٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى بعد أن حكى عن اليهود أنواع مكرهم وإيذائهم أمرهم بالايمان وقرن بهذا الأمر الوعيد الشديد على الترك، ولقائل أن يقول: كان يجب أن يأمرهم بالنظر والتفكر في الدلائل الدالة على صحة نبوته، حتى يكون إيمانهم استدلاليا، فلما أمرهم بذلك الايمان ابتداء فكأنه تعالى أمرهم بالايمان على سبيل التقليد. والجواب عنه: أن هذا الخطاب مختص بالذين أوتوا الكتاب، وهذا صفة من كان عالما بجميع التوراة. ألا ترى أنه قال في الآية الأولى: {أية : ألم ترإِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [النساء: 44] ولم يقل: ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب، لأنهم ما كانوا عالمين بكل ما في التوراة،، فلما قال في هذه الآية: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } علمنا أن هذا التكليف مختص بمن كان عالما بكل التوراة، ومن كان كذلك فانه يكون عالما بالدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن التوراة كانت مشتملة على تلك الدلائل، ولهذا قال تعالى: {مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ } أي مصدقا للآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، واذا كان العلم حاصلا كان ذلك الكفر محض العناد، فلا جرم حسن منه تعالى أن يأمرهم بالايمان بمحمد عليه الصلاة والسلام جزماً، وأن يقرن الوعيد الشديد بذلك. المسألة الثانية: الطمس: المحو، تقول العرب في وصف المفازة، إنها طامسة الأعلام وطمس الطريق وطمس إذا درس، وقد طمس الله على بصره إذا أزاله وأبطله، وطمست الريح الأثر إذا محته، وطمست الكتاب محوته، وذكروا في الطمس المذكور في هذه الآية قولين: أحدهما: حمل اللفظ على حقيقته وهو طمس الوجوه: والثاني: حمل اللفظ على مجازه. أما القول الأول: فهو أن المراد من طمس الوجوه محو تخطيط صورها، فان الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس، فاذا أزيلت ومحيت كان ذلك طمسا، ومعنى قوله: {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } رد الوجوه إلى ناحية القفا، وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة، لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة، فان هذا الوعيد مختص بيوم القيامة على ما سنقيم الدلالة عليه، ومما يقرره قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ } تفسير : [الانشقاق: 10] فانه إذا ردت الوجوه إلى القفا أوتوا الكتاب من وراء ظهورهم، لأن في تلك الجهة العيون والأفواه التي بها يدرك الكتاب ويقرأ باللسان. فاما القول الثاني: فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه، ثم ذكروا فيه وجوها: الأول: قال الحسن: المراد نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها، أي على ضلالتها، والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات، ونظيره قوله تعالى: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَقَلْبِهِ } تفسير : [الأنفال: 24] تحقيق القول فيه أن الانسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس، ثم عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات، فقدامه عالم المعقولات، ووراءه عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه إلى خلفه كما قال تعالى في صفتهم: {أية : ناكسو رؤسهم} تفسير : [السجدة: 12]. الثاني: يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير، وبالوجوه: رؤساؤهم ووجهاؤهم، والمعنى من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الاقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار والادبار والمذلة. الثالث: قال عبد الرحمن بن زيد: هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى، وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وإريحاء من أرض الشام، كما جاؤا منها بدءاً، وطمس الوجوه على هذا التأويل يحتمل معنيين: أحدهما: تقبيح صورتهم يقال: طمس الله صورته كقوله: قبح الله وجهه، والثاني: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها. فان قيل: إنه تعالى هددهم بطمس الوجوه على القول الثاني فلا إشكال ألبتة، وان فسرناه على القول الأول وهو حمله على ظاهره فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه، بل جعل الوعيد إما الطمس أو اللعن فانه قال: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ } وقد فعل أحدهما وهو اللعن وهو قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ } وظاهره ليس هو المسخ. الثاني: قوله تعالى: {ءامَنُواْ } تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم، فلزم أن يكون قوله: {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } واقعا في الآخرة، فصار التقدير: آمنوا من قبل أن يجىء وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت. الثالث: أنا قد بينا أن قوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } خطاب مع جميع علمائهم، فكان التهديد بهذا الطمس مشروطا بأن لا يأتي أحد منهم بالايمان، وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن عبدالله بن سلام وجمع كثير من أصحابه، ففات المشروط بفوات الشرط، ويقال: لما نزلت هذه الآية أتى عبدالله بن سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله كنت أرى أن لا أصل اليك حتى يتحول وجهي في قفاي. الرابع: أنه تعالى لم يقل: من قبل أن نطمس وجوهكم، بل قال: {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } وعندنا أنه لا بد من طمس في اليهود أو مسخ قبل قيام الساعة، ومما يدل على أن المراد ليس طمس وجوههم بأعيابهم، بل طمس وجوه غيرهم من أبناء جنسهم قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ } فذكرهم على سبيل المغايبة، ولو كان المراد أولئك المخاطبين لذكرهم على سبيل الخطاب، وحمل الآية على طريقة الالتفات وإن كان جائزا إلا أن الأظهر ما ذكرناه. ثم قال تعالى: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ } قال مقاتل وغيره: نمسخهم قردة كما فعلنا ذلك بأوائلهم. وقال أكثر المحققين: الأظهر حمل الآية على اللعن المتعارف، ألا ترى الى قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ }تفسير : [المائدة: 60] ففصل تعالى ههنا بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير، وههنا سؤالات: السؤال الأول: الى من يرجع الضمير في قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ }. الجواب: الى الوجوه إن أريد الوجهاء أو لأصحاب الوجوه، لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع الى الذين أوتوا على طريقة الالتفات. السؤال الثاني: قد كان اللعن والطمس حاصلين قبل الوعيد على الفعل فلا بد وأن يتحدا. والجواب: أن لعنه تعالى لهم من بعد هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في الخزي فيصح ذلك فيه. السؤال الثالث: قوله تعالى: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } خطاب مشافهة، وقوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ } خطاب مغايبة، فكيف يليق أحدهما بالآخر؟ الجواب: منهم من حمل ذلك على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } تفسير : [يونس: 22] ومنهم من قال: هذا تنبيه على أن التهديد حاصل في غيرهم ممن يكذبون من أبناء جنسهم. وعندي فيه احتمال آخر: وهو أن اللعن هو الطرد والابعاد، وذكر البعيد لا يكون إلا بالمغايبة، فلما لعنهم ذكرهم بعبارة الغيبة. ثم قال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى:قال ابن عباس: يريد لا راد لحكمه ولا ناقض لأمره، على معنى أنه لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، كما تقول في الشيء الذي لا شك في حصوله: هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد. وإنما قال: {وَكَانَ } إخباراً عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين أنه مهما أخبرهم بانزال العذاب عليهم فعل ذلك لا محالة، فكأنه قيل لهم: أنتم تعلمون أنه كان تهديد الله في الأمم السالفة واقعا لا محالة، فاحترزوا الآن وكونوا على حذر من هذا الوعيد، والله أعلم. المسألة الثانية: احتج الجبائي بهذه الآية على أن كلام الله محدث فقال: قوله: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } يقتضي أن أمره مفعول، والمخلوق والمصنوع والمفعول واحد، فدل هذا على أن أمر الله مخلوق مصنوع، وهذا في غاية السقوط لأن الأمر في اللغة جاء بمعنى الشأن والطريقة والفعل قال تعالى: {أية : وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } تفسير : [هود: 97] والمراد ههنا ذاك.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهدداً لهم إن لم يفعلوا بقوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَآ} قال بعضهم: معناه من قبل أن نطمس وجوهاً، فطمسها هو ردها إلى الأدبار، وجعل أبصارهم من ورائهم، ويحتمل أن يكون المراد: من قبل أن نطمس وجوهاً، فلا نبقي لها سمعاً ولا بصراً ولا أثراً، ومع ذلك نردها إلى ناحية الأدبار. قال العوفي عن ابن عباس في الآية وهي: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} وطمسها أن تعمى {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَآ} يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه، وكذا قال قتادة وعطية العوفي، وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهو مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سُبل الضلالة، يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِىۤ أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} تفسير : [يس: 8 ـ 9] الآية: إن هذا مثل ضربه الله لهم في ضلالهم، ومنعهم عن الهدى. قال مجاهد: من قبل أن نطمس وجوهاً، يقول: عن صراط الحق، فنردها على أدبارها، أي: في الضلال. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا. قال السدي: فنردها على أدبارها: فنمنعها عن الحق، قال: نرجعهم كفاراً ونردهم قردة، وقال ابن زيد: نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز. وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا جابر بن نوح عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة، فخرج إليه عمر، فقال: يا كعب، أسلم. فقال: ألستم تقرؤون في كتابكم {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}تفسير : [الجمعة: 5] وأنا قد حملت التوراة، قال: فتركه عمر، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلاً من أهلها حزيناً وهو يقول: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ} الآية، قال كعب: يا رب أسلمت؛ مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع، فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين. وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر من وجه آخر فقال: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد عن يونس بن حَلْبَس، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فبعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: {يَـٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَآ} فبادرت الماء، فاغتسلت، وإني لأمس وجهي؛ مخافة أن أطمس، ثم أسلمت. وقوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ} يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف. وقوله: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} أي: إذا أمر بأمر، فإنه لا يخالف ولا يمانع. ثم أخبر تعالى أنه {لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}. أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ}، أي: من الذنوب {لِمَن يَشَآءُ}، أي: من عباده، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر: (الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا أبو عمران الجوني عن يزيد بن بابَنوس، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله، فالشرك بالله، قال الله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية، وقال: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ}، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه؛ من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً، فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة» تفسير : تفرد به أحمد. (الحديث الثاني) قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن أبي الرّقاد، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وقال: {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، وأما الظلم الذي يغفره الله، فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه، فظلم العباد بعضهم بعضاً حتى يدين لبعضهم من بعض».تفسير : (الحديث الثالث) قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً» تفسير : ورواه النسائي عن محمد بن مثنى، عن صفوان بن عيسى به. (الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا ابن غنم: أن أبا ذر حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني، فإني غافر لك على ما كان فيك، يا عبدي إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة، ما لم تشرك بي، لقيتك بقرابها مغفرة» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه. (الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا حسين عن ابن بريدة: أن يحيى بن يعمر حدثه: أن أبا الأسود الديلي حدثه: أن أبا ذر حدثه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة» تفسير : قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «حديث : وإن زنى وإن سرق»تفسير : قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «حديث : وإن زنى وإن سرق» تفسير : ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: «حديث : على رغم أنف أبي ذر»تفسير : ، قال: فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان أبو ذر يحدث بهذا ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر. أخرجاه من حديث حسين به. (طريق أخرى) لحديث أبي ذر. قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء، ونحن ننظر إلى أحد، فقال: «حديث : يا أبا ذر» تفسير : قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «حديث : ما أحب أن لي أحداً ذاك عندي ذهباً أمسي ثالثة وعندي منه دينار، إلا ديناراً أرصده يعني: لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا»تفسير : ، وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا، فقال: «حديث : يا أبا ذر إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا»تفسير : ، فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا، فقال: «حديث : يا أبا ذر، كما أنت حتى آتيك» تفسير : قال: فانطلق حتى توارى عني، قال: فسمعت لغطاً، فقلت: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض له، قال: فهممت أن أتبعه، ثم ذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك، فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت، فقال: «حديث : ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة» تفسير : قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «حديث : وإن زنى وإن سرق»تفسير : ، أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به، وقد رواه البخاري ومسلم أيضاً، كلاهما عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: «حديث : من هذا؟» تفسير : فقلت: أبو ذر، جعلني الله فداك. قال: «حديث : يا أبا ذر تعال»تفسير : . قال: فمشيت معه ساعة، فقال: «حديث : إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه الله خيراً، فنفح فيه عن يمينه وشماله، وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيراً» تفسير : قال: فمشيت معه ساعة، فقال لي: «حديث : اجلس ههنا»تفسير : ، فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي: «حديث : اجلس ههنا حتى أرجع إليك»تفسير : . قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني، فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول: «حديث : وإن زنى وإن سرق» تفسير : قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي الله، جعلني الله فداءك، من تكلم في جانب الحرة؟ ما سمعت أحداً يرجع إليك شيئاً، قال: «حديث : ذاك جبريل عرض لي من جانب الحرة، فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً، دخل الجنة، قلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر».تفسير : (الحديث السادس) قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى عن ابن أبي ليلى عن أبي الزبير، عن جابر، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: «حديث : من مات لا يشرك بالله شيئاً وجبت له الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً وجبت له النار»تفسير : ، وذكر تمام الحديث، تفرد به من هذا الوجه. (طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن عمرو بن خلاد الحراني، حدثنا منصور بن إسماعيل القرشي، حدثنا موسى بن عبيدة الرَّبَذِي، أخبرني عبد الله بن عبيدة عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئاً إلا حلت لها المغفرة، إن شاء الله عذبها وإن شاء غفر لها {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}» تفسير : ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب» تفسير : قيل: يا نبي الله، وما الحجاب؟ قال: «حديث : الإشراك بالله ـ قال: ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئاً، إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى، إن يشأ أن يعذبها، وإن يشأ أن يغفر لها، غفر لها» تفسير : ثم قرأ نبي الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}. (الحديث السابع) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة» تفسير : تفرد به من هذا الوجه. (الحديث الثامن) قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل عن عبد الله بن ناشر من بني سريع، قال: سمعت أبارَهْم قاصّ أهل الشام يقول: سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج ذات يوم إليهم، فقال لهم: «حديث : إن ربكم عز وجل خيرني بين سبعين ألفاً يدخلون الجنة عفواً بغير حساب، وبين الخبيئة عنده لأمتي» تفسير : فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، أيخبأ ذلك ربك؟ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وهو يكبر، فقال: «حديث : إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفاً، والخبيئة عنده» تفسير : قال أبو رهم: يا أبا أيوب، وما تظن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكله الناس بأفواههم، فقالوا: وما أنت وخبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو أيوب: دعوا الرجل عنكم أخبركم عن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أظن، بل كالمستيقن،إن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: «حديث : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، مصدقاً لسانه قلبه، أدخله الجنة».تفسير : (الحديث التاسع) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى بن يونس وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إليّ، قال: حدثنا عيسى بن يونس نفسه، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب الأنصاري، عن أبي أيوب، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال: «حديث : وما دينه؟» تفسير : قال: يصلي ويوحد الله تعالى. قال: «حديث : استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه» تفسير : فطلب الرجل ذاك منه، فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: "وجدته شحيحاً في دينه"، قال: فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}. (الحديث العاشر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك حدثنا أبي، حدثنا مستور أبو همام الهنائي، حدثنا ثابت عن أنس، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما تركت حاجة ولا ذا حاجة إلا قد أتيت، قال: «حديث : أليس تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟»تفسير : ثلاث مرات؟ قال: نعم، قال: «حديث : فإن ذلك يأتي على ذلك كله».تفسير : (الحديث الحادي عشر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوش اليمامي، قال: قال لي أبو هريرة: يا يمامي لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة أبداً. قلت: يا أبا هريرة، إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب، قال: لا تقلها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كان في بني إسرائيل رجلان: كان أحدهما مجتهداً في العبادة، وكان الآخر مسرفاً على نفسه، وكانا متآخيين، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: يا هذا أقصر، فيقول: خلني وربي، أبعثت عليّ رقيباً؟ قال: إلى أن رآه يوماً على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك، أقصر قال: خلني وربي، أبعثت عليّ رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة أبداً، قال: فبعث الله إليهما ملكاً، فقبض أرواحهما، واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أكنت عالماً، أكنت على ما في يدي قادراً؟ اذهبوا به إلى النار» تفسير : قال: «حديث : فوالذي نفس أبي القاسم بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته»تفسير : ، ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار، حدثني ضمضم بن جوش، به. (الحديث الثاني عشر) قال الطبراني: حدثنا أبو شيخ عن محمد بن الحسن بن عجلان الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله عز وجل: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب، غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً».تفسير : (الحديث الثالث عشر) قال الحافظ أبو بكر البزار والحافظ أبو يعلى: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا سهل ابن أبي حازم عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من وعده الله على عمل ثواباً، فهو منجزه له، ومن توعده على عمل عقاباً، فهو فيه بالخيار» تفسير : تفردا به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا بحر بن نصر الخولاني، حدثنا خالد، يعني: ابن عبد الرحمن الخراساني، حدثنا الهيثم بن حماد، عن سلام بن أبي مطيع، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر، قال: كنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وقاذف المحصنات، وشاهد الزور، حتى نزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} فأمسك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة. ورواه ابن جرير من حديث الهيثم ابن حماد به، وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري، حدثنا عبد الله بن عاصم، حدثنا صالح، يعني: المري، حدثنا أبو بشر عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب، حتى نزلت علينا هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} قال: فلما سمعناها، كففنا عن الشهادة، وأرجينا الأمور إلى الله عز وجل. وقال البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا شيبان بن أبي شيبة، حدثنا حرب بن سُريج عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر، حتى سمعنا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} وقال: «حديث : أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة»تفسير : . وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع، أخبرني مُجَبَّر عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّه} تفسير : [الزمر: 53] إلى آخر الآية، قام رجل فقال: والشرك بالله يا نبي الله؟ فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} رواه ابن جرير، وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر، وهذه الآية التي في سورة تنزيل مشروطة بالتوبة، فمن تاب من أي ذنب، وإن تكرر منه، تاب الله عليه، ولهذا قال: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا} تفسير : [الزمر: 53] أي: بشرط التوبة، ولو لم يكن كذلك، لدخل الشرك فيه، ولا يصح ذلك، لأنه تعالى قد حكم ههنا بأنه لا يغفر الشرك، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم يتب صاحبه، فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه، والله أعلم. وقوله: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} كقوله: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «حديث : أن تجعل لله نداً وهو خلقك» تفسير : وذكر تمام الحديث، وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أخبركم بأكبر الكبائر؛ الشرك بالله» تفسير : ثم قرأ: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً}، «حديث : وعقوق الوالدين» تفسير : ثم قرأ: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [لقمان: 14].
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٱأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا } من القرآن {مُصَدِّقاً لّمَا مَعَكُمْ } من التوراة {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } نمحو ما فيها من العين والأنف والحاجب {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَٰرِهَا } فنجعلها كالأقفاء لوحاً واحداً {أَوْ نَلْعَنَهُمْ } نمسخهم قردة {كَمَا لَعَنَّا } مسخنا {أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ } منهم {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ } قضاؤه {مَفْعُولاً } ولما نزلت أسلم عبد الله بن سلام فقيل كان وعيداً بشرط فلما أسلم بعضهم رُفع وَقيل يكون طمسٌ ومسخٌ قبل قيام الساعة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} يعني اليهود والنصارى. {ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا} يعني القرآن. {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} يعني كتبكم. {مِّن قَبْلِ أَن نِّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهآ} فيه قولان: أحدهما: أن طمس الوجوه هو محو آثارها حتى تصير كالأقفاء ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى، وهو قول ابن عباس، وقتادة. والثاني: أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها، أي في ضلالها ذمّاً لها بأنها لا تصلح أبداً، وهذا قول الحسن، والضحاك، ومجاهد، وابن أبي نجيح، والسدي. {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السَّبْتِ} أي نمسخهم قردة، وهو قول الحسن، وقتادة، والسدي.
ابن عطية
تفسير : هذا خطاب لليهود والنصارى، و {لما معكم} معناه من شرع وملة، لا لما كان معهم من مبدل ومغير، و"الطامس": الدائر المغير الاعلام، كما قال ذو الرمة: [البسيط] شعر : من كل نضّاخَةِ الذّفرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامسُ الاعلامِ مجهولُ تفسير : ومن ذلك قيل للأعمى المسدودة عيناه: أعمى مطموس، وقالت طائفة: "طمس الوجوه" هنا: أن تعفى أثر الحواس فيها، وتزال الخلقة منه فيرجع كسائر الأعضاء في الخلو من أعضاء الحواس، فيكون أرد على "الأدبار" في هذا الموضع بالمعنى، أي خلوه من الحواس دبراً لكونه عامراً بها، وقال ابن عباس وعطية العوفي: "طمس الوجوه" أن تزال العينان خاصة منها وترد العينان في القفا فيكون ذلك رداً على الدبر ويمشى القهقرى، وحكى الطبري عن فرقة: أن طمس الوجوه أن تتغير أعلامها وتصير منابت للشعر، فذلك هو الرد على الدبر، ورد على هذا القول الطبري، وقال مالك رحمه الله: كان أول إسلام كعب أنه مر برجل من أليل وهو يقرأ هذه الآية: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم} فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته، فأسلم مكانه، وقال: والله لقد خفت أن لا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي، وقال مجاهد والحسن والسدي والضحاك: ذلك تجوز، وإنما المراد به وجوه الهدى والرشد، وطمسها حتم الإضلال والصد عنها والتصيير إلى الكفر، وهو الرد على الأدبار، وقال ابن زيد: الوجوه هي أوطانهم وسكناهم في بلادهم التي خرجوا إليها، وطمسها: إخراجهم منها، والرد على الأدبار: هو رجوعهم إلى الشام من حيث أتوا أولاً، و {أصحاب السبت}: هم أهل أيلة الذين اعتدوا في السبت في الصيد، حسبما تقدم، وكانت لعنتهم أن مسخوا خنازير وقردة، قاله قتادة والحسن والسدي: وأمر الله في هذا الموضع واحد الأمور، دال على جنسها، لا واحد الأوامر، فهي عبارة عن المخلوقات كالعذاب واللعنة هنا، أو ما اقتضاه كل موضع مما يختص به. وقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الآية، هذه مسألة الوعد والوعيد، وتلخيص الكلام فيها أن يقال: الناس أربعة أصناف، كافر مات على كفره، فهذا مخلد في النار بإجماع، ومؤمن محسن لم يذنب قطّ ومات على ذلك، فهذا في الجنة محتوم عليه حسب الخبر من الله تعالى بإجماع، وتائب مات على توبته فهو عند أهل السنة وجمهور فقهاء الأمة لاحق بالمؤمن المحسن إلا أن قانون المتكلمين أنه في المشيئة، ومذنب مات قبل توبته، فهذا موضع الخلاف، فقالت المرجئة: هو في الجنة بإيمانه ولا تضره سيئاته، وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مخصصة في الكفار، وآيات الوعد عامة في المؤمنين، تقيّهم وعاصيهم. وقالت المعتزلة: إذا كان صاحب كبيرة فهو في النار ولا بد، وقالت الخوارج: إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو في النار مخلد ولا إيمان له، لأنهم يرون كل الذنوب كبائر، وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعد كلها مخصصة في المؤمن المحسن الذي لم يعص قط، والمؤمن التائب، وجعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كفاراً أو مؤمنين، وقال أهل السنة وأحق: آيات الوعد ظاهرة العموم، وآيات الوعيد ظاهرة العموم، ولا يصح نفوذ كلها لوجهه بسبب تعارضها، كقوله تعالى: {أية : لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} تفسير : [الليل 15-16] وهذه الآية هي الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والوعيد وقوله: {أية : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} تفسير : [الجن:23] فلا بد أن نقول: إن آيات الوعد لفظها لفظ عموم، والمراد بها الخصوص في المؤمن المحسن، وفي التائب، وفيمن سبق في علمه تعالى العفو عنه دون تعذيب من العصاة، وأن آيات الوعيد لفظها عموم، والمراد بها الخصوص في الكفرة وفيمن سبق في علمه تعالى أنه يعذبه من العصاة، وتحكم بقولنا: هذه الآية النص في موضع النزاع، وهي قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فإنها جلت الشك وردت على الطائفتين، المرجئة والمعتزلة، وذلك أن قوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به} فصل مجمع عليه، وقوله: {ويغفر ما دون ذلك} فصل قاطع بالمعتزلة راد على قولهم رداً لا محيد عنه، ولو وقفنا في هذا الموضع من الكلام لصح قول المرجئة، فجاء قوله {لمن يشاء} راداً عليهم، موجباً أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم، بخلاف ما زعموه من أنه مغفور لكل مؤمن. قال القاضي ابو محمد: ورامت المعتزلة أن ترد هذه الآية إلى قولها، بأن قالوا: " من يشاء" هو التائب، وما أرادوه فاسد، لأن فائدة التقسيم في الآية كانت تبطل، إذ التائب من الشرك يغفر له. قال القاضي أبو محمد: ورامت المرجئة أن ترد الآية إلى قولها، بأن قالوا: {لمن يشاء} معناه: يشاء أن يؤمن، لا يشاء أن يغفر له، فالمشيئة معلقة بالإيمان ممن يؤمن، لا بغفران الله لمن يغفر له، ويرد ذلك بأن الآية تقتضي على هذا التأويل أن قوله: {ويغفر ما دون ذلك} عام في كافر ومؤمن، فإذا خصص المؤمنون بقوله {لمن يشاء} وجب أن الكافرين لا يغفر لهم ما دون ذلك، ويجازون به. قال القاضي أبو محمد: وذلك وإن كان مما قد قيل - فهو مما لم يقصد بالآية على تأويل أحد من العلماء، ويرد على هذا المنزع بطول التقسيم، لأن الشرك مغفور أيضاً لمن شاء الله أن يؤمن. قال القاضي أبو محمد: ومن آيات الوعيد التي احتج بها المعتزلة، قوله تعالى: {أية : ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} تفسير : [النساء:93] والآية مخرجة عنهم لوجوه، منها: أن الأصح في تأويل قوله تعالى {متعمداً} ما قال ابن عباس: إنه أراد مستحلاً، وإذا استحل أحد ما حرم الله عليه فقد كفر، ويدل على ما قال ابن عباس: إنّا نجد الله تعالى في أمر القتل إذا ذكر القصاص لم يذكر الوعيد، وإذا ذكر الوعيد بالنار لم يذكر القصاص، فيظهر أن القصاص للقاتل المؤمن العاصي، والوعيد للمستحل الذي في حكم الكافر، ومنها من جهة أخرى أن الخلود إذا لم يقرن بقوله "أبداً" فجائز أن يراد به الزمن المتطاول، إذ ذلك معهود في كلام العرب، ألا ترى أنهم يحيّون الملوك بخلد الله ملكك، ومن ذلك قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : وَهَلْ يَعِمَنْ إلاّ سعيدٌ مُخَلَّدٌ قَليلُ الهمومِ ما يَبِيتُ بِأَوْجَالِ تفسير : وقال عبد الله بن عمرو لما نزلت {أية : قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً} تفسير : [الزمر:53] قال بعض أصحاب النبي عليه السلام: والشرك يا رسول الله، فنزلت: {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ولما حتم على أنه لا يغفر الشرك ذكر قبح موضعه وقدره في الذنوب، والفرية: أشد مراتب الكذب قبحاً، وهو الاختلاق للعصبية.
ابن عبد السلام
تفسير : {أُوتُواْ الْكِتَابَ} اليهود والنصارى. {نَّطْمِسَ وُجُوهًا} نمحو آثارها فتصير كالأقفاء ونجعل أعينها في أقفائها فتمشي القهقرى، أو نطمسها عن الهدى فنردها في الضلالة فلا تفلح أبداً {نَلْعَنَهُمْ} نمسخهم قردة.
النسفي
تفسير : ولما لم يؤمنوا نزل { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا } يعني القرآن {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ } يعني التوراة {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها. والفاء للتسبيب، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم تُوُعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر، ردها على أدبارها بعد طمسها فالمعنى: أن نطمس وجوهاً فننكس الوجوه إلى خلف والأقفاء إلى قدام. وقيل: المراد بالطمس القلب والتغيير كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة، وبالوجوه رؤوسهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وإدبارهم {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ } أي نخزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت. والضمير يرجع إلى الوجوه إن أريد الوجهاء، أو إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات. والوعيد كان معلقاً بأن لا يؤمن كلهم وقد آمن بعضهم فإن ابن سلام قد سمع الآية قافلاً من الشام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً قبل أن يأتي أهله وقال: ما كنت أرى أن أصل إلى أهلي قبل أن يطمس الله وجهي. أو أن الله تعالى أوعدهم بأحد الأمرين: بطمس الوجوه أو بلعنهم، فإن كان الطمس تبدل أحوال رؤسائهم فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان. وقيل: هو منتظر في اليهود {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ } أي المأمور به وهو العذاب الذي أوعدوا به {مَفْعُولاً } كائناً لا محالة فلا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } إن مات عليه {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } أي ما دون الشرك وإن كان كبيرة مع عدم التوبة، والحاصل أن الشرك مغفور عنه بالتوبة، وأن وعد غفران ما دونه لمن لم يتب أي لا يغفر لمن يشرك وهو مشرك ويغفر لمن يذنب وهو مذنب. قال النبي عليه السلام «حديث : من لقي الله تعالى لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ولم تضره خطيئته»تفسير : وتقييده بقوله {لِمَن يَشَاءُ } لا يخرجه عن عمومه كقوله: {أية : ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء }تفسير : [الشورى: 19]. قال علي رضي الله عنه: ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية. وحمل المعتزلة على التائب باطل لأن الكفر مغفور عنه بالتوبة لقوله تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ }تفسير : [الأنفال: 38]. فما دونه أولى من أن يغفر بالتوبة. والآية سيقت لبيان التفرقة بينهما وذا فيما ذكرنا {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً } كذب كذباً عظيماً استحق به عذاباً أليماً. ونزل فيمن زكى نفسه من اليهود والنصارى حيث قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }تفسير : [المائدة: 18]. {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }تفسير : [البقرة: 111]. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ } إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتد بها لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية ونحوه: {أية : فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ } تفسير : [النجم: 32]. {وَلاَ يُظْلَمُونَ } أي الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكية أنفسهم حق جزائهم، أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم {فَتِيلاً } قدر فتيل وهو ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ. {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } في زعمهم أنهم عند الله أزكياءٌ {وَكَفَىٰ بِهِ } بزعمهم هذا {إِثْماً مُّبِيناً } من بين سائر آثامهم. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } يعني اليهود {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ } أي الأصنام وكل ما عبدوه من دون الله {وَٱلطَّـٰغُوتِ } الشيطان {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰـؤُلاء أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلاً } وذلك أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنتم أهل الكتاب وأنتم إلى محمد أقرب منا وهو أقرب منكم إلينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا، فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس عليه اللعنة فيما فعلوا. فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلاً أم محمد؟ فقال كعب: أنتم أهدى سبيلاً. {أَوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ } أبعدهم من رحمته {وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً } يعتد بنصره. ثم وصف اليهود بالبخل والحسد وهما من شر الخصال، يمنعون ما لهم ويتمنون ما لغيرهم فقال {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ ٱلْمُلْكِ } فـ «أم» منقطعة ومعنى الهمزة الإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً } أي لو كان لهم نصيب من الملك أي ملك أهل الدينا أو ملك الله فإذا لا يؤتون أحداً مقدار نقير لفرط بخلهم، والنقير: النقرة في ظهر النواة وهو مثل في القلة كالفتيل. {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَى مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه، وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل يوم {فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ } أي التوراة {وَٱلْحِكْــمَةِ } الموعظة والفقه {وَءَتَيْنَٰهُمُ مُّلْكاً عَظِيماً } يعني ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، وهذا إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد عليه السلام، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما أوتي أسلافه {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ } فمن اليهود من آمن بما ذكر من حديث آل إبراهيم {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ } وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من أنكر نبوته وأعرض عنه {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً } للصادين. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ } ندخلهم {نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } أحرقت {بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } أعدنا تلك الجلود غير محترقة، فالتبديل والتغيير لتغاير الهيئتين لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق خلافاً للكرامية. وعن فضيل: يجعل النضيج غير نضيج {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: «أعزك الله» أي أدامك على عزك {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً } غالباً بالانتقام لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين {حَكِيماً } فيما يفعل بالكافرين {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } من الأنجاس والحيض والنفاس {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً } هو صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه كما يقال: «ليل أليل» وهو ماكان طويلاً فيناناً لا وجوب فيه ودائماً لا تنسخه الشمس وسجسجاً لا حر فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة. ثم خاطب الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا } وقيل: قد دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان، وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } قضيتم {أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ } بالسوية والإنصاف. وقيل: إن عثمان بن طلحة بن عبد الدار كان سادن الكعبة وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه مفتاح الكعبة، فلما نزلت الآية أمر علياً رضي الله عنه بأن يرده إليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد أنزل الله في شأنك قرآناً»تفسير : وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان فهبط جبريل عليه السلام وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبداً {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ } «ما» نكرة منصوبة موصوفة بـ «يعظكم به» كأنه قيل: نعم شيئاً يعظكم به، أو موصولة مرفوعة المحل صلتها ما بعدها أي نعم الشيء الذي يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف أي نعّما يعظكم به ذلك وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم. وبكسر النون وسكون العين: مدني وأبو عمرو، وبفتح النون وكسر العين: شامي وحمزة وعلي. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً } لأقوالكم {بَصِيراً } بأعمالكم. ولما أمر الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل أمر الناس بأن يطيعوهم بقوله { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } أي الولاة أو العلماء لأن أمرهم ينفذ على الأمر {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْءٍ } فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شيء من أمور الدين {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } أي ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } أي إن الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان، ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فإذا خالفوه فلا طاعة لهم لقوله عليه السلام «حديث : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».تفسير : وحكي أن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال لأبي حازم: ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله: و«أولي الأمر منكم»؟ فقال أبو حازم: أليس قد نزعت الطاعة عنكم إذا خالفتم الحق. بقوله «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله» أي القرآن و«الرسول» في حياته وإلى أحاديثه بعد وفاته {ذٰلِكَ } إشارة إلى الرد أي الرد إلى الكتاب والسنة {خَيْرٌ } عاجلاً {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } عاقبة كان بين بشر المنافق ويهودي خصومة، فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنه لا يرتشي ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ليرشوه، فاحتكما إلى النبي عليه السلام فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر. فقال اليهودي لعمر رضي الله عنه: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق فقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزل. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } وقال جبريل عليه السلام: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنت الفاروق»تفسير : {يُرِيدُونَ } حال من الضمير في« يزعمون» {أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ } أي كعب بن الأشرف سماه الله طاغوتاً لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله عليه السلام، أو على التشبيه بالشيطان، أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان بدليل قوله {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ } عن الحق {ضَلَـٰلاً بَعِيداً } مستمراً إلى الموت {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } للمنافقين {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } للتحاكم {رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } يعرضون عنك إلى غيرك ليغروه بالرشوة فيقضي لهم {فَكَيْفَ } تكون حالهم وكيف يصنعون {إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ } من قتل عمر بشرا {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم {ثُمَّ جَاءُوكَ } أي أصحاب القتيل من المنافقين {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } حال {إِنْ أَرَدْنَا } ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك {إِلاَّ إِحْسَاناً } لا إساءة {وَتَوْفِيقاً } بين الخصمين ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطاً لحكمك، وهذا وعيد لهم على فعلهم وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم ولا يغني عنهم الاعتذار. وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ...} الآية: هذا خطابٌ لليهودِ والنصارَىٰ، {وَلِمَا مَعَكُمْ}: مِنْ شَرْعٍ ومِلَّةٍ، لا لما معهم من مُبَدَّلٍ، ومُغَيَّرٍ، والطامس: الداثر المغيَّر الأعلامِ، قالتْ طائفة: طَمْسُ الوجوهِ هنا هو خُلُوُّ الحَوَاسِّ منها، وزوالُ الخِلْقَةِ، وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: طَمْسُ الوجُوه: أنْ تُزَالَ العينَانِ خاصَّة منها، وتُرَدّ العينان في القفا، فيكون ذلك رَدًّا على الأدْبَارِ، ويَمْشِي القَهْقَرىٰ، وقال مالكٌ (رحمه اللَّه): كان أول إسلام كَعْبِ الأَحْبَارِ؛ أنَّه مَرَّ برَجُلٍ من الليل، وهو يقرأُ هذه الآية: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُواْ...} الآية، فوضَعَ كَفَّيْهِ علَىٰ وَجْهه، وَرَجَعَ القَهْقَرَىٰ إلى بيته، فأسْلَمَ مكَانَهُ، وقال: «واللَّهِ، لَقَدْ خِفْتُ أَلاَّ أَبْلُغَ بَيْتِي، حتى يُطْمَسَ وجهي»، وأصْحَابُ السَّبْتِ: هم الذين ٱعْتَدَوْا في السَّبْت في الصَّيْد؛ حَسْبَمَا تقدَّم، قال قتادةُ وغيره: وأمر اللَّه في هذه الآية واحدُ الأمور دالٌّ على جِنْسها لا واحدُ الأوامر، فهي عبارةٌ عن المخْلُوقَاتِ؛ كالعَذَابِ، واللَّعْنَة هنا، أو ما ٱقتضاه كُلُّ موضِعٍ ممَّا يختصُّ به. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ...} الآية: هذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ ببَيَانِ ما تَعَارَضَ مِنْ آيات الوعْدِ والوعيدِ، وتلخيصُ الكلامِ فيها أنْ يُقَالَ: النَّاسُ أربعةُ أصْنَافٍ: كَافِرٌ مات على كُفْره، فهذا مُخَلَّد في النَّار؛ بإجمَاع، ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قطُّ، وماتَ علَىٰ ذلك، فهذا في الجنة مَحْتُومٌ علَيْه حَسَبَ الخَبَرِ من اللَّه تعالَىٰ، بإجماع، وتَائِبٌ مَاتَ علَىٰ توبتِهِ، فهو عنْدَ أَهْلِ السُّنَّة وجمهورِ فُقَهَاء الأُمَّة لاَحِقٌ بالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إلاَّ أنَّ قانُونَ المتكلِّمين أنَّه في المَشيئَةِ، ومُذْنِبٌ مَاتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فهذا هو موضعُ الخلاَفِ، فقالَت المُرْجِئَةُ: هو في الجنَّة بإيمانه، ولا تَضُرُّه سيئاته، وجعلوا آيات الوعيدِ كلَّها في الكُفَّار، وآياتِ الوَعْد عامَّةً في المؤْمنين؛ تَقِيِّهِمْ وعَاصِيهِمْ، وقالتِ المعتزِلةُ: إذا كان صاحبَ كبيرةٍ، فهو في النَّار، ولا بُدَّ، وقالتِ الخوارجُ: إذا كان صاحِبَ كَبيرة، أو صغيرةٍ، فهو في النَّار مخلَّد، ولا إيمان له؛ لأنهم يَرَوْنَ كل الذنُوبِ كبائرَ، وجعلوا آيات الوَعْدِ كلَّها في المؤمِنِ الذي لم يَعْصِ قَطُّ، والمؤمِنِ التائِبِ، وقال أهْلُ السُّنَّة: هو في المشيئة، وهذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ، وهي النصُّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وذلك أنَّ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} فصْلٌ مجمعٌ عليه، وقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} فَصْلٌ قاطع للمعتزلة، رادٌّ علَىٰ قولهم ردًّا لا محيدَ لهم عنه، ولو وقَفْنَا في هذا الموضع مِنَ الكلامِ، لَصَحَّ قولُ المرجئَةِ، فجاء قوله: {لِمَن يَشَاءُ}، ردًّا عليهم مبيناً أنَّ غفران مَا دُونَ الشِّرْك إنما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ؛ بخلاف ما زَعَمُوه مِنْ أنه مغفورٌ لكلِّ مؤمنٍ، ولما حتم سبحانه علَىٰ أنه لا يغفرُ الشِّرك، ذكر قُبْحَ موقعه، وقَدْرِهِ في الذُّنُوبِ، والفِرْيَةُ: أشدُّ مراتبِ الكَذِبِ قُبْحاً، وهو الاختلاقُ. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ...} الآية: لا خِلاَفَ بين المتأوِّلين أنَّ المراد بالآية اليهودُ، وإنما اختلفوا في المعنَى الَّذي به زَكَّوْا أنفسهم. فقال الحسن، وقتادة: ذلك قولُهُمْ: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة:18]، وقولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً} تفسير : [البقرة:111] إلى غير ذلك من غُرُورِهِم. قال * ع *: فتقتضي هذه الآيةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لنفسه بلِسَانِهِ، والإعلامَ بأنَّ الزَّاكِيَ المُزَكَّىٰ مَنْ حَسُنَتْ أفعاله، وزَكَّاه اللَّه عزَّ وجلَّ، قال ابْنُ عَبَّاس وغيره: الفَتِيلُ: الخَيْطُ الذي في شَقِّ نواة التَّمْرة، وذلك راجعٌ إلى الكناية عن تَحْقير الشَّيْء وتصغيرِهِ، وأنَّ اللَّه لا يظلمه، ولاَ شَيْءَ دونه في الصِّغَر، فكيف بما فَوْقَهُ. وقوله تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ...} الآية: يبيِّن أنَّ تزكيتهم أنفسَهُمْ كانَتْ بالباطلِ، والكَذِبِ؛ ويُقَوِّي أنَّ التزكية كانَتْ بقولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} أنَّ الاِفتراءَ أَعظمُ في هذه المقالةِ، و {كَيْفَ} يَصِحُّ أنْ تكونَ في موضِع رَفْعٍ بالاِبتداءِ، والخَبَرُ في قوله {يَفْتَرُونَ}؛ و {كَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً } خبرٌ، في ضِمْنه تعجُّب وتعجيبٌ مِنْ أمْرهم. قال * ص *: {وَكَفَىٰ بِهِ} عائدٌ علَىٰ الاِفتراءِ، وقيل: على الكذب. انتهى.
ابن عادل
حديث : وذلك أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كَلَّم أحْبَارَ اليَهُود: عَبْد اللَّهِ بن صوريا، وكَعْبَ بن الأشْرَف، فقال: يا مَعْشَر اليَهُود، اتَّقُوا اللَّه وأسْلِمُوا، والله إنكُم تَعْلَمُون أن الَّذِي جِئْتُم به الحَقّ، قالوا: ما نَعْرِفُ ذلك، وأصَرُّوا على الكُفْرِ؛ تفسير : فَنَزَلَت هذه الآية. فإن قيل: كان يَجِبُ أن يأمُرهُم بالنَّظَرِ والتفكُّر في الدَّلاَئِل، حتى يكُون إيمانُهُم اسْتِدْلاليّاً، فلما أمرهُم بالإيمان ابْتِداءً؛ فكأنه - تعالى - أمَرَهُم بالإيمَانِ على سَبِيل التَّقْليد. فالجوَابُ: أن هذا خِطابٌ مع أهْلِ الكتاب، وكانُوا عَالِمين بِهَا في التَّوْرَاة؛ ولهذا قال: {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} أي: من الآيَاتِ الموْجُودَة فِي التَّوْرَاة الدَّالة على نُبُوَّة محمد - عليه الصلاة والسلام -. قوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ} متعلِّق بالأمْرِ في قوله: {آمِنُواْ} ونطمِسُ يكون متعدِّياً ومنه هذه الآية؛ ومثلها: {أية : فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ} تفسير : [المرسلات: 8] لبنائه للمَفْعُول من غير [حَرْف] جَرٍّ، ويكُون لازِماً، يقال: طَمَسَ المَطَرُ الأعلامَ، وطَمَست الأعْلامُ. قال كعب: [البسيط]> شعر : 1808- مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذَّفْرَى إذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأعلامِ مَجْهُولُ تفسير : وقرأ الجُمْهُور: {نَّطْمِسَ} بكسر الميم، وأبو رَجَاء بِضَمِّها، وهما لُغَتَان في المُضَارِع، وقدَّر بعضهم مُضافاً أي: "عيون وجوه" ويقوَّيه أن الطَّمْس للأعْيُن؛ قال - تعالى -: {أية : لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} تفسير : [يس: 66]. فصل في معنى الطمس والخلاف فيه الطَمْسُ: المَحْوُ؛ تقول العرب في وصف المفَازَةِ: إنها طَامِسَةُ الأعلامِ، وطَمس الطَّرِيق إذا دَرَسَ، وقد طَمَسَ اللَّه على بَصَرِه؛ إذا أزَالَهُ، وَطَمَست الرِّيحُ الأثَر: إذا مَحَتْهُ، وطَمَسْت الكِتَاب: إذا مَحَوْتَه، واخْتَلَفُوا في المراد بالطَّمْسِ هُنَا. فقال ابن عباس: نَجْعَلُهَا كَخُفِّ البَعِير. وقال قتادة والضَّحَّاك: نُعْميها. وقيل: نمحو آثارهَا وما فيها من أعْيُن، وأنْف، وَفَم، وحَاجِب. وقيل: نجعل الوُجُوه منابِتَ الشَّعَر، كوُجُوهِ القِرَدَةِ، وقيل: يجعلُ عَيْنَيْهِ في القَفَا؛ فَيَمْشِي القَهْقَرَى، وقيلَ: المرادُ بـ "الوجوهِ": الوجَهَاءُ، والرؤسَاءُ. ورُوِيَ: أنَّ عبد الله بْنَ سلامٍ، ولمّا سَمِعَ هذه الآية؛ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أنْ يأتِيَ أهْلُهُ، ويدَهُ على وَجْهِهِ، وأسْلَم، وقال: يا رسُولَ الله، ما كنتُ أرَى أنْ أصِلَ إليْك؛ حَتَّى يتحولَ وَجْهِي إلى قَفَايَ؛ وكذلك كعبُ الأحْبَارِ، لَمَّا سَمِعَ هذه الآيةَ، أسْلَمَ في زَمَنِ عُمَرَ، فقال: يا رَبِّ، آمَنْتُ، يا رَبِّ، أسلمتُ؛ مخافَةَ أنْ يُصِيبَه - وعيدُ هذه - الآية. فإن قيلَ: قد أوعدهم بالطمْسِ إنْ لم يُؤمِنُوا، ولَمْ يَفْعَلْ ذلك بِهم؟ فالجوابُ: أنَّ الوَعِيدَ باقٍ، ويكونُ طَمْسٌ، ومَسخٌ في اليهود، قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وقيل: إنَّه جَعَل الوِعيدَ: إمَّا الطمسَ، وإمَّا اللَّعْنَ، وقد فَعَلَ أحَدَهُمَا، وهو اللَّعْنُ. وقيل: كان هذا وَعِيداً بشرطٍ فلما أسْلَمَ عبد الله بن سلام، وأصحابُه، رفع ذلك عن الباقينَ، وقيل: أرَادَ بِهِ في القيامةِ. وقال مُجَاهِدٌ: أراد بقوله {نَّطْمِسَ وُجُوهاً}، أيْ: يترُكهُم في الضَّلاَلَة، فيكون المرادُ طَمْسَ وَجْهِ القَلْبِ، والردَّ عن الهُدَى. وقال ابنُ زَيْدٍ: نَمْحُو آثَارَهُمْ مِنْ وجُوهِهِم، ونَوَاصيهم التي هم بها وقد لحقَ اليهودَ، ومضى، وتأويل ذلك في إجْلاءِ قُُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ إلى الشَّام، فرد اللَّهُ وُجُوهَهُم على أدْبَارِهم، حين عادوا إلى أذْرِعَاتٍ، وأريحاء من الشامِ. قوله: {عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ} فيه وَجْهَانِ: أظهرهُمَا: أنَّهُ متعلقٌ بـ {فَنَرُدَّهَا}. والثَّاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من المفعولِ في {فَنَرُدَّهَا}؛ قَالَهُ أبُو الْبَقَاءِ. قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ} عطفٌ على نَطْمِس، والضميرُ في "نلعنهم" يَعُودُ على الوُجُوهِ، على حَذْفِ مُضَاف إلَيْهِ: أيْ: وُجُوه قَوْم، أوْ عَلَى أن يُرَادَ بِهمُ: الوُجَهَاءَ والرؤساءَ، أو يعودَ على الَّذين أوتُوا الكِتَابَ، ويكونُ ذلك التِفاتاً مِنْ خَطَابٍ إلى غَيْبةٍ، وفيه اسْتِدْعاؤهُم للإيمانِ؛ حيثُ لم يُوَاجِهْهُمْ باللَّعْنَةِ بَعْدَ أن شَرَّفَهُم بكوْنِهم مِنْ أهْل الكتابِ. فصل في المراد باللعن قال مُقَاتِلٌ، وغَيْرهُ: المرادُ باللَّعْنِ: مَسْخُهُمْ قِرَدَةً، وخَنَازِير، فإنْ قيل: قد كان اللّعْنُ حَاصِلاً قبل هذا الوعيد. فالجوابُ: أن هذه اللَّعْنَةَ بعد الوعيد، أزْيَدُ تأثيراً في الخِزْيِ، وقيل: المرادُ بهذا اللَّعْن، الطَّرْدُ، والإبْعَادُ [و] قولهُ {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ}: أمرٌ واحدٌ أُريدَ به الأمُورُ، وقيل: هو مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعولِ به، أيْ: مَأمُوره، أي: ما أوْجَدَه كائِنٌ لا مَحَالَة. قال ابنُ عبَّاس: يريدُ لا رَادَّ لِحُكْمَه، ولا ناقِضَ لأمْرِه، وعلى [مَعْنَى] أنه لا يَبْعُدُ عليه شَيءٌ [يُريدُ] أن يَفْعَلهُ، وإنَّما قال: {وَكَانَ} إخباراً عن جريان عادةِ اللَّهِ في الأنْبِياءِ المتقدِّمِينَ، أنَّه مَتَى أخْبرهم بإنْزَال العَذَابِ عليْهم فعل ذلك لا مَحَالة. فصل: دفع شبهة الجبائي احتجَّ الجُبَّائِيُّ بهذه الآيةِ على أنَّ كلامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ؛ لأنَّ المفعولَ مَخْلُوقٌ. فالجوابُ: أنَّ الأمْرَ في اللُّغَةِ، جاءَ بمعنى الشَّأنِ، والطَّريقَةِ، والفِعْلِ؛ قال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} تفسير : [هود: 97].
البقاعي
تفسير : ولما بكتهم على فعلهم وقولهم وصرح بلعنهم، خوَّفهم إظهار ذلك في الصور المحسوسة فقال مقبلاً عليهم إقبال الغضب: {يا أيها الذين} منادياً لهم من محل البعد {أوتوا الكتاب} ولم يسند الإيتاء إليه تحقيراً لهم، ولم يكتف بنصيب منه لأنه لا يكفي في العلم بالمصادقة إلا الجميع {آمنوا بما نزلنا} أي تدريجاً كما نزلنا التوراة كذلك، على ما لنا من العظمة التي ظهرت في إعجازه وإخباره بالمغيبات ودقائق العلوم مما عندكم وغيره على رشاقته وإيجازه؛ وأعلم بعنادهم وحسدهم بقوله: {مصدقاً لما معكم} من حيث أنهم له مستحضرون، وبه في حد ذاته مُقِرّون. ولما أمرهم وقطع حجتهم، حذرهم فقال - مخففاً عنهم بالإشارة بحرف الجر إلى أنه متى وقع منهم إيمان في زمن مما قبل الطمس أخره عنهم -: {من قبل أن نطمس} أي نمحو {وجوهاً} فإن الطمس في اللغة: المحو؛ وهو يصدق بتغيير بعض الكيفيات، ثم سبب عن ذلك قوله: {فنردها} فالتقدير: من قبل أن نمحو أثر وجوه بأن نردها {على أدبارها} أي بأن نجعل ما إلى جهة القبل من الرأس إلى جهة الدبر، وما إلى الدبر النقل من حال إلى ما دونها من ضدها بجعلها على حال القفا، ليس فيها معلم من فم ولا غيره، ليكون المعنى بالطمس مسح ما في الوجه من المعاني؛ قال ابن هشام: نطمس: نمسحها فنسويها، فلا يرى فيها عين ولا أنف ولا فم ولا شيء مما يرى في الوجه، وكذلك {أية : فطمسنا أعينهم} تفسير : [القمر: 37] المطموس العين: الذي ليس بين جفنيه شق، ويقال: طمست الكتاب والأثر فلا يرى منه شيء. ويكون الوجه في هذا التقدير على حقيقته؛ ثم خوفهم نوعاً آخر من الطمس فقال عاطفاً على (نردها): {أو نلعنهم} أي نبعدهم جداً عن صورة البشر أن نقلب وجوههم أو جميع ذواتهم على صورة القردة {كما لعنا أصحاب السبت} إذ قلنا لهم {أية : كونوا قردة خاسئين} تفسير : [البقرة: 65] ويكون الوجه في هذا التقدير الأخير عبارة عن الجملة، فهو إذن مما استعمل في حقيقته ومجازه، ويجوز أن يكون واحد الوجهاء، فيكون عود الضمير إليه استخداماً، ويكون المراد بالرد على الأدبار جعلهم أدنياء صغرة من الأسافل - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما كان ذلك أمراً غريباً ومقدوراً عجيباً، وكان التقدير: فقد كان أمر الله فيهم بذلك - كما علمتم - نافذاً؛ أتبعه الإعلام بأن قدرته شاملة، وأن وجوه مقدوراته لا تنحصر, فقال عاطفاً على ما قدرته: {وكان أمر الله} أي حكمه وقضاؤه ومراده في كل شيء شاء منهم ومن غيره بذلك وبغيره، لأن له العظمة التي لا حد لها والكبرياء التي تعيي الأوصاف دونها {مفعولاً *} أي كائناً حتماً، لا تخلف له أصلاً، فلا بد من وقوع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا، وقد آمن بعضهم فلم يصح أنهم لم يؤمنوا، لأنه قد وقع منهم إيمان. ولما كانوا مع ارتكابهم العظائم يقولون: سيغفر لنا، وكان امتثالهم لتحريف أحبارهم ورهبانهم شركاً بالله - كما قال سبحانه وتعالى {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}تفسير : [التوبة: 31] قال - معللاً لتحقيق وعيدهم، معلماً أن ما أشير إليه من تحريفهم أداهم إلى الشرك -: {إن الله} أي الجامع لصفات العظمة {لا يغفر أن يشرك به} أي على سبيل التجديد المستمر إلى الموت سواء كان المشرك من أهل الكتاب أم لا، وزاد ذلك حسناً انه في سياق {أية : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} تفسير : [النساء: 36]. ولما أخبر بعدله أخبر بفضله فقال: {ويغفر ما دون ذلك} الأمر الكبير العظيم من كل معصيته سواء كانت صغيرة أو كبيرة، سواء تاب فاعلها أو لا، ورهب بقوله - إعلاماً بأنه مختار، لا يجب عليه شيء -: {لمن يشاء}. ولما كان التقدير: فإن من أشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً، عطف عليه قوله: {ومن يشرك} أي يوجد منه شرك في الحال أو المآل، وأما الماضي فجبته التوبة {بالله} أي الذي كل شيء دونه {فقد افترى} أي تعمد كذباً {إثماً عظيماً *} أي ظاهراً في نفسه من جهة عظمه أنه قد ملأ أقطار نفسه وقلبه وروحه وبدنه مظهراً للغير أنه إثم، فهو في نفسه منادٍ بأنه باطل مصر، فلم يدع للصلح موضعاً، فلم تقتض الحكمة العفو عنه، لأنه قادح في الملك، وإنما طوى مقدمة الضلال وذكر مقدمة الافتراء - لكون السياق لأهل الكتاب الذين ضلالهم على علم منهم وتعمد وعناد، بخلاف ما يأتي عن العرب، وفي التعبير بالمضارع استكفاف مع استعطاف واستجلاب في استرهاب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود، منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم: "حديث : يا معشر يهود اتقوا الله واسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق. فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد. فأنزل الله فيهم {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا...} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {يا أيها الذين أوتوا الكتاب...} الآية. قال: نزلت في مالك بن الصيف، ورفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {من قبل أن نطمس وجوهاً} قال: طمسها أن تعمى {فنردها على أدبارها} يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقرى، ويجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله عز وجل {من قبل أن نطمس وجوهاً} قال: من قبل أن نمسخها على غير خلقها. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت وهو يقول: شعر : من يطمس الله عينيه فليس له نور يبين به شمساً ولا قمراً تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ادريس الخولاني قال: كان أبو مسلم الخليلي معلم كعب، وكان يلومه في ابطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثه لينظر أهو هو؟ قال كعب: حتى أتيت المدينة فإذا تالٍ يقرأ القرآن {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً} فبادرت الماء اغتسل، وإني لأمس وجهي مخافة أن أطمس ثم أسلمت. وأخرج ابن جرير عن عيسى بن المغيرة قال: تذاكرنا عند إبراهيم اسلام كعب فقال: اسلم كعب في زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة فخرج إليه عمر فقال: يا كعب أسلم. قال: ألستم تقرأون في كتابكم {أية : مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً} تفسير : [الجمعة: 5] وأنا قد حملت التوراة. فتركه ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلاً من أهلها يقرأ هذه الآية {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً} قال كعب: يا رب آمنت، يا رب أسلمت، مخافة أن تصيبه هذه الآية. ثم رجع فأتى أهله باليمن ثم جاء بهم مسلمين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {من قبل أن نطمس وجوهاً} يقول: عن صراط الحق {فنردها على أدبارها} قال: في الضلالة. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: الطمس. أن يرتدوا كفاراً فلا يهتدوا أبداً {أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} أن نجعلهم قردة وخنازير. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد {فنردها على أدبارها} قال: كان أبي يقول إلى الشام أي رجعت إلى الشام من حيث جاءت ردوا إليه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: نطمسها عن الحق {فنردها على أدبارها} على ضلالتها {أو نلعنهم} يقول سبحانه وتعالى: أو نجعلهم قردة.
ابو السعود
تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إما إلى من حُكِيتْ أحوالُهم وأقوالُهم خاصةً بطريق الالتفاتِ، ووصفُهم تارةً بإيتاء الكتابِ أي التوراةِ وأخرى بإيتاء نصيبٍ منها لتوفية كلَ من المقامَين حقَّه، فإن المقصودَ فيما سبق بـيانُ أخذِهم الضلالةَ وإزالةُ ما أُوتوه بمقابلتها بالتحريف، وليس ما أزالوه بذلك كلَّها حتى يوصَفوا بإيتائه، بل هو بعضُها فوُصِفوا بإيتائه، وأما هٰهنا فالمقصودُ تأكيدُ إيجابِ الامتثالِ بالأمر الذي يعقُبه والتحذيرُ عن مخالفته من حيث أن الإيمانَ بالمصدَّق موجِبٌ للإيمان بما يصدِّقه، والكفرَ بالثاني مقتضٍ للكفر بالأول قطعاً، ولا ريب في أن المحذورَ عندهم إنما هو لزومُ الكفرِ بالتوراة نفسِها لا ببعضها، وذلك إنما يتحقق بجعب القرآنِ مصدِّقاً لكلها وإن كان مناطُ التصديقِ بعضاً منها ضرورةَ أن مصدِّقَ البعضِ مصدَّقٌ للكل المتضمِّن له حتماً، وإما إليهم وإلى غيرهم قاطبةً وهو الأظهرُ، وأياً ما كان فتفصيلُ ما فُصّل لمّا كان من مظانّ إقلاعِ كل من الفريقين عما كانوا عليه من الضلالة عقّب ذلك بالأمر بالمبادرة إلى سلوك محَجّة الهدايةِ مشفوعاً بالوعيد الشديدِ على المخالفة فقال: {آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا} من القرآن، عبّر عنه بالموصولِ تشريفاً له بما في حيز الصلةِ وتحقيقاً لكونه من عنده عز وعلا {مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ} من التوراة، عبّر عنها بذلك للإيذان بكمالِ وقوفِهم على حقيقة الحالِ فإن المعيَّةَ المستدعِيةَ لدوام تلاوتِها وتكرُّر المراجعةِ إليها من موجبات العثور على ما في تضاعيفها المؤدّي إلى العلم بكون القرآنِ مصدِّقاً لها، ومعنى تصديقِه إياها نزولُه حسبما نُعِتَ لهم فيها أو كونُه موافقاً لها في القصص والمواعيدِ والدعوةِ إلى التوحيد والعدلِ بـين الناس والنهي عن المعاصي والفواحِشِ، وأما ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكامِ بسبب تفاوتِ الأممِ والأعصارِ فليست بمخالفة في الحقيقة بل هي عينُ الموافقة من حيث أن كلاًّ منها حقٌّ بالإضافة إلى عصره متضمِّنٌ للحكمة التي عليها يدور فَلَكُ التشريعِ حتى لو تأخر نزولُ المتقدِّم لنزل على وَفق المتأخِّرِ، ولو تقدم نزولُ المتأخرِ لوافق المتقدّمَ قطعاً، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:«حديث : لو كان موسى حياً لما وسِعَه إلا اتّباعي» تفسير : {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} متعلقٌ بالأمر مفيدٌ للمسارعة إلى الامتثال به والجِدِّ في الانتهاء عن مخالفته بما فيه من الوعيد الشديدِ الواردِ على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، حيث لم يعلَّقْ وقوعُ المتوعَّدِ به بالمخالفة ولم يصرَّحْ بوقوعه عندها تنبـيهاً على أن ذلك أمرٌ محقَّقٌ غنيٌّ عن الإخبار به وأنه على شرف الوقوعِ متوجِّهٌ نحوَ المخاطَبـين، وفي تنكير الوجوهِ المفيدِ للتكثير تهويلٌ للخطب وفي إبهامها لطفٌ بالمخاطَبـين وحسنُ استدعاءٍ لهم إلى الإيمان، وأصلُ الطمسِ محوُ الآثارِ وإزالةُ الأعلام، أي آمنوا من قبل أن نمحُوَ تخطيطَ صورِها ونزيلَ آثارَها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نجعلها كخُفّ البعيرِ أو كحافر الدابةِ، وقال قتادة والضحاك: نُعْميها كقوله تعالى: {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} [القمر، الآية 37] وقيل: نجعلها منابتَ الشعرِ كوجوه القِردة. {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا} فنجعلَها على هيئة أدبارِها وأقفائِها مطموسةً مثلَها، فالفاءُ للتسبـيب أو نُنَكّسَها بعد الطمسِ فنردَّها إلى موضع الأقفاءِ، والأقفاءَ إلى موضعها، وقد اكتُفيَ بذكر أشدِّهما فالفاءُ للتعقيب، وقيل: المرادُ بالوجوه الوجهاءُ على أن الطمْسَ بمعنى مُطلقِ التغيـيرِ، أي من قبل أن نغيِّرَ أحوالَ وُجَهائِهم فنسلُبَ إقبالَهم ووجاهتَهم ونكسُوَهم صَغاراً وإدباراً، أو نردَّهم من حيث جاءوا منه، وهي أذرِعاتُ الشام، فالمرادُ بذلك إجلاءُ بني النضيرِ، ولا يخفى أنه لا يساعدُه مقامُ تشديدِ الوعيدِ وتعميمِ التهديدِ للجميع، فالوجهُ ما سبق من الوجوه، وقد اختُلف في أن الوعيدَ هل كان بوقوعه في الدنيا أو في الآخرة؟ فقيل: كان بوقوعه في الدنيا. ويؤيده ما رُوي أن عبدَ اللَّهِ بنَ سلامٍ رضي الله تعالى عنه لما قدِم من الشام وقد سمع هذه الآيةَ أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتيَ أهلَه فأسلم، وقال: يا رسولَ الله ما كنت أرى أن أصِلَ إليك حتى يتحوّلَ وجهي إلى قفايَ. وفي رواية جاء إلى النبـي عليه الصلاة والسلام ويدُه على وجهه وأسلم وقال ما قال. وكذا ما رُوي أن عمرَ رضي الله عنه قرأ هذه الآيةَ على كعب الأحبارِ، فقال كعبٌ: يا رب آمنتُ يا ربِّ أسلمتُ مخافةَ أن يصيبَه وعيدُها، ثم اختلفوا فقيل: إنه مُنتَظَرٌ بعْدُ، ولا بد من طمسٍ في اليهود ومسخٍ، وهو قولُ المبرِّد. وفيه أن انصرافَ العذابِ الموعودِ عن أوائلهم ــ وهم الذين باشروا أسبابَ نزولِه وموجباتِ حلولِه حيث شاهدوا شواهد النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوها وفي التوراة فحرّفوها وأصرُّوا على الكفر والضلالةِ وتعلَّقَ بهم خِطابُ المشافهةِ بالوعيد ثم نزولَه على من وُجد بعد مئاتٍ من السنين من أعقابهم الضالّين بإضلالهم العالَمين بما مهّدوا من قوانين الغِوايةِ ــ بعيدٌ من حكمة الله تعالى العزيزِ الحكيم، وقيل: أو وقوعَه كان مشروطاً بعدمِ الإيمانِ وقد آمن من أحبارهم المذكورانِ وأضرابُهما فلم يقعْ، وفيه أن إسلامَ بعضِهم إن لم يكن سبباً لتأكد نزولِ العذابِ على الباقين ــ لتشديدهم النكيرَ والعِنادَ بعد ازديادِ الحقِّ وضوحاً وقيامِ الحجةِ عليهم بشهادة أماثلِهم العدولِ ــ فلا أقلَّ من ألا يكونَ سبباً لرفعه عنهم، وقيل: كان الوعيدُ بوقوع أحدِ الأمرين كما ينطِقُ به قوله تعالى: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ} فإن لم يقعِ الأمرُ الأولُ فلا نزاعَ في وقوع الثاني، كيف لا وهم ملعونون بكل لسانٍ في كل زمانٍ، وتفسيرُ اللعن بالمسخ ليس بمقرَّرٍ الْبتّةَ، وأنت خبـير بأن المتبادرَ من اللعن المشبَه بلعن أصحابِ السبت هو المسخُ وليس في عطفه على الطمس والردِّ على الأدبارِ شائبةُ دلالةٍ على عدم إرادةِ المسخِ لضرورة أنه تغيـيرٌ مغايرٌ لما عُطف عليه، على أن المتوعَّدَ به لا بد أن يكون أمراً حادثاً مترتباً على الوعيد محذوراً عندهم، ليكون مَزْجرةً عن مخالفة الأمرِ ولم يُعهَدْ أنه وقع عليهم لعنٌ بهذا الوصف، إنما الواقعُ عليهم ما تداولته الألسنةُ من اللعن المستمرِّ الذي ألِفُوه وهو بمعزل من صلاحية أن يكونَ حكماً لهذا الوعيدِ أو مزجرةً للعنيد، وقيل: إنما كان الوعيدُ بوقوع ما ذُكر في الآخرة عند الحشرِ وسيقع فيها لا محالةَ أحدُ الأمرين أو كلاهما على سبـيل التوزيعِ، وأما ما روي عن عبد اللَّه بنِ سلامٍ وكعبٍ فمبنيٌّ على الاحتياط اللائقِ بشأنهما. والحق أن النظمَ الكريمَ ليس بنص في أحد الوجهين، بل المتبادرُ منه بحسب المقامِ هو الأولُ لأنه أدخلُ في الزجر وعليه مبنيٌّ ما روي عن الحَبْرين، لكن لمّا لم يتضِحْ وقوعُه عُلم أن المرادَ هو الثاني، والله تعالى أعلم وأياً ما كان فلعل السرَّ في تخصيصهم بهذه العقوبةِ من بـين العقوباتِ مراعاةُ المشاكلةِ بـينهما وبـين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريفُ والتغيـيرُ والله هو العليمُ الخبـير {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي ما أمر به كائناً ما كان أو أمرُه بإيقاع شيءٍ ما من الأشياء {مَفْعُولاً} نافذاً كائناً لا محالة فيدخُل فيه ما أُوعِدْتم به دخولاً أولياً، فالجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لما سبق، ووضعُ الاسمِ الجليلِ موضعَ الضميرِ بطريق الالتفاتِ لتربـية المهابةِ وتعليلِ الحُكمِ وتقويةِ ما في الاعتراض من الاستقلال.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً}[47] أي يحول الله عن الهدى والبصيرة إلى طبع الجهالة.
القشيري
تفسير : صرف القلوب عن الإرادة إلى أحوال أهل العادة حتى كانت دواعيه يتوفر في رفض الدنيا فعاد لا يصبر عن جمعِها ومنعِها.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين اوتوا الكتاب} اى التوراة {آمنوا بما نزلنا} من القرآن حال كونه {مصدقا لما معكم} من التوراة ومعنى تصديقه اياها نزوله حسبما نعت لهم فيها او كونه موافقا لها فى القصص والمواعيد والدعوة الى التوحيد والعدل بين الناس والنهى عن المعاصى والفواحش واما ما يتراءى من مخالفته لها فى جزئيات الاحكام بسبب تفاوت الامم بالاعصار فليست بمخالفة فى الحقيقة بل هى عين الموافقة من حيث ان كلا منهما حق بالاضافة الى عصره متضمن للحكمة التى عليها يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لو كان موسى حيا لما وسعه الا اتباعى " .تفسير : {من قبل ان نطمس وجوها} الطمس محو الآثار وازالة الاعلام اى آمنوا من قبل ان نمحو تخطيط صورها ونزيل آثارها من عين وحاجب وانف وفم {فنردها على ادبارها} فنجعلها على هيئة ادبارها وهى الاقفاء مطموسة مثلها وهذا معنى قول ابن عباس رضى الله عنهما نجعلها كخف البعير وحافر الدابة فتكون الفاء للتسبيب اى بان نردها على ادبارها او ننكسها بعد الطمس فنردها الى موضع الاقفاء والاقفاء الى موضعها على انهم توعدوا بعقابين احدهما عقيب الآخر طمسها ثم ردها على ادبارها {او نلعنهم} او نخزى اصحاب الوجوه بالمسخ {كما لعنا اصحاب السبت} مسخناهم قردة وخنازير ووقوع الوعيد مشروط بالايمان ومعلق به وجودا وعدما بمعنى ان وجد منهم الايمان لم يقع والا وقع وقد وجد الايمان منهم حيث آمن ناس منهم فلم يقع الوعيد {وكان امر الله} اى عذابه {مفعولا} كائنا لا محالة وهذا وعيد شديد لهم يعنى انتم تعلمون انه كان تهديد الله فى الامم السالفة واقعا لا محالة فكونوا على حذر من هذا الوعيد وارجعوا عن الكفر الى الايمان والاقرار بالتوبة والاستغفار. اعلم ان المسخ قد وقع فى هذه الامة ايضا. ومنه ما روى عن ابى علقمة انه قال كنت فى قافلة عظيمة فامرنا رجلا نرتحل بامره وننزل بامره فنزلنا منزلا وهو يشتم ابا بكر وعمر فقلنا له فى ذلك فلم يجب الينا بشىء فلما اصبحنا واوقرنا واصلحنا الراحلة لم يناد مناديه فجئنا ننظر ما حاله وما يصنع فاذا هو متربع وقد غطى رجليه بكساء له فكشفنا عنهما فاذا هو قد صار رجلاه كرجلى الخنازير فهيأنا راحتله وحملناه اليها فوثب من راحلته وقام برجليه وصاح ثلاث مرات صيحة الخنازير واختلط بالخنازير وصار خنزيرا حتى لا يعرفه منا احدا كذا فى روضة العلما ـ وروى ـ ان واحدا من رواة الاحاديث تحول رأسه رأس حمار لانكار وقوع مضمون حديث صحيح ورد فى حق المقتدى بالامام الرافع رأسه قبله او واضعه وحاصل الحديث ان من رفع رأسه قبل الامام او وضعه كيف لا يخاف من ان يصير رأسه رأس حمار فوقع فيما وقع وهذا هو مسخ الصورة ومسخ المعنى اشد واصعب منه فان اعمى الصورة مثلا يمكن ان يكون فى الآخرة بصيرا ولكن من كان فى هذه اعمى يعنى بالقلب فهو فى الآخرة اعمى واضل سبيلا وفضوح الدنيا اهون من فضوح الآخرة. فعلى السالك ان يجتهد حتى لا يرد وجهه الناطق الى الله تعالى على الدنيا واتباع الهوى ولا يمسخ صفاته الانسانية بالسبعة والشيطانية: قال الشيخ السعدى شعر : باتوترسم نشود شاهد روحانى دوست كالتماس توبجز عالم جسمانى نيست سعى كن تازمقام حيوان دركذرى كاهنست آينه مادامكه نورانى نيست خفتكانرا جه خبر زمزمه مرغ سحر حيوانرا خبر ازعالم انسانى نيست تفسير : قال الامام فى تفسير الآية وتحقيق القول فيها ان الانسان فى مبدأ خلقته الف هذا العالم المحسوس ثم انه عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات الى عالم المعقولات فقدامه عالم المعقولات ووراءه عالم المحسوسات فالمخذول هو الذى يرد من قدامه الى خلفه كما قال تعالى فى وصفهم {أية : ناكسوا رءوسهم} تفسير : [السجدة: 12]. انتهى فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الشر بعد الخير. عن عبد الله بن احمد المؤذن قال كنت اطوف حول البيت واذا انا برجل متعلق باستار الكعبة وهو يقول اللهم اخرجنى من الدنيا مسلما لا يزيد على ذلك شيئاً فقلت له لم لا تزيد على هذا الدعاء فقال لو علمت قصتى كنت تعذرنى فقلت وما قصتك قال كان لى اخوان وكان الاكبر منهما مؤذنا اذن رابعين سنة احتسابا فلما حضره الموت دعا بالمصحف فظننا ان يتبرك به فاخذه بيده واشهد على نفسه من حضر انه بريء مما فيه ثم تحول الى دين النصرانية فمات نصرانيا فلما دفن اذن الآخر ثلاثين سنة فلما حضره الموت فعل كما فعل الآخر فمات على النصرانية وانى اخاف على نفسى ان اصير مثلهما فادعو الله تعالى ان يحفظ على دينى فقلت ما كان ديدنهما فقال كان يتتبعان عورات النساء وينظران الى المردان فهذا من آثار الرد واللعن والمسخ فنسأل الله تعالى ان يوفقنا لتزكية النفس واصلاحها ويختم عاقبتنا بالخير شعر : خدايا بحب بنى فاطمه كه برقول ايمان كنم خاتمه
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ياأيها الذين أوتوا الكتاب} من اليهود {آمنوا بما نزلنا} من القرآن {مصدقًا لما معكم} من التوراة {من قبل أن نطمس وُجُوهاً} أي: نغير صُورها ونمحو تخطيط أشكالها، فلا تبقى عين ولا أنف ولا حاجب، {فنرُدها على} هيئة {أدبارها} من الأقفاء، أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا، {أو نلعنهم} أي: نخزيهم بالمسخ، {كما لعنَّا أصحاب السبت}، فمسخناهم قردة وخنازير، {وكان أمر الله مفعولاً}، لا مرد له، ولعله كان مشروطاً بعدم إيمان بعضهم، أو يراد بطمس الوجوه ما يكسوها من الذلة والصغار. ويراد باللعن حقيقته، أي: نلعنهم على لسانك كما لُعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم. وهذه الآية كانت سبب إسلام كعب الأحبار، سمعها من بعض الصحابة فأسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والمسخ جائز على هذه الأمة، كما وقع الأمم السابقة، بدليل ما في كتاب الأشربة من البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليكوننَّ من أمَّتي أقوام يَستحلُّون الحِر والحَريرَ، والخمر والمعازف، ولينزلنَّ أقوام إلى جَنِب علَمِ، يَروحُ عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غَدًا، فيُبيَّتُهم الله، ويضع عليهم العَلَم، ويَمسَخُ آخرين قِردَة وخنازيرَ إلى يوم القيامة ". تفسير : الإشارة: حملة الشريعة يخاطبون بالإيمان بأهل الحقيقة، لأنها لبها وصفاؤها، فإن امتنعوا من الإيمان بها ومن الإذعان لأهلها، طمس الله وجوه قلوبهم، وملأها خوفًا وجزعًا وحبًا للدنيا، وردها على أدبارها، فلا تفهم أسرارَ الكتاب ولا تفقه إشارة الخطاب، فإن قصّروا عن حقوق الشريعة، وغيَّروا أحكامها مُسخوا قردة وخنازير. وفي نوادر الأصول بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تَكُونُ فِي أُمَّتي قزَعةٌ، فَيَصيرُ النَّاسُ إلى عُلَمَائِهِمْ، فإذا هُم قِردَةٌ وخَنَازِيرُ ". تفسير : قال الترمذي الحكيم: فالمسخ: تغيير الخلقة عن جهتها، فإنما حل بهم المسخ لأنهم غيَّروا الحق عن جهته، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فمسخوا عن أعين الخلق، وقلوبُهم عن رؤية الحق. فمسخ الله صورهم وبدَّل خِلقتهم، كما بدلوا الحق باطلاً. هـ. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : المعنى: هذه الآية خطاب لأهل الكتاب: اليهود، والنصارى أمرهم الله بأن يؤمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وما أنزل عليه من القرآن، وغيره من الاحكام مصدقاً لما معهم من التوراة والانجيل اللذين تضمنا صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحة ما جاء به. وقوله: {من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها} قيل في معناه أربعة أقوال: أحدها - قال ابن عباس وعطية العوفي وقتادة: معناه نمحو آثارها حتى تصير كالقفا. ونجعل عيونها في قفاها، فتمشي القهقرى. الثاني - قال الحسن، ومجاهد، والضحاك، وابن أبي نجيح، والسدي، ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر (ع): أن معناه نطمسها عن الهدى، فنردها على أدبارها في ضلالتها ذماً لها بأنها لا تصلح أبداً، وهم وإن كانوا في الضلالة في الحال فتوعدهم بأنهم متى لم يؤمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ازدادوا بذلك ضلالا إلى ضلالتهم وإيآساً لهم أن يؤمنوا فيما بعد. الثالث - قال الفراء، واختاره البلخي، والحسين بن علي المغربي: إن معناه نجعل في وجوههم الشعر كوجه القرود. الرابع - قال قوم: معناه أن يردهم إلى الشام من الحجاز الذي هو مسكنهم، وهو أضعف الوجوه، لأنه ترك للظاهر، وخلاف أقوال المفسرين: والأدبار: جمع دبر. فان قيل: كيف يجوز تأويل من قال نجعلها كالاقفاء وهذا لم يجز على ما توعد به؟ قيل عنه جوابان: أحدهما - لأنه آمن جماعة من أولئك الكفار كعبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسد بن ربيعة، وأسد بن عبيد، ومخيرق، وغيرهم. وأسلم كعب في أيام عمر حين سمع هذه الآية، فأما من لم يؤمن منهم فانه يفعل به ذلك في الآخرة على أنه تعالى قال: أو نلعنهم، والمعنى أنه يفعل أحدهما، ولقد لعنهم الله بذلك. وقوله: {كما لعنا أصحاب السبت} يعني المسخ الذي جرى عليهم، ذكره البلخي. والجواب الثاني - أن الوعيد يقع بهم في الآخرة، لأن الله تعالى لم يذكر أنه يفعل بهم ذلك في الدنيا تعجيلا للعقوبة ذكره البلخي أيضاً، والجبائي. اللغة: والطمس هو الدثر، وهو عفو الأثر، والطامس، والداثر، والدارس بمعنى واحد. وطمست أعلام الطريق تطمس طموساً: إذا دثرت، قال كعب بن زهير: شعر : من كل نضاحة الذفرى إذا غرقت عُرضتها طامس الاعلام مجهول تفسير : والعين التي هي الجارحة عبارة عن الشق بين الجفنين. والادبار جمع دبر، وأصله من الدّبر يقولون دبره يدبره دبراً فهو دابر: إذا صار خلفه. والدبر: خلاف القبل. والدابر: التابع. ومنه قوله: {أية : والليل إذا أدبر} تفسير : أي تبع النهار. فأما أدبر فمعناه ولّى. والدبور: الريح، لأنها تدبر الكعبة إلى جهة المشرق. والدبار الهلاك. ودابرة الطائر: الاصبع التى من خلف. والدبر: النحل. والدبر: المال الكثير، والتدبير، لأنه احكام ادبار الأمور، وهي عواقبها. المعنى: وقوله: {أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} قال السدي، وقتادة، والحسن: معناه نمسخهم قردة وإنما كنى عنهم بقوله: {أو نلعنهم} بعد أن خاطبهم بقوله: {يا أيها الذين} لأمرين: أحدهما - التصرف في الخطاب، والانتقال من مواجهة إلى كناية كما قال:{أية : حتى إذا كنتم في الفلك }تفسير : فخاطب ثم قال:{أية : وجرين بهم }تفسير : فكنى. والثاني - أن يعود الضمير على أصحاب الوجوه، لأنه بمنزلة المذكور. وقوله: {وكان أمر الله مفعولاً} قيل في معناه قولان: أحدهما - ان كل أمر من أمور الله من وعد أو وعيد أو مخبر خبر فانه يكون على ما أخبر به، ذكره الجبائي. والثاني - ان معناه {وكان أمر الله مفعولاً} أي الذين يأمر به بقوله: "كن" وذلك يدل على أن كلامه محدث. وقال البلخي: معناه أنه إذا أراد شيئاً من طريق الاجبار. والاضطرار كان واقعاً لا محالة. لا يدفعه دافع، كقبض الارواح، وقلب الارض وارسال الحجارة، والمسخ وغير ذلك، فأما ما يأمر به على وجه الاختيار، فقد يقع، وقد لا يقع. ولا يكون في ذلك مغالبة له لأنه تعالى لو أراد إلجاءه إلى ما أمره به لقدر عليه.
الجنابذي
تفسير : {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} من اليهود والنّصارى ويكون تعريضاً بامّة محمّد (ص) وتهديداً لهم اومن امة محمّد (ص) على ان يكون الخطاب لهم ابتداء والاوّل اظهر {آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا} من القرآن او من ولاية علىّ (ع) {مُصَدِّقاً} ومثبتاً {لِّ} صدق {مَا مَعَكُمْ} من التّوارة والانجيل او مخرجاً عن الاعوجاج والانحناء لما معكم من احكام النّبوّة وقبول طاعة النّبىّ (ص)، وان كان المراد من ظاهر اللّفظ اليهود والنّصارى فامّة محمّد (ص) مقصودة تعريضاً {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} بمحو محاسنها واشكالها الفطريّة والكسبيّة {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ} بتغيير صور تمام اعضائهم فنمسخم {كَمَا لَعَنَّآ} ومسخنا {أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ}. اعلم انّ الانسان خلق باطنه كظاهره مستوى القامة مشتملاً على احسن هيئة يمكن له الانتقال، رجلاه منفصلتان من الارض لا كالنّبات الغائر اصله فى الارض لا يمكنه الانتقال من مكانه، مستقيماً قامته ورأسه مجرّداً بشرته محسّناً صورته بانواع المحاسن الفطريّة قابلة لانواع المحاسن الكسبيّة فكلّما بالغ فى تصفيتها وتزيينها زاد حسنها وبهاؤها وحسن صورة بدنه بخطوطها واشكالها ووضع كلّ من محالّ قواها فى موضعه اللاّئق به وبصفائها وبهائها وطراوتها وتزيينها بتصفيتها من الدّرن اللاّحق بها والحاق ما يزيّنها بها وحسن صورة باطنه ببياضها بنور الاسلام واستنارتها بنور الايمان وتوجّهها الى عالم النّور وانفصالها عن عالم الزّور وتزيينها بتصفيتها وازدياد عملها وتحسين اخلاقها بمتابعة من كان اخلاقه اخلاق الرّوحانيّين فاذا اعرض الانسان عن الولاية عن غفلة او عن جهل لم يحصل لها تزيّنها، واذا اعرض عن علم كان كمن توجّه الى قفاه، واذا تمكّن فى هذا الاعراض صار وجهه المحاذى لمقاديم بدنه منصرفاً الى قفاه كأنّه مخلوق عليه، واذا استحكم فى التّمكّن صار ممسوخاً بالمسخ الملكوتىّ، واذا استحكم هذا المسخ الملكوتىّ حتّى غلب على الملك صار صورته الملكيّة ايضاً مسخاً وعدّ بعض الفلاسفة المسخ الملكىّ من المحالات؛ وتأويل ما ورد منه فى الشّرعيّات ليس فى محلّه {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} لا مانع من نفاذه فاحذروا ما اوعدتم، ولمّا كان المقصود من الآية السّابقة تعريضاً او اصالة امّة محمّد (ص) وقد امرهم بالايمان بما نزّله وقد كان المراد ممّا نزّل ولاية علىّ (ع) كما سبق علّلها بقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثنا أبو عبد الله جعفر بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا جابر! قال أبو جعفر عليه السلام: نزل جبرئيل عليه السلام على محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية هكذا: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا} [في علي] {مصدقاً لما معكم من قبل} إلى آخر الآية.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين أُوتُوا الكتاب آمنوا بما نزَّلنا مصدَّقاً لما معكم} الآية عن ابن عباس أنها "حديث : نزلت في اليهود وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلَّم جماعة من أحبار اليهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن الأشرف وعبد الله بن سلام فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "اتَّقُوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أني جئتكم بالحق" فقالوا: لا نعرف ذلك يا محمد، وقيل: لما نزلت أتى عبد الله بن سلام إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: ما كنت أراني أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي، وسمع كعب بن الأشرف بهذه الآية فقال: يا رب آمنتُ يا رب أسلمتُ"تفسير : ، {من قبل أن نطمِسَ وجوهاً} فننكسها الوجوه إلى خلف والقفا إلى قدام، قيل: أراد بالطمس القلب والتغيير كما طمس أموال القبط وغيرها فقلبها، قوله تعالى: {أو نلعنهم} أو نخزيهم بالمسخ كما مسخنا {أصحاب السبت} قال جار الله: فإن قلت: فأين وقوع الوعيد؟ قلتُ: هو مشروط بالإِيمان وقد آمن منهم ناس، وقيل: هو منتظر ولا بد من طمس ومسخ لليهود قبل يوم القيامة ولأن الله تعالى أوعدهم بأحد الأمرين نطمس وجوه منهم أو يلعنهم فإن الطمس تبديل أحوال رؤسائهم واجلائهم إلى الشام فقد كان ذلك والظاهر اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبةً عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير} تفسير : [المائدة: 60] {وكان أمر الله مفعولاً} الآية فلا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا، قوله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الآية، قيل: نزلت في وحش وأصحابه، وقيل: لا يغفر لليهود {ويغفر ما دون ذلك} لأهل التوحيد {ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} أي ارتكبه، قوله تعالى: {ألم ترَ إلى الذين يزكون أنفسهم} نزلت في اليهود أتوا بأطفال لهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنبٌ؟ قال: "لا"، قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفّر عنا بالليل وما عملنا بالليل كفّر عنَّا بالنهار، فنزلت الآية تكذيباً لهم، قال جار الله: هم اليهود والنصارى، قالوا: هم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنَّة إلا من كان هوداً أو نصارى {بل الله يزكي من يشاء} إعلام بأن تزكية الله عزّ وجلّ هي التي يعتد بها لا تزكية غيره لأنه العالم بمن هو أهل للتزكية، ومعنى يزكي من يشاء: يزكي المرتضين من عباده الذين عرف منهم الزكاء فوصفهم به قوله تعالى: {ولا يظلمون فَتِيلاً} أي الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم أو من يشاء يثابون على جزائهم ولا ينقص من ثوابِهِم ونحوه فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى، قوله تعالى: {انظر كيف يفترون على الله الكذب} في زعمهم أنهم عند الله أزكياء {وكفى} بزعمهم هذا {إثماً مبيناً} من بين سائر آثامهم.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا}. قال بعضهم: فنردها من قِبَل أقفائها. وقال الحسن ومجاهد: فنردها على أدبارها في الضلالة. وقال الحسن: نطمسها عن الهدى. قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ}. مسخ أصحاب السبت قردة. {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً} أي إذا أراد الله أمراً أن يقول له كن فيكون. قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُّشْرَكَ بِهِ} [أي أن يعدل به غيره] {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} {وَمَن يُّشْرِكُ باللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}. ذكر عن جابر بن عبد الله قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الموجبتين فقال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات وهو مشرك بالله دخل النار .
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} الخطاب لليهود، وما نزلناه هو القرآن، وما معكم: التوراة، ويجوز أن يكون الخطاب لليهود والنصارى، وما معكم: التوراة والإنجيل ولا يمنع من تعميم الخطاب لليهود والنصارى، ما يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم أحبار اليهود: عبد الله بن صوريا، وكعب بن الأشرف وغيرهما فقال: حديث : "يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذى جئتكم به لحق" قالوا: ما نعرف ذلك، وأصروا على الكفر، فأنزل الله هذه الآية وأمرهم بالإيمان . تفسير : {مِّنْ قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً}: أى نمحوها، فإن الطمس المحو وهو متعد، كما هنا، والطمس أيضاً: الاندراس، وهو لازم، وتنكير الوجوه للتحقير، ومعنى طمسها: إزالة الحواجب والعيوم والأنوف والأفواه فتكون كالجبهة ولا حسرة أشد من حسرة ذلك، إذ تعقبها أيضاً حسرة الآخرة. {فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا}: أى فتكون بذلك الطمس قد صيرنا على هيئة أقفيتنا ليس فيها صورة الحاجب وما ذكر، والفاء سببية لأن الإخبار بحال الشىء غير نفس الشىء، فصحت السببية فإن التصريح بالطمس غير التصريح بتحقق كونها كالقفا، بل كونها كالقفا مسبب عن الطمس، تقول: محيت ذنوب فلان فكان كطفل، والحاصل أن المحو غير الحاصل من المحو، وقد أظلت التكرير، ولا أدرى أيفهم أم لا؟ ولا بأس بتحصيل السببية بوجه لا خفاء فيه، وهو أن يؤول الطمس بإرادة الطمس، فيكون الرد على الإدبار بمعنى نفس الطمس، فهو مسبب عن إرادته، وهذه الإرادة قريبة من الفعل موافقة للإرادة الأزلية، ويجوز كون لتفصيل المجمل، فإن الطمس كما يطلق على المحو، يطلق على مطلق التغير ذاتاً أو شأناً ففسره بالتصيير على صورة الإدبار، وهى الأقفية ويجوز أن يراد بالطمس محو ما فى الوجه من حاجب وعين وأنف وفم، ويرد الوجوه على أدبارها: أن تجعل الحواجب والعيون والأنوف والأفواه فى الأقفية من وراء، كم يدل عليه كلام عبد الله بن سلام الآتى، وكلام كعب الأحبار الآتى، فيكون محل وجوههم كالجبهة أو كالقفا، والفاء على هذا التفسير لمجرد التعقيب لا سببية ولا تفصيل، وعن ابن عباس: خمس الوجوه: انتزاع العينين فقط وردهما فى القفا، والفاء أيضاً للتعقيب، وذلك كله فى الدنيا على ما يتبادر، فإذا كانت كذلك فى الدنيا، كانت فى الآخرة، وقيل: ذلك فى الآخرة، وعلى كل حال لم يقع فى الدنيا، أما على أن ذلك وعيد فى الآخرة فظاهر. وأما على أنه وعيد فى الدنيا، فلأنه مشروط بعدم الإيمان وكفى فى رفع ذلك عنهم إيمان طائفة منها، وكما يرفع العذاب بحج من يحج، وبالصبيان فى المكتب، وبالبهائم الرتع، والصبيان الرضع فى الدنيا عن مستحقيه. وقيل: إن ذلك يقع فى الدنيا ولا تقوم الساعة حتى تمسخ طائفة من اليهود، روى أن عبد الله بن سلام لما سمع الآية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتى أهله وأسلم، وقال: يا رسول ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهى فى قفاى. وهذا منه رحمهُ الله تفسير للطمس، بمحو تخاطيط الوجه وتصييرها فى محل القفا من خلف، وكذا قول كعب الأحبار فى خلافة عمر رضى الله عنه، فإنه لما سمع الآية قال: أسلمت يا رب قبل أن يصيبنى وعيد هذه الآية، وعن مالك: أول إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَاب..} الآية فوضع كعب يده على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم فكأنه قال: والله لقد خفت ألا أبلغ بيتى حتى يطمس وجهى. وقيل: إن الطمس غير متعين لأن الله جل وعلا أخبرنا أنه يفعل بهم إحدى الفعلتين، إما الطمس وإما اللعن كما قال: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السَّبْتِ}: على أن المراد لعنهم على لسان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما لعنوا على لسان داود، وقيل: معنى طمس الوجوه إزالة احترامها وقبولها، ومعنى ردها على أدبارها أن يكسوها الذل والهوان، فإن الطمس تغيير فهو تغيير غير محسن، أو طمسها ما ذكر، وردها على أدبارها: ردها أو رد أصحابها إلى الشام إلى أذرعات منه وأريحا منه، وذلك بإجلاء بنى النضير وقريظة إليهما من أرض العرب، وسمى ذلك ردا لأنهم جاءوا منهما قديماً. وقيل: المراد بالوجوه الرؤساء، أى تغير حال رؤسائهم من العز إلى الذل والهوان، ومن النعمة إلى البؤس، ومن البلد إلى الغربة، وقال الحسن ومجاهد: الطمس إعماء أبصار القلوب عن الاعتبار، والأسماع عن الإصغاء إلى الحق، وردها هو ردها باختيارهم عن الهدى إلى الضلالة، والوجوه هو أنفسهم، وذلك تغيير بالجزء عن الكل، أو الرؤساء والأحبار، والفاء فى هذه الأقوال للتعقيب. وقال مقاتل: المراد بلعنهم مسخهم قردة وخنازير، والصحيح أن ليس المراد بلعنهم: مسخهم لجمع اللعن والمسخ فى قوله عز وجل: {أية : من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير}تفسير : وعلى القول الآخر: سمى المسخ لعناً أن فيه إبعاداً وطرداً، والهاء فى نلعنهم: لأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا، دل عليهم ذكر الوجوه، أو دل عليهم ذكرهم بطريق الخطاب فى قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَاب} على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، أو الهاء للوجوه على أن المراد بالوجوه الرؤساء. {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ}: الأمر هنا واحد الأمور، ومعنى الشىء الذى قضاه جل وعز من وعيد أو غيره، ولعل أصله أيضاً من الأمر ضد النهى على أنه بمعنى المأمور بالوقوع، أو المأمور به، فإن كثيراً ما يكون قدر الله بواسطة من يأمره الله بفعله، كالملك، والنبى، والدابة والطائر، بل لا مانع من إبقائه على أنه ضد النهى، أى: كان أمر الله بوقوع شىء أو بإيقاعه. {مَفْعُولاً}: يفعله الله أو من أمره الله بفعله فلا بد من وقوع الطمس والرد أو اللعن.
اطفيش
تفسير : {يَآ أّيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا} أى القرآن {مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُم} من التوراة والإنجيل {مِّن قَبْلِ أن نَّطْمِسَ} فى الدنيا والآخرة {وُجُوهاً} نمحو ما فيها من حواجب وعيون وأنوف وأفواه، فتكون كالقفا لا أنف ولا فم ولا عين ولا حاجب فقوله {فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَآ} بيان للإجمال، قيل أى نصيرها على صورة الأقفاء، أو المعنى نجعل الوجوه مكان الأقفاء، والأقفاء مكان الوجوه، وفى كل من ذلك تشويه عظيم يوجب الغم الشديد والأول أشد، أو المعنى من قبل أن نزيل عزتها ووجاهتها ونكسوها الذل والإدبار، أو من قبل أن نقبحها، أو من قبل أن نردها إلى حيث كانت، وهو أريحا وأذرعات من الشام، إذ كانوا فيها قديما، فجاءوا إلى الحجاز وقد لحقهم ذلك؛ إذ أجلى النضير إلى الشام فطمس آثارهم من الحجاز وبلاد العرب، أو من قبل أن نغير أحوالهم بالطبع على قلوبهم إلى الضلال، أو من قبل أن نذل رؤساءهم، ولما دخل غعمر بن الخطاب رضى الله عنه الشام فى خلافته قرأ قارىء هذه الآية ليلا، فسمعها كعب الأحبار، وقد جاء من اليمن، يريد بيت المقدس، فبادر إلى عمر صبحاً، وهو فى حمص، سافر إليها من المدينة، فأسلم أو جدد إسلاماً له سابقاً ضعيفاً، وقال بت خائفاً أن أطمس وأمسخ، كما قال الله جل وعلا، وقد قيل رجع إلى أهله باليمن فجاء بهم وأسلموا قبل وصول بيت المقدس {أَوْ نَلْعَنَهُمْ} يجزى أصحاب الوجوه المدلول عليهم بالوجوه، أو نخزى الوجوه أى الرؤساء، أو نخزى الذين أوتوا الكتاب، التفاتا من الخطاب إلى الغيبة، وذلك الخزى بالمسخ قردة وخنازير {كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السَّبْتِ} بالمسخ، وكذلك روى أنه لما نزلت وسمعها عبد الله بن سلام قادما من الشام بادر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتى أهله فى المدينة، وقال يا رسول الله: ما كنت أَرى أن أصل اليك حتى يتحول وجهي في قفاي، أو نلعنهم على لسانك كما لعنا أصحاب السبت على لسان داود عليه السلام، وهو أظهر لقوله تعالى: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة} الآية، فجمع بين اللعن والمسخ، فتبين أنه غير المسخ، وعلى التفسير بالمسخ رفع الله المسخ بإتيان البعض كما يرد الله العذاب عن قوم لرجل فيهم أو لأطفال المخاض، أو المراد أنهم استحقوا الطمس لا وعيد به فلم يتخلف وعيد، وقيل سيكون، وهو بعيد، لأن الذين باشروا الكفر على عهده صلى الله عليه وسلم أحق به، وأجيب بأن عادة الله الانتقام من أخلاف اليهود بما فعلوا من اتباع أسلافهم، قال المبرد: لا بد من طمس ومسخ فى اليهود قبل قيام الساعة {وَكانَ اَمَرُ اللهِ} قضاؤه كله {مَفْعُولاً} لا يبطل ولا يتبدل ولا يتغير، جعل الوليد لعبده وحشي بن حرب أن يعتقه إن قتل حمزة يوم أحد فقتله فلم يعتقه، فكتب من مكة هو وأصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خدعنا ومنعنا من الإسلام ما تقرؤه حين كنت بمكة، {أية : والذين لا يدَعون مع الله إلهاً آخر} تفسير : [الفرقان: 68] الآية، وقد فعلنا ذلك كله، فنزل {أية : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً} تفسير : [الفرقان: 70] الآيتين، فكتب بهما صلى الله عليه وسلم إليهم فكتبوا إليه، إنا نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فنزل قوله تعالى: {إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} فبعثها إليهم، فبعثوا إليه، إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته تعالى، فنزل {أية : قل يا عبادى الذين أسرفوا..} تفسير : [الزمر: 53] الآية، فبعثها إليهم، فأسلموا فجاءوا من مكة، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف قتلت حمزة؟"تفسير : فقال: كنت له بجنب صخرة ولا يعلم بى، فاستقبلته بخنجر خرج من ظهره فقال له: "حديث : ويحك، غيّب وجهك عنى"تفسير : ، فلحق بالشام، قيل مات فى خمر ولم يرتد، ومعنى قولهم نخاف أن لا نعمل صالحا نخاف أن لا نقتصر على العمل الصالح بل تارة عملا صالحا وآخر سيئا وتوهموا أنه من تاب لا تغفر له معصية فعلها بعد توبته، فأوحى الله إن الله لا يغفر الإشراك لمن أشرك ولم يتب، حتى إنه لو كان فى المسلم خصلة شرك لم ينتبه لها ولم يقبل عمله الصالح ولا اجتنابه الكبائر والصغائر إلا إن كان يقول: اللهم إنى أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم، أو اللهم اغفر لى الشرك، وما دونه، ويغفر الله ما دون ذلك الإشراك لمن يشاء، ككبيرة نسيها ولم ينو الإصرار، ولو حقا لمخلوق، فتخرج من حسناته، أو يخلصها عنه ولده أو غيره، ومثل أن تعد حسناته وسيئاته عند أصحابنا المشارقة، فتغلبها الحسنات، أو الآية من باب التنازع أى أن الله لا يغفر له أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فالهاء فى له لمن يشاء، وكأنه قيل: إن الله لا يغفر الإشراك لمن يشاء، وهو من قضى أن لا يتوب من شركه ويغفر ما دون الإشراك لمن يشاء، وهو من قضى أن يتوب أو نسى ذنبه بحيث لا يطلق عليه اسم المصر، أو من الحذف من الأول لدلالة الأخير أى لا يغفر أن يشرك به لمن يشاء، وقال أبو عمار رحمه الله: ما دون ذلك الصغائر لأنها تغفر لمن اجتنب الكبائر ولو بلا قصد توبة منها، ما لم يصر عيها، لقوله تعالى: {أية : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} تفسير : [النساء: 31]، فليس فى آيتنا هذه أن الله لا يغفر الخ، إن الكبيرة تغفر بلا توبة، والآية حجة على الخوارج، إذ قالوا إن كل ذنب شرك أو كل كبيرة شرك، وهم الصقرية والنجدية والأزارقة، قال السعد فى حاشية الكشاف: لما كانت الآية نازلة فى شأن التائب دل سبب النزول على أن المراد بقوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، لمن يكون تائباً من ذنبه فلا يفيد جواز المغفرة بدون التوبة، أهو، يعنى ردا لهذه الآية إلى سائر آيات التوبة، فلا يعترض بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، بل قيد آية بغيرها، والآية نزلت بسبب تائب كما روى أن شيخا من العرب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنى شيخ منهمك فى الذنوب إلا أنى لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع المعاصى جرأة على الله ومكابرة له وما نوهت طرفة عين أنى أعجز الله هربأ، وإنى لنادم تائب مستغفر، فماترى حالى عند الله؟ فنزلت {وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ} فى اعتقاد أو قول مع اعتقاد أو فعل مع اعتقاد {فَقَدِ افْتَرَى إثْماً عَظِيماً} أعظم من كل ذنب إلا الإياس من قبول التوبة من شىء ما، فإنه أعظم من ذلك كله، وإلا كتم نبى وحيا، فإنه أعظم من ذلك، إلا أنه لم يكتم نبى قط، حاشاهم صلى الله وسلم عليهم، والافتراء القطع، وهو حقيقة فى الكذب، وفى فعل ما لا يصلح، وقيل مجاز مرسل أو استعارة فيما لا يصلح.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} نزلت كما قال السدي في زيد بن التابوت ومالك بن الصيف. وأخرج البيهقي في «الدلائل» وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد فقال لهم: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد فأنزل الله تعالى فيهم الآية، تفسير : ولا يخفى أن العبرة لعموم اللفظ وهو شامل لمن حكيت أحوالهم وأقوالهم ولغيرهم، وجعل الخطاب للأولين خاصة ـ بطريق الالتفات، وأن وصفهم بإيتاء الكتاب تارة وبإيتاء نصيب منه أخرى لتوفية كل من المقامين حظه ـ بعيد جداً، ولما كان تفصيل هاتيك الأحوال والأقوال من مظان إقلاع من توجه الخطاب إليهم عما هم عليه من الضلالة عقب ذلك بالأمر بالمبادرة إلى سلوك محجة الهدى مشفوعاً بالتحذير والتخويف والوعيد الشديد على المخالفة فقال سبحانه: {ءَامِنُواْ} إيماناً شرعياً {بِمَا نَزَّلْنَا} أي بالذي أنزلناه من عندنا على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن {مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ} من التوراة الغير المبدلة، وقد تقدم كيفية تصديق القرآن لذلك وعبر عن التوراة بما ذكر للإيذان بكمال وقوفهم على حقيقة الحال المؤدي إلى العلم بكون القرآن مصدقاً لها {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} متعلق بالأمر مفيد للمسارعة إلى الامتثال لما فيه من الوعيد الوارد على أبلغ وجه وآكده حيث لم يعلق وقوع المتوعد به بالمخالفة ولم يصرح بوقوعه عندها تنبيهاً على أن ذلك أمر محقق غني عن الإخبار به؛ وأنه على شرف الوقوع متوجه نحو المخاطبين، وفي تنكير وجوه تهويل للخطب (مع) لطف وحسن استدعاء، وأصل الطمس استئصال أثر الشيء، والمراد آمنوا من قبل أن نمحو ما خطه الباري بقلم قدرته في صحائف الوجوه من نون الحاجب، وصاد العين، وألف الأنف، وميم الفم فنجعلها كخف البعير أو كحافر الدابة، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال الفراء والبلخي وحسين المغربـي: إن المعنى آمنوا من قبل أن نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة. {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـارِهَا} أي فنجعلها على هيئة أدبارها وإقفائها مطموسة مثلها فإن ما خلف الوجه لا تصوير فيه وهو منبت الشعر أيضاً؛ والعطف بالفاء إما على إرادة نريد الطمس، أو على جعل العطف من عطف المفصل على المجمل، وعن عطية العوفي: أن المراد ننكسها بعد الطمس بجعل العيون التي فيها وما معها في القفا، فالعطف بالفاء ظاهر، وقيل: المراد بالوجوه الوجهاء على أن الطمس بمعنى مطلق التغيير أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب وجاهتهم وإقبالهم ونكسوهم صغاراً وإدباراً، أو نردهم من حيث جاءوا منه وهي أذرعات الشام، فالمراد بذلك إجلاء بني النضير، وإلى هذا المراد ذهب ابن زيد، وضعف بأنه لا يساعده مقام تشديد الوعيد وتعميم التهديد للجميع. وقد اختلف في أن الوعيد هل كان بوقوعه في الدنيا أو في الآخرة، فقال جماعة: كان بوقوعه في الدنيا وأيد بما أخرجه ابن جرير عن عيسى بن المغيرة قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب فقال: أسلم كعب في زمان عمر رضي الله تعالى عنه أقبل وهو يريد بيت المقدس فمر على المدينة فخرج إليه عمر فقال: يا كعب أسلم قال: ألستم تقرءون في كتابكم: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} تفسير : [الجمعة: 5]؟ وأنا قد حملت التوراة / فتركه، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص فسمع رجلاً من أهلها يقرأ هذه الآية فقال: رب آمنت رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيدها، ثم رجع فأتى أهله باليمن ثم جاء بهم مسلمين، وروي أن عبد الله بن سلام لما قدم من الشام وقد سمع هذه الآية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي إلى قفاي، ثم اختلفوا فقال المبرد: إنه منتظر بعد ولا بدّ من طمس في اليهود ومسخ قبل قيام الساعة، وأيد بتنكير وجوه، والتعبير بضمير الغيبة فيما يأتي، واعترضه شيخ الإسلام بأن انصراف العذاب الموعود عن أوائلهم وهم الذين باشروا أسباب نزوله وموجبات حلوله حيث شاهدوا شواهد النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوها وفي التوراة فحرفوها وأصروا على الكفر والضلالة، وتعلق بهم خطاب المشافهة بالوعيد ثم نزوله على من (وجه بعد ما فات) من السنين من أعقابهم الضالين بإضلالهم (العاملين) بما مهدوا من قوانين الغواية بعيد من حكمة العزيز الحكيم، والجواب بأن عادة الله سبحانه قد جرت مع اليهود بأن ينتقم من أخلافهم بما صنعت أسلافهم وإن لم يعلم وجه الحكمة فيه على تقدير تسليمه لا يزيل البعد في هذه الصورة، وقال الطبرسي: «إن هذا الوعيد كان متوجهاً إليهم لو لم يؤمن أحد منهم، وقد آمن جماعة من أحبارهم فلم يقع ورفع عن الباقين»، واعترض أيضاً بأن إسلام البعض إن لم يكن سبباً لتأكد نزول العذاب على الباقين لتشديدهم النكير والعناد بعد ازدياد الحق وضوحاً وقيام الحجة عليهم بشهادة أماثلهم العدول فلا أقل من أن لا يكون سبباً لرفعه عنهم، وقيل: في الجواب إنه إذا جاز أن ينزل سبحانه البلاء على قوم بسبب عصيان بعض منهم كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} تفسير : [الأنفال: 25] فلأن يجوز أن يرفع ذلك عن الكل بسبب طاعة البعض من باب أولى لأنه سبحانه الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه. وقد ورد في الأخبار ما يدل على وقوع ذلك، ودعوى الفرق مما لا تكاد تسلم. وقيل: كان الوعيد بوقوع أحد الأمرين كما ينطق به قوله تعالى: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ} فإن لم يقع الأمر الأول فلا نزاع في وقوع الأمر الثاني فإن اليهود ملعونون بكل لسان وفي كل زمان، فاللعن بمعناه الظاهر؛ والمراد من التشبيه بلعن أصحاب السبت الإغراق في وصفه، واعترض بأن اللعن الواقع عليهم ما تداولته الألسنة وهو بمعزل من صلاحيته أن يكون حكماً لهذا الوعيد أو مزجرة عن مخالفة للعنيد، فاللعن هنا الخزي بالمسخ وجعلهم قردة وخنازير كما أخرجه ابن المنذر عن الضحاك وابن جرير عن الحسن، ويؤيده ظاهر التشبيه، وليس في عطفه على الطمس والرد على الأدبار شائبة دلالة [عدم] على إرادة ذلك ضرورة أنه (تعبير) مغاير لما عطف عليه، والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} تفسير : [المائدة: 60] لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية، وذهب البلخي والجبائي إلى أن الوعيد إنما كان بوقوع ما ذكر في الآخرة عند الحشر وسيقع فيها أحد الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيع. وأجيب عما روي عن الحبرين الظاهر في أن ذلك في الدنيا بأنه مبني على الاحتياط وغلبة الخوف اللائق (بشأنها)، وقد ورد «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يكثر الدخول والخروج في الحجرات ولا يكاد يقر له قرار إذا اشتد الهواء، ويقول: أخشى أن تقوم الساعة» تفسير : مع علمه صلى الله عليه وسلم بأن قبل قيامها القائم وعيسى عليه السلام والدجال عليه اللعنة والدابة وطلوع الشمس من مغربها إلى غير ذلك مما قصه صلى الله عليه وسلم علينا، وجوز بعضهم على تقدير كون الوعيد بالوقوع في الآخرة أن يراد بالطمس والرد على الأدبار الختم / على العين والفم والطبع عليهما، فقد قال الله تعالى: {أية : لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} تفسير : [يۤس: 66] و {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ} تفسير : [يۤس: 65] وجوز نحو هذا بعض من ادعى أن ذلك في الدنيا فقال: إن المعنى آمنوا من قبل أن نطمس وجوهاً بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار، ونصم الأسماع عن الإصغاء إلى الحق بالطبع، ونردها عن الهداية إلى الضلالة. وروي ذلك عن الضحاك وأخرجه أبو الجارود عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه، والحق أن الآية ليست بنص في كون ذلك في الدنيا أو في الآخرة بل المتبادر منها بحسب المقام كونه في الدنيا لأنه أدخل في الزجر، وعليه مبنى ما روي عن الحبرين لكن لما كان في وقوع ذلك خفاء واحتمال أنه وقع ولم يبلغنا ـ على ما في «التيسير» ـ مما لا يلتفت إليه، ورجح احتمال كونه في الآخرة، وأياً مّا كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات ـ كما قال شيخ الإسلام ـ مراعاة المشاكلة (بينها) وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريف والتغيير والفاعل والراضي سواء، والضمير المنصوب في ـ نلعنهم ـ لأصحاب الوجوه، أو ـ للذين ـ على طريق الالتفات لأنه بعد تمام النداء يقتضي الظاهر الخطاب، وأما قبله فالظاهر الغيبة، ويجوز الخطاب لكنه غير فصيح كقوله:شعر : يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا (كل شيء) بعدكم عدم تفسير : أو للوجوه إن أريد به الوجهاء {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ} بإيقاع شيء ما من الأشياء، فالمراد بالأمر معناه المعروف، ويحتمل أن يراد به واحد الأمور ولعله الأظهر أي كان وعيده أو ما حكم به وقضاه {مَفْعُولاً} نافذاً واقعاً في الحال أو كائناً في المستقبل لا محالة، ويدخل في ذلك ما أوعدتم به دخولاً أولياً، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير بطريق الالتفات لما مر غير مرة.
ابن عاشور
تفسير : أقبل على خطاب أهل الكتاب الذين أريد بهم اليهود بعد أن ذكر من عجائب ضلالهم، وإقامة الحجّة عليهم، ما فيه وازع لهم لو كان بهم وَزْع، وكذلك شأن القرآن أن لا يفلت فرصة تَعِنُّ من فُرَص الموعظة والهدى إلاّ انتهزها، وكذلك شأن الناصحين من الحكماء والخطباء أن يتوسّموا أحوال تأثّر نفوس المخاطبين ومظانّ ارعوائها عن الباطل، وتبصّرها في الحق، فينجدوها حينئذٍ بقوارع الموعظة والإرشاد، كما أشار إليه الحريري في المقامة (11) إذ قال: «فلَمَّا ألْحَدُوا المَيْت، وفَاتَ قولُ لَيْت، أشْرَفَ شَيْخ من رِبَاوَة، متَأبِّطاً لِهِرَاوة، فقال: لِمِثْلِ هذا فليعمل العاملون» الخ، لذلك جيء بقوله: {يا أيّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نّزلنا مصدّقاً لما معكم} الآية ــــ عقب ما تقدّم ــــ. وهذا موجب اختلاف الصلة هنا عن الصلة في قوله: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب}تفسير : [آل عمران: 23] لأنّ ذلك جاء في مقام التعجيب والتوبيخ فناسبته صلة مؤذنة بتهوين شأن علمهم بما أوتوه من الكتاب، وما هنا جاء في مقام الترغيب فناسبته صلة تؤذن بأنّهم شُرّفوا بإيتاء التوراة لتثير هممهم للاتّسام بميسم الراسخين في جريان أعمالهم على وفق ما يناسب ذلك، وليس بين الصلتين اختلاف في الواقع لأنّهم أوتوا الكتاب كلّه حقيقة باعتبار كونه بين أيديهم، وأوتوا نصيباً منه باعتبار جريان أعمالهم على خلاف ما جاء به كتابهم، فالذي لم يعملوا به منه كأنّهم لم يُؤتَوْه. وجيء بالصلتين في قوله: {بما نزلنا} وقوله: «بما معكم» دون الإسمين العلمين، وهما: القرآن والتوراة: لما في قوله: {بما نزلنا} من التذكير بعظم شأن القرآن أنّه منزل بإنزال الله، ولما في قوله: {لما معكم} من التعريض بهم في أنّ التوراة كتاب مستصحب عندهم لا يعلمون منه حقّ علمه ولا يعملون بما فيه، على حدّ قوله: {أية : كمثَل الحمار يحمل أسفاراً}تفسير : [الجمعة: 5]. وقوله: {من قبل أن نطمس وجوهاً} تهديد أو وعيد، ومعنى: {من قبل أن نطمس} أي آمنِوا في زمن يبتدىء من قبل الطمس، أي من قبل زمن الطمس على الوجوه، وهذا تهديد بأن يحلّ بهم أمر عظيم، وهو يحتمل الحمل على حقيقة الطمس بأن يسلّط الله عليهم ما يفسد به محيَّاهم فإنّ قدرة الله صالحة لذلك، ويحتمل أن يكون الطمس مجازاً على إزالة ما به كمال الإنسان من استقامة المدارك فإنّ الوجوه مجامع الحواسّ. والتهديد لا يقتضي وقوع المهدّد به، وفي الحديث «حديث : أمَا يخشَى الذي يرفع رأسه قبلَ الإمام أن يَجعل الله وجهه وجه حمار»تفسير : . وأصْل الطمس إزالة الآثار الماثلة. قال كعب:شعر : عُرْضَتُها طَامِسُ الأعلام مَجْهُولُ تفسير : وقد يطلق الطمس مجازاً على إبطال خصائص الشيء المألوفة منه. ومنه طمس القلوب أي إبطال آثار التميّز والمعرفة منها. وقوله: {فنردّها على أدبارها} عطف لمجرد التعقيب لا للتسبّب؛ أي من قبل أن يحصل الأمران: الطمسُ والردّ على الأدبار، أي تنكيس الرؤوس إلى الوراء، وإن كان الطمس هنا مجازاً وهو الظاهر، فهو وعيد بزوال وجاهة اليهود في بلاد العرب، ورميهم بالمذلّة بعد أن كانوا هناك أعزّة ذوي مال وعدّة، فقد كان منهم السموأل قبل البعثة، ومنهم أبو رافع تاجرُ أهل الحجاز، ومنهم كعب بن الأشرف، سيّد جهته في عصر الهجرة. والردّ على الأدبار على هذا الوجه: يحتمل أن يكون مجازاً بمعنى القهقرى، أي إصارتهم إلى بئس المصير؛ ويحتمل أن يكون حقيقة وهو ردّ هم من حيث أتوا، أي إجلاؤهم من بلاد العرب إلى الشام. والفاء على هذا الوجه للتعقيب والتسبّب معاً، والكلام وعيد، والوعيدُ حاصل، فقد رماهم الله بالذلّ، ثم أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عمر بن الخطاب إلى أذرعات. وقوله: {أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} أريد باللعن هنا الخزي، فهو غير الطمس، فإن كان الطمس مراداً به المسخ فاللعن مراد به الذلّ، وإن كان الطمس مراداً به الذلّ فاللعن مراد به المسخ. و{أصحاب السبت} هم الذين في قوله: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} وقد تقدّم في سورة البقرة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ}. لم يبين هنا كيفية لعنه لأصحاب السبت، ولكنه بين في غير هذا الموضع أن لعنه لهم هو مسخهم قردة ومن مَسَخَه الله قرداً غضباً عليه فهو ملعون بلا شك، وذلك قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} تفسير : [البقرة: 65] وقوله: {أية : فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} تفسير : [الأعراف: 166] والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بعطفه عليه في قوله: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} تفسير : [المائدة: 60] لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية، كما قاله الألوسي في تفسيره وهو ظاهر واللعنة في اللغة: الطرد والإبعاد، والرجل الذي طرده قومه وأبعدوه لجناياته تقول له العرب رجل لعين، ومنه قول الشاعر: شعر : ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين تفسير : وفي اصطلاح الشرع: اللعنة: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعلوم أن المسخ من أكبر أنواع الطرد والإبعاد.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، والمراد بهم هنا اليهود لا غير. بما نزلنا مصدقاً: القرآن. نطمس وجوها: نذهب آثارها بطمس الأعين وإذهاب أحداقها. فنردها على أدبارها: نجعل الوجه قفا، والقفا وجهاً. كما لعنا أصحاب السبت: لعنهم مسخهم قردة خزياً لهم وعذاباً مهيناً. وكان أمر الله مفعولاً: أمر الله: مأموره كائن لا محالة لأنه تعالى لا يعجزه شيء. معنى الآية الكريمة: ما زال السياق في اليهود المجاورين للرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ففي هذه الآية ناداهم الله تبارك وتعالى بعنوان العلم والمعرفة وهو نسبتهم إلى الكتاب الذي هو التوراة آمراً إياهم بالإِيمان بكتابه أي بالقرآن الكريم وبمن أنزله عليه محمد صلى الله عليه وسلم إذا الإِيمان بالمنزَّل إيمان بالمنزّل عليه ضمناً. فقال: {ءَامِنُواْ} بالفرقان المصدق لما معكم من أصول الدين ونعوت الرسول والأمر بالإيمان به ونصرته خفّوا إلى الإِيمان واتركوا التردد من قبل أن يحل بكم ما حل ببعض أسلافكم حيث مسخوا قردة وخنازير {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} فنذهب حدقة أعينها وشاخص أنوفها ونُغلق أفواهها فتصبح الوجوه أقفاء، والأقفاء وجوهاً يمشون القهقراء وهو معنى قوله: {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ} أي الذين اعتدوا منكم في السبت حيث صادوا فيه وهو محرم عليهم فمسخهم قردة خاسئين. {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي مأموره {مَفْعُولاً} ناجزاً، لا يتخلف ولا يتأخر لأن الله تعالى لا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير. هداية الآية: من هداية الآية: 1- المفروض أن ذا العلم يكون أقرب إلى الهداية، ولكن من سبقت شقوته لما يعلم الله تعالى من اختياره الشر والإِصرار عليه لا ينفعه العلم، ولا يهتدي به هؤلاء اليهود الذين دعاهم الله تعالى إلى الإِيمان فلم يؤمنوا. 2- وجوب تعجيل التوبة قبل نزول العذاب وحلول ما لا يحب الإِنسان من عذاب ونكال. 3- قد يكون المسخ في الوجوه بمسخ الأفكار والعقول فتفسد حياة المرء وتسوء وهذا الذي حصل ليهود المدينة. فنقضوا عهودهم فهلك من هلك منهم وأجلى من أجلى نتيجة إصرارهم على الكفر وعداء الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
القطان
تفسير : الكتاب: التوراة. الطمس: إزالة الأثر بمحوهِ او إخفائه. ومنه الطمس على الأموال في قوله تعالى {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} أي أهلكها وأزِلها، والطمس على الأعينِ محوُ نورها. {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ}تفسير : [يس:66]. يا أيها الذين أوتوا الكتاب، والمقصودُ اليهودُ الذين كانوا حوالي المدينة، والخِطابُ عام لجميع أهل الكتاب، آمِنوا بما أنزلنا من القرآن على محمد. فقد جاء مصدّقاً ومحققاً لما معكم، فآمِنوا به قبل أن يحلّ بكم العقاب الذي تُمْحَى به معالم وجوهكم، ونسلُبها وجاهتها، كما نعمّي عليكم السبل كما نبصّر المؤمنين بشؤونكم ونغريهم بكم. بذلك يكون سعيكم الى غير الخير، او نطردكم من رحمتنا كما لعنّا الذين خالفوا أمرنا بمزاولتهم الصيدَ يوم السبت، وكان قضاء الله نافذاً لا مردَ له.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَيُّهَآ} {ٱلْكِتَابَ} {آمِنُواْ} {أَصْحَابَ} (47) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى أهْلَ الكِتَابِ، مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، بِالإِيْمَانِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى رُسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنَ الكِتَابِ العَظِيمِ، الذِي فِيهِ تَصْدِيقُ الأخْبَارِ التِي جَاءَتْ فِي كُتُبِهِمْ، مِنْ تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وَالابْتِعَادِ عَنِ الشِّرْكِ، وَمِنَ التَّبْشِيرِ بِمُحَمَّدٍ وَشَرِيعَتِهِ، وَيَتَهَدَّدُهُمْ، إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، بِأنَّ اللهَ قَدْ يُعَاقِبُهُمْ بِطَمْسِ وُجُوهِهِمْ، فَلا يُبْقِي لَهُمْ سَمْعاً وَلاَ بَصَراً وَلا أنْفاً، وَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ إلى جِهَةِ ظُهُورِهِمْ، فَيَمْشُونَ القَهْقَرَى إلى الوَرَاءِ، أوْ يَلْعَنُهُمْ كَمَا لَعَنَ الذِينَ اعْتَدَوا في السَّبْتِ، بِالاحْتِيالِ فِي صَيْدِ الأسْمَاكِ، وَقََدْ مَسَخَهُمُ اللهُ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ. وَأمْرُ اللهِ تَعَالَى مَفْعُولٌ لاَ يُخَالَفُ وَلاَ يُمَانَعُ، وَهُوَ وَاقِعٌ لاَ مَحَالَةَ فَاحْذَرُوهُ. نَطْمِسُ وُجُوهاً - نَمْحُوَهَا أوْ نَتْرُكَهُمْ فِي الضَّلاَلَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعلم أن كل التشريعات التي جاءت من السماء لا يوجد فيها تضارب؛ فالمشرع واحد، ولن يشرع اليوم شريعة ثم يأتي رسول آخر يشرع شريعة أخرى جديدة. فأصول الأديان كلها التي جاء بها ركب الرسالات واحدة، ولا تختلف إلا في بعض الأحكام التي تتطلبها ظروف العصور، وفي التشريع الواحد تتطور الأحكام وخصوصاً ما يتعلق بالعادات، وما كان الله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده يأتي لمسألة من المسائل تعرض الناس فيها لعادة فتمكنت منهم تلك العادة، وأصبحت تقودهم أن يفعلوها ثم يأتي لينهيها بكلمة، لم تأت الكلمة الفصل إلا في العقيدة، لكن المسائل التي تحتاج لينهيها بكلمة، لم تأت الكلمة الفصل إلا في العقيدة، لكن المسائل التي تحتاج إلى التعود فالحق يتلطف في أن يخرجها خروجاً ميسوراً، بمعنى أنه يجعلها مرحليات كي لا توجد فجوة الانتقال. ويمكننا أن نشبه فجوة الانتقال: مثلما يكون هناك مَنْ يدخن السجائر، ويصل معدل تدخينه في اليوم مائة سيجارة، فإذا قلنا له: اجعله خمسين سيجارة، ثم ثلاثين، وهكذا، وبذلك نكون قد وزعنا عادته على بعض الزمن، وبدلاً من أن تكون المسافة بين السيجارة والسيجارة عشر دقائق أو نصف ساعة فلنجعلها ساعة فنكون قد كسرنا جزءاً من الاعتياد، وكذلك مرحليات الأمور الاجتماعية التي تنشأ من رتابة التعود. إن الحق سبحانه وتعالى يقول: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} [النساء: 47]. فالحق يوضح: لم نأت بحاجة جديدة، بل كلها مما عندكم. قد يقول قائل: ما دامت مما عندهم فما الداعي لها؟. نقول: لأن هناك جديداً في أقضية العصر التي لم تكن موجودة عندهم، والذي زاد هو معالجة تلك الأقضية الجديدة، ولكن أصل الإيمان موجود بالقرآن المعجز الذي ينزل من السماء؛ بالمعجزة بالتوحيد، والقضايا العقدية، كل هذه لا يوجد فيها خلاف. {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ ..} [النساء: 47]، وكلمة {أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ..} [النساء: 47] إلزام لهم بالحجة، وتعني: نحن لا نكلمكم بكلام لا تعرفونه؛ لأنه يقول: {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} [النساء: 47] إنّهم يعلمون ما معهم جيداً، فكان من الواجب أن يقارنوا ويوازنوا ما جاء لهم من جديد على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عندهم، فإن وجدوه مصدقاً لما عندهم فقد انتهت المسألة. ثم انظر إلى التهديد {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} [النساء: 47]، سبحانه يناديهم: بادروا، كما نقول مثلاً: "الحق نفسك وآمن" ويقول الحق: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ ..} [النساء: 47]. والطمس هو: المحو. فالشيء الذي طُمس هو الذي مُحي بعدما كان شيئاً مميزاً، وكلمة "وجوه" وردت في القرآن بمعانٍ متعدددة، فتطلق مرة في البدن على ما يواجه وهو "الوجه" كما في قوله: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} تفسير : [آل عمران: 106]. ونطلق الكلمة مرة على القصد والنية والوجهة، قال تعالى: {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ} تفسير : [البقرة: 112]. و "أسلم وجهه" تعني قصده ووجهته ونيته. إذن: فمرة يطلق الوجه على الوجه الذي به المواجهة، ومرة يطلق على القصد، وما العلاقة بين القصد، والنية، والوجه؟ لأن الإنسان إذا قصد شيئاً اتجه إليه بوجهه، وسار له، إذن فالوجه يطلق على هذه الجارحة "الوجه"، ويطلق على القصد والنية، وما دام يطلق بإطلاقين فيطلق على الوجه المعروف فينا، ويطلق على القصد والنية التي توجهنا فالاثنان يصحان. وقوله: {نَّطْمِسَ وُجُوهاً ..} [النساء: 47] لأنه سبحانه أوضح: أنا مكرمكم وجعلت لكم سمات تميزكم، بشكلها: حواجب، وعينين، وأنفاً جميلاً، وفماً، بحيث إنك لو أردت أن تخلق هذه الخلقة، لما استطعت، وسبحانه يعلن: أنا أقدر أن أطمس هذه الوجوه التي تميزكم، بحيث أردها على الأدبار، فيكون الوجه مثل القفا، وتصبح كقطعة اللحم، هذا إن أردنا بقوله: {نَّطْمِسَ وُجُوهاً ..} [النساء: 47]، الوجه الذي في البدن. وإن أردنا بالوجه "القصد" نقول: الذين يشترون الضلالة، والذين يريدون أن تضلوا السبيل، والذين يحرفون الكلام عن مواضعه، والذين يقولون: "راعنا"، والذين يقولون: "اسمع غير مسمع". أليس لهم وجهة؟ وما وجهتهم في هذا الموقف وما قصدهم؟ إن قصدهم هو صرف أنفسهم وصرف الناس عن اتباع محمد، فكأنه يقول لهم: بادروا وآمنوا قبل أن نطمس ونمحو قصدكم فلا يصل إلى منتهاه مِنْ صدكم عن الإيمان برسول الله، الحقوا أنفسكم قبل أن يحدث ذلك ونلعنكم ونطردكم من رحمتنا، ولذلك نجد سيدنا عبد الله بن سلام عندما سمع الآية، ذهب إلى رسول الله ويده على وجهه وقال: والله لقد خفت قبل أن أسلم أن يُطْمس وجهي. وهذا دليل على أنه آمن بأن الذي قال هذا الكلام قادر على الإنفاذ. وفي عهد سيدنا عمر - رضي الله عنه - نجد كعب الأحبار يذهب له، ولم تكن الآية قد بلغته، فلما بلغته ذهب إلى سيدنا عمر وهو واضع يده على وجهه خائفاً أن يُطمس وجهه قبل أن يعلن إسلامه. وذلك دليل على يقينه من أن الذي قال هذا الكلام قادر على الإنفاذ. وقد يقول قائل: ولكنْ منهم أناس لم يؤمنوا ولم يحدث لهم هذا الطمس. نقول: أهو قال سنطمس الوجوه فقط؟ لا، بل قال أيضاً: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ ..} [النساء: 47] ويكفي أن هناك أناساً اعتقدوا أن الطمس قد يجيء وهم من وجوه أهل الكتاب ومن أحبارهم، فالذين آمنوا برسول الله من هؤلاء كانوا يعلمون كيد اليهود، فسيدنا عبد الله بن سلام قبل أن يسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أحب أن أُسلم، ولكني أخشى إن أسلمت أن يقول اليهود فيَّ شرّاً فقبل أن أُسلم أسألهم عني، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبار اليهود: ماذا تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وحبرنا ومجَّدوه، فلما سمع ابن سلام منهم هذا الكلام قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فقالوا: هو ابن كذا وابن كذا وسبُّوه، فقال ابن سلام: يا رسول الله، ألم أقل لك: إنهم قوم بهت. فقد روي حديث : أن عبد الله بن سلام لما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فنظر إلى وجهه الكريم فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر، فقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول شرائط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال عليه السلام: "أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإن سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته" فقال: أشهد أنك رسول الله حقاً فقام ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر . تفسير : قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ ..} تفسير : [الأحقاف: 10]. {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ ..} [النساء: 47] فإن أردنا طمس الوجه حقيقة، فهو الأمر الذي خاف منه عبد الله بن سَلام وكعب الأحبار، هذا ذهب إلى رسول الله وذاك ذهب إلى عمر، وكل منهما كان يمسك وجهه خشية أن يطمس، إذن فقوله: {نَّطْمِسَ وُجُوهاً} [النساء: 47] أي نجعلها مثل "القفا" مجرد قطعة لحم من غير تمييز، أو نحول بينهم وبين قصدهم أي لا نمكنهم من الوصول إلى ما يريدون من صدهم الناس عن الإيمان برسول الله، {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ..} [النساء: 47] أو أن نطردهم من رحمتنا ومن ساحة إيماننا، فيقول الحق: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ ..} تفسير : [البقرة: 7]. ما داموا هم قد كفروا نقول لكل منهم: ألم تكن تريد أن تكفر؟ والله سيزيد لك الختم على قلبك وسنعينك على هذه الحكاية أيضاً، قال تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ..} تفسير : [البقرة: 10]. فإذا كنت أنت تريد هذه فسنعطيك ما في نفسك {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ ..} [النساء: 47] وسبحانه يخاطب اليهود، واليهود يعرفون قصة السبت ويعرفون أنها واقعة حدثت، وطردهم الله وأهلكهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً عظيماً. إذن فهو لا يأتيهم بمسألة وعيد بدون رصيد، لا، فهذا وعيد يسبقه رصيد، أنتم - يا معشر يهود - تؤمنون به وتذكرونه وله تاريخ عندكم، {كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ ..} [النساء: 47]، وقصة أصحاب السبت معروفة وإن كانت ستأتي في سورة أخرى، و "السْبت" وهو السكون والراحة، ومنه السُّبات أي النوم، فسبت يسبت يعني سكن واستقر وارتاح. {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ} [النساء: 47]، واللعن قالوا فيه: إنه الطرد والإهانة، وقالوا في معناه: إنه الإهلاك. والذين يحاولون أن يشككوا في مفهومات آيات القرآن يقولون: أنتم لا تقفون عند معنى واحد للكلمة، إما أن يراد كذا، وإما أن يراد كذا. نقول لهم: أنتم ليست لكم ملكة في اللغة حتى وإن تعلمتم اللغة فتعلُّمكم للغة تعلم صنعة لا تعلم ملكة. وتعلم الصنعة يعطيك القاعدة ولكن لا يعطيك قدرة وضع اللفظ في معناه الحقيقي ولا بيان المراد منه - واللعن - إذا كان معناه الطرد - كان يجب أن تفهموا أن الطرد يقتضي طارداً، ويقتضي مطروداً، ويقتضي مطروداً منه. ومَنْ الذي يَطْرد؟ ومن الذي يُطرد؟ وعن أي شيء يُطرد؟ حين تأخذون المعنى على هذا الوضع لا تجدون غضاضة في أن تتعدد معاني الطرد. فهب أنك تجلس للأكل ثم جاءك كلبك الذي تعتز به للحراسة ليحوم حول مائدتك، ماذا تصنع له؟ تطرده عن المائدة، ذلك طرد، وهب أنّ ابنك مثلاً صنع شيئاً وعندك ضيوف فأردت أن تخرجه من المجلس وقلت له: اذهب عند أمك، هذا طرد. وإذا كان ذنب الابن كبيراً ولك سيطرة فأنت قد تخرجه من البيت فلا يجلس فيه، وهذا طرد، وإذا كان ذنب الابن لا يُحتمل فأنت تخرجه من القرية، وهذا طرد، فإذا كان هناك إنسان قد أذنب ذنباً كبيراً وكنت صاحب قوة نافذة فأنت تخرجه من الحياة كلها فتكون قد أبعدته من الحياة كلها. إذن: فكل ذلك طرد. فإن أردنا الخزي والهوان يتأتى اللعن، وإن أردنا الإهلاك فقد هلك منهم الكثير في المعارك ونالوا الخزي والهوان؛ لأننا سبينا نساءهم وبناتهم، وقهرناهم، وأهلكناهم، وأخرجناهم من ديارهم إلى بلاد الشام وإلى أذرعات، وأهلكهم الله بالموت. إذن: فكل معاني الطرد تتأتى. فقد جاء يمس كل الذي حدث لهم، ولكنه يختلف باختلاف الطارد، وباختلاف المطرود، وباختلاف المطرود منه. وحين يقول الحق: {كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ} [النساء: 47] فهذا يدل على أن اللعن له أشياء مختلفة، أنا سآخذ منها لعن أصحاب السبت، والسبت يوم من أيام الأسبوع، أي وحدة زمنية في الأسبوع، ونلحظ أن بقية أيام الأسبوع السبعة فيها إشارات إلى العدد، يوم الأحد يعني واحداً ويوم الاثنين تعني اثنين. وهكذا في الثلاثاء والأربعاء والخميس، ففيه خمسة أيام بأعداد موجودة إلا يومين اثنين لم يؤثر فيهما العدد: يوم "الجمعة"، ويوم "السبت"، وهذان اللفظان أخذا معاني غير العددية، ولكنهما يأخذان معنى العددية بالبعدية أو القبلية. يعني: عندما نقول مثلاً "الخميس" فيكون يوم الجمعة يعني "ستة"، إنما لم يقل "ستة" وقال "الجمعة" ويوم "السبت" يكون سبعة، إذن فأنت تستطيع أن تضع العدد البعدي بعد الأعداد: واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، لكننا نجد أن لهما اسمين مختلفين؛ لأن في كل واحد منهما حدثاً غلب العددية. فـ "الجمعة" للاجتماع، فتركنا كلمة "ستة" وأخذنا بدلاً منها "الجمعة"، و "السبت" للسكون؛ لأن مادتها في اللغة: سبت يسبت، أي سكن وهدأ ولم يتحرك، مثل قول الحق: {أية : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} تفسير : [النبأ: 9]. أي سكوناً وهدوءاً. والحق سبحانه وتعالى حين يريد ابتلاء بعض خلقه ليعْلَم منازلهم من الإيمان واليقين والانصياع لأوامر الحق، يأتي فيحرم حدثاً في زمن وهو مباح في غير ذلك الزمن، فقد يحرم الصيد في أحد الأيام وكان مسموحاً بأن يصطادوا في كل يوم. وكانوا يأتون بالسمك كرزق من البحر، فجاء في هذا اليوم خصوصاً وقال لهم: لا تصطادوا في هذا اليوم، أي أن يسكنوا عن الحركة، هذا هو "السبت" بمعنى السكون، و {أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ} [النساء: 47] هم الجماعة الذين اجتمعوا على حادثة تتعلق بالسبت أو تتعلق بالسكون، أي تتعلق بعدم العمل وبعدم الحركة، وقضية أصحاب السبت شرحها الحق وتكلم عنها إجمالياً في سورة البقرة: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ ..} تفسير : [البقرة: 65]. وقوله هنا: {كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ} [النساء: 47]، لكن القصة بالتفصيل ذكرها الحق سبحانه وتعالى وقال مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله الآمر، والرسول هو الذي سأله الله أن يسأل، والمسئولون هم أصحاب الحكاية وهم اليهود، وحين يطلب الحق خبراً مؤكداً من الأخبار، قد يلقيه خبراً فيصدقه أهل اليقين الذين يثقون في الله ويصدقونه، وقد لا يتركه خبراً، بل يأتي به في صيغة الاستفهام؛ لأنه واثق أن المستفهم منه لا يجد جواباً إلا الحق الذي يريده سبحانه وتعالى، وعندما يقول ربنا لنبيه: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} تفسير : [الأعراف: 163]. ذلك حدث لا يستطيعون إنكاره، وكان من الممكن أن يقص الله الحدث من عنده، ولكنه يريد أن يوثق الحدث توثيقاً لا يحتمل إنكار منكر ولا مكابرة مكابر، فأوضح: أنا لا أقول عن الحدث، ولكن يا محمد اسألهم أنت عن هذه الحادثة فسيكون جوابهم جواباً مطابقاً لما حدث؛ لأنها مسألة واضحة لا تنكر. {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ ..} تفسير : [الأعراف: 163] وكلمة "قرية" نأخذها من "القِرَى". والقِرَى هو أن تكرم واحداً مقبلاً عليك كضيف مثلاً، ولكن ليس عندك ما يعطيه "قرى كاملاً" أي ما يقيم حياته لأيام أو شهور، بل عندك "قَرية واحدة"، أي أكلة واحدة تكفيه لوجبة واحدة، فما دام قد مر عليك فأنت تعطيه قرية واحدة - وجبة واحدة - فإن كانت البلد "أم القرى": فيكون فيها حاجات كثيرة؛ أو لأنها أعظم القرى شأناً والقَرْية التي جاء ذكرها في سورة الأعراف يتم تعريفها بأنها: {أية : حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ ..} تفسير : [الأعراف: 163] والحاضر هو القريب. فيقال: حضر فلان أي أصبح على مقربة مني، و "الحاضرة" أيضاً هي: التي إن طلبت فيها شيئاً وجدته، كما قال شوقي - رحمة الله عليه: شعر : ليلى بجانبي كل شيء إذن حضر تفسير : فكذلك "الحضر" معناه: أن كل حاجة فيها موجودة، أما البادية فحاجاتها تكون على قدر أهلها فقط، ولذلك فـ "حضر" ضد "بادية" وأخذوا منها "الحواضر" مثل العواصم الآن، إذن فقوله: {أية : حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ ..} تفسير : [الأعراف: 163] تأخذها بمعنى قريبة من البحر، أو أنها هي البلد المتحضر على البحر، أو الجامعة لأنواع الخير على البحر، وهي التي كانت بين "مدين" و "الطور" واسمها "أيلة". وقصتهم: أن الله أراد أن يبتليهم بشيء وهو: تحريم الصيد في ذلك اليوم، وما دامت {أية : حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ ..} تفسير : [الأعراف: 163]، فرزقهم على الصيد، فقال: لا تصطادوا في هذا اليوم، ولكن الله حين يريد أن يحكم الابتلاء ليعلمَ علم إبراز لخلقه مدى تنفيذهم للابتلاء، وإلا فهو عالم ماذا سيفعلون. فقال: لا تصطادوا في هذا اليوم. قد يقول قائل: لماذا حرم هذا الحدث في ذلك الزمن؟ نقول له: أنت تريد أن تعلم من الله أن كل تحريم له مضارة، نقول لك: لا، فقد يكون تحريم ابتلاء واختبار، ولذلك قال تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ..} تفسير : [النساء: 160]. "الطيبات" هي الحلال، لكنهم هم فعلوا ما يستحقون عليه العقاب، فقلنا لهم: ما دمتم تجاوزتم حدودكم وأخذتم ما ليس حلاً، فجعلتموه حلاً فلا بد أن أجعل من الحل الذي هو لكم حراماً عليكم، هذه مقابل تلك، فلماذا اجترأت على محرم فأحللته؟ وما دمت قد فعلت ذلك ولم ترتض تحليلي وتحريمي فأنا سآخذ شيئاً من الذي كان حلاً لك وأحرمك منه. إذن: فلا يتطلب من كل تحريم أن يكون فيه مضارة، إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يكون الإيمان له أصول ثابتة، ولذلك يقول: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [الحج: 11]. إذن: فالحق لا يريد من الناس أن يعبدوه على حرف؛ أي على طرف من الدين بل في وسطه وقلبه؛ أي أنهم على قلق واضطرابات في دينهم لا على سكون وطمأنينة، كالذي على طرف العسكر والجيش، فإن أحسّ بظفر ونصر وغنيمة سكن واطمأن، وإلاَّ فرّ وطار على وجهه. هو يريد منك إيماناً حقاً، ولذلك فبعض الناس يقول: سأزكي لأزيد من مالي. نقول له: أخرج من بالك ظنك أن مالك سيزيد، بل أنت تزكي لأن الله طلب منك أن تزكي. أما أن يزيد مالك فهذا شيء آخر، فلعل الله يبتلي إيمانك ويريد أن يرى: أأنت مقبلٍ على الحكم لأن الله قاله، أم لأنه سيعطيك ربحاً زائداً؟ وسبحانه حين يعطي ربحاً زائداً ستزكيه أيضاً، لكن هو يريد مَنْ يقبل على الحكم لأنه سبحانه قد قاله. وقد حرم الحق سبحانه وتعالى عليهم الصيد يوم السبت بظلم منهم، وكان من الجائز جداً ألاَّ يكون هناك مغريات على المخالفة، ولكنه أراد أن يبلوهم بلاءً حقاً فيأتي في اليوم المحرم فيه الصيد ويُكْثِر من السمك، ترى السمكة ظاهرة مثل شراع المركب، وهذا معناه إغراء بالمخالفة، فلو لم يظهر السمك في هذا اليوم لكانت المسألة عادية، لكنهم حين ينظرون السمك يجدونه قد "شرع" مثل المراكب سابحاً في الماء، {أية : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 163]. إذن: فالابتلاء جاء من أكثر من زاوية: يوم سبتهم تأتي الحيتان شُرَّعاً، وفي غير يوم السبت لا تأتي، وهذا الأمر يجعلهم في حالة قلق. فلو كانوا على اليقين والإيمان لالتزموا بالأمر. والله سبحانه وتعالى يريد أن يمحصهم التمحيص الدقيق، فماذا هم فاعلون؟ هم يريدون أن ينفذوا الأمر، إنما طمعهم المادي يصعب عليهم ألا يصطادوا هاذا السمك الذي يأتيهم يوم السبت، ولو أنهم وثقوا بعطاء الله في المنع لنجحوا في الاختبار. ذلك أن الحق قد يجعل في المنع عطاء، لكن مَنْ الذي يتنبه لذلك؟ لم يقولوا: ما عند الله خير من هذا السمك الشُّرع الذي يأتينا ويلفتنا. لكنهم احتالوا حيلاً، مثلاً: صنعوا من الأسلاك والحبال "مصايد" و "جُبًى".و "ملاقف" يحجزون بها هذا السمك الشُّرع في الماء ثم يأتون في اليوم التالي فيجدونه محبوساً، وظنوا أنهم بذلك احتالوا على الله ولم يتفهموا معنى الصيد، فالصيد هو جعل السمك في حيازتك، وما دمت قد عملت بحيث تتمكن من حيازة السمك في أي وقت تكون قد اصطدت. إذن: فهم يحتالون على الله؛ ولذلك قال سبحانه: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} تفسير : [الأعراف: 163]. وما دام الواحد منهم يفسق ويحل لنفسه شيئاً حرمه ربنا عليه، فيوضح له ربنا: ما دمت قد فعلت ذلك فسوف أحرم عليك شيئاً أحللته لك؛ لأنك أعطيت لنفسك حرية في أن تُحل ما حرمت، فأنا سأحرم ما أحللت لك. {أية : وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف: 164]. وهذا دليل على وجود عناصر خير فيما بينهم، وقالت عناصر الخير: اتقوا الله. فقال لهم آخرون: لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم، إذن فهناك ثلاث جماعات: جماعة خالفوا، وجماعة أرادوا أن يعظوهم كي لا يقعوا في المخالفة، وجماعة لاموا من يعظونهم وقالوا: دعوهم ليهلكهم الله أو يعذبهم، {أية : ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ..} تفسير : [الأعراف: 164]، فقالت الجماعة التي تعظ: نحن نريد بالوعظ أن يكون لنا عذر أمام الله بأننا لم نسكت على المنكر ونحن نعمل لأنفسنا. {أية : قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 164] وأيضاً فلعلهم يتقون ربّهم بترك ما هم فيه من المعصية والفسق. فماذا حدث؟ يقول الحق: {أية : فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} تفسير : [الأعراف: 165]. وما دام قد قال: "أنجينا"، فهناك مقابلها وهو "أهلكنا"، إذن فجاء هنا "اللعن" بمعنى الهلاك. ويختم الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} [النساء: 47] نعم لأن الحق سبحانه وتعالى بقدرته الشاملة وصفات جلاله الكاملة، لا يتخلف شيء في وجوده عن أمره، فإذا وعد بشيء فلا بد أن يحدث، فأمر الله غير أوامر البشر، فأوامر البشر هي التي تتخلف أحياناً سواء أكانت وعداً أم وعيداً، لأنك قد تعد إنساناً بخير، ولكنك ساعة آداء الخير لا تستطيعه، فتكون قدرتك هي التي تحتاج إلى أداء الخير. أو توعد إنساناً وتهدده بشرّ، وستعمل فيه كذا غداً، وقد يأتيك غداً مرض يقعدك فلا تستطيع إنفاذ وعيدك. إذن: فأنت قد لا تستطيع إنفاذ شيء من وعدك ولا شيء من وعيدك؛ لأن قدرتك من الأغيار، وما دامت قدرتك من الأغيار فقد توجد أو لا توجد. لكن الحق سبحانه وتعالى إذا قال بوعد أو قال بوعيد أيوجد شيء يغير هذا؟ لا، إذن فساعة يقول ربنا بوعد أو بوعيد فاعرف أن هذا سيحدث في الوعد، أما في الوعيد فإن الله قد يتجاوز عنه كرماً وفضلاً ما عدا الشرك بالله. ونعرف أن الحق سبحانه وتعالى يوزع الأحداث على الزمن، فلا زمن يقيده؛ لأنه يملك كل الزمن، أما أنت كواحد من البشر فتتكلم عن الحدث حسب زمانه. فإن كان هناك حدث قد حصل قبل أن تتكلم أنت عنه، فتقول: فعل "ماض". أي أن الحدث قد وقع في زمن قبل زمن تكلمك، وإن كان الحدث يقع في وقت تكلمك، كان الفعل "مضارعاً"، والمضارع صالح للحال وللاستقبال، تقول: فلان يأكل. وذلك يعني أنه يأكل الآن. وإن قلت: "سيأكل" أي: أنه سيأكل بعد قليل، فإذا قلت عن أمر مستقبل إن هذا الأمر سيحدث، أتملك أنت أن يحدث؟ لا. إذن فالكلام منك على الاستقبال قد يكذب وقد يصدق، لكن إذا قال الحق وأخبر عن أمر مستقبل وعبّر عنه بالفعل الماضي فمعنى ذلك أنه حادث لا محالة؛ ولذلك فالزمن عند ربنا مُلغى. وعندما نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 1]. و"أتى" هذه فعل ماض، وقوله: "أتى" يدل على أنه أمر قد حدث قبل أن يتكلم، وقوله: "فلا تستعجلوه" دلّ على أنه لم يحدث، فالذي يشكك في القرآن يقول: ما هذا الذي يقوله القرآن؟ يقول: "أتى أمر الله" وهو لم يأت؟ نقول له: هذا الكلام عندك أنت. لكن إذا قال الله: إنه "أتى" فهو آتٍ لا محالة، فاحكم على الحدث المستقبل من الله على أنه أمر كائن كما يكون كائناً ماضياً، ما دام قال فلا رادّ لأمره. "أتى أمر الله" فهي تعني سيأتي. ولا توجد قدرة في خلقه تصرف مراده أو تعجزه عن أن يفعل. وقوله سبحانه: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} [النساء: 47] جاء لأنه قال من قبل {أَوْ نَلْعَنَهُمْ ..} [النساء: 47] هذه مستقبل. وقد يقول قائل: أن {نَلْعَنَهُمْ ..} [النساء: 47] تعني أن اللعنة لم تأت وقد لا تحدث، ونقول: لا؛ لأن أمر الله كان مفعولاً، فإياك أن تأخذ "نلعن" هذه التي للمستقبل كي تطبقها عند ربنا، لأن الحق سبحانه وتعالى يوضح لك: أنت الذي عندك المستقبل، والمستقبل قد يقع منك أو لا يقع؛ لأنك لا تملك أسباب نفسك، تقول: سأعمل الشيء الفلاني غداً. وقد يأتي غداً وتكون أنت غير موجود هذه واحدة، أو تقول: سأقابل فلاناً. وفلان هذا قد لا يكون موجوداً فقد يموت، أو قد يتغير رأيك ويأتيك الشيء الذي كنت تطلبه قبل أن تتكلم مع ذلك الإنسان، أو قد تقول: أنا سأنتقم من فلان، وعندما يأتي وقت الانتقام يهدأ قلبك. إذن: فأنت لا تملك شيئاً من هذا، فلا يصح أن تجادل؛ ولذلك يعلمنا الله الأدب مع الأحداث ومع الكون ومع المكوِّن، ويخرجنا عن أن نكون كذابين فيقول لرسوله: {أية : وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الكهف: 23-24]. يعلمك الحق ذلك حتى لا تكون كذاباً، فإن قلت: أنا فاعل ذلك غداً ثم لا تفعله، وما دمت لا تفعله فتكون كذاباً مجترئاً؛ لأنك افترضت في نفسك القدرة على الوجود. وكل حدث من الأحداث مثلما قلنا: يحتاج إلى "فاعل"، ويحتاج إلى "مفعول" يقع عليه، ويحتاج إلى "زمن" ويحتاج إلى "سبب"، ويحتاج إلى "قدرة" تبرزه في المستقبل، قل لي بالله عليك: ماذا تملكه من عناصر الفعل؟ أنت لا تملك وجود نفسك ولا تملك وجود المفعول ولا تملك السبب، ولا تملك القدرة، ولا تملك شيئاً، فأدباً منك عليك أن تقول: "إن شاء الله" فإن لم يحدث تقول: أنا قلت إن شاء الله وهو لم يشأ، فتكون قد خرجت من التبعة، ولم تكن كذاباً. إذن: فقول الحق: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} [النساء: 47] لأنه قال: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ ..} [النساء: 47]. و "نلعن" هذا فعل مضارع ويأتي من بعد ذلك، فواحد قد يقول: إنه سبحانه قال: سيلعن، فهل ستتحقق اللعنة؟ نقول له: نعم؛ لأنه قال: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} [النساء: 47]. وكذلك ساعة تقرأ أو تقول: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} تفسير : [النساء: 99]. فعليك أن تضيف: ولا يزال غفوراً رحيماً، لأن صفة الرحمة لم توجد له ساعة وجد المرحوم، لا، بل معنى "رحيم" أنه سبحانه يرحم غيره والذي وُجد ليتلقى رحمته سبحانه إنما جاء بعد أزليَّة رحمة الله ومغفرته. فسبحانه أزليّ قديم. والصفة أزلية وقديمة بقدمه سبحانه قبل أن يوجد من يرحمه، وهو لا تأتيه أغيار. وما دام سبحانه رحيماً قبل أن يُوجِدَ مرحوماً له فإذا أوجد مرحوماً له، أتنحلّ الصفة أم تبقى؟ إنها باقية دائماً فكان الله ولا يزال غفوراً رحيماً، {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} [النساء: 47] نعم، لأنه قد يفعله بأسبابه وقد يفعله بدون أسباب فالأمر متروك لمشيئته فإما أن يوجد الشيء من غير سبب أو يوجده بسبب، والشيء الموجود بالسبب مخلوق بالمسبّب فسبحانه خلق الأسباب. وبعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية عقدية أساسية في صلة الإنسان بالحق سبحانه وتعالى. فيقول: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا} معناهُ نُسَوّيها حتّى تَعودَ كأقْفَائِهمْ.
الأندلسي
تفسير : {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ} الآية، حديث : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم احبار اليهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب إلى الاسلام، وقال لهم: إنكم لتعلمون أن الذي جئت به حق، فقالوا: ما نعرف ذلك فنزلت تفسير : ، قاله ابن عباس. ومناسبتها لما قبلها هو أنه تعالى لما رجاهم بقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ}تفسير : [النساء: 46] الآية، خاطب من يرجى إيمانه منهم بالأمر بالإِيمان وقرن بالوعيد البالغ على تركه ليكون ادعى لهم إلى الإِيمان والتصديق به ثم أزال خوفهم من سوء الكبائر السابقة بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية، وتوعدهم ان لم يؤمنوا بأحد أمرين الطمس أو اللعن الموصوف. والظاهر أن معنى الطمس: جعل الحاجبين والعينين والأنف والفم لوحاً واحداً، ثم يقلب مشرفاً على الظهر ويصير القفا مشرفاً على الصدر، وهذا تشويه عظيم لمحاسن الإِنسان. وقيل: هو على حذف مضاف أي نطمس أعين وجوه ونجعلها في القفا. وقرىء: نطمس بضم الميم وكسرها. واللعن هو المتعارف وتقوم قبل ولكن لعنهم الله وهذا لعن مطلق، وفي هذه الآية لعن مقيد بقوله: كما لعنا أصحاب السبت. وقيل: وأصحاب السبت هم أهل آيلة مسخوا قردة وخنازير. ولما سمع عبد الله بن سلام هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله ويده على وجهه وأسلم وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أني أحل إليك حتى يحوّل وجهي في قفاي. {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} المعنى الذي أراد إيجاده وتعلق أمره به لا بد من وجوده. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية، قيل: حديث : نزلت في وحشي وأصحابه وكان جعل له على قتل حمزة أن يعتق فلم يوف له فقدم مكة وقدم على الذي صنعه هو وأصحابه ثم قدموا مسلمين وقص كيفية قتل حمزة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيّب وجهك عني فلحق بالشام وبقي بها حتى مات تفسير : وقصته مشهورة في السير ومذاهب الناس. في هذه الآية مختلفة فاجمع المسلمون على تخليد من مات كافراً في النار وعلى تخليد من مات مؤمناً لم يذنب قط في الجنة فأما تائب مات على توبته ففي الجنة. وأما مذنب مات قبل توبته فالخوارج تقول: هذا مخلد في النار سواء كان صاحب كبيرة أم صاحب صغيرة. والمرجئة تقول: هو في الجنة بإِيمانه ولا تضره سيئاته. والمعتزلة تقول: إن كان صاحب كبيرة خلد في النار. وأهل السنة يقولون: هو في المشيئة فإِن شاءَ الله تعالى غفر له وأدخله الجنة من أول وهلة. وإن شاء عذبه وأخرجه من النار وأدخله الجنة بعد مخلداً فيها. وحُجَج هذه المذاهب مذكورة في علم أصول الدين. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} والمعنى إن من مات مشركاً لا يغفر له. وهو أصل مجمع عليه من الطوائف الأربع. وقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} رداً على الخوارج وعلى المعتزلة لأن ما دون ذلك عام يدخل فيه الكبائر والصغائر. وقوله: {لِمَن يَشَآءُ} راد على المرجئة إذ مدلوله أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم على ما شاء الله تعالى بخلاف ما زعموه بأن كل مؤمن مغفور له.
الجيلاني
تفسير : ثم ناداهم سبحانه وأوعدهم رجاء أن يتبنهوا بقوله: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ} أي: التوراة {ءَامِنُواْ بِمَا} أي: بالكتاب الجامع الذي {نَزَّلْنَا} من غاية فضلنا وجودنا على محمد صلى الله عليه وسلم مع كونه {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} أي: لكتابكم {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} أي: تمحو وتضمحل مراتب إنسانيتكم وإدراككم مطلقاً {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ} قهقرى إلى المراتب الأنزل الأرذل قبل وصولكم إلى مرتبة الكمال {أَوْ نَلْعَنَهُمْ} نطردهم عن ساحة عز الوجوب إلى مضيق الإمكان {كَمَا لَعَنَّآ} مسخنا {أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ} لمخالفتهم الأمر الوجوبي بافتراء الحيلة عن لوازم الإنسانية مطلقاً، ورددناهم إلى أخس المراتب {وَ} لا تستبعدوا من الله القادر المقتدر على جميع ما يشاء أمثال هذا الطرد والإدبار؛ إذ {كَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي: إرادته المتعلقة بتكموين أمره {مَفْعُولاً} [النساء: 47] مقتضياً البتة لا تخفف. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء، المتفرد بالمجد والبهاء {لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} أي: لا يستر ولا يعفو عن انتقام الشرك به بإثبات الوجود لغيره {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} من الكبائر والصغائر {لِمَن يَشَآءُ} من التائبين وغيرهم، ثم قال سبحانه تأكيداً وتحقيقاً: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} الواحد الأحد الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الاخلاص: 3-4] شيئاً من مظاهره بادعاء الوجود له أصالة استقلالاً {فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ} على الله واكتسب لنفسه {إِثْماً عَظِيماً} [النساء: 48] لا مخلص له عنه. نعوذ بك ونستغفرك من أن نشرك بك شيئاً ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم، إنك أنت علام الغيوب. {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} بألسنتهم وألبستهم؛ رياء وسمعة ويفتخرون بها ويباهون عليها، كيف وظنوا أنفسهم بهذا المزخرف الباطل ولم يتفطنوا أن العبد قل ما بخلوا عن الشرك الجلي فضلاً عن الخفي، ولا تليق التزكية للعبد مطلقاً سواء يزكي نفسه أو غيره {بَلِ ٱللَّهُ} المطلع لأحوال عباده {يُزَكِّي} بفضله {مَن يَشَآءُ} من عباده، والمراءون المزكون لنفوسهم قولاً بلا توافق أحوالهم وأعمالهم على مقالهم يعاقبون عليها {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49] أي: لا يزاد على انتقام ما اقترحوا مقدار حبل النواة، وهو مثل في الصغر والحقارة. {ٱنظُرْ} أيها الرائي {كَيفَ يَفْتَرُونَ} أولئك المراءون المزكزون نفوسهم {عَلَى ٱللَّهِ ٱلكَذِبَ} بادعائهم تزكية الله إياهم ترويجاً لما عليه نفوسهم من التلبيس {وَكَفَىٰ بِهِ} هذا الافتراء {إِثْماً مُّبِيناً} [النساء: 50] ظاهراً موجباً لانتقام عظيم من الله.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الإيمان الحقيقي والاحتراز عن الشرك الجلي بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ} [النساء: 47]، إشارة في الآيتين: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ} [النساء: 47]، ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب، فإن للقرآن ظهراً وبطناً، {ءَامِنُواْ} [النساء: 47]، وصدقوا {بِمَا نَزَّلْنَا} [النساء: 47] على الأولياء من علم باطن القرآن وفهمه، {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} [النساء: 47] من العلم الظاهر، فإن آتيناهم {أية : رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف: 65]، ولا تستبعدوا أن يؤتي الأولياء علماً، علماء الدنيا يحتاجون إليهم في إرشادهم إلى ذلك العلم إياكم، فإن موسى عليه السلام مع رسالته، فإنه كان كليم الله احتاج إلى تعلم الخضر - عليهما السلام - حتى قال: {أية : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}تفسير : [الكهف: 66]، ومع هذا قال له الخضر:{أية : إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 67]؛ لأن أهل العلم الظاهر كما معهم من الكتاب وعلمهم يكون مصدقاً لما معهم، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء، وقليل منهم يستطيعون الصبر مع أقوالهم وأفعالهم؛ لأنها قلما تناسب عقولهم، فالواجب على أهل علم ظاهر القرآن تصديق أهل علوم باطنه والاستفادة منهم، والصبر على تصرفاتهم فيهم والتسليم لأحكامهم في البرية، وتزكية نفوسهم وصدق الإرادة في حمل أعباء الصحبة؛ لئلا يكون علومهم الظاهرة الغريبة من فوائد العلوم الباطنة وبال عليهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل علم لا عمل وبال، وكل عمل بلا علم ضلال ". تفسير : فمن فوائد العلوم الباطنة معرفة العلم بالأعمال المنجيات والأعمال المهلكات، ومعونة العمل بالعلوم المنجيات والعلوم المهلكات، وقوة حمل النفس على العمل بالمنجيات، وقوة منعها عن العمل بالمهلكات بالصدق والإخلاص، فالعمل والعلم إذا كانا عاريين عن هذه المعارف والقوة والإخلاص - بجلبان حب الدنيا ورياستها وشهواتها ولذاتها إلى القلب فتعميه وتصمه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : حبك الشيء يعمي ويصم"تفسير : ، وكذلك قال الله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} [النساء: 47]؛ أي: وجوه القلب، وطمسها عماه وصمها يدل عليه قوله تعالى: {أية : فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ}تفسير : [محمد: 23]، وقال: { أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46]، {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ} [النساء: 47]؛ أي: فيرد وجوههم الناظرة إلى الله عما كانوا عليه في الميثاق على أدبارها؛ وهي الدنيا والهوى، {أَوْ نَلْعَنَهُمْ} [النساء: 47]؛ أي: نبعدهم عن الحضرة ونطردهم، ونمسح صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية، {كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ} [النساء: 47]؛ أي: مسخناهم بالصورة ونمسخ هؤلاء بالمعنى، ومسخ المعنى أشد وأصعب من مسخ الصورة، فإن أعمى الصورة يمكن أن يكون في الآخرة بصيراً، ولكن من كان في هذا أعمى بالقلب {أية : فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 72]، وفضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ } [النساء: 47]؛ أي: حكمه وقضاؤه في الأزل {مَفْعُولاً} [النساء: 47]، لا محيض عنه لوقوع الفعل في الأبد نظيره، {أية : وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}تفسير : [الأحزاب: 38]، ولما لم يكن حجاب أعظم من الأنانية فإنها الشرك الخفي، قال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48]، واعلم أن للشرك مراتب وللمغفرة مراتب، فمراتب الشرك ثلاث: الجلي والخفي والأخفى، وكذلك مراتب المغفرة، فالشرك الجلي: بالأعيان وهو للعوام، وذلك تعبد شيء من دون الله: كالأصنام والكواكب وغيرها، فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية، والشرك الخفي: بالأوصاف وهو الخواص، وذلك ثبوت العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، وإلى العبادة: كالدنيا والهوى، وما سوى المولى فلا يغفر إلا بالوحدانية، وهي أفراد التوحيد ليتصل بالواحد، والشرك الأخفى: وهو للأخص، وذلك رؤية الأغيار والأنانية، فلا يغفر إلا بالواحدانية وهي فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية ليبقى بالهوية دون الأنانية، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ} [النساء: 48]، بمراتب المغفرة {أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، بمراتب الشرك، {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} [النساء: 48]، بمراتب الشرك {فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} [النساء: 48]؛ أي: جعل بينه وبين الله حجاباً من إثبات وجود الأشياء والأنانية وهي أعظم الحجب، كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يؤمنوا بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله عليه من القرآن العظيم، المهيمن على غيره من الكتب السابقة التي قد صدقها، فإنها أخبرت به فلما وقع المخبر به كان تصديقا لذلك الخبر. وأيضا فإنهم إن لم يؤمنوا بهذا القرآن فإنهم لم يؤمنوا بما في أيديهم من الكتب، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا، ويوافق بعضها بعضًا. فدعوى الإيمان ببعضها دون بعض دعوى باطلة لا يمكن صدقها. وفي قوله: { آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } حث لهم وأنهم ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم مبادرين إليه بسبب ما أنعم الله عليهم به من العلم، والكتاب الذي يوجب أن يكون ما عليهم أعظم من غيرهم، ولهذا توعدهم على عدم الإيمان فقال: { مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا } وهذا جزاء من جنس ما عملوا، كما تركوا الحق، وآثروا الباطل وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقا والحق باطلا جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق، وردها على أدبارها، بأن تجعل في أقفائهم وهذا أشنع ما يكون { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ } بأن يطردهم من رحمته، ويعاقبهم بجعلهم قردة، كما فعل بإخوانهم الذين اعتدوا في السبت { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا } كقوله: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } .
همام الصنعاني
تفسير : 596- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ}: [الآية: 47]، قال: نُحَوِّلُ وُجوههم قِبَلَ ظُهورِهم، {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ}: [الآية: 47]، قال: يقول: أو نجعلهم قِرَدة. 597- عبد الرزاق، قال مَعْمر وقال الحسن: {نَّطْمِسَ وُجُوهاً}: [النساء: 47]، يقول: نَطْمِسُها عن الحقِّ {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ} على ضلالتها، {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ} يقول: أو نَجْعَلَهُمْ قِرَدةً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):