٧٠ - ٱلْمَعَارِج
70 - Al-Ma'aarij (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : قرىء بشهادتهم وبشهاداتهم، قال الواحدي: والإفراد أولى لأنه مصدر فيفرد كما تفرد المصادر وإن أضيف لجمع كقوله {أية : لصوت الحمير} تفسير : [لقمان:19]. ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات، وكثرت ضروبها فحسن الجمع من جهة الاختلاف، وأكثر المفسرين قالوا: يعني الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق، ولا يكتمونها وهذه الشهادات من جملة الأمانات إلا أنه تعالى خصها من بينها إبانة لفضلها لأن في إقامتها إحياء الحقوق وفي تركها إبطالها وتضييعها، وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الشهادة بأن الله واحد لا شريك له. وثامنها قوله:
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَـٰدٰتِهِم قَائِمُونَ } وقرأ يعقوب وحفص «بِشَهَـٰدٰتِهِم» لاختلاف الأنواع. {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } فيراعون شرائطها ويكملون فرائضها وسننها وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولاً وآخراً باعتبارين للدلالة على فضلها وإنافتهما على غيرها وفي نظم هذه الصلاة مبالغات لا تخفى. {أُوْلَـئِكَ فِى جَنَّـٰتٍ مُّكْرَمُونَ } بثواب الله تعالى. {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ } حولك {مُهْطِعِينَ } مسرعين. {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ عِزِينَ } فرقا شتى جمع عزة وأصلها عزوة من العزو وكأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى وكان المشركون يحتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقاً ويستهزئون بكلامه. {أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ } بلا إيمان وهو إنكار لقولهم لو صح ما يقوله لنكون فيها أفضل حظاً منهم كما في الدنيا. {كَلاَّ } ردع لهم عن هذا الطمع {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّمَّا يَعْلَمُونَ } تعليل له والمعنى أنهم مخلقون من نطفة مذرة لا تناسب عالم القدس فمن لم يستكمل بالإِيمان والطاعة ولم يتخلق بالأخلاق الملكية لم يستعد لدخولها أو إنكم مخلوقون من أجل ما تعلمون وهو تكميل النفس بالعلم والعمل فمن لم يستكملها لم يتبوأ في منازل الكاملين أو الاستدلال بالنشأة الأولى على إمكان النشأة الثانية التي بنوا الطمع على فرضها فرضاً مستحيلاً عندهم بعد ردعهم عنه. {فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ إِنَّا لَقَـٰدِرُونَ عَلَىٰ أَن نُّبَدّلَ خَيْراً مّنْهُمْ } أي نهلكهم ونأتي بخلق أمثل منهم أو نعطي محمداً صلى الله عليه وسلم بدلكم من هو خير منكم وهم الأنصار. {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } بمغلوبين إن أردنا ذلك. {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ } مر في آخر سورة «الطور». {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً } مسرعين جمع سريع {كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ } منصوب للعبادة أو علم {يُوفِضُونَ } يسرعون وقرأ ابن عامر وحفص {إِلَىٰ نُصُبٍ } بضم النون والصاد والباقون من السبعة « نَصَبٌ» بفتح النون وسكون الصاد وقرىء بالضم على أنه تخفيف {نُصَبٌ } أو جمع. {خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } مر تفسيره {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ } في الدنيا. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة {سَأَلَ سَائِلٌ } أعطاه الله ثواب الذين هم {لأِمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ }».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدٰتِهِم} وفي قراءة بالإفراد { قَآئِمُونَ } يقيمونها ولا يكتمونها.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِشَهَادَتِهِمْ} على أنبيائهم بالبلاغ وعلى الأمم بالقبول أو الامتناع أو بحفظ الحقوق تحملاً لها وأداء.
البقاعي
تفسير : ولما كان أجل العهود والأمانات ما كان بإشهاد قال مبيناً لفضل الشهادة: {والذين هم} أي بغاية ما يكون من توجيه القلوب {بشهاداتهم} التي شهدوا بها أو يستشهدون بها لطلب أو غيره، وتقديم المعمول إشارة إلى أنهم في فرط قيامهم بها ومراعاتهم لها كأنهم لا شاغل لهم سواها {قائمون *} أي يتحملونها ويؤدونها على غاية التمام والحسن أداء من هو متهيىء لها واقف في انتظارها. ولما كانت أضداد هذه المذكورات نقائص مهلكات، وكانت الأنفس - لما لها من النقص - نزاعة إلى النقائص ميالة إلى الدسائس، ذكر سبحانه بالدواء المبرىء من كل داء، فقال مشيراً إلى حفظ أحوال الصلاة وأوصافها بعد ذكر الحفظ لذواتها وأعيانها تنبيهاً على شدة الاهتمام بها: {والذين هم} ولما وسط الضمير إشارة إلى الإقبال بجميع القلب قدم الصلة كما فعل بما قيل تأكيداً وإبلاغاً في المراد إلى أقصى ما يمكن كما لا يخفى على ذي ذوق فقال: {على صلاتهم} من الفرض والنقل {يحافظون *} أي يبالغون في حفظها ويجددونه حتى كأنهم يبادرونها الحفظ ويسابقونها فيه فيحفظونها لتحفظهم أو يسابقون غيرهم في حفظها لأوقاتها وشروطها وأركانها ومتمماتها في ظواهرها وبواطنها من الخضوع والمراقبة، وغير ذلك من خلال الإحسان التي إذا فعلوها كانت ولا بد ناهية لفاعلها "أن الصلاة" الكاملة "تنهى عن الفحشاء والمنكر" فتحمل على جميع هذه الأوامر وتبعد عن أضدادها، ولكون السياق هذا للتخلي عن الأوصاف الجارة إلى الكفر وحد الصلاة إشارة إلى أنه يكفي في ذلك الفرائض وإن كان الجاس يشمل، وفي المؤمنون السياق لأهل الرسوخ في المحاسن، فلذلك جمع بين النوعين: الإفراد في الأول لينصب بادىء بدىء إلى الفرائض، والجمع في بعض القراءات ليفهم مع ذلك النوافل بأنواعها، وفي فتح الأوصاف بالصلاة وختمها بها من بيان جلالتها وعظمتها أمر باهر. ولما ذكر حلاهم أتبعه ما أعطاهم فقال مستأنفاً ومستنتجاً من غير فاء إشارة إلى أن رحمته هي التي أوصلتهم إلى ذلك من غير سبب منهم في الحقيقة: {أولٰئك} أي الذين هم في غاية العلو لما لهم من هذه الأوصاف العالية، وعبر بما يدل على أنه عجل جزاءهم سبحانه فقال: {في جنات} أي في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا فلأنهم لما جاهدوا فيه بإتعاب أنفسهم في هذه الأوصاف حتى تخلقوا بها أعطاهم بمباشرتها لذاذات من أنس القرب وحلاوة المناجاة لا يساويها شيء أصلاً، والجنة محل اجتمع فيه جميع الراحات والمستلذات والسرور، وانتفى عنه جميع المكروهات والشرور، وضدها النار، وزادهم على ذلك بقوله: {مكرمون *} معبراً باسم المفعول إشارة إلى عموم الإكرام من الخالق والخلق الناطق وغيره لأنه سبحانه قضى بأن يعلو مقدارهم حتى يكونوا أعظم مشخص؟ لهم في الغيب مبالغاً في إكرامهم عند المواجهة ليكون لهم نصيب من خلق نبيهم صلى الله عليه وسلم،"لقيه يوم بني قريظة علي رضي الله عنه وكان قد سبقه إليهم فقال: يا رسول الله، ما عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث؟ فقال: ولم، لعلك سمعت بي منهم أذى، لو قد دنوت منهم لم يقولوا من ذلك شيئاً، ثم دنا منهم فقال: هل أخزاكم الله يا إخوان القردة والخنازير، فقالوا: مه يا أبا القاسم ما كنت جهولاً " وكلموه بأحسن ما يمكنهم، وكذا كانت معه قريش قبل الهجرة في أكثر أحوالهم، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فيتلقاهم الملائكة بالبشرى حين الموت وفي قبورهم ومن حين قيامهم من قبورهم إلى حين دخولهم إلى قصورهم. ولما تحرر بهذا الكلام الإلهي الذي يشك عاقل في أن مخلوقاً لا يقدر عليه، وأنه لا يقدر عليه إلا الله الواحد الذي لا شريك له، العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، أنه لا يتفصى عن نقائص الإنسان حتى يتخلص من ظلمات النقصان إلى نور الإحسان إلا من لازم هذه الأوصاف وزكى نفسه بها ليصير كاملاً مع العلم القطعي عند المسلم والكافر أن الكمال سبب السعادة، وأن الإنسان مطبوع على ما صدر به سبحانه من النقائص، علم أن المتصفين بهذه الأوصاف هم المختصون بالسعادة الأخروية، وكان الكفار يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ويجلسون حوله بالقرب منه ليسمعوا كلامه ويكذبوه ويهزؤوا به، وكان العاقل لا ينبغي له أن يأتي شيئاً لا سيما إن كان إتيانه إليه على هيئة الإسراع إلا لتحصيل السعادة، سبب عن ذلك قوله معبراً عن عظمة القرآن بما حاصله أنهم حين يسمعونه يصيرون لشدة ما يفزعهم أمره لا يتمالكون فيفعلون أفعال من لا وعي له: {فمال الذين كفروا} أي أي شيء من السعادة للذين ستروا مرائي عقولهم عن الإقرارا بمضمون هذا الكلام الذي هو أوضح من الشمس، حال كونهم {قبلك} أي نحوك أيها الرسول الكريم وفيما أقبل عليك {مهطعين *} أي مسرعين مع مد الأعناق وإدامة النظر إليك في غاية العجب من مقالك هيبة من يسعى إلى أمر لا حياة له بدونه. ولما كان الذي يتطير فيراعي الأيامن والأشائم على ما تقدم في الصافات، لا يترك ذلك إلا في أمر أدهش عقله وأطار لبه، فلم يدعه يتأمل، قال مشيراً إلى شدة اعتنائهم بهذا الإهطاع مع عدم التحفظ من شيء: {عن} أي متجاوزين إليك كل مكان كان عن جهة {اليمين} أي منك حيث يتمنون به {وعن الشمال} أي منك وإن كانوا يتشاءمون به {عزين *} أي حال كونهم جماعات جماعات وخلقاً خلقاً متفرقين فرقاً شتى أفواجاً يتمهلون ليأتوا جميعاً جمع عزة، وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير ما تعتزي إليه الأخرى، جمع جمع سلامة شذوذاً. ولما كان هذا الإسراع على هذا الوجه لا ينبغي أن يكون إلا فيما يتحقق أنه مسعد، ومع تحقق أنه مسعد لا ينبغي أن يكون إلا فيما تحصل به السعادة الأبدية؛ قال منبهاً على ذلك منكراً أن يكون لهم ما كان ينبغي ألا يكون فعلهم ذلك إلا له مع أنه كان من جملة استهزائهم إذا تحلقوا لسماع ما يقرأ أن يقولوا: إن كان ما يقول حقاً من أمر البعث والجنة لنكونن أسعد بها منهم كما أنا أسعد منهم في هذه الدار كما قال تعالى حاكياً عنهم في قوله:{أية : ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى}تفسير : [فصلت: 50] وذلك أنه كثيراً ما يأتي الغلط من أن الإنسان يكون في خير في الدنيا فيظن أن ذلك مانع له من النار لأنه خير في نفس الأمر، أو يظن أن إمهاله وهو على الباطل رضي به، ولا يدري أنه لا يضجر ويقلق ويعجل إلا من يخاف الفوت، أو يكون شيء بغير إرادته: {أيطمع} أي بهذا الإتيان، وعبر بالطمع إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء من غير سبب تعاطوه له. ولما كان إتيانهم على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال: {كل امرىء منهم} أي على انفراده، ولما كان المحبوب دخول الجنة لا كونه من مدخل معين، قال بانياً للمفعول: {أن يدخل} أي بالإهطاع وهو كافر من غير إيمان يزكيه كما يدخل المسلم فيستوي المسيء والمحسن {جنة نعيم *} أي لا شيء فيها غير النعيم في كل ما فيها على تقدير ضبطه.
التستري
تفسير : {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ}[33] قال: قائمون بحفظ ما شهدوا به من شهادة أن لا إله إلا الله، فلا يقعدون عنها في شيء من الأفعال والأقوال والأحوال ولا يفترون. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قال سهل: قائمون بحفظ ما شهدوا به من شهادة أن لا إله إلا الله فلا يشركون به فى شىء من الأفعال والأقوال والأحوال.
القشيري
تفسير : شهادتهم لله بالوحدانية، وفيما بينهم لبعضهم عند بعض - يقومون بحقوق ذلك كله.
البقلي
تفسير : اى الذين شاهدوا مشاهدة الله قائمين فى مقام مشاهدته مستقيمين فى النظر اليه لا يزولون عن مقامهم وهم بشرط محبة الى الابد قائمون ببذل وجودهم واقفون قال سهل قائمون بحفظ ما شهدوا به من شهادة ان لا اله الا الله فلا يشركون به فى شئ من الافعال والاقوال والاحوال.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين هم بشهاداتهم} الباء متعلق بقوله {قائمون} سوآء كانت للتعدية ام للملابسة والجمع باعتبار انواع الشهادة اى مقيمون لها بالعدل ومؤدونها فى وقتها احياء لحقوق الناس فالمراد بالقيام بالشهادة ادآؤها عند الاحكام على من كانت هى عليه من قريب او بعيد شريف او وضيع قال عليه السلام حديث : اذا علمت مثل الشمس فاشهد تفسير : والا فدع وتخصيصها بالذكر مع اندرجها فى الامانات لابانة فضلها لان فى اقامتها احياء الحقوق وتصحيحها وفى كتمها وتركها تضييعها وابطالها وفى الاشباه اذا كان الحق يقوم بغيرها او كان القاضى فاسقا او كان يعلم انها لا تقبل جاز الكتمان وفى فتح الرحمن تحمل الشهادة فرض كفاية وادآؤها اذا تعين فرض عين ولا يحل اخذ اجرة عليها بالاتفاق فاذا طلبه المدعى وكان قريبا من القاضى لزمه المشى اليه وان كان بعيد اكثر من نصف يوم لا يأثم بتخفه لانه يلحقه الضرر وان كان الشاهد يقدر على المشى فأركبه المدعى من عنده لا تقبل شهادته وان كان لا يقدر فأركبه لا بأس به ويقتصر فىالمسلم على ظاهر عدالته عند أبى حنيفة رحمه الله الا فى الحدود والقصاص فان طعن الخصم فيه سأل عنه وقال صاحباه يسأل عنهم فى جميع الحقوق سرا وعلانية وعليه الفتوى وجعل بعضه شهادة التوحيد داخلة فيها كما قال سهل رحمه الله قائمون بحفظ ما شهدوا به من شهادة أن لا اله الا الله فلا يشركون به فى شئ من الافعال والاقوال وقال القاشانى فى الآية اى يعملون بمقتضى شاهدهم من العلم فكل ما شهدوه قاموا بحكمه وصدروا عن حكم شاهدهم لا غير.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَتِهِمْ} وقرأ يعقوب {بشهاداتهم} بالجمع تصريحا بتعدد الانواع واختلافها واما اذا لم يكن الجمع فاللفظ لا يدل على انواع دلالة صريحة بل تستفاد من خارج كذا يظهر لي. {قَآئِمُونَ} أي يؤدونها والشهادة من جملة الامانات وخصت بالذكر لانها افضل واعظم وفي اقامتها احياء الحقوق وفي تركها تضييع الحقوق والقيام بالشهادة أداؤها عند الحاكم مثلا وعدم كتمانها او اذا رأوا حقا اندرس وحرمة انتهكت جاءوا بها لله ولو لم يطلبوا وقيل القيام بها حفظها واتقانها حتى لا يكون زيادة او نقص كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل الشمس فاشهد"تفسير : وقيل: المراد بالشهادة شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وعليه فالجمع في قراءة يعقوب مراعاة لشهادة كل انسان بذلك أو لأن هذه الجملة مشتملة على معان عديدة فالناطق بها ناطق بتلك المعاني كلها. قيل ولكون المراد شهادة ان لا إله إلا الله عطف على الذين قوله.
اطفيش
تفسير : فى التقديم ما مر والقيام بأَداء الشهادة داخل فى رعى العهد وخصه بالذكر قيل لإِبانة فضلها بل لئلا يتوهم أنه غير واجب ولأَنها حق للعبد محض وما كان من الأَمانة حقاً للعبد فهذا احق منه وكذا القيام بأَخذ الشهادة فإِنه فرض كفاية وقد يشمله لفظ الشهادة أى بشهادتهم اللازمة لهم أخذاً وأداء إِلا أن الأَخذ فرض كفاية والأَداء فرض عين وقد يكون الأَخذ فرض عين إِذا لم يوجد من يأْخذ إِلا اثنان مثلاً والأَداء فرض كفاية إِذا لم يمكن أداءها فاحتاج أخذها إِلى من يأْخذها عنه والشهادة كثيرة وأفرد اللفظ لأَنه مصدر وقرأ بعض بالجمع لاختلاف أنواعها، ومن أقر بشئ أو فعله وشاهده إِنسان ولم يحمله الشهادة أو حمله إِياها ولم يقبل وكل من علم بشئ ولم يحمل فيه شهادة لزمه أن يؤديه إِن طلب إِلى أدائه او لم يلزمه إِذ لم يستشهد قولان.
الالوسي
تفسير : مقيمون لها بالعدل غير منكرين لها أو لشيء منها ولا مخفين إحياء لحقوق الناس فيما يتعلق بها وتعظيماً لأمر الله عز وجل فيما يتعلق بحقوقه سبحانه. وخص بعضهم الشهادة بما يتعلق بحقوق العباد وذكر أنها مندرجة في الأمانات إلا أنها خصت بالذكر لإبانة فضلها وجمعها لاختلاف الأنواع ولو لم يعتبر ذلك أفرد على ما قيل لأنها مصدر شامل للقليل والكثير. وقرأ الجمهور بالإفراد على ما سمعت آنفاً.
الشنقيطي
تفسير : قرئ بشهاداتهم بالجمع وقرئ بشهادتهم بالإفراد، فقيل: إن الإفراد يؤدي معنى الجمع للمصدر كما في قوله:{أية : إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ}تفسير : [لقمان: 19]. فأفرد في الصوت مراداً به الأصوات. وقيل: الإفراد لشهادة التوحيد مقيمون عليها. والجمع لتنوع الشهادات بحسب متعقلها، ولا تعارض بين الأمرين فما يشهد لذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}تفسير : [فصلت: 30]. قال أبو بكر رضي الله عنه: أي داموا على ذلك حتى ماتوا عليه. وبدل للثاني عمومات آية الشهادة المتنوعة في البيع والطلاق والكتابة في الدين وغير ذلك، والله تعالى أعلم. وفي هذه الآية عدة مسائل: المسألة الأولى: أطلق القيام بالشهادة هنا وبين أن قيامهم بها إنما هو لله في قوله تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ}تفسير : [الطلاق: 2]، وقوله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ}تفسير : [النساء: 135]. المسألة الثانية: قوله {بِشَهَادَاتِهِمْ قَآئِمُونَ} في معرض المدح، وإخراجهم من وصف {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}تفسير : [المعارج: 19] يدل بمفهومه أن غير القائمين بشهاداتهم غير خارجين من ذلك الوصف الذميم. وقد دلت آيات صريحة على هذا المفهوم، منها قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}تفسير : [البقرة: 283]، وقوله: {أية : وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ}تفسير : [المائدة: 106]. وكذلك في معرض المدح في وصف عباد الرحمن في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ}تفسير : [الفرقان: 72]. وفي الحديث من عظم جرم شهادة الزور، وكان صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس، فقال: "حديث : ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت " تفسير : تنبيه قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَآئِمُونَ} يفيد القيام بالشهادة مطلقاً، وجاء قوله: {أية : وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ}تفسير : [البقرة: 282] فقيد القيام بالشهادة بالدعوة إليها. وفي الحديث: "حديث : خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها ". تفسير : وفي حديث آخر في ذم المبادرة بها، ويشهدون قبل أن يستشهدوا. وقد جمع العلماء بين الحديثين بأن الأول في حالة عدم معرفة المشهود له بما عنده له من شهادة، أو يتوقف على شهادته حق شرعي كرضاع وطلاق ونحوه، والثاني بعكس ذلك. وقد نص ابن فرحون أن الشهادة في حق الله على قسمين، قسم تستديم فيه الحرمة كالنكاح والطلاق، فلا يتركها، وتركها جرحة في عدالته، وقسم لا تستديم فيه الحرمة كالزنى والشرب، فإن تركها أفضل ما لم يدع لأدائها. لحديث هذال في قصة ماعز حيث قال له صلى الله عليه وسلم: "حديث : هلا سترته بردائك " تفسير : المسألة الثالثة: مواطن الشهادة الواردة في القرآن، والتي يجب القيام فيها، نسوقها على سبيل الإجمال. الأول: الإشهاد في البيع في قوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ}تفسير : [البقرة: 282]. الثاني: الطلاق، والرجعة لقوله تعالى: {أية : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُم}تفسير : [الطلاق: 2]. الثالث: كتابة الدَّين لقوله تعالى: {أية : فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ}تفسير : [البقرة: 282] الآية. الرابع: الوصية عند الموت لقوله تعالى: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ}تفسير : [المائدة: 106] الآية. الخامس: دفع مال اليتيم إليه إذ رشد، قوله تعالى: {أية : فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [النساء: 6]. السادس: إقامة الحدود لقوله تعالى:{أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور: 2] السابع: في السنة عقد النكاح لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"تفسير : ، وهذه كلها مواطن هامة تتعلق بحقّ الله وحق العباد من حفظ للمال والعرض والنسب، وفي حق الحي والميت واليتيم والكبير، فهي في شتى مصالح الأمة استوجبت الحث على القيام بها {وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَادِاتِهِمْ قَآئِمُونَ} والتحذير من كتمانها {أية : وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}تفسير : [البقرة: 283]. وقوله: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 140]. وقوله: {أية : وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ}تفسير : [البقرة: 282]. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {أية : وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَآئِمُونَ}تفسير : [المعارج: 33] كلها صيغ الجمع، والشهادة قد تكون من فرد، وقد تكون من اثنين، وقد تكون من ثلاثة، وقد تكون من أربعة، وقد تكون من جماعة. وجملة ذلك أن الشهادة في الجملة من حث الشاهد تكون على النحو الآتي: إجالاً رجل واحد، ورجل ويمين، ورجل وامرأتان، ورجلان، وثلاثة رجال، وأربعة، وطائفة من المؤمنين، وامرأة، وامرأتان، وجماعة الصبيان. وقد جاءت النصوص بذلك صريحة. أما الواحد، فقال تعالى: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ}تفسير : [يوسف: 26]. فهو، وإن كان ملفت النظر إلى القرينة في شق القميص، إلا أنه شاهد واحد. وجاء في السنة: شهادة خزيمة رضي الله عنه، لما شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشراء الفرس من الأعرابي، وجعلها صلى الله عليه وسلم بشهادة رجلين. وجاءت السنة بثبوت شهادة الطبيب والقائف والخارص ونحوهم. وجاء في ثبوت رمضان، فقد قبل صلى الله عليه وسلم شهادة أعرابي، وقبل شهادة عبد الله بن عمر سواء كان قبولها اكتفاء بها أو احتياطاً لرمضان. وأما شهادة الرجل الواحد ويمين المدعي، فلحديث ابن عباس "حديث : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين" تفسير : وتكلم عليه ابن عبد البر، وأطال في تصحيحه وتوجيهه. وعند مالك ومذهب لأحمد شهادة امرأتين، ويمين المدعي، وخالفها الجمهور. وأما شهادة رجل وامرأتين، فلقوله تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ}تفسير : [البقرة: 282] وبين تعالى توجيه ذلك بقوله: {أية : أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ}تفسير : [البقرة: 282]. وبهذا النص رد الجمهور مذهب مالك، والمذهب المحكي عن أحمد لأنه لم ينقل إلا أربع نسوة ولم تستقل النسوية بالشهادة. وأما شهادة الرجلين فلقوله تعالى: {أية : وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُم}تفسير : [البقرة: 282]. وأما ثلاثة رجال، فلقوله صلى الله عليه وسلم في إثبات الفاقة والإعسار. "حديث : حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، فيقولون، لقد أصابت فلانة فاقة"تفسير : . الحديث، وهو حديث قبيصة عند مسلم وأحمد. وأما الأربعة ففي إثبات الزنا خاصة، وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه ذلك في أول سورة النور. وأما الطائفة ففي إقامة الحدود لقوله تعالى:{أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور: 2]. وأما شهادة المرأة ففي أحوال النساء خاصة، كما في حديث عقبة بن الحارث: "حديث : جاءت امرأة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أرضعتهما، فقال له صلى الله عليه وسلم فارقها، فقال: كيف أفارقها لقول امرأة؟ فقال له: كيف وقد قيل؟"تفسير : وقد وقع الخلاف في قبول شهادتها وحدها ولكن الصحيح ما قدمنا. وأما المرأتان فعند من لم يقبل شهادة المرأة، وقيل عند استهلال الصبي، لأن الغالب حضور أكثر من واحدة. وأما جماعة الصبيان ففي جناياتهم على بعض، وقبل أن يتفرقوا ولم يدخل فيهم كبير. وفيه خلاف. ورجح الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعيله العمل بها في مذكرة أصول الفقه، في مبحث رواية الصغار. المسألة الخامسة: اتفقوا أنه لا دخل للنساء في الشهادة في الحدود، وإنما تكون في المال أو ما يؤول إلى المال، فيما يتعلق بما تحت الثياب من النساء. وفي الشهادة مباحث عديدة مبسوطة في كتب الفقه وكتب القضاء، كتبصرة الحكام لابن فرحون وغيره. وقد بسط ابن القيم الكلام عليها في الطرق الحكمية وابن فرحون في تبصرة الحكام لمن أحب الرجوع إليه، ولكن مما لا بد منه هو شروط الشاهد المعتبرة، وكلها تدور على ما تحصل به الطمأنينة إلى الحق المشهود به لأمرين أساسيين هما الضبط، كما في قوله تعالى في حق النسوة {أية : أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ}تفسير : [البقرة: 282]. والثاني العدالة والصدق، كما في قوله تعالى: {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ}تفسير : [الحجرات: 6] وهنا مبحث مشهور، وهو: هل الأصل في المسلمين العدالة حتى تظهر جرحه أم العكس؟ والصحيح الأول. وقد كان العمل على ذلك إلى أن جاء رجل من العراق لعمر رضي الله عنه فقال له: أدرك الناس لقد تفشت شهادة الزور. فقال عمر: بتزكية الشهود وإثبات عدالتهم. قد أورد ابن فرحون في مراتب الشهود إحدى عشرة مرتبة وهي: الأولى: الشاهد المبرز في العدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته في كل شيء، وتجريحه ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به من ذلك كله إذا أبهمه، ولا يقبل فيه التجريح إلا بالعداوة. الثانية: المبرز في العدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، فحكمه كالأول، إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك. الثالثة: الشاهد المعروف بالعدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته إلا في ستة مواضع على اختلاف في بعضها، وهي التزكية، شهادته لأخيه ولمولاه ولصديقه الملاطف ولشريكه في غير التجارة، وإذا زاد في شهادته أو نقص فيها، ويقبل فيها التجريح بالعداوة وغيرها، ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك. الرابعة: المعروف بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، حكمه كذلك إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك. الخامس: الشاهد المعروف بالعدالة إذا قذف قبل أن يحد فاختلف في قبول شهادته، وأجازها ابن القاسم، وهو مذهب مالك. السادسة: الذي يتوسم فيه العدالة تجوز دون تزكية فيما يقع بين المسافرين في السفر من المعاملات، وفيما عدا ذلك لا بد من تزكيته، لأنه هو المعروف بمجهول الحال. والصحيح أن مثله لا بد من التحري عنه حتى ينكشف أمره. السابعة: الذي لا يتوسم فيه العدالة ولا الجرحة فلا تجوز شهادته في موضع من المواضع دون تزكية، إلا أن شهادته تكون شبيهة في بعض المواضع عند بعض العلماء، فتوجب اليمين وتوجب الحميل وتوقيف الشيء على المدعى عليه. الثامنة: الذي يتوسم فيه الجرحة فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تكون شهادته شبهة توجب حكماً. التاسعة: الشاهد الذي ثبت عليه جرحة قديمة أو يعلمها الحاكم فيه، فلا تجوز شهادته دون تزكية ولا تقبل فيه التزكية على الإطلاق، وإنما تقبل ممن علم بجرحته إذا شهد على توبته منها، ونزوعه منها، والمحدود في القذف بمنزلته على مذهب مالك، لأن تزكيته لا تجوز على الإطلاق، وإنما تجوز بمعرفة تزيده في الخير. العاشرة: المقيم على الجرحة المشهود بها، فلا تجوز شهادته ولا تقبل التزكية فيه، وإن زكى، وإنما تقبل تزكيته فيما يستقبل إذا تاب. الحادية عشر: شاهد الزور، فلا تصح شهادته وإن تاب وحسنت حاله، وروى أبو زيد عن ابن القاسم: أن شهادته تجوز إذا تاب وعرفت توبته بتزيد حاله في الصلاح. قال: ولا أعلمه إلا في قول مالك، فقيل: إن ذلك اختلاف من القول. وقيل: معنى رواية أبي زيد إذا جاء تائباً مقراً على نفسه بشهادة الزور قبل أن تظهر عليه، وهو الأظهر والله سبحانه وتعالى اعلم اهـ. وقد أوردنا هذه المراتب لأنها شملت أنواع الشهود قوة وضعفاً، وفيما تقبل شهاداتهم. تنبيه وقد قيل في تفريق الشهود: إن هذا في الزنا خاصة، وقيل: للقاضي أن يفرقهم متى ما رأى ذلك، وأن أول من فرقهم عليّ رضي الله عنه، وذكر الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه تفريق الشهود في قصة سليمان، وهو كلام في قضية المرأة التي رُميت بالزنا، واختلف في تحليف الشاهد. فالجمهور: لا يحلف، ورجح ابن القيم جوازه فيما تقبل شهادته للضرورة كالمرأة الواحدة، والكافر في السفر، ومدار قبول الشهادة على الطمأنينة لصدق الشاهد، وذلك يدور على أصلين: الأول: هو الضابط كما في قوله تعالى: {أية : أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ}تفسير : [البقرة: 282]. والثانية: العدالة كما في قوله تعالى {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ}تفسير : [الحجرات: 6] والعلم عند الله تعالى. وللشهادة مباحث عديدة اكتفينا بما أوردنا. وقد بحث ابن القيم رحمه الله مباحث الشهادة من حيث العدد والموضوع في كتاب الطرق الحكمية. تنبيه للشهادة علاقة باليمين في الحكم، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم "شاهدان أو يمينه". فما هي تلك العلاقة، وبين هذه العلاقة قوله تعالى: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}تفسير : [الأنعام: 19] وقوله {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}تفسير : [فصلت: 53]، وقوله: {أية : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}تفسير : [الأنبياء: 78]، وقوله: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدَاً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}تفسير : [الأحقاف: 8] ونحو ذلك من الآيات، لأنه تعالى: شاهد ومطلع على أحوال العباد لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، فإذا اعوز المدعي شاهداً حلف مع الشاهد كأنه قال: أستشهد بالله الذي يعلم مني صدق دعواي. وكذلك المدعى عليه إذا عجز المدعي عن البينة كانت الدعوى متوجهة، ومما يشبه، كما يقول المالكية: فإن المدعى عليه يقول لدى البينة والشهادة على عدم ثبوت ما ادعى به على ألا، وهو خير الشاهدين. من هو أكبر شهادة مما عجز عنها المدعي ألا وهو الاستشهاد بالله تعالى، فيحلف على براءة ذمته مما ادعى به عليه. تنبيه ومن هنا يعلم حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف بغير الله فقد أشرك"تفسير : أي لأن الحالف يقيم المحلوف به مقام الشهود الذين رأوا أو سمعوا، والمحلوف إذا كان غائباً لا يرى ولا يسمع، فإذا حلف به كان قد أعطاه صفات من يرى ويسمع، والحال أنه بخلاف ذلك، ومن ناحية أخرى الحالف والمستحلف بالله يعلمان أن الله تعالى قادر على أن ينتقم من صاحب اليمين الغموس، وغير الله إذا ما حلف به لا يقوى ولا قدر على شيء من ذلك والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِشَهَادَاتِهِم} {قَائِمُونَ} (33) - وَالذِينَ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ، إِذَا دُعُوا إِلَى أَدَائِهَا عِنْدَ الحُكَّامِ، وَلاَ يَكْتمُونَهَا وَلاَ يُغَيِّرُونَهَا، والشَّهَادَةُ أَمَانَةٌ مِنَ الأَمَانَاتِ التِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَدَائِهَا عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ والصَّحِيحِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):