Verse. 542 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اَلَمْ تَرَ اِلَى الَّذِيْنَ يُزَكُّوْنَ اَنْفُسَھُمْ۝۰ۭ بَلِ اللہُ يُزَكِّيْ مَنْ يَّشَاۗءُ وَلَا يُظْلَمُوْنَ فَتِيْلًا۝۴۹
Alam tara ila allatheena yuzakkoona anfusahum bali Allahu yuzakkee man yashao wala yuthlamoona fateelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر إلى الذين يزكُون أنفسهم» وهم اليهود حيث قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه أي ليس الأمر بتزكيتهم أنفسهم «بل الله يزكّي» يطهر «من يشاء» بالإيمان «ولا يُظلمون» ينقصون من أعمالهم «فتيلا» قدر قشرة النواة.

49

Tafseer

الرازي

تفسير : اعمل أنه تعالى لما هدد اليهود بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } فعند هذا قالوا: لسنا من المشركين، بل نحن خواص الله تعالى كما حكى تعالى عنهم انهم قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] وحكى عنهم أنهم قالوا: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }تفسير : [البقرة:80] وحكى أيضا أنهم قالوا: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 111] وبعضهم كانوا يقولون: أن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا. وعن ابن عباس رضي الله عنه ان قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟ فقال لا، فقالوا: والله ما نحن إلا كهؤلاء: ما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل. وبالجملة فالقوم كانوا قد بالغوا في تزكية أنفسهم فذكر تعالى في هذه الآية أنه لا عبرة بتزكية الانسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: التزكية في هذا الموضع عبارة عن مدح الانسان نفسه، ومنه تزكية المعدل للشاهد، قال تعالى: {أية : فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ } تفسير : [النجم: 32] وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى، والتقوى صفة في الباطن، ولا يعلم حقيقتها إلا الله، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من الله، فلهذا قال تعالى: {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاء }. فان قيل: أليس أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض».تفسير : قلنا: إنما قال ذلك حين قال المنافقون له: اعدل في القسمة، ولأن الله تعالى لما زكّاه أولا بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره. المسألة الثانية: قوله: {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاء } يدل على أن الايمان يحصل بخلق الله تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الايمان، فلما ذكر تعالى انه هو الذي يزكي من يشاء دل على أن ايمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق الله تعالى. المسألة الثالثة: قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } هو كقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } تفسير : [النساء: 40] والمعنى ان الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم، أو يكون المعنى: أن الذين زكاهم الله فانه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئا، والفتيل ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ، فعيل بمعنى مفعول، وعن ابن السكيت: الفتيل ما كان في شق النواة، والنقير النقطة التي في ظهر النواة، والقطمير القشرة الرقيقة على النواة، وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير، أي لا يظلمون لا قليلا ولا كثيرا. ثم قال تعالى: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم من فريتهم على الله، وهي تزكيتهم أنفسهم وافتراؤهم على الله، وهو قولهم:{أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }تفسير : [المائدة:18] وقولهم: {لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } وقولهم: ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل. المسألة الثانية: مذهبنا أن الخبر عن الشيء اذا كان على خلاف المخبر عنه كان كذبا، سواء علم قائله كونه كذلك أو لم يعلم، وقال الجاحظ: شرط كونه كذبا أن يعلم كونه بخلاف ذلك، وهذه الآية دليل لنا لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم الزكاء والطهارة، ثم لما أخبروا بالزكاة والطهارة كذبهم الله فيه، وهذا يدل على ما قلناه. ثم قال تعالى: {وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً } وإنما يقال: كفى به في التعظيم على جهة المدح أو على جهة الذم، أما في المدح فكقوله: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً } تفسير : [النساء: 45] وأما في الذم فكما في هذا الموضع. وقوله: {إِثْماً مُّبِيناً } منصوب على التمييز.

ابن كثير

تفسير : قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية، وهي قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} في اليهود والنصارى حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ} تفسير : [البقرة: 111]، وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة، يؤمونهم، ويزعمون أنهم لا ذنب لهم، وكذا قال عكرمة وأبو مالك، وروى ذلك ابن جرير، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا، وهم لنا قربة، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله على محمد: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} الآية، رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا ابن حمير عن ابن لهيعة، عن بشير بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، وأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} ثم قال: وروي عن مجاهد وأبي مالك والسدي وعكرمة والضحاك، نحو ذلك، وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب كما ليس لأبنائنا ذنوب، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} فيهم، وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية، وقد جاء في الحديث الصحيح عند مسلم عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب، وفي الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من طريق خالد الحذاء عن عبد الرحمن ابن أبي بكرة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمع رجلاً يثني على رجل، فقال: «حديث : ويحك قطعت عنق صاحبك»تفسير : ، ثم قال: «حديث : إن كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا، ولا يزكي على الله أحداً»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر بن الخطاب: من قال: أنا مؤمن، فهو كافر، ومن قال: هو عالم، فهو جاهل، ومن قال: هو في الجنة، فهو في النار. ورواه ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، فمن قال: إنه مؤمن، فهو كافر، ومن قال: هو عالم، فهو جاهل، ومن قال: إنه في الجنة، فهو في النار. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، أنبأنا شعبة عن سعد بن إبراهيم، عن معبد الجهني، قال: كان معاوية قلما يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات؛ أن يحدث بهن عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه، يبارك له فيه، وإياكم والتمادح؛ فإنه الذبح» تفسير : وروى ابن ماجه منه: «حديث : إياكم والتمادح؛ فإنه الذبح» تفسير : عن أبي بكر بن أبي شيبة عن غندر عن شعبة به، ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عويم البصري القدري. وقال ابن جرير: حدثنا يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثنا أبي عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعاً ولا ضراً، فيقول له: إنك والله كيت وكيت، فلعله أن يرجع ولم يَحْظَ من حاجته بشيء، وقد أسخط الله، ثم قرأ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} الآية، وسيأتي الكلام على ذلك مطولاً عند قوله تعالى: {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} تفسير : [النجم: 32]، ولهذا قال تعالى: {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ} أي: المرجع في ذلك إلى الله عز وجل؛ لأنه أعلم بحقائق الأمور وغوامضها، ثم قال تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي: ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: هو ما يكون في شق النواة. وعن ابن عباس أيضاً: هو ما فتلت بين أصابعك، وكلا القولين متقارب. وقوله: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} أي: في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ} تفسير : [البقرة: 111]، وقولهم: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ}تفسير : [آل عمران: 24] واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئاً في قوله: {أية : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم} تفسير : [البقرة: 134] الآية، ثم قال {وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً} أي: وكفى بصنيعهم هذا كذباً وافتراء ظاهراً. وقوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ} أما الجبت، فقال محمد بن إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب أنه قال: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي، وعن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن وعطية: الجبت: الشيطان، وزاد ابن عباس: بالحبشية. وعن ابن عباس أيضاً: الجبت: الشرك. وعنه: الجبت الأصنام. وعن الشعبي: الجبت الكاهن، وعن ابن عباس: الجبت: حيي بن أخطب، وعن مجاهد: الجبت: كعب بن الأشرف، وقال العلامة أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث: «حديث : الطيرة والعيافة والطَّرْق من الجبت»تفسير : . قال: وليس هذا من محض العربية؛ لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذَوْ لَقِيَ. وهذا الحديث الذي ذكره رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن حيان أبي العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه، وهو قبيصة بن مخارق: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت» تفسير : وقال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجبت، قال الحسن: إنه الشيطان. وهكذا رواه أبو داود في سننه، والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث عوف الأعرابي به.l وقد تقدم الكلام على الطاغوت في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا حجاج عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله أنه سئل عن الطواغيت، فقال: هم كهان تنزل عليهم الشياطين. وقال مجاهد: الطاغوت: الشيطان في صورة إنسان، يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم. وقال الإمام مالك: الطاغوت: هو كل ما يعبد من دون الله عز وجل. وقوله: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلاً} أي: يفضلون الكفار على المسلمين؛ بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله بأيديهم. وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة، قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمدـ فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العُناة، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلاً، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا} الآية، وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير، قال: فنزلت: {أية : إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} تفسير : [الكوثر: 3] ونزل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} ـ إلى ـ {نَصِيرًا} وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: كان الذين حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وأبو عمار وحوح بن عامر، وهوذة بن قيس، فأما وحوح وأبو عمار وهوذة، فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش، قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتب الأول، فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه، فأنزل الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} إلى قوله عز وجل: {أية : وَءَاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 54] وهذا لعن لهم، وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك؛ ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم، وجاؤوا معهم يوم الأحزاب، حتى حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم {أية : وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزًا} تفسير : [الأحزاب: 25].

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } وهم اليهود حيث قالوا:{نَحْنُ أَبْنَٱؤُاْ الله وَأَحِبَّٱؤُهُ} [5: 18] أي ليس الأمر بتزكيتهم أنفسهم {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكّى } يطهِّر {مَن يَشَآء } بالإيمان {وَلاَ يُظْلَمُونَ } ينقصون من أعمالهم {فَتِيلاً } قدر قشرة النواة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } تعجيب من حالهم. وقد اتفق المفسرون على أن المراد: اليهود. واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم، فقال الحسن، وقتادة: هو قولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] وقولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 111] وقال الضحاك: هو قولهم لا ذنوب لنا، ونحن كالأطفال. وقيل: قولهم إن آباءهم يشفعون لهم وقيل: ثناء بعضهم على بعض. ومعنى التزكية: التطهير والتنزيه، فلا يبعد صدقها على جميع هذه التفاسير وعلى غيرها، واللفظ يتناول كل من زكى نفسه بحق أو بباطل من اليهود وغيرهم، ويدخل في هذا التلقب بالألقاب المتضمنة للتزكية، كمحيي الدين، وعز الدين، ونحوهما. قوله: {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاء } أي: ذلك إليه سبحانه، فهو العالم بمن يستحق التزكية من عباده، ومن لا يستحقها، فليدع العباد تزكية أنفسهم، ويفوضوا أمر ذلك إلى الله سبحانه، فإن تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة تحمل عليها محبة النفس، وطلب العلوّ والترفع والتفاخر ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ } تفسير : [النجم: 32]. قوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ } أي: هؤلاء المزكون لأنفسهم {فَتِيلاً } وهو: الخيط الذي في نواة التمر. وقيل: القشرة التي حول النواة وقيل: هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما، فهو: فتيل بمعنى مفتول، والمراد هنا: الكناية عن الشيء الحقير، ومثله: {أية : وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } تفسير : [النساء: 124] وهو: النكتة التي في ظهر النواة. والمعنى: أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم لأنفسهم بقدر هذا الذنب، ولا يظلمون بالزيادة على ما يستحقون، ويجوز أن يعود الضمير إلى {مَن يَشَآء } أي: لا يظلم هؤلاء الذين يزكيهم الله فتيلاً مما يستحقونه من الثواب. ثم عجب النبي صلى الله عليه وسلم من تزكيتهم لأنفسهم، فقال: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } في قولهم ذلك. والافتراء: الاختلاق، ومنه افترى فلان على فلان: أي: رماه بما ليس فيه، وفريت الشيء: قطعته، وفي قوله: {وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً } من تعظيم الذنب، وتهويله ما لا يخفى. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } هذا تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأوّل، وهم: اليهود. واختلف المفسرون في معنى الجبت: فقال ابن عباس، وابن جبير، وأبو العالية، الجبت: الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت: الكاهن، وروي عن عمر بن الخطاب أن الجبت: السحر، والطاغوت الشيطان. وروي عن ابن مسعود أن الجبت، والطاغوت هاهنا كعب بن الأشرف. وقال قتادة: الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن. وروي عن مالك أن الطاغوت: ما عبد من دون الله، والجبت: الشيطان، وقيل: هما كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله. وأصل الجبت الجبس، وهو: الذي لا سير فيه، فأبدلت التاء من السين قاله قطرب، وقيل: الجبت: إبليس، والطاغوت: أولياؤه. قوله: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـؤُلاء أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً } أي: يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى من الذين آمنوا بمحمد سبيلاً، أي: أقوم ديناً، وأرشد طريقاً. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى القائلين {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ } أي: طردهم وأبعدهم من رحمته {وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً } يدفع عنه ما نزل به من عذاب الله وسخطه. قوله: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ ٱلْمُلْكِ } "أم" منقطعة، والاستفهام للإنكار، يعني: ليس لهم نصيب من الملك {فَإذا لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً } والفاء للسببية الجزائية لشرط محذوف، أي: إن جعل لهم نصيب من الملك، فإذا لا يعطون الناس نقيراً منه لشدّة بخلهم وقوّة حسدهم وقيل: المعنى: بل لهم نصيب من الملك على أن معنى أم الإضراب عن الأوّل، والاستئناف للثاني. وقيل: هي: عاطفة على محذوف، والتقدير: أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته، أم لهم نصيب من الملك، فإذن لا يؤتون الناس نقيراً؟ والنقير: النقرة في ظهر النواة وقيل: ما نقر الرجل بأصبعه، كما ينقر الأرض. والنقير أيضاً: خشبة تنقر وينبذ فيها. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النقير، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، والنقير: الأصل، يقال: فلان كريم النقير، أي: كريم الأصل. والمراد هنا: المعنى الأوّل، والمقصود به المبالغة في الحقارة، كالقطمير والفتيل. و"إذن" هنا ملغاة غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب لجاز. قال سيبويه: "إذن" في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل الأسماء التي تلغى إذا لم يكن الكلام معتمداً عليها، فإن كانت في أوّل الكلام، وكان الذي بعدها مستقبلاً نصبت. قوله: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم من فضله} أم منقطعة مفيدة للانتقال عن توبيخهم بأمر إلى توبيخهم بآخر، أي: بل يحسدون الناس يعني: اليهود يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم فقط، أو يحسدونه هو وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله من النبوّة، والنصر، وقهر الأعداء. قوله: {فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ } هذا إلزام لليهود بما يعترفون به ولا ينكرونه، أي: ليس ما آتينا محمداً وأصحابه من فضلنا ببدع حتى يحسدهم اليهود على ذلك، فهم يعلمون بما آتينا آل إبراهيم، وهم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم. وقد تقدّم تفسير الكتاب والحكمة والملك العظيم. قيل: هو ملك سليمان، واختاره ابن جرير {فَمِنْهُمْ } أي: اليهود {مَنْ ءامَنَ بِهِ } أي: بالنبي صلى الله عليه وسلم {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ } أي: أعرض عنه. وقيل: الضمير في {به} راجع إلى ما ذكر من حديث آل إبراهيم. وقيل: الضمير راجع إلى إبراهيم. والمعنى: فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من صدّ عنه، وقيل: الضمير يرجع إلى الكتاب، والأوّل أولى {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً } أي: ناراً مسعرة. وقد أخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: إن اليهود قالوا: إن آباءنا قد توفوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال: كانت اليهود يقدّمون صبيانهم يصلون بهم، ويقرّبون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ }. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن أن التزكية قولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] {أية : وقالوا لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 111]. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } قال: الفتيل: ما خرج من بين الأصبعين. وفي لفظ آخر عنه: هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج منهما، فهو ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عنه قال: النقير: النقرة تكون في النواة التي نبتت منها النخلة. والفتيل: الذي يكون على شق النواة. والقطمير: القشر الذي يكون على النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه: قال الفتيل الذي في الشق الذي في بطن النواة. وأخرج الطبراني، والبيهقي في الدلائل عنه قال: قدم حيّـي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم: أنتم أهل العلم القديم، وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا: فما محمد؟ قالوا: صنبور: أي: فرد ضعيف، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فقالوا: لا بل أنتم خير منه، وأهدى سبيلاً، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ } الآية. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلاً. وقد روي عن ابن عباس، وعن عكرمة بلفظ آخر. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدّي، عن أبي مالك. وأخرج نحوه أيضاً البيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن جابر ابن عبد الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن عكرمة قال: الجبت، والطاغوت صنمان. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمر في تفسير الجبت، والطاغوت ما قدّمناه عنه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الجبت حيّـي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الجبت: الأصنام، والطاغوت: الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الجبت: اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت: كهان العرب. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ ٱلْمُلْكِ } قال: فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس قال النقير: النقطة التي في ظهر النواة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: قال أهل الكتاب: زعم محمد أنه أوتي ما أوتى في تواضع، وله تسع نسوة، وليس له همة إلا النكاح، فأيّ ملك أفضل من هذا؟ فأنزل الله هذه الآية: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ } إلى قوله: {مُّلْكاً عَظِيماً } يعني: ملك سليمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: الناس في هذا الموضع النبي خاصة. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: هم: هذا الحيّ من العرب.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم، بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} يعني اليهود في تزكيتهم أنفسهم أربعة أقاويل: أحدها: قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، وهذا قول قتادة، والحسن. والثاني: تقديمهم أطفالهم لإمامتهم زعماً منهم أنه لا ذنوب لهم، وهذا قول مجاهد، وعكرمة. والثالث: هو قولهم إن أبناءنا يستغفرون لنا ويزكوننا، وهذا قول ابن عباس. والرابع: هو تزكية بعضهم لبعض لينالوا به شيئاً من الدنيا، وهذا قول ابن مسعود. {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} فيه قولان: أحدهما: أي الفتيل الذي شق النواة، وهو قول عطاء، وقتادة، ومجاهد، والحسن، وأحد قولي ابن عباس. قال الحسن: الفتيل ما في بطن النواة، والنقير ما في ظهرها، والقطمير قشرها. والثاني: أنه ما انفتل بين الأصابع من الوسخ، وهذا قول السدي، وأحد قولي ابن عباس. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنهما صنمان كان المشركون يعبدونهما، وهذا قول عكرمة. والثاني: أن الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام، وهذا قول ابن عباس. والثالث: أن الجبت السحر، والطاغوت: الشيطان، وهذا قول عمر، ومجاهد. والرابع: أن الجبت الساحر، والطاغوت الكاهن، وهذا قول سعيد بن جبير. والخامس: أن الجبت حُيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وهو قول الضحاك.

ابن عطية

تفسير : هذا لفظ عام في ظاهره، ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود، واختلف في المعنى الذي به "زكوا أنفسهم"، فقال قتادة والحسن: ذلك قولهم {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة:18] وقولهم:{أية : لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً} تفسير : [البقرة:111] وقال الضحاك والسدي: ذلك قولهم: لا ذنوب لنا وما فعلناه نهاراً غفر ليلاً، وما فعلناه ليلاً غفر نهاراً، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب، وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة: تقديمهم أولادهم الصغار للصلاة لأنهم لا ذنوب لهم. قال المؤلف: وهذا يبعد من مقصد الآية وقال ابن عباس: ذلك قولهم أبناؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا، وقال عبد الله بن مسعود: ذلك ثناء بعضهم على بعض، ومدحهم لهم وتزكيتهم لهم. قال القاضي أبو محمد: فتقتضي هذه الآية الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل، والضمير في {يزكون} عائد على المذكورين ممن زكى نفسه أو ممن يزكيه الله تعالى، وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى لا يظلمهم من غير هذه الآية، وقرأت طائفة "ولا تظلمون" بالتاء على الخطاب، "والفتيل": هو ما فتل، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقال ابن عباس وعطاء ومجاهد وغيرهم: "الفتيل": الخيط الذي في شق نواة التمرة، وقال ابن عباس وأبو مالك والسدي: هو ما خرج من بين إصبعيك أو كفيك إذا فتلتهما، وهذا كله يرجع إلى الكناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه، ولا شيء دونه في الصغر، فكيف بما فوقه، ونصبه على مفعول ثان بـ {يظلمون}. وقوله تعالى: {انظر كيف يفترون} الآية، يبين أن تزكيتهم أنفسهم كانت بالباطل والكذب، ويقوي أن التزكية كانت بقولهم {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة:18] إذ الافتراء في هذه المقالة أمكن, و {كيف} يصح أن يكون في موضع نصب بـ {يفترون}، ويصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله: {يفترون} و {وكفى به إثماً مبيناً} خبر في مضمنه تعجب وتعجيب من الأمر، ولذلك دخلت الباء لتدل على معنى الأمر بالتعجب، وأن يكتفى لهم بهذا الكذب إثماً ولا يطلب لهم غيره، إذ هو موبق ومهلك و {إثماً} نصب على التمييز. وقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين} الآية، ظاهرها يعم اليهود والنصارى، ولكن أجمع المتأولون على أن المراد بها طائفة من اليهود، والقصص يبين ذلك، واختلف في {الجبت والطاغوت}، فقال عكرمة وغيره: هما في هذا الموضع صنمان كانا لقريش، وذلك أن كعب بن الأشرف وجماعة معه وردوا مكة محرضين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت لهم قريش: إنكم أهل الكتاب، ومحمد صاحب كتاب، ونحن لا نأمنكم أن تكونوا معه، إلا أن تسجدوا لهذين الصنمين اللذين لنا، ففعلوا، ففي ذلك نزلت هذه الآية، وقال ابن عباس: {الجبت} هنا: حيي بن أخطب {والطاغوت}: كعب بن الأشرف. فالمراد على هذه الآية القوم الذين كانوا معهما من بني إسرائيل لإيمانهم بهما واتباعهم لهما، وقال ابن عباس: {الجبت} الأصنام، {والطاغوت} القوم المترجمون عن الأصنام، الذين يضلون الناس بتعليمهم إياهم عبادة الأصنام، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: {الجبت} السحر، {والطاغوت}: الشيطان، وقاله مجاهد والشعبي، وقال زيد بن أسلم: {الجبت}: الساحر، {والطاغوت}: الشيطان، وقال سعيد بن جبير ورفيع: {الجبت}: الساحر، و {الطاغوت}: الكاهن، وقال قتادة: {الجبت}: الشيطان، والطاغوت: الكاهن، وقال سعيد بن جبير أيضاً: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الشيطان، وقال ابن سيرين: {الجبت}: الكاهن، {والطاغوت}: الساحر، وقال مجاهد في كتاب الطبري: {الجبت}: كعب ابن الأشرف، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان. قال ابن عطية: فمجموع هذا يقتضي أن {الجبت والطاغوت} هو كل ما عبد وأُطيع من دون الله تعالى، وكذلك قال مالك رحمه الله: الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى، وذكر بعض الناس أن الجبت: هو من لغة الحبشة، وقال قطرب: {الجبت} أصله الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير عنده، وأما {الطاغوت} فهو من طغى، أصله طغووت وزنه فعلوت، وتاؤه زائدة، قلب فرد فلعوت، أصله طوغوت، تحركت الواو وفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً، وقوله تعالى: {ويقولون للذين كفروا} الآية سببها، أن قريشاً قالت لكعب بن الأشرف حين ورد مكة: أنت سيدنا وسيد قومك، إنّا قوم ننحر الكوماء، ونقري الضيف، ونصل الرحم، ونسقي الحجيج، ونعبد آلهتنا الذين وجدنا أباءنا يعبدون، وهذا الصنبور المنبتر من قومه قد قطع الرحم، فمن أهدى نحن أو هو؟ فقال كعب: أنتم أهدى منه وأقوم ديناً، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس: وحكى السدي: أن أبا سفيان خاطب كعباً بهذه المقالة، فالضمير في {يقولون} عائد على كعب على ما تقدم - أو على الجماعة من بني إسرائيل التي كانت مع كعب، لأنها قالت بقوله في جميع ذلك على ما ذكر بعض المتأولين، و {الذين كفروا} في هذه الآية هم قريش، والإشارة بـ {هؤلاء} إليهم، و {أهدى}: وزنه أفعل وهو للتفضيل، و {الذين آمنوا}: هم النبي عليه السلام وأمته، و {سبيلاً} نصب على التمييز، وقالت فرقة: بل المراد في الآية من بني إسرائيل هو حيي بن أخطب وهو المقصود من أول الآيات، والمشار إليه بقوله {أولئك} هم المراد من بني إسرائيل، فمن قال: كانوا جماعة فذلك مستقيم لفظاً ومعنى، ومن قال: هو كعب أو حيي، فعبر عنه بلفظ الجمع، لأنه كان متبوعاً، وكان قوله مقترناً بقول جماعة. و {لعنهم} معناه: أبعدهم من خيره ومقتهم، ومن يفعل الله ذلك به ويخذله فلا ناصر له من المخلوقين، وإن نصرته طائفة، فنصرتها كلا نصرة، إذ لا تغني عنه شيئاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم} اليهود قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18]، أو قدموا أطفالهم لإمامتهم زعماً أنه لا ذنوب لهم، أو قالوا: آباؤنا يستغفرون لنا ويزكوننا، أو زكى بعضهم بعضاً، لينالوا شيئاً من الدنيا. {فَتِيلاً} ما انفتل بين الأصابع من الوسخ، أو الفتيل الذي في شق النواة، والنقير ما في ظهرها، والقطمير قشرها.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} نزلت في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ قال: لا قالوا: ما نحن إلاّ كهيئتهم ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل وما عملناه بالليل يكفر عنا بالنهار فأنزل الله تعالى هذه الآية وقيل نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه وقولهم لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى والتزكية هنا عبارة عن مدح الإنسان نفسه بالصلاح والدين منه تزكية الشاهد حتى يصير عدلاً قال الله تعالى: {أية : فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} تفسير : [النجم: 32] وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى وهي صفة في الباطن فلا يعلم حقيقتها إلاّ الله تعالى فلا تصلح التزكية إلاّ من عند الله تعالى فلهذا قال الله تعالى: {بل الله يزكي من يشاء} ويدخل في هذا المعنى كل من ذكر نفسه بصلاح أو وصفها بزكاء العمل أو بزيادة الطاعة والتقوى أو بزيادة الزلفى عند الله تعالى فهذه الأشياء لا يعلمها إلاّ الله فلهذا قال: {أية : فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}تفسير : [النجم: 32] ومعنى يزكون أنفسهم يزعمون أنهم أزكياء لأنهم برؤوا أنفسهم من الذنوب قال تعالى رداً عليهم: {بل الله يزكي من يشاء} فيجعله زاكياً {ولا يظلمون فتيلاً} يعني أن الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية من غير ظلم وقيل معناه إن الذين زكاهم الله لا ينقصون من ثواب طاعتهم شيئاً والفتيل المفتول وسمي ما يكون في شق النواة فتيلاً لكونه على هيئته وقيل الفتيل هو ما تفتله بين أصابعك من وسخ وغيره ويضرب به المثل في الشيء الحقير الذي لا قيمة له {انظر} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم انظر يا محمد إلى هؤلاء اليهود {كيف يفترون على الله الكذب} يعني قولهم أنهم لا ذنوب لهم وتزكيتهم أنفسهم {وكفى به} أي بذلك الكذب {إثماً مبيناً}.

ابن عادل

تفسير : قد تقدَّمَ الكلامُ على مِثْل قوله: "ألم تر"، وقوله: "بل"، إضْرَابٌ عَنْ تزكيتهم أنفُسَهُم، وقدّر أبُو البقاء قبل هذا الإضراب جُمْلَةً؛ قال: تقديرهُ: أخْطؤوا، {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ}. [وقوله: "ولا يظلمون"، يجوزُ أنْ يكونَ حَالاً ممَّا تقدَّم، وأنْ يكون مُسْتَأنفاً، والضميرُ في "يظلمون" يجوزُ أنْ يعود على "من يشاء"] أيْ: لا يُنْقِصُ مِنْ تزكيتهم شيئاً، وإنَّما جَمَعَ الضميرَ؛ حَمْلاً على مَعْنى "من" وأنْ يَعُودَ على الذين يُزَكونَ، وأنْ يعُودَ على القَبِيليْن مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ، وَمَنْ زَكَّاهُ اللَّه، فَذَاكَ لاَ يُنْقِصُ من عقابه شَيْئاً، وهذا لا يُنْقِصُ مِنْ ثَوَابِهِ شَيْئاً، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لأن "من" أقَرْبُ مَذْكُورٍ، ولأنَّ "بل" إضرابٌ مُنْقطعٌ ما بَعْدَهَا عمَّا قَبْلَهَا. وقال أبُو البَقَاءِ: ويجوزُ أن يكُونَ مُسْتأنَفاً، أيْ: منْ زَكَّى نَفْسَه، ومَنْ زَكَّاهُ اللَّهُ. انتهى. فجعل عودَ الضميرِ على الفَريقَيْنِ؛ بِناءً على وَجْهِ الاسْتِئْنافِ، وهذا غيرُ لازِمٍ [بل] يجوزُ عودهُ عَلَيْهِمَا، والجملةُ حَالِيَّةٌ. و {فَتِيلاً} مَفعُولٌ ثانٍ؛ لأن الأولَ قامَ مَقَامَ الفاعِلِ، ويجوزُ أنْ يكونَ نَعْت مَصْدرٍ مَحْذُوفٍ، كما تقدَّمَ تقديره في: {أية : مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} تفسير : [النساء: 40]، والفَتِيلُ: خَيْطٌ رَقيقٌ في شِقِّ النَّوَاة [يَضْرَبُ به المَثلُ في القِلَّةِ، قالَهُ ابنُ السِّكيتِ، وغيرُهُ. وقيل: هو مَا خَرَجَ مِنْ بيْن إصْبَعَيْكَ، أو كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخ] حين تَفْتُلُهُمَا، فهو فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ، وقد ضرب العَرَبُ المثلَ في القِلّةِ التافِهَةِ بأربَعةِ أشْيَاء، اجتمعْتَ في النواةِ، وهي: الفَتِيلُ، والنَّقِيرُ: وهو النُّقْرَةُ التي في ظهر النَّواةِ، والقِطْميرُ: هو القِشْرُ [الرقيقُ] فوقها [وهذه الثلاثةُ واردَةٌ في الكتابِ العزيز، والثُّفْروق: وهو ما بيْنَ النواةِ والقِمْع] الَّذِي يكُونُ في رَأسِ التَّمرة كالعلاقَةِ بَيْنَهُمَا. فصل لما هَدّد اليهود بأنه تعالى لا يغفرُ أنْ يشركَ به، قالوا: لَسْنَا منَ المشركينَ، بل نحنُ مِنْ خَوَّاصِّ اللَّهِ. قال الكَلْبيُّ: حديث : نزلت هذه الآيةُ في رِجَالٍ مِنْ اليهودِ: منهم "بَحْرى بنُ عُمَرَ"، و "النُّعْمانُ بنُ أوْفَى"، و "مَرْحَبُ بنُ زَيْدٍ" أتَوْا بأطْفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقَالُوا: يا محمدُ [هَلْ] على هَؤلاءِ مِنْ ذنْبٍ؟ فقال: لاَ، قالوا: ما نَحْنُ إلاَّ كَهَيْئتهم، ما عَمِلْنَا بالنهار، يُكَفَّر عنّا بالليل، وما عملنا بالليل، يكفرُ عنَّا بالنهار، تفسير : ، فنزلت هذه الآيةُ. وقال مُجاهِدٌ، وعكْرمة: كانُوا يُقدِّمُونَ أطْفَالَهُم في الصلاةِ، يَزْعمُوَن أنَّهم لا ذُنُوبَ لَهُم، فتِلْكَ التزكيةُ. وقال الحَسنُ، والضحاكُ، وقتادةُ، ومقاتلٌ: نزلت في اليهودِ، والنصارى، حينَ قَالُوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ تفسير : [المائدة: 18] {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة: 111]. قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: هو تزكيةُ بعضِهم لِبَعضٍ. فصل التَّزْكِيَةُ - ها هنا - عِبارةٌ عنْ مَدْح الإنْسَانِ نَفْسَهُ. قال تعالى: {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} تفسير : [النجم:32] والتَّقْوَى: لا يَعْلَمُ حقيقتَها إلاَّ الله تعالى. فإن قيل: ألَيْسَ قد قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : واللَّهِ، إنّي لأمِينٌ في السَّماءِ، وأمِينٌ في الأرْضِ ". تفسير : فالجوابُ: إنَّما قال ذلك حين قال المنافِقُون له: اعدِلْ في القِسْمة؛ ولأنَّ الله تعالى لمَّا زكَّاهُ أوَّلاً بِقِيَامِ المعْجزةِ، جاز له ذَلِكَ، بخلافِ غيرِه.

البقاعي

تفسير : ولما كان في ذلك إشارة إلى أن المرادين بهذه الآيات من أهل الكتاب أضل الناس، وكانوا يقولون: إنهم أهدى الناس؛ عجب منهم منكراً عليهم بعد افترائهم تزكية أنفسهم فقال: {ألم تر} وأبعدهم بقوله: {إلى الذين يزكون أنفسهم} أي بما ليس لهم من قولهم {أية : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة}تفسير : [البقرة: 80] وقولهم {أية : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} تفسير : [البقرة: 111] وقوله: {أية : ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} تفسير : [آل عمران: 188] {أية : ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً}تفسير : [النساء: 27] فإن إبعاد غيرهم في الميل مصحح لتزكيتهم أنفسهم بالباطل ونحو ذلك مما تقدم وغيره. ولما كان معنى الإنكار: ليس لهم ذلك لأنهم كذبوا فيه وظلموا، أشار إليه بقوله: {بل الله} أي الذي له صفات الكمال {يزكي من يشاء} أي بما له من العلم التام والقدرة الشاملة والحكمة البالغة والعدل السوي بالثناء عليه وبخلق معاني الخير الظاهرة فيه لتنشأ عنها الأعمال الصالحة، فإذا زكي أحداً من أصفيائه بشيء كالنبوة، كان له أن يزكي نفسه بذلك حملاً على ما ينفع الناس به عن الله {ولا} أي والحال أن الذين يزكيهم أو يدسيهم لا {يظلمون فتيلاً *} أي مقدار ما في شق النواة من ذلك الشيء المفتول، أي قليلاً ولا كثيراً، لأنه عالم بما يستحقون وهو الحكم العدل الغني عن الظلم، لأن له صفات الكمال. ولما أخبر تعالى أن التزكية إنما هي إليه بما له من العظمة والعلم الشامل، وكان ذلك أمراً لا نزاع فيه، وشهد عليهم بالضلال، وثبت أن ذلك كلامه بما له من الإعجاز في حالتي الإطناب والإيجاز؛ ثبت كذبهم فزاد في توبيخهم فقال - معجباً لرسوله صلى الله عليه وسلم من وقاحتهم واجترائهم على من يعلم كذبهم، ويقدر على معالجتهم بالعذاب، مبيناً أنه صلى الله عليه وسلم في الحضرة بعد بيان بعدهم -: {انظر كيف يفترون} أي يتعمدون {على الله} أي الذي لا يخفي عليه شيء ولا يعجزه شيء {الكذب} أي من غير خوف منهم لذلك عاقبة {وكفى} أي والحال أنه كفي {به} أي بهذا الكذب {إثماً مبيناً *} أي واضحاً في نفسه ومنادياً عليها بالبطلان. ولما عجب من كذبهم دلَّ عليه بقوله: {ألم تر} وكان الأصل: إليهم، ولكنه قال - لزيادة التقريع والتوبيخ والإعلام بأن كفرهم عناد لكونه عن علم -: {إلى الذين} وعبر بإلى دلالة على بعدهم عن الحضرات الشريفة {أوتوا نصيباً من الكتاب} أي الذي هو الكتاب في الحقيقة لكونه من الله {يؤمنون بالجبت} وهو الصنم والكاهن والساحر والذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون الله {والطاغوت} وهو اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله؛ وكل هذه المعاني تصح إرادتها هنا، وهي مما نهي عنه في كتابهم - وأصله ومداره مجاوزة الحد عدواناً، وهو واحد وقد يكون جمعاً، قال سبحانه وتعالى {أية : أوليائهم الطاغوت يخرجونهم}تفسير : [البقرة: 257] والحال أن أقل نصيب من الكتاب كافٍ في النهي عن ذلك وتكفير فاعله. ولما دل على ضلالهم دل على إضلالهم بقوله - معبراً بصيغة المضارع دلالة على عدم توبتهم -: {ويقولون للذين كفروا} ودل بالتعبير بالإشارة دون الخطاب على أنهم يقولون ذلك فيهم حتى في غيبتهم، حيث لا حامل لهم على القول إلا محض الكفر فقال: {هؤلاء} أي الكفرة العابدون للأصنام {أهدى} أي أقوم في الهداية {من الذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة، فيفهم ذمهم بالتفضيل على الذين يؤمنون ومن فوقهم من باب الأولى {سبيلاً *} مع أن في كتابهم من إبطال الشرك وهدمه وعيب مدانيه وذمه في غير موضع تأكيداً أكيداً وأمراً عظيماً شديداً. ولما أنتج ذلك خزيهم قال: {أولئك} أي البعداء عن الحضرات الربانية {الذين لعنهم الله} أي طردهم بجميع ما له من صفات الكمال طرداً هم جديرون بأن يختصوا به. ولما كان قصدهم بهذا القول مناصرة المشركين لهم, وكان التقدير: فنالوا بذلك اللعن الذل والصغار، عطف عليه قوله: {ومن يلعن الله} أي الملك الذي له الأمر كله منهم ومن غيرهم {فلن تجد له نصيراً *} أي في وقت من الأوقات أصلاً، وكرر التعبير بالاسم الأعظم لأن المقام يقتضيه إشعاراً لتناهي الكفر الذي هو أعظم المعاصي بتناهي الغضب. ولما كان التقدير: كذلك كان من إلزامهم الذل والصغار، عطف عليه قوله: {أم} أي ليس {لهم نصيب} أي واحد من الأنصباء {من الملك فإذاً} أي فيتسبب عن ذلك أنهم إذا كان لهم أدنى نصيب منه {لا يؤتون الناس} أي الذين آمنوا {نقيراً *} أي شيئاً من الدنيا ولا الآخرة من هدى ولا من غيره، والنقير: النقرة في ظهر النواة، قيل: غاية في القلة؛ فهو كناية عن العدم، فهو بيان لأنهم لإفراط بخلهم لا يصلحون إلا لما هم فيه من الذل فكيف بدرجة الملك لأن الملك والبخل لا يجتمعان {أم} أي ليس لهم نصيب ما من الملك، بل ذلهم لازم وصغارهم أبداً كائن دائم، فهم {يحسدون الناس} أي محمداً صلى الله عليه وسلم الذي جمع فضائل الناس كلهم من الأولين والآخرين وزاد عليهم ما شاء الله، أو العرب الذي لا ناس الآن غيرهم، لأنَّا فضلناهم على العالمين - بأن يتمنوا دوام ذلهم كما دام لهم هم، ودل على نهاية حسدهم بأداة الاستعلاء في قوله: {على ما آتاهم الله} أي بما له من صفات الكمال {من فضله} حسدوهم لما رأوا من إقبال جدهم وظهور سعدهم وأنهم سادة الناس وقادة أهل الندى والبأس: شعر : إن العرانين تلقاها محسدة ولن ترى للئام الناس حساداً تفسير : وقد آتاهم الله سبحانه وتعالى جميع أنواع الملك، فإنه على ثلاثة أقسام: ملك على الظواهر والبواطن معاً، وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما لهم من غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة والشفاعة والبر واللطف التي كل منها سبب للانقياد، وذلك مع ما لهم بالله سبحانه وتعالى من تمام الوصلة؛ وملك على الظواهر فقط، وهو ملك الملوك؛ وملك على البواطن فقط، وهو ملك العلماء. ولما ذمهم سبحانه وتعالى أولاً بالجهل ومدح النفس تشبعاً بما لم يعطوا، وذلك سبب لجميع النقائص، وثانياً بأعظم منه: منع الحق من أهله بخلاً، وثالثاً بأعظم منهما: تمنى ألا يصل إلى أحد نعمة وإن كانت لا تنقصهم، فحازوا بذلك أعلى خلال الذم، وكانت المساوي تضع والمحاسن ترفع، تسبب عن هذا توقع السامع لإعلاء العرب وإدامة ذل اليهود وموتهم بحسدهم فقال: {فقد} أي فتسبب عن هذا وتعقبه أنَّا آتيناهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر للتنبيه على التوصيف الذي شاركوهم به في استحقاق الفضائل فقال: {آتينا} أي بما لنا من العظمة {آل إبراهيم} أي الذي أعلمناكم في كتابكم أنا أقسمنا له أنَّا نعز ذريته ونهديهم ونجعل ابنة إسماعيل حالاً على جميع حدود إخوته، ويده في جميع الناس ويده على كل أحد ويد كل به {الكتاب} أي الذي لا كتاب إلا هو لما له من الحفظ والفضل بالإعجاز والفصل {والحكمة} أي النبوة التي ثمرتها العمل المتقن بالعلم المحرر المحكم {وآتيناهم} مع ذلك {ملكاً عظيماً *} أي ضخماً واسعاً باقياً إلى أن تقوم الساعة {فمنهم} أي من آل إبراهيم {من آمن به} وهم أغلب العرب {ومنهم من صد عنه} أي أعرض بنفسه، وصد غيره كبني إسرائيل وبعض العرب. ولما كان قد علم من السياق أن الطاعن فيه ميت بحسده من غير أن يضره بأمر دنيوي، وكان التقدير لبيان أمرهم في الآخرة: فحكمنا أن تسعر بهم النار بعد الذل في هذه الدار والهوان والصغار، عطف عليه قوله: {وكفى بجهنم سعيراً *} أي توقداً والتهاباً في غاية الإحراق والعسر والإسراع إلى الأذى، وفي آية الطاغوت أنهم سمحوا ببدل الدين - وهو لا أعز منه عند الإنسان - في شهادتهم للكفرة بالهداية، وفي آية الملك الإيماء إلى أنهم في الحضيض من الشح بالخسيس الفاني، وفي آية الحسد أنه لم يكفهم التوطن في حضيض الشح بما أوتوا مع الغنى حتى سفلوا عنه إلى أدنى من ذلك بالحسد لمن آتاه الله ما لا ينقصهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ إن اليهود قالوا‏:‏ إن أبناءنا قد توفوا وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون لنا ويزكوننا فقال الله لمحمد ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين يزكُّون أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا قال الله‏:‏ إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين يزكُّون أنفسهم‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم‏} ‏ قال‏:‏ يعني يهود، كانوا يقدمون صبياناً لهم أمامهم في الصلاة فيؤمونهم، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم قال‏:‏ فتلك التزكية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي مالك في قوله ‏ {‏ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم‏}‏ قال‏:‏ نزلت في اليهود، كانوا يقدمون صبيانهم يقولون‏:‏ ليست لهم ذنوب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال‏:‏ كان أهل الكتاب يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحنث، يصلون بهم يقولون‏:‏ ليس لهم ذنوب‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين يزكُّون أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين يزكُّون أنفسهم‏} ‏ قال‏:‏ هم اليهود والنصارى قالوا ‏{أية : نحن أبناء الله وأحباؤه‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 18‏]‏‏.‏ ‏{أية : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 111‏]‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين يزكُّون أنفسهم‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في اليهود قالوا‏:‏ إنا نعلم أبناءنا التوراة صغاراً فلا يكون لهم ذنوب، وذنوبنا مثل ذنوب أبناءنا، ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال‏:‏ إن الرجل ليغدر بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعاً ولا ضراً فيقول‏:‏ والله إنك لذيت وذيت، ولعله أن يرجع ولم يَجُدْ من حاجته بشيء وقد أسخط الله عليه، ثم قرأ ‏{‏ألم ترَ إلى الذين يزكون أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولا يظلمون فتيلاً‏} ‏ قال‏:‏ الفتيل‏.‏ ما خرج من بين الأصبعين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ الفتيل‏.‏ هم أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج منهما فهو ذلك‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ النقير‏. النقرة تكون في النواة التي تنبت منها النخلة، والفتيل‏. الذي يكون على شق النواة، والقطمير‏.‏ القشر الذي يكون على النواة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الفتيل‏.‏ الذي في الشق الذي في بطن النواة‏.‏ وأخرج الطستي وابن الأنباري في الوقف والإبتداء عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏ {‏ولا يظلمون فتيلاً‏} ‏ قال‏:‏ لا ينقصون من الخير والشر مثل الفتيل، هو الذي يكون في شق النواة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول‏:‏ شعر : يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ثم لا يرزأ الأعادي فتيلا تفسير : وقال الأول أيضا‏ً:‏ شعر : أعاذل بعض لومك لا تلحي فإن اللوم لا يغني فتيلا تفسير : وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ النقير.‏ الذي يكون في وسط النواة في ظهرها، والفتيل.‏ الذي يكون في جوف النواة، ويقولون‏:‏ ما يدلك فيخرج من وسخها، والقطمير.‏ لفافة النواة أو سحاة البيضة أو سحاة القصبة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطية الجدلي‏:‏ هي ثلاث في النواة‏.‏ القطمير وهي قشرة النواة، والنقير الذي غابت في وسطها، والفتيل الذي رأيت في وسطها‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال‏:‏ قالت يهود‏:‏ ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون، فإن كانت لهم ذنوب فإن لنا ذنوباً، فإنما نحن مثلهم‏.‏ قال الله ‏ {‏انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثماً مبينا‏ً}‏‏ .‏

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} [الآية: 49]. قال بعضهم: ليست الأنفس محل التزكية، فمن استحسن من نفسه شيئًا فقد أسقط عن باطنه أنوار اليقين.

القشيري

تفسير : مَن ركن إلى تزكية الناس له، واستحلى قبول الخواص له - فضلاً عن العوام - فهو من زكَّى نَفْسه، ورؤية النَّفْس أعظم حجاب، ومن توهَّم أنه بِتَكَلُّفِه يزكِّي نفسه: بأوراده أو اجتهاده، بحركاته أو سكناته - فهو في غطاء جهله. قوله: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ}... الآية. الإشارة إلى من أطلق لسان الدعوى من غير تحقيق، والمُفْتَرِي - في قالته في هذا الأمر - لا ينطق بشيءٍ إلا أجبَّتْه الآذان وانزجرت له القلوب، فإذا سكت عاد إلى قلب خراب.

البقلي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} شكى سبحانه عن اهل الدعاوى الباطلة الذين يراؤن الناس ولا يذكرون الله سمعوا كلاما الاولياء وباعوا على سوق السالوسين واضافوا حقائق الصديقين الى انفسهم واشاروا الى مقام الرياضات والمجاهدات بغير علم ولم يشموا رايحة الصدق ومع هذه العيوب يرون انفسهم عنها فرد الله عليهم بقوله بل الله يزكى من يشاء اى تلبس انوار تنزيه اولياءه وصفياءه فيقسهم به عن كل سوء وعن كل خاطر غير سبيل الحق قال بعضهم لسيت الانفس نجل التزيكة فمن استحسن من نفسه شيئا فقد سقط من باطنه انوار اليقين.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر الى الذين يزكون انفسهم} خطاب للنبى عليه السلام على وجه التعجب اى ألم تنظر الى اليهود الذين يطهرون نفوسهم من الذنوب وألسنتهم ولم يزكوها حقيقة بقولهم نحن ابناء الله واحباؤه وبقولهم نحن كالاولاد الصغار فهل عليهم ذنب اى انظر اليهم وتعجب من حالهم وادعائهم انهم ازكياء عند الله مع ما هم عليه من الكفر والاثم العظيم واللفظ عام يشتمل كل من زكى نفسه ووصفها بزيادة التقوى والطاعة والزلفى عند الله ففيه تحذير من اعجاب المرء بعمله {بل الله} يعنى هم لا يزكونها فى الحقيقة لكذبهم وبطلان اعتقادهم بل الله {يزكى من يشاء} تزكيته ممن يستأهلها من المرتضين من عباده المؤمنين فانه العالم بما ينطوى عليه الانسان من حسن وقبيح وقد وصفهم بما هم متصفون به من القبائح {ولا يظلمون} اى يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا يظلمون فى ذلك العقاب {فتيلا} اى ادنى ظلم واصغره وهو الخيط الذى فى شق النواة يضرب به المثل فى القلة والحقارة والظلم فى حق المعاقب الزيادة على حقه وفى حق المثاب النقصان منه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم تر} يا محمد {إلى الذين يزكون أنفسهم}، وهم اليهود، قالوا: نَحنُ أبنَاءُ اللهِ وَأحبَّاؤُه، وقيل: طائفة منهم، أتَوا بأطفَالِهِم إلىَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالوا: هَل عَلَى هؤُلآءِ ذَنبٌ، قال: "لآ". قَالوُا: واللهِ مَا نَحنُ إلا كَهَيئَتِهِم، مَا عَمِلنَا بالنّهَارِ يُكَفَّر عَنَّا باللَّيلِ، وما عملنا باللَّيلِ يُكَفَّر عَنَّا بالنّهَارِ، فنزلت فيهم الآية. وفي معناهم: من زكى نفسه وأثنى عليها قبل معرفتها. {بل الله يُزكي من يشاء} لأنه العالم بخفيات النفوس وكمائنها، وما انطوت عليه من قبيح أو حسن، فيزكي من يستحق التزكية، ويفضح المُدَّعِين، {ولا يُظلمون فتيلاً}، وهو الخيط الذي في شق النواة، يضرب مثلاً لحقارة الشيء، فأن الله لا يظلم مثقال ذرة، {انظر كيف يفترون على الله الكذب} في زعمهم أنهم أبناء الله، أو أنهم مغفور لهم، {وكفى به} أي: بالافتراء، {إثماً مبينًا} أي: ظاهرًا لا يخفى على أحد. الإشارة: قال بعض الصوفية: للنفس من النقائص ما لله من الكمالات، فلا ينبغي للعبد أن يُزكي نفسه، ولو بلغ فيها من التطهير ما بلغ، ولا يرضى عنها ولو عملت من الأعمال ما عملت. قال أبو سليمان الداراني: لي أربعون سنة وأنا مُتَّهٍمٌ لنفسي. وفي الحِكَم " أصل كل معصيةٍ وغفلةٍ وشهوةٍ: الرضا عن النفس، وأصلُ كل طاعةٍ ويقظةٍ وعفةٍ: عدمُ الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خيرٌ من أن تصحب عالمًا يرضى عن نفسه، فأيُّ علمٍ لعالمٍ يرضى عن نفسه؟! وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟!".

الطوسي

تفسير : المعنى: قد فسرنا معنى {ألم تر إلى الذين} فيما مضى، وأن معناه ألم تعلم في قول أكثر أهل العلم، واللغة وقال بعضهم: معناه ألم تخبر وفيه سؤال على وجه الاعلام. وتأويله اعلم قصتهم ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين يزكون أنفسهم؟ وقيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر (ع): انهم اليهود، والنصارى في قوله: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه } {أية : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم } تفسير : قال الزجاج: اليهود جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بأولادهم الاطفال، فقالوا يا محمد أعلى هؤلاء ذنوب؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): لا، فقالوا: كذلك نحن ما نعمل بالليل يغفر بالنهار، وما نعمل بالنهار يغفر بالليل، فقال الله تعالى: {بل الله يزكي من يشاء} وقال: مجاهد، وأبو مالك: كانوا يقدمونهم في الصلاة ويقولون: هؤلاء لا ذنب لهم. وقال ابن عباس: كانوا يقولون: أطفالنا يشفعون لنا عند الله. الثاني - روي عن عبد الله بن مسعود انه تزكية الناس بعضهم بعضاً لينالوا بذلك مالا من مال الدنيا، فأخبر الله تعالى أنه الذي يزكي من يشاء. وتزكيتهم أنفسهم هو أن يقولوا: نحن أزكياء. اللغة والاعراب والنظم: والزّكا النمو يقال زكا الزرع يزكو وزكا الشيء: إذا نما في الصلاح وقوله: {ولا يظلمون فتيلاً} قال الزجاج: لا يظلمون مقدار فتيل. فيكون نصبه على أنه مفعول ثان: كقولك: ظلمته حقه أي انتقصته حقه. قال الرماني: ويحتمل أن يكون نصباً على التمييز كقولك: تصببت عرقاً. وقيل في معنى الفتيل ها هنا قولان: أحدهما - هو قول ابن عباس في رواية وقول عطاء ابن أبي رياح، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعطية: إنه الذي في شق النواة. وقال الحسن: الفتيل ما في بطن النواة، والنقير: ما في ظهرها، والقمطير قشرها. الثاني - ما فتلت بين اصبعيك من الوسخ. في رواية أخرى عن ابن عباس، وأبي مالك، والسدي: والفتل: لي الشيء يقال. فتلت الحبل أفتله فتلا، وانفتل فلان في صلاته. والفتيلة معروفة. واقة فتلاء. إذا كان في ذراعيها فتل عن الجنب. والفتيل في معنى المفتول. ووجه اتصال قوله: {ولا يظلمون فتيلاً} بما قبله أنه لما قال: {بل الله يزكي من يشاء} نفى عن نفسه الظلم لئلا يظن أن الامر بخلافه.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} تعجيب من تزكيتهم انفسهم بعد ما سبق من حالهم وتهديد لهم والتّزكية امّا بمعنى نسبة الطّهارة الى الانفس وعدّها زاكيات طاهرات او بمعنى ازالة الدّرن عن الانفس بأفعالهم وأذكارهم وكلّ واحد امّا بالقول مثل ان قال انّى لم اعص، واصوم كذا، واصلىّ كذا، وانفق كذا؛ وغير ذلك، او مثل ان داوم على ذكر اللّسان بنفسه من دون اذن واجازة قصداً الى تحصيل كمال النّفس وتطهيرها من نقائصها من غير مراياة، وامّا بالفعل مثل ان فعل الافعال الحسنة مراءاةً واظهاراً للنّاس انّه زاهد راغب فى الآخرة، او مثل ان اشتغل بالافعال الحسنة والرّياضات من قبل نفسه من غير مراءاة بل لتحصيل كمال النّفس وطهارتها ظنّاً منه انّ افعاله تزكّى نفسه والكّل خيال باطل فانّ المراءاة فعلاً او قولاً من اعظم المعاصى والعمل من قبل النّفس لتزكيتها لا يزيد الاّ فى شقائها {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} يظهر طهارة من يشاء من دون حاجة الى اظهارهم، او يطهّر من الادناس والرّذائل من يشاء لا من اراد ان يزكّى نفسه بعمله لانّها فضل من الله لا يمكن اكتسابه بالعمل بل العمل ان كان بأمر خلفائه يعدّ النّفس لقبول ذلك الفضل، والاية ان كانت نازلة فى اليهود والنّصارى لقولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة:18]، و {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة:111] فالتّعريض بمنافقى الامّة الّذين فى اقوالهم وافعالهم مراءاةٌ فى نسبة الطّهارة الى انفسهم قولاً وفى رياضاتهم وعباداتهم الشّاقّة من قبل انفسهم قصداً للتفّوّق فى الكمال على اقرانهم، ولمّا توهّم من هذا انّ العمل لا ينجع فى طهارة النّفس فمن شاء الله زكّاه ومن لم يشأ لم يزكّه رفع هذا الوهم فقال تعالى {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} بنقص اجر العامل او بعقوبته اذا وقع العمل على وجهه ولا بزيادة عقوبة العاصى.

الهواري

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ}. قال: بعضهم: هم اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، وقالوا: (أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)تفسير : [المائدة:18] وقالوا: لا ذنوب لنا. ذكروا عن مجاهد قال: هم يهود؛ كانوا يقدّمون صبيانهم فيؤمّونهم في الصلاة، يقولون: لا ذنوب لهم، تزكية. وقال الحسن: هم أهل الكتابين (أية : وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى) تفسير : [البقرة:111]. وقال الكلبي: هم اليهود جاءوا بأبنائهم أطفالاً إلى النبي عليه السلام فقالوا: يا محمد، هل على أولادنا هؤلاء من ذنوب فيما اقترفوا؟ قال: لا، أو كما قال، فقالوا: فوالذي يُحلَف به إن نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفِّر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفِّر عنا بالنهار، فهو الذي زكوا به أنفسهم. قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ} أي لا ينقصون {فَتِيلاً} الفتيل: الذي في بطن النواة. وهو تفسير العامة. وقال مجاهد: هو دلكك أصابعك بعضها ببعض، فما خرج منها فهو الفتيل.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ}: ينسبون أنفسهم إلى الزكاة، وهى الطهارة من الذنوب، وما يستقبح من فعل، أو قول، هنا وكأنه قيل يمدحون أنفسهم. قيل نزلت فى قوم من اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا: هل على هؤلاء من ذنب؟ قال: لا قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا من الذنوب بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملنا من الذنوب بالليل كفر عنا بالنهار، وهذا قول الكلبى، وقال مجاهد نزلت فى قوم من اليهود يقدمون صبيانهم يؤمونهم فى الصلاة يقولون: لا ذنوب لهم، فعابهم الله، إما بأن هؤلاء بالغون لكنهم قريبو العهد بالطفولية وإما لأنهم رأوا أنهم إذا صلى بهم صبيانهم غير البلغ غفرت ذنوبهم وقبلت صلاتهم، ففى الوجه الأول من هذا القول يراد بتزكية أنفسهم تزكية أطفالهم وفى الثانى يزكون أنفسهم بصلاة صبيانهم بهم. وقيل: نزلت فى اليهود إذ قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقال الحسن: نزلت فى اليهود والنصارى، إذ قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى. وعن قتادة: نزلت فى اليهود إذ قالوا نحن بو أبناء الله وأحباؤه وفى اليهود والنصارى إذ قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وعن قتادة نزلت فى اليهود إذ قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه وفى اليهود والنصارى إذ قالوا {أية : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} تفسير : وذلك أن من نسب الجنة لنفسه فقد نسب نفسه إلى غفران الذنب والطهارة منه وكذا من قال: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقد أراد أن ذنبه مغفور لا يعذب به كما يعذب الإنسان ولده ودخل فى معنى الآية كل من زكى نفسه بالعمل الصالح من الموحدين. {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّى مَنْ يَشَآءُ}: ينسبه إلى الطهارة من الذنوب، وصلاح الأمر نسبة صادقة، أو يطهره من الذنوب تطهيراً يستحق به أن يقال إنه زكى بالإيمان والإسلام، لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى، فإن العالم بحقيقة الأمر وما خفى من أمر الإنسان هو الله وحده جل جلاله، وقد ذم الله اليهود والنصارى وسائر ملل الشرك، ومدح المرتضين من عباده المؤمنين. {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}: مفعول مطلق فى ظلما ما أو مفعول به، أى لا ينقص الله شيئاً من عقابهم، فهذا وعيد بأكيد ولا يزيد على ما يستحقون ولو قليلا، والواو للذين يزكون أنفسهم، وقيل: إلى من يشاء، أى لا ينقص من أجورهم شيئاً، والمراد بالفتيل على كل حال القليل، وهو فى الأصل الخيط الذى فى شق النواة يضرب به المثل فى القلة والحقارة، أو ما يتحصل من وسخ من أصابعك إذا عركتها يضرب به المثل كذلك فى الحقارة والقلة، والمراد الجسم الواحد الممتد من ذلك الوسخ والجمهور على أن المراد فى الآية التمثيل بخيط شق النواة، ومجاهد على أن المراد التمثيل بذلك الوسخ، وبقول الجمهور يقول ابن عباس: {انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ}.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُم} هم اليهود القائلون نحن أبناء الله وأحباؤه، واليهود والنصارى القائلون لن يدخل الجنة إلا من الخ، واليهود الذين أتوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : فقالوا: هل على هؤلاء ذنب؟ قال لا، فقالوا: والله ما نحن إلآ كهيئتهم، ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل، أو بالليل كفر عنا بالنهارتفسير : ، ويدخل بالمعنى كل من زكى نفسه ولو موحدا {بَلَى اللهُ يُزَكَّى مَنْ يَشَآءُ} بطهره أو يحكم بركاته، وهو العالم بما فى القلوب والأسرار والعاقبة، وقد حكم الله بزكاة المؤمنين وذم غيرهم، والتقدير لا يحق تزكيتهم أنفسهم، بل الله يزكى من يشاء {وَلاَ يُظْلَمُونَ} فى ذم الله إياهم ولا فى عقابه لهم على تزكيتهم أنفسهم باطلا {فَتِيلاً} مقدار ما شق النواة أو ما يفتل من الوسخ باليد، وذلك تمثيل، فإنه تعالى لا يظلم أحدا أقل من حبة خردل بلا حد فى القلة.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} قال الكلبـي: نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا: يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ فقال: لا فقالوا: والذي يحلف به ما نحن فيه إلا كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار فهذا الذي زكوا به أنفسهم؛ وأخرج ابن جرير عن الحسن أنها نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَآءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّآؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] وقالوا: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ} تفسير : [البقرة: 111] والمعنى: انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم، أو من ادعائهم أن الله تعالى يكفر ذنوبهم الليلية والنهارية مع استحالة أن يغفر لكافر شيء من كفره أو معاصيه، وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها لغير غرض صحيح كالتحدث بالنعمة ونحوه {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاء} إبطال لتزكية أنفسهم وإثبات لتزكية الله تعالى وكون ذلك للإضراب عن ذمهم بتلك التزكية إلى ذمهم بالبخل والحسد بعيد لفظاً ومعنى، والجملة عطف على مقدر ينساق إليه الكلام كأنه قيل: هم لا يزكونها في الحقيقة بل الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستأهل من عباده المؤمنين إذ هو العليم الخبير وأصل التزكية التطهير والتنزيه من القبيح قولاً ـ كما هو ظاهر ـ أو فعلاً كقوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا} تفسير : [الشمس: 9]، و {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} تفسير : [التوبة: 103]. {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} عطف على جملة حذفت تعويلاً على دلالة الحال عليها، وإيذاناً بأنها غنية عن الذكر أي يعاقبون بتلك الفعلة الشنيعة ولا يظلمون في ذلك العقاب أدنى ظلم وأصغره وهو المراد بالفتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة وكثيراً ما يضرب به المثل في القلة والحقارة ـ كالنقير للنقرة التي في ظهرها ـ والقطمير ـ وهو قشرتها الرقيقة، وقيل: الفتيل ما خرج بين إصبعيك وكفيك من الوسخ، وروي ذلك عن ابن عباس وأبـي مالك والسدي رضي الله تعالى عنهم، وجوز أن تكون جملة {وَلاَ يُظْلَمُونَ} في موضع الحال والضمير راجع إلى من حملا له على المعنى أي والحال أنهم لا ينقصون من ثوابهم أصلاً بل يعطونه يوم القيامة كملاً مع ما زكاهم الله تعالى ومدحهم في الدنيا. وقيل: هو استئناف، والضمير عائد على الموصولين من زكى نفسه، ومن زكاه الله تعالى أي لا ينقص هذا من ثوابه ولا ذاك من عقابه، والأول أمس بمقام الوعيد، وانتصاب {فَتِيلاً} على أنه مفعول ثان كقولك: ظلمته حقه، قال علي بن عيسى: ويحتمل أن يكون تمييزاً كقولك: تصببت عرقاً.

ابن عاشور

تفسير : تَعْجِيب من حال اليهود إذ يقولون {أية : نحن أبناء الله وأحبّاؤه} تفسير : [المائدة: 18] وقالوا: {أية : لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً} تفسير : [البقرة: 111] ونحو ذلك من إدلالهم الكاذب. وقوله: {بل الله يزكي من يشاء} إبطال لمعتقَدهم بإثبات ضدّه، وهو أنّ التزكية شهادة من الله، ولا ينفع أحداً أن يزكّي نفسه. وفي تصدير الجملة بــــ (بل) تصريح بإبطال تزكيتهم. وأنّ الذين زكَّوا أنفسهم لاحظّ لهم في تزكية الله، وأنّهم ليسوا ممّن يشاء الله تزكيته، ولو لم يذكر (بل) فقيل و{الله يزكّي من يشاء} لكان لهم مطمع أن يكونوا ممّن زكّاه الله تعالى. ومعنى {ولا يظلمون فتيلاً} أي أنّ الله لم يحرمهم ما هم به أحرياء، وأنّ تزكية الله غيرهم لا تعدّ ظلماً لهم لأنّ الله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل ولا يظلِم أحداً. والفتيل: شبه خَيْط في شَقّ نواة التمرة. وقد شاع استعارته للقِلّة إذ هو لا ينتفع به ولا له مرأى واضح. وانتصب {فتيلا} على النيابة عن المفعول المطلق، لأنّه على معنى التشبيه، إذ التقدير: ظلماً كالفتيل، أي بقَدْره، فحذفت أداة التشبيه، وهو كقوله: {أية : إنّ الله لا يظلم مِثقَالَ ذَرَّة}تفسير : [النساء: 40]. وقولُه: {انظر كيف يفترون على الله الكذب} جعل افتراءهم الكذب، لشدّة تحقّق وقوعه، كأنّه أمر مَرئيّ ينظره الناس بأعينهم، وإنّما هو ممّا يسمع ويعقل، وكلمة {وكفى به إثماً مبيناً} نهاية في بلوغه غاية الإثم كما يؤذن به تركيب (كفى به كذا)، وقد تقدّم القول في (كفى) عند قوله آنفاً {أية : وكفى بالله شهيداً}تفسير : [الفتح: 28].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} الآية. أنكر تعالى عليهم في هذه الآية تزكيتهم أنفسهم بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ} [النساء: 49] وبقوله: {أية : انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 50] وصرح بالنهي العام عن تزكية النفس وأحرى نفس الكافر التي هي أخس شيء وأنجسه بقوله: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} تفسير : [النجم: 32] ولم يبين هنا كيفية تزكيتهم أنفسهم. ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، كقوله عنهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] وقوله: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة: 111] إلى غير ذلك من الآيات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تزكية النفس: تبرئتها من الذنوب والآثام. يزكي من يشاء: يطهر من الذنوب من يشاء من عباده بتوفيقه للعمل بما يزكي النفس، وإعانته عليه. الفتيل: الخيط الأبيض يكون في وسط النواة، أو ما يفتله المرء بأصبعيه من الوسخ في كفه أو جسمه وهو أقل الأشياء وأتفهها. الكذب: عدم مطابقة الخبر للواقع. معنى الآيتين: عاد السياق إلى الحديث عن أهل الكتاب فقال تعالى لرسوله والمؤمنين: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} وهو أمر يحمل على العجب والاستغراب إذ المفروض أن المرء لا يزكي نفسه حتى يزكيه غيره فاليهود والنصارى قالوا {أية : نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] وقالوا: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة: 111] {أية : قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} تفسير : [آل عمران: 24] إلى غير ذلك من الدعاوي الباطلة ولما أنكر تعالى عليهم هذا الباطل الذي يعيشون عليه فعاقهم عن الإِيمان والدخول في الإِسلام وأخبر تعالى أنه عز وجل هو الذي يزكي من يشاء من عباده وذلك بتوفيقه إلى الإِيمان وصالح الأعمال التي تزكو عليها النفس البشرية فقال تعالى: {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي أقل قليل فلا يزاد في ذنوب العبد ولا ينقص من حسناته. ثم أمر الله تعالى رسوله أن يتعجب من حال هؤلاء اليهود والنصارى وهم يكذبون على الله تعالى، ويختلقون الكذب بتلك الدعاوي التي تقدمت آنفاً. وكفى بالكذب إثماً مبيناً. يغمس صاحبه في النار. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- حرم تزكية المرء نفسه بلسانه والتفاخر بذلك إما طلباً للرئاسة، وإما تخلياً عن العبادة والطاعة بحجة أنه في غير حاجة إلى ذلك لطهارته ورضي الله تعالى عنه. 2- الله يزكي عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى، ويزكيه بتوفيقه وإيمانه للعمل بما يزكي من صلاة وصدقات وسائر الطاعات المشروعة لتزكية لنفس البشرية وتطهيرها. 3- عدالة الحساب والجزاء يوم القيامة لقوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}.

القطان

تفسير : تزكية النفس: مدحها. الفتيل: ما يكون على نواة التمر مثل الخيط. ألا تعجب يا محمد من هؤلاء الذين يُثنون على أنفسهم ويقولون: نحن أبناء الله وأحبّاؤه ولا يدخل الجنة إلا من كان يهودياً! هذا ويضيف اليهود: إن ذنوبنا التي نعملها بالنهار تكفَّر عنَّا بالليل، وما أَشبه ذلك من الافتراء على الله. والحق ان الله وحده هو الذي يعلم الخبيث من الطيّب، فيزكّي من يشاء من عباده، لا اليهود ولا النصارى. ثم يؤكد سبحانه التعجيب من حالهم وأقوالهم فيقول {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} انظر الى زعمهم أن الله تعالى يعاملهم معاملةً خاصة بهم، لا كما يعامل سائر عباده.. ان الكذب على الله إنما يكشف عن خُبث طويتهم لا أكثر.

د. أسعد حومد

تفسير : (49) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي اليَهُودِ وَالنَّصَارَى حِينَ قََالُوا: نَحْنُ أبْنَاءُ اللهِ وَأحِبَّاؤُهُ، وَحِينَ قَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أوْ نَصَارَى. (وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ فِي ذَمِّ مَدْحِ النَّفْسِ، وَتَزْكِيَةِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِصُورَةٍ عَامَّةٍ). فَقَالَ تَعَالَى: ألاَ تَعْجَبُ، يَا مُحَمَّدُ، مِنْ هَؤُلاءِ الكَافِرِينَ الذِينَ نُبَيِّنُ لَهُمْ سُوءَ عَمَلِهِمْ، فَيَرَوْنَهُ حَسَناً، وَيُثْنُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ مُزَكِّينَ إيَّاهَا، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ المَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِ أفْعَالِ العِبَادِ، لأنَّهُ العَالِمُ بِحَقَائِقِ الأمُورِ وَغَوامِضِهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَكْتُمُهُ النَّاسُ وَمَا يُعْلِنُونَهُ، وَهُوَ لاَ يَتْرُكُ لأحَدٍ شَيئاً مِنَ العَمَلِ، وَلَوْ كَانَ مِقْدَارَ الفَتِيلِ فِي شِقِّ نَوَاةِ التَّمْرَةِ، إلاَّ وَيَحْتَسِبُهُ لَهُ. الفَتِيلُ - الخَيْطُ الرَّفِيعُ فِي شِقِّ نَواةِ التَّمْرَةِ. يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ - يَمْدَحُونَهَا بِالبَرَاءَةِ مِنَ الذُّنُوبِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وتقدم أن أشرنا إلى قول الحق: {أَلَمْ تَرَ ..} [النساء: 49]، فإن كانت الصورة التي يخاطب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرئية أمامه تكن الرؤية على حقيقتها، وإن لم تكن مرئية أمامه وكان مراد الحق سبحانه أن يعلمه بها وهي غير معاصرة لرؤياه فالحق يقول: {أَلَمْ تَرَ ..} [النساء: 49] يعني: ألم تعلم، وكأن العلم بالنسبة لخبر الله يجب أن يكون أصدق مما تراه العين؛ لأن العين قد تكذبه والبصر قد يخدعه، {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ..} [النساء: 49] و "التزكية" هي أولاً: التطهير من المعايب وهذا يعني سلب النقيصة، وبعد ذلك إيجاب كمالات زائدة فيها نماء، والتزكية التي زكُّوا بها أنفسهم أنهم قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ..} تفسير : [المائدة: 18]. وجاء الرد عليهم في هذه القضية بقوله الحق: {أية : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ..} تفسير : [المائدة: 18]. يعني: إن كنتم أحباءه وأبناءه فلماذا يعذبكم؟ إذن فهذه قضية باطلة، ثم ما فائدة أن تقولوها لنا؟ أنملك لكم شيئاً؟ إذا كنتم تكذبونها على مَن يملك لكم كل شيء وهو الله - سبحانه - فما لنا نحن بكم؟ والتزكية التي فعلوها أنهم مدحوا أنفسهم بالباطل وبرأوا أنفسهم من العيوب وادعوا أنهم أبناء الله وهم ليسوا أبناء الله وليسوا أحباءه، وقالوا أيضاً: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 111]. وتلك أيضاً قضية باطلة، وهنا نسأل: هل إذا زكى الإنسان نفسه بحق تكون تلك التزكية مقبولة؟. نقول: علينا أن نسأل: ما المراد منها؟ إن كان المراد منها الفخر تكن باطلة، لكن تكون التزكية للنفس واجبة في أمر يحتم ذلك. مثاله: عندما تركب جماعة زورقاً ويكون القائد أو من يجدف أو يمسك الشراع متوسط الموهبة، ثم قامت عاصفة ولا يقوي متوسط الموهبة على قيادتها هنا يتقدم إنسان يفهم في قيادة الزوارق أثناء العواصف ويقول لمتوسط الموهبة: ابتعد عن القيادة فأنا أكثر فهماً وكفاءة وقدرة منك على هذا الأمر ويزحزحه ويمسك القيادة بدلاً منه، هذه تزكية للنفس، وهي مطلوبة؛ لأن الوقت ليس وقت تجربة، وهو يزكي نفسه بحق، إذن: فهناك فرق بين التزكية بالباطل وبين التزكية بالحق. ونحن نعلم قصة سيدنا يوسف، ونعلم قصة رؤيا الملك حيث رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف!! وكان المفروض العكس، انظر إلى الملحظية؛ لأن سنين الجدب ستأكل سنين الخصب، لكن مَنْ الذي يتنبه إلى رموز الرؤيا. فتعبير الرؤيا ليس علماً. بل هبة من الله يمنحها لأناس ويجعلهم خبراء في فك رموز - شفرة - الرؤيا، ودليل ذلك أن الملك قال هذه الرؤيا للناس فقالوا له: {أية : قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ..} تفسير : [يوسف: 44]، و "أضغاث" مفردها "ضغث" وهو الحشيش المخلوط والمختلف، لكنهم أنصفوا فقالوا: {أية : وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} تفسير : [يوسف: 44]. لقد أنصفوا في قولهم. لأن الذي يقول لك: لا أعلم فقد أفتى، فما دام قد قال: لا أدري فسيضطرك إلى أن تسأل سواه، لكن إن قال لك أي جواب فستكتفي به وتتورط، إذن فمن قال: لا أدري فقد أجاب. فهم عندما قالوا: أضغاث أحلام فقد احتالوا واحتاطوا لأنفسهم أيضاً وقالوا: {أية : وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} تفسير : [يوسف: 44]، وكان الحق سبحانه وتعالى قد صنع التمهيد ليوسف وهو في السجن عندما دخل عليه الفتيان: {أية : وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ..} تفسير : [يوسف: 36]. ما الذي جعل الفتيين يعرفان أن يوسف المسجون هذا يعرف تأويل الأحلام؟ لقد قالا وأوضحا العلة: {أية : إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 36]. ومعنى ذلك أنهما شهدا سَمْته وسلوكه، وعرفا أنه إنسان مسالم، فلما حَزَبَهما واشتد عليهما أمرٌ يتعلق بذاتهما قالا: لا يوجد أحسن من هذا الإنسان نسأله، وقلت ولا أزال أكررها: إن القيم هي القيم، والصادق محترم حتّى عند الكذاب، والذي لا يشرب الخمر محترم عند مَنْ يشرب بدليل أنهما عندما حَزَبهما أمر قالا: {أية : إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 36]. وهل يحكم واحد على آخر أنه محسن إلا إذا كان عنده مقياس يعرف به الحسن ويميزه عن القبح؟ وعندما قالا ذلك الأمر لسيدنا يوسف، كان من الممكن أن يجيبهما إلى تأويل رؤياهما، ولكن هذه ليست مهمته، بل فكر: لماذا لا يستغل هو حاجتهما إليه لأمر يتعلق بشخصيهما، وبعد ذلك ينفذ إلى مراده هو منهما قبل أن ينفذا إلى مرادهما منه، فهو نبي ومن سلالة أنبياء فأوضح لهما: وماذا رأيتما من إحساني؟ إن عندي أشياء كثيرة: {أية : قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ..} تفسير : [يوسف: 37]. فقد زكى نفسه، لكن انظروا لماذا زكى نفسه؟ هو يريد أن يأخذ بيدهما إلى ربه هو، بدليل أنه قال: {أية : ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ..} تفسير : [يوسف: 37]. إذن فالتزكية هنا مطلوبة، وقد ردّها لله، وأعلن أن تلك ليست خصوصية لي، بل كل واحد من خلق الله يستطيع أن يكون مثلي: {أية : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [يوسف: 37]. وبعد ذلك قال: {أية : وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ..} تفسير : [يوسف: 38]. إذن: فمن الممكن أن تكونوا مثلي إذا ما اتبعتم هذا الطريق، بعد ذلك قال لهم: {أية : أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [يوسف: 39]. أي: أإله واحد أحسن أم آلهة متعددة؟ فأنتم يا أصحاب الآلهة المتعددة جئتم لصاحب الإله الواحد مع أن التعدد - في الظاهر - يعطي القوة، لكن هذا التعدد أعطى الضعف؛ لأنكم يا أصحاب الآلهة المتعددة لجأتم إلى صاحب الإله الواحد: {أية : أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [يوسف: 39]. إذن فهو زكى نفسه أمامهما لكي يأخذهما إلى جانب من زَكَّى، وهو الحق سبحانه وتعالى، وبعد ذلك عندما علم الملك قال: ائتوني به أستخلصه لنفسي، ويكون مقرباً مني. ثم بعد ذلك جاءت سنون الجدب التي تنبأ بها أولاً في تفسير الرؤيا، وأشار عليهم بضرورة الادخار من سنين الخصب لسنين الجدب، لقد كانت التجربة إخباراً لأشياء ستحدث، فلما وقعت علم أن المسألة ليست تجارب بل هي مسألة دقيقة، فقال للملك: {أية : ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [يوسف: 55]. إذن فقد زكى نفسه، وجاء بالحيثية: {أية : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 55]. لأن هذه المسألة تحتاج حفظاً وعلماً، فهي أمر غير خاضع للتجريب، فيجرب واحد فيخيب، ويجرب آخر فيخيب، لا، إنها تحتاج لحفظ وعلم، ومثال ذلك أيضاً عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم، قال له المنافقون: اعدل يا محمد! فيقول لهم: والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض، فهو يزكي نفسه، إذن: فمتى تكون التزكية مطلوبة؟ أولاً: أن تكون بحق، وأن يكون لها هدف عند مَنْ يعلم التزكية وإلى مَنْ يعطيك التزكية ويثني عليك بما فيك وما أنت أهل له فتكون هذه تزكية صحيحة؛ ولذلك يقول الحق: {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} تفسير : [النجم: 32]. لأنك تزكي نفسك عند الذي سيعطي الجزاء وهو يعلم، إذن: فمن الحمق أن يزكي الإنسان نفسه في غير المواقف التي يحتاج فيها الأمر إلى تزكية تكون لفائدة المسلمين لا لفائدته الخاصة، والحق يقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49]. إنّ الحق سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، فمن الممكن أن واحداً يتصنع ويتكلف في نفسه مدّة من الزمن أمامك، لكن هناك أشياء أنت لا تدركها، لكن ربنا عندما يزكي تكون تزكيته عن علم وعن خبرة، ومع ذلك أحين يزكون أنفسهم، أهذه محت حسناتهم؟ لا. فعل الرغم من أنهم زكوا أنفسهم فالحق لن يأخذهم هكذا، ويضيع حسناتهم ولكنهم {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49] وهذه مطلق العدالة. ونعرف أن القرآن نزل بلسان عربي على نبي عربي، والذين باشروه أولاً عرب، ونعرف أن أغلب إيحاءاته كانت متوافقة مع البيئة، وكان عندهم "النخل" وهي الشجرة المفضلة؛ لأنها شجرة لا يسقط ورقها، وكل ما فيها له فائدة، فلا يوجد شيء في النخلة إلا وفيه فائدة. عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثَلُ المسلم، حدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البادية ووقع في نفسي أنها النخلة". قال عبد الله فاستحييتُ، فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي النخلة" قال عبد الله: فحدّثْتُ أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحبُّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا ". تفسير : وللنخلة فوائد كثيرة، فكل ما نأخذه منها نجد له فائدة حتى الليف حولها يحمل الجريد نأخذه ونصنع منه مكانس وليفاً و "مقاطف" و "كراسي". وحينما يطلب سبحانه وتعالى مثالاً على شيء معنوي فهو يأتي بالشيء المحس في البيئة العربية. "ولا يظلمون فتيلاً" و "الفتيل" من "الفتلة" ومن معناها: الشيء بين الأصابع، فأنت حين تدلك أصابعك مهما كانت نظيفة يخرج بعض "الوساخات مِثل الفتلة"، أو "الفتيل" هو: الخيط في شق نواة البلحة ونواة التمرة، جاء سبحانه وتعالى في القرآن بثلاثة أشياء متصلة بالنواة. بـ "الفتيل" هنا، وجاء بـ "النقير": وهو النقرة الصغيرة في ظهر النواة ومأخوذة من المنقار، كأنها منقورة، وجاء بـ "قطمير": وهي القشرة التي تلف النواة، مثل قشرة البيض الداخلية وهي قشرة ناعمة، إذن: ففي النواة ثلاثة أشياء استخدمها الله. الفتيل و "النقير"، و "القطمير". والحق يقول: {أية : فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} تفسير : [النساء: 53]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى أخذ من النواة ثلاثة أشياء ويعطينا من الشيء المحس أمامنا أمثالاً يراها العربي في كل وقت أمامه ويأخذ الحق أيضاً أمثالاً من السماء فيأتينا بمثل: "الهلال"، يقول في الهلال وهو صغير: {أية : كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يس: 39]. فسباطة البلح فيها شماريخ، وفيها يد تحمل الشماريخ، فهذا اسمه "العرجون"، والعرجون عندما يكون جديداً يكون مستقيماً، لكنه كلما قَدُمَ ينثني وينحني، فجاء لهم من الهلال في السماء وأعطاهم مثالاً له في الأرض {أية : كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يس: 39]، والعرب قد أخذوا أمثالاً كثيرة، لكن هناك حاجات قد لا يُنتبه إليها مثل قول العربي: شعر : وغاب ضوء قُمَيْر كنت أرقبه مثل القُلاَمَة قد قُدَّتْ من الظُّفر تفسير : فساعة تقص أظافرك تجدها مقوّسة. لكن هذه المسألة لا يتنبه لها كل واحد، فهو جاء بشيء واضح وقال: {أية : كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يس: 39] إذن: فالحق سبحانه وتعالى حين يعطي مثالاً لأمر معنوي فهو يأتي من الأمر المحس أمامك ليقرب لك المعنى، وعندما تأكل التمرة لا تلتفت إلى الفتيلة مما يدل على أنها شيء تافه، والنقير والقطمير كذلك. إذن: فربنا أخذ من النواة أمثلة، وأخذ من النخلة أمثلة كي يقرب لنا المعاني. {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49]. ويقول الحق بعد ذلك: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} [الآية: 49] قال: هم اليهود، كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة، فيؤومهم ويزعمون أَنه لا ذنوب لهم، فتلك التزكية. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا إسرائيل، عم أَبي اسحق الهمداني، عن حسان بن فائد عن عمر بن الخطاب قال: الجبت "السحر" والطاغون [الآية: 51] الشيطان. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: الجبت السحر. "والطاغوت" [الآية: 51]: الشيطان في صورة إِنسان، يتحاكمون إِليه وهو صاحب أَمرهم. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا حماد بن سلمة عن داود بن أَبي هند، عن أَبي العالية الرياحي، قال: "الجبت" الساحر "والطاغوت" [الآية: 51]: الكاهن.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} معناهُ أَلمْ تَعْلَمْ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} معناهُ لا يُنْقَصُونَ ولا يُظْلَمونَ نَقِيرا. فالفَتيلُ الَّذِي في شِقِّ النَواةِ. والفَتِيلُ: مَا يَخرُجُ بينَ الإِصْبِعيَنِ إِذا فَتَلَتْهَا السَّبَابَةُ والإِبْهَامُ. والنَّقَيرُ: التي فِي ظَهرِ النَّواةِ التي تنبتُ مِنْهَا النَّخْلَةُ، والنَّقيرُ: أَنْ تَضعَ طَرَفَ الإِبْهامِ عَلى طَرفِ السَّبابَةِ ثُمَّ تَنْقرَها.

الأندلسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} قيل: هم اليهود. وقيل: النصارى وتزكيتهم قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه: وفي ذلك غضّ على من يزكي نفسه بلسانه ويصفها بزيادة الطاعة والتقوى. قال ابن عطية: كيف يصح أي ردّ أن يكون في موضع نصب بيفترون ويصح أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر في قوله: ويفترون. "انتهى". أما قوله: يصح أن يكون في موضع نصب بيفترون فصحيح. وأما قوله: ويصح أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر في قوله: يفترون، فهذا لم يذهب إليه أحد لأن كيف ليست من الأسماء التي يجوز الابتداء بها. وإنما قوله: {كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} في التركيب نظير قولك: كيف يضرب زيد عمراً ولو كانت مما لا يجوز الإِبتداء بها ما جاز أن يكون مبتدأ في هذا التركيب لأنه ذكر أن الخبر هي الجملة من قوله: يفترون، وليس فيها رابط يربط هذه الجملة بالمبتدأ وليست الجملة نفس المبتدأ في المعنى فلا يحتاج إلى رابط فهذا الذي قال فيه ويصح فاسد على كل تقدير. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ} أجمعوا على أن المراد بأهل الكتاب هنا اليهود والكتاب التوراة وسبب نزولها أن كعب بن الأشرف وحُيَيَّ بن أخطب وجماعة خرجوا إلى مكة يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنتم أهل كتاب وأنتم أقرب إلى محمد وإن محمداً صاحب كتاب، فلا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم إلينا فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئنّ إليكم. ففعلوا فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلاً أم محمد؟ قال كعب: ماذا يقول محمد، قالوا: يأمر بعبادة الله وحده ونهى عن الشرك. قال كعب: وما دينكم؟ قالو: نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضعيف ونفك العاني، وذكروا أفعالهم. فقال: أنتم أهدى سبيلاً. والجبث والطاغوت ضمان كانا لقريش، وقيل: غير ذلك. {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ} أم هنا منقطعة التقدير بل إليهم تصيب من الملك انتقل من كلام إلى كلام بأم واستفهم على سبيل الانكار أن يكون لهم نصيب من الملك. قال الأزهري: الفتيل والنقير والقطمير يضرب مثلاً للشيء التافة الحقير، وخصت الأشياء الحقيرة بقوله: {فَتِيلاً}، في قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}، وهنا بقوله: نقيراً الوفاق النظير من الفواصل. {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ} الآية، وهو تصريح ببخلهم وإذا حرف جزاء وجواب، والتقدير من حيث المعنى أنهم إن كان لهم نصيب من الملك لا يسمحون بشيء وإن كان تافهاً لبخلهم، ثم انتقل من هذه الخصلة الذميمة إلى خصلة أشد منها وهي الحسد فالبخل: منع فضول خير من الإِنسان إلى غيره، والحسد: تمني زوال ما أعطى الله الإِنسان من الخير وإيتائه له، وفي ذلك إشارة إلى حسدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من فضله وهو النبوة. ولذلك جاء بعده قوله تعالى: {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} وإبراهيم هو جد رسول الله الأعلى وآل إبراهيم يحتمل أن يريد شخص إبراهيم عليه السلام. والكتاب الصحف التي نزلت على إبراهيم. وقد يراد بآله من كان من ذريته كموسى عليه السلام فيكون الكتاب التوراة. {وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} هو ما كان في بني إسرائيل من الملوك كداود وسليمان، ألا ترى إلى قول موسى عليه السلام: إذ جعل منكم أنبياء وجعلكم ملوكاً الآية. {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} والضمير عائد على إبراهيم. وقيل: عائد على الكتاب، أي فمن آل إبراهيم من آمن بالكتاب. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا} لما ذكر ومنهم من صد عنه أتبعه بما لهم من العذاب ثم ذكر ما للمؤمنين من النعيم في الآخرة فصار نظير يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم، ثم قال: وأما الذين ابيضت. وقرىء: {نُصْلِيهِمْ} من أصلى ونصليهم من صليت. وقرىء بضم الهاء وكسرها. وندخلهم ظلاً ظليلاً قال أبو مسلم: الظليل هو القوي المتمكن. قال ونعت الشيء بمثل ما اشتق من لفظه يكون مبالغة كقولهم: ليل أليل وداهية دهياء.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عمن زكى نفسه ونسي أمه بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 49]، إشارة في الآيتين: إن الذين يزكون أنفسهم من أهل العلوم الظاهرة بالعلم، ويباهون به العلماء ويمارون به السفهاء لا تتزكى أنفسهم بمجرد تعلم العلم؛ بل يحصل لهم ذلك صفات أخرى من المذمومات مثل: المباهاة والمماراة، والمجادلة والمفاخرة، والعجب والكبر، والحسد والرياء، وحب الجاه والرياسة، وطلب الاستيلاء والغلبة على الأقران وإيذائهم وأمثال ذلك، فينقم هذه المذمات مع سائر الصفات النفسانية، وتزيد في أمارية النفس بالسوء، وتمردها عن الحق، {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} [النساء: 49]، لا بتزكية، وتهيأ لها بتسليم النفس إلى أرباب التزكية وهم العلماء الراسخون والمشايخ المحققون، كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فمن سلم نفسه للتزكية ويصبر على تصرفاته ويسعى إلى إشاراته ولا يتعرض على معاملاته ويقاسي شدائد أعمال التزكية فقد أفلح بما تزكى، {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49]؛ يعني: ولا يضيقون ما عملوا في التزكية بمقدار القيل، بل يرون آثره في تزكية نفوسهم، يدل عليه قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }تفسير : [الزلزلة: 7-8]. {ٱنظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلكَذِبَ} [النساء: 50]، في ادعاء تزكية أنفسهم بمجرد تحصيل العلم، وما سلكوا طريق الله في تزكية النفس بتسليمها إلى مزكيها وهي النبي صلى الله عليه وسلم في أيام حياته، كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}تفسير : [الجمعة: 2]، وبعده هم العلماء الذين أخذوا التزكية ممن أخذوا منه قرناً بعد قرن من الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان إلى يومنا، ولعمري أنهم في هذا الزمان أعز من الكبريت الأحمر، {وَكَفَىٰ بِهِ} [النساء: 50]، بإدعاء التزكية لنفسه أو تعليم التزكية لغيره {إِثْماً} [النساء: 50]، للمدعين باطلاً في هذا المعنى {مُّبِيناً} [النساء: 50]، ظاهر الكذب دعواهم على أعمالهم وأحوالهم. ثم أخبر عن إمارات كذبهم في دعويهم وعلاماته بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ} [النساء: 51]، إشارات في الآيات: إن من أوتي نصيباً من العلوم الظاهرة ولم يؤت نصيباً من العلوم الباطنة، لا بد وأن يؤمن بجبت النفس الأمارة بالسوء طاغوت الهوى، فيصدقها فيما يأمرانه وينهيانه بالإعراض عن الحق وطلبه والإقبال على الدنيا وزخارفها، وبهذا يخرجانه من نور الهداية إلى ظلمات الضلالة، يدل عليه قوله تعالى: {أية : أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ}تفسير : [البقرة: 257]، وقال تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الفرقان: 43] وأضله الله على علم، وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [ص: 26]، وهذا كما كان إبليس، فإنه أول نوعاً من العلوم الظاهرة حتى استكبر بها وقال: {أية : قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [ص: 76]، فلما لم يكن أدنى شيئاً من العلوم الباطنة بالنسبة إليه ليغرس في آدم عليه السلام بشرف علم الأسماء واختصاصه، {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر: 29]، وليفهم من قوله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30]، كمالية مرتبة الخلافة كان حاصله من مجرد علمه الظاهر الإباء والاستكبار والكفر واللعن والطرد، والإغراء والإضلال، ومن أضلاء المحرومين من دولة علم الباطن المغرورين بعلم الظاهر قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء: 51]، من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ومن يعبد الهوى والدنيا، المناسبة فيما بينهم من عبادة الهوى والدنيا {هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 51]، صدقوا الرسل فيما أمروهم بالإقبال على الله والإعراض عن الدنيا وأهلها، {سَبِيلاً } [النساء: 51]، طريق الحق؛ لأنهم لا يعرفون الباطل من الحق واتخذوا الحق باطلاً والباطل حقّاً. ثم أخبر عن سبب خذلان من يظهر على أعماله هذه الإمارات ويوجد من أحواله هذه العلامات بقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} [النساء: 52]؛ يعني: هم الذين لم يؤمنوا بما نزلنا على الأولياء من العلوم اللدنية الذين أودعناهم الطمس واللعن بقوله تعالى: {أية : مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ}تفسير : [النساء: 47]، فلما أصروا على الجحود والإنكار والإباء والاستكبار أدركتهم اللعنة والطمس وشوهت صورتهم، كما أدركت إبليس وشوهت صورته، فظهرت منهم هذه الأفعال والأحوال {وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} [النساء: 52]؛ يعني: من أصابته لعنة الله أبطلت استعداده وقبول الحق فيبقى في إنكاره وجحوده، فلم تجد له نصيراً من الأنبياء والأولياء ليعادله ويخرجه من هذه الظلمات.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تعجيب من الله لعباده، وتوبيخ للذين يزكون أنفسهم من اليهود والنصارى، ومن نحا نحوهم من كل من زكى نفسه بأمر ليس فيه. وذلك أن اليهود والنصارى يقولون: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : ويقولون: {أية : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } تفسير : وهذا مجرد دعوى لا برهان عليها، وإنما البرهان ما أخبر به في القرآن في قوله: {أية : بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : فهؤلاء هم الذين زكاهم الله ولهذا قال هنا: { بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } أي: بالإيمان والعمل الصالح بالتخلي عن الأخلاق الرذيلة، والتحلي بالصفات الجميلة. وأما هؤلاء فهم -وإن زكوا أنفسهم بزعمهم أنهم على شيء، وأن الثواب لهم وحدهم- فإنهم كذبة في ذلك، ليس لهم من خصال الزاكين نصيب، بسبب ظلمهم وكفرهم لا بظلم من الله لهم، ولهذا قال: { وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا } وهذا لتحقيق العموم أي: لا يظلمون شيئا ولا مقدار الفتيل الذي في شق النواة أو الذي يفتل من وسخ اليد وغيرها. قال تعالى: { انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } أي: بتزكيتهم أنفسهم، لأن هذا من أعظم الافتراء على الله. لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم الإخبار بأن الله جعل ما هم عليه حقا وما عليه المؤمنون المسلمون باطلا. وهذا أعظم الكذب وقلب الحقائق بجعل الحق باطلا والباطلِ حقًّا. ولهذا قال: { وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا } أي: ظاهرا بينا موجبا للعقوبة البليغة والعذاب الأليم.

همام الصنعاني

تفسير : 599- معمر عن الحسن في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ}: [الآية: 49]، قال: هُمُ الْيهُودُ والنَّصارى، قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ}تفسير : : [المائدة: 18]، {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}تفسير : : [البقرة: 111]. 600- عبد الرزاق، قال: حدثنا مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}: [الآية: 49]، قالَ: الفتيل الذي في شِقِّ النّواةِ.