإثنين مطلقاً، وتذكير ضميره باعتبار أفراده لفظاً، وجمعيته باعتبار تعدده معنى، وقرىء بكسر الكاف وسكون اللام جمع ـ كلمة ـ تخفيف كلمة بنقل كسرة اللام إلى الكاف، وقرىء {يُحَرّفُونَ الكَلامُ}، والمراد به هٰهنا إما ما في التوراة وإما ما هو أعم منه، ومما سيحكي عنهم من الكلمات الواقعة منهم في أثناء محاورتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والأول: هو المأثور عن السلف كابن عباس ومجاهد وغيرهما، وتحريف ذلك إما إزالته عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها من التوراة كتحريفهم ـ ربعة ـ في نعت النبـي صلى الله عليه وسلم، ووضعهم مكانه طوال، وكتحريفهم ـ الرجم ـ ووضع الحد موضعه، وإما صرفه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى ما لا صحة له بالتأويلات الفاسدة والتمحلات الزائغة كما تفعله المبتدعة في الآيات القرآنية المخالفة لمذهبهم، ويؤيد الأول ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث تقرءونه محضاً لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله تعالى وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، واستشكل بأنه كيف يمكن ذلك في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر وانتشرت نسخه شرقاً وغرباً؟!. وأجيب بأن ذلك كان قبل اشتهار الكتاب في الآفاق وبلوغه مبلغ التواتر وفيه بعد، وإن أيد بوقوع الاختلاف في نسخ التوراة التي عند طوائف اليهود، وقيل: إن اليهود فعلوا ذلك في نسخ من التوراة ليضلوا بها ولما لم ترج عدلوا إلى التأويل، والمراد من {مَوَاضِعِهِ} على تقدير إرادة الأعم ما يليق به مطلقاً سواء كان ذلك بتعيينه تعالى صريحاً كمواضع ما في التوراة أو بتعيين العقل والدين كمواضع غيره، وأصل التحريف إمالة الشيء إلى حرف أي طرف فإذا كان {يُحَرّفُونَ} بمعنى يزيلون كان كناية لأنهم إذا بدلوا الكلم ووضعوا مكانه غيره لزم أنهم أمالوه عن مواضعه وحرفوه، والفرق بين ما هنا وما يأتي في سورة المائدة [41] من قوله سبحانه: {أية : مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} تفسير : أن الثاني أدل على ثبوت مقارّ الكلم واشتهارها مما هنا، وذلك لأن الظرف يدل على أنه بعد ما ثبت الموضع / وتقرر حرفوه عنه، واختار ذلك هنالك لأن فيه ما يقتضي الاتيان بالأدل الأبلغ. {وَيَقُولُونَ} عطف على {يُحَرّفُونَ} وأكثر العلماء على أن المراد به القول اللساني بمحضر النبـي صلى الله عليه وسلم، واختار البعض حمله على ما يعم ذلك وما يترجم عنه عنادهم ومكابرتهم ليندرج فيه ما نطقت به ألسنة حالهم عند تحريف التوراة ولا يقيد حينئذ بزمان أو مكان ولا يخصص بمادة دون مادة ويحتاج إلى ارتكاب عموم المجاز لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز والمعنى عليه أنهم مع ذلك التحريف يقولون ويفهمون في كل أمر مخالف لأهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبـي صلى الله عليه وسلم أو بلسان الحال أو المقال عناداً وتحقيقاً للمخالفة {سَمِعْنَا} أي فهمنا {وَعَصَيْنَا} أي لم نأتمر وبذلك فسره الراغب {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} عطف على {سَمِعْنَا} داخل معه تحت القول لكن باعتبار أنه لساني، وفي أثناء مخاطبته صلى الله عليه وسلم ـ وهو كلام ذو وجهين ـ محتمل للشر والخير، ويسمى في البديع بالتوجيه كما قاله غير واحد، ومثلوا له بقوله:شعر : خاط لي عمرو قباء ليت عينيه سواء تفسير : واحتماله للشر بأن يحمل على معنى اسمع مدعوا عليك بلا سمعت، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو اسمع نابـي السمع عما تسمعه لكراهيته عليك، أو اسمع كلاماً غير مسمع إياك لأن أذنيك تنبو عنه ـ فغير ـ إما حال لا غير، وإما مفعول به وصحت الحالية على الاحتمال الأول باعتبار أن الدعاء هو المقصود لهم وأنهم لما قدروا ـ لعنهم الله تعالى ـ إجابته صار كأنه واقع مقرر، واحتماله للخير بأن يحمل على معنى: اسمع منا غير مسمع مكروهاً من قولهم: أسمعه فلان إذا سبه، وكان أصله أسمعه ما يكره فحذف مفعوله نسياً منسياً وتعورف في ذلك، وقد كانوا لعنهم الله تعالى يخاطبون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءاً مظهرين له صلى الله عليه وسلم المعنى الأخير وهم يضمرون سواه. {وَرٰعِنَا} عطف على ما قبله أي ويقولون أيضاً في أثناء خطابهم له صلى الله عليه وسلم هذا وهو ذو وجهين كسابقه، فاحتماله للخير على معنى أمهلنا وانظر إلينا، أو انتظرنا نكلمك، واحتماله للشر بحمله على السب، ففي «التيسير»: إن راعنا بعينه مما يتسابون به وهو للوصف بالرعونة، وقيل: إنه يشبه كلمة سب عندهم عبرانية أو سريانية وهي راعينا، وقيل: بل كانوا يشبعون كسر العين ويعنون ـ لعنهم الله تعالى ـ أنه ـ وحاشاه صلى الله عليه وسلم ـ بمنزلة خدمهم ورعاة غنمهم، وقد كانوا يقولون ذلك مظهرين الاحترام والتوقير مضمرين ما يستحقون به جهنم وبئس المصير. وهذا نوع من النفاق ولا ينافيه تصريحهم بالعصيان لما قيل: إن جميع الكفار يخاطبون النبـي صلى الله عليه وسلم بالكفر ولا يخاطبونه بالسب والذم والدعاء عليه عليه الصلاة والسلام، واعترض بأنه حينئذ لا وجه لإيراد السماع والعصيان مع التحريف وإلقاء الكلام المحتمل احتيالاً، وأجيب بأنه يمكن أن يقال: المقصود على هذا عد صفاتهم الذميمة لا مجرد التحريف والاحتيال فكأنه قيل: يحرفون كتابهم ويجاهرون بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالاً وحالاً وعصيانهم بعد سماع ما بلغهم وتحققه لديهم ويحتالون في سبه صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن قولهم {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} لم يكن بمحضره عليه الصلاة والسلام بل كان فيما بينهم فلا ينافي نفاقهم في الجملتين بين يديه صلى الله عليه وسلم، وقيل: القول نظراً إلى الجملة الأولى حالي وإلى الجملتين الأخيرتين لساني، وقيل: إن الأولى أيضاً ذات وجهين كالأخيرتين إذ يحتمل أن يكون مرادهم أطعنا أمرك وعصينا أمر قومنا، / ويحتمل أن يكون مرادهم ما تقدم. ومن الناس من جوز أن يراد بتحريف الكلم إمالتها عن مواضعها سواء كانت مواضع وضعها الله تعالى فيها أو جعلها المقام والعرف مواضع لذلك فيكون المعنى هم قوم عادتهم التحريف، ويكون قوله سبحانه: {وَيَقُولُونَ} الخ تعداداً لبعض تحريفاتهم، والمراد إنهم يقولون لك: سمعنا وعند قومهم عصينا ويقولون كذا وكذا فيظهرون لك شيئاً ويبطنون خلافه. {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} اللّي يكون بمعنى الانحراف والالتفات والانعطاف عن جهة إلى أخرى، ويكون بمعنى ضم إحدى نحو طاقات الحبل على الأخرى. والمراد به هنا إما صرف الكلام من جانب الخير إلى جانب الشر، وإما ضم أحد الأمرين إلى الآخر، وأصله لوى فقلبت الواو ياءاً وأدغمت، ونصبه على أنه مفعول له ـ ليقولون ـ باعتبار تعلقه بالقولين الأخيرين، وقيل: بالأقوال جميعها، أو على أنه حال أي ـ لاوِينَ ـ ومثله في ذلك قوله تعالى: {وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ} أي قدحاً فيه بالاستهزاء والسخرية، وكل من الظرفين متعلق بما عنده {وَلَوْ أَنَّهُمْ} عندما سمعوا شيئاً من أوامر الله تعالى ونواهيه {قَالُواْ} بلسان المقال كما هو الظاهر أو به وبلسان الحال كما قيل: {سَمِعْنَا} سماع قبول مكان قولهم: {سَمِعْنَا} المراد به سماع الرد {وَأَطَعْنَا} مكان قولهم: {وَعَصَيْنَا} {وَٱسْمَعْ} بدل قولهم: {أَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ}. {وَٱنْظُرْنَا} بدل قولهم: {رٰعِنَا} {لَكَانَ} قولهم هذا {خَيْراً لَّهُمْ} وأنفع من قولهم ذلك {وَأَقْوَمَ} أي أعدل في نفسه، وصيغة التفضيل إما على بابها واعتبار أصل الفعل في المفضل عليه بناءاً على اعتقادهم أو بطريق التهكم، وإما بمعنى اسم الفاعل فلا حاجة إلى تقدير من، وفي تقديم حال القول بالنسبة إليهم على حاله في نفسه إيماء إلى أن همم اليهود لعنهم الله تعالى طماحة إلى ما ينفعهم، والمنسبك من (أن) وما بعدها فاعل ثبت المقدر لدلالة أن عليه أي: لو ثبت قولهم سمعنا الخ وهو مذهب المبرد، وقيل: مبتدأ لا خبر له، وقيل: خبره مقدر. {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} أي ولكن لم يقولوا الأنفع والأقوم، واستمروا على ذلك فخذلهم الله تعالى وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم {فَلاَ يُؤْمِنُونَ} بعد {إِلاَّ قَلِيلاً} اختار العلامة الثاني كونه استثناء من ضمير المفعول في {لَّعَنَهُمُ} أي ولكن لعنهم الله تعالى إلا فريقاً قليلاً منهم فإنه سبحانه لم يلعنهم فلهذا آمن من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه، وقيل: هو مستثنى من فاعل {يُؤْمِنُونَ} ويتجه عليه أن الوجه حينئذ الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب مع أن القراء قد اتفقوا على النصب، ويبعد منهم الاتفاق على غير المختار مع أنه يقتضي وقوع إيمان من لعنه الله تعالى وخذله إلا أن يحمل {لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} على لعن أكثرهم وهو كما ترى، وقيل: إنه صفة مصدر محذوف أي إلا إيماناً قليلاً لأنهم وحدوا وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشريعته، والإيمان بمعنى التصديق لا الإيمان الشرعي، وجوز على هذا الوجه أن يراد بالقلة العدم كما في قوله:شعر : قليل التشكي للمهم يصيبه كثير الهوى شتى النوى والمسالك تفسير : والمراد أنهم لا يؤمنون إلا إيماناً معدوماً إما على حد {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الدخان: 56] أي إن كان المعدوم إيماناً فهم يحدثون شيئاً من الإيمان فهو من التعليق بالمحال، أو أن ما أحدثوه منه لما لم يشتمل / على ما لا بد منه كان معدوماً انعدام الكل بجزئه، والوجه هو الأول.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً. و{مِنْ} تبعيضية، وهي خبر لمبتدأ محذوف دلّت عليه صفته وهي جملة {يحرّفون} والتقدير: قوم يحرّفون الكلَم. وحَذْفُ المبتدأ في مثل هذا شائع في كلام العرب اجتزاء بالصفة عن الموصوف وذلك إذا كان المبتدأ موصوفاً بجملة أوْ ظرف، وكان بعضَ اسم مجرور بحرف {من}، وذلك الاسم مقدّم على المبتدإ. ومن كلمات العرب المأثورة قولهم: «مِنَّا ظعنَ ومنّا أقام» أي منّا فريق ظعن ومنّا فريق أقام. ومنه قول ذي الرمّة:شعر : فظَلّوا ومنهم دَمْعُهُ غالبٌ له وآخرُ يذري دمْعة العين بالهَمْل تفسير : أي ومنهم فريق، بدليل قوله في العطف وآخر. وقولُ تميم بن مُقْبِل:شعر : ومَا الدَّهْر إلاّ تَارتان فمنهمَا أمُوتُ وأخْرى أبتغي العَيشَ أكْدَح تفسير : وقد دلّ ضمير الجمع في قوله {يحرّفون} أنّ هذا صنيع فريق منهم، وقد قيل: إنّ المراد به رفاعة بن زيد بن التَّابوت من اليهود، ولعلّ قائل هذا يعني أنّه من جملة هؤلاء الفريق، إذ لا يجوز أن يكون المراد واحداً ويؤتى بضمير الجماعة، وليس المقام مقام إخفاء حتّى يكون على حدّ قوله عليه السلام: «حديث : ما بال أقوام يشترطون» تفسير : الخ. ويجوز أن يكون {من الذين هادوا} صفة للذين أوتوا نصيباً من الكتاب، وتكون {مِن} بيانيّة أي هم الذين هادوا، فَتكون جملة {يحرّفون} حالاً من قوله: {الذين هادوا}. وعلى الوجهين فقد أثبتت لهم أوصاف التحريف والضلالة ومحبّة ضلال المسلمين. والتحريف: الميل بالشيء إلى الحرف وهو جانب الشيء وحافته، وسيأتي عند قوله تعالى: {أية : يحرفون الكلم عن مواضعه} تفسير : في سورة المائدة (13)، وهو هنا مستعمل في الميل عن سواء المعنى وصريحه إلى التأويل الباطل، كما يقال: تنكَّب عن الصراط، وعن الطريق، إذا أخطأ الصواب وصار إلى سوء الفهم أو التضليل، فهو على هذا تحريفُ مراد الله في التوراة إلى تأويلات باطلة، كما يفعل أهل الأهواء في تحريف معاني القرآن بالتأويلات الفاسدة. ويجوز أن يكون التحريف مشقّاً من الحرف وهو الكلمة والكتابة، فيكون مراداً به تغيير كلمات التوراة وتبديلها بكلمات أخرى لتُوافِق أهواء أهل الشهوات في تأييد ما هم عليه من فاسد الأعمال. والظاهر أنّ كلا الأمرين قد ارتكبه اليهود في كتابهم. وما ينقل عن ابن عبّاس أنّ التحريف فساد التأويل ولا يعمد قوم على تغيير كتابهم، ناظرٌ إلى غالب أحوالهم، فعلى الاحتمال الأول يَكون استعمال {عن} في قوله: {عن مواضعه} مجازاً، ولا مجاوزة ولا مواضِعَ، وعلى الثاني يكون حقيقة إذ التحريف حينئذٍ نقل وإزالة. وقوله: {ويقولون} عطف على {يحرّفون} ذُكر سوء أفعالهم وسوء أقوالهم، وهي أقوالهم التي يواجهون بها الرسول ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ: يقولون سمِعْنا دعوتَك وعصيناك، وذلك إظهار لتمسّكهم بدينهم ليزول طمع الرسول في إيمانهم، ولذلك لم يَرَوا في قولهم هذا أذى للرسول فأعقبوه بقولهم له: {واسمع غير مسمع} إظهار للتأدب معه. ومعنى {اسمع غير مُسمع} أنّهم يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم عند مراجعته في أمر الإسلام: اسمع منّا، ويعقّبون ذلك بقولهم: {غير مسمع} يوهمون أنّهم قصدوا الظاهر المتبادر من قولهم: غير مُسمع، أي غير مأمور بأن تسمع، في معنى قول العرب: (افعَلْ غيرَ مَأمُور). وقيل معناه: غير مُسْمَع مَكروهاً، فلعلّ العرب كانوا يقولون: أسْمَعَه بمعنى سَبَّه. والحاصل أنّ هذه الكلمة كانت معروفة الإطلاق بين العرب في معنى الكرامة والتلطّف. إطلاقاً متعارفاً، ولكنّهم لمّا قالوها للرسول أرادوا بها معنى آخر انتحلوه لها من شيء يسمَح به تركيبها الوضعي، أي أن لا يسمع صوتاً من متكلّم. لأن يصير أصمّ، أو أن لا يُستجاب دعاؤه. والذي دلّ على أنّهم أرادوا ذلك قوله بعد: {ولو أنهم قالوا} ــــ إلى قوله: ــــ {اسمع وانظرنا} فأزال لهم كلمة (غير مسمع). وقصدُهم من إيراد كلام ذي وجهين أن يُرضوا الرسول والمؤمنين ويُرضوا أنفسهم بسوء نيتهم مع الرسول ــــ عليه السلام ــــ ويرضوا قومهم، فلا يجدوا عليهم حجّة. وقولهم: {وراعنا} أتوا بلفظ ظاهره طلب المُراعاة، أي الرفق، والمراعاة مفاعلة مستعملة في المبالغة في الرعي على وجه الكناية الشائعة التي ساوت الأصل، ذلك لأنّ الرعي من لوازمه الرفقُ بالمرعِيّ، وطلب الخصب له، ودفع العادية عنه. وهم يريدون بــــ {راعنا} كلمة في العبرانية تدلّ على ما تدلّ عليه كلمة الرعونة في العَربية، وقد روي أنّها كلمة {رَاعُونا} وأنّ معناها الرعونة فلعلّهم كانوا يأتون بها، يوهمون أنّهم يعظّمون النبي صلى الله عليه وسلم بضمير الجماعة، ويدلّ لذلك أنّ الله نهى المسلمين عن متابعتهم إيّاهم في ذلك اغتراراً فقال في سورة البقرة (104): {أية : يأيها الذين آمنوا لا تَقولوا رَاعنا وقولوا انظُرْنا}تفسير : . واللَّيُّ أصله الانعطاف والانثناء، ومنه {ولا تَلْوُون على أحد}، وهو يحتمل الحقيقة في كلتا الكلمتين: اللّي، والألسنة، أي أنّهم يثنون ألسنتهم ليكون الكلام مشبهاً لغتين بأن يشبعوا حركات، أو يقصروا مُشْبَعات، أو يفخّموا مرقّقا، أو يرقّقوا مفخما، ليعطي اللفظ في السمع صورة تشبِه صورة كلمة أخرى، فإنّه قد تخرج كلمة من زنة إلى زنة، ومن لغة إلى لغة بمثل هذا. ويحتمل أن يراد بلفظ (الليّ) مجازُه، وبــــ (الألسنة) مجازه: فالليّ بمعنى تغيير الكلمة، والألسنة مجاز على الكلام، أي يأتون في كلامهم بما هو غير متمحّض لمعنى الخير. وانتصب «ليّاً» على المفعول المطلق لــــ {يقولون}، لأنّ الليّ كيفية من كيفيات القَول. وانتصب {طعناً في الدين} على المفعول لأجله، فهو من عطف بعض المفاعيل على بعض آخر، ولا ضير فيه، ولك أن تجعلهما معاً مفعولين مطلقين أو مفعولين لأجلهما، وإنما كان قولهم (طعناً في الدين)، لأنّهم أضمروا في كلامهم قصداً خبيثاً فكانوا يقولون لإخوانهم، ومن يليهم من حديثي العهد بالإيمان: لو كان محمّد رسولاً لعلم ما أردنا بقولنا، فلذلك فضحهم الله بهذه الآية ونظائرها. وقوله: {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا} أي لو قالوا ما هو قبول للإسلام لكان خيراً. وقوله: {سمعنا وأطعنا} يشبه أنّه ممّا جرى مجرى المثل بقول من أمر بشيء وامتثله «سَمّعٌ وطاعة»، أي شأني سمع وطاعة، وهو ممّا التزم فيه حذف المبتدأ لأنّه جرى مجرى المثل، وسيجيء في سورة النور (51) قولُه تعالى: {أية : إنّما كان قولَ المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا}تفسير : . وقوله: {وأقوم} تفضيل مشتقّ من القيام الذي هو بمعنى الوضوح والظهور، كقولهم: قام الدليلُ على كذا، وقامت حجّة فلان. وإنّما كان أقومَ لأنّه دالّ على معنى لا احتمال فيه، بخلاف قولهم. والاستدراك في قوله: {ولكن لعنهم الله بكفرهم} ناشىء عن قوله: {لكان خيراً لهم}، أي ولكن أثر اللَّعْنَة حاق بهم فحرموا ما هو خير فلا ترشَحُ نفوسهم إلاّ بآثار ما هو كمين فيها من فعل سيّىءٍ وقول بَذَاءٍ لا يستطيعون صرف أنفسهم عن ذلك. ومعنى {فلا يؤمنون إلا قليلاً} أنهم لا يؤمنون أبداً فهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه، وأطلق القلّة على العدم. وفسّر به قول تَأبّط شرّاً:شعر : قليلُ التشكّي للمُهِمّ يصيبُه كثيرُ الهَوى شَتَّى النَّوَى والمَسالك تفسير : قال الجاحظ في «كتاب البيان» عند قول عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يصف أرض نصيبين «كثيرة العقارب قليلة الأقارب»، يضعون (قليلاً) في موضع (ليس)، كقولهم: فلان قليل الحياء. ليس مرادهم أن هناك حياء وإن قَلَّ. قلت: ومنه قول العرب: قَلَّ رجل يقولُ ذلك، يريدون أنّه غير موجود. وقال صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: «أإله مع الله قليلاً ما تذكّرون» «والمعنى نفي التذكير. والقلّة مستعمل في معنى النفي. وإنّما استعملت العرب القلّة عوضاً عن النفي لضرب من الاحتراز والاقتصاد، فكأنَّ المتكلّم يخشى أن يُتلقّى عموم نفيه بالإنكار فيتنازل عنه إلى إثبات قليل وهو يريد النفي.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 46- من اليهود فريق يُميلون الكلام عن معناه، ويقولون فى أنفسهم للنبى: سمعنا القول وعصينا الأمر. ويقولون: اسمع كلامنا، لا سمعت دعاء، يدعون بذلك على النبى ويقولون: اسمع غير مسمع. فاللفظ يسوقونه ومرادهم منه الدعاء عليه، ويوهمون أن مرادهم الدعاء له. ويقولون: راعنا. يلوون بها ألسنتهم يوهمون أنهم يريدون: انظرنا. فيظهرون أنهم يطلبون رعايته ويبطنون وصفه بالرعونه، ويطعنون بذلك فى الدين لوصف مُبَلِّغه بالرعونة. ولو أنهم استقاموا وقالوا: سمعنا وأطعنا، بدل قولهم: سمعنا وعصينا. وقالوا: اسمع، دون أن يقولوا: غير مسمع، وقالوا: انظرنا، بدل راعنا. لكان خيراً لهم مما قالوه وأعدل منه سبيلاً، ولكن الله طردهم من رحمته بإعراضهم فلا تجد منهم من يستجيبون لداعى الإيمان إلا عدداً قليلاً. 47- يا أيها الذين أوتوا الكتاب الذى أنزله الله آمنوا بما أنزلنا من القرآن على محمد مصدقاً لما معكم من قبل أن ننزل بكم عقاباً تنمحى به معالم وجوهكم فتصير كأقفيتها. لا أنف فيها ولا عين ولا حاجب، أو نطردكم من رحمتنا كما طردنا الذين خالفوا أمرنا بفعل ما نهوا عنه من الصيد يوم السبت. وكان قضاء الله نافذاً لا مرد له. 48- إن الله لا يغفر الإشراك به، ويعفو عمّا دون الإشراك من الذنوب لمن يشاء من عباده، ومن يشرك بالله فقد ارتكب - مفترياً على الله - ذنباً كبيراً لا يستحق معه الغفران. 49- لا تعجب من هؤلاء الكافرين الذين يفترون بأعمالهم، فنبين لهم سوء عملهم فيرونه حسناً، ويثنون على أنفسهم مزكين لها، والله - وحده - هو الذى يعلم الخبيث من الطَّيّب، فيزكى من يشاء ولا يظلم أى إنسان مهما كان قدره ضئيلاً. 50- كيف يختلقون على الله الكذب بهذا ومثاله، وكفى بالكذب على الله ذنباً واضحاً يكشف عن خبيث طويتهم.
القطان
تفسير : الذين هادوا: اليهود. اسمع غير مسمع: اسمع غير مجاب الى ما تدعوا اليه. راعنا: انظُرنا، وهي توافق كلمة سبٍّ في لغتهم. أقوم: أعدل. من اليهود فريق يحرّفون الكلام عن معناه بالتأويل او الحذف أو التبديل، وهو أمر أجمعَ عليه أهل النظر من الغربيين. يقول مارتن لوثر في كتابه: اليهود وأكاذيبهم "هؤلاء الكذّابون الحقيقيون مصاصو الدماء، الذين لم يكتفوا بتحريف الكتاب المقدّس من الدفة الى الدفة، بل ما فتئوا يفسّرون محتوياته حسب أهوائهم وشهواتهم". فتحريف التوراة حاصل باعتراف النصارى أنفسهم، ولذلك عندما يقول القرآن شيئاً فإنه يكون حقاً لا شُبهة فيه. ويقول اليهود في أنفسهم للنبيّ الكريم: سمعنا بالقول وعصَينا الأمر. ويقولون اسمعْ كلامنا ـ لا سمعتَ دعاء ـ يدعون بذلك على النبي. ويقولون (اسمع غير مسمَع) فيسوقون اللفظ ومرادُهم الدعاءُ عليه، ويوهمون أن مرادهم الدعاء له ويقولون، راعِنا، يلوون بها ألسنتَهم يوهمون أنهم يريدون "انظُرنا" فيُظهرون أنهم يطلبون رعايته ويُبْطنون وصفه بالرعونة لمجرد السبّ والشتم. ولو أنهم استقاموا وقالوا (سمعنا وأطعنا) بدل قولهم (سمعنا وعصينا)، وقالوا (اسمَع) دون ان يقولوا (غير مسمَع)، وقالوا (انظُرنا) بدل (راعِنا) ـ لكان ذلك خيراً لهم وأصوبَ، لما فيه من الأدب والفائدة وحسن العاقبة، ولكن الله طردهم من رحمته بإعراضهم عنه، فلا تجدُ منهم من يستجيبون لداعي الإيمان إلا عدداً قليلا. وصدق الله. فلم يدخل في الاسلام على مر القرون الا قليل من اليهود، ممن قَسَم الله لهم الخير، وأراد الهدى. أما أغلبهم فقد ظلّوا حرباً على الاسلام والمسلمين، منذ كانوا في المدينة الى يومنا الحاضر. هذا مع أنهم لم يجدوا أمةً تحفظهم وتصون حقوقهم كالمسلمين. ولم يعيشوا في أمانٍ إلا في ظِل الاسلام ولا يزالون كذلك حتى الآن في كثير من البلاد الاسلامية.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَرَاعِنَا} (46) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ إنَّهُ أعْرَفُ مِنْهُمْ بِأعْدَائِهِم اليَهُودِ (الذِينَ هَادُوا)، وَإنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ يُمِيلُونَ الكَلاَمَ عَنْ مَعْنَاهُ، وَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ) وَيُرِيدُونَ بِهِ غَيْرَ المَقْصُودِ بِهِ، وَهُمْ إنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَنْ قَصْدٍ مِنْهُمْ، افْتِرَاءً عَلَى اللهِ، وَرَغْبَةً فِي إيذاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَيَقُولُونَ: سَمِعْنا مَا قُلْتَ يَا مُحَمَّدُ، وَنَحْنُ لاَ نُطِيعُكَ فِيهِ. وَهَذَا أبْلَغُ فِي الكُفْرِ وَالعِنَادَ لأنَّهُمْ مُتَوَلُّونَ عَنْ كِتَابِ اللهِ، بَعْدَمَا عَقَلُوهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الإِثْمِ وَالعُقُوبَةِ عِنْدَ اللهِ. وَيَقُولُونَ: اسْمَعْ مَا نَقُولُ لَكَ لاَ سَمِعْتَ (أيْ لاَ أَسْمَعَكَ اللهُ دُعَاءً)، وَهُمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعَاءِ عَلَى النَّبِيِّ، مَعْ أَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ إِيهَامَ مَنْ حَوْلَهُمْ بِأنَّهُمْ يُرِيدُونَ الدُّعَاءَ لَهُ. مَعْ أنَّ المُسْلِمِينَ حِينَما كَانُوا يَقُولُونَ هَذِهِ العِبَارَةَ إنَّمَا كَانُوا يَقْصِدُونَ بِهَا الدُّعَاءَ (لاَ أسْمَعَكَ اللهُ مَكْرُوهاً). وَكَانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (رَاعِنَا)، وَهُمْ يُوهِمُونَ مَنْ حَوْلَهُمْ بِأنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ (أرْعِنَا سَمَعَكَ)، أيْ انْتَبِهْ لِمَا نَقُولُ لَكَ. وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَلُوُونَ ألْسِنَتهمْ فَيَبْدُو وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ سَبَّ النَّبِيِّ وَوَصْفَهُ بِالرُّعُونَةِ (وَرَاعِينُو بِالعِبْرِيَّةِ تَعْنِي الشِّرِّيرَ) وَهُمْ إنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً بِالدِّينِ ِالذِي يُبَلِّغُهُ النَّبِيُّ عَنْ رَبِّهِ إلَى عِبِادِ اللهِ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: وَلَوْ أنَّهُمْ قَالُوا لِلْنَّبِيِّ: سَمِعْنَا وَأطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرَنا، لَكَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ وَأفْضَلَ، وَلَكِنَّ اللهَ لَعَنَهُمْ وَطَرَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَصَرَفَهُمْ عَنِ الخَيْرِ وَالهُدَى، فَلاَ يُؤْمِنُونَ إيمَاناً نَافِعاً لَهُمْ. (وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى المَقْطَعِ الأخِيرِ: إنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ بِالإِسْلاَمِ إلاَّ قَلِيلُونَ). يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ - يُغَيِّرُونَهُ أوْ يَتَأَوَّلُونَهُ بِالبَاطِلِ. اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمِعٍ - قَصَدَ بِهِ اليَهُودُ الدُّعَاءَ عَلَى النَّبِيِّ. رَاعِنَا - قَصَدُوا بِهَا الإِسَاءَةَ إلَيْهِ. لَيّاً بِألْسِنَتِهِمْ - مَيْلاً بِألْسِنَتِهِمْ إلى جَانِبِ السُّوءِ مِنَ القَوْلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تكلّم الحق في سورة النساء عن الخلق الأول وأوضح: إنني خلقتكم من نفس واحدة وهي "آدم" وبعد ذلك خلقت منها زوجها، ثم بثثت منهما رجالاً كثيراً ونساء والبث الكثير للرجال والنساء لتستديم الخلافة للإنسان، لكن كيف يأتي ذلك؟ أوضح سبحانه: أريد مجتمعاً قوياً، وإياكم أن يضيع فيه اليتيم. وبعد ذلك ما دمت أريد استدامة هذا الاستخلاف فليأخذ الأيتام نصيباً، وتكلم - سبحانه - عن التركة، ثم تكلم عن السفهاء غير المؤتمنين على مالهم، وبعد ذلك تكلم عن كيفية الزواج. إذن: فكل هذه العملية ليبني لنا نظام حياة متكاملاً؛ لأن الخلافة في الأرض تقتضي دوام هذه الخلافة بالتكاثر، والتكاثر لا يؤدي مراده إلا إذا كان تكاثر أقوياء، أما تكاثر الضعاف فهو لا ينفع. فإن كان فيكم يتيم لا بد أن تلاحظوه، وإن كان فيكم سفيه لا يستطيع أن يدبر ماله فدبروا أنتم له ماله، واجتهدوا لتتركوا من حركة حياتكم للناس الذين سيأتون بعدكم إلى أن تقوى نفوسهم على الحركة. وأوضح سبحانه منهاج الميراث، وأمر سبحانه: أن تزاوجوا، لكن للتزاوج شروطه وقد أوضحها، ثم أعطانا المنهج العام: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [النساء: 36]، ووضح هذه الأحكام كلها. وبعد ذلك ما الحكمة في أنه - سبحانه - يرجع بنا مرة ثانية لليهود؟ الحق سبحانه وتعالى يوفي الأحكام، وإلقاء الأحكام شيء وحمل النفس على مراد الله في الأحكام شيء آخر، فيوضح لنا: أن هناك ناساً ستعلم الحكم لكنها لا تقدر أن تحمل نفسها عليه، فإياكم أن تكونوا كذلك. واعلموا أن هناك أناساً عندهم نصيب من الكتاب أيضاً، ويعلمون مثلكم تماماً، إنما اشتروا الضلالة، إذن فهو شَرَح لنا؛ إنّه الواقع الملموس ولا يأتينا - سبحانه - بكلام خبري أو إنشائي، قد تقول: يحدث أو لا يحدث، إنّه يأتيك بأحداث من واقع الكون، وينبهنا: إياكم أن تكونوا مثلهم، فقال: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ..} [النساء: 46] والتحريف: أنك تأتي باللفظ الذي يحتمل معنيين: معنى خير، ومعنى شرّ، ولكنك تريد منه الشرّ، مثل الذي يقول: "السام عليكم - والعياذ بالله -" هي في ظاهرها أنه يقول: السلام عليكم، لكنه يقول: السام. يعني "الموت"، إذن: ففي اللفظ ما يُلحظ مَلحظ الخير، ولكن العدو يُميله إلى الشرّ. ومثل هذا ما قالوه للنبي: "راعنا" وهي من المراعاة، لكنهم كانوا يأخذونها من الرعونة، فيأتي الأمر: اترك الكلمة التي تحتمل المعنيين. واقطع الطريق على الكلمة التي تحتمل التوجهين؛ لأن المتكلم، قد يريد بها خيراً وقد يريد بها شرّاً، فمعنى تحريف الكلام أي أن الكلام يحتمل كذا ويحتمل كذا. والمثال على ذلك: الرجل الذي يذهب لخياط ليخيط له قَباء - وكان الخياط كريم العين - أي له عين واحدة - فلم يُعجب الرجُل بِخياطة القَباء فقال: والله ما دمتُ أفتضح بهذا الثوب الذي خاطه لي أمام الناس فلا بد أن أقول فيه شعراً يفضحه في الناس، فقال: شعر : خاط لي عمرو قَباء ليت عينيه سواء تفسير : فقوله: ليت عينيه سواء يظهر ماذا؟ هل يا ترى يتمنى له أن تكون عينه المريضة مثل السليمة؟ أو يتمنى أن تكون العين السليمة مثل المريضة؟ إذن: فالكلام يحتمل الخير والشر، ومثلما حكوا لنا أن واحداً من الولاة طلب من الخطيب أن يسب سيدنا عليّاً - كرم الله وجهه وآله - وأن يلعنهم على المنبر. فقال الخطيب: اعفني. فقال الوالي: لا، عزمت عليك إلاَّ فعلت. فقال له الخطيب: إن كنت عزمت عليّ إلاّ فعلتُ، فسأصعد المنبر وأقول: طلب مني فلان أن أسب عليّاً فقولوا معي: يلعنه الله. فقال له: لا تقل شيئاً. فقد فهم الوالي مقصد الخطيب وقدرته على استعمال الكلام على معنيين. والحق يقول: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ..} [النساء: 46]. وأريد أن تنتبهوا إلى أن أسلوب القرآن يأتي في بعض المواقع بألفاظ واحدة، ولكنه يعدل عن عبارة إلى عبارة، فيخيل لأصحاب النظرة السطحية أن الأمر تكرار، ولكنه ليس كذلك، مثلما يقول مرة: {أية : ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 16] ومرة لا يأتي بالهدى كثمن للضلالة ويقول: {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ} [النساء: 46]، ولم يلتفتوا إلى أن هدى الفطرة مطموس عندهم هنا، ومثال آخر هو قول الحق: {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} تفسير : [المائدة: 41]. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ..} [النساء: 46]، فكأن المسألة لها أصل عندهم، فالكلام المنزل من الله وُضع - أولاً - وضعه الحقيقي ثم أزالوه وبدَّلوه ووضعوا مكانه كلاماً غيره مثل تحريفهم الرجم بوضعهم الحد مكانه. أما قوله: {أية : مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} تفسير : [المائدة: 41] فتفيد أنهم رفعوا الكلام المقدس من موضعه الحق ووضعوه موضع الباطل، بالتأويل والتحريف حسب أهوائهم بما اقتضته شهواتهم، فكأنه كانت له مواضع. وهو جدير بها، فحين حرفوه تركوه كالغريب المنقطع الذي لا موضع له، فمرة يبدلون كلام الله بكلام من عندهم، ومرة أخرى يحرفون كلام الله بتأويله حسب أهوائهم. {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ..} [النساء: 46]. فهم يقولون قولاً مسموعاً {سَمِعْنَا} [النساء: 46] ثم يقولون في أنفسهم "سمعنا وعصينا". فقولهم: "سمعنا وعصينا" ففي نيتهم {عَصَيْنَا ..} [النساء: 46]، إذن فقولهم {سَمِعْنَا ..} [النساء: 46] يعني سماع أذن فقط. أما {عَصَيْنَا..} [النساء: 46] فهي تعني: عصيان التكليف، وهم قالوا بالفعل سمعنا جهراً وقالوا عصينا سِرّاً أو هم قالوا: سمعنا، وهم يضمرون المعصية، {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ..} [النساء: 46] ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يُسْمِعُكم، بدليل أنكم قلتم: سمعنا، فماذا تريدون بقولكم: اسمع؟ هل تطلبون أن يسمع منكم لأنه يقول كلاماً لا يعجبكم وستردون عليه، أو أنتم تريدون استخدام كلمة تحتمل وجوهاً فتقلبونها إلى معانٍ لا تليق، مثل قولكم: {غَيْرَ مُسْمَعٍ ..} [النساء: 46] ما يسرّك، أو {غَيْرَ مُسْمَعٍ ..} [النساء: 46] أي لا سمعت؛ لأنهم يتمنون له - معاذ الله - الصمم، وقد تكون سباباً من قولهم: أسمع فلان فلاناً إذا سبّه وشتمه، فالكلام محتمل. {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ..} [النساء: 46] لم يقولوا: {رَاعِنَا ..} [النساء: 46] من الرعاية بل من الرعونة، فقال: لا، اتركوا هذا اللفظ؛ لأنهم سيأخذون منه كلمة يريدون منها الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و "اللي": هو فتل الشيء، والفتل: توجيه شقي الحبل الذي تفتله عن الاستقامة، وهذا الفتل يعطيه القوة، وهم يعملون هذه العمليات لماذا؟ لأنهم يفهمون أنها تعطي قوة لهم. {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ ..} [النساء: 46]، وما داموا يلوون الكلام عن الاستقامة فهم يريدون شرّاً، لأن الدين جاء استقامة، فساعة يلويه أحد فماذا يريد؟.. إنه يريد {وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ ..} [النساء: 46]، {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا ..} [النساء: 46]، وبدلاً من إضمار المعصية يقولون: {وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا ..} [النساء: 46] بدلاً من {رَاعِنَا..} [النساء: 46]، فـ {ٱنْظُرْنَا ..} [النساء: 46] لا تحتمل معنى سيئاً. إذن: فمعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبر أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خصومه يأتون بالألفاظ محتملة لذم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك يوضح: احذروا أن تقولوا الألفاظ التي يقولونها؛ لأنهم يريدون فيها جانب الشر وعليكم أن تبتعدوا عن الألفاظ التي يمكن أن تحول إلى شرّ. فلو قالوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن ..} [النساء: 46]، وساعة تسمع كلمة "لكن" فلتعلم أن الأمر جاء على خلاف ما يريده المشرع؛ لأنه يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ ..} [النساء: 46]، لكنهم لم يقولوا، إذن فالأمر جاء على خلاف مراد المشرع. {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ..} [النساء: 46] و "اللعن" هو: الطرد والإبعاد، فهل تجنَّى الله عليهم في لعنهم وطردهم؟ لا. هو لم يلعنهم إلا بسبب كفرهم، إذن فلا يقولن أحد: لماذا لعنهم الله وطردهم وما ذنبهم؟ نقول: لا، هو سبحانه لعنهم بسبب كفرهم، إذن فالذي سبق هو كفرهم، وجاء اللعن والطرد نتيجة للكفر. {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 46]. وساعة تسمع نفي حدث "لا يؤمنون" ثم يأتي استثناء "إلا"، فهو يثبت بعض الحدث، تقول مثلاً: لا يأكل إلا قليلاً، كلمة "لا يأكل" نفت الأكل، "وإلا قليلاً" أثبتت بعض الأكل، فهو سبحانه يقول: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 46]. والإيمان حدث يقتضي محدثاً هو: مَنْ آمن، إذن: فعندي حدث وفاعل الحدث، فساعة تسمع استثناء تقول: هذا الاستثناء صالح أن يكون للحدث، وصالح أن يكون لفاعل الحدث، كلمة {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 46] تعني: فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً؛ لأنهم يؤمنون قليلاً بالصلاة، وبأنهم لا يعملون يوم السبت، أما بقية مطلوبات الإيمان فليست في بالهم ولا يؤدونها، أو فلا يؤمنون إلا قليلاً فقد يكون بعض منهم هو الذي يؤمن، وهذا صحيح عندما نقوله؛ لأن بعضاً منهم آمن بالفعل، ونجد أيضاً أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فيكون إيمانهم قليلاً بالحدث نفسه. وهناك أناس منهم بعدما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُلي القرآن ورأوا صورته فوجدوه مثلما وُصف عندهم تماماً فآمنوا، ولكن هل آمن كل يهود، أو آمن قليل منهم؟ آمن قليل منهم مثل: عبد الله بن سَلاَم، وكعب الأحبار، إنما عبد الله بن صُورْيَا، وكعب بن أسد، وكعب بن الأشرف وغيرهم من اليهود فلم يؤمنوا. إذن: فإن أردت أن بعضاً "قليلاً منهم" هو الذي آمن فهذا صحيح، ويصح أيضاً أن الكافرين منهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وفي ذلك تعبير من الحق سبحانه وتعالى نسميه "صيانة الاحتمال"؛ لأن القرآن ساعة ينزل بمثل هذا القول فمن الجائز - وهذا ما حدث - أن هناك أناساً من اليهود يفكرون في أنهم يعلنون الإيمان برسول الله، فلو قال: "فلا يؤمنون" فقد لكان من الصعب عليهم أن يعلنوا الإيمان - لكن عندما يقول: {إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 46] فالذي عنده فكرة عن الإيمان يعرف أن الذي يخبر هذا الإخبار عالمٌ بدخائل النفوس، فصان بالاحتمال إعلان هؤلاء القلة للإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ} معناهُ يُقلِّبونَ ويُغَيِّرونَ الكلمَ والكَلمُ جَماعَةُ كَلِمةٍ. تفسير : وقوله تعالى: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} معناهُ سَمِعْنَا قَولَكَ، وَعَصَينَا أَمْرَكَ. {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} معناه غَيرُ مَقْبُولٍ.
همام الصنعاني
تفسير : 594- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن الحسن في قوله تعالى: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ}: [الآية: 46]، قال: كما تَقُول: اسمع غير مَسْمُوعٍ منك. 595- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمر، عن قَتَادة، قال: كانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا سَمْعَكَ، يستهزئون بذلك، وكانت في اليهود قبيحة، قال الله تعالى: {وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ}: [الآية: 46]، واللّيّ: تحريكُهُمْ ألْسِنَتَهُمْ، بذلِكَ، وطعناً في الدين. 598- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}: [الآية: 46]، قال: لا يؤمن منهم إلا قليل، قال معمر وقال الكلبي: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):