٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى لما هدد اليهود على الكفر، وبين أن ذلك التهديد لا بد من وقوعه لا محالة بين أن مثل هذا التهديد من خواص الكفر، فأما سائر الذنوب التي هي مغايرة للكفر فليست حالها كذلك، بل هو سبحانه قد يعفو عنها، فلا جرم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية، وبالاجماع هي غير مغفورة، فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك. الثاني: أن اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود، فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك، وإلا لم يكن الأمر كذلك. فان قيل: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } تفسير : [الحج: 17] إلى قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } تفسير : [الحج: 17] عطف المشرك على اليهودي، وذلك يقتضي المغايرة. قلنا: المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي، ولا بد من المصير إلى ما ذكرناه دفعا للتناقض. إذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: قال الشافعي رضي الله عنه: المسلم لا يقتل بالذمي، وقال أبو حنيفة: يقتل. حجة الشافعي أن الذمي مشرك لما ذكرناه، والمشرك مباح الدم لقوله تعالى: اقتلوا المشركين. فكان الذمي مباح الدم على الوجه الذي ذكرناه ومباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في حق النهي، فوجب أن يبقى معمولا به في سقوط القصاص عن قاتله. المسألة الثانية: هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر. واعلم أن الاستدلال بها من وجوه: الوجه الأول: أن قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } معناه لا يغفر الشرك على سبيل التفضل لأنه بالاجماع لا يغفر على سبيل الوجوب، وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه، فاذا كان قوله: إن الله لا يغفر الشرك هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل، وجب أن يكون قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } هو أن يغفره على سبيل التفضل؛ حتى يكون النفي والاثبات متواردين على معنى واحد. ألا ترى أنه لو قال: فلان لا يعطي أحدا تفضلا، ويعطي زائدا فانه يفهم منه أنه يعطيه تفضلا، حتى لو صرح وقال: لا يعطي أحدا شيئاً على سبيل التفضل ويعطي أزيد على سبيل الوجوب، فكل عاقل يحكم بركاكة هذا الكلام، فثبت أن قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } على سبيل التفضل. إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة، لأن عند المعتزلة غفران الصغيرة وغفران الكبيرة بعد التوبة واجب عقلا، فلا يمكن حمل الآية عليه، فاذا تقرر ذلك لم يبق إلا حمل الآية على غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب. الثاني: أنه تعالى قسم المنهيات على قسمين: الشرك وما سوى الشرك، ثم إن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة، والكبيرة بعد التوبة والصغيرة، ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعا، وعلى ما سواه بأنه مغفور قطعا، لكن في حق من يشاء، فصار تقدير الآية أنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك، لكن في حق من شاء. ولما دلت الآية على أن كل ما سوى الشرك مغفور، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة أيضاً مغفورة. الثالث: أنه تعالى قال: {لِمَن يَشَاء } فعلق هذا الغفران بالمشيئة، وغفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به، وغير معلق على المشيئة، فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب، واعترضوا على هذا الوجه الأخير بأن تعليق الأمر بالمشيئة لا ينافي وجوبه، ألا ترى أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 49] ثم إنا نعلم أنه تعالى لا يزكي إلا من كان أهلا للتزكية، وإلا كان كذباً، والكذب على الله محال، فكذا ههنا. واعلم أنه ليس للمعتزلة على هذه الوجوه كلام يلتفت إليه إلا المعارضة بعمومات الوعيد، ونحن نعارضها بعمومات الوعد، والكلام فيه على الاستقصاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 81] فلا فائدة في الاعادة. وروى الواحدي في البسيط باسناده عن ابن عمر قال: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار، حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادات. وقال ابن عباس: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل، كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب. ذكر ذلك عند عمر بن الخطاب فسكت عمر. وروي مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اتسموا بالايمان وأقربوا به فكما لا يخرج إحسان المشرك المشرك من إشراكه كذلك لا تخرج ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه».تفسير : المسألة الثانية: روي عن ابن عباس انه قال: لما قتل وحشي حمزة يوم أحد، وكانوا قد وعدوه بالاعتاق ان هو فعل ذلك، ثم أنهم ما وفوا له بذلك، فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذنبهم، وانه لا يمنعهم عن الدخول في الاسلام إلا قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ }تفسير : [الفرقان: 68] فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية، فنزل قوله: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً } تفسير : [الفرقان: 70] فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به، فنزل قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته، فنزل {أية : قُلْ ياعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الزمر: 53] فدخلوا عند ذلك في الاسلام. وطعن القاضي في هذه الرواية وقال: ان من يريد الايمان لا يجوز منه المراجعة على هذا الحد؛ ولأن قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } تفسير : [الزمر: 53] لو كان على اطلاقه لكان ذلك اغراء لهم بالثبات على ما هم عليه. والجواب عنه: لا يبعد أن يقال: انهم استعظموا قتل حمزة وايذاء الرسول إلى ذلك الحد، فوقعت الشبهة في قلوبهم أن ذلك هل يغفر لهم أم لا، فلهذا المعنى حصلت المراجعة. وقوله: هذا إغراء بالقبيح، فهو انه إنما يتم على مذهبه، أما على قولنا: انه تعالى فعال لما يريد، فالسؤال ساقط، والله أعلم. ثم قال: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً } أي اختلق ذنبا غير مغفور، يقال: افترى فلان الكذب إذا اعتمله واختلقه، وأصله من الفرى بمعنى القطع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ } أي الإشراك {بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ } سوى {ذٰلِكَ } من الذنوب {لِمَن يَشَاءُ } المغفرة له بأن يدخله الجنة بلا عذاب وَمن شاء عذبه من المؤمنين بذنوبه ثم يدخله الجنة {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً } ذنباً {عَظِيماً } كبيراً.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} قال ابن جرير الطبري معناه يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا فإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فعلى هذا يكون في الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع وقيل إن الآية نزلت في وحشي وأصحابه، وذلك لما قتل حمزة رضي الله عنه ورجع إلى مكة ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا ندمنا على ما صنعنا وأنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلاّ أنا سمعناك بمكة تقول والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر إلى آخر الآيات وقد دعونا مع الله إلهاً آخر وقتلنا النفس التي حرم الله وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت {أية : إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} تفسير : [الفرقان: 70] الآيتين فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما قرؤوهما كتبوا إليه إن هذا شرط شديد ونخاف أن لا نعمل عملاً صالحاً فنزلت إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فبعثوا إنا نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة فنزلت {أية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} تفسير : [الزمر: 53] الآية فبعث بها إليهم فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل منهم ثم قال لوحشي أخبرني كيف قتلت حمزة؟ فلما أخبره قال ويحك غيب وجهك عني فلحق بالشام فكان به إلى أن مات وقيل لما نزلت {أية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم}تفسير : [الزمر: 53] الآية قام رجل فقال: يا رسول الله والشرك؟ فسكت ثم قام إليه مرتين أو ثلاثاً فنزلت هذه الآية ومعنى الآية أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء يعني ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء من أصحاب الذنوب والآثام. ففي الآية دليل على أن صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة فإنه في خطر المشيئة إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة بمنه وكرمه وإن شاء عذبه بالنار ثم أدخله الجنة برحمته وإحسانه لأن الله تعالى وعد المغفرة لما دون الشرك فإن مات على الشرك فهو مخلد في النار لقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وفي الآية رد على المعتزلة والقدرية حيث قالوا: لا يجوز في الحكمة أن يغفر لصاحب كبيرة وعند أهل السنة أن الله تعالى يفعل ما يشاء لا مكره له ولا حجر عليه ويدل على ذلك أيضاً ما روي عن ابن عمر قال كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فأمسكنا عن الشهادة. وقال ابن عباس لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين الرجل يعمل من الصالحات لم يدع من الخير شيئاً إلاّ عمله غير أنه مشرك قال عمر هو في النار فقال ابن عباس الرجل لم يدع شيئاً من الشر إلاّ عمله غير أنه لم يشرك بالله شيئاً فقال عمر: الله أعلم قال ابن عباس: إني لأرجو له كما أنه لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر. عن علي بن أبي طالب قال: ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب (م) عن جابر قالحديث : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الموجبتان؟ "قال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ومن مات يشرك به دخل النار" . تفسير : وقوله تعالى: {ومن يشرك بالله} يعني يجعل معه شريكاً غيره {فقد افترى} أي اختلق {إثماً عظيماً} يعني ذنباً عظيماً غير مغفور إن مات عليه.
ابن عادل
تفسير : لما توعَّدَ الكُفْرُ، وبين أنَّ ذلك التقديرَ لا بُدَّ من وُقُوعِهِ، يَعْنِي: أنَّ ذلك إنَّما هو مِنْ خَواص الكُفْرِ، أمَّا سَائِرُ الذُّنُوبِ غيرَ الشِّرْكِ، فإنه يَغْفِرُها، إن شاءَ. قال الكَلْبِيُّ: حديث : نزلتْ في وَحْشِيّ بن حَرْبٍ، وأصحابه؛ وذلك أنَّهُ لما قُتِل حَمْزَةُ، كان قد جُعِلَ له على قَتْلِه أنْ يُعْتَقَ، فلم يُوفَّ له بذلك، فلما قَدمَ مَكَّةَ، نَدِمَ على صُنْعِهِ، هُوَ، وأصحابُهُ؛ فكتَبُوا إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّا قَدْ نَدِمْنَا على الذي صَنَعْنَا، وإنَّه لَيْسَ يَمْنَعُنَا عن الإسلامِ إلاَّ أنَّا سَمعناكَ تَقُولُ بِمَكَّةَ: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ}[الفرقان: 68] الآياتِ، وقد دعونا مع الله إلهاً أخر، وقتلنا النفس التي حرم الله قتلها وزنينا، فلوْلا هذه الآياتُ، لاتَّبَعْنَاك؛ فنزلت:{إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً}[الفرقان: 70]، الآيتين، فبعثَ بهما [رسول الله صلى الله عليه وسلم] إليهم فلما قرءُوا، كتبوا إليْهِ: إنَّ هذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخَافُ ألاَّ نَعْمَلَ عَمَلاً صالحاً فنزلَ: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}، فَبَعَثَ بها إليهمْ، فبَعَثُوا إليه: إنَّا نَخَافُ ألاَّ نكون مِنْ أهْلِ المشيئةِ؛ فنزلتْ:{يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} [الزمر: 53] فبعث بها إليهم؛ فَدَخَلُوا في الإسلامِ، ورجعُوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَبِل مِنْهم، ثم قال [عليه الصلاة والسلام] لِوَحْشِي: "أخْبِرْنِي: كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ"؟ فلَمَّا أخْبَرَهُ، قال: "وَيْحَكَ! غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي" تفسير : فَلَحِقَ وَحْشِيٌّ بالشَّامِ، وكانَ بِهَا إلى أنْ ماتَ. وروى أبُو مِجْلَز، عن ابْنِ عُمَر: "لمَّا نزلت: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} الآية، قام رَجُلٌ، فقال: والشِّرْك يا رسُولَ الله، فَسَكَتَ، ثم قام إلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أو ثلاثاً؛ فنزلتْ: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" الآية، قال مُطْرِّفُ بنُ الشَّخِّير: قال ابنُ عُمَرَ: كُنَّا على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذَا مَاتَ الرجلُ على كَبِيرَةٍ، شَهِدْنَا أنَّه مِنْ أهْلِ النَّارِ، حتى نزلتْ هذه الآيةُ، فأمْسَكْنَا عن الشَّهَادَاتِ. حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - أنَّ هذه الآيةَ أَرْجَى آيةٍ في القُرْآنِ. قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ}، كلامٌ مُسْتأنفٌ، ولَيْسَ عَطْفاً على {َيَغْفِرُ} الأوَّلِ؛ لفسادِ المعنى، والفَاعِلُ في {يَشَآءُ} ضميرٌ عَائِدٌ على اللَّه تعالى، ويُفْهَمُ مِنْ كلام الزمَخْشريّ: أنَّهُ ضميرٌ عائِدٌ على مَنْ في "لمنْ" لأنَّ المعنى عِنْدَه: إنَّ الله لا يغفرُ الشِّرْكَ لمن لا يشاء أن يغفر له؛ لِكَوْنِه مَاتَ على الشِّرْكِ، غَيْر تائِب مِنْه، ويغفرُ ما دُونَ ذَلِك لِمَنْ يشاءُ أنْ يغفرَ له، بكونه ماتَ تَائباً مِنَ الشِّرْكِ، و {لِمَن يَشَآءُ} متعلِّقٌ بـ {َيَغْفِرُ}. قوله: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} أيْ: اختلق ذَنْباً غيرَ مَغْفُورٍ. يُقالُ: افْتَرَى فُلانٌ الكَذِبَ، إذا اعْتَمَلَهُ، واخْتَلَقَهُ، وأصْلُه: من الفَرْي، بمعنى القَطْعِ. رَوَى جَابرٌ قال: حديث : أتى النبيِّ صلى الله عليه وسلم رَجَلٌ، فقال: يا رسُول الله، ما المُوجِبتان؟ قال مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بالله شيئاً، دَخَلَ الجَنَّة، ومَنْ مَاتَ يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئاً، دَخَلَ النَّارَ . تفسير : وقال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّي لأرْجُو، كَمَا لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ؛ كَذلِكَ لا يَضُرُّ مَعَ التَّوحِيد ذَنْبٌ، ذَكَرَ ذلك عِنْدَ عُمَر بْنَ الخطَّابِ؛ فَسَكَتَ عُمَرُ. وروى أبُو ذَرٍّ، حديث : قالَ: أتَيْتُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، وعليه ثَوْبٌ أبْيَض، وهو نَائِمٌ، ثُمَّ أتَيْتُهُ، وقد استَيْقَظَ؛ فقال: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لا إله إلا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ على ذَلِكَ؛ إلاَّ دَخَلَ الجنَّة ". قُلْتُ: وَإنْ زَنا، وإنْ سَرَقَ! قَال: "وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ". [قُلْتُ: وَإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ! قَال: "وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ"، قُلْتُ: وَإنْ زَنا، وإنْ سَرَقَ! قَال: "وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ]، عَلَى [أنْفِ] أبِي ذَرٍّ"تفسير : وكانَ أبُو ذَرٍّ إذا حدث بهذا، قال: وإنْ رَغم أنْفُ أبِي ذَرٍّ. فصل قال القُرطُبِيُّ: قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} من المُحْكَمِ المتفقِ عليه، الذي لا خلاف فيه بَيْنَ الأمةِ، وقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}، من المُتَشَابَهِ، الَّذي قد تَكَلَّمَ العلماءُ فيه. فقال مُحَمدُ بن جَريرٍ الطَّبريّ: قد أبَانَتْ هذه الآيةُ كُلَّ صَاحِبِ كَبيرةٍ، فَفِي مَشِيئةِ اللَّه عز وجل إن شاء [عفَا لَهُ، وَإنْ شَاءَ]، عاقَبهُ، مَا لَمْ تَكُنْ كَبِيرتُهُ شِرْكاً، وقالَ بعضُهُم: قد بين الله تعالى، بقوله عز وجل: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} تفسير : [النساء: 31]. فأعْلَمَ أنَّهُ: يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ لمن اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ، لمنْ يشاءُ، ولا يَغْفِرُ الصغَائِرَ لمنْ أتَى الكَبَائِرَ. وقال بعضُهم: هذه الآيةُ ناسِخَةٌ للتي في آخرِ الفُرْقَانِ. قال زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ: نزلتْ سُورةُ النِّسَاءِ بَعْدَ سُورَةِ الفُرقَانِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. قال القُرِطُبِيُّ: والصحيح أنَّهُ لا نَسْخَ، لأنَّ النَّسْخَ فِي الأخْبَارِ مُسْتَحِيلٌ، وسيأتي الجمعُ بَيْنَ الآي، في هذه السُّورةِ؛ وَفِي الفُرْقَانِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى. فصل هل يسمى اليهودي مشركاً في الشرع؟ قال ابنُ الخطيب: دلتْ هذه الآيةُ على أنَّ اليَهُودِيِّ يُسَمَّى مُشْرِكاً في الشَّرْعِ؛ لأنها دالَّةٌ على أنَّ مَا سِوَى الشركِ من الكَبَائِرِ يُغْفَرُ، فَلَوْ كَانتِ اليهوديَّةُ مُغَايِرة للشِّرْكِ، كَانَتْ] مَغْفُورَةً بحكم الآية، وهو خِلاَفُ الإجْمَاعِ، ولأنَّ هذه الآيةَ مُتَّصِلَةٌ بوعِيِدِ اليَهُودِ، فَلَوْلاَ دُخُوُل اليهوديةِ تحتَ اسْمِ الشِّرْكِ، لم يحْصُل الالتئامُ. فإنْ قيلَ: عَطْفُ "الذين أشركوا" على "الذين هادوا" في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} تفسير : [الحج: 17] ثُمَّ قَالَ [بعده]: "والذين أشركوا" يَقْتَضِي المُغَايَرَةَ. قُلْنَا: المغايرةُ في المفهومِ اللُّغَويِّ، والاتِّحاد في الشرعي؛ دَفْعَاً للتَّنَاقُضِ، ويتفرَّعُ عليه أنَّ المسلمَ لا يُقْتَلُ بالذمِّي؛ لأنَّ المشركَ مُبَاحُ الدَّمِ؛ لقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 5]، ومُبَاحُ الدَّمِ لا يُقْتَصُّ مِنْ قَاتِلِهِ، ولا يتوجَّهُ النَّهْيُ عن قَتْلِه، ترك العَملِ بهذا الدليلِ في حقِّ النهي فَبَقِيَ مَعْمُولاً به في سُقُوطِ القِصَاصِ عَنْ قَاتله. فصل في دلالة الآية على العفو عن أصحاب الكبائر هذه الآيةُ أقْوَى الدلائلِ على صِحَّة العَفْوِ عن أصْحَابِ الكَبَائِرِ، من وجوه: الأوَّلُ: أنَّ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} أيْ لا يغفرُهُ فَضْلاً معَ عدمِ التوبةِ؛ لأنَّهُ يُغْفَرُ وُجُوباً عند التوبةِ بالإجماع؛ فيكون قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} على سَبِيلِ الفَضْلِ، حَتَّى يتواردَ النَّفْيُ والإثباتُ على مَعْنَى واحدٍ؛ كما لو قال: إنَّ فُلاناً شَاءَ لا يُعْطِي على سبيلِ فَضْلِ الوُجُوبِ، كان رَكِيكاً، وحينئذٍ: يَجِبُ أنْ يكُونَ المرادُ أصْحابَ الكَبَائِرِ، قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ لأنَّ عند المعتزِلةِ، غُفْرَانَ الصَّغائِرِ، والكبائِرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ - وَاجِبٌ عَقْلاً، فلا يُمْكن حَمْلُ الآيةِ عَلَيْهِ، فلم يَبْقَ إلاَّ الكَبَائِرُ قَبْلَ التَّوْبَةِ. الثّاني: أنَّ ما سِوَى الشِّرْكِ، يَدْخُلُ فيه الكبائرُ قَبْلَ التوبةِ، وبعدَهَا، ثُمَّ حَكَمَ على الشِّرْكِ بأنَّهُ غيرُ مَغْفُورٍ، وَعَلَى غَيْرِ الشِّرْكِ بأنَّهُ مَغْفورٌ لمنْ يشاءُ، فَوَجَبَ أنْ تكونَ الكبيرةُ قَبْلَ التوبةِ مَغْفُورةٌ. الثالثُ: أنَّه علَّقَ الغُفْرَان بالمشيئَةِ، وغُفْرَانُ الكَبِيرةِ بعد التوبةِ والصَّغِيرَةِ مَقْطُوعٌ به، فوجب أنْ يكونَ المعلَّق الكبيرة قبْلَ التوبةِ. فإن قيلَ: إنَّ تَعْلِيقَهُ على المشِيئَةِ، لا يُنَافِي وُجُوبَهُ، كقوله تعالى: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء:49]، ثُمَّ إنَّا نَعْلَمُ أنَّه لا يُزَكِّي إلاّ مَنْ يكونُ أهْلاً للتَّزكِية، وإلاَّ فكانَتْ كَذِباً. واعلمْ: أنه ليس للمعتزلةِ في مُقَابلة هذه الوُجُوهِ كلامٌ يُلْتفتُ إليه، [إلا المعَارَضَة بآياتِ الوعِيدِ].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام قال: وما دينه؟ قال: يصلي ويوحد الله. قال: استوهب منه دينه فإن أبى فابتعه منه. فطلب الرجل ذلك منه فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: وجدته شحيحاً على دينه. فنزلت {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من طرق عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فامسكنا عن الشهادة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في كتاب الله حتى نزلت علينا هذه الآية {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فلما سمعنا هذا كففنا عن الشهادة وأرجأنا الأمور إلى الله. وأخرج ابن الضريس وأبو يعلى وابن المنذر وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقال: إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعد ورَجَوْنا. وأخرج ابن المنذر من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان بن عتبة البارقي قال: حدثنا إسماعيل بن ثوبان قال: شهدت في المسجد قبل الداء الأعظم، فسمعتهم يقولون {أية : من قتل مؤمناً} تفسير : [المائدة: 32] إلى آخر الآية فقال المهاجرون والأنصار: قد أوجب له النار. فلما نزلت {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} قالوا: ما شاء الله يصنع الله ما يشاء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: "لما نزلت {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...} تفسير : [الزمر: 53] الآية. فقام رجل فقال: والشرك يا نبي الله؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الآية". وأخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال: لما نزلت هذه الآية {أية : يا عبادي الذين أسرفوا ...} تفسير : [الزمر: 53] الآية. قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس، فقام إليه رجل قال: والشرك بالله؟ فسكت مرتين أو ثلاثاً، فنزلت هذه الآية {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فاثبتت هذه في الزمر وأثبتت هذه في النساء. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال في هذه الآية: إن الله حرَّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن بكر بن عبد الله المزني {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} قال: ثنيا من ربنا على جميع القرآن. وأخرج الفريابي والترمذي وحسنه عن علي قال: أحب آية إلي في القرآن {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} . وأخرج ابن جرير عن أبي الجوزاء قال: اختلفت إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة، فما من شيء من القرآن إلا سألته عنه، ورسولي يختلف إلى عائشة، فما سمعته ولا سمعت أحداً من العلماء يقول: إن الله يقول لذنب لا أغفره. وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئاً إلا حلت له المغفرة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، إن الله استثنى فقال {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجزه له، ومن وعده على عمل عقاباً فهو بالخيار ". تفسير : وأخرج الطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، وذنب يغفر. فأما الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الذي يغفر فذنب بينه وبين الله عز وجل، وأما الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً ". تفسير : وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله {أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} [المائدة: 72] وقال الله {إن الله لا يغفر أن يُشْرَكَ به}، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر ". تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، ويا عبدي لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ما لم تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من مات لا يعدل الله شيئاً ثم كانت عليه من الذنوب مثل الرمال غفر له ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله عز وجل: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً ". تفسير : وأخرج أحمد عن سلمة بن نعيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء. قال فخرجت لأنادي بها في الناس فلقيني عمر فقال: ارجع فإن الناس إن علموا بهذه اتكلوا عليها. فرجعت، فأخبرته صلى الله عليه وسلم فقال: صدق عمر ". تفسير : وأخرج هناد عن ابن مسعود قال: أربع آيات في كتاب الله عز وجل أحب إليّ من حمر النعم وسودها في سورة النساء قوله {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة...} تفسير : [النساء: 40] الآية. وقوله {إن الله لا يغفر أن يشرك به...} الآية. وقوله {أية : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك...} تفسير : [النساء: 64] الآية وقوله {أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} تفسير : [النساء: 110] الآية.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من الوعيد وتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ بالأمر بالإيمان ببـيان استحالةِ المغفرةِ بدونه فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمَعون في المغفرة كما في قوله تعالى: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ } تفسير : [الأعراف، الآية 169] أي على التحريف {أية : وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} تفسير : [الأعراف، الآية 169] والمرادُ بالشرك مُطلقُ الكفرِ المنتظمِ لكفر اليهودِ انتظاماً أولياً فإن الشرْعَ قد نص على إشراك أهلِ الكتابِ قاطبةً وقضى بخلود أصنافِ الكفرةِ في النار، ونزولُه في حق اليهود كما قال مقاتل وهو الأنسبُ بسباق النظمِ الكريم وسياقِه لا يقتضي اختصاصَه بكفرهم بل يكفي اندراجُه فيه قطعاً، بل لا وجهَ له أصلاً لاقتضائه جوازَ مغفرةِ ما دون كفرِهم في الشدة من أنواع الكفرِ أي لا يغفِرُ الكفرَ لمن اتصف به بلا توبةٍ وإيمانٍ لأن الحكمةَ التشريعيةَ مقتضيةٌ لسدّ بابِ الكفرِ، وجوازُ مغفرتِه بلا إيمان مما يؤدّي إلى فتحه ولأن ظلماتِ الكفرِ والمعاصي إنما يسترها نورُ الإيمانِ فمن لم يكن له إيمانٌ لم يغفَرْ له شيءٌ من الكفر والمعاصي {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} عطفٌ على خبر إن، وذلك إشارةٌ إلى الشرك، وما فيه من معنى البُعدِ مع قُربه في الذكر للإيذان ببُعدِ درجتِه وكونِه في أقصى مراتبِ القُبحِ، أي ويغفر ما دونه في القبح من المعاصي صغيرةً كانت أو كبـيرةً تفضلاً من لدنه وإحساناً من غير توبةٍ عنها لكن لا لكل أحدٍ بل {لِمَن يَشَاء} أي لمن يشاء أن يغفرَ له ممن اتصف به فقط لا بما فوقه، فإن مغفرتَهما لمن اتصف بهما سواءٌ في استحالة الدخولِ تحت المشيئةِ المبْنيةِ على الحكمةِ التشريعيةِ، فإن اختصاصَ مغفرةِ المعاصي من غير توبةٍ بأهل الإيمانِ من متمِّمات الترغيبِ فيه والزجْرِ عن الكفر، ومن علق المشيئةَ بكلا الفعلين وجعل الموصولَ الأولَ عبارةً عمن لم يتُبْ والثاني عمن تاب فقد ضل سواءَ السبـيلِ، كيف لا وإن مساقَ النظمِ الكريمِ لإظهار كمالِ عِظَمِ جريمةِ الكفرِ وامتيازِه عن سائر المعاصي ببـيان استحالةِ مغفرتِه وجوازِ مغفرتِها، فلو كان الجوازُ على تقدير التوبةِ لم يظهَرْ بـينهما فرقٌ، للإجماع على مغفرتها بالتوبة، ولم يحصُلْ ما هو المقصودُ من الزجر البليغِ عن الكفر والطغيانِ والحملِ على التوبة والإيمان. {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} إظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لزيادة تقبـيحِ الإشراكِ وتفظيعِ حالِ من يتصف به [ولإظهار المهابةِ من الكفر] {فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} أي افترى واختلق، مرتكباً إثماً لا يقادَر قدْرُه ويُستحقر دونه جميعُ الآثامِ فلا تتعلق به المغفرةُ قطعاً. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} تعجيبٌ من حالهم المنافيةِ لما هم عليه من الكفر والطغيانِ، والمرادُ بهم اليهودُ الذين يقولون: نحن أبناءُ الله وأحبّاؤُه، وقيل: حديث : ناسٌ من اليهود جاءوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل على هؤلاء ذنبٌ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لا» قالوا: ما نحن إلا كهيئتهم ما عمِلنا بالنهار كُفّر عنا بالليل وما عمِلنا بالليل كُفّر عنا بالنهارتفسير : . أي انظُر إليهم فتعجَّبْ من ادعائهم أنهم أزكياءُ عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثمِ العظيمِ أو من ادعائهم التكفيرَ مع استحالة أن يُغفرَ للكافر شيءٌ من كفره أو معاصيه، وفيه تحذيرٌ من إعجاب المرءِ بنفسه وبعمله {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاء} عطفٌ على مقدَّر ينساقُ إليه الكلامُ كأنه قيل: هم لا يزكونها في الحقيقة لكَذِبهم وبُطلان اعتقادِهم، بل الله يزكي من يشاء تزكيتَه ممن يستأهِلُها من المرتَضَيْن من عباده المؤمنين، إذ هو العليمُ الخبـيرُ بما ينطوي عليه البشرُ من المحاسن والمساوي وقد وصفهم الله بما هو متصفون به من القباح. وأصلُ التزكيةِ نفيُ ما يُستقبح بالفعل أو بالقول {وَلاَ يُظْلَمُونَ} عطفٌ على جملةٍ قد حُذفت تعويلاً على دِلالة الحالِ عليها وإيذاناً بأنها غنيةٌ عن الذكر أي يعاقَبون بتلك الفَعلةِ القبـيحةِ ولا يظلمون في ذلك العقاب {فَتِيلاً} أي أدنى ظُلمٍ وأصغرَه، وهو الخيطُ الذي في شِقّ النواةِ يُضرب به المثلُ في القِلة والحَقارةِ، وقيل: التقديرُ يثاب المزكّون ولا يُنقص من ثوابهم شيءٌ أصلاً، ولا يساعده مقامُ الوعيد.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}[48] قال: إذا لم يكن بينه وبين أحد مظلمة، وإنما كانت ذنوبه فيما بينه وبين الله تعالى، فإنه يغفرها وهو الجواد الكريم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يؤتى بعبد يوم القيامة فيؤمر به إلى النار، فيقول: ما كذا كان ظني. فيقول الله عزَّ وجلَّ: ما كان ظنك بي؟ فيقول: أن تغفر لي. فيقول الله عزَّ وجلَّ: قد غفرت لك، فيأمر به إلى الجنة ".
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [الآية: 48]. قال: أن يطالع سره شيئًا سوى الله عز وجل. وقيل: إن رؤية العمل ورؤية النفس وطلب الثواب على العمل وطلب المدح عليه، كلها من أنواع الشرك التى أخبر الله تعالى أنه لا يغفره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكيًا عن ربه عز وجل: " حديث : من عمل عملاً أشرك فيه غيرى، فأنا منه برئ وهو للذى أشرك ". تفسير : وقال محمد بن على رحمه الله: هذا الذى أخبر الله عز وجل أنه لا يغفره، وهو أن يتواضع العبد لغيره فى طلب الدنيا وهو المالك له دون الغير.
القشيري
تفسير : العوام طولبوا بترك الشِرْكِ الجليّ، والخواص طولبوا بترك الشرك الخفيّ، فمن توسَّل إليه بعمله ويظنه منه، أو توهَّم أن أحكامه - سبحانه - معلولة بحركاته وسكناته، أو راعى خَلْقاً أو لاحظ نَفْساً فوطنه الشرك عند أهل الحقائق. والله لا يغفر أن يُشْرَكَ به وكذلك من توهَّم أن مخالفته حصلت من غير تقديره فهو ملتحق بهم.
البقلي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} مكان الاية مكان الخوف والرجاء اخبر انه غفر عن العام جميع المعاصى الصغائر والكبائر ومن الشرك الجلى الذى يستوجبون به النار ولم يشترط التوبة ههنا ولم يبين مكان الغفران وفيه رجاء دون الشرطين لانه يغفر ذنوبهم فى الدنيا ولم يذكرها عندهم فى الاخرة لطفا وكرما ان لمتصادق المعصية الشرك وشدد الامر على الخواص بمواخذته اياهم حيث تفحص امر الخطرات المخفية من رؤية الطاعة واعواضها وحب الجاه والحمد والرياء والسمعة بين ان ما دون هذه الاشياء منهم مغفور من العثرات والزلات فانها غير تفض عهد المحبة والمعرفة وانهم ماخوذن بالشرك الحق فهو خطرات الرياء واشلبك فى الطريق وارد تعالى بذلك انهم محاسبون به فى جميع الانفاس فان بقوافى ذلك لمحة عاقبهم الله بذل الحجاب وهذا اذا كانوا غافلين عن تلك الخطرات ما اذا استدركوها بعد جريانها ولم يغفلوا عنها برد الخاطر ورد وسوسة العدو بذكر الله ونشر صفاته والتفكر الائه ونعمائه بفسخ قلوبهم بانوار ذكره حتى تداركوها بالخجل ورؤية تقصيرهم بالمراقبة والخصوب فبعد ذلك ينتشر اسرار الالوهية وانوار الربوبية فى صدورهم قال تعالى فمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نوار من ربه فبتلك الانوار والاسرار عمرو اطرق المعارف والكواشف قال بعضهم فى الأية ان يطالع سره شئ سوى الله وقال بعضهم ان رؤية العمل النفس وطلب المدح عليه كلها من انواع الشرك الذى اخبر الله انه لا يغفره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكبا عن ربه تعالى من عمل شرك فيه غيرى فانا منه برئ قال الاستاد العوام طلبوا بترك شرك الجلى والخواص طولبوا بترك شرك الخفى.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الله لا يغفر ان يشرك به} اى لا يغفر الكفر ممن اتصف به بلا توبة وايمان لان الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر وجواز مغفرته بلا ايمان مما يؤدى الى فتحه ولان ظلمات الكفر والمعاصى انما يسترها نور الايمان فمن لم يكن له ايمان لم يغفر له شىء من الكفر والمعاصى {ويغفر ما دون ذلك} اى ويغفر ما دون الشرك فى القبح من المعاصى صغيرة كانت او كبيرة تفضلا من لدنه واحسانا من غير توبة عنها لكن لا لكل احد بل {لمن يشاء} ان يغفر له ممن اتصف به فقط اى لا بما فوقه. قال شيخنا السيد الثانى سمى جامع القرآن وهم المؤمنون الذين اتقوا من الاشراك بالله تعالى فيغفر لهم ما دون الاشراك من الصغائر والكبائر لعدم اشراكهم به ولا يغفر للمشركين ما دون الاشراك ايضا لاشراكهم به فكما ان اشراكهم لا يغفر فكذلك ما دون اشراكهم لا يغفر بخلاف المؤمنين فانه تعالى كما وقاهم من عذاب الاشراك بحفظهم عنه كذلك وقاهم من عذاب ما دونه بمغفرته لهم {ومن يشرك بالله فقد افترى اثما عظيما} اى من افترى واختلق مرتكبا اثما لا يقادر قدره ويستحقر دون جميع الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعا. وهذه الآية من اجل الآيات التى كانت خيرا لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس وما غربت واعظمها لانها تؤذن بان ما دون الشرك من الذنب مغفور بحسب المشيئة والوعد المعلق بالمشيئة من الكريم محقق الانجاز خصوصا لعباده الموحدين المخلصين من المحمديين كما قال لهم {أية : إن الله يغفر الذنوب جميعاً} تفسير : [الزمر: 53]. ـ روى ـ ان وحشيا قاتل حمزة عم النبى عليه السلام كتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم انى اريد ان اسلم ولكن يمنعنى من الاسلام آية فى القرآن نزلت عليك وهو قوله تعالى {أية : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} تفسير : [الفرقان: 68]. وانى قد فعلت هذه الاشياء الثلاثة فهل لى من توبة فنزلت هذه الآية {أية : الا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يبدل الله سيأتهم حسنات} تفسير : [الفرقان: 70]. فكتب ان فى الآية شرطا وهو العمل الصالح فلا ادرى انا اقدر على العمل الصالح ام لا فنزل قوله تعالى {ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فكتب بذلك الى وحشى فكتب اليه ان فى الآية شرطا فلا ادرى أيشاء ان يغفر لى ام لا فنزل قوله تعالى {أية : قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} تفسير : [الزمر: 53]. فكتب الى وحشى فلم يجد الشرط فقدم المدينة واسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من مات ولم يشرك بالله شيأ دخل الجنة " .تفسير : ورأى ابو العباس شريح فى مرض موته كأن القيامة قد قامت واذا الجبار سبحانه وتعالى يقول اين العلماء فجاؤا فقال ماذا عملتم فيما علمتم فقلنا يا رب قصرنا واسأنا فاعاد السؤال فكأنه لم يرض به واراد جوابا آخر فقلت اما انا فليس فى صحيفتى شرك وقد وعدت ان تغفر ما دونه فقال الله تعالى اذهبوا فقد غفرت لكم ومات شريح بعده بثلاث ليال وهذا من حسن الظن بالله تعالى شعر : كنونت كه جشمست اشكى ببار زبان در دهانست عذرى بيار كنون بايدت عذر تقصير كفت نه جون نفس ناطق زكفتن بخفت غنيمت شمار اين كرامى نفس كه بى مرغ قيمت ندارد قفس تفسير : واعلم ان للشرك مراتب وللمغفرة مراتب. فمراتب الشرك ثلاث الجلى والخفى والاخفى. وكذلك مراتب المغفرة. فالشرك الجلى بالاعيان وهو للعوام وذلك بان يعبد شىء من دون الله تعالى كالاصنام والكواكب وغيرها فلا يغفر الا بالتوحيد وهو اظهار العبودية فى اثبات الربوبية مصدقا بالسر والعلانية. والشرك الخفى بالاوصاف وهو للخواص وذلك شوب العبودية بالالتفات الى غير الربوبية فى العبادة كالدنيا والهوى وما سوى المولى فلا يغفر الا بالوحدانية وهى افراد الواحد للواحد بالواحد. والشرك الاخفى وهو للاخص وذلك رؤية الاغيار والانانية فلا يغفر الا بالوحدة وهى فناء الناسوتية فى بقاء اللاهوتية ليبقى بالهوية دون الانانية فان الله لا يغفر بمراتب المغفرة ان يشرك به بمراتب الشرك ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء اى لمن يشاء المغفرة فيستغفر الله تعالى من مراتب الشرك فيغفر له بمراتب المغفرة ومن يشرك بالله بمراتب الشرك فقد افترى اثما عظيما اى جعل بينه وبين الله حجابا من اثبات وجود الاشياء وانانيته وهى اعظم الحجب كما قيل وجودك ذنب لا يقاس به ذنب شعر : نيستى جولانكه اهل دلست شاهراه عاشقان كاملست جون وجودت محو كردى ازميان نوروحدت جشم دل را شد عيان شرك رهزن باشداى دل در طريق ذكر توحيد خدارا كن رفيق
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} لأنه بتَّ الحكم على خلود عذابه، لأن الله تعالى غيور لا أحد أغير منه. كما في الحديث، ومن عادة الملوك إذا خرج أحدٌ من رعيته ونصر غيره لا يقبل منه إلا الرجوع أو الموت. ولا شفاعة تنفع في غير الرجوع عنه. {ويغفر ما دون ذلك} الشرك {لمن يشاء} من الكبائر والصغائر. تاب أم لا. فالعصاة أذا لم يتوبوا في مشيئة الله، {ومن يُشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا}؛ ارتكب ما تستحقر دونه الآثام. وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب، والله تعالى أعلم. الإشارة: ولما رأت الصوفية أن الشرك لا يُغفر، ولا يُسمح في شيء منه، جليًا أو خفيًا، حققوا إخلاصهم، ودققوا معاملتهم مع ربهم، وفتشوا على قلوبهم، هل بقي فيها شيء من محبة غير مولاهم، أو خوفٌ من شيء دونه، وطهروا توحيدهم من نسبة التأثير لشيء من الكائنات، فتوجهوا إلى الله في إزالة ذلك عنهم. قال بعضهم: شربتُ لبنًا فأصابني انتفاخ، فقلت ضرني ذلك اللبن، فلما كنت ذات يوم أتلو، هذه الآية قلت: يا رب؛ أنا لا أشرك بك شيئًا، فقال لي هاتفٌ: ولا يوم اللبن، فبادرت إلى التوبة. اهـ. بالمعنى. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : قال الفراء قوله: {أن يشرك} في موضع النصب، وتقديره {إن الله لا يغفر} الشرك قال: ويحتمل أن يكون موضعه الجر وتقديره لا يغفر الذنب مع الشرك. وقال قوم: الفرق بين قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به}، وبين قوله: {إن الله لا يغفر} الشرك به من وجهين: أحدهما - أن {أن} تدل على الاستقبال. والآخر - ذكره الرماني أنها تدل على وجه الفعل في الارادة، ونحوها. إذ كان قد يريد الانسان الكفر مع ظنه أنه ايمان، كما يريد النصارى عبادة المسيح. ولا يجوز ارادته أن يكفر مع التوهم انه ايمان وكذلك لا يريد الضر مع التوهم أنه نفع، ولا يجوز ارادته أن يضر مع التوهم أنه نفع، وكذلك أمره بالخطأ مع التوهم أنه صواب، ولا يجوز أمره أن يخطىء مع التوهم أنه صواب، وهذا عندي ليس بصحيح، لأن الشرك مذموم على كل حال سواء علمه فاعله كذلك، أو لم يعلم. ألا ترى أن النصارى يستحقون اللعنة والبراءة على ما يعتقدونه من التثليث وإن اعتقدوا هم صحته، فالفرق الاول هو الجيد وظاهر الآية يدل على أن الله تعالى لا يغفر الشرك أصلا، لكن أجمعت الامه على أنه لا يغفره مع عدم التوبة، فأما إذا تاب منه فانه يغفره، وإن كان عندنا غفران الشرك مع التوبة تفضلا، وعند المعتزلة هو واجب، وهذه الآية من آكد ما دل على أن الله تعالى يعفو عن المذنبين من غير توبة ووجه الدلالة منها أنه نفى أن يغفر الشرك إلا مع التوبة وأثبت أنه يغفر ما دونه، فيجب أن يكون مع عدم التوبة، لأنه إن كان ما دونه، لا يغفره إلا مع التوبة، فقد صار ما دون الشرك مثل الشرك، فلا معنى للنفي، والاثبات. وكان ينبغي أن يقول: {إن الله لا يغفر} المعاصي إلا بالتوبة ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول الحكيم أنا لا أعطي الكثير من مالي تفضلا، واعطي القليل إذا استحق علي، لأنه كان يجب أن يقول: أنا لا أعطي شيئاً من مالي إلا إذا استحق علي كيف وفي الآية ذكر العظيم الذي هو الشرك، وذكر ما هو دونه؟ والفرق بينهما بالنفي والاثبات، فلا يجوز ألا يكون بينهما فرق من جهة المعنى. فان قيل: نحن نقول: إنه يغفر ما دون الشرك من الصغائر من غير توبة. قلنا: هذا فاسد من وجهين: أحدهما - انه تخصيص، لأن ما دون الشرك يقع على الكبير والصغير. والله تعالى أطلق أنه يغفر ما دونه، فلا يجوز تخصيصه من غير دليل. الثاني - ان الصغائر تقع محبطة فلا يجوز المؤاخذة بها عند الخصم وما هذا حكمه لا يجوز تعليقة بالمشيئة وقد علق الله تعالى غفران ما دون الشرك بالمشيئة، لأنه قال: {لمن يشاء} فان قيل: تعليقة بالمشيئة يدل على أنه لا يغفر ما دون الشرك قطعاً. قلنا: المشيئة دخلت في المغفور له لا فيما يغفر، بل الظاهر يقتضي انه يغفر ما دون الشرك قطعاً، لكن لمن يشاء من عباده، وبذلك تسقط شبهة من قال القطع على غفران ما دون الشرك من غير توبة، اغراء بالقبيح الذي هو دون الشرك، لأنه إنما يكون اغراء لو قطع على أنه يغفر ذلك لكل أحد. فأما إذا علق غفرانه لمن يشاء، فلا اغراء لأنه لا أحد إلا وهو يجوز أن يغفر له، كما يجوز أن يؤاخذ به فالزجر حاصل على كل حال، ومتى عارضوا هذه الآية بآيات الوعيد كقوله: {أية : ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً} تفسير : وقوله: {أية : ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها}تفسير : وقوله: {أية : إن الفجار لفي جحيم }تفسير : كان لنا أن نقول: العموم لا صيغة له، فمن أين لكم أن المراد به جميع العصاة ثم نقول نحن نخص آياتكم بهذه الآية ونحملها على الكفار. فمتى قالوا لنا: بل نحن نحمل آياتكم على أصحاب الصغائر. فقد تعارضت الآيات ووقفنا وجوزنا العفو بمجرد العقل، وهو غرضنا وقد استوفينا ما في ذلك في الاصول في باب الوعيد من أراده وقف عليه من هناك. وقوله: {ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} معناه من يشرك بالله، فقد كذب، لأنه يقول: إن عبادته يستحقها غير الله. وذلك افتراء، وكذب. وقوله: {إثماً عظيماً} نصب على المصدر فكأنه قال: افترى، وأثم {إثماً عظيماً} لأن افترى بمعنى أثم، فلذلك نصب المصدر به. وقال ابن عمر: لما نزل قوله: {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} ظن أنه تعالى يغفر الشرك أيضاً، فانزل الله هذه الآية. وقال ابن عمر: ما كنا نشك معشر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قاتل المؤمن، وآكل مال اليتيم وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية فامسكنا عن هذه الشهادة. وهذا يدل على أن الصحابة كانت تقول بما نذهب إليه من جواز العفو عن فساق أهل الملة من غير توبة، بخلاف ما يذهب إليه أصحاب الوعيد من المعتزلة، والخوارج، وغيرهم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} باعتبار اتمّ مظاهره الّذى هو علىّ (ع) وقد فسّر بالشّرك والكفر بولاية علىّ (ع) لان الله لا يعرف ولا يدرك الاّ فى مظاهره شرك به فكأنّه قال: يا امّة محمّد (ص) آمنوا بولاية علىّ (ع) الّتى نزّلناها مصدّقة لما معكم من احكام الاسلام واحذروا فى مخالفته عن عقوبتى فانىّ لا اغفر لمن يشرك بولاية علىّ (ع) فضلاً عمّن كفر بولايته {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} الشّرك كائناً ما كان كبيراً او صغيراً {لِمَن يَشَآءُ} من شيعة علىّ (ع) وفى الاخبار تصريح بما ذكر من تفسير الآيات بمنافقى الامّة وولاية علىّ (ع) مع انّ عمومات الاخبار واشاراتها تكفى فى تفسيرها بذلك، فعن الصّادق (ع) فى تفسير ما دون ذلك انّه قال: الكبائر فما سواها، وفى حديث عن رسول الله (ص): "حديث : لو انّ المؤمن خرج من الدّنيا وعليه مثل ذنوب اهل الارض لكان الموت كفّارة لتلك الذّنوب"تفسير : ، والمراد بالمؤمن من قبل الولاية وفى آخر هذا الحديث: انّ الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء لشيعتك ومحبّيك يا علىّ (ع) وعن الباقر (ع) يعنى انّه لا يغفر لمن يكفر بولاية علىّ (ع) ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء يعنى لمن والى عليّاً (ع) وعن علىّ (ع) ما فى القرآن آية احبّ الىّ من هذه الآية {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} باعتبار الشّرك باتمّ مظاهره {فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} عطف فى معنى التّعليل، والافتراء يكون بالقول وبالفعل.
فرات الكوفي
تفسير : {إنّ الله لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ48} فرات قال: حدثني محمد بن الحسن بن إبراهيم الأويسي [ب: الأوبستي] معنعناً: عن جابر قال: قال أبو [ب: سألت أبا] جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: {إنّ الله لا يغفر أن يشرك} [قال: ب]: يا جابر إن الله لا يغفر أن يشرك بولاية علي [بن أبي طالب. ر. عليه السلام. ب، ر] وطاعته، [وأما قوله. ر، أ]: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فإنه ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام [ر: ولايته].
اطفيش
تفسير : {إنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ}: الإشراك. {لِمَنْ يَشَآءُ}: لا يظن أحد عاقل أن المعنى أن الله لا يسيغ، ولا يحلل الإشراك وأنه يبيح ما دون الشرك لمن يشاء لأن الله جل وعلا لا يبيح المعصية كائنة ما كانت لأحد، كما لا يسيغ الشرك ولا يبيحه ولا يحلله، ولكن المعنى أن الله لا يغفر الإشراك، ويغفر ما دون الإشراك لمن يشاء، أى يغفر الذنوب كلها إلا الإشراك، بمعنى أن من مات مشركاً لا يغفر له شركه بحال ما من الأحوال، وأما من مات موحداً عاصياً بكبائر، فإن الله يغفر لمن يشاء منهم، وذلك مثل أن يموت وعليه تباعات، قد تاب منها بعينها ولم يجد الخلاص منها، لعدم ماله، أو تاب إجمالا ولم يعلمها، بحيث لا يعذر فى جهلها، أو بحيث يعذر وصاحبها يتعلق به يوم القيامة، فإن الله جل وعلا يؤدى عنه، والله عز وجل يعد حسناته، ولو لم يقصد سيئاته بالتوبة، لكن ليس فى نيته الإصرار، فيجدها وهو عالم بها أكثر من التبعات، وكذا نغنى حسناته، فيؤتى بنياته، وكذا يتوب وله وفاء من ماله فيوصى بها فلا يوجد أصحابها أو يذهب ماله بعد الموت والإيصاء. أو يعين لها مالا، فيذهب فى حياته، ولا يعلم بذهابه أو يعين لها مالا فيظهر أنه ليس له، ولم يعلم أنه ليس له، أو يجد وفاء وقد تاب قبل الغرغرة، ولسانه لا ينطق أو يموت حيث لا أحد عنده ولا سبيل له إلى الإيصاء أو أوصى وذهبت الوصية، أو أوصى ووكل أميناً، أو بين لورثته الأمناء ولم تنفذ أو نحو ذلك ويجوز فى تفسير الآية وجه آخر وهو أن يتنازع: لا يغفر، ويغفر فى قوله: {لِمَن يَشَآءُ} أى: لا يغفر الإشراك لمن يشاء، وهو من قضى الله تعالى أن يموت مشركاً، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء، وهو من قضى الله أن يموت تائباً وهذا التقدير معنوى، وتقدير الاصطلاح أن تقول: إن الله لا يغفر له أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. وهاء {له} عائدة لمن يشاء الذى تاخر عنه لفظاً ورتبة، لجوار ذلك فى التنازع، فهذا إعمال للأخير، ولك أن تقدر {ويغفر لمن يشاء} له فتعلق {لمن يشاء} بـ "يغفر الأول" وتعلق له بالثانى إعمالا للأول و"هاء" له عائدة لمن يشاء، وعلى التنازع بوجهيه يكون الضمير استخداماً لأنه من شاء غفرانه غير من لم يشاء غفرانه، وزعمت الأشعريه أن المعنى يغفر ما دون الشرك من الكبائر، والصغائر على الإطلاق، ولو لم يتب لمن شاء تفضلا وإحساناً، ويدخل النار بها من يشاء ثم يخرجه ويرد عليهم أحاديث هلاك المصر وآيات شرط التوبة، وأحاديثه ووافقوا فى أن المشرك لا يغفر له، لأنه لا توبة له من ذنب تصح مع الشرك ولا حسنة تثبت له معه، وإنا قيدنا ما دون الشرك بالتوبة، كالشرك بالآيات والأحاديث المشروط فيه التوبة، فهى أدلة التقييد. قيل: نزلت الآية فى وحشى قتل حمزة وقد جعل له سيده أن يعتقه إذا قتله، وكان عبداً فلم يعتقه سيده، وذهب إلى مكة فندم. قيل: لأنه لم يعتقه، وله أصحاب فكتب هو وأصحابه من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا ندمنا على قتل حمزة، ويمنعنا من الإسلام أننا سمعناك بمكة تقول: {أية : والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} تفسير : الآيات وقد دعونا مع الله إلهاً آخر وقتلنا النفس التى حرم الله، وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك، فنزل: {أية : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً..} تفسير : الآية فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما قرءوها كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد ونخاف أن لا نعمل عملا صالحاً، فنزل: {إنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآء} وذلك أنَّ من يشاء شامل لمن أسلم ومات قبل أن يعمل الصالحات، وشامل لمن أسلم وعاش وعمل كبائر وتاب غير مصر، فالأول تشمله المشيئة قطعاً، والثانى تحتمله، فلذلك كتبها إلى وحشى وأصحابه، فبعثوا إليه: إنا نخاف أن لا تكون من أهل المشيئة، فنزل قوله تعالى: {أية : قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم..}تفسير : الآية فبعث إليهم بالآية، وإنما بعث بها إليهم يرجيهم أن يكونوا من أهل المشيئة وإزاحة للإياس، لا لخروجهم عن المشيئة، فأسلموا فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل عنهم، ثم قال لوحشى: "كيف قتلت حمزة" فأخبره، فقال: "ويحك غيب وجهك عن" فلحق بالشام وكان فيه إلى أن مات، قيل مات فى الخمر، فقال عمر رضى الله عنه: عجبت لمن قتل حمزة كيف ينجو؟ يعنى أنه مات ضالا، قيل: لما نزل {أية : قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم}تفسير : فقام رجل فقال: يا رسول الله والشرك؟ فسكت، ثم قام إليه مرتين أو ثلاثاً فنزل قوله تعالى {إنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآء} أى بالتوبة أو بعدم الإصرار، إذ ليس من الحكمة أن يغفر لمن أصر، وعن ابن عمر: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل على كبيرة، شهدنا أنه من أهل النار، أى: نقطع له لها كمن نزل فه النص بها حتى نزلت هذه الآية {إنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآء} فأمسكنا عن الشهادة بذلك، أى لاحتمال أن يكون تعد حسناته وسيئاته، فتغلبها حسناته ولم يعتقد الإصرار، فيقولون يستحقها ولا يقطعون بها وقال ابن عباس لعمر رضى الله عنهم: يا أمير المؤمنين المرء يعمل الصالحات لم يدع من الخير شيئاً إلا عمله غير أنه مشرك. فقال عمر: هو فى النار. قال ابن عباس: الرجل لم يدع شيئاً من الشر إلا عمله غير أنه لم يشرك بالله شيئاً فقال عمر: الله أعلم. يعنى توقف عن أن يجزم له بالنار، لإمكان أن يكون له من الحسنات مقدار السيئات، ولم يعقد الإصرار، ولإمكان أنه مات تائباً. فقال ابن عباس: إنى لأرجو له، يعنى أنه لا ييئس له لأنه لم يجىء الوحى فيه وفيه الإمكان المذكور فهو موافق لكلام عمر، قال ابن عباس: على أثر ذلك كما أنه لا ينفع مع الشرك عمل، كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب، فسكت عمر، أى لأنه لم يخرج عما قاله، ومعنى قوله: لا يضر..إلخ، أنه ربما لا يضر ذنب مع التوحيد، بأن يقابل بحسنة تمحوه، وعن على: ليس فى القرآن أحب إلى من هذه الآية {إنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآء} وروى مسلم صاحب الصحيح حديث : عن جابر بن عبد الله أنه جاء أعرابى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك به دخل النار"تفسير : ، أى دخل الجنة بالوفاء كما قال الشيخ هود ما نصه: ذكروا عن جابر بن عبد الله حديث : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الموجبتين. فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئاً وأوفى بما افترضه الله عليه دخل الجنة، ومن مات وهو مشرك بالله دخل النار"تفسير : وقوله تعالى؛ {إنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ..} الآية. متعلق بقوله {أية : يا أيها الذين أوتو الكتاب..}تفسير : الآية. أى اخرجوا من الشرك بالإيمان فإن الله لا يغفر الشرك، فالآية دلت أن أهل الكتاب مشركون. {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ} أى يجعل معه غيره شريكاً ويسويه به. {فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}: أى فعل ذنباً عظيماً لا يغفر إن مات عليه بوجه ما، والافتراء هنا بمعنى الفعل، فإن الافتراء يكون بالفعل كما يكون بالقول، وأصله الاقتصاع كأنه قيل: افترى واقتطع من الأفعال إثماً عظيماً يصغر كل ذنب بالنسبة إليه، وإثماً مفعول به ومفعول مطلق.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} كلام مستأنف مقرر لما قبله من الوعيد ومؤكد وجوب امتثال الأمر بالإيمان حيث إنه لا مغفرة بدونه كما زعم اليهود، وأشار إليه قوله تعالى: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} تفسير : [الأعراف: 169] وفيه أيضاً إزالة خوفهم من سوء الكبائر السابقة إذا آمنوا. والشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله تعالى شأنه شريكاً إما في الألوهية أو في الربوبية، وبمعنى الكفر مطلقاً ـ وهو المراد هنا ـ كما أشار إليه ابن عباس فيدخل فيه كفر اليهود دخولاً أولياً فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة كيف كانوا، ونزول الآية في حق اليهود على ما روي عن مقاتل لا يقتضي الاختصاص بكفرهم بل يكفي الاندراج فيما يقتضيه عموم اللفظ، والمشهور أنها نزلت مطلقة، فقد أخرج ابن المنذر عن أبـي مجلز قال: «لما نزل قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر: 53] الآية قام النبـي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال: والشرك بالله؟ فسكت، ثم قام إليه فقال: يا رسول الله والشرك بالله تعالى؟ فسكت مرتين أو ثلاثاً فنزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}» الخ والمعنى أن الله تعالى لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان لأنه سبحانه بت الحكم على خلود عذابه، وحكمه لا يتغير، ولأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر ولذا لم يبعث نبـي إلا لسده وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه، وقيل: لأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره، ولا يخفى أن هذا مبني على أن فعل الله تعالى تابع لاستعداد المحل، وإليه ذهب أكثر الصوفية وجميع الفلاسفة، فإن {يُشْرَكَ} في موضع / النصب على المفعولية؛ وقيل: المفعول محذوف والمعنى لا يغفر من أجل أن يشرك به شيئاً من الذنوب فيفيد عدم غفران الشرك من باب أولى، والذي عليه المحققون هو الأول. {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} عطف على خبر (إن) لا مستأنف، وذلك إشارة إلى الشرك، وفيه إيذان ببعد درجته في القبح أي يغفر ما دونه من المعاصي وإن عظمت وكانت كرمل عالج، ولم يتب عنها تفضلاً من لدنه وإحساناً {لِمَن يَشَاء} أن يغفر له ممن اتصف بما ذكر فقط، فالجار متعلق ـ بيغفر ـ المثبت، والآية ظاهرة في التفرقة بين الشرك وما دونه بأن الله تعالى لا يغفر الأول البتة ويغفر الثاني لمن يشاء، والجماعة يقولون بذلك عند عدم التوبة فحملوا الآية عليه بقرينة الآيات والأحاديث الدالة على قبول التوبة فيهما جميعاً، ومغفرتهما عندها بلا خلاف من أحد، وذهب المعتزلة إلى أنه لا فرق بين الشرك وما دونه من الكبائر في أنهما يغفران بالتوبة ولا يغفران بدونها فحملوا الآية كما قيل: على معنى ـ إن الله لا يغفر الإشراك لمن يشاء أن لا يغفر له وهو غير التائب ويغفر ما دونه لمن يشاء أن يغفر له وهو التائب ـ وجعلوا {لِمَن يَشَاء} متعلقاً بالفعلين وقيدوا المنفي بما قيد به المثبت على قاعدة التنازع لكن {مَن يَشَآء} في الأول: المصرون بالاتفاق، وفي الثاني: التائبون قضاءاً لحق التقابل وليس هذا من استعمال اللفظ الواحد في معنيين متضادين لأن المذكور إنما تعلق بالثاني وقدر في الأول مثله والمعنى واحد لكن يقدر مفعول المشيئة في الأول: عدم الغفران، وفي الثاني: الغفران بقرينة سبق الذكر، ولايخفى أن كون هذا من التنازع مع اختلاف متعلق المشيئة مما لا يكاد يتفوه به فاضل ولا يرتضيه كامل على أنه لا جهة لتخصيص كل من القيدين بما خصص لأن الشرك أيضاً يغفر للتائب وما دونه لا يغفر للمصر عندهم من غير فرق بينهما، وسوق الآية ينادي بالتفرقة وتقييد مغفرة {مَا دُونَ ذَلِكَ} بالتوبة مما لا دليل عليه إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى من آيات الوعد. وقد ذكر الآمدي في «أبكار الأفكار» أنها راجحة على آيات الوعيد بالاعتبار من ثمانية أوجه سردها هناك وزعم أنها لو لم تقيد، وقيل: بجواز المغفرة لمن لم يتب لزم إغراء الله تعالى للعبد بالمعصية لسهولتها عليه حينئذ والإغراء بذلك قبيح يستحيل على الله سبحانه ليس بشيء، أما أولاً: فلأنه مبني على القول بالحسن والقبح العقليين وقد أبطل في محلة، وأما ثانياً: فلأن لو سلم يلزم منه تقبيح العفو شاهداً وهو خلاف إجماع العقلاء، وأما ثالثاً: فلأنه منقوض بالتوبة فإنهم قالوا: بوجوب قبولها ولا يخفى أن ذلك مما يسهل على العاصي الإقدام على المعصية أيضاً ثقة منه بالتوبة حسب وثوقه بالمغفرة بل أبلغ من حيث إن التوبة مقدورة له بخلاف المغفرة فكان يجب أن لا تقبل توبته لما فيه من الإغراء وهو خلاف الإجماع فلئن قالوا: هو غير واثق بالإمهال إلى التوبة قلنا: هو غير واثق بالمغفرة لإبهام الموصول، والقول: بأنه لو لم تشترط التوبة لزم المحاباة من الله تعالى في الغفران للبعض دون البعض والمحاباة غير جائزة عليه تعالى ساقط من القول لأن الله تعالى متفضل بالغفران وللمتفضل أن يتفضل على قوم دون قوم وإنسان دون إنسان وهو عادل في تعذيب من يعذبه، وليس يمنع العقل والشرع من الفضل والعدل كما لا يخفى، ومن المعتزلة من قال: إن المغفرة قد جاءت بمعنى تأخير العقوبة دون إسقاطها كما في قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} تفسير : [الرعد: 6] فإنه لا يصح هنا حملها على إسقاط العقوبة لأن الآية في الكفار والعقوبة غير ساقطة عنهم إجماعاً، وقوله تعالى: {أية : وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [الكهف: 58] فإنه صريح في أن المغفرة بمعنى تأخير العقوبة / فلتحمل فيما نحن فيه على ذلك بقرينة إن الله تعالى خاطب الكفار وحذرهم تعجيل العقوبة عن ترك الإيمان، ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الخ فيكون المعنى إن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك بل يعجلها ويؤخر عقوبة ما دونه لمن يشاء فلا تنهض الآية دليلاً على ما هو محل النزاع على أنه لو سلم أن المغفرة فيها بمعنى إسقاط العقوبة لا يحصل الغرض أيضاً لأنه إما أن يراد إسقاط كل واحد واحد من أنواع العقوبة، أو يراد إسقاط جملة العقوبات، أو يراد إسقاط بعض أنواعها لا سبيل إلى الأول لعدم دلالة اللفظ عليه بقي الاحتمالان الآخران، وعلى الأول: منهما لا يلزم من كونه لا يعاقب بكل أنواع العقوبات أن لا يعاقب ببعضها، وعلى الثاني: لا يلزم من إسقاط بعض الأنواع إسقاط البعض الآخر. وأجيب بأن حمل المغفرة على إسقاط العقوبة أولى من حملها على التأخير لثلاثة أوجه: الأول: أنه المعنى المتبادر من إطلاق اللفظ، الثاني: أنه لو حمل لفظ المغفرة في الآية على التأخير لزم منه التخصيص في أن الله لا يغفر أن يشرك به لأن عقوبة الشرك مؤخرة في حق كثير من المشركين بل ربما كانوا في أرغد عيش وأطيبه بالنسبة إلى عيش بعض المؤمنين وأن لا يفرق في مثل هذه الصورة بين الشرك وما دونه بخلاف حملها على الإسقاط، الثالث: أن الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين لم يزالوا مجمعين على حمل لفظ المغفرة في الآية على سقوط العقوبة وما وقع عليه الإجماع هو الصواب وضده لا يكون صواباً. وقولهم: لا يحصل الغرض أيضاً لو حملت على ذلك لأنه إما أن يراد الخ قلنا بل المراد إسقاط كل واحد واحد وبيانه أن قوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} سلب للغفران فإذا كان المفهوم من الغفران إسقاط العقوبة فسلب الغفران سلب السلب فيكون إثباتاً، ومعناه إقامة العقوبة، وعند ذلك فإما أن يكون المفهوم إقامة كل أنواع العقوبات، أو بعضها لا سبيل إلى الأول لاستحالة الجمع بين العقوبات المتضادة ولأن ذلك غير مشترط في حق الكفار إجماعاً فلم يبق إلا الثاني، ويلزم من ذلك أن يكون الغفران فيما دون الشرك بإسقاط كل عقوبة وإلا لما تحقق الفرق بين الشرك وما دونه، ومنهم من وقع في حيص بيص في هذه الآية حتى زعم أن {وَيَغْفِرْ} عطف على المنفي والنفي منسحب عليهما، والآية للتسوية بين الشرك وما دونه لا للتفرقة، ولا يخفى أنه من تحريف كلام الله تعالى ووضعه في غير مواضعه. ومن الجماعة من قال في الرد على المعتزلة: إن التقييد بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة ووجوب الصفح بعدها، وتعقبه صاحب «الكشف» بأنه لم يصدر عن ثبت لأن الوجوب بالحكمة يؤكد المشيئة عندهم، وأيضاً قد أشار الزمخشري في هذا المقام إلى أن المشيئة بمعنى الاستحقاق وهي تقتضي الوجوب وتؤكده فلا يرد ما ذكر رأساً. ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزلة يرد بها على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه خالد في النار، وذكر الجلال السيوطي أن فيها رداً أيضاً على المرجئة القائلين: إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون. وأخرج ابن الضريس وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال: «كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}» الآية، وقال: إني ادخرت دعوتي وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا ورجونا، وقد استبشر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذه الآية جداً حتى قال علي كرم الله تعالى وجهه فيما أخرجه عنه الترمذي وحسنه: أحب آية إليّ في القرآن {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}. {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} استئناف مشعر بتعليل عدم غفران الشرك، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار / لإدخال الروعة وزيادة تقبيح الإشراك، وتفظيع حال من يتصف به أي ومن يشرك بالله تعالى الجامع لجميع صفات الكمال من الجمال والجلال أي شرك كان {فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} أي ارتكب ما يستحقر دونه الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعاً، وأصل الافتراء من الفري، وهو القطع ولكون قطع الشيء مفسدة له غالباً غلب على الإفساد، واستعمل في القرآن بمعنى الكذب والشرك والظلم كما قاله الراغب، فهو ارتكاب ما لا يصلح أن يكون قولاً أو فعلاً، فيقع على اختلاف الكذب وارتكاب الإثم، وهو المراد هنا، وهل هو مشترك بين اختلاق الكذب وافتعال ما لا يصلح أم حقيقة في الأول مجاز مرسل أو استعارة في الثاني؟ قولان: أظهرهما عند البعض الثاني، ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن الشرك أعم من القولي والفعلي لأن المراد معنى عام وهو ارتكاب ما لا يصلح، وفي «مجمع البيان» التفرقة بين فريت وأفريت في أصل المعنى بأنه يقال: «فريت الأديم إذا قطعته على وجه الإصلاح، وأفريته إذا قطعته على وجه الإفساد».
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن تكون هذه الجملة متعلقة بما قبلها من تهديد اليهود بعقاب في الدنيا، فالكلام مَسوق لترغيب اليهود في الإسلام، وإعلامهم بأنّهم بحيث يتجاوز الله عنهم عند حصول إيمانهم، ولو كان عذابُ الطمس نازلاً عليهم، فالمراد بالغفران التجاوز في الدنيا عن المؤاخذة لهم بعظم كفرهم وذنوبهم، أي يرفع العذاب عنهم. وتتضمّن الآية تهديداً للمشركين بعذاب الدنيا يحلّ بهم فلا ينفعهم الإيمان بعد حلول العذاب، كما قال تعالى: {أية : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس}تفسير : [يونس: 98] الآية. وعلى هذا الوجه يكون حرف (إنّ) في موقع التعليل والتسبّب، أي آمنوا بالقرآن من قبل أن ينزل بكم العذاب، لأنّ الله يغفر ما دون الإشراك به، كقوله: {أية : وما كان الله ليعذبّهم وأنت فيهم}تفسير : [الأنفال: 33]، أي ليعذّبهم عذاب الدنيا، ثم قال: {أية : ومالهم أن لا يعذّبهم الله}تفسير : [الأنفال: 34]، أي في الدنيا، وهو عذاب الجوع والسيف. وقوله: {أية : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم}تفسير : [الدخان: 10، 11]، أي دخانٌ عامَ المجاعة في قريش. ثم قال: {أية : إنّا كاشفوا العذاب قليلاً إنّكم عائدُون يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون}تفسير : [الدخان: 15، 16] أي بطشة يوم بدر؛ أو يكون المراد بالغفران التسامح، فإنّ الإسلام قَبِل من أهل الكتابين الدخول تحت ذمَّة الإسلام دون الدخول في دين الإسلام، وذلك حكم الجزية، ولم يرض من المشركين إلاّ بالإيمان دون الجزية، لقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ــــ إلى قوله ــــ {أية : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم}تفسير : [التوبة: 5]. وقال في شأن أهل الكتاب {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرّمون ما حرّم الله ورسولُه ولا يدينون دينَ الحقّ من الذين أوتوا الكتَاب حتّى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهُم صاغرون}تفسير : [التوبة: 29]. ويجوز أن تكون الجملة مستأنَفة، وقعت اعتراضاً بين قوارع أهل الكتاب ومواعظهم، فيكون حرفُ (إنَّ) لتوكيد الخبر لقصد دفع احتمال المجاز أو المبالغة في الوَعيد، وهو إمّا تمهيد لما بعده لتشنيع جرم الشرك بالله ليكون تمهيداً لتشنيع حال الذين فَضَّلوا الشرك على الإيمان، وإظهاراً لمقدار التعجيب من شأنهم الآتي في قوله: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} تفسير : [النساء: 51]، أي فكيف ترضون بحال من لا يرضى الله عنه. والمغفرة على هذا الوجه يصحّ حملها على معنى التجاوز الدنيوي، وعلى معنى التجاوز في الآخرة على وجه الإجمال. وإمّا أن يكون استئنافَ تعليمِ حكم في مغفرة ذنوب العصاة: ابتدىء بمُحْكَم وهو قوله: {لا يغفر أن يشرك به}، وذُيِّل بمتشابه وهو قوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}؛ فالمغفرة مراد منها التجاوز في الآخرة. قال القرطبي «فهذا من المتشابه الذي تكلّم العلماء فيه» وهو يريد أنّ ظاهرها يقتضي أموراً مشكلة: الأول: أنّ يقتضي أنّ الله قد يغفر الكفر الذي ليس بشرك ككفر اليهود. الثاني: أنّه يغفر لمرتكب الذنوب ولو لم يتب. الثالث: أنّه قد لا يغفر للكافر بعد إيمانه وللمذنب بعد توبته، لأنّه وَكَل الغفران إلى المشيئة، وهي تلاقي الوقوع والانتفاء. وكلّ هذه الثلاثة قد جاءت الأدلّة المتظافرة على خلافها، واتّفقت الأمّة على مخالفة ظاهرها، فكانت الآية من المتشابه عند جميع المسلمين. قال ابن عطية: «وهذه الآية هي الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والوعيد». وتلخيصُ الكلام فيها أن يقال: الناس أربعة أصناف: كافر مات على كفره، فهذا مخلّد في النار بإجماع، ومؤمن محسن لم يذنب قط ومات على ذلك فهو في الجنة محتوم عليه حسب الوعد في الله بإجماع وتائب مات على توبته فهذا عند أهل السنّة وجمهور فقهاء الأمّة لا حق بالمؤمن المحسن، ومُذنب مات قبل توبته فهذا هو موضع الخلاف: فقالت المرجئة: هو في الجنّة بإيمانه ولا تضره سيّئاته، وجعلوا آيات الوعيد كلّها مخصّصة بالكفار وآيات الوعد عامّة في المؤمنين؛ وقالت المعتزلة: إذا كان صاحب كبيرة فهو في النار لا محالة؛ وقالت الخوارج: إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو في النار مخلّد ولا إيمان له، وجعلوا آيات الوعد كلّها مخصّصة بالمؤمن المحسن والمؤمن التائب، وجعلوا آيات الوعيد عامّة في العصاة كفاراً أو مؤمنين؛ وقال أهل السنّة: آيات الوعد ظاهرة العموم ولا يصحّ نفوذ كلّها لوجهه بسبب تعارضها كقوله تعالى: {أية : لا يصلاها إلاّ الأشقى الذي كذّب وتولّى} تفسير : [الليل: 15، 16] وقوله: {أية : ومن يعص الله ورسوله فإنّ له نار جهنّم}تفسير : [الجن: 23]، فلا بدّ أن نقول: إنّ آيات الوعيد لفظها لفظ العموم، والمراد به الخصوص: في المؤمن المحسن، وفيمن سبق في علم الله تعالى العفو عنه دون تعذيب من العصاة، وأنّ آيات الوعيد لفظها عموم والمراد به الخصوص في الكفرة، وفيمن سبق علمه تعالى أنّه يعذّبه من العصاة. وآية {إنّ الله لا يغفر أنّ يشرك به} جَلت الشكّ وذلك أنّ قوله: {ويغفر ما دون ذلك} مبطل للمعتزلة، وقوله: {لمن يشاء} رادّ على المرجئة دالّ على أنّ غفران ما دون الشرك لقوم دون قوم. ولعلّه بنى كلامه على تأويل الشرك به بما يشمل الكفر كلّه، أو بناه على أنّ اليهود أشركوا فقالوا: عزير ابن الله، والنصارى أشركوا فقالوا: المسيح ابن الله، وهو تأويل الشافعي فيما نسبه إليه فخر الدين، وهو تأويل بعيد. فالإشراك له معناه في الشريعة، والكفر دونه له معناه. والمعتزلة تأوّلوا الآية بما أشار إليه في «الكشّاف»: بأنّ قوله {لمن يشاء} معمول يتنازعه {لا يغفر} المنفي {ويغفرُ} المثبت. وتحقيق كلامه أن يكون المعنى عليه: إنّ الله لا يغفر الشرك لمن يشاء ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء، ويصير معنى لا يغفر لمن يشاء أنّه لا يشاء المغفرة له إذ لو شاء المغفرة له لغفر له، لأنّ مشيئة الله المُمْكنَ لا يمنعها شيء، وهي لا تتعلّق بالمستحيل، فلمّا قال: {لا يغفر} علمنا أنّ (من يشاء) معناه لا يشاء أن يغفر، فيكون الكلام من قبيل الكناية، مثل قولهم: لا أعرفنَّك تفعل كذا، أي لا تفعلْ فأعرفَك فاعلاً، وهذا التأويل تعسّف بيّن. وأحسب أنّ تأويل الخوارج قريب من هذا. وأمّا المرجئة فتأوّلوا بما نقله عنهم ابن عطية: أنّ مفعول {من يشاء} محذوف دلّ عليه قوله: {أن يشرك به}، أي ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء الإيمان، أي لمن آمن، وهي تعسّفات تُكْرِه القرآنِ على خدمة مذاهبهم. وعندي أنّ هذه الآية، إن كانت مراداً بها الإعلام بأحوال مغفرة الذنوب فهي آية اقتصر فيها على بيان المقصود، وهو تهويل شأن الإشراك، وأجمل ما عداه إجمالاً عجيباً، بأن أدخلت صورهُ كلّها في قوله: {لمن يشاء} المقتضي مغفرةً لفريق مبْهم ومؤاخذة لِفريق مبهم. والحوالة في بيان هذا المجمل على الأدّلة الأخرى المستقرَاة من الكتاب والسنّة، ولو كانت هذه الآية ممّا نزل في أوّل البعثة لأمكن أن يقال: إنّ ما بعدها من الآيات نسخ ما تضمّنته، ولا يهولنا أنّها خبَر لأنّها خبر مقصود منه حكم تكليفي، ولكنّها نزلت بعدَ معظم القرآن، فتعيّن أنّها تنظر إلى كلّ ما تقدّمها، وبذلك يستغني جميعُ طوائف المسلمين عن التعسّف في تأويلها كلّ بما يساعد نحلته، وتصبح صالحة لمحامل الجميع، والمرجع في تأويلها إلى الأدّلة المبيّنة، وعلى هذا يتعيّن حمل الإشراك على معناه المتعارف في القرآن والشريعة المخالف لمعنى التوحيد، خلافَ تأويل الشافعي الإشراك بما يشمل اليهودية والنصرانية، ولعلّه نظر فيه إلى قول ابن عمر في تحريم تزوّج اليهودية والنصرانية بأنّهما مشركتان.. وقال: أيّ شرك أعظم من أن يدعى الله ابن. وأدّلة الشريعة صريحة في اختلاف مفهوم هذين الوصفين، وكونُ طائفة من اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، لا يقتضي جعلهم مشركين إذ لم يدّعوا مع ذلك لهذين إلهية تشارك الله تعالى، واختلاف الأحكام التكليفية بين الكُفرين دليل على أن لا يراد بهذا اللفظ مفهوم مطلق الكفر، على أنه ماذا يغني هذا التأويل إذا كان بعض الكفرة لا يقول بإلهية غير الله مثل معظم اليهود. وقد اتّفق المسلمون كلّهم على أنّ التوبة من الكفر، أي الإيمانَ، يوجب مغفرته سواء كان كفر إشراك أم كفراً بالإسلام، لا شكّ في ذلك، إمّا بوعد الله عند أهل السنّة، أو بالوجوب العقلي عند المعتزلة؛ وأنّ الموت على الكفر مطلقاً لا يغفر بلا شكّ. إمّا بوعيد الله، أو بالوجوب العقلي؛ وأنّ المذنب إذا تاب يغفر ذنبه قطعاً، إمّا بوعد الله أو بالوجوب العقلي. واختلف في المذنب إذا مات على ذنبه ولم يتب أو لم يكن له من الحسنات ما يغطّي على ذنوبه، فقال أهل السنّة: يعاقب ولا يخلّد في العذاب بنصّ الشريعة، لا بالوجوب، وهو معنى المشيئة، فقد شاء الله ذلك وعَرَّفنَا مشيئته بأدلّة الكتاب والسنّة. وقال المعتزلة والخوارج: هو في النار خالداً بالوجوب العقلي. وقال المرجئة: لا يعاقب بحال، وكلّ هاته الأقسام داخل في إجمال {لمن يشاء}. وقوله: {ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} زيادة في تشنيع حال الشرك. والافتراءُ: الكذب الذي لا شبهة للكاذب فيه. لأنّه مشتقّ من القرى، وهو قطع الجلد. وهذا مثل ما أطلقوا عليه لفظ الاختلاق من الخَلْق. وهو قطع الجلد، وتقدّم عند قوله تعالى: {قال كذلك الله يخلق ما يشاء في سورة آل عمران. والإثم العظيم: الفاحشة الشديدة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً}. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء وأن من أشرك به فقد افترى إثماً عظيماً. وذكر في مواضع أخر: أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب غفر له كقوله: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} تفسير : [الفرقان: 70] الآية فإن الاستثناء راجع لقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ}تفسير : [الفرقان:68] وما عطف عليه: لا معنى الكل جمع في قوله: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} تفسير : [الفرقان: 68] الآية. وقوله: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [الأنفال: 38] وذكر في موضع آخر: أن من أشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً عن الحق، وهو قوله في هذه السورة الكرمة أيضاً: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} تفسير : [النساء: 116] وصرح بأن من أشرك بالله فالجنة عليه حرام ومأواه النار بقوله: {أية : إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} تفسير : [المائدة: 72] وقوله: {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 50]. وذكر في موضع آخر: أن المشرك لا يرجى له خلاص، وهو قوله: {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} تفسير : [الحج: 31]. وصرح في موضع آخر: بأن الإشراك ظلم عظيم بقوله عن لقمان مقرراً له: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. وذكر في موضع آخر: أن الأمن التام والاهتداء، إنما هما لمن لم يلبس إيمانه بشرك، وهو قوله: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 82] وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن معنى بظلم بشرك.
الواحدي
تفسير : {إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به...} الآية. وعد الله تعالى في هذه الآية مغفرة ما دون الشِّرك، فيعفو عن مَنْ يشاء، ويغفر لمِنْ يشاء إلاَّ الشِّرك؛ تكذيباً للقدريَّة، وهو قوله: {ويغفر ما دون ذلك} أَيْ: الشِّرك {لمن يشاء ومَنْ يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} أَيْ: اختلق ذنباً غير مغفور. {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} أَيْ: اليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وما عملناه باللَّيل كُفِّر عنَّا بالنَّهار، وما عملناه بالنَّهار كُفِّر عنَّا باللَّيل {بل الله يزكِّي من يشاء} أَيْ: يجعل مَنْ يشاء زاكياً طاهراً نامياً في الصَّلاح. يعني: أهل التَّوحيد {ولا يُظلمون فتيلاً} لا ينقصون من الثواب قدر الفتيل، وهو القشرة الرَّقيقة التي حول النَّواة، ثمَّ عجَّب نبيَّه عليه السَّلام من كذبهم، فقال: {انظر كيف يفترون على الله الكذب} يعني: قولهم: يكفِّر عنَّا ذنوبنا {وكفى به} بافترائهم {إثماً مبيناً} أَيْ: كفى ذلك في التَّعظيم. {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} يعني: علماء اليهود {يؤمنون بالجبت} أَيْ: الأصنام {والطاغوت} سدنتها وتراجمتها، وذلك أنَّهم حالفوا قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجدوا لأصنام قريش، وقالوا لهم: أنتم أهدى من محمَّدٍ عليه السَّلام، وأقوم طريقةً وديناً، وهو قوله: {ويقولون للذين كفروا} يعني: قريشاً {هٰؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} ، وقوله: {أم لهم نصيبٌ} أَيْ: بل أَلهم نصيب من الملك؟ يعني: ليس لليهود ملك، ولو كان إذاً لهم لم يُؤتوا أحداً شيئاً، وهو قوله: {فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً} أَيْ: لضنُّوا بالقليل. وصفهم الله بالبخل في هذه الآية، والنَّقير يُضرب مثلاً للشَّيء القليل، وهو نقرةٌ في ظهر النَّواة [منها] تنبت النَّخلة. {أم يحسدون الناس} يعني: محمَّداً عليه السَّلام {على ما آتاهم الله من فضله} حسدت اليهود محمَّداً عليه السَّلام على ما آتاه الله من النُّبوَّة، وما أباح له من النِّساء، وقالوا: لو كان نبيَّاً لشغله أمر بالنُّبوَّة عن النِّساء، فقال الله تعالى: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة} يعني: النُّبوَّة {وآتيناهم ملكاً عظيماً} يعني: ملك داود وسليمان عليهما السَّلام، وما أُوتوا من النِّساء، فكان لداود تسعٌ وتسعون، ولسليمان ألفٌ من بين حُرَّةٍ ومملوكةٍ، والمعنى: أيحسدون النَّبيَّ عليه السَّلام على النُّبوَّة وكثرة النِّساء وقد كان ذلك في آله؛ لأنَّه من آل إبراهيم عليه السَّلام. {فمنهم} من أهل الكتاب {من آمن به} بمحمَّدٍ عليه السَّلام {ومنهم مَن صدَّ عنه} أعرض عنه فلم يؤمن {وكفى بجهنَّم سعيراً} عذاباً لمَنْ لا يؤمن.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا يغفر: لا يمحو ولا يترك المؤاخذة. أن يشرك به: أي يعبد معه غيره تأليهاً له بحبه وتعظيمه وتقديم القرابين له، وصرف العبادات له كدعائه والاستعانة به والذبح والنذر له. ويغفر ما دون ذلك: أي ما دون الشرك والكفر من سائر الذنوب والمعاصي التي ليست شركاً ولا كفراً. لمن يشاء: أي لمن يشاء المغفرة له من سائر المذنبين بغير الشرك والكفر. افترى إثماً عظيماً: افترى: اختلق وكذب كذباً بنسبته العبادة إلى غير الرب تعالى، والإِثم: الذنب العظيم الكبير. معنى الآية الكريمة: يروى أنه لما نزل قول الله تعالى من سورة الزمر {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الآية: 53] قام رجل فقال والشرك يا نبي الله؟ فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} فأخبر تعالى عن نفسه بأنه لا يغفر الذنب المعروف بالشرك والكفر، وأما سائر الذنوب كبيرها وصغيرها فتحت المشيئة إن شاء غفرها لمرتكبها فلم يعذبه بها، وإن شاء آخذه بها وعذبه، وأن من يشرك به تعالى فقد اختلق الكذب العظيم إذ عبد من لا يستحق العبادة وأله من لا حق له في التأليه فلذا هو قائل بالزور وعامل بالباطل، ومن هنا كان ذنبه عظيماً. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية: 1- عظم ذنب الشرك والكفر وأن كل الذنوب دونهما. 2- الشرك ذنب لا يغفر لمن مات بدون توبة منه. 3- سائر الذنوب دون الشرك والكفر لا ييأس فاعلها من مغفرة الله تعالى له وإنما يخاف. 4- الشرك زور وفاعله قائل بالزور فاعلٌ به.
القطان
تفسير : افترى الكذب: اختلقه، وأصله من الفَرْي وهو القطع. في هذه الآية الكريمة تهديد كبير، وأمل عظيم ورجاء مفتوح.. تهديدٌ لمن يقترف جريمة الشِرك، فالله لا يغفر ذلك أبداً، لأن الشرك انقطاعُ ما بين الله والعباد، فلا يبقى لهم معه أمل في المغفرة.. وفيها أمل عظيم بفتح أبواب رحمته تعالى كلّها لما دونَ الشِرك من الذنوب، فكل ذلك يغفره الله، ما دام العبد يرجو مغفرته، ويؤمن أنه قادر على ان يغفر له. وهذا منتهى الأمر في تصوير الرحمة التي لا تنفَد ولا تحدّ. {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} ومن يجعل لغير الله شِركة مع الله فقد اخترع ذنباً عظيم الضرر، تُستصغَر في جنب عظَمته جميع الذنوب والآثام، ومن ثم لا يستحق صاحبه الغفران.
د. أسعد حومد
تفسير : (48) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ بِأنَّهُ لاَ يَغْفِرُ لِعَبْدٍ جَاءَ اللهَ مُشْرِكاً بِعِبَادَتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُ يَغْفِرُ مَا دُونَ الشِّرْكِ مِنَ الذُّنُوبِ، لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ ارْتَكَبَ ذَنْباً عَظِيماً، لاَ يَسْتَحِقُّ مَعَهُ الغُفْرَانَ. وَالشِّرْكُ ضَرْبَانِ: - شِرْكٌ فِي الأُلُوهِيَّةِ - وَهُوَ الشُّعُورُ بِسُلْطَةٍ وَرَاءَ الأسْبَابِ وَالسُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ لِغَيْرِ اللهِ. - شِرْكٌ فِي الرّبُوبِيَّةِ - وَهُوَ الأخْذُ بِشَيءٍ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ عَنْ بَعْضِ البَشَرِ دُونَ الوَحْي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه من أرجى الآيات في كتاب الله، ولذلك فحينما سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما موجبات الإيمان؟ أي: ما الذي يعطينا الإيمان؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قال لا إله إلا الله دخل الجنة ". تفسير : وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ". تفسير : ونحن نقول إن مَنْ يشرك بالله فهو يرتكب الخيانة العقدية العظمى، وقد أخذنا هذا المصطلح من القوانين الوضعية، وإن كانت القوانين الوضعية ليس غرضها أن تؤكد قضايا دينية، لكن غفلتهم تجعلنا نلتقط منها أنها تؤكد القضايا الدينية أيضاً. هَبْ أن جماعة قاموا بحركة، وبعد ذلك استغل واحد منهم الحركة في نفع خاص له، وواحد آخر استغل الحركة في أن تكون له لا للآخر، أي ينقلب عليه، فالأول القائم على النظام يسميها خيانة عظمى، أما مَنْ لا يقاوم بغرض خلع الحاكم ولكنّه يظلم الناس فقد يعاقبه الحاكم على ما حدث منه وليس على الخيانة العظمى. إذن: ففي قانون البشر أيضاً خيانة عظمى، وفيه انحراف وهو الذي لا يتعرض للسيادة، لكن أي حركة تتعرض للسيادة يكون فيها قطع رقاب، وكل أمر آخر إنما يؤخذ بدرجة من العقوبة تناسب ذنبه. فالحق سبحانه وتعالى يوضح: أصل القضية الإيمانية أن الله سبحانه وتعالى يريد منكم أن تعترفوا بأنه الإله الواحد الذي لا شريك له، وحين تعترف بأنه الإله الواحد الذي لا شريك له. فأنت تدخل حصن الأمان. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: "حديث : أشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شَاكٍّ منهما إلا دخل الجنة ". تفسير : وأبو ذر عندما قال للنبي في محاورة بينهما حول هذه الآية، قال له: "حديث : ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق (ثلاثا) ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر . تفسير : لقد كان أبو ذر غيوراً على حدود الله، فهل ساعة قال رسول الله: على رغم أنف أبي ذر؛ هل هذه أحزنت أبا ذر؟ لا، لم تحزنه، ولذلك عندما كان يحكيها ويقولها: مَنْ قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن رغم أنف أبي ذر وهو مسرور، لماذا؟ لأنها فتحت باب رحمة الحق، لأنه إذا لم يكن هذا فما الفارق بين مَنْ اعتقدها وقالها وبين مَنْ لم يقلها؟ فلا بد أن يكون لها تمييز. وكل جريمة موجودة في الإسلام - والحق سبحانه قد جرَّمها - فهذا يعني أنها قد تحدث. مثال ذلك، يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ..} تفسير : [المائدة: 38]. وهذا يعني أنه من الجائز أن يسرق المؤمن، وكذلك قد يزني في غفلة من الغفلات، وفي أسس الاستغفار يأتي البيان الواضح: من الصلاة للصلاة كفارة ما بينهما، الجمعة للجمعة كفارة، الحج كفارة، الصوم كفارة. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائر ". تفسير : أي أن ربنا قد جعل أبواباً متعددة للمغفرة وللرحمة، وهو سبحانه يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ..} [النساء: 48] وهذه المسألة ليست لصالحه إنما لصالحكم أنتم حتى لا تتعدد آلهة البشر في البشر ويرهق الإنسان ويشقى من كثرة الخضوع لكل من كان قوياً عنه، فأعفاك الله من هذا وأوضح لك: لا، اخضع لواحد فقط يكفك كل الخضوع لغيره، واعمل لوجه واحد يكفك كل الأوجه، وفي ذلك راحة للمؤمن. إن الإيمان إذن يعلمنا العزة والكرامة، وبدلاً من أن تنحني لكل مخلوق اسجد للذي خلق الكون كله بصفات قدرته وكماله، فلم تنشأ له صفة لم تكن موجودة هل أنتم زدتم له صفة؟ لا. فهو بصفات الكمال أوجدكم وبصفات الكمال كان قيوماً عليكم، فأنتم لم تضيفوا له شيئاً، فكونك تشهد أن لا إله إلا الله. ما مصلحتها بالنسبة لله؟ إن مصلحتها تكون للعبد فحسب. ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى يريد من عباده أن يجتمعوا كل أسبوع مرة؛ لأنك قد تصلي فرضاً فرضاً في مصنعك أو في مزرعتك أو في أي مكان، إنما يوم الجمعة لا بد أن تجتمع مع غيرك، لماذا؟ لأنه من الجائز أنك تذل لله بينك وبينه، تخضع وتسجد وتبكي بينك وبين الله، لكنه يريد هذه الحكاية أمام الناس، لترى كل مَنْ له سيادة وجاه يسجد ويخشع معك لله. وفي الحج ترى كل مَنْ له جاه ورئاسة يؤدي المناسك مثلك، فتقول بينك وبين نفسك أو تقول له: لقد استوينا في العبودية، فلا يرتفع أحد على أحد ولا يذل له بل كلنا عبيد الله ونخضع له وحده. إذن فالمسألة في مصلحة العبد، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ..} [النساء: 48]، لأنه لو غفر أن يشرك به لتعدد الشركاء في الأرض، وحين يتعدد الشركاء في الأرض يكون لكل واحد إله، وإذا صار لكل واحد إله تفسد المسألة، لكن الخضوع لإله واحد نأتمر جميعاً بأوامره يعزنا جميعاً .. فلا سيادة لأحد ولا عبودية لأحد عند أحد، فقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ..} [النساء: 48] هذا لمصلحتنا. {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ..} [النساء: 48]. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال حديث : أتى وحشيٌّ وهو قاتل سيدنا حمزة في غزوة أُحد، أتى على النبي صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد أتيتك مستجيراً فأجرني حتى أسمع كلام الله. فقال رسول الله: "قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذ أتيتني مستجيراً فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت هل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله حتى نزلت: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. فتلاها عليه فقال: أرى شرطاً فلعلِّي لا أعمل صالحاً، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} [النساء: 48]. فدعا به فتلا عليه قال: فلعلِّي ممن لا يشاء، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. فقال نعم: الآن لا أرى شرطاً فأسلم" . تفسير : إذن فالمسألة كلها تلطف من الخالق بخلقه، واعتبار عمليات الغفلة عمليات طارئة على البشر، وما دام الحق يقنن تقنينات فمن الجائز أنها تحدث، لكن إذا حدثت معصية من واحد ثم استغفر عنها، إياك أن تأتي بسيرتها عنده مرة أخرى وتذكره بها وافرض أن واحداً شهد زوراً، افرض أن واحداً ارتكب ذنباً، ثم استغفر الله منه وتاب. إياك أن تقول له: يا شاهد الزور؛ لأنه استغفر مَنْ يملك المغفرة، فلا تجعله مذنباً عندك؛ لأن الذي يملكها انتهت عنده المسألة. لماذا؟ لكيلا يذلّ الناس بمعصية فعلت، بل العكس؛ إنّ أصحاب المعاصي الذين أسرفوا على أنفسهم يكونون في نظر بعض الناس هيِّنين محقرين. ولذلك نقول: إن الواحد منهم كلما لذعته التوبة وندم على ما فعل كُتبت له حسنة، فعلى رغم أنه ذاق المعصية لكنه مع ذلك تاب عنها، وهذا هو السبب في أن الله يبدل سيئاتهم حسنات، وعندما نعلم أن ربنا يبدل سيئاتهم حسنات فليس لنا أن نحتقر المسرفين على أنفسهم، بل علينا أن نفرح بأنهم تابوا، ولا نجعل لهم أثراً رجعيا في الزلة والمعصية. {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} [النساء: 48] و "الافتراء" هو الكذب المتعمد. لأن هناك مَنْ يقول لك قضية على حسب اعتقاده، وتكون هذه القضية كاذبة، كأن يقول لك: فلان زار فلاناً بالأمس. هو قال ذلك حسب اعتقاده بأن قالوا له أو رأى أثر للزيارة، على الرغم من أن مثل هذه الزيارة لم تحدث فيكون كذباً فقط، أما الشرك فهو تعمد الكذب على الله وهذا يطلق عليه: {ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} [النساء: 48] لأنه مخالف لوجدانية الفطرة، كأن وجدانية الفطرة تقول: لا تقل إلا ما تعرفه فعلاً وأنت متأكد بل عليك ألاّ تخالف فطرتك متعمداً وتجعل لله شريكاً. والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إما أن تكون هذه الكلمة صادقة فننتهي، وإما ألا تكون صادقة - والعياذ بالله - أي أن هناك أحداً آخر معه، الآخر سمع أن هناك واحداً يقول: لا إله إلا أنا. أسكت أم لم يسمع؟ إن لم يكن قد سمع فيكون إلهاً غافلاً، وإن كان قد سمع فلماذا لم يعارض ويقول: لا، لا إله إلا أنا، ويأتي بمعجزة أشد من معجزة الآخر ولم يحدث من ذلك شيء. إذن: فهذه لا تنفع وتلك لا تنفع، فـ "لا إله إلا الله" حين يطلقها الله ويأتي بها رسول الله ويقول الله: أنا وحدي في الكون ولا شريك لي، ولم ينازعه في ذلك أحد فالمسألة صادقة لله بالبداهة ولا جدال. {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} [النساء: 48] والافتراء كما يكون في الفعل وفي الكلام ويكون في الاعتقاد أيضاً. "إثم عظيم"، وهذا يعني أن هناك إثما غير عظيم، "الإثم العظيم" هو الذي يُخلّ قضية عقدية واحدة في الكون تشمل الوجود كله هي أنه لا إله إلاّ الله. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى عوْداً على هؤلاء اليهود: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى: أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدا من المخلوقين، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب صغائرها وكبائرها، وذلك عند مشيئته مغفرة ذلك، إذا اقتضت حكمتُه مغفرتَه. فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابا كثيرة، كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا، والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين. ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد. وهذا بخلاف الشرك فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئا، وما لهم يوم القيامة {أية : مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ }. تفسير : ولهذا قال تعالى { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } أي افترى جرما كبيرا وأي ظلم أعظم ممن سوى المخلوق -من تراب الناقص من جميع الوجوه الفقير بذاته من كل وجه الذي لا يملك لنفسه- فضلا عمن عبده -نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا- بالخالق لكل شيء الكامل من جميع الوجوه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع الذي ما من نعمة بالمخلوقين إلا فمنه تعالى فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟ ولهذا حتم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب {أية : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } تفسير : وهذه الآية الكريمة في حق غير التائب وأما التائب فإنه يغفر له الشرك فما دونه كما قال تعالى {أية : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } تفسير : أي لمن تاب إليه وأناب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):