٧١ - نُوح
71 - Nouh (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ } في قوله: {أن } وجهان أحدهما: أصله بأن أنذر فحذف الجار وأوصل الفعل، والمعنى أرسلناه بأن قلنا له: أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإنذار الثاني قال الزجاج: يجوز أن تكون مفسرة والتقدير: إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أي أنذر قومك وقرأ ابن مسعود، {أُنذِرَ } بغير أن على إرادة القول. ثم قال: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال مقاتل يعني الغرق بالطوفان. واعلم أن الله تعالى لما أمره بذلك امتثل ذلك الأمر.
القرطبي
تفسير : قد مضى القول في «الأعراف» أن نُوحاً عليه السلام أوّل رسول أرسِل. ورواه قتادة عن ابن عباس: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أوّل رسول أرسِل نوح وأرسِل إلى جميع أهل الأرض»تفسير : . فلذلك لما كفروا أغرق الله أهل الأرض جميعاً. وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس بن يرد بن مهلايل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم عليه السلام. قال وهب: كلهم مؤمنون. أُرسل إلى قومه وهو ابن خمسين سنة. وقال ابن عباس: ابن أربعين سنة. وقال عبد الله بن شدّاد: بُعث وهو ابن ثلثمائة وخمسين سنة. وقد مضى في سورة «العنكبوت» القول فيه. والحمد لله. {أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ} أي بأن أنذر قومك، فموضع «أن» نصب بإسقاط الخافض. وقيل: موضعها جَرٌّ لقوّة خِدْمتها مع «أن». ويجوز «أن» بمعنى المفسّرة فلا يكون لها موضع من الإعراب، لأن في الإرسال معنى الأمر، فلا حاجة إلى إضمار الباء. وقراءة عبد الله «أنْذِرْ قَوْمَكَ» بغير «أن» بمعنى قلنا له أنذر قومك. وقد تقدم معنى الإنذار في أوّل «سورة البقرة». {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال ابن عباس: يعني عذاب النار في الآخرة. وقال الكلبيّ: هو ما نزل عليهم من الطوفان. وقيل: أي أنذرهم العذاب الأليم على الجملة إن لم يؤمنوا. فكان يدعو قومه وينذرهم فلا يرى منهم مجيباً، وكانوا يضربونه حتى يُغشى عليه فيقول، «ربّ ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».. وقد مضى هذا مستوفًى في سورة «العنكبوت» والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها تسع أو ثمان وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ } أي بأن أي بالإِنذار، أو بأن قلنا له {أُنذِرَ }، ويجوز أن تكون مفسرة لتضمن الإِرسال معنى القول، وقرىء بغير {أن } على إرادة القول. {قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } عذاب الآخرة أو الطوفان. {قَالَ يَـا قَوْم إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ } مر في «الشعراء» نظيره وفي {أن } يحتمل الوجهان. {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } يغفر لكم بعض ذنوبكم وهو ما سبق فإن الإِسلام يجبه فلا يؤاخذكم به في الآخرة {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو أقصى ما قُدِّر لكم بشرط الإِيمان والطاعة. {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ } إن الأجل الذي قدره. {إِذَا جَاء } على الوجه المقدر به آجلاً وقيل إذا جاء الأجل الأطول. {لاَ يُؤَخَّرُ } فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير. {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } لو كنتم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذلك، وفيه أنهم لانهماكهم في حب الحياة كأنهم شاكون في الموت. {قَالَ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } أي دائماً. {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } عن الإِيمان والطاعة، وإسناد الزيادة إلى الدعاء على السببية كقوله: {أية : فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً }تفسير : [التوبة: 124] {وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ } إلى الإِيمان. {لِتَغْفِرَ لَهُمْ } بسببه. {جَعَلُواْ أَصَـٰبِعَهُمْ فِى ءَاذٰنِهِمْ } سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة. {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ } تغطوا بها لئلا يروني كراهة النظر إلي من فرط كراهة دعوتي أو لئلا أعرفهم فأدعوهم، والتعبير بصيغة الطلب للمبالغة. {وَأَصَرُّواْ } وأكبوا على الكفر والمعاصي مستعار من أصر الحمار على العانة إذا صر أذنيه وأقبل عليها. {وَٱسْتَكْبَرُواْ } عن اتباعي. {ٱسْتِكْبَاراً } عظيماً. {ثُمَّ إِنّى دَعَوْتُهُمْ جِهَـٰراً ثُمَّ إِنّى أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً } أي دعوتهم مرة بعد أخرى وكرة بعد أولى على أي وجه أمكنني، و {ثُمَّ } لتفاوت الوجوه فإن الجهار أغلظ من الإِسرار والجمع بينهما أغلظ من الإِفراد لتراخي بعضها عن بعض، و {جِهَـٰراً } نصب على المصدر لأنه أحد نوعي الدعاء، أو صفة مصدر محذوف بمعنى دعاء {جِهَـٰراً } أي مجاهراً به أو الحال فيكون بمعنى مجاهراً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام: أنه أرسله إلى قومه آمراً له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا، رفع عنهم. ولهذا قال تعالى. { أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي: بين النذارة، ظاهر الأمر واضحه، {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ}، أي: اتركوا محارمه، واجتنبوا مآثمه {وَأَطِيعُونِ} فيما آمركم به، وأنهاكم عنه {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: إذا فعلتم ما آمركم به، وصدقتم ما أرسلت به إليكم، غفر الله لكم ذنوبكم، و (من) ههنا قيل: إنها زائدة، ولكن القول بزيادتها في الإثبات قليل، ومنه قول بعض العرب: قد كان من مطر، وقيل: إنها بمعنى (عن) تقديره: يصفح لكم عن ذنوبكم، واختاره ابن جرير: وقيل: إنها للتبعيض، أي: يغفر لكم الذنوب العظيمة التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} أي: يمد في أعماركم، ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما نهاكم عنه، أوقعه بكم، وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبرّ وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة؛ كما ورد به الحديث: «حديث : صلة الرحم تزيد في العمر» تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة؛ فإنه إذا أمر تعالى بكون ذلك، لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قد قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزّته جميع المخلوقات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ } أي بإنذار {قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ } إن لم يؤمنوا {عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم في الدنيا والآخرة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ } قد تقدّم أن نوحاً أوّل رسول أرسله الله، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ بن قينان بن شيث بن آدم، وقد تقدّم مدّة لبثه في قومه، وبيان جميع عمره، وبيان السنّ التي أرسل وهو فيها في سورة العنكبوت. {أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ } أي: بأن أنذر على أنها مصدرية. ويجوز أن تكون هي المفسرة؛ لأن في الإرسال معنى القول. وقرأ ابن مسعود {أنذر} بدون أن، وذلك على تقدير القول، أي فقلنا له: أنذر {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: عذاب شديد الألم، وهو عذاب النار. وقال الكلبي: هو ما نزل بهم من الطوفان. وجملة: {قَالَ يَـا قَوْمٌ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } مستأنفة استئنافاً بيانياً على تقدير سؤال، كأنه قيل: فماذا قال نوح؟ فقال: قال لهم إلخ. والمعنى: إني لكم منذر من عقاب الله ومخوّف لكم، ومبين لما فيه نجاتكم. {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ } «أن» هي التفسيرية لنذير، أو هي المصدرية أي: بأن اعبدوا الله ولا تشركوا به غيره، {واتقوه} أي: اجتنبوا ما يوقعكم في عذابه، {وأطيعون} فيما آمركم به فإني رسول إليكم من عند الله. {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } هذا جواب الأمر، و«من» للتبعيض، أي: بعض ذنوبكم، وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة دعوته. وقال السديّ: المعنى يغفر لكم ذنوبكم، فتكون «من» على هذا زائدة. وقيل: المراد بالبعض: ما لا يتعلق بحقوق العباد. وقيل: هي لبيان الجنس. وقيل: يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } أي: يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى الذي قدّره الله لكم بشرط الإيمان والطاعة فوق ما قدّره لكم، على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان. وقيل: التأخير بمعنى البركة في أعمارهم أن آمنوا، وعدم البركة فيها إن لم يؤمنوا. قال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى آجالكم. وقال الزجاج: أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب. وقال الفراء: المعنى لا يميتكم غرقاً ولا حرقاً ولا قتلاً {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ } أي: ما قدّره لكم على تقدير بقائكم على الكفر من العذاب إذا جاء، وأنتم باقون على الكفر لا يؤخر بل يقع لا محالة، فبادروا إلى الإيمان والطاعة. وقيل المعنى: إن أجل الله، وهو الموت إذا جاء لا يمكنكم الإيمان. وقيل المعنى: إذا جاء الموت لا يؤخر سواء كان بعذاب أو بغير عذاب {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: شيئًا من العلم لسارعتم إلى ما أمرتكم به، أو لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر. {قَالَ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } أي: قال نوح منادياً لربه، وحاكياً له ما جرى بينه وبين قومه، وهو أعلم به منه إني دعوت قومي إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان دعاء دائماً في الليل والنهار من غير تقصير. {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } عما دعوتهم إليه وبعداً عنه. قال مقاتل: يعني تباعداً من الإيمان، وإسناد الزيادة إلى الدعاء؛ لكونه سببها، كما في قوله: {أية : زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً } تفسير : [الأنفال: 2]. قرأ الجمهور: "دعائي" بفتح الياء، وقرأ الكوفيون، ويعقوب، والدوري عن أبي عمرو بإسكانها، والاستثناء مفرّغ. {وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ } أي: كلما دعوتهم إلى سبب المغفرة، وهو الإيمان بك، والطاعة لك {جَعَلُواْ أَصَـٰبِعَهُمْ فِى ءاذٰنِهِمْ } لئلا يسمعوا صوتي {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ } أي: غطوا بها وجوههم لئلا يروني. وقيل: جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي، فيكون استغشاء الثياب على هذا زيادة في سدّ الآذان. وقيل: هو كناية عن العداوة. يقال: لبس فلان ثياب العداوة. وقيل: استغشوا ثيابهم لئلا يعرفهم فيدعوهم {وَأَصَرُّواْ } أي: استمروا على الكفر، ولم يقلعوا عنه ولا تابوا منه {وَٱسْتَكْبَرُواْ } عن قبول الحق، وعن امتثال ما أمرهم به {ٱسْتِكْبَاراً } شديداً. {ثُمَّ إِنّى دَعَوْتُهُمْ جِهَـٰراً } أي: مظهراً لهم الدعوة مجاهراً لهم بها. {ثُمَّ إِنّى أَعْلَنْتُ لَهُمْ } أي: دعوتهم معلناً لهم بالدعاء {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً } أي: وأسررت لهم الدعوة إسراراً كثيراً. قيل المعنى: أن يدعو الرجل بعد الرجل يكلمه سراً فيما بينه وبينه، والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة، فلم ينجع ذلك فيهم. قال مجاهد: معنى أعلنت صحت. وقيل: معنى {أسررت}: أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها. وانتصاب {جهاراً} على المصدرية؛ لأن الدعاء يكون جهاراً ويكون غير جهار، فالجهار نوع من الدعاء كقولهم: قعد القرفصاء، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف، أي: دعاء جهاراً، وأن يكون مصدراً في موضع الحال أي: مجاهراً، ومعنى "ثم": الدلالة على تباعد الأحوال؛ لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من أحدهما. قرأ الجمهور: {إني} بسكون الياء، وقرأ أبو عمرو والحرميون بفتحها. {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } أي: سلوه المغفرة من ذنوبكم السابقة بإخلاص النية {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } أي: كثير المغفرة للمذنبين. وقيل: معنى {استغفروا}: توبوا عن الكفر إنه كان غفاراً للتائبين {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } أي: يرسل ماء السماء عليكم، ففيه إضمار. وقيل: المراد بالسماء المطر، كما في قول الشاعر:شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : والمدرار: الدرور، وهو التحلب بالمطر، وانتصابه إما على الحال من السماء، ولم يؤنث، لأن مفعالاً لا يؤنث؛ تقول امرأة مئناث ومذكار، أو على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إرسالاً مدراراً، وقد تقدّم الكلام عليه في سورة الأنعام، وجزم يرسل لكونه جواب الأمر. وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق، ولهذا قال: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ } يعني: بساتين {وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } جارية. قال عطاء: المعنى يكثر أموالكم وأولادكم. أعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } أي: أيّ عذر لكم في ترك الرجاء، والرجاء هنا بمعنى الخوف، أي: ما لكم لا تخافون الله، والوقار العظمة من التوقير، وهو التعظيم، والمعنى لا تخافون حقّ عظمته، فتوحدونه وتطيعونه، و {لاَ تَرْجُونَ } في محل نصب على الحال من ضمير المخاطبين، والعامل فيه معنى الاستقرار في لكم، ومن إطلاق الرجاء على الخوف قول الهذلي:شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها تفسير : وقال سعيد بن جبير، وأبو العالية، وعطاء بن أبي رباح: ما لكم لا ترجون لله ثواباً، ولا تخافون منه عقاباً. وقال مجاهد، والضحاك: ما لكم لا تبالون لله عظمة. قال قطرب: هذه لغة حجازية. وهذيل، وخزاعة، ومضر يقولون: لم أرج: لم أبل. وقال قتادة: ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان. وقال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيراً. وقال ابن زيد: ما لكم لا تؤدّون لله طاعة. وقال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقاً، ولا تشكرون له نعمة، وجملة: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } في محل نصب على الحال، أي: والحال أنه سبحانه قد خلقكم على أطوار مختلفة: نطفة، ثم مضغة، ثم علقة إلى تمام الخلق، كما تقدّم بيانه في سورة المؤمنين، والطور في اللغة المرّة، وقال ابن الأنباري: الطور الحال، وجمعه أطوار. وقيل: أطواراً صبياناً، ثم شباناً، ثم شيوخاً. وقيل: الأطوار اختلافهم في الأفعال والأقوال والأخلاق، والمعنى: كيف تقصرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة؟ {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ طِبَاقاً } الخطاب لمن يصلح له، والمراد: الاستدلال بخلق السمٰوات على كمال قدرته وبديع صنعه، وأنه الحقيق بالعبادة، والطباق المتطابقة بعضها فوق بعض كل سماء مطبقة على الأخرى كالقباب قال الحسن: خلق الله سبع سمٰوات على سبع أرضين بين كل سماء وسماء، وأرض وأرض خلق وأمر، وقد تقدّم تحقيق هذا في قوله: {أية : وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ }تفسير : [الطلاق: 12] وانتصاب {طباقاً} على المصدرية، تقول: طابقه مطابقة، وطباقاً، أو حال بمعنى ذات طباق، فحذف ذات وأقام طباقاً مقامه، وأجاز الفراء في غير القرآن جرّ {طباقاً} على النعت {وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً } أي: منوّراً لوجه الأرض، وجعل القمر في السمٰوات مع كونها في سماء الدنيا؛ لأنها إذا كانت في إحداهنّ فهي فيهنّ، كذا قال ابن كيسان. قال الأخفش: كما تقول: أتاني بنو تميم، والمراد بعضهم. وقال قطرب: فيهنّ بمعنى معهنّ، أي: خلق القمر والشمس مع خلق السمٰوات والأرض، كما في قول امرىء القيس:شعر : وهل ينعمن من كان آخر عهده ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال تفسير : أي: مع ثلاثة أحوال {وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً } أي: كالمصباح لأهل الأرض؛ ليتوصلوا بذلك إلى التصرّف فيما يحتاجون إليه من المعاش. {وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } يعني: آدم خلقه الله من أديم الأرض، والمعنى: أنشأكم منها إنشاء، فاستعير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكوين، و{نباتاً} إما مصدر لأنبت على حذف الزوائد، أو مصدر لفعل محذوف، أي: أنبتكم من الأرض، فنبتم نباتاً. وقال الخليل، والزجاج: هو مصدر محمول على المعنى؛ لأن معنى {أنبتكم}: جعلكم تنبتون نباتاً. وقيل المعنى: والله أنبت لكم من الأرض النبات، فنباتاً على هذا مفعول به. قال ابن بحر: أنبتهم في الأرض بالكبر بعد الصغر، وبالطول بعد القصر. {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا } أي: في الأرض {وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً } يعني: يخرجكم منها بالبعث يوم القيامة. {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً } أي: فرشها وبسطها لكم تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم. {لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } أي: طرقاً واسعة، والفجاج جمع فج، وهو الطريق الواسع، كذا قال الفراء، وغيره. وقيل الفج: المسلك بين الجبلين، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الأنبياء وفي سورة الحج مستوفى. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {َجعلوا أصابعهم في آذانهم} قال: لئلا يسمعوا ما يقول {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ } قال: ليتنكروا، فلا يعرفهم {وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً } قال: تركوا التوبة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عنه {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ } قال: غطوا وجوههم لئلا يروا نوحاً ولا يسمعوا كلامه. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والبيهقي في الشعب عنه أيضاً في قوله: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } قال: لا تعلمون لله عظمة. وأخرج ابن جرير، والبيهقي عنه أيضاً: {وَقَاراً } قال: عظمة. وفي قوله: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } قال: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: لا تخافون لله عظمة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: لا تخشون له عقاباً ولا ترجون له ثواباً. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عليّ بن أبي طالب: «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى ناساً يغتسلون عراة ليس عليهم أزر، فوقف، فنادى بأعلى صوته {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً }». وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمرو قال: الشمس والقمر، وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك عليكم أنه من كتاب الله: {وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً }. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمر قال: تضيء لأهل السمٰوات، كما تضيء لأهل الأرض. وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال: اجتمع عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب الأحبار وقد كان بينهما بعض العتب، فتعاتبا فذهب ذلك، فقال عبد الله بن عمرو لكعب: سلني عما شئت، فلا تسألني عن شيء إلاّ أخبرتك بتصديق قولي من القرآن، فقال له: أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السمٰوات السبع، كما هو في الأرض؟ قال: نعم ألم تروا إلى قول الله {خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً }. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه عن ابن عباس: {وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً } قال: وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الأرض. وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه: {وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً } قال: خلق فيهنّ حين خلقهنّ ضياء لأهل الأرض، وليس في السماء من ضوئه شيء، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً: {سُبُلاً فِجَاجاً } قال: طرقاً مختلفة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إنا أَرْسَلْنا نُوحاً إلى قَوْمِه} روى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أول نبي أُرسل نوح"، تفسير : قال قتادة: بعث من الجزيرة. واختلف في سنه حين بعث: قال ابن عباس: بعث وهو ابن أربعين سنة. وقال عبد اللَّه بن شداد: بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. وقال إبراهيم بن زيد: إنما سمي نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه في الدنيا. {أنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أن يأتيَهم عَذابٌ أَليمٌ} فيه وجهان: أحدهما: يعني عذاب النار في الآخرة، قاله ابن عباس. الثاني: عذاب الدنيا، وهو ما ينزل عليهم بعد ذلك من الطوفان، قاله الكلبي، وكان يدعو قومه وينذرهم فلا يرى منهم مجيباً، وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه، فيقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. {يَغْفِرْ لكم مِن ذُنوبكم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن "من" صلة زائدة، ومعنى الكلام يغفر ذنوبكم، قاله السدي. الثاني: أنها ليست صلة، ومعناه يخرجكم من ذنوبكم، قاله زيد بن أسلم. الثالث: معناه يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها، قاله ابن شجرة. {ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسمى} يعني إلى موتكم وأجلكم الذي خط لكم، فيكون موتكم بغير عذاب إن آمنتم. {إنّ أَجَلَ اللَّه إذا جاءَ لا يُؤخَّرُ لو كنتم تَعْلَمونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني بأجل اللَّه الذي لا يؤخر يوم القيامة، جعله اللَّه أجلاً للبعث، قاله الحسن. الثاني: يعني أجل الموت إذا جاء لم يؤخر، قاله مجاهد. الثالث: يعني أجل العذاب إذا جاء لا يؤخر، قاله السدي. وفي قوله: " لو كنتم تعلمون" وجهان: أحدهما: أن ذلك بمعنى إن كنتم تعلمون. الثاني: لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل اللَّه إذا جاء لا يؤخر، قاله الحسن.
ابن عطية
تفسير : "نوح" عليه السلام هو نوح بن لامك، وقد مر ذكره وذكر عمره صلى الله عليه وسلم، وصرف نوح مع عجمته وتعريفه لخفته وسكون الوسط من حروفه، وقوله: {أن أنذر قومك} يحتمل أن تكون {أن}: مفسرة لا موضع لها من الإعراب، ويحتمل أن يكون التقدير "بأن أنذر قومك" وهي على هذا في موضع نصب عند قوم من النحاة، وفي موضع خفض عند آخرين، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "إلى قومه أنذر قومك" دون {أن}، والعذاب الذي توعدوا به: يحتمل أن يكون عذاب الدنيا وهو الأظهر والأليق بما يأتي بعد، ويحتمل أن يكون عذاب الآخرة. وقرأ جمهور السبعة: "أنُ اعبدوا"، بضم النون من "أن" إتباعاً لضمة الباء وتركاً لمراعاة الحائل لخفة السكون، فهو كأن ليس ثم حائل. وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو، وفي رواية عبد الوارث "أنِ اعبدوا"، بكسر النون وهذا هو الأصل في التقاء الساكنين من كلمتين. و {يغفر} جواب الأمر وقوله تعالى: {من ذنوبكم} قال قوم {من} زائدة، وهذا نحو كوفي، وأما الخليل وسيبويه فلا يجوز عندهم زيادتها في الواجب، وقال قوم: هي لبيان الجنس، وهذا ضعيف لأنه ليس هنا جنس يبين، وقال آخرون هي بمعنى "عن". وهذا غير معروف في أحكام "من"، وقال آخرون: هي لابتداء الغاية وهذا قول يتجه كأنه يقول يبتدئ الغفران من هذه الذنوب العظام التي لهم. وقال آخرون: هي للتبعيض، وهذا عندي أبين الأقوال، وذلك أنه لو قال: "يغفر لكم ذنوبكم" لعم هذا اللفظ ما تقدم من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يجبُّ ما قبله، فهي بعض من ذنوبهم، فالمعنى يغفر لكم ذنوبكم، وقال بعض المفسرين: أراد {يغفر لكم من ذنوبكم} المهم الموبق الكبير لأنه أهم عليهم، وبه ربما كان اليأس عن الله قد وقع لهم وهذا قول مضمنه أن {من} للتبعيض والله تعالى الموفق. وقرأ أبو عمرو: {يغفر لكم} بالإدغام، ولا يجيز ذلك الخليل وسيبويه، لأن الراء حرف مكرر، فإذا أدغم في اللام ذهب التكرير واختل المسموع. وقوله تعالى: {ويؤخركم إلى أجل مسمى} مما تعلق المعتزلة به في قولهم: إن للإنسان أجلين، وذلك أنهم قالوا: لو كان واحداً محدوداً لما صح التأخير، إن كان الحد قد بلغ ولا المعاجلة إن كان الحد لم يبلغ. قال القاضي أبو محمد: وليس لهم في الآية تعلق، لأن المعنى أن نوحاً عليه السلام، لم يعلم هل هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل؟ ولا قال لهم: إنكم تؤخرون عن أجل قد حان لكم، لكن قد سبق في الأزل أنهم إما ممن قضى لهم بالإيمان والتأخير وإما ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة، فكأن نوحاً عليه السلام قال لهم: آمنوا يبين لكم أنكم ممن قضي لهم بالإيمان والتأخير، وإن بقيتم فسيبين لكم أنكم ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة ثم تشدد هذا المعنى ولاح بقوله: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر}. وقد حكى مكي القول بالأجلين ولم يقدره قدره، وجواب {لم}، مقدر يقتضيه اللفظ كأنه قال: فما كان أحزمكم أو أسرعكم إلى التوبة {لو كنتم تعلمون}.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَذَابٌ أَلِيمٌ} بنار الآخرة "ع" أو عذاب الدنيا بالطوفان فأنذرهم فلم ير مجيباً وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه فيقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
النسفي
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً } قيل: معناه بالسريانية الساكن {إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ } خوّف أصله بأن أنذر فحذف الجار وأوصل الفعل. ومحله عند الخليل جر، وعند غيره نصب، أو «أن» مفسرة بمعنى «أي» لأن في الإرسال معنى القول {قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } عذاب الآخرة أو الطوفان {قَالَ يٰقَوْمِ } أضافهم إلى نفسه إظهاراً للشفقة {إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ } مخوف {مُّبِينٌ } أبين لكم رسالة الله بلغة تعرفونها {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحدوه و «أن» هذه نحو {أَنْ أَنذِرِ } في الوجهين {وَٱتَّقُوهُ } واحذروا عصيانه {وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وإنما اضافه إلى نفسه لأن الطاعة قد تكون لغير الله تعالى بخلاف العبادة {يَغْفِرْ لَكُمْ } جواب الأمر {مّن ذُنُوبِكُمْ } للبيان كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأوْثَـٰنِ }تفسير : [الحج: 30]. أو للتبعيض لأن ما يكون بينه وبين الخلق يؤاخذ به بعد الإسلام كالقصاص وغيره كذا في شرح التأويلات. {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهو وقت موتكم {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ } أي الموت {إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء أجلكم لآمنتم. قيل: إن الله تعالى قضى مثلاً أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة وإن لم يؤمنوا أهلكهم على رأس تسعمائة، فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى أي تبلغوا ألف سنة، ثم أخبر أن الأجل إذا جاء لا يؤخر كما يؤخر هذا الوقت. وقيل: إنهم كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه السلام، فكأنه عليه السلام أمّنهم من ذلك ووعدهم أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا أي أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى أجل مسمى آمنين من عدوكم. {قَالَ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } دائباً بلا فتور {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِى إِلاَّ فِرَاراً } عن طاعتك، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده وإن لم يكن الدعاء سبباً للفرار في الحقيقة وهو كقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ }تفسير : [التوبة: 125]. والقرآن لا يكون سبباً لزيادة الرجس وكان الرجل يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام فيقول: احذر هذا فلا يغرنك فإن أبي قد وصاني به {وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ } إلى الإيمان بك {لِتَغْفِرَ لَهُمْ } أي ليؤمنوا فتغفر لهم فاكتفى بذكر المسبب {جَعَلُواْ أَصَـٰبِعَهُمْ فِى * ءاذَانِهِمْ } سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ } وتغطوا بثيابهم لئلا يبصرون كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله {وَأَصَرُّواْ } وأقاموا على كفرهم {وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً } وتعظموا عن إجابتي، وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. {ثُمَّ إِنّى دَعَوْتُهُمْ جِهَـٰراً } مصدر في موضع الحال أي مجاهراً، أو مصدر دعوتهم كـ «قعد القرفصاء» لأن الجهار أحد نوعي الدعاء يعني أظهرت لهم الدعوة في المحافل {ثُمَّ إِنّى أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً } أي خلطت دعاءهم بالعلانية بدعاء السر، فالحاصل أنه دعاهم ليلاً ونهاراً في السر، ثم دعاهم جهاراً، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل الآمر بالمعروف يبتدىء بالأهون ثم بالأشد فالأشد، فافتتح بالمناصحة في السر فلما لم يقبلوا ثنّى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلّث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و «ثُم» تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } من الشرك لأن الاستغفار طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافراً فهو من الكفر، وإن كان عاصياً مؤمناً فهو من الذنوب {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } لم يزل غفاراً لذنوب من ينيب إليه {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء } المطر {عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } كثيرة الدرور ومفعال يستوي فيه المذكر والمؤنث {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ } يزدكم أموالاً وبنين {وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ } بساتين {وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } جارية لمزارعكم وبساتينكم، وكانوا يحبون الأموال والأولاد فحرّكوا بهذا على الإيمان. وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين، فوعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار فقيل له: ما رأيناك استسقيت! فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر. شبه عمر الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطىء وقرأ الآيات. وعن الحسن أن رجلاً شكا إليه الجدب فقال: استغفر الله. وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار. فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبواباً فأمرتهم كلهم بالاستغفار فتلا الآيات. {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } لا تخافون لله عظمة. عن الأخفش قال: والرجاء هنا الخوف لأن مع الرجاء طرفاً من الخوف ومن اليأس والوقار العظمة، أو لا تأملون له توقيراً أي تعظيماً. والمعنى ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } في موضع الحال أي ما لكم لا تؤمنون بالله والحال هذه، وهي حال موجبة للإيمان به لأنه خلقكم أطواراً أي تارات وكرّاتٍ خلقكم أولاً نطفاً ثم خلقكم علقاً ثم خلقكم مضغاً ثم خلقكم عظاماً ولحماً، نبههم أولاً على النظر في أنفسكم لأنها أقرب، ثم على النظر في العالم وما سوّى فيه من العجائب الدالة على الصانع بقوله {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوٰتٍ طِبَاقاً } بعضاً على بعض {وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً } أي في السماوات وهو في السماء الدنيا، لأن بين السماوات ملابسة من حيث إنها طباق وجاز أن يقال فيهن كذا وإن لم يكن في جميعهن كما يقال: في المدينة كذا وهو في بعض نواحيها. وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم. أن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماوات، وظهورهما مما يلي الأرض، فيكون نور القمر محيطاً بجميع السماوات لأنها لطيفة لا تحجب نوره {وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً } مصباحاً يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، وضوء الشمس أقوى من نور القمر، وأجمعوا على أن الشمس في السماء الرابعة {وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ } أنشأكم استعير الإنبات للإنشاء {نَبَاتاً } فنبتم نباتاً {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا } بعد الموت {وَيُخْرِجُكُمْ } يوم القيامة {إِخْرَاجاً } أكده بالمصدر أي أيّ إخراج {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً } مبسوطة {لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا } لتتقلبوا عليها كما يتقلب الرجل على بساطه {سُبُلاً } طرقاً {فِجَاجاً } واسعة أو مختلفة. {قَالَ نُوحٌ رَّبّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِىٰ } فيما أمرتهم به من الإيمان والاستغفار {وَٱتَّبِعُـواْ } أي السفلة والفقراء {مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ } أي الرؤساء وأصحاب الأموال والأولاد {وَوُلْده} مكي وعراقي غير عاصم وهو جمع ولد كأسد وأسد {إَلاَّ خَسَارًا } في الآخرة. {وَمَكَرُواْ } معطوف على {لَّمْ يَزِدْهُ } وجمع الضمير وهو راجع إلى «من» لأنه في معنى الجمع. والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم احتيالهم في الدنيا وكيدهم لنوح وتحريش الناس على أذاه وصدهم عن الميل إليه {مَكْراً كُبَّاراً } عظيماً وهو أكبر من الكبار وقرىء به وهو أكبر من الكبير {وَقَالُواْ } أي الرؤساء لسفلتهم {لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ } على العموم أي عبادتها {وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً } بفتح الواو وضمها وهو قراءة نافع، لغتان: صنم على صورة رجل {وَلاَ سُوَاعاً } هو على صورة امرأة {وَلاَ يَغُوثَ } هو على صورة أسد {وَيَعُوقَ } هو على صورة فرس وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين، وللتعريف والعجمة إن كانا أعجميين {وَنَسْراً } هو على صورة نسر أي هذه الأصنام الخمسة على الخصوص، وكأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم فخصوها بعد العموم، وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب؛ فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقيل: هي أسماء رجال صالحين كان الناس يقتدون بهم بين آدم ونوح، فلما ماتوا صوروهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى العبادة، فلما طال الزمان قال لهم إبليس: إنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم {وَقَدْ أَضَلُّواْ } أي الأصنام كقوله {أية : إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ }تفسير : [ابراهيم: 36] {كَثِيراً } من الناس أو الرؤساء {وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } عطف على {رَّبّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِىٰ } على حكاية كلام نوح عليه السلام بعد{قَالَ } وبعد الواو النائبة عنه، ومعناه قال رب إنهم عصوني وقال لا تزد الظالمين أي قال هذين القولين وهما في محل النصب لأنهما مفعولاً {قَالَ } {إِلاَّ ضَلاَلاً } هلاكاً كقوله {وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً } {مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ } {خطاياهم} أبو عمرو أي ذنوبهم {أُغْرِقُواْ } بالطوفان {فَأُدْخِلُواْ نَاراً } عظيمة وتقديم {مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ } لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان وإدخالهم في النيران إلا من أجل خطيئاتهم. وأكد هذا المعنى بزيادة «ما» وكفى بها مزجرة لمرتكب الخطايا، فإن كفر قوم نوح كان واحدة من خطيئاتهم، وإن كانت كبراهن والفاء في {فَٱدْخُلُواْ } للإيذان بأنهم عذبوا بالإحراق عقيب الإغراق فيكون دليلاً على إثبات عذاب القبر {فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً } ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله. {وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } أي أحداً يدور في الأرض وهو فيعال من الدور وهو من الأسماء المستعملة في النفي العام {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ } ولا تهلكهم {يُضِلُّواْ عِبَادَكَ } يدعوهم إلى الضلال {وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } إلا من إذا بلغ فجر وكفر وإنما قال ذلك لأن الله تعالى أخبره بقوله: {أية : لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ }تفسير : [هود: 36] {رَّبّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوٰلِدَىَّ } وكانا مسلمين واسم أبيه لمك، واسم أمه شمخاء، وقيل: هما آدم وحواء وقرىء {ولولَدَيَّ} يريد ساماً وحاماً { وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ } منزلي أو مسجدي أو سفينتي {مُؤْمِناً } لأنه علم أن من دخل بيته مؤمناً لا يعود إلى الكفر {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } إلى يوم القيامة. خص أولاً من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عم المؤمنين والمؤمنات {وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي الكافرين {إِلاَّ تَبَاراً } هلاكاً فأهلكوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: دعا نوح عليه السلام بدعوتين: إحداهما للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكافرين بالتبار، وقد أجيبت دعوته في حق الكفار بالتبار فاستحال أن لا تستجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف في صبيانهم حين أغرقوا فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة فلم يكن معهم صبي حين أغرقوا. وقيل: علم الله براءتهم فأهلكوا بغير عذاب والله أعلم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك} أي بأن خوف قومك وحذرهم {من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} يعني الغرق بالطوفان والمعنى إنا أرسلناه لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا {قال يا قوم إني لكم نذير مبين} أي أنذركم وأبين لكم {أن اعبدوا الله} أي وحدوه ولا تشركوا به شيئاً {واتقوه} أي وخافوه بأن تحفظوا أنفسكم مما يؤثمكم {وأطيعون} أي فيما آمركم به من عبادة الله وتقواه {يغفر لكم من ذنوبكم} أي يغفر لكم ذنوبكم. ومن صلة وقيل يغفر لكم ما سلف من ذنوبكم إلى وقت الإيمان وذلك بعض الذنوب {ويؤخركم إلى أجل مسمى} أي إلى منتهى آجالكم فلا يعاقبكم {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون}، معناه يقول آمنوا قبل الموت تسلموا من العذاب فإن أجل الله وهو الموت إذا جاء لا يؤخر، قال الزمخشري إن قلت كيف قال ويؤخركم مع الإخبار بامتناع تأخير الأجل وهل هذا إلى تناقض قلت قضى مثلاً أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة سنة فقيل لهم آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى أي إلى وقت سماه الله وضربه أمداً تنتهون إليه لا تتجاوزونه وهو الوقت الأطول تمام الألف. ثم أخبر أنه إذا جاء ذلك الأجل لا يؤخر كما يؤخر هذا الوقت ولم تكن حيلة فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير عنكم وحيث يمكنكم الإيمان، {قال} يعني نوحاً عليه الصلاة والسلام {رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً} أي نفاراً وإدباراً عن الإيمان {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم} أي ليؤمنوا بك فتغفر لهم {جعلوا أصابعهم في آذانهم} لئلا يسمعوا دعوتي {واستغشوا ثيابهم} أي غطوا وجوههم بثيابهم لئلا يرون {وأصروا} على كفرهم {واستكبروا} عن الإيمان بك {استكباراً} أي تكبراً عظيماً {ثم إني دعوتهم جهاراً} أي معلناً قال ابن عباس: بأعلى صوتي.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {دعائي إلا} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو {أني أعلنت} بالفتح. أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير {وولده} بالضم والسكون: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بفتحتين {ودا} بالضم: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالفتح {خطاياهم} بالتكسير: أبو عمرو {بيتي} بالفتح: حفض وهشام. الوقوف: {أليم} ه {مبين} ه {وأطيعون} ه {مسمى} ط {لا يؤخر} م {تعلمون} ه {ونهاراً} ه {فراراً} ه {إستكباراً} ه ج لأن " ثم " لترتيب الأخبار مع اتحاد القائل {جهاراً} ه لا {أسراراً} ه لا لعطف مقصود الكلام {غفاراً} ه لا لجواب الأمر {مدراراً} ه {أنهاراً} ه ط لابتداء الإستفهام {وقاراً} ه ج لأن ما بعده يحتمل الحال والإستئناف {أطواراً} ه {طباقاً} ه لا {سراجاً} ه لا {نباتاً} ه {إخراجاً} ه {بساطاً} ه {فجاجاً} ه {خساراً} ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام {كباراً} ه لذلك {ونسراً} ه ك لأن ما بعده ليس بمعطوف ولكنه حال من فاعل {قالوا} وذكر السجا وندي أنه حال من مفعول {لا تذرن} وفيه نظر {كثيراً} ه ز لأن قوله {ولا تزد} لا يصح عطفه ظاهراً ولكنه متصل بما قبله بطريق الحكاية أي قال نوح رب إنهم عصوني وقال لا تزد {ضلالاً} ه {أنصاراً} ه {دياراً} ه {كفاراً} ه {تباراً} ه. التفسير: لما حذر الناس أهوال يوم القيامة ذكرهم قصة نوح وما جرى على قومه من الإغراق قبل الأطراف حين عصوا رسولهم و " أن " في {أن أنذر} و {أن اعبدوا} مفسرة لما في ألإرسال والإنذار من معنى القول. أو ناصبة والجار محذوف أي أرسلناه بأن قلنا له أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإندار. ثم حكى أنه امتثل الأمر فأمر قومه بعبادة الله قبل الأطراف ويتناول جميع الواجبات والمندوبات {واتقواه} ويشتمل على الزجر عن جميع المحظورات وبطاعة نفسه تنبيهاً على أن طاعة الله هي طاعة نبيه، والإلهيات لا تكمل معرفتها إلا بمعرفة النبوات. ثم وعدهم على العبادة والتقوى والطاعة شيئين: أحدهما دفع مضار الآخرة وهو غفران الذنوب، والثاني وصول منافع الدنيا وهو بتأخير الأجل إلى أقصى الإمكان. وقد مر في سورة إبراهيم إستدلال من جوز زيادة " من " في الإثبات بنظير هذه الآية. وما أجيب عنه. والذي نزيده ههنا ما قيل: إنه لم لا يجوز أن يراد يغفر لكم كل ما كان من ذنوبكم فتكون فائدته عدم المؤاخذة بمجموع الذنوب لا بكل فرد من أفراده لصدق قول القائل لا أطالبك بمجموع ذنوبك لكني أطالبك بهذا الذنب الواحد. وفي قوله {يغفر لكم} معنى لا يؤاخذكم قاله الإمام فخر الدين الرازي وهو شبه مغالطة لأنه يوجب استعمال مقتضى النفي مكان مقتصى الإثبات وبالعكس بتأويل تقدير الإثبات وبالعكس مثلاً اتفقوا على وجوب النصب في قولك " جاءني القوم إلا زيداً " وعلى قوله يمكن رفعه على البدل بتأويل يتخلف القوم إلا زيد وهكذا قولك " جاءني رجل " لا يشمل المجيء سواه. ولو قلت " ما تخلف رجل " عمّ المجيء كل أحد. ثم قال: هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حق لأن من آمن فإنه يغفر ما تقدم من ذنوبه على إيمانه، أما المتأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفوراً فثبت أنه لا بد ههنا من حرف التبعيض. قلت: هذا التأويل جائز في حق هذه الأمة أيضاً فوجب أن يذكر من في سورة الصف أيضاً. قوله {إن أجل الله} إشارة إلى الأجل المسمى وفيه تنبيه على أن الأجل الاختراعي قد يؤخر بتقدير الإيمان والعبادة، وفيه أن وقت الفرصة والإمهال يجب أن يغتنم قبل حلول مالا حيلة فيه، وفي قوله {لو كنتم تعلمون} توبيخ على أن إمهالهم في أمور الدنيا بلغ إلى حيث صيرهم شاكين في وقوع الموت. ثم حكى شكوى نوح إلى ربه بعد أن لم ينجع في قومه طول دعوته. ومعنى {ليلاً ونهاراً} دائباً دائماً من غير توان وفتور. قوله {فلم يزدهم دعائي إلا فراراً} كقوله {أية : ما زادهم إلا نفوراً}تفسير : [فاطر: 42] قوله {لتغفر لهم} ذكر ما هو المقصود وترك ما هو الوسيلة، وأصل الكلام ليؤمنوا فتغفر لهم ذنوبهم السالفة هذا قول جار الله. ويمكن أن يقال: إنه وعدهم المغفرة على العبادة والتقوى والطاعة فكأنه قال: دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي لتغفر لهم، وهذا كلام متسق مبني على الأول كما ترى. ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء منها: جعل الأصابع في الآذان لئلا يسمعوا قوله. ومنها تغطيهم بثيابهم تأكيداً لعدم سماع الحجة أو لئلا يبصروا وجهه. ومنها إصرارهم على مذهبهم واستكبارهم عن قبول الحق إستكباراً بالغاً نهايته. ثم حكى نوح أنه كان لدعوته ثلاث مراتب بدأ تقريع وتغليظ فلم يؤثر. وانتصب {جهاراَ} على المصدر لأنه نوع من الدعوة أو على أنه صفة دعاء محذوف. والوصف بالمصدر مبالغة على أنه في موضع الحال. ثم إنه جمع بين الأمرين كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع. ثم فسر الدعوة بقوله {فقلت استغفروا} إلى آخره وفيه أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء. وله وجه معقول وهو أن الله سبحانه مفيض الخيرات والبركات بالذات كما قال "حديث : سبقت رحمتي غضبي" تفسير : فكل ما يصل إلى العباد مما يضاد ذلك كالفقر والقحط والآلام والمخاوف فإنها بشؤم معاصيهم، فإذا تابوا واستغفروا زال الشؤم والبلاء وعاد الخير والنماء. يروى أنهم لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين. فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا دفع الله عنهم البلاء. والمدرار الكثير الدريستوي فيه الذكر والمؤنث. ثم إنه وبخهم بقوله {مالكم لا ترجون لله وقاراً} أصل الرجاء الأمل. والوقار التوقير " فعال " بمعنى " تفعيل " مثل " سراح " بمعنى " تسريح " وقد يستعمل الرجاء بمعنى الخوف فمعناه على هذا مالكم لا تخافون عظمة الله. وعلى الأول قال جار الله: معناه أي شيء لكم وما بالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب {ولله} بيان أو حال ولو تأخر لكان صلة للوقار أو صفة، ويحتمل أن يكون الوقار فعلاً للقوم وذلك أنهم كانوا يستخفون برسول الله صلى الله عليه وسلم فحثهم على تعظيمه لأجل الله راجين ثوابه. وعن ابن عباس أن الوقار هو الثواب من وقر إذا ثبت واستقر قال جار الله: في تقريره أي لا تخافون لله عاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب. وقال غيره: تم الكلام عند قوله {مالكم} ثم استفهم منكراً {لا ترجون} أي لا تعتقدون لله ثباتاً وبقاء فإنكم لو رجوتم ذلك لما أقدمتم على الإستخفاف برسوله. قال الليث: الطور التارة أي خلقكم مرة بع مرة نطفة ثم علقة إلى آخرها. وقال ابن الإنباري: والطور الحال فيجوز أن يراد الأوصاف المختلفة التي لا شبه بعضها بعضاً، وهذا دليل للتوحيد المأخوذ من الأنفس، ثم أشار إلى دليل الآفاق بقوله {ألم تروا} الآية. ومعنى {طباقاً} قد مر في أول " الملك " فلا يلزم منه أن لا يبقى للملائكة مساكن فيها فلعلها متوازية لا متماسة. وأما على قول من يزعم أن الملائكة روحانية فلا إشكال، قوله {فيهن} في حيزه من السموات وشبه الشمس بالسراج لأن نوره ذاتي كهي، أو لأن الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس سبب لزواله. ثم عاد إلى دليل الأنفس بقوله {والله أنبتكم من الأرض نباتاً} يحتمل أن يكون من باب التفعيل فيكون مصدراً متعدياً قريباً من لفظ الفعل وأن يكون ثلاثياً لازماً فيكون أبعد، ويجوز أن يراد أنبتكم فنبتم نباتاً. قال جار الله: استعير الإنبات للإنشاء ليكون أدل على الحدوث. وفي قوله {إخراجاً} تأكيداً أي يخرجكم حقاً ولا محالة. ثم ذكر دليلاً آخراً فاقياً من حال الأرض. والفج الطريق الواسع. ثم إن سائلاً كأنه سأل: ماذا قال نوح بعد هذه الشكوى؟ فبين سبحانه أنه تعالى {قال نوح رب إنهم عصوني} مكان قوله وأطيعون {واتبعوا} رؤساءهم ولم يزدهم ما لهم وولدهم {إلا خساراً} في الآخرة كأن التمتع القليل في الدنيا كالعدم. وولده بالضم لغة في الولد ويجوز أن يكون جمعاً كفلك {ومكروا} معطوف على {لم يزده} لأن المتبوعين هم الذين مكروا {وقالوا} للأتباع {لا تذرن} وجمع حملاً على المعنى. والكبار بالتشديد أكبر من الكبار بالتخفيف ولهذا لم يقرأ مخففاً إلا في الشاذ فكلاهما مبالغة في الكبير. ولا ريب أن رأس الخيرات هو الإرشاد إلى التوحيد فنقيضه وهو الدعاء إلى الشرك يكون أعظم الكبائر وأفظع أنواع المكر. وإنما سمي مكراً لأنهم دلسوا عليهم بأنه دين آبائكم وألاباء أعرف من الأبناء. وبأن هذه الأصنام تعطيكم الخيرات والمنافع وأنها شفعاؤكم. ثم خصوا الأصنام الخمسة بالذكر لأنها كانت عندهم أكبر قالوا: وقد انتقلت من قوم نوح إلى العرب لأسباب لا يعلمها إلا الله، ولأنها لم تكن مما تعرف بالطوفان، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير، وصورته أيضاً كصورة النسر، وأما ود فعلى صورة الرجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضباً عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون، أو المراد ضلال طريق الجنة، أو ضلال مكرهم المذكور وعدم ترويجه، أو المراد العذاب كقوله {أية : إن المجرمين في ضلال وسعر} تفسير : [القمر: 47] وقالت المعتزلة: أراد الخذلان ومنع الألطاف وخص هذا بالضلال دون التبار لموافقة قوله {وقد أضلوا} قوله {مما خطيئاتهم} " من " للتعليل كقولك " جئتك لأجل كذا " و" ما " صلة للتوكيد. وسبب تقديم الجار بيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلا من أجل خطاياهم وهي كفرهم المضموم إلى أنواع إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدة ألف سنة إلا خمسين عاماً. وقد يستدل بفاء التعقيب لا سيما وقد دخل على ماضٍ معطوف على مثله على إثبات عذاب القبر. عن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب هكذا حال من مات من المجرمين في ماء أو ي نار أو في جوف سبع أصابه ما يصيب المقبور من العذاب العقلي وهو ظاهر، والعذاب الجسمي وهو غير بعيد في قدرة الله تعالى. وتنكير النار للتعظيم أو لأنها نوع نم النار مختص بهم. وفي قوله {فلم يجدوا} تهكم بهم وبآلهتهم قوله {وقال} معطوف على مثله ولهذا دخل العاطف كأنه جمع نوح بين ذلك القول وبين هذا. وإنما وقع مما خطيئاتهم إلى الآية اعتراضاً في البين تنبيهاً على أن خطيئاتهم هي المذكورات في الآية المتقدمة من عصيان رول الله واتباع غيره. والمكر الكبار والحث على التقليد والإشراك بالله خصوصاً الأصنام الخمسة {دياراً} من الأسماء المستعملة في النفي العام. يقال: ما بالدار ديار وهو " فيعال " من الدور أو من الدار أي نازل دار قاله ابن قتيبة. فعل به ما فعل بنحو أيام لو كان فعالاً لقيل دواراً، قوله {إنك إن تذرهم} إلى آخره. قال العلماء: عرف ذلك بالوحي كما قال {أية : إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} تفسير : [هود: 36] وبالتجربة في المدة إليه حالهم واتفق الجمهور على أن صبيانهم لم يغرقوا على وجه العذاب. قال الحسن: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب ولكن كما يموت أكثر الناس بآجال إختراعية، ومنه الحديث "حديث : يهلكون مهلكاً واحداً يصدرون مصادر شتى " تفسير : ومن روى أن الله سبحانه أعقم أرحام نسائهم أربعين أو سبعين سنة فلا إشكال. ثم إن نوحاً كأنه تنبه أن دعاءه عليهم كان بسبب الانتقام وبعض حظ النفس فاستغفر الله من ترك الأولى، ثم عقبه بذكر والديه. وكان إسم أبيه لمك بن متوشلخ. وإسم أمه شمخا بنت أنوش. قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم عليه السلام من آبائه كافر وكان بينه وبين أدم عشرة آباء. وقيل: أراد بالوالدين آدم وحواء {ولمن دخل بيتي} أي منزلي. وقيل: مسجدي. وقيل: سفينتي. وقيل: ديني. على هذا يكون قوله {مؤمناً} احترازاً من المنافق أي دخولاً مع تصديق القلب، ثم عمم دعاء الخير للمؤمنين والمؤمنات ودعاء الشر لأهل الظلم والشرك إلى يوم القيامة. والتبار الهلاك ويجوز أن يريد بالظالمين قومه فقط والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : قوله سبحانه: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} هذا العذابُ الذي تَوَعَّدُوا بهِ، الأظْهَرُ أنَّه عذابُ الدنيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ عذابَ الآخرةِ. وقوله: {مِّن ذُنُوبِكُمْ} قال قوم: «من» زائدةٌ وهذا نحوٌ كوفيٌّ، وأما الخليلُ وسيبويهِ؛ فلا يجوزُ عندَهم زِيادَةٌ «من» في المُوجَبِ، وقال قومٌ: هي للتبعيضِ، قال * ع *: وهَذَا القولُ عندي أبْيَنُ الأقوالِ هنا؛ وذلك أنه لَوْ قَالَ: يَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبَكُم؛ لَعَمَّ هذَا اللفظُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الذنوبِ، ومَا تَأَخَّرَ عن إيمانِهم، والإسْلاَم إنَّما يَجُبُّ ما قبله. وقوله سبحانه: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} كأنّ نوحاً ـــ عليه السلام ـــ قال لهم: وآمنوا يَبِنْ لَنَا أَنَّكُمْ ممن قُضِيَ له بالإيمان والتأخيرِ، وإنْ بَقِيتُم عَلى كُفْرِكُمْ فَسَيَبينُ أنكم ممن قُضِيَ عليه بالكفرِ والمُعَاجَلَةِ، ثم تبيَّنَ هذا المعنى ولاَح بقوله تعالى: {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ} وجَوابُ لو مقدرٌ يقتضِيه المعنى، كأنَّه قال: فَمَا كَانَ أحْزَمَكُمْ أو أَسْرَعَكُمْ إلَى التَّوْبَةِ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ}. روى قتادة عن ابن عبَّاسٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أوَّل نبيٍّ أرسِلَ نوحٌ عليه الصلاة والسلام، وأرسِلَ إلى جَميعِ أهْلِ الأرضِ ". تفسير : ولذلك لمَّا كفروا، أغرق الله أهل الأرض جميعاً، وهو نوح بنُ لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم عليه الصلاة والسلام. قال وهبٌ: وكلهم مؤمنون، أرسل إلى قومهِ وهو ابنُ خمسين سنة. وقال ابن عبَّاسٍ: أربعين سنة. وقال عبد الله بن شداد: بعث وهو ابنُ ثلاثمائة وخمسين سنة. قوله: {أَنْ أَنذِرْ}. يجوز أن تكون المفسرة، فلا يكونُ لها موضع من الإعراب؛ لأن في الإرسال معنى الأمر فلا حاجة إلى إضمار الباءِ، ويجوز أن تكون المصدرية، أي: أرسلناه بالإنذار. قال الزمخشريُّ: والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له: أنذر، أي: أرسلناه بالأمر بالإنذار. انتهى. وهذا الذي قدره حسنٌ جدّاً، وهو جواب عن سؤال تقدَّم في هذا الكتاب، وهو قولهم: فإنَّ "أنْ" المصدرية يجوز أن توصل بالأمر مشكل؛ لأنه ينسبكُ منها وما بعدها مصدر، وحينئذ فتفوت الدلالة على الأمر؛ ألا ترى أنَّك إذا قدَّرت "كتبت إليهم بأن قم كتبت إليه القيام" تفوت بالدلالة على الأمر حال التصريح بالمصدر، فينبغي أن يقدر كما قاله الزمخشريُّ، أي: كتبت إليه بأن قلتُ له: قُمْ، أي: كتبتُ إليه بالأمر بالقيامِ. وقال القرطبي: "أي: بأن أنذر قومكَ، فموضع "أن" نصب بإسقاط الخافض". وقرأ عبد الله: "أنذر قومك" بغير "أن" بمعنى: "قلنا له: أنذر قومك". وقد تقدم معنى الإنذار في سورة "البقرة". وقوله: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قال ابن عبَّاسٍ: يعني عذاب النَّار في الآخرة. وقال الكلبيُّ: هو الطوفان. وقيل: أنذرهم بالعذاب على الجملة إن لم يؤمنوا، فكان يدعو قومه وينذرهم، فلا يجيبونه كما تقدَّم. {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}، أي: مخوف مظهر لكم بلسانكم الذي تعرفونه. قوله: {أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ}، إما أن تكون تفسيرية لـ"نَذِيْر" أو مصدرية، والكلامُ فيها كالكلام في أختها كما تقدم، والمعنى: وَحِّدوا اللَّه واتَّقُوه، أي: خافوه "وأطِيعُونِ" فيما آمركم به؛ فإنِّي رسول الله إليكم. {يَغْفِرْ لَكُم} جزم "يَغْفِرْ" لجواب الأمر. قوله: {مِّن ذُنُوبِكُمْ}. في "مِنْ" هذه أوجه: أحدها: أنَّها تبعيضية. الثاني: أنَّها لابتداء الغايةِ. الثالث: أنَّها لبيان الجنسِ، وهو مردود لعدم تقدم ما تبينُه. الرابع: أنَّها مزيدةٌ. قال ابن عطية: وهو مذهب كوفيٌّ. قال شهاب الدين: ليس مذهبهم ذلك؛ لأنهم يشترطون تنكير مجرورها، ولا يشترطون غيره. والأخفش لا يشترط شيئاً، فزيادتُها هنا ماشٍ على قوله لا على قولهم. قال القرطبي: وقيل: لا يصح كونها زائدة؛ لأن "مِنْ" لا تزاد في الواجب، وإنما هي هنا للتبعيض، وهو بعض الذنوب، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. وقال زيد بن أسلم: المعنى يُخرِجُكم من ذنوبكم. وقال ابن شجرة: المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها. قوله: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ}. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف قال: "يُؤخِّركُمْ" مع إخبارهِ بامتناع تأخيره؟. قلتُ: قضى الله أنَّ قوم نوحٍ إن آمنوا عمَّرهُم ألف سنةٍ، وإن بقُوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة، قيل لهم: إن آمنتم أخِّرتُم إلى الأجلِ الأطولِ، ثم أخبرهُم أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخَّرُ انتهى. وقد تعلَّق بهذه الآية من يقول بالأجلين وتقدم جوابه. وقال ابن عباسٍ: أي: يُنْسِىءُ في أعماركم، ومعناه: أنَّ الله - تعالى - كان قضى قبل خلقهم، إنْ هم آمنوا بارك في أعمارهم وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب. وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى أعماركم في عافية فلا يعاقبكم بالقحطِ وغيره، فالمعنى على هذا: يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم. وقال الزجاج: "أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب". وعلى هذا قيل: أجل مسمى عندكم تعرفونه لا يميتكم غَرْقاً ولا حَرْقاً ولا قَتْلاً، ذكره الفراء. وعلى القول الأول أجل مسمى عند الله. قوله: {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ}، أي: إذا جاء الموتُ لا يؤخَّر بعذاب كان، أو بغير عذاب، وأضاف الأجلَ إليه سبحانه؛ لأنه الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ}تفسير : [يونس: 49]؛ لأنه مضروبٌ لهم، و "لَوْ" بمعنى "إنْ" أي: إن كنتم تعلمون. وقال الحسن: معناه: لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يُؤخَّرُ. وعلى هذا يكون جوابُ "لَوْ" محذوفاً تقديره: لبادرتم إلى ما أمركم به أو لعلمتم كما قال الحسن. قوله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً}، وهذان ظرفان لـ"دَعوْتُ"، والمراد: الإخبار باتصال الدعاء وأنَّه لا يفتر عن ذلك وقيل: معناه سراً وجهراً {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً}، أي: تباعداً من الإيمان، وهذا استثناء مفرغ وهو مفعول ثان. وقراءة العامة: بفتح الياء من "دُعَائِي". وأسكنها الكوفيُّون، ويعقوب والدوري عن أبي عمرو. قوله: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ}، أي: إلى سبب المغفرةِ، وهي الإيمانُ بك والطاعة لك {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ} لئلاَّ يسمعُوا دُعائِي {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} أي: غطُّوا بها وجوههم لئلاَّ يرون. قال ابن عبَّاسٍ: جعلوا ثيابهم على رءوسهم لئلاَّ يسمعوا كلامي، فاستغشاءُ الثِّياب إذن زيادة في سدِّ الآذان حتى لا يسمعوا، أو لتنكيرهم أنفسهم حتى يسكت، أو ليعرفوه إعراضهم عنه. وقيل: هو كنايةٌ عن العداوةِ، يقال: لبس فلانٌ ثياب العداوةِ "وأصَرُّوا" على الكفر فلم يتوبوا، "واسْتَكْبَرُوا" عن قبول الحق، وهو قولهم: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ}تفسير : [الشعراء: 111]. قوله: "لِتَغْفِرَ"، يجوز أن تكون للتعليل، والمدعو إليه محذوفٌ، أي: دعوتهم للإيمان بك لأجلِ مغفرتك لهم، وأن تكونَ لام التَّعديةِ، ويكون قد عبَّر عن السبب بالمسبب، الذي هو حظهم، والأصل دعوتهم للتوبة التي هي سببٌ في الغفران. و "جَعلُوا"، هو العامل في "كُلَّمَا" وهو خبر "إنِّي". قوله: "جِهَاراً"، يجوز أن تكون مصدراً من المعنى؛ لأنَّ المعنى يكون جهاراً وغيره، فهو من باب "قعد القُرفُصَاء"، وأن يكون المرادُ بـ"دعوتهم": جاهرتهم. وأن يكون نعت مصدر محذوف أي: دعاء جهاراً. وأن يكون مصدراً في موضع الحالِ، أي: مجاهراً، أو ذا جهارٍ، أو جعل نفس المصدر مبالغة. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: ذكر أنه دعاهم ليلاً ونهاراً، ثم دعاهم جهاراً، ثُمَّ دعاهم في السرِّ والعلن فيجب أن يكون ثلاث دعواتٍ مختلفاتٍ، حتى يصح العطفُ. قلتُ: قد فعل - عليه السلام - كما يفعل الذي يأمُر بالمعروفِ، وينهى عن المنكرِ في الابتداء بالأهون، والترقي إلى الأشدِّ فالأشدِّ، فافتتح في المناصحة بالسرِّ فلما لم يقبلوا ثَنَّى بالمجاهرة، فلمَّا لم يقبلوا ثلَّث بالجمع بين السرِّ والإعلان، ومعنى "ثُمَّ" للدلالة على تباعد الأحوال؛ لأن الجهاد إذا غلظ من الإسرار، والجمعُ بين الأمرين، أغلظُ من إفراد أحدهما". وقال أبو حيان: "وتكرر كثيراً له أنَّ "ثُمَّ" للاستبعاد، ولا نعلمه لغيره". وقوله: "اسْتِكبَاراً". قال القرطبيُّ: تفخيم. فصل في معنى الآية معنى: "جِهَاراً"، أي: مظهراً لهم الدعوة، وهو منصوب بـ"دَعوْتهُمْ" بنصب المصدر. {ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً}. أي: لم أبقِ مجهوداً. وقال مجاهد - رضي الله عنه -: معنى "أعْلَنْتُ" صِحْتُ، {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} بالدعاءِ عن بعضهم من بعض. وقيل: "أسْرَرْتُ لهم" أتيتُهم في منازلهم وكلُّ هذا من نوح - عليه الصلاة والسلام - مبالغةٌ في الدعاءِ، وتلطف في الاستدعاءِ. وفتح الياء من "إنِّي أعلنْتُ"، الحرميون وأبو عمرو، وأسكنها الباقون. قوله: {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ}، أي سلوه المغفرة لذنوبكم بإخلاص الإيمان {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} وهذا منه - تعالى - ترغيبٌ في التوبة، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : الاسْتغفَارُ مَمحاةٌ للذنُوبِ ". تفسير : قوله: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً}. أي: يرسل ماء السماءِ، ففيه إضمار. وقيل: السماء: المطر، أي يرسلُ المطر؛ قال الشاعر: [الوافر]. شعر : 4878 - إذَا نَزََل السَّماءُ بأرْضِ قَوْمٍ رَعيْنَاهُ وإنْ كَانُوا غِضَابَا تفسير : و "مِدْراراً" يجوز أن يكون حالاً من "السَّماء". ولم يؤنث؛ لأن "مفعالاً" لا يؤنث، تقول: "امرأة مِئْنَاث، ومِذْكَار" ولا يؤنث بالتاء إلا نادراً، وحينئذ يستوي فيه المذكر والمؤنث، فتقول رجُلٌ مخدامةٌ، ومطرابةٌ، وامرأة مخدامة ومطرابة، وأن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي: إرسالاً مدراراً. وتقدم الكلام عليه في الأنعام. وجزم "يرسل" جواباً للأمر، و "مِدْرَاراً" ذا غيث كثيرٍ. فصل في حكاية قوم نوح قال مقاتل: لما كذَّبوا نوحاً - عليه الصلاة والسلام - زماناً طويلاً حبس اللَّهُ عنهم المطر، وأعقم أرحامَ نسائهم أربعين سنة، فهلكت مواشيهم وزروعهم فصاروا إلى نوح - عليه الصلاة والسلام - واستغاثوا به، فقال: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً}، أي: لمن أناب إليه، ثم رغبهم في الإيمان فقال: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً}. قال قتادة: علم نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل حرصٍ على الدنيا، فقال: هلموا إلى طاعة الله، فإنَّ في طاعة الله درك الدنيا والآخرة. فصل في استنزال الرزق بالاستغفار. في هذه الآية والتي قبلها في "هود" دليلٌ على أنَّ الاستغفار يستنزلُ به الرزق والأمطار قال الشعبيُّ: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماءِ التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا}. قال ابن الأثير: المجاديحُ واحدها "مجدح" والياء زائدة للإشباع، والقياس أن يكون واحدها مجداح، فأما مجدح فجمعه "مجادح"، والمجدح: نجمٌ من النجوم. قيل: هو الدبران. وقيل: هو ثلاثةُ كواكب، كالأثافي تشبيهاً له بالمجدح، الذي له ثلاث شعبٍ، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مشبهاً بالأنواء، مخاطبة لهم بما يعرفونه لا قولاً بالأنواء، وجاء بلفظ الجمع؛ لأنه أراد الأنواء جميعها التي يزعمون أن من شأنها المطر. وشكى رجلٌ إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى آخر إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادعُ الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخرُ جفاف بساتينه فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك، فقال ما قلت من عندي شيئاً، إنَّ الله تعالى يقول في سورة "نوح": {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً}. فإن قيل: إنَّ نوحاً - عليه الصلاة والسلام - أمر الكفار أولاً بالعبادة، والطَّاعة، فأيُّ فائدةٍ في أن أمرهم بعد ذلك بالاستغفار. فالجوابُ: لمَّا أمرهم بالعبادة قالوا له: إن كان الدين الذي كُنَّا عليه حقاً، فلم تأمرنا بتركه، وإن كان باطلاً، فكيف يقبلنا بعد أن عصيناه، فقال نوح - عليه الصلاة والسلام -: إنكم وإن كنتم قد عصيتموه ولكن استغفروا من تلك الذنوب فإنَّه سبحانه كان غفاراً. فإن قيل: فلم قيل: إنه كان غفاراً، ولم يقل: إنَّه غفار؟. فالجوابُ: كأنه يقول: لا تظنوا أن غفرانه إنما حدث الآن بل هو أبداً هكذا عادته أنه غفارٌ في حق من استغفر. قوله: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً}. قيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف، أي: ما لكم لا تخافون لله عظمة، وقدرة على أحدكم بالعقوبة، أي: أيُّ عذر لكم في ترك الخوف من الله؛ قال الهذليُّ: [الطويل] شعر : 4879 - إذَا لَسَعتْهُ النَّخْلُ لمْ يَرْجُ لَسْعهَا .......................... تفسير : وقال سعيد بن جبيرٍ وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح: ما لكم لا ترجون لله ثواباً، ولا تخافون له عقاباً. وقال سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ}، لا تخشون لله عقاباً وترجون منه ثواباً. وقال الوالبي و العوفي عنه: ما لكم لا تعلمون لله عظمة. وقيل: ما لكم لا تعتقدون لله عظمة. وقال ابن عباس ومجاهد: ما لكم لا ترون لله عظمة. قال قطرب: هذه لغةٌ حجازيةٌ، وهذيل وخزاعةُ ومضر يقولون: لم أرج، أي: لم أبال. قوله: "وقَاراً"، يجوز أن يكون مفعولاً به على معان، منها: ما لكم لا تأملون له توقيراً، أي: تعظيماً. قال الزمخشريُّ: والمعنى ما لكم لا تكونون على حالٍ، تأملون فيها تعظيم الله إيَّاكم في دار الثواب "ولله" بيانٌ للموقر، ولو تأخر لكان صلته. انتهى. أي: لو تأخر "للَّهِ" عن "وقَاراً" لكان متعلقاً به، فيكون التوقير منهم لله تعالى وهو عكس المعنى الذي قصده، ومنها: لا تخافون لله حلماً وترك معاجلة بالعقاب فتؤمنوا. ومنها: لا تخافون لله عظمة، وعلى الأول يكون الرجاء على بابه، وقد تقدم أن استعماله بمعنى الخوف مجاز ومشترك. وأن يكون حالاً من فاعل "تَرجُونَ"، أي: موقرين الله تعالى، أي: تعظمونه فـ"لِلَّهِ" على هذا متعلق بمحذوف على أنه حالٌ من "وقَاراً" أو تكون اللام زائدة في المفعول به، وحسنه هنا أمران: كون العامل فرعاً، وكون المعمول مقدماً، و "لا تَرْجُونَ" حال. وقد تقدم نظيره في المائدة. والوقارُ: العظمة، والتوقيرُ التعظيم، ومنه قوله تعالى: {أية : وَتُوَقِّرُوهُ}تفسير : [الفتح: 9]. وقال قتادةُ: ما لكم لا ترجون لله عاقبة كأن المعنى: ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان. وقال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله، وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيراً. وقال ابن زيد: ما لكم لا تؤتون لله تعالى طاعة. وقال الحسنُ: ما لكم لا تعرفون لله حقاً، ولا تشكرون له نعمة. وقيل: ما لكم لا توحدون الله لأن من عظمه فقد وحَّده. وقيل: إن الوقار هو: الثبات لله عز وجل، ومنه قوله تعالى: {أية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}تفسير : [الأحزاب: 33] أي: اثبتن، والمعنى: ما لكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى، وأنه إلهكم، لا إله لكم غيره، قاله ابن بحر، ثم دلَّهم على ذلك فقال: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}. يعني نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ولحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر. وقيل: "أطْوَاراً" صبياناً، ثم شباناً، ثم شيوخاً، وضعفاء، ثم أقوياء. وقيل: "أطواراً"، أي: أنواعاً، صحيحاً، وسقيماً، وبصيراً، وضريراً، وغنياً، وفقيراً. وقيل: الأطوار: اختلافهم في الأخلاق، والأفعال. قوله: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}، جملة حالية من فاعل "تَرْجُونَ". والأطوار: الأحوال المختلفة. قال الشَّاعرُ: [البسيط] شعر : 4880 - فإنْ أفَاقَ فقَدْ طَارتْ عَمايَتُهُ والمَرْءُ يُخلقُ طَوْراً بَعْدَ أطْوارِ تفسير : وانتصابهُ على الحال، أي: منتقلين من حال إلى حال، أو مختلفين من بين مُسِيءٍ، ومحسن، وصالح، وطالح. قوله: {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً}. لما ذكر لهم دليل التوحيد من أنفسهم، أتبعه بدليل الآفاق فقال: {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً}، أي: ألم تعلموا أنَّ الذي قدر على هذا، فهو الذي يجب أن يعبد، ومعنى: "طباقاً" قال ابن عباس والسدي: أي: بعضها فوق بعض كل سماء منها وطبقة على الأخرى كالقبابِ. فإن قيل: هذا يقتضي ألا يكون بينهما فرج، وإذا كان كذلك فكيف تسلكها الملائكة؟. فالجواب: أن الملائكة أرواح. وأيضاً قال المبرِّد: معنى طباقاً، أي: متوازية لا أنها متماسة. وقرا الحسنُ: "خلَق الله سبعَ سماواتٍ طِباقاً" على سبع أرضين بين كل أرض وأرض وسماء خلق وأمر. وقوله: {أَلَمْ تَرَوْاْ}، على جهة الإخبار، لا المعاينة كما تقول: ألمْ ترنِي كيف صنعتُ بفلان كذا، و "طِبَاقاً" نصب على أنه مصدر طابقه طباقاً، أو حال بمعنى: "ذات طباقٍ"، فحذف "ذات" وأقام "طِباقاً" مقامه، وتقدم الكلامُ عليه في سورة "الملك". وقال مكيّ: وأجاز الفرَّاء في غير القرآنِ جر "طِباق" على النعت لـ"سماوات". يعني أنه يجوز أن يكون صفة للعدد تارة وللمعدود أخرى. قوله: {وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً}، أي: في السماوات، والقمر إنَّما هو في سماءٍ واحدةٍ منهن قيل: هو في السماء الدنيا، وإنَّما جاز ذلك لأن بين السماواتِ ملابسة فصح ذلك، وتقول: زيد في المدينة، وإنَّما هو في زاوية من زواياها. وقال ابن كيسانِ: إذا كان في إحداهنَّ فهو فيهنَّ. وقال قطرب: "فِيهِنَّ" بمعنى: "مَعهُنَّ". وقال الكلبيُّ: أي: خلق الشمس والقمر مع خلق السماوات والأرض. وقال جُلُّ أهل اللغةِ في قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 4881 - وهَلْ يَنعَمَنْ مَنْ كَانَ آخِرُ عَهدِهِ ثَلاثِينَ شَهْراً في ثلاثةِ أحْوالِ تفسير : "في" بمعنى: "مَعَ". وقال النحاس: سألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية. فقال: جوابُ النحويين: أنه إذا جعله في إحداهن، فقد جعله فيهن، كما تقول: أعطني الثيابَ المعلمة، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وجواب آخر: أنه يروى أنه وجه القمر إلى داخل السماء، وإذا كان إلى داخلها فهو متصل بالسماوات، ومعنى: "نُوْراً"، أي: لأهل الأرض، قاله السدي. وقال عطاءُ: نورٌ لأهل السماوات والأرض. وقال ابن عباس وابن عمر: وجهه يضيء لأهل الأرض، وظهره يضيء لأهل السماء. قوله: {وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً}. يحتمل ان يكون التقدير: وجعل الشمس فيهن - كما تقدم - والشمس، قيل: في الرابعة، وقيل: في الخامسة، وقيل: في الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة والله أعلم. وقوله: "سِراجَاً". يعني مصباحاً لأهل الأرض، ليتوصلوا إلى التصرف لمعايشهم، وفي إضاءتها لأهل السماء، القولان الأولان، حكاه الماورديُّ. وحكى القشيريُّ عن ابن عباسٍ: أن الشمس وجهه في السماوات وقفاه في الأرض. وقيل: على العكس. وقيل لعبد الله بن عمر: ما بالُ الشمس تقلينا أحياناً وتبرد علينا أحياناً؟. فقال: إنَّها في الصيف في السماء الرابعة، وفي الشتاء في السماء السابعة عند عرش الرحمنِ، ولو كانت في السَّماء الدنيا، لما قام لها شيء. ولما كانت الشمس سبباً لزوال الليلِ وهو ظل الأرض أشبهت السِّراجَ، وأيضاً فالسراجُ له ضوءٌ والقمرُ له نورٌ، والضوء أقوى من النور، فجعل للشمس كما قال {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً}تفسير : [يونس: 5]. قوله: {وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}. يعني آدمَ - عليه الصلاة والسلام - خلقه من أديم الأرض كلِّها، قاله ابن جريج. وقد تقدم بيانه. و "نَبَاتاً". إما مصدر لـ"أنبت" على حذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر، لأن مصدر "أنْبَتَ" "إنباتاً" فجعل الاسم الذي هو النباتُ في موضع المصدر وإمَّا بـ"نَبَتُّمْ" مقدراً، أي: "فَنَبَتُّمْ نَبَاتاً"، فيكون منصوباً بالمضارع المقدر. قال الزمشخريُّ: أو نصب بـ"أَنْبَتَكُمْ" لتضمنه معنى: "نَبَتُّمْ". قال أبو حيَّان: ولا أعقل معنى هذا الوجه بالثاني. قال شهابُ الدين: هذا الوجه المتقدم، وهو أنه منصوب بـ"أَنْبَتَكُمْ" على حذف الزوائد ومعنى قوله: لتضمنه معنى "نَبَتُّمْ"، أي: مشتمل عليه، غاية ما فيه أنه حذفت زوائدهُ. قال القرطبيُّ: "وقال الخليلُ والزجاجُ: إنه محمول على المعنى، لأن معنى "أنْبتَكُم" جعلكم تنبتون نباتاً. وقيل: معناه أنبت لكم من الأرض النبات، فـ"نَبَاتاً" على هذا نصب على المفعول الصريح، والأول أظهر". قال ابن بحر: أنبتكم في الأرض بالكبر بعد الصغر، وبالطول بعد القصر، ثم يعيدكم فيها، أي عند موتكم بالدفن {وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} بالنشور والبعث يوم القيامة. والإنبات: استعارة بليغة، قيل: المراد أنبت أباكم. وقيل: المراد أنبت الكلَّ لأنهم من النطف، وهي من الأغذية التي أصلها الأرض، وهذا كالتفسير لقوله: {خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}، ثم قال: {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً}، وهذا إشارة إلى الطريقة المعهودة في القرآن، من أنه تعالى لما كان قادراً على الابتداء، فهو قادر على الإعادة، وقوله: {وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً}، أكده بالمصدر فإنه قال: يخرجكم حتماً لا محالة. قوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً}، أي: مبسوطة. {لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} أي: طرقاً واسعة، والسُّبُل:الطرقُ، والفجاجُ: جمع فجٍّ، وهو الطريق الواسعة، قاله الفراءُ. وقيل: الفَجُّ: المسلك بين الجبلين، وفي "الأنبياء"، قدَّم الفجاج لتناسب الفواصل. وقد تقدم الكلام على ذلك.
البقاعي
تفسير : ولما ختمت "سأل" بالإنذار للكفار، وكانوا عباد أوثان، بعذاب الدنيا والآخرة، أتبعها أعظم عذاب كان في الدنيا في تكذيب الرسل بقصة نوح عليه السلام، وكان قومه عباد أوثان، وكانوا يستهزئون به وكانوا أشد تمرداً من قريش وأجلف وأقوى وأكثر، فلم ينفعهم شيء من ذلك عند نزول البلاء وبروك النقمة عليهم وإتيان العذاب إليهم، وابتدأها بالإنذار تخويفاً من عواقب التكذيب به، فقال مؤكداً لأجل إنكاهرم أن يكون الرسول بشراً أو لتنزيلهم منزلة المنكرين من حيث أقروا برسالته وطعنوا في رسالة غيره مع المساواة في البشرية: {إنا} أي بما لنا من العظمة الباهرة البالغة {أرسلنا نوحاً} وهو أول رسول أتى بعد اختلاف أولاد آدم عليه السلام في دين أبيهم الأقوم {إلى قومه} أي الذين كانوا في غاية القوة على القيام بما يحاولونه وهم بصدد أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ويكرموه لما بينهم من القرب بالنسب واللسان، وكانوا جميع أهل الأرض من الآدميين. ولما بان مضى المرسِل والرسول والمرسَل إليهم، وكان الإرسال متضمناً معنى القول، أخذ في تفسيره بياناً للمرسل به فقال: {أن أنذر} أي حذر تحذيراً بليغاً عظيماً {قومك} من الاستمرار على الكفر. ولما كان المقصود "إعلامهم بذلك" في بعض الأوقات لأن الإنسان لا بد له من أوقات شغل بنفسه من نوم وأكل وغيره، أتى بالجار تخفيفاً عليه ورفقاً به عليه السلام فقال: {من قبل أن يأتيهم} أي على ما هم عليه من الأعمال الخبيثة {عذاب أليم *}. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على قومه في قوله:{أية : فاصبر صبراً جميلاً}تفسير : [المعارج: 5] وجليل الإغضاء في قوله:{أية : فذرهم يخوضوا ويلعبوا}تفسير : [المعارج: 42] أتبع ذلك بقصة نوح عليه السلام وتكرر دعائه قومه إلى الإيمان، وخص من خبره حاله في طول مدة التذكار والدعاء لأنه المقصود في الموضع تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم، وليتأسى به في الصبر والرفق والدعاء كما قيل له صلى الله عليه وسلم في غير هذا الموضع{أية : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم}تفسير : [الأحقاف: 35]{أية : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}تفسير : [فاطر: 8] فقد دام دعاء نوح عليه السلام مع قومه أدوم من مدتك، ومع ذلك فلم يزدهم إلا فراراً{أية : قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً}تفسير : [نوح: 5- 7] ثم مضت آي السورة على هذا المنهج من تجديد الإخبار بطول مكابدته عليه السلام وتكرير دعائه، فلم يزدهم ذلك إلا بعداً وتصميماً على كفرهم حتى أخذهم الله، وأجاب فيهم دعاء نبيه نوح عليه السلام{أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}تفسير : [نوح: 26] وذلك ليأسه من فلاحهم، وانجر في هذا حض نبينا صلى الله عليه وسلم على الصبر على قومه والتحمل منهم كما صرح به في قوله تعالى:{أية : خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين}تفسير : [الأعراف: 199] وكما قيل له قبل{أية : فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت}تفسير : [القلم: 48]{أية : وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك}تفسير : [هود: 120] انتهى. ولما أخبر عن رسالته ومضمونها بما أعلم من أن الفساد كان غالباً عليهم، استأنف قوله بياناً لامتثاله: {قال} أي نوح عليه السلام: {يا قوم} فاستعطفهم بتذكيرهم أنه أحدهم يهمه ما يهمهم. ولما كان من طبع البشر إنكار ما لم يعلم إلا من عصم الله فجعله منقاداً للإيمان بالغيب، أكد قوله: {إني لكم نذير} أي مبالغ في النذارة {مبين *} أي أمري بين في نفسه بحيث أنه صار من شدة وضوحه كأنه مظهر لما يتضمنه، مناد بذلك للقريب والبعيد والفطن والغبي. ولما كان ترك ما أنذرهم بسببه من الكفر لا يغنيهم إلا أن آمنوا، وكان الإيمان مخلصاً عن عواقب الإنذار لأنه لا يصح إلا مع ترك جميع أنواع الكفر، فسر الإنذار بقوله: {أن اعبدوا الله} أي الملك الأعظم الذي له جميع الكمال، وذلك بأن تخلصوا التوجه إليه فإن غناه يمنع من أن يقبل عبادة فيه شرك وهذا هو الإيمان {واتقوه} أي اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية تمنعكم من عذابه بالانتهاء عن كل ما يكرهه، فلا تتحركوا حركة ولا تسكنوا سكنة إلا في طاعته، وهذا هو العمل الواقي من كل سوء. ولما كان لا سبيل إلى معرفة ما يرضي الملك ليلزم وما يسخطه ليترك إلا منه، ولا وصول إلى ذلك إلا من خاصته، ولا خاصة مثل رسوله الذي ائتمنه على سره قال: {وأطيعون *} أي لأعرفكم ما تقصر عنه عقولكم من صفات معبودكم ودينكم ودنياكم ومعادكم، وأدلكم على اجتلاب آداب تهديكم، واجتناب شبهة ترديكم، ففي طاعتي، فلا حكم يرضي الملك عنكم، وهذا هو الإسلام، فقد جمع هذا الدعاء الإيمان والإسلام والعمل، وهي الأثافي التي تدور عليها أسباب الفلاح. ولما كان الإنسان محل النقصان، فلا ينفك عن ذنب فلا ينفعه إلا فناء الكرم، أشار إلى ذلك مرغباً مستعطفاً لهم لئلا ييأسوا فيهلكوا بقوله جواباً للأمر: {يغفر لكم} أي كرماً منه وإحساناً ولطفاً. ولما كان من الذنوب ما لا يتحتم غفرانه وهو ما بعد الإسلام قال: {من ذنوبكم} أي ما تقدم الإيمان من الشرك والعصيان وما تأخر عن الإيمان من الصغائر التي تفضل الله بالوعد بتكفيرها باجتناب الكبائر - هذا مما أوجبه سبحانه على نفسه المقدس بالوعد الذي لا يبدل، وأما غيره مما عدا الشرك فإلى مشيئته سبحانه. ولما كان الإنسان، لما يغلب عليه من النسيان، والاشتغال بالآمال، يعرض عن الموت إعراض الشاك فيه بل المكذب به ذكرهم ترهيباً لهم لطفاً بهم ليستحضروا أنهم في القبضة فينزعوا مما يغضبه سبحانه، فقال مشيراً إلى أن طول العمر في المعصية - وإن كان مع رغد العيش - عدم، مهدداً بأنه قادر على الإهلاك في كل حين: {ويؤخركم} أي تأخيراً ينفعكم، واعلم أن الأمور كلها قد قدرت وفرغ من ضبطها لإحاطة العلم والقدرة فلا يزاد فيها ولا ينقص، ليعلم أن الإرسال إنما هو مظهر لما في الكيان ولا يظن أنه قالب للأعيان بتغيير ما سبق به القضاء من الطاعة أو العصيان فقال: {إلى أجل مسمى} أي قد سماه الله وعلمه قبل إيجادكم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه، فيكون موتكم على العادة متفرقاً وإلا أخذكم جميعاً بعذاب الاستئصال، فهذا من علم ما لا يكون لو كان كيف يكون، وذلك أنه علم أنهم إن أطاعوا نوحاً عليه السلام كان موتهم على العادة وإلا هلكوا هلاك نفسه واحدة، وعلم أنهم لا يطيعونه، وأن موتهم إنما يكون بعذاب الاستئصال. ولما كان الإنسان مجبولاً على الأطماع الفارغة، فكان ربما قال للتعنت أو غيره: لم لا يخلدنا؟ قال فطماً عن ذلك مؤكداً لاقتضاء المقام له: {إن أجل الله} أي الذي له الكمال كله فلا راد لأمره {إذا جاء لا يؤخر} وأما قبل مجيئه فربما يقع الدعاء والطاعات والبر في البركة فيه يمنع الشواغل وإطابة الحياة، فبادروا مجيء الأجل بالإيمان لأنه إذا جاء لم يمكنكم التدارك، ولا ينفعكم بعد العيان الإيمان. ولما كان من يعلم هذا يقيناً، ويعلم أنه إذا كشف له عند الغرغرة أحب أن يؤخر ليتوب حين لا تأخير، أحسن العمل خوفاً من فوات وقته وتحتم مقته، نبه على ذلك بقوله: {لو كنتم تعلمون *} أي لو كان العلم أو تجدده وقتاً ما في غرائزكم لعلمتم تنبيه رسولكم صلى الله عليه وسلم أن الله يفعل ما يشاء، وأن الأجل آت لا محالة فعملتم للنجاة، ولكنكم تعملون في الانهماك في الشهوات عمل الشاك في الموت.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت سورة {إنا أرسلنا نوحاً} بمكة. وأخرج الحاكم عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله يدعو نوحاً وقومه يوم القيامة أول الناس، فيقول: ماذا أجبتم نوحاً فيقولون: ما دعانا وما بلغنا وما نصحنا ولا أمرنا ولا نهانا، فيقول نوح: دعوتهم يا رب دعاء فاشياً في الأولين والآخرين، أمة بعد أمة، حتى انتهى إلى خاتم النبيين أحمد فانتسخه وقرأه وآمن به وصدقه، فيقول للملائكة: ادعوا أحمد وأمته، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته يسعى نورهم بين أيديهم، فيقول نوح لمحمد وأمته: هل تعلمون أني بلغت قومي الرسالة، واجتهدت لهم بالنصيحة، وجهدت أن استنقذهم من النار سراً وجهراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته: فإنا نشهد بما نشدتنا أنك في جميع ما قلت من الصادقين، فيقول نوح: وأنى علمت هذا أنت وأمتك ونحن أول الأمم وأنتم آخر الأمم؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه} حتى ختم السورة، فإذا ختمها قالت أمته: نشهد أن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم، فيقول الله عند ذلك: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59] ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} قال: بها أرسل الله المرسلين أن يعبد الله وحده، وأن تتقى محارمه، وأن يطاع أمره. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {يغفر لكم من ذنوبكم} قال: الشرك {ويؤخركم إلى أجل مسمى} قال: بغير عقوبة {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} قال: الموت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {فلم يزدهم دعائي إلا فراراً} قال: بلغني أنه كان يذهب الرجل بابنه إلى نوح، فيقول لابنه: احذر هذا لا يغرنك فإن أبي قد ذهب بي، وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {جعلوا أصابعهم في آذانهم} قال: لئلا يسمعوا ما يقول {واستغشوا ثيابهم} قال: لأن يتنكروا له فلا يعرفهم {واستكبروا استكباراً} قال: تركوا التوبة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {واستغشوا ثيابهم} قال: غطوا بها وجوههم لكي لا يروا نوحاً ولا يسمعوا كلامه. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: {واستغشوا ثيابهم} قال: تسجوا بها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {ثم إني دعوتهم جهاراً} قال: الكلام المعلن به، وفي قوله: {ثم إني أعلنت لهم} قال: صحت {وأسررت لهم إسراراً} قال: النجاء نجاء لرجل.
ابو السعود
تفسير : مكية، وآيُها تسع أو ثماني وعشرون {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ} أي بأنْ أنذرْهُم، على أنَّ أنْ مصدريةٌ حُذِفَ منها الجارُّ وأُوصلَ إليها الفعلُ، فإنَّ حذفَهُ معَ أنَّ وأنْ مطردٌ، وجُعلتْ صلتُهَا أمراً كما في قولِهِ تعالَى: {أية : وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ } تفسير : [سورة يونس، الآية 105] لأنَّ مدارَ وصلِهَا بصيغِ الأفعالِ دلالتُهَا على المصدرِ وذلكَ لا يختلفُ بالخبريةِ والإنشائيةِ، ووجوبُ كونِ الصلةِ خبريةً في الموصولِ الإسميِّ إنَّما هُو للتوصلِ إلى وصفِ المعارفِ بالجملِ وهي لا توصفُ إلا بالجملِ الخبريةِ، وليسَ الموصولُ الحرفيُّ كذلكَ وحيثُ استوى الخبرُ والإنشاءُ في الدلالةِ على المصدرِ استويا في صحةِ الوصلِ بهما فيتجردُ عند ذلكَ كلٌّ منهُمَا عن المَعْنَى الخاصِّ بصيغتِهِ فيبقَى الحدثُ المجردُ عن مَعْنَى الأمرِ والنَّهيِ والمُضيِّ والاستقبالِ، كأنَّه قيلَ أرسلنَاهُ بالإنذارِ، وقيلَ المَعْنَى أرسلناهُ بأنْ قُلْنَا لهُ أنذرْ أي أرسلناهُ بالأمرِ بالإنذارِ، ويجوزُ أن تكونَ أنْ مفسرةً لما في الإرسالِ من معنى القولِ فلا يكونُ للجملةِ محلٌّ من الإعرابِ، وعلى الأولِ محلُّها النصبُ عند سيبويهِ والفرَّاءِ، والجرُّ عند الخليلِ والكِسَائيِّ كما هُو المعروفُ. وقُرِىءَ أنذرْ بغيرِ أنْ على إرادةِ القولِ. {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} عاجِلٌ أو آجِلٌ لئلا يبقَى لهُم عذرٌ مَا أصلاً. {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأَ من حكايةِ إرسالِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بالوجهِ المذكورِ كأنَّه قيلَ ما فعلَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فقيلَ قالَ لهُم: {يَـٰقَوْمِ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} منذرٌ موضحٌ لحقيقةِ الأمرِ. وقولُهُ تعالَى: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} متعلقٌ بنذيرٌ على الوجهينِ المذكورينِ {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ} أي بعضَ ذنوبِكُم وهو ما سلفَ في الجاهليةِ فإنَّ الإسلامَ يجبُّه {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو الأمدُ الأقصَى الذي قدَّرَهُ الله تعالَى لهم بشرطِ الإيمانِ والطاعةِ وراءَ ما قدَّرَهُ لهُم على تقديرِ بقائِهِم على الكفرِ والعصيانِ فإنَّ وصفَ الأجلِ بالمسمَّى، وتعليقَ تأخيرِهِم إليهِ بالإيمانِ والطاعةِ صريحٌ في أنَّ لهم أجلاً آخرَ لا يجاوزونَهُ إنْ لم يؤمنُوا وهو المرادُ بقولِهِ تعالَى: {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ} أي ما قدَّرَ لكُم على تقديرِ بقائِكُم على الكفرِ {إِذَا جَاء} وأنتُم على ما أنتُم عليهِ من الكُفرِ {لاَ يُؤَخَّرُ} فبادِرُوا إلى الإيمانِ والطاعةِ قبلَ مجيئِهِ حَتَّى لا يتحققَ شرطُهُ الذي هو بقاؤُكُم على الكفرِ فلا يجيءَ، ويتحققَ شرطُ التأخيرِ إلى الأجلِ المسمَّى فتؤخرُوا إليهِ ويجوزُ أن يرادَ بهِ وقتُ إتيانِ العذابِ المذكورِ في قولِهِ تعالَى: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فإنَّه أجلٌ موقتٌ له حَتْماً وحملُهُ على الأجلِ الأطولِ مما لا يساعدُهُ المقامُ كيفَ لاَ والجملةُ تعليلٌ للأمرِ بالعبادةِ المستتبعةِ للمغفرةِ والتأخيرِ إلى الأجلِ المسمَّى فلا بُدَّ أنْ يكونَ المنفيُّ عند مجيءِ الأجلِ هو التأخيرَ الموعودَ فكيفَ يتصورُ أن يكونَ ما فُرضَ مجيئُهُ هو الأجلُ المسمَّى. {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي لو كنتُم تعلمونَ شيئاً لسارعتُم إلى ما أمرتُكُم بهِ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. أرسلنا نوحاً بالنبوَّةِ والرسالة. {أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ} أي بأن أنذرهم وإرسالُ الرُّسُل من الله فضلٌ، وله بحق مُلْكه ان يفعل ما أراد، ولم يجبْ عليه إرسالُ الرُّسُلِ لأن حقيقته لا تقبل الوجوب. وإرسالُ الرسلِ إلى مَنْ عَلِمَ أنه لا يَقْبَل جائز، وتكليفُهم من ناحية العقل جائز فنوحٌ - عَلِمَ منهم أَنهم لا يقبلون.. ومع ذلك بَلَّغ الرسالة وقال لهم: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. قوله جلّ ذكره: {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} مِنْ هنا للجنس لا للتبعيض كقوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ}تفسير : [الحج: 30]. ويقال: ما عملوه دون ما هو معلوم أنهم سيفعلونه؛ لأنه لو أخبرهم بأنه غفر لهم ذلك كان إغراءً لهم.. وذلك لا يجوز. فأبوا أن يَقْبَلوا منه، فقال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً}. بَيّنَ أَنّ الهداية ليست إليه، وقال: إنْ أَرَدْتَ إِيمانَهم فقلوبُهم بقدرتك - سبحانك. قوله جلّ ذكره: {وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً}. وإِنِّي ما ازدَدْتُ لهم دعاءً إلا ازدادوا إصراراً واستكباراً. ويقال: لمَّا دام بينهم إصرارُهم تَولَّدَ من الإصرار استكبارُهم، قال تعالى: {أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الحديد: 16].
البقلي
تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً} كان نوح عليه السلام مشكاة نور عظمة الله لذلك ارسله الى قومه بالانذار فلما عصوه اثر منه قومه من قهر الجبروت والانبياء والاولياء فى درجات القرب على تفاوت فبعضهم يخرجون من نور الجلال وبعضهم يخرجون من نور الجمال اورث قومه البسط والانس والسهولة ومن خرج من نور العظمة اورث قومه الهيبة والاجلال.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا أرسلنا نوحا الى قومه} مر سر نون العظمة مرارا والارسال يقابل بالامساك يكون للتسخير كارسال الريح والمطر ببعث من له اختيار نحو ارسال الرسل وبالتخلية وترك المنع نحوانا أرسلنا الشياطين على الكفارين قال قتادة ارسل نوح من جزيرة فذهب اليهم ونوح اسمه عبد الغفار عليه السلام سمى نوحا لكثرة نوحه على نفسه او هو سريانى معناه الساكن لان الارض طهرت من خبث الكفار وسكنت اليه وهو اول من اوتى الشريعة فى قول واول اولى العزم من الرسل على قول الاكثرين واول نذير على الشرك وكان قومه يعبدون الاصنام واول من عذبت امته وهو شيخ المرسلين بعث ابن اربعين سنة او ثلاثمائة وخمسين او اربعمائة وثمانين ولبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان تسعين سنة قال بعض من تصدى للتفسير فيه دلالة على انه لم يرسل الى اهل الارض كلهم لانه تعالى قال الى قومه فلو ارسل الى الكل لقيل الى الخلق او ما يشابهه كما قيل لرسول الله {أية : وما أرسلناك الا كافة للناس}تفسير : ولقول رسول الله حديث : كان النبى يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة تفسير : ثم قال ان قيل فما جريمة غير قومه حتى عممهم فى الدعاء عليهم كما قال {أية : لا تذر على الارض من الكافرين ديارا}تفسير : افانه اذا لم يرسل اليهم لم يكن كلهم مخالفا لامره وعاصيا له حتى يستحقوا الدعاء بالاهلاك أجيب بأنه يحتمل انه تحقق ان نفوس كفرة زمانه على سجية واحدة يستحقون بذلك أن يدعى عليهم بالاهلاك ايضا انتهى وفيه نظر لانه قال فى انسان العيون فى قوله عليه السلام وكان كل نبى انما يرسل الى قومه اى جميع اهل زمنه او جماعة منهم خاصة ومن الاول نوح عليه السلام فانه كان مرسلا لجميع من كان فى زمنه من أهل الارض ولما اخره بأنه لا يؤمن منهم الا من آمن معه وهم اهل السفينة وكانواثمانين اربعين رجلا واربعين امرأة او كانوا اربعمائة كما فى العوارف وقد يقال من الآدميين وغيرهم فلا مخالفة دعا على من عدا من ذكر باستئصال العذاب لهم فكان الطوفان الذى كان به هلاك جميع أهل الارض الا من آمن ولو لم يكن مرسلا اليهم ما دعا عليهم بسبب مخالفتهم له فى عبادة الاصنام لقوله تعالى وما كنا معذبين اى فى الدنيا حتى نبعث رسولا وقول بعض المفسرين ارسل الى آل قابيل لا ينافى ما ذكر لانه يجوز أن يكون آل قابيل اكثر أهل الارض وقتئذ وقد ثبت ان نوحا عليه السلام اول الرسل اى لمن يعبد الاصنام لان عبادة الاصنام اول ما حدثت فى قومه وارسله الله اليهم ينهاهم عن ذلك وحينئذ لا يخالف كون اول الرسل آدم ارسله الله الى اولاده بالايمان به تعالى وتعليم شرآئعه فان قلت اذا كانت رسالة نوح عامة لجميع اهل الارض كانت مساوية لرسالة نبينا عليه السلام قلت رسالة نوح عليه السلام عامة لجميع أهل الارض فى زمنه ورسالة نبينا محمد عليه السلام عامة لجميع من فى زمنه ومن يوجد بعد زمنه الى يوم القيامة فلا مساواة وحينئذ يسقط السؤال وهو أنه ليم يبق بعد الطوفال الا مؤمن فصارت رسالة نوح عامة ويسقط جواب الحافظ ابن حجر عنه بأن هذا العموم الذى حصل بعد الطوفان لم يكن من أصل بعثه بل طرأ بعد الطوفان بخلاف رسالة نبينا عليه السلام {أن} اى {انذر قومك} خوفهم بالنار على عبادة الاصنام كى ينتهوا عن الشرك ويؤمنوا بالله وحده فان مفسرة لما فى الارسال من معنى القول ويجوز أن تكون مصدرية حذف منها الجار وأوصل اليها الفعل اى بأن أنذرهم وجعلت صلتها امرا كما فى قوله تعالى وأن أقم وجهك لان مدار وصلها بصيغ الافعال دلالتها على المصدر وذلك لا يختلف بالخبرية والانشائية ووجوب كون الصلة خبرية فى الموصول الاسمى انما هو للتوصل الى وصف المعارف بالجمل وهى لا توصف الا بالجمل استوايا فى صحة الوصل بها فيتجرد عند ذلك كل منهما عن المعنى الخاص بصيغته فيبقى الحدث المجرد عن معنى الامر والنهى والمضى والاستقبال كأنه قيل أرسلناه بالانذار كذا فى الارشاد وقال بعض العارفين الانبياء والاولياء فى درجات القرب على تفاوت فبعضهم يخرج من نور الجلال وبعضهم من نور الجمال وبعضهم من نور العظمة وبعضهم من نور الكبرياء فمن خرج من نور الجمال اورث قومه البسط والانس ومن خرج من نور العظمه اورث قومه الهيبة والجلال وكان نوح مشكاة نور عظمة الله ولذلك أرسله الى قومه بالانذار فلما عصوه أخذهم بالقهر {من قبل أن يأتيهم} من الله تعالى {عذاب أليم} عاجل كالطوفان والغرق او آجل كعذاب لآخرة لئلا يبقى لهم عذر ما اصلا كام قال تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والاليم بمعنى المؤلم او المتألم مبالغة والألم جسمانى وروحانى والثانى اشد كأنه قيل فما فعل نوح عليه السلام فقيل {قال} لهم {يا قوم} اى كروه من واصله يا قومى خاطبهم باظهار الشفقة عليهم وارادة الخير لهم وتطيبا لهم {انى لكم نذير} منذر من عاقبة الكفر والمعاصى وافرد الانذار مع كونه بشيرا ايضا لان الانذار أقوى فى تأثير الدعوة لما ان اكثر الناس يطيعون اولا بالخوف من القهر وثانيا بالطمع فى العطاء واقلهم يطيعون بالمحبة للكمال والجمال. يقال الفقير الظاهر ان الانذار أول الامر كما قال تعالى لنبينا عليه السلام قم فأنذر والتبشير ثانى الامر كما قال تعالى {أية : وبشر المؤمنين}تفسير : فالانذار يتعلق بالكافرين والتبشير بالمؤمنين وان امكن تبشير الكفار بشرط الايمان لا فى حال الكفر فانهم فى حال الكفر انما يستحقون التبشير التهكمى كما قال تعالى {أية : فبشرهم بعذاب أليم}تفسير : {مبين} موضح لحقيقة الامر بلغة تعرفونها او بين الانذار.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا أرسلنا نوحاً} وهو أول أُلي العزم. قيل: معناه بالسريانية: الساكن، وقيل: سمي له لكثرة نوحه شوقاً إلى ربه، {أنْ أَنْذِر قَوْمَكَ} أي: بأن أنذر، فحذف الجار وأوصل الفعل، ومحله عند الخليل: الجر: وعند غيره: نصب، أو: "أنْ" مفسرة؛ لأنَّ الإرسال فيه معنى القول، فلا يكون للجملة محل، وقُرىء: "أنذر" بغير "أنْ"، أي: خوّف قومك {مِن قبل أن يأتيهم عذابٌ أليم}؛ عذاب الآخرة، أو الطوفان، لئلا يبقى لهم عذر أصلاً. {قال يا قوم}، أضافهم إلى نفسه إظهاراً للشفقة {إِني لكم نذير مبينٌ}؛ مُنذِر موضّح لحقيقة الأمر، أُبين لكم رسالة ربي بِلُغةٍ تعرفونها، {أنِ اعبدُوا اللهَ} أي: وحّدوه, و"أنْ" هذه نحو "أن أنذر" على الوجهين، {واتقوه}؛ واحذروا عصيانه، {وأطيعونِ} فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وإنما أضافه إلى نفسه؛ لأنَّ الطاعة تكون لغير الله بخلاف العبادة، وطاعته هي طاعة الله. {يغفرْ لكم من ذنوبكم} أي: بعض ذنوبكم, وهو ما سلف في الجاهلية، فإنَّ الإسلام يَجُبُّه، إلاّ حقوق العباد؛ فإنه يؤديها، وقيل: "مَن" لبيان الجنس، كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِجْسَ مَنَ ٱلأَوْثَآنِ } تفسير : [الحج:30]. قال ابن عطية: وكونها للتبعيض أبين؛ لكونه لو قال: يغفر لكم ذنوبكم؛ لعَمّ هذا اللفظ ما تقدّم به من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يَجُب ما قبله. هـ. قال القشيري: ولأنه لو أخبرهم بغفران ما تقدّم وما تأخّر لكان إغراءً لهم، وذلك لا يجوز. هـ. {ويُؤخِّرْكُم إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى} وهو وقت موتكم، فتموتون عند انقضاء آجالكم الذي تعرفونه من غير غرق ولا هلاك استئصال، فإن لم تؤمنوا عاجَلَكم بالعذاب، فيكون هو آجالكم، ولمّا كان ربما يتوهم أنَّ الأجل قد يتقدّم، رَفَعَه بقوله: {إنَّ أَجَلَ اللهِ} وهو الموت عند تمام الأجل {إِذا جاء لا يُؤخَّرُ لو كنتم تعلمون} أي: لو كنتم تعلمون لسارعتم إلى الإيمان قبل مجيئه، فلا حُجة فيه للمعتزلة. وانظر ابن جزي. الإشارة: قال القشيري: إنَّا أرسلنا الروح إلى قومه، وهم: النفس والهوى وصفاتهم الظلمانية الطبيعية؛ أن أنذرهم عن المخالفة الشرعية، مِن قبل أن يأتيهم عذاب القطيعة، قال: يا قوم إني لكم نذير بيِّن الإنذار، أن اعبُدوا الله، بأن تُحبوه وحده، ولا تُحبُّوا معه غيره، من الدنيا، وشهواتها وزخارفها، واتقوا بأن لا تروا معه سواه، وأطيعوني في أقوالي وأفعالي وأخلاقي وصفاتي، يغفر لكم ذنوب وجودكم، فيُغطيه بنور وجوده، ويُؤخركم إلى أجلٍ مسمى، بتسْمية الأزل، إنَّ أجل الله بالموت الحسي والمعنوي، لا يُؤخَّر، لو كنتم تعلمون، لكن انهماككم في حب الدنيا بعّد عنكم الأجل. هـ. بالمعنى. ثم أخبر عن نوح وما لقي من قومه، فقال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي}.
الطوسي
تفسير : قرأ {أن اعبدوا الله} بكسر النون عاصم وحمزة وابو عمرو، على اصل التقاء الساكنين. الباقون بالضم اتباعاً للضمة على الباء فى {اعبدوا الله} وقرأ الفراء {دعائي} ممدوداً إلا شبلا عن ابن كثير، فانه قصر، وفتح الياء مثل عصاي، قال ابو علي: فتح الياء وإسكانها حسنان، فاما قصر الكلمة فلم اسمعها، ويجوز أن تكون لغة. يقول الله تعالى مخبراً عن نفسه {إنا أرسلنا نوحاً} أي بعثنا نوحاً نبياً {إلى قومه أن أنذر قومك} أي بأن انذر قومك، فموضع (أن) نصب بسقوط الباء. وقال قوم: موضعه الجر لقوة حذفها مع (أن). وقال آخرون: يجوز أن تكون (أن) بمعنى أي المفسره، فلا يكون لها موضع من الاعراب. وقرأ ابن مسعود {أرسلنا نوحاً إلى قومه أنذر} بلا (أن) لأن معنى الارسال معنى القول فكأنه قال: قلنا له: أنذر قومك. والانذار التخويف بالاعلام بموضع المخافة ليتقى. ونوح عليه السلام قد انذر قومه بموضع المخافة وهي عبادة غير الله، وإنتهاك محارمه، وأعلمهم وجوب طاعته وإخلاص عبادته. وقوله {من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} معناه اعلمهم وجوب عبادة الله وخوفهم خلافه من قبل أن ينزل عليهم العذاب المؤلم، فانه إذا نزل بهم العذاب لم ينتفعوا بالانذار ولا تنفعهم عبادة الله حينئذ، لأنهم يكونون ملجئين إلى ذلك. وقال الحسن: أمره بأن ينذرهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة. ثم حكى أن نوحاً عليه السلام امتثل ما أمره الله به و {قال} لقومه {يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه} أي مخوفكم عبادة غير الله او أحذركم معصية الله مظهر ذلك لكم {واتقوه} بترك معاصيه {وأطيعون} فيما أمركم به لأن طاعتي مقرونة بطاعة الله، وتمسككم بطاعتي لطف لكم فى التمسك بعبادة الله، واتقاء معاصيه، فلذلك وجب عليكم ما أدعوكم اليه على وجه الطاعة، وطاعة الله واجبة عليكم لمكن النعمة السابغة عليكم التي لا يوازيها نعمة منعم. ثم بين لهم ما يستحقون على طاعة الله وطاعة رسوله فقال متى فعلتم ذلك {يغفر لكم من ذنوبكم} ودخلت (من) زائدة وقيل (من) معناها (عن) والتقدير يصفح لكم عن ذنوبكم، وتكون عامة. وقيل: إنها دخلت للتبعيض، ومعناها يغفر لكم ذنوبكم السالفة، وهي بعض الذنوب التي تضاف اليهم، فلما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها مطلقاً - لما في ذلك من الاغراء بالقبيح - قيدت هذا التقييد. وقيل: معناها {يغفر لكم من ذنوبكم} بحسب ما تكون التوبة متعلقة بها، فهذا على التبعيض إن لم يقلعوا إلا عن البعض. وهذا على مذهب من يقول: تصح التوبة من قبيح مع المقام على قبيح آخر يعلم قبحه. وقال الزجاج: دخلت (من) لتخص الذنوب من سائر الاشياء، لا لتبعيض الذنوب. وأكثر النحويين وأكثر القراء على إظهار الراء عند اللام في {يغفر لكم} وأختار ابو عمرو الادغام، لان إذهاب التكرير لا يخل، لان الثاني مثل الأول. وإنما يخل إذهاب ماله حس في المسموع، كالذي لحروف الصفير وبحروف المدّ واللين وقوله {ويؤخركم إلى أجل مسمى} عطف على الجزاء فلذلك جزمه، والمعنى إنكم إن اطعتم الله ورسوله غفر لكم ذنوبكم وأخركم إلى الاجل المسمى عنده. وفي الآية دليل على الأجلين، لان الوعد بالأجل المسمى مشروط بالعبادة والتقوى، فلما لم يقع اقتطعوا بعذاب الاستئصال قبل الأجل الاقصى بأجل أدنى. وكل ذلك مفهوم هذا الكلام. وقيل تقديره إن الاجل الاقصى لهم إن آمنوا، وليس لهم إن لم يؤمنوا، كما أن الحنة لهم إن آمنوا وليست لهم إن لم يؤمنوا. ثم اخبر {إن أجل الله} الأقصى اذا جاء لا يؤخر {لو كنتم تعلمون} صحة ذلك وتؤمنون به، ويجوز ذلك أن يكون اخباراً من الله عن نفسه، ويجوز ان يكون حكاية عن نوح أنه قال ذلك لقومه. ثم حكى تعالى ما قال نوح لله تعالى فانه قال يا {رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً} الى عبادتك وخلع الانداد من دونك والى الاقرار بنبوتي {فلم يزدهم دعائي إلا فراراً} أي لم يزدادوا بدعائي الا فراراً عن قبوله وبعداً عن استماعه، وانما سمي كفرهم عند دعائه زيادة فى الكفر، لأنهم كانوا على كفر بالله وضلال عن حقه، ثم دعاهم نوح إلى الاقرار به وحثهم على الاقلاع عن الشرك، فلم يقبلوا، فكفروا بذلك، فكان ذلك زيادة فى الكفر، لأن الزيادة اضافة شيء إلى مقدار بعد حصوله منفرداً، ولو حصلا ابتداء في وقت واحد لم يكن أحدهما زيادة على الآخر، ولكن قد يكون زيادة على العطية. قيل: وإنما جاز أن يكون الدعاء الى الحق يزيد الناس فراراً منه للجهل الغالب على النفس، فتارة يدعو الى الفرار مما نافره، وتارة يدعو الى الفساد الذي يلائمه ويشاكله فمن ها هنا لم يمتنع وقوع مثل هذا، والفرار ابتعاد عن الشيء رغبة عنه او خوفاً منه، فلما كانوا يتباعدون عن سماع دعائه رغبة عنه كانوا قد فروا منه.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فى الدّنيا، او فى الآخرة، او بين الدّنيا والآخرة حين الاحتضار، او فى البرازخ {قَالَ} امتثالاً لامرنا وتبادراً الى تبليغ رسالته.
الأعقم
تفسير : {إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك} أي أرسلناه لينذر قومه {من قبل أن يأتيهم عذابٌ أليم} موجع قيل: عذاب الدنيا بالاستئصال، وقيل: عذاب الآخرة {قال يا قوم إني لكم نذير مبين} أي مبين وجوه الأدلة في الوعيد وبيان العذاب وآداء الرسالة وبيان الأحكام ومعالم الدر {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} أي اتقوا معاصيه وأطيعون فيما أؤدي إليكم فانكم إذا فعلتم ذلك {يغفر لكم ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى} أي وقت الموت والمدة المضروبة فلا يهلككم بالعذاب والطوفان، وقيل: إن آمنتم زاد في أجلكم وإن لم تؤمنوا أهلككم {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون} أي لو علمتم أن في عبادتكم تأخير الأجل، وقيل: لو علمتم ما في التوبة من عظم النجاة لبادرتم إليها، ثم بيَّن تعالى قول نوح لما لم يجيبوه إلى دعوته ولم يقبلوا مقالته فقال سبحانه: {قال} نوح {رب إني دعوت قومي} إلى الإِيمان بك وإلى عبادتك {ليلاً ونهاراً} يعني دائماً متصلاً، وقيل: دعوت بعضهم ليلاً وبعضهم نهاراً، وقيل: دعوت مرة ليلاً ومرة نهاراً والأول الوجه {فلم يزدهم دعائي إلاّ فراراً} انكاراً وادباراً {واني كلّما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم} كراهة السماع {واستغشوا ثيابهم} أي غطّوا وجوههم بثيابهم لئلا يروا نوحاً ولا يسمعوا صوته {وأصرّوا} أي داموا على كفرهم {واستكبروا} اي تكبروا وانفوا عن قبول الحق {استكباراً} قيل: كان الرجل يذهب بابنه إلى نوح ويقول: يا بني احذر هذا ألاَّ يغويك فإن أبي ذهب بي إليه فحذرني كما حذرتك {ثم إني دعوتهم جهاراً} أي إعلاناً، أي: {أعلنت لهم} الدعوة {وأسررت} قيل: دعاهم بكل وجه، وقيل: دعوتهم مرة بالإِعلان ومرة بالإِخفاء ودعوت طائفة سرَّاً وطائفة جهراً، ومتى قيل: ما معنى قول نوح وفعلت والله أعلم به قيل: إظهار للعبودية وبذل للجهد في الطاعة له والدعاء اليه مع تمردهم، وقيل: شكا منهم ومن سوء صنعهم وما قابلوه.
الهواري
تفسير : تفسير سورة نوح، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع. {قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: يغفر لكم ذنوبكم {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًَّى} أي: إلى موتكم فيكون موتكم بغير عذاب. وإن لم تؤمنوا أخذكم العذاب في الدنيا والآخرة. قال تعالى: {إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ} يعني يوم القيامة جعله الله أجلاً للعباد يبعثون فيه، إذا جاء لا يؤخر، وهو تفسير الحسن. وقال مجاهد: حضور الأجل؛ فإذا جاء الأجل لا يؤخر. قال: {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} لعلمتم أن القيامة جائية. فكذبوا نوحاً فـ {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِيَ إِلاَّ فِرَاراً} أي عن الإيمان. {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ} أي: كلما دعوتهم أن يستغفروا من الشرك فيؤمنوا فتغفر لهم أبوا، و {جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} أي: يتولّون ويكرهون ذلك بمنزلة من لا يسمع {وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} أي: غطوا رؤوسهم لكيلا يسمعوا دعائي إياهم إلى الإِيمان {وَأَصَرُّواْ} أي: أقاموا على الكفر {وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً} أي: عن عبادة الله.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ اَنذِرْ قَوْمَكَ} خوفهم وحذرهم وان مفسرة لان الارسال فيه معنى القول تضمينا دون حروفه او حرف مصدر والباء مقدرة قبلهما أي ارسلناه اليهم بالانذار بناء على جواز المصدرية على الامر والاقدار القول أي بان قلنا انذار وقرأ ابن مسعود بترك ان فيقدر القول او يضمن ارسلنا معنى قلنا. {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} موجع عذاب الآخرة وقيل الطوفان وهو الظاهر ويجوز ان يكون المراد كليها.
اطفيش
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم. إِنَّا أرْسَلْنَا نُوحاً} عبد الغفار بن لمك بفتح اللام وإِسكان الميم وقيل بفتحهما وقيل لامك بأَلف وفتح الميم ابن متوشلخ بفتح الميم وضم التاء مشددة وإِسكان الواو وفتح الشين واللام، وقيل بوزن متدحرج ابن اخنوخ بفتح الهمزة والخاء وضم النون، وقيل بإِسقاط الهمزة وهو إِدريس عليه السلام ابن يرد بفتح الياء المثناة تحت وإِسكان الراء والتنوين لأَنه ولو كان علماً أعجمياً لكنه ساكن الوسط كما تقول فى نوح إِذ قيل إِنه عجمى بن مهلائيل بفتح الميم وإِسكان الهاء بن قينان بكسر القاف وإِسكان الياء بن أنوش بفتح الهمزة وضم النون ابن شيت بن آدم عليه السلام هذا هو الصحيح. وذكر عن أكثر الصحابة أن إِدريس بعد نوح وأُمّه شقحى بنت أنوش، ويقال إِن ابنه ساما نبى، وكان بين آدم ونوح عشرة قرون بعث الله نوحاً لأَربعين سنة فلبث فى قومه ألف سنة إِلا خمسين عاماً يدعوهم إِلى الله تعالى وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كفر الناس، ولد بعد موت آدم بمائة وست وعشرين سنة، وهو أطول الأَنبياء عمراً، قال له ملك الموت كيف وجدت الدنيا يا أطول الأَنبياء عمراً؟ قال: كبيت دخلت من باب وقلت فيه وخرجت من باب آخر، ولا يعارض بالخضر، ولو قلنا إِنه أى الخضر نبى لأَن الكلام فيمن يموت قبل قرب الساعة، وكان قبله آدم رسولاً إِلى زوجه وأولاده ويقال له شيخ المرسلين وآدم الثانى وهو دقيق الوجه طويل الرأس واللحية والقامة عظيم العينين غليظ العضدين كثير لحم الفخذين ضخم السرة عظيم الجسم، وقد صورت الأَنبياء فى حريرة لما رأى الصحابة صورة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - عرفوها كما ذكرته فى رد الشرود، وقبره فى مسجد الكوفة أو بالجبل الأَحمر أو بديل جبل لبنان أو بمدينة الكرد، ولقب بنوح لأَنه كثر بكاؤه على نفسه، قيل وعلى قومه إِذ دعا عليهم، وأنه قيل رأى كلباً اجرب قذراً فبصق عليه فأَنطقه الله تعالى أتعيبنى أم تعيب خالقى فتاب وناصح ولا يصح ذلك وإِن صح فإِنما بصق على الأَرض وعليه بمعنى لأَجله وصحح بعض أن اللفظ عجمى معرب ومعناه بالسريانية الساكن {إِلَى قَوْمِهِ} بأَرض الكوفة وفيها سكن وهناك أرسل قيل إِلى من يليها لا إِلى أهل الدنيا كلهم وإِنما أُرسل إِلى أهل الدنيا كلهم سيدنا ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وشهر بذلك وشهر أيضاً أن نوحاً عليه السلام أُرسل إِلى أهل الأَرض كلهم وأن الغرق عم الدنيا كلها وأن الناس كلهم من أولاده الثلاثة، وقيل إِن الغرق لم يعم الدنيا وأن هندا لم يصله الغرق كما قيل إِن قوماً آمنوا فى موضع بعيد منه وأحاط بهم الماء كالجدران وبما يرعون فيه، فيحتمل أنه من لم يصبه الغرق لم يلدوا ويحتمل أنهم ولدوا. {أنْ أنذِرْ قَوْمَكَ} أن مفسرة لتقدم معنى القول دون حروفه لا مصدرية على تقدير الباء لدخولها على الأَمر ولا خارج للأَمر فضلاً عن أن يتعدى إِليه بالباء وهذه حجة لا يحام حولها وليس كقولك زيد أكرمه لأَنه معنى مقبول ولا كقوله تعالى: "أية : أنَّ غضب الله عليها "تفسير : [النور: 9] لأَن المعنى اللهم اغضب عليها وهو معنى مقبول قبل التأَويل، وحكاية سيبويه كتبت إِليه بأَن قم شاذة {مِن قبْلِ أنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} الإِغراق أو نار الاخرة ومبدأها من قبورهم وإِنما قلت هذا لأَن موتهم ليس متصلا بدخول جهنم، وإِن فسر الإِتيان بالظهور صح تفسيره بعذاب جهنم بعد البعث وكأَنه قال قائل فما فعل بعد هذا الإِرسال أو ما قال بعد هذا الإِرسال فأَجابه الله عز وجل بقوله: {قَالَ} لهم {يَا قَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} منذر ظاهر الإِنذار متبين الإِنذار من أبان اللازم أو مظهر لكم ما خفى عنكم وهو أمر الدين من أبان المتعدى واللام للتقوية لأَن المعنى إِنى إِياكم منذر أو للتعليل أى أنذركم لأَجل نفعكم لا لأَجر تعطونيه.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً } هو اسم أعجمي زاد الجواليقي معرب والكرماني معناه بالسريانية الساكن، وصرف لعدم زيادته على الثلاثة مع سكون وسطه، وليس بعربـي أصلا وقول الحاكم في «المستدرك» إنما سمي نوحاً لكثرة نوحه وبكائه على نفسه واسمه عبد الغفار لا أظنه يصح وكذا ما ينقل في سبب بكائه من أنه عليه السلام رأى كلباً أجرب قذراً فبصق عليه فأنطقه الله تعالى فقال أتعيبني أم تعيب خالقي فندم وناح لذلك. والمشهور أنه عليه السلام ابن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف ابن متوشلخ بفتح الميم وتشديد المثناة المضمومة بعدها واو ساكنة وفتح الشين المعجمة واللام والخاء المعجمة / ابن خنوخ بفتح الخاء المعجمة وضم النون الخفيفة وبعدها واو ساكنة ثم خاء معجمة، وشاع أخنوخ بهمزة أوله وهو ادريس عليه السلام بن يرد بمثناة من تحت مفتوحة ثم راء ساكنة مهملة ابن مهلاييل بن قينان بن أنوش بالنون والشين المعجمة ابن شيث بن آدم عليه السلام وهذا يدل على أنه عليه السلام بعد إدريس عليه السلام. وفي «المستدرك» أن أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم على أنه قبل إدريس وفيه عن ابن عباس كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون وفيه أيضاً مرفوعاً «بعث الله تعالى نوحاً لأربعين سنة فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا» وذكر ابن جرير أن مولده كان بعد وفاة آدم عليه السلام بمائة وستة وعشرين عاماً وفي «التهذيب» للنووي رحمه الله تعالى أنه أطول الأنبياء عليهم السلام عمراً وقيل إنه أطول الناس مطلقاً عمراً فقد عاش على ما قال شداد ألفا وأربعمائة وثمانين سنة ولم يسمع عن أحد أنه عاش كذلك يعني بالاتفاق لئلا يرد الخضر عليه السلام وقد يجاب بغير ذلك. وهو على ما قيل أول من شرعت له الشرائع وسنت له السنن وأول رسول أنذر على الشرك وأهلكت أمته. والحق أن آدم عليه السلام كان رسولاً قبله أرسل إلى زوجته حواء ثم إلى بنيه وكان في شريعته وما نسخ بشريعة نوح في قول، وفي آخر لم يكن في شريعته إلا الدعوة إلى الإيمان، ويقال لنوح عليه السلام شيخ المرسلين وآدم الثاني. وكان دقيق الوجه في رأسه طول عظيم العينين غليظ العضدين كثير لحم الفخذين ضخم السرة طويل اللحية والقامة جسيماً. واختلف في مكان قبره فقيل بمسجد الكوفة وقيل بالجبل الأحمر وقيل بذيل جبل لبنان بمدينة الكرك. وفي إسناد الفعل إلى ضمير العظمة مع تأكيد الجملة ما لا يخفى من الاعتناء بأمر إرساله عليه السلام. {إِلَىٰ قَوْمِهِ } قيل هم سكان جزيرة العرب ومن قرب منهم لأهل الأرض كافة لاختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم بعموم البعثة من بين المرسلين عليهم السلام وما كان لنوح بعد قصة الغرق على القول بعمومه أمر اتفاقي. واشتهر أنه عليه الصلاة والسلام كان يسكن أرض الكوفة وهناك أرسل. {أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ } أي أي أنذر قومك على أن (أن) تفسيرية لما في الإرسال من معنى القول دون حروفه فلا محل للجملة من الإعراب أو بإنذارهم أي بإنذارهم أو لإنذارهم على أن (أن) مصدرية وقبلها حرف جر مقدر هو الباء أو اللام وفي المحل بعد الحذف من الجر والنصب قولان مشهوران ونص أبو حيان على جواز هذا الوجه في «بحره» هنا ومنعه في موضع آخر وحكى المنع عنه ابن هشام في «المغني» وقال: زعم أبو حيان أنها لا توصل بالأمر وأن كل شيء سمع من ذلك فأن فيه تفسيرية واستدل بدليلين أحدهما أنهما إذا قدرا بالمصدر فات معنى الأمر الثاني أنهما لم يقعا فاعلاً ولا مفعولاً لا يصح أعجبني أن قم ولا كرهت أن قم كما يصح ذلك مع الماضي والمضارع. والجواب عن الأول أن فوات معنى الأمرية عند التقدير بالمصدر كفوات معنى المضي والاستقبال في الموصولة بالمضارع والماضي عند التقدير المذكور ثم إنه يُسَلِّم مصدرية المخففة مع لزوم نحو ذلك فيها في نحو قوله تعالى{أية : وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ}تفسير : [النور: 9] إذ لا يفهم الدعاء من المصدر إلا إذا كان مفعولاً مطلقاً نحو سقيا ورعيا وعن الثاني أنه إنما منع ما ذكره لأنه لا معنى لتعليق الإعجاب والكراهية بالإنشاء لا لما ذكره ثم ينبغي له أن لا يسلم مصدرية كي لأنها لا تقع فاعلاً ولا مفعولاً وإنما تقع مخفوضة بلام التعليل ثم مما يقطع به على قوله بالبطلان حكاية سيبويه كتبت إليه بأن قم واحتمال زيادة الباء كما يقول وهم فاحش لأن حروف الجر مطلقاً لا تدخل إلا على الاسم أو ما في تأويله انتهى. وأجاب بعضهم عن الأول أيضاً بأنه عند التقدير يقدر الأمر فيقال فيما نحن فيه مثلاً إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه بالأمر بإنذارهم. وتعقب بأنه ليس هناك فعل يكون الأمر مصدره كأمرنا أو نأمر ثم إنه يكون المعنى في / نحو أمرته بأن قم أمرته بالأمر بالقيام وأشار الزمخشري إلى جواب ذلك هو أنه إذا لم يسبق لفظ الأمر أو ما في معناه من نحو رسمت فلا بد من تقدير القول لئلا يبطل الطلب فيقال هنا أرسلناه بأن قلنا له أنذر أي بالأمر بالإنذار وإذا سبقه ذلك لا يحتاج إلا تقديره لأن مآل العبارات أعنى أمرته بالقيام وأمرته بأنه قم وإن قم بدون الباء على أنها مفسرة إلى واحد. وفي «الكشف» لو قيل إن التقدير وأرسلناه بالأمر بالإنذار من دون إضمار القول لأن الأمرية ليست مدلول جوهر الكلمة بل من متعلق الأداة فيقدر بالمصدر تبعاً وفي أمر المخاطب اكتفى بالصيغة تحقيقاً لكان حسناً وهذا كما أن التقدير في أن لا يزني خير له عدم الزنا فيقدر النفي بالمصدر على سبيل التبعية وأما إذا صرح بالأمر فلا يحتاج إلى تقدير مصدر للطلب أيضاً هذا ولو قدر أمرته بالأمر بالقيام أي بأن يأمر نفسه به مبالغة في الطلب لم يبعد عن الصواب ولما فهم منه ما فهم من الأول وأبلغ استعمل استعماله من غير ملاحظة الأصل وادعى بعضهم أن تقدير القول هنا ليس لئلا يفوت معنى الطلب بل لأن الباء المحذوفة للملابسة وإرسال نوح عليه السلام لم يكن ملتبساً بإنذاره لتأخره عنه وإنما هو ملتبس بقول الله تعالى له عليه السلام {أَنذِرْ} ولما كان هذا القول منه تعالى لطلب الإنذار قيل المعنى أرسلناه بالأمر بالإنذار وكأن هذا القائل لا يبالي بفوات معنى الطلب كما يقتضيه كلام ابن هشام المتقدم آنفاً. وبحث الخفاجي فيما ذكروه من الفوات فقال كيف يفوت معنى الطلب وهو مذكور صريحاً في {أَنذِرْ} ونحوه وتأويله بالمصدر المسبوك تأويل لا ينافيه لأنه مفهوم أخذوه من موارد استعماله فكيف يبطل صريح منطوقه فما ذكروه مما لا وجه له وإن اتفقوا عليه فاعرفه انتهى. وأقول لعلهم أرادوا بفوات معنى الطلب فواته عند ذكر المصدر الحاصل من التأويل بالفعل على معنى أنه إذا ذكر بالفعل لا يتحقق معنى الطلب ولا يتحد الكلامان ولم يريدوا أنه يفوت مطلقاً كيف وتحققه في المنطوق الصريح كنار على علم ويؤيد هذا منعهم بطلان اللازم المشار إليه بقول ابن هشام إن فوات معنى الأمرية عند التقدير بالمصدر كفوات المضي والاستقبال الخ فكأنه قيل لا نسلم أن هذا الفوات باطل لم لا يجوز أن يكون كفوات معنى المضي والاستقبال وفوات معنى الدعاء في نحو {أية : أَنَّ غَضَبَ}تفسير : [النور: 9] وقد أجمعوا أن ذلك ليس بباطل لأنه فوات عند الذكر بالفعل وليس بلازم وليس بفوات مطلقاً لظهور أن المنطوق الصريح متكفل به فتدبر. وقرأ ابن مسعود (أنذر) بغير أن على إرادة القول أي قائلين أنذر. {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } عاجل وهو ما حل بهم من الطوفان كما قال الكلبـي أو آجل وهو عذاب النار كما قال ابن عباس، والمراد أنذرهم من قبل ذلك لئلا يبقى لهم عذر ما أصلاً.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة كلها تقص قصة نوح ـ عليه السلام ـ مع قومه؛ وتصف تجربة من تجارب الدعوة في الأرض؛ وتمثل دورة من دورات العلاج الدائم الثابت المتكرر للبشرية، وشوطاً من أشواط المعركة الخالدة بين الخير والشر، والهدى والضلال، والحق والباطل. هذه التجربة تكشف عن صورة من صور البشرية العنيدة، الضالة، الذاهبة وراء القيادات المضللة، المستكبرة عن الحق، المعرضة عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان، المعروضة أمامها في الأنفس والآفاق، المرقومة في كتاب الكون المفتوح، وكتاب النفس المكنون. وهي في الوقت ذاته تكشف عن صورة من صور الرحمة الإلهية تتجلى في رعاية الله لهذا الكائن الإنساني، وعنايته بأن يهتدي. تتجلى هذه العناية في إرسال الرسل تترى إلى هذه البشرية العنيدة الضالة الذاهبة وراء القيادات المضللة المستكبرة عن الحق والهدى. ثم هي بعد هذا وذلك تعرض صورة من صور الجهد المضني، والعناء المرهق، والصبر الجميل، والإصرار الكريم من جانب الرسل ـ صلوات الله عليهم ـ لهداية هذه البشرية الضالة العنيدة العصية الجامحة. وهم لا مصلحة لهم في القضية ولا أجر يتقاضونه من المهتدين على الهداية، ولا مكافأة ولا جُعل يحصلونه على حصول الإيمان! كالمكافأة أو النفقة التي تتقاضاها المدارس والجامعات والمعاهد والمعلمون، في زماننا هذا وفي كل زمان في صورة نفقات للتعليم! هذه الصورة التي يعرضها نوح ـ عليه السلام ـ على ربه، وهو يقدم له حسابه الأخير بعد ألف سنة إلا خمسين عاماً قضاها في هذا الجهد المضني، والعناء المرهق، مع قومه المعاندين، الذاهبين وراء قيادة ضالة مضللة ذات سلطان ومال وعزوة. وهو يقول: {رب. إني دعوت قومي ليلاً ونهارا. فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا. وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارا. ثم إني دعوتهم جهاراً. ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا. فقلت: استغفروا ربكم، إنه كان غفارا، يرسل السمآء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا. ما لكم لا ترجون لله وقارا؟ وقد خلقكم أطوارا؟ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً؟ وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً؟ والله أنبتكم من الأرض نباتاً، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا. والله جعل لكم الأرض بساطاً، لتسلكوا منها سبلاً فجاجا}.. ثم يقول بعد عرض هذا الجهد الدائب الملح الثابت المصر: {رب إنهم عصوني، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا. ومكروا مكراً كبارا. وقالوا: لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا. وقد أضلوا كثيراً..}.. وهي حصيلة مريرة. ولكن الرسالة هي الرسالة! هذه التجربة المريرة تعرض على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو الذي انتهت إليه أمانة دعوة الله في الأرض كلها في آخر الزمان، واضطلع بأكبر عبء كلفه رسول.. يرى فيها صورة الكفاح النبيل الطويل لأخ له من قبل، لإقرار حقيقة الإيمان في الأرض. ويطلع منها على عناد البشرية أمام دعوة الحق؛ وفساد القيادة الضالة وغلبتها على القيادة الراشدة. ثم إرادة الله في إرسال الرسل تترى بعد هذا العناد والضلال منذ فجر البشرية على يدي جدها نوح عليه السلام. وتعرض على الجماعة المسلمة في مكة، وعلى الأمة المسلمة بعامة، وهي الوارثة لدعوة الله في الأرض، وللمنهج الإلهي المنبثق من هذه الدعوة، القائمة عليه في وسط الجاهلية المشتركة يومذاك، وفي وسط كل جاهلية تالية.. ترى فيها صورة الكفاح والإصرار والثبات هذا المدى الطويل من أبي البشرية الثاني. كما ترى فيها عناية الله بالقلة المؤمنة، وإنجاءها من الهلاك الشامل في ذلك الحين. وتعرض على المشركين ليروا فيها مصير أسلافهم المكذبين؛ ويدركوا نعمة الله عليهم في إرساله إليهم رسولاً رحيماً بهم، لا يدعو عليهم بالهلاك الشامل؛ وذلك لما قدره الله من الرحمة بهم وإمهالهم إلى حين. فلم تصدر من نبيهم دعوة كدعوة نوح، بعدما استنفد كل الوسائل، وألهم الدعاء على القوم بما ألهم: {ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً}.. {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا}.. ومن خلال عرض هذه الحلقة من حلقات الدعوة الإلهية على البشرية تتجلى حقيقة وحدة العقيدة وثبات أصولها، وتأصل جذورها. كما يتجلى ارتباطها بالكون وبإرادة الله وقدره، وأحداث الحياة الواقعة وفق قدر الله. وذلك من خلال دعوة نوح لقومه: {قال: يا قوم إني لكم نذير مبين. أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون. يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى، إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون}.. وفي حكاية قوله لهم: {ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً؟ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً؟ وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً؟ والله أنبتكم من الأرض نباتاً، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً، والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً}.. ولإقرار هذه الحقيقة في نفوس المسلمين قيمته في شعورهم بحقيقة دعوتهم، وحقيقة نسبهم العريق! وحقيقة موكبهم المتصل من مطلع البشرية. وحقيقة دورهم في إقرار هذه الدعوة والقيام عليها. وهي منهج الله القويم القديم. وإن الإنسان ليأخذه الدهش والعجب، كما تغمره الروعة والخشوع، وهو يستعرض ـ بهذه المناسبة ـ ذلك الجهد الموصول من الرسل ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ لهداية البشرية الضالة المعاندة. ويتدبر إرادة الله المستقرة على إرسال هؤلاء الرسل واحداً بعد واحد لهذه البشرية المعرضة العنيدة. وقد يعن للإنسان أن يسأل: ترى تساوي الحصيلة هذا الجهد الطويل، وتلك التضحيات النبيلة، من لدن نوح ـ عليه السلام ـ إلى محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثم ما كان بينهما وما تلاهما من جهود المؤمنين بدعوة الله وتضحياتهم الضخام؟ ترى هل تساوي هذا الجهد الذي وصفه نوح في هذه السورة وفي غيرها من سور القرآن، وقد استغرق عمراً طويلاً بالغ الطول، لم يكتف قومه فيه بالإعراض، بل أتبعوه بالسخرية والاتهام. وهو يتلقاهما بالصبر والحسنى، والأدب الجميل والبيان المنير. ثم تلك الجهود الموصولة منذ ذلك التاريخ، وتلك التضحيات النبيلة التي لم تنقطع على مدار التاريخ. من رسل يستهزأ بهم، أو يحرقون بالنار، أو ينشرون بالمنشار، أو يهجرون الأهل والديار.. حتى تجيء الرسالة الأخيرة، فيجهد فيها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك الجهد المشهود المعروف، هو والمؤمنون معه. ثم تتوالى الجهود المضنية والتضحيات المذهلة من القائمين على دعوته في كل أرض وفي كل جيل؟؟ ترى تساوي الحصيلة كل هذه الجهود، وكل هذه التضحيات، وكل هذا الجهاد المرير الشاق؟ ثم.. ترى هذه البشرية كلها تساوي تلك العناية الكريمة من الله، المتجلية في استقرار إرادته سبحانه على إرسال الرسل تترى بعد العناد والإعراض والإصرار والاستكبار، من هذا الخلق الهزيل الصغير المسمى بالإنسان؟! والجواب بعد التدبر: أن نعم: وبلا جدال..! إن استقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض يساوي كل هذا الجهد، وكل هذا الصبر، وكل هذه المشقة، وكل هذه التضحيات النبيلة المطردة من الرسل وأتباعهم الصادقين في كل جيل! ولعل استقرار هذه الحقيقة أكبر من وجود الإنسان ذاته؛ بل أكبر من الأرض وما عليها؛ بل أكثر من هذا الكون الهائل الذي لا تبلغ الأرض أن تكون فيه هباءة ضائعة لا تكاد تحس أو ترى! وقد شاءت إرادة الله أن يخلق هذا الكائن الإنساني بخصائص معينة، تجعل استقرار هذه الحقيقة في ضميره وفي نظام حياته موكولاً إلى الجهد الإنساني ذاته، بعون الله وتوفيقه. ولسنا نعلم لم خلق الله هذا الكائن بهذه الخصائص.. ووكله إلى إدراكه وجهده وإرادته في تحقيق حقيقة الإيمان في ذاته وفي نظام حياته؛ ولم يجبله على الإيمان والطاعة لا يعرف غيرهما كالملائكة، أو يمحضه للشر والمعصية لا يعرف غيرهما كإبليس. لسنا نعلم سر هذا. ولكننا نؤمن بأن هنالك حكمة تتعلق بنظام الوجود كله في خلق هذا الكائن بهذه الخصائص! وإذن فلا بد من جهد بشري لإقراره حقيقة الإيمان في عالم الإنسان. هذا الجهد اختار الله له صفوة من عباده هم الأنبياء والرسل. وثلة مختارة من أتباعهم هم المؤمنون الصادقون. اختارهم لإقرار هذه الحقيقة في الأرض، لأنها تساوي كل ما يبذلون فيها من جهود مضنية مريرة، وتضحيات شاقة نبيلة. إن استقرار هذه الحقيقة في قلب معناه أن ينطوي هذا القلب على قبس من نور الله؛ وأن يكون مستودعاً لسر من أسراره؛ وأن يكون أداة من أدوات قدره النافذ في هذا الوجود.. وهذه حقيقة لا مجرد تصوير وتقريب.. وهي حقيقة أكبر من الإنسان ذاته ومن أرضه وسمائه، ومن كل هذا الكون الكبير! كما أن استقرار حقيقة الإيمان في حياة البشر ـ أو جماعة منهم ـ معناه اتصال هذه الحياة الأرضية بالحياة الأبدية، وارتفاعها إلى المستوى الذي يؤهلها لهذا الاتصال. معناه اتصال الفناء بالبقاء والجزء بالكل والمحدود الناقص بالكمال المطلق.. وهي حصيلة تربى على كل جهد وكل تضحية ولو تحققت على الأرض يوماً أو بعض يوم في عمر البشرية الطويل، لأن تحققها ـ ولو في هذه الصورة ـ يرفع أمام البشرية في سائر أجيالها مشعل النور في صورة عملية واقعية، تجاهد لتبلغ إليها طوال الأجيال! ولقد أثبت الواقع التاريخي المتكرر أن النفس البشرية لم تبلغ إلى آفاق الكمال المقدر لها بأية وسيلة كما بلغتها باستقرار حقيقة الإيمان بالله فيها. وأن الحياة البشرية لم ترتفع إلى هذه الآفاق بوسيلة أخرى كما ارتفعت بهذه الوسيلة. وأن الفترات التي استقرت فيها هذه الحقيقة في الأرض، وتسلم أهلها قيادة البشرية كانت قمة في تاريخ الإنسان سامقة، بل كانت حلماً أكبر من الخيال، ولكنه متمثل في واقع يحياه الناس. وما يمكن أن ترتقي البشرية ولا أن ترتفع عن طريق فلسفة أو علم أو فن أو مذهب من المذاهب أو نظام، إلى المستوى الذي وصلت أو تصل إليه عن طريق استقرار حقيقة الإيمان بالله في نفوس الناس وحياتهم وأخلاقهم وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم.. وهذه الحقيقة ينبثق منها منهج حياة كامل، سواء جاءت مجملة كما هي في الرسالات الأولى، أو مفصلة شاملة دقيقة كما هي في الرسالة الأخيرة. والدليل القاطع على أن هذه العقيدة حقيقة من عند الله؛ هو هذا الذي أثبته الواقع التاريخي من بلوغ البشرية باستقرار حقيقة الإيمان في حياتها ما لم تبلغه قط بوسيلة أخرى من صنع البشر: لا علم، ولا فلسفة، ولا فن، ولا نظام من النظم. وأنها حين فقدت قيادة المؤمنين الحقيقيين لم ينفعها شيء من ذلك كله؛ بل انحدرت قيمها وموازينها وإنسانيتها، كما غرقت في الشقاء النفسي والحيرة الفكرية والأمراض العصبية، على الرغم من تقدمها الحضاري في سائر الميادين، وعلى الرغم من توافر عوامل الراحة البدنية والمتاع العقلي، وأسباب السعادة المادية بجملتها. ولكنها لم تنل السعادة والطمأنينة والراحة الإنسانية أبداً. ولم يرتفع تصورها للحياة قط كما ارتفع في ظل الحقيقة الإيمانية، ولم تتوثق صلتها بالوجود قط كما توثقت في ظل هذه العقيدة، ولم تشعر بكرامة "النفس الإنسانية" قط كما شعرت بها في تلك الفترة التي استقرت فيها تلك الحقيقة. والدراسة الواعية للتصور الإسلامي لغاية الوجود كله وغايه الوجود الإنساني تنتهي حتماً إلى هذه النتيجة. وهذا كله يستحق ـ بدون تردد ـ كل ما يبذله المؤمنون من جهود مضنية، ومن تضحيات نبيلة، لإقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض. وإقامة قلوب تنطوي على قبس من نور الله، وتتصل بروح الله. وإقامة حياة إنسانية يتمثل فيها منهج الله للحياة. وترتفع فيها تصورات البشر وأخلاقهم، كما يرتفع فيها واقع حياتهم إلى ذلك المستوى الرفيع، الذي شهدته البشرية واقعاً في فترة من فترات التاريخ. وستعرض البشرية كما أعرضت عن دعوة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم الكرام. وستذهب مع القيادات الضالة المضلة الممعنة في الضلال. وستعذب الدعاة إلى الحق أنواعاً مختلفة من العذاب، وتنكل بهم ألواناً شتى من النكال. كما ألقت إبراهيم في النار. ونشرت غيره بالمنشار، وسخرت واستهزأت بالرسل والأنبياء على مدار التاريخ. ولكن الدعوة إلى الله لا بد أن تمضي في طريقها كما أراد الله. لأن الحصيلة تستحق الجهود المضنية والتضحيات النبيلة، ولو صغرت فانحصرت في قلب واحد ينطوي على قبس من نور الله، ويتصل بروح الله! إن هذا الموكب المتصل من الرسل والرسالات من عهد نوح ـ عليه السلام ـ إلى عهد محمد ـ عليه أزكى السلام ـ لينبئ عن استقرار إرادة الله على اطراد الدعوة إلى حقيقة الإيمان الكبيرة، وعلى قيمة هذه الدعوة وقيمة الحصيلة. وأقل نسبة لهذه الحصيلة هي أن تستقر حقيقة الإيمان في قلوب الدعاة أنفسهم حتى يلاقوا الموت وما هو أشد من الموت في سبيلها ولا ينكصون عنها. وبهذا يرتفعون على الأرض كلها وينطلقون من جواذبها، ويتحررون من ربقتها. وهذا وحده كسب كبير، أكبر من الجهد المرير. كسب للدعاة. وكسب للإنسانية التي تشرف بهذا الصنف منها وتكرم. وتستحق أن يُسجد الله الملائكة لهذا الكائن، الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء. ولكنه يتهيأ ـ بجهده هو ومحاولته وتضحيته ـ لاستقبال قبس من نور الله. كما يتهيأ لأن ينهض ـ وهو الضعيف العاجز ـ بتحقيق قدر الله في الأرض، وتحقيق منهجه في الحياة. ويبلغ من الطلاقة والتحرر الروحي أن يضحي بالحياة، ويحتمل من المشقة ما هو أكبر من ضياع الحياة، لينجو بعقيدته وينهض بواجبه في محاولة إقرارها في حياة الآخرين، وتحقيق السعادة لهم والتحرر والارتفاع. وحين يتحقق لروح الإنسان هذا القدر من التحرر والانطلاق، يهون الجهد، وتهون المشقة، وتهون التضحية، ويتوارى هذا كله، لتبرز تلك الحصيلة الضخمة التي ترجح الأرض والسماء في ميزان الله.. والآن نستعرض قصة نوح في هذه السورة، وما تمثله من حقيقة تلك الحقيقة! {إنآ أرسلنا نوحاً إلى قومه: أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم. قال: يا قوم: إني لكم نذير مبين: أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون. يغفر لكم من ذنوبكم، ويؤخركم إلى أجل مسمى، إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون}.. تبدأ السورة بتقرير مصدر الرسالة والعقيدة وتوكيده: {إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه}.. فهذا هو المصدر الذي يتلقى منه الرسل التكليف، كما يتلقون حقيقة العقيدة. وهو المصدر الذي صدر منه الوجود كله، وصدرت منه الحياة. وهو الله الذي خلق البشر وأودع فطرتهم الاستعداد لأن تعرفه وتعبده، فلما انحرفوا عنها وزاغوا أرسل إليهم رسله، يردونهم إليه. ونوح ـ عليه السلام ـ كان أول هؤلاء الرسل ـ بعد آدم عليه السلام. وآدم لا يذكر القرآن له رسالة بعد مجيئه إلى هذه الأرض، وممارسته لهذه الحياة؛ ولعله كان معلماً لأبنائه وحفدته حتى إذا طال عليهم الأمد بعد وفاته ضلوا عن عبادة الله الواحد. واتخذوا لهم أصناماً آلهة. اتخذوها في أول الأمر انصاباً ترمز إلى قوى قدسوها. قوى غيبية أو مشهودة. ثم نسوا الرمز وعبدوا الأصنام! وأشهرها تلك الخمسة التي سيرد ذكرها في السورة. فأرسل الله إليهم نوحاً يردهم إلى التوحيد، ويصحح لهم تصورهم عن الله وعن الحياة والوجود. والكتب المقدسة السابقة تجعل إدريس ـ عليه السلام ـ سابقاً لنوح. ولكن ما ورد في هذه الكتب لا يدخل في تكوين عقيدة المسلم، لشبهة التحريف والتزيد والإضافة إلى تلك الكتب. والذي يتجه إليه من يقرأ قصص الأنبياء في القرآن، أن نوحاً كان في فجر البشرية؛ وأن طول عمره الذي قضى منه ألف سنة إلا خمسين عاماً في دعوته لقومه، ولا بد أنهم كانوا طوال الأعمار بهذه النسبة.. أن طول عمره وأعمار جيله هكذا يوحي بأن البشر كانوا ما يزالون قلة لم تتكاثر بعد كما تكاثرت في الأجيال التالية. وذلك قياساً على ما نراه من سنة الله في الأحياء من طول العمر إذا قل العدد، كأن ذلك للتعويض والتعادل.. والله أعلم بذلك.. إنما هي نظرة في سنة الله وقياس! تبدأ السورة بتقرير مصدر الرسالة وتوكيده، ثم تذكر فحوى رسالة نوح في اختصار وهي الإنذار: {أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم}.. والحالة التي كان قوم نوح قد انتهوا إليها، من إعراض واستكبار وعناد وضلال ـ كما تبرز من خلال الحساب الذي قدمه نوح في النهاية لربه ـ تجعل الإنذار هو أنسب ما تلخص به رسالته، وأول ما يفتتح به الدعوة لقومه، الإنذار بعذاب أليم، في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما جميعاً. ومن مشهد التكليف ينتقل السياق مباشرة إلى مشهد التبليغ في اختصار، البارز فيه هو الإنذار، مع الإطماع في المغفرة على ما وقع من الخطايا والذنوب؛ وتأجيل الحساب إلى الأجل المضروب في الآخرة للحساب؛ وذلك مع البيان المجمل لأصول الدعوة التي يدعوهم إليها: {قال: يا قوم إني لكم نذير مبين. أن اعبدوا الله، واتقوه، وأطيعون. يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى. إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم تعلمون}.. {يا قوم إني لكم نذير مبين}.. مفصح عن نذارته، مبين عن حجته، لا يتمتم ولا يجمجم، ولا يتلعثم في دعوته، ولا يدع لبساً ولا غموضاً في حقيقة ما يدعو إليه، وفي حقيقة ما ينتظر المكذبين بدعوته. وما يدعو إليه بسيط واضح مستقيم: {أن اعبدوا الله، واتقوه وأطيعون}.. عبادة لله وحده بلا شريك. وتقوى لله تهيمن على الشعور والسلوك. وطاعة لرسوله تجعل أمره هو المصدر الذي يستمدون منه نظام الحياة وقواعد السلوك. وفي هذه الخطوط العريضة تتلخص الديانة السماوية على الإطلاق. ثم تفترق بعد ذلك في التفصيل والتفريع. وفي مدى التصور وضخامته وعمقه وسعته وشموله وتناوله للجوانب المختلفة للوجود كله، وللوجود الإنساني في التفصيل والتفريع. وعبادة الله وحده منهج كامل للحياة، يشمل تصور الإنسان لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية؛ ولحقيقة الصلة بين الخلق والخالق، ولحقيقة القوى والقيم في الكون وفي حياة الناس.. ومن ثم ينبثق نظام للحياة البشرية قائم على ذلك التصور، فيقوم منهج للحياة خاص. منهج رباني مرجعه إلى حقيقة الصلة بين العبودية والألوهية، وإلى القيم التي يقررها الله للأحياء والأشياء. وتقوى الله.. هي الضمانة الحقيقية لاستقامة الناس على ذلك المنهج، وعدم التلفت عنه هنا أو هناك، وعدم الاحتيال عليه أو الالتواء في تنفيذه. كما أنها هي مبعث الخلق الفاضل المنظور فيه إلى الله، بلا رياء ولا تظاهر ولا مماراة. وطاعة الرسول.. هي الوسيلة للاستقامة على الطريق، وتلقي الهدى من مصدره المتصل بالمصدر الأول للخلق والهداية، وبقاء الاتصال بالسماء عن طريق محطة الاستقبال المباشرة السليمة المضمونة! فهذه الخطوط العريضة التي دعا نوح إليها قومه في فجر البشرية هي خلاصة دعوة الله في كل جيل بعده، وقد وعدهم عليها ما وعد الله به التائبين الثائبين: {يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى}.. وجزاء الاستجابة للدعوة إلى عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله هي المغفرة والتخليص من الذنوب التي سلفت؛ وتأخير الحساب إلى الأجل المضروب له في علم الله. وهو اليوم الآخر. وعدم الأخذ في الحياة الدنيا بعذاب الاستئصال (وسيرد في الحساب الذي قدمه نوح لربه أنه وعدهم أشياء أخرى في أثناء الحياة). ثم بين لهم أن ذلك الأجل المضروب حتمي في موعده، ولا يؤخر كما يؤخر عذاب الدنيا.. وذلك لتقرير هذه الحقيقة الاعتقادية الكبرى: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون}.. كما أن النص يحتمل أن يكون هذا تقريراً لكل أجل يضربه الله؛ ليقر في قلوبهم هذه الحقيقة بوجه عام. بمناسبة الحديث عن الوعد بتأخير حسابهم ـ لو أطاعوا وأنابوا ـ إلى يوم الحساب. وراح نوح ـ عليه السلام ـ يواصل جهوده النبيلة الخالصة الكريمة لهداية قومه، بلا مصلحة له، ولا منفعة؛ ويحتمل في سبيل هذه الغاية النبيلة ما يحتمل من إعراض واستكبار واستهزاء.. ألف سنة إلا خمسين عاماً.. وعدد المستجيبين له لا يكاد يزيد؛ ودرجة الإعراض والإصرار على الضلال ترتفع وتزداد! ثم عاد في نهاية المطاف يقدم حسابه لربه الذي كلفه هذا الواجب النبيل وذلك الجهد الثقيل! عاد يصف ما صنع وما لاقى.. وربه يعلم. وهو يعرف أن ربه يعلم. ولكنها شكوى القلب المتعب في نهاية المطاف، إلى الجهة الوحيدة التي يشكو إليها الأنبياء والرسل والمؤمنون حقيقة الإيمان.. إلى الله.. {قال: رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارا، فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا؛ وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وأصروا، واستكبروا استكبارا. ثم إني دعوتهم جهارا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا. فقلت: استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السمآء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا. ما لكم لا ترجون لله وقارا؟ وقد خلقكم أطوارا؟ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا؟ وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجا؟ والله أنبتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا. والله جعل لكم الأرض بساطا، لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً}... هذا ما صنع نوح وهذا ما قال؛ عاد يعرضه على ربه وهو يقدم حسابه الأخير في نهاية الأمد الطويل. وهو يصور الجهد الدائب الذي لا ينقطع: {إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً}.. ولا يمل ولا يفتر ولا ييئس أمام الإعراض والإصرار: {فلم يزدهم دعائي إلا فراراً}.. فراراً من الداعي إلى الله. مصدر الوجود والحياة، ومصدر النعم والآلاء، ومصدر الهدى والنور. وهو لا يطلب أجراً على السماع ولا ضريبة عل الاهتداء! الفرار ممن يدعوهم إلى الله ليغفر لهم ويخلصهم من جريرة الإثم والمعصية والضلال! فإذا لم يستطيعوا الفرار، لأن الداعي واجههم مواجهة، وتحين الفرصة ليصل إلى أسماعهم بدعوته، كرهوا أن يصل صوته إلى أسماعهم. وكرهوا أن تقع عليه أنظارهم، وأصروا على الضلال، واستكبروا عن الاستجابة لصوت الحق والهدى: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً}.. وهي صورة لإصرار الداعية على الدعوة وتحين كل فرصة ليبلغهم إياها؛ وإصرارهم هم على الضلال. تبرز من ثناياها ملامح الطفولة البشرية العنيدة. تبرز في وضع الأصابع في الآذان، وستر الرؤوس والوجوه بالثياب. والتعبير يرسم بكلماته صورة العناد الطفولي الكامل، وهو يقول: إنهم {جعلوا أصابعهم في آذانهم} وآذانهم لا تسع أصابعهم كاملة، إنما هم يسدونها بأطراف الأصابع. ولكنهم يسدونها في عنف بالغ، كأنما يحاولون أن يجعلوا أصابعهم كلها في آذانهم ضماناً لعدم تسرب الصوت إليها بتاتاً! وهي صورة غليظة للإصرار والعناد، كما أنها صورة بدائية لأطفال البشرية الكبار! ومع الدأب على الدعوة، وتحين كل فرصة، والإصرار على المواجهة.. اتبع نوح ـ عليه السلام ـ كل الأساليب فجهر بالدعوة تارة، ثم زاوج بين الإعلان والإسرار تارة: {ثم إني دعوتهم جهاراً، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً}.. وفي أثناء ذلك كله أطمعهم في خير الدنيا والآخرة. أطمعهم في الغفران إذا استغفروا ربهم فهو ـ سبحانه ـ غفار للذنوب: {فقلت: استغفروا ربكم إنه كان غفاراً}.. وأطمعهم في الرزق الوفير الميسور من أسبابه التي يعرفونها ويرجونها وهي المطر الغزير، الذي تنبت به الزروع، وتسيل به الأنهار، كما وعدهم برزقهم الآخر من الذرية التي يحبونها ـ وهي البنين ـ والأموال التي يطلبونها ويعزونها: {يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً}.. وقد ربط بين الاستغفار وهذه الأرزاق. وفي القرآن مواضع متكررة فيها هذا الارتباط بين صلاح القلوب واستقامتها على هدى الله، وبين تيسير الأرزاق، وعموم الرخاء.. جاء في موضع: {أية : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض ولـكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}.. تفسير : وجاء في موضع: {أية : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم..}..تفسير : وجاء في موضع: {أية : ألا تعبدوا إلا الله إنَّني لكم منه نذير وبشير، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله... }. تفسير : وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله، ومن سنة الحياة؛ كما أن الواقع العملي يشهد بتحققها على مدار القرون. والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد. وما من أمة قام فيها شرع الله، واتجهت اتجاهاً حقيقياً لله بالعمل الصالح والاستغفار المنبئ عن خشية الله.. ما من أمة اتقت الله وعبدته وأقامت شريعته، فحققت العدل والأمن للناس جميعاً، إلا فاضت فيها الخيرات، ومكن الله لها في الأرض واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء. ولقد نشهد في بعض الفترات أمماً لا تتقي الله ولا تقيم شريعته؛ وهي ـ مع هذا ـ موسع عليها في الرزق، ممكن لها في الأرض.. ولكن هذا إنما هو الابتلاء: {أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة}تفسير : ثم هو بعد ذلك رخاء مؤوف، تأكله آفات الاختلال الاجتماعي والانحدار الأخلاقي، أو الظلم والبغي وإهدار كرامة الإنسان.. وأمامنا الآن دولتان كبيرتان موسع عليهما في الرزق، ممكن لهما في الأرض. إحداهما رأسمالية والأخرى شيوعية. وفي الأولى يهبط المستوى الأخلاقي إلى الدرك الأسفل من الحيوانية، ويهبط تصور الحياة إلى الدرك الأسفل كذلك فيقوم كله على الدولار!! وفي الثانية تهدر قيمة "الإنسان" إلى درجة دون الرقيق وتسود الجاسوسية ويعيش الناس في وجل دائم من المذابح المتوالية؛ ويبيت كل إنسان وهو لا يضمن أنه سيصبح ورأسه بين كتفيه لا يطيح في تهمة تحاك في الظلام! وليست هذه أو تلك حياة إنسانية توسم بالرخاء! ونمضي مع نوح في جهاده النبيل الطويل. فنجده يأخذ بقومه إلى آيات الله في أنفسهم وفي الكون من حولهم، وهو يعجب من استهتارهم وسوء أدبهم مع الله، وينكر عليهم ذلك الاستهتار: {ما لكم لا ترجون لله وقاراً؟ وقد خلقكم أطواراً؟}.. والأطوار التي يخاطب بها قوم نوح في ذلك الزمان لا بد أن تكون أمراً يدركونه، أو أن يكون أحد مدلولاتها مما يملك أولئك القوم في ذلك الزمان أن يدركوه، ليرجو من وراء تذكيرهم به أن يكون له في نفوسهم وقع مؤثر، يقودهم إلى الاستجابة. والذي عليه أكثر المفسرين أنها الأطوار الجنينية من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى الهيكل إلى الخلق الكامل.. وهذا يمكن أن يدركه القوم إذا ذكر لهم. لأن الأجنة التي تسقط قبل اكتمالها في الأرحام يمكن أن تعطيهم فكرة عن هذه الأطوار. وهذا أحد مدلولات هذه الآية. ويمكن أن يكون مدلولها ما يقوله علم الأجنة. من أن الجنين في أول أمره يشبه حيوان الخلية الواحدة؛ ثم بعد فترة من الحمل يمثل الجنين شبه الحيوان المتعدد الخلايا. ثم يأخذ شكل حيوان مائي. ثم شكل حيوان ثديي. ثم شكل المخلوق الإنساني.. وهذا أبعد عن إدراك قوم نوح. فقد كشف هذا حديثاً جداً. وقد يكون هذا هو مدلول قوله تعالى في موضع آخر بعد ذكر أطوار الجنين: {أية : ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين}..تفسير : كما أن هذا النص وذاك قد تكون لهما مدلولات أخرى لم تتكشف للعلم بعد.. ولا نقيدهما.. وعلى أية حال فقد وجه نوح قومه إلى النظر في أنفسهم، وأنكر عليهم أن يكون الله خلقهم أطواراً، ثم هم بعد ذلك لا يستشعرون في أنفسهم توقيراً للجليل الذي خلقهم.. وهذا أعجب وأنكر ما يقع من مخلوق! كذلك وجههم إلى كتاب الكون المفتوح: {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً؟ وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً؟}.. والسماوات السبع لا يمكن حصرها في مدلول مما تقول به الفروض العلمية في التعريف بالكون. فهي كلها مجرد فروض. إنما وجه نوح قومه إلى السماء وأخبرهم ـ كما علمه الله ـ أنها سبع طباق. فيهن القمر نور وفيهن الشمس سراج. وهم يرون القمر ويرون الشمس، ويرون ما يطلق عليه اسم السماء. وهو هذا الفضاء ذو اللون الأزرق. أما ما هو؟ فلم يكن ذلك مطلوباً منهم. ولم يجزم أحد إلى اليوم بشيء في هذا الشأن.. وهذا التوجيه يكفي لإثارة التطلع والتدبر فيما وراء هذه الخلائق الهائلة من قدرة مبدعة.. وهذا هو المقصود من ذلك التوجيه. ثم عاد نوح فوجه قومه إلى النظر في نشأتهم من الأرض وعودتهم إليها بالموت ليقرر لهم حقيقة إخراجهم منها بالبعث: {والله أنبتكم من الأرض نباتاً، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً}.. والتعبير عن نشأة الإنسان من الأرض بالإنبات تعبير عجيب موح. وهو يكرر في القرآن في صور شتى. كقوله تعالى: {أية : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً}.تفسير : وهو يشير في هذا إلى نشأة الناس كنشأة النبات. كما يقرن نشأة الإنسان بنشأة النبات في مواضع متفرقة: ففي سورة الحج يجمع بينهما في آية واحدة في صدد البرهنة على حقيقة البعث فيقول: {أية : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، وترى الأرض هامدة، فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج}..تفسير : وفي سورة "المؤمنون" يذكر أطوار النشأة الجنينية قريباً مما ذكرت في سورة الحج ويجيء بعدها: {أية : فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب}..تفسير : وهكذا. وهي ظاهرة تستدعي النظر ولا ريب. فهي توحي بالوحدة بين أصول الحياة على وجه الأرض. وأن نشأة الإنسان من الأرض كنشأة النبات. من عناصرها الأولية يتكون. ومن عناصرها الأولية يتغذى وينمو، فهو نبات من نباتها. وهبة الله هذا اللون من الحياة كما وهب النبات ذلك اللون من الحياة. وكلاهما من نتاج الأرض، وكلاهما يرضع من هذه الأم! وكذلك ينشئ الإيمان في المؤمن تصوراً حقيقياً حياً لعلاقته بالأرض وبالأحياء. تصوراً فيه دقة العلم وفيه حيوية الشعور. لأنه قائم على الحقيقة الحية في الضمير. وهذه ميزة المعرفة القرآنية الفريدة. والناس الذين نبتوا من الأرض يعودون إلى جوفها مرة أخرى. ويعيدهم الله إليها كما أنبتهم منها. فيختلط رفاتهم بتربتها، وتندمج ذراتهم في ذراتها، كما كانوا فيها من قبل أن ينبتوا منها! ثم يخرجهم الذي أول مرة؛ وينبتهم كما أنبتهم أول مرة.. مسألة سهلة يسيرة لا تستدعي التوقف عندها لحظة، حين ينظر الإنسان إليها من هذه الزاوية التي يعرضها القرآن منها! ونوح ـ عليه السلام ـ وجه قومه إلى هذه الحقيقة لتستشعر قلوبهم يد الله وهي تنبتهم من هذه الأرض نباتاً، وهي تعيدهم فيها مرة أخرى. ثم تتوقع النشأة الأخرى وتحسب حسابها، وهي كائنة بهذا اليسر وبهذه البساطة. بساطة البداهة التي لا تقبل جدلاً! وأخيراً وجه نوح قلوب قومه إلى نعمة الله عليهم في تيسير الحياة لهم على هذه الأرض وتذليلها لسيرهم ومعاشهم وانتقالهم وطرائق حياتهم: {والله جعل لكم الأرض بساطاً، لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً}.. وهذه الحقيقة القريبة من مشاهدتهم وإدراكهم تواجههم مواجهة كاملة، ولا يملكون الفرار منها كما كانوا يفرون من صوت نوح وإنذاره. فهذه الأرض بالقياس إليهم مبسوطة ممهدة ـ حتى جبالها قد جعل لهم عبرها دروباً وفجاجاً، كما جعل في سهولها من باب أولى. وفي سبلها ودروبها يمشون ويركبون وينتقلون؛ ويبتغون من فضل الله، ويتعايشون في يسر وتبادل للمنافع والأرزاق. وهم كانوا يدركون هذه الحقيقة المشاهدة لهم بدون حاجة إلى دراسات علمية عويصة، يدرسون بها النواميس التي تحكم وجودهم على هذه الأرض، وتيسر لهم الحياة فيها. وكلما زاد الإنسان علماً أدرك من هذه الحقيقة جوانب جديدة وآفاقاً بعيدة. هكذا سلك نوح ـ أو حاول أن يسلك ـ إلى آذان قومه وقلوبهم وعقولهم بشتى الأساليب، ومتنوع الوسائل في دأب طويل، وفي صبر جميل، وفي جهد نبيل، ألف سنة إلا خمسين عاماً. ثم عاد إلى ربه الذي أرسله إليهم، يقدم حسابه، ويبث شكواه، في هذا البيان المفصل، وفي هذه اللهجة المؤثرة. ومن هذا البيان الدقيق نطلع على تلك الصورة النبيلة من الصبر والجهد والمشقة، وهي حلقة واحدة في سلسلة الرسالة السماوية لهذه البشرية الضالة العصية! فماذا كان بعد كل هذا البيان؟ {قال نوح: رب إنهم عصوني، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً. ومكروا مكراً كباراً. وقالوا لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً. وقد أضلوا كثيراً. ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً}.. رب إنهم عصوني! بعد كل هذا الجهاد، وبعد كل هذا العناء. وبعد كل هذا التوجيه. وبعد كل هذا التنوير. وبعد الإنذار والإطماع والوعد بالمال والبنين والرخاء.. بعد هذا كله كان العصيان. وكان السير وراء القيادات الضالة المضللة، التي تخدع الأتباع بما تملك من المال والأولاد، ومظاهر الجاه والسلطان. ممن {لم يزده ماله وولده إلا خساراً} فقد أغراهم المال والولد بالضلال والإضلال، فلم يكن وراءهما إلا الشقاء والخسران. هؤلاء القادة لم يكتفوا بالضلال.. {ومكروا مكراً كباراً}. مكراً متناهياً في الكبر. مكروا لإبطال الدعوة وإغلاق الطريق في وجهها إلى قلوب الناس. ومكروا لتزيين الكفر والضلال والجاهلية التي تخبط فيها القوم. وكان من مكرهم تحريض الناس على الاستمساك بالأصنام التي يسمونها آلهة: {وقالوا: لا تذرن آلهتكم}.. بهذه الإضافة: {آلهتكم} لإثارة النخوة الكاذبة والحمية الآثمة في قلوبهم. وخصصوا من هذه الأصنام أكبرها شأناً فخصوها بالذكر ليهيج ذكرها في قلوب العامة المضللين الحمية والاعتزاز.. {ولا تذرن وداً، ولا سواعاً، ولا يغوث، ويعوق، ونسراً}.. وهي أكبر آلهتهم التي ظلت تعبد في الجاهليات بعدهم إلى عهد الرسالة المحمدية. وهكذا تلك القيادات الضالة المضللة تقيم أصناماً، تختلف أسماؤها وأشكالها، وفق النعرة السائدة في كل جاهلية؛ وتجمع حواليها الأتباع، وتهيج في قلوبهم الحمية لهذه الأصنام، كي توجههم من هذا الخطام إلى حيث تشاء، وتبقيهم على الضلال الذي يكفل لها الطاعة والانقياد: {وقد أضلوا كثيراً} ككل قيادة ضالة تجمع الناس حول الأصنام.. أصنام الأحجار. وأصنام الأشخاص. وأصنام الأفكار.. سواء!! للصد عن دعوة الله، وتوجيه القلوب بعيداً عن الدعاة، بالمكر الكبّار، والكيد والإصرار! هنا انبعث من قلب النبي الكريم نوح ـ عليه السلام ـ ذلك الدعاء على الظالمين الضالين المضلين، الماكرين الكائدين: {ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً}.. ذلك الدعاء المنبعث من قلب جاهد طويلاً، وعانى كثيراً، وانتهى ـ بعد كل وسيلة ـ إلى اقتناع بأن لا خير في القلوب الظالمة الباغية العاتية؛ وعلم أنها لا تستحق الهدى ولا تستأهل النجاة. وقبل أن يعرض السياق بقية دعاء نوح ـ عليه السلام ـ يعرض ما صار إليه الظالمون الخاطئون في الدنيا والآخرة جميعاً! فأمر الآخرة كأمر الدنيا حاضر بالقياس إلى علم الله، وبالقياس إلى الوقوع الثابت الذي لا تغيير فيه: {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً. فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً}. فبخطيئاتهم وذنوبهم ومعصياتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً. والتعقيب بالفاء مقصود هنا، لأن إدخالهم النار موصول بإغراقهم؛ والفاصل الزمني القصير كأنه غير موجود، لأنه في موازين الله لا يحسب شيئاً. فالترتيب مع التعقيب كائن بين إغراقهم في الأرض وإدخالهم النار يوم القيامة. وقد يكون هو عذاب القبر في الفترة القصيرة بين الدنيا والآخرة.. {فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً}.. لا بنون ولا مال ولا سلطان ولا أولياء من الآلهة المدعاة! وفي آيتين اثنتين قصيرتين ينتهي أمر هؤلاء العصاة العتاة، ويطوى ذكرهم من الحياة! وذلك قبل أن يذكر السياق دعاء نوح عليهم بالهلاك والفناء.. ولا يفصل هنا قصة غرقهم، ولا قصة الطوفان الذي أغرقهم. لأن الظل المراد إبقاؤه في هذا الموقف هو ظل الإجهاز السريع، حتى ليعبر المسافة بين الإغراق والإحراق في حرف الفاء! على طريقة القرآن في إيقاعاته التعبيرية والتصويرية المبدعة. فنقف نحن في ظلال السياق لا نتعداها إلى تفصيل قصة الإغراق.. ولا الإحراق..! ثم يكمل دعاء نوح الأخير؛ وابتهاله إلى ربه في نهاية المطاف: {وقال نوح: رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً. رب اغفر لي ولوالدي، ولمن دخل بيتي مؤمناً، وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً}.. فقد ألهم قلب نوح أن الأرض تحتاج إلى غسل يطهر وجهها من الشر العارم الخالص الذي انتهى إليه القوم في زمانه. وأحياناً لا يصلح أي علاج آخر غير تطهير وجه الأرض من الظالمين، لأن وجودهم يجمد الدعوة إلى الله نهائياً، ويحول بينها وبين الوصول إلى قلوب الآخرين. وهي الحقيقة التي عبر عنها نوح، وهو يطلب الإجهاز على أولئك الظالمين إجهازاً كاملاً لا يبقي منهم دياراً ـ أي صاحب ديار ـ فقال: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك}.. ولفظة {عبادك} توحي بأنهم المؤمنون. فهي تجيء في السياق القرآني في مثل هذا الموضوع بهذا المعنى. وذلك بفتنتهم عن عقيدتهم بالقوة الغاشمة، أو بفتنة قلوبهم بما ترى من سلطان الظالمين وتركهم من الله في عافيه! ثم إنهم يوجدون بيئة وجواً يولد فيها الكفار، وتوحي بالكفر من الناشئة الصغار، بما يطبعهم به الوسط الذي ينشئه الظالمون، فلا توجد فرصة لترى الناشئة النور، من خلال ما تغمرهم به البيئة الضالة التي صنعوها. وهي الحقيقة التي أشار إليها قول النبي الكريم نوح عليه السلام، وحكاها عنه القرآن: {ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً}.. فهم يطلقون في جو الجماعة أباطيل وأضاليل، وينشئون عادات وأوضاعاً ونظماً وتقاليد، ينشأ معها المواليد فجاراً كفاراً، كما قال نوح.. من أجل هذا دعا نوح ـ عليه السلام ـ دعوته الماحقة الساحقة. ومن أجل هذا استجاب الله دعوته، فغسل وجه الأرض من ذلك الشر؛ وجرف العواثير التي لا تجرفها إلا قوة الجبار القدير. وإلى جانب الدعوة الساحقة الماحقة التي جعلها خاتمة دعائه وهو يقول: {ولا تزد الظالمين إلا تباراَ} ـ أي هلاكاً ودماراً ـ إلى جانب هذا كان الابتهال الخاشع الودود: {رب اغفر لي ولوالدي، ولمن دخل بيتي مؤمناً، وللمؤمنين والمؤمنات...}. ودعاء نوح النبي لربه أن يغفر له.. هو الأدب النبوي الكريم في حضرة الله العلي العظيم.. أدب العبد في حضرة الرب. العبد الذي لا ينسى أنه بشر، وأنه يخطئ، وأنه يقصر، مهما يطع ويعبد، وأنه لا يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله بفضله، كما قال أخوه النبي الكريم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا هو الاستغفار الذي دعا قومه العصاة الخاطئين إليه، فاستكبروا عليه.. وهو هو النبي يستغفر بعد كل هذا الجهد وكل هذا العناء. يستغفر وهو يقدم لربه سجل الحساب! ودعاؤه لوالديه.. هو بر النبوة بالوالدين المؤمنين ـ كما نفهم من هذا الدعاء ـ ولو لم يكونا مؤمنين لروجع فيهما كما روجع في شأن ولده الكافر الذي أغرق مع المغرقين (كما جاء في سورة هود). ودعاؤه الخاص لمن دخل بيته مؤمناً.. هو بر المؤمن بالمؤمن؛ وحب الخير لأخيه كما يحبه لنفسه، وتخصيص الذي يدخل بيته مؤمناً، لأن هذه كانت علامة النجاة، وحصر المؤمنين الذين سيصحبهم معه في السفينة. ودعاؤه العام بعد ذلك للمؤمنين والمؤمنات.. هو بر المؤمن بالمؤمنين كافة في كل زمان ومكان. وشعوره بآصرة القربى على مدار الزمن واختلاف السكن. وهو السر العجيب في هذه العقيدة التي تربط بين أصحابها برباط الحب الوثيق، والشوق العميق، على تباعد الزمان والمكان. السر الذي أودعه الله هذه العقيدة، وأودعه هذه القلوب المربوطة برباط العقيدة.. وفي مقابل هذا الحب للمؤمنين، كان الكره للظالمين. {ولا تزد الظالمين إلا تباراً}.. وتختم السورة، وقد عرضت تلك الصورة الوضيئة لجهاد النبي الكريم نوح عليه السلام. وتلك الصورة المطموسة لإصرار المعاندين الظالمين.. وقد تركت هذه وتلك في القلب حباً لهذا الروح الكريم وإعجاباً بهذا الجهاد النبيل، وزاداً للسير في هذا الطريق الصاعد، أياً كانت المشاق والمتاعب. وأياً كانت التضحيات والآلام. فهو الطريق الوحيد الذي ينتهي بالبشرية إلى أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض. حين ينتهي بها إلى الله، العلي الأعلى، الجليل العظيم..
ابن عاشور
تفسير : افتتاح الكلام بالتوكيد للاهتمام بالخبر إذ ليس المقام لرد إنكار منكر، ولا دفع شك عن متردد في هذا الكلام. وكثيراً ما يَفتتح بلغاء العرب أول الكلام بحرف التوكيد لهذا الغرض وربما جعلوا (إن) دَاخلةً على ضمير الشأن في نحو قوله تعالى: {أية : إنه من سليمان وإِنه باسم الله الرحمان الرحيم * أن لا تعلوا علي} تفسير : الآية [النمل: 30، 31]. وذكْر نوح عليه السلام مضى في سورة آل عمران. وتقدم أن هذا الاسم غير عربي، وأنه غير مشتق من مادة النّوح. و {أن أنذر قومك} إلى آخره هو مضمون ما أرسل به نوح إلى قومه، فـ {أنْ} تفسيرية لأنها وقعت بعد {أرسلنا}. وفيه معنى القول دون حروفه. ومعنى {من قَبْلِ أن يأتيهم عذاب أليم} أنه يخوفهم غضب الله تعالى عليهم إذ عبدوا الأصنام ولم يتقوا الله ولم يطيعوا ما جاءهم به رسوله، فأمره الله أن ينذرهم عذاباً يأتيهم من الله ليكون إنذاره مقدّماً على حلول العذاب. وهذا يقتضي أنه أُمر بأن يعلمهم بهذا العذاب، وأن الله وقَّته بمدة بقائهم على الشرك بعد إبلاغ نوح إليهم ما أُرسل به في مدة يقع الإِبلاغ في مثلها، فحذف متعلّق فعل {أنذر} لدلالة ما يأتي بعده من قوله: {أية : أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} تفسير : [نوح: 3]. وحرف {مِنْ} زائد للتوكيد، أي قبلَ أن يأتيهم عذاب فهي قبليَّة مؤكدة وتأكيدها باعتبار تحقيق ما أضيف إليه (قبل). و «قوم نوح» هم الناس الذين كانوا عامرين الأرضَ يومئذٍ، إذ لا يوجد غيرهم على الأرض كما هو ظاهر حديث الشفاعة وذلك صريح ما في التوراة. والقوم: الجماعة من الناس الذين يجمعهم موطن واحد أو نسب واحد برجالهم ونسائهم وأطفالهم. وإضافة (قوم) إلى ضمير {نوح} لأنه أرسل إليهم فلهم مزيد اختصاص به، ولأنه واحد منهم وهم بيَن أبناءٍ لَه وأنسباءٍ فإضافتهم إلى ضميره تعريف لهم إذ لم يكن لهم اسم خاص من أسماء الأمم الواقعة من بعد. وعُدل عن أن يقال له: أنذر الناس إلى قوله: {أنذر قومك} إلهاباً لنفس نوح ليكون شديد الحرص على ما فيه نجاتهم من العذاب، فإن فيهم أبناءه وقرابته وأحبته، وهم عدد تكوّن بالتوالد في بني آدم في مدة ستمائة سنة من حلول جنس الإنسان على الأرض. ولعل عددهم يوم أرسل إليهم نوح لا يتجاوز بضعة آلاف.
الشنقيطي
تفسير : فيه بيان أن الله تعالى أرسل رسوله نوحاً لينذر قومه قبل أن يأتيهم العذاب فالنذارة أولاً وهي عامة في جميع الأمم والرسل. كقوله تعالى: {أية : وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15] وذلك لإقامة الحجة أولاً، كما في قوله تعالى: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [النساء: 165]، وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان هذه المسألة في سورة بني إسرائيل على قوله تعالى: {أية : وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه، وقلنا له: أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب شديد الإيلام. 2، 3، 4- قال نوح: يا قوم إنى لكم نذير مُبَيِّن رسالة ربكم بلغة تعرفونها، أن أطيعوا الله واخضعوا له فى أداء الواجبات، وخافوه بترك المحظورات، وأطيعونى فيما أنصح لكم به، يغفر الله لكم ذنوبكم ويُمد فى أعماركم إلى أجل مسمى جعله غاية الطول فى العمر، إن الموت إذا جاء لا يؤخر أبداً، لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء أجلكم لآمنتم. 5، 6- قال نوح: رب إنى دعوت قومى إلى الإيمان ليلاً ونهاراً بلا فتور، فلم يزدهم دعائى لهم إلا هروباً من طاعتك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنا أرسلنا نوحا إلى قومه: أي أهل الأرض كافة والدليل إغراقهم أجمعين. أن أنذر قومك: أي بإِنذار قومك. إني لكم نذير مبين: أي بين النذارة ظاهرها. أن اعبدوا الله: أي وحده بفعل محابه وترك مكارهه ولا تشركوا به شيئا. واتقوه: فلا تعصوه بترك عبادته ولا بالشرك به. وأطيعون: فيما آمركم به وأنهاكم عنه لأني مبلغ عن الله ربي وربكم. يغفر لكم من ذنوبكم: أي ذنوبكم التي هي الشرك والمعاصي فمن زائدة لتقوية الكلام أو هي تبعيضية لأن ما كان حقا لآدمي كمال وعرض لا يغفر إلا بالتوبة. ويؤخركم إلى أجل مسمى: أي إلى نهاية آجالكم المسماة لكم في كتاب المقادير فلا يعجل لكم بالعذاب. إن أجل الله: أي بعذابكم. لا يؤخر: إن لم تؤمنوا. لو كنتم تعلمون: أي لآمنتم. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} يخبر تعالى لافتاً نظر منكري رسالة نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم من مشركي قريش وكفار مكة أن محمداً رسول الله ليس بأول رسول تنكر رسالته، كما أن السورة بجملتها فيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما يلاقي من مشركي قومه إذ نوح عليه السلام قد لاقى ما هو أشد وأطول مدة والآيات ناطقة بذلك وقوله تعالى {أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ} أي أرسلناه بإِنذار قومه من قبل أن يأتيهم عذاب أليم هو عذاب الدنيا بالاستئصال وعذاب الآخرة بالاستمرار والدوام. وقوله تعالى {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي امتثل نوح أمر ربه وقال لقومه يا قوم أني لكم نذير مبين أي مخوف من عواقب كفركم بالله وشرككم به. {أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} اعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا واتقوه فلا تعصوه بترك عبادته ولا بالشرك به، وأطيعون فيما آمركم به وأنهاكم عنه لأني مبلغ عن الله ربي وربكم ولا آمركم إلا بما يكملكم ويسعدكم ولا أنهاكم إلا عما يضركم ولا يسركم فإِن تجيبوا لما دعوتكم إليه يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى أي إلى نهاية آجالكم فلا يعاجلكم بالعقوبة {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ} أي بعذابكم إذا جاء لا يؤخر {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي لو علمتم ذلك لأنبتم إلى ربكم فتبتم إليه واستغفرتموه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية إذ الذي أرسل نوحاً يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ومن شاء إلى من شاء. 2- تقرير التوحيد إذ نوح أرسل إلى قوم مشركين لإِبطال الشرك وتحقيق التوحيد. 3- تقرير معتقد القضاء والقدر لقوله {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي في كتاب المقادير.
القطان
تفسير : ليلا ونهارا: دائما. جعلوا أصابعهم في آذانهم: سدّوا آذانهم حتى لا يسمعوا. استغشَوا ثيابهم: تغطوا بها لئلا يروا. يُرسِل السماءَ عليكم: يرسل المطر. مدرارا: غزيرا. لقد اخبر الله تعالى في أول هذه السورة الكريمة أنه أرسل نوحاً الى قومه لينذرَهم بأسه قبل أن يأتيَهم عذابٌ شديد. فقال نوح: يا قوم إنّي نذيرٌ لكم، فعليكم أن تعبدوا اللهَ وحده وتطيعوه، فإن أطعتُم وآمنتم يغفرْ لكم ذنوبَكم ويمدّ في أعماركم {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} ووقتٍ محدّد، إن أمر الله اذا جاء لا يُردّ ولا يؤجَّل {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. فعصاه قومُه ولم يستجيبوا له فقال: يا رب، لقد دعوتُ قومي لعبادتك ليلاً ونهاراً فلم تزدهم دعوتي لهم إلا فِرارا من دِينك، وإني كلّما دعوتُهم لتغفرَ لهم، سدُّوا مسامعَهم بأصابعهم وغطوا رؤوسهم بثيابهم حتى لا يسمعوا الحقَّ وأصروا على كفرهم {وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً}. ثم إني دعوتُهم بأعلى صوتي جهارا، كما دعوتُهم سِرا، وقلت لهم: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} يُغِيثْكم ويُرْسِلِ الأمطار عليكم غزيرةً تُخصِب أرضَكم وتُحيي زروعكم، ويمدُّكم بالأموالِ والبنين، {وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} تجري من تحتِها، لتعيشوا بأحسنِ حال. قراءات: قرأ عاصم وحمزة وابو عمرو: انِ اعبدوا الله بكسر النون لالتقاء الساكنين. والباقون: أنُ اعبدوا الله بضم النون. وقرأ الجمهور: دعائي بفتح الياء. وقرأ الكوفيون ويعقوب: دعائي باسكان الياء كما هو في المصحف.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ وَقُلْنَا لَهُ: أَنْذِرْ قَوْمَكَ بَأْسَ اللهِ وَعَذَابَهُ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذَابُ اللهِ الأَلِيمُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} {مِّن} صلة {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} وهو الموت فلا يهلككم بالعذاب {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} نفاراً وإدباراً عنه {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ} لئلاّ يسمعوا دعوتي {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} غطوا بها وجوههم لئلاّ يروني ولا يسمعوا صوتي {وَأَصَرُّواْ} على الكفر {وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ} الدعوة {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً}. أخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن عمران بن هارون قال: حدّثنا أبو عبيد الله المخزومي قال: حدّثنا سفيان عن مطرف عن الشعبي: أن عمر خرج يستسقي بالناس، فلم يزد على الاستغفار حتّى رجع، فقالوا له: ما رأيناك استسقيت، فقال عمر: لقد طلبت المطر لمحاويج السماء التي يستنزل منها المطر، ثمّ قرأ: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً}. {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ} بساتين { وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} جارية، وذلك أن قوم نوح لما كذّبوه زماناً طويلا حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فهلكت أموالهم ومواشيهم، فوعدهم الله إن آمنوا أن يرد عليهم. وروى الربيع بن صبيح أن رجلاً أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة، فقال له الحسن: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وأتاه آخر فقال: ادع الله أن يرزقني ابناً، فقال له: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه فقال له: استغفر الله فقلنا أتاك رجال يشكون أبواباً ويسألون أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فقال: ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيئاً إنّما أعتبرت فيه قول الله سبحانه حكاية عن نبيّه نوح (عليه السلام) إنّه قال لقومه: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً}. {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً}. قال ابن عباس ومجاهد: ما لكم لا ترون لله عظمة، سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون لله حقّ عظمته. منصور عن مجاهد: لا تبالون لله عظمته. العوفي عن ابن عباس: لا تعلمون لله عظمة. قتادة: لا ترجون لله عاقبة، ابن زيد: لا ترون لله طاعة. الكلبي: لا تخافون لله عظمة. ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يثبكم على توقيركم إياه خير، الحسن: لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. سعيد بن جبير أيضاً: لا يرجون لله ثواباً ولا يخافون عقاباً، والرجاء من الأضداد يكون أملا وخوفاً. {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} تارات ومرات حالا بعد حال، نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة، إلى تمام الخلقة {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً}. {وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً} قال الحسن: يعني في السماء الدنيا. وهذا جائز في كلام العرب، كما يقال: أتيت بني تميم وأتاني بعضهم، ويقول: فلان متوار في دور بني فلان، وإنّما هو في دار واحدة. وقال مقاتل: هو معناه وجعل القمر معهن نوراً لأهل الأرض، {فِي} بمعنى مع. وقال عبد الله بن محمد: وإن الشمس والقمر وجوههما قبل السموات وضوء الشمس ونور القمر منها وأقفيتها قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك آية من كتاب الله سبحانه {وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً} مصباحاً مضيئاً. وقيل لعبد الله بن عمر: ما بال الشمس تُصلينا أحياناً وتبرد علينا أحياناً، فقال: إنّها في الصيف في السماء الرابعة وفي الشتاء في السماء السابعة عند عرش الرحمن، ولو كانت في السماء الدنيا لما قام لها شيء. {وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} وكان حقّه إنباتاً ولكنّه مصدر مخالف للصدر، وقال الخليل: مجازه: فنبتم نباتاً {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا} أمواتاً {وَيُخْرِجُكُمْ} منها أحياءً {إِخْرَاجاً * وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً} مهاداً يحملكم ويستركم أمواتا {لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} طرقاً مختلفة. {قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً} وهم القادة والأشراف {وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً} عظيماً يقال: كبر كبار بالتخفيف وكبّار بالتشديد، كلها بمعنى واحد ونظيره في كلام العرب، أمر عجيب وعجاب وعجّاب، ورجل حسان وحسّان، وكمال وكمّال، وقرّاء للقاريووضّاء للوضي، وأنشد ابن السكيت: شعر : بيضاء تصطاد القلوب وتستبي وبالحُسن قلب المسلم القراء تفسير : وقال آخر: شعر : والمرء يلحقه بقيتان الندى خُلق الكريم وليس بالوضاء تفسير : وقرأ ابن محيص وعيسى: كبارا بالتخفيف، واختلفوا في معنى مكرهم. فقال ابن عباس: قالوا قولا عظيماً. الحسن: مكروا في دين الله وأهله مكراً عظيماً. الضحاك: افتروا على الله وكذّبوا رسله. وقيل: حرّشوا أسفلتهم على قتل نوح. {وَقَالُواْ} لهم {لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً} قرأ أهل المدينة بضم الواو،وغيرهم بفتحها وهما لغتان {وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ} قراءة العامة غير مجرى فيهما، قال أبو حاتم: لأنهما على بناء فعل مضارع وهما مع ذلك أعجميان. وقرأ الأعمش وأشهب العقيلي: ولا يغوثاً ويعوقاً مصروفين {وَنَسْراً}. أخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدّثنا محمد بن بكار بن المرقان، قال: حدّثنا أبو معشر عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب، قال: كان لآدم (عليه السلام) خمس بنين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكانوا عباداً فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزناً شديداً، فجاءهم الشيطان، فقال: هل لكم أن أصور لكم في قبلتكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا: نكره أن يجعل في قبلتنا شيئاً نصلي إليه، قال: فأجعله في مؤخّر المسجد. قالوا: نعم فصوره لهم من صفر ورصاص، ثمّ مات آخر فصوّره لهم، ثمّ مات آخر فصوّره لهم، قال: فنقصت الأشياء كما ينقصون اليوم وأقاموا على ذلك ما شاء الله، ثمّ تركوا عبادة الله سبحانه فأتاهم الشيطان فقال: ما لكم لا تعبدون شيئاً، قالوا: من نعبد؟ قال: هذه آلهتكم وآلهة آبائكم لا ترونها مصوّرة في مصلاّكم، قال: فعبدوها من دون الله عزّوجل، حتّى بعث الله عزّوجلّ نوحاً فدعاهم إلى عبادة الله سبحانه، فقالوا: {لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} إلى قوله سبحانه وتعالى: {وَنَسْراً}. وروى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس، {وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} قال: كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح (عليهما السلام)، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوّروهم، فلمّا ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال: إنّما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم. قال ابن عباس: كان نوح يحرس جسد آدم على جبل بالهند، يحول بين الكافرين وبين أن يطوفوا بقبره، فقال لهم الشيطان: إنّ هؤلاء يفخرون عليكم فيزعمون أنّهم بنو آدم دونكم وإنّما هو جسد وأنا أصور لكم مثله تطوفون به، فنحت خمسة أصنام وحملهم على عبادتها وهي ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فلما كان أيام الغرق دفن الطوفان تلك الأوثان وطمّها التراب، فلم تزل مدفونة حتّى أخرجها الشيطان لمشركي العرب، فاتخذت قضاعة ودّاً فعبدوها بدومة الجندل، ثمّ توارثه بنوه الأكابر فالأكابر حتّى صارت إلى كلب فجاء الإسلام وهو عندهم، وأخذ أعلى وأنعم وهما من طي يغوث فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زماناً، ثمّ إن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه من أعلى وأنعم، ففروا به إلى الحصين أخي بني الحرث بن كعب، وأما يعوق فكان لكهلان، ثمّ توارثه بنوه الأكبر فالأكبر، حتّى صار إلى همدان، وأما نسر فكان لخثعم يعبدونه، وأما سواع فكان لآل ذي الكلاع يعبدونه. وقال عطاء وقتادة والثمالي والمسيب: صارت أوثان قوم نوح إلى العرب فكان ود لكلب بدومة الجندل، وكان سواع برهاط لهذيل، وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجوف، وكان يعوق لهمدان، وكان نسر لآل ذي الكلاع من حمير، وأما اللات فلثقيف، وأما العزى فلسليم وغطفان وخثعم ونصر وسعيد بن بكر، وأما مناة فكانت لقديد، وأما أساف ونائلة وهبل فلأهل مكّة، وكان أساف حيال الحجر الأسود، وكانت نائلة حيال الركن اليماني، وكان هبل في جوف الكعبة ثمانية عشر ذراعاً. وقال الواقدي: كان ودّ على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير. {وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً} أي ضل بعبادتها وبسببها كثيراً من الناس نظيره {أية : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [إبراهيم: 36] {وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً * مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ} أي من خطاياهم و(ما) صلة وقرأ أبو عمروا خطاياهم {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً} وقرأ أبو حيوة والأعمش: مما خطتهم على الواحد، وروى أبو روق عن الضحاك في قوله سبحانه: {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} قال: يعني في الدنيا في حالة واحدة كانوا يغرقون من جانب ويحترقون في الماء من جانب. أنشدنا أبو القيّم الحسن قال: أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رمح، قال: أنشدنا أبو بكر بن الأنبازي: شعر : الخلق مجتمع طوراً ومفترق والحادثات فنون ذات أطوار لا تعجبنّ لأضداد إن اجتمعت فاللهُ يجمع بين الماء والنار تفسير : {وَقَالَ نُوحٌ} قال مقاتل: نوح بالسريانية الساكن، وإنّما سمّي نوحاً؛ لأنّ الأرض سكنت إليه {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}. أحداً يدور في الأرض فيذهب ويحيى،وهو فيعال من الدوران مثل القيام أصله قيوام وديّوار. وقال القتيبي: أصله من الدارأي نازل داراً {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ} قال ابن عباس: كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول: احذر هذا فإنّه كذّاب وإن أبي حذّرنيه فيموت الكبير وينشأ الصغير عليه. {وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} يعني: من سيكفر ويفجر. قال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن زيد: إنّما قال نوح (عليه السلام) هذا حين أخرج الله تعالى كلّ مؤمن أصلابهم وأرحام نسائهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة، وقيل: سبعين سنة وأخبر الله سبحانه وتعالى نوحاً أنّهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمناً، فحينئذ دعا عليهم نوح، فأجاب الله سبحانه دعاءه فأهلكهم كلّهم ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب. وقال أبو العالية والحسن: لو أهلك أطفالهم معهم لكان عذاباً من الله لهم، ولكن الله تعالى أهلك ذريتهم وأطفالهم بغير عذاب ثم أهلكهم، والدليل عليه قوله سبحانه: {أية : وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ} تفسير : [الفرقان: 37] وقد علمنا أن الأطفال لم يكذّبوا الرسل وإنّما وقع العذاب على المكذّبين. {رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً} أي داري، وقال الضحاك: مسجدي، وقيل: سفينتي {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} عامة وقال الكلبي: من أُمّة محمد صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً} هلاكاً ودماراً.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱسْتَغْشَوْاْ} غطوا غشَّاه أَي غطاه، والغشاء الغطاء {مِّدْرَاراً} غزيراً متتابعاً {أَطْوَاراً} أحوالاً مختلفة طوراً بعد طور قال الشاعر: شعر : "والمرء يخلق طوراً بعد أطوار" تفسير : {فِجَاجاً} واسعات جمع فج وهو الطريق الواسعة {كُبَّاراً} كبيراً بالغ الغاية في الكبر {دَيَّاراً} أحداً يدور أو يتحرك على ظهر الأرض {تَبَاراً} هلاكاً ودماراً. التفسِير: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} أي بعثنا شيخ الأنبياء نوحاً عليه السلام إِلى سكان جزيرة العرب قال الألوسي: واشتهر أنه عليه السلام كان يسكن أرض الكوفة وهناك أرسل {أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي بأن خوف قومك وحذرهم إن لم يؤمنوا من عذاب شديد مؤلم، وهو عذاب الطوفان في الدنيا، وعذاب النار في الآخرة {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي فدعاهم إلى الله وقال لهم: إني لكم منذر، موضح لحقيقة الأمر، أُنذركم وأُخوفكم عذاب الله، فأمري واضح ودعوتي ظاهرة قال المفسرون: نوح عليه السلام أول نبي أرسل، ويقال له: شيخ المرسلين، لأنه أطولهم عمراً فقد مكث في قومه كما قص القرآن الكريم {أية : أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً}تفسير : [العنكبوت: 14] يدعوهم إلى الله، ومع طول هذه المدة لم يؤمن معه إلا قليل، وقد أفرد القرآن قصته في هذه السورة الكريمة التي تسمى "سورة نوح" من بدء الدعوة إِلى نهايتها، حيث أهلك الله قومه بالطوفان، وهو أحد الرسل الكبار من أولي العزم وهم خمسة "نوح، ابراهيم، موسى، عيسى، محمد" صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد شاع الكفر في زمانه وذاع، واشتهر قومه بعبادة الأوثان، واكثروا من البغي والظلم والعصيان، فبعث الله لهم نوحاً عليه السلام وكان من خبرهم مع نبيهم ما قصه الله علينا في القرآن {أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} أي فقال لهم: اعبدوا الله وحده، واتركوا محارمه، واجتنبوا مآثمه، وأطيعوني فيما أمرتكم به من طاعة الله، وترك عبادة الأوثان والأصنام {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي إنكم إن فعلتم ما أمرتكم به، يمحو الله عنكم ذنوبكم التي اقترفتموها، وإنما قال {مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي بعض ذنوبكم التي حصلت قبل الإِسلام، لأن الإِيمان يجب ما قبله من الذنوب لا ما بعده {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي ويمد في أعماركم إن أطعتم ربكم، إلى وقت مقدر ومقرر في علم الله تعالى، مع التمتع بالحياة السعيدة، والعيش الرغيد قال المفسرون: المراد بتأخير الأجل هو التأخير بلا عذاب، أي يمهلهم في الدنيا بدون عذاب إلى انتهاء آجالهم، وأما العمر فهو محدود لا يتقدم ولا يتأخر {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}تفسير : [الأعراف: 34] ولهذا قال بعده {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ} أي إن عمر الإِنسان عند الله محدود، لا يزيد ولا ينقص، وإنما أضيف الأجل إلى الله سبحانه لأنه هو الذي كتبه وأثبته {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي لو كنتم تعلمون ذلك لسارعتم إلى الإِيمان {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً} أي قال نوح بعد أن بذل غاية الجهد، وضاقت عليه الحيل: يا رب إِني دعوت قومي إلى الإِيمان والطاعة، في الليل والنهار، من غير فتور ولا توانٍ {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} أي فلم يزدهم دعائي لهم إلى الإِيمان إلا هرباً، وشروداً عن الحق، وإعراضاً عنه.. ثم وصف نفورهم وصور إعراضهم أبلغ تصوير فقال {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ} أي كلما دعوتهم إلى الإِقرار بوحدانية الله والعمل بطاعته، ليكون سبباً في مغفرة ذنوبهم قال في التسهيل: ذكر المغفرة التي هي سبب عن الإِيمان، والعمل بطاعته، ليكون سبباً في مغفرة ذنوبهم قال في التسهيل: ذكر المغفرة التي هي سبب عن الإِيمان، ليظهر قبح إعراضهم عنه، فإنهم أعرضوا عن سعادتهم {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ} أي سدوا آذانهم لئلا يسمعوا دعوتي {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} أي غطوا رؤوسهم ووجوههم بثيابهم، لئلا يسمعوا كلامي أو يروني قال في البحر: والظاهر أن ذلك حقيقة، سدوا مسامعهم حتى لا يسمعوا ما دعاهم إِليه، وتغَطَّوا بثيابهم حتى لا ينظروا إليه، كراهة وبغضاً من سماع النصح ورؤية الناصح، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن المبالغة في إعراضهم عمَّا دعاهم إليه، فهم بمنزلة من سد سمعه، ومنع بصره {وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} أي واستمروا على الكفر والطغيان، واستكبروا عن الإِيمان استكباراً عظيماً، وفيه إِشارة إلى فرط عنادهم، وغلوهم في الضلال {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً} أي دعوتهم علناً على رؤوس الأشهاد، مجاهراً بدعوتي لهم دون خوف أو تحفظ {ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} أي أخبرتهم سراً وعلناً، خفيةً وجهراً، وسلكت معهم كل طريق في الدعوة إِليك قال المفسرون: والعطف بثُمَّ يشعر بأن الإِعلان والإِسرار الأخيرين، كانا طريقة ثالثة سلكها نوح في الدعوة، غير طريقة السر المحضة، وغير طريقة الجهر المحضة، فكان في الطريقة الثالثة يعلن لهم الدعوة مرة حيث يصلح الإِعلان، ويسرها لهم أخرى حيث يتوقع نفع الإِسرار، ثم وضح ما وعظهم به سراً وعلانية فقال {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} أي آمنوا بالله وتوبوا عن الكفر والمعاصي، فإن ربكم تواب رحيم، يغفر الذنب ويقبل التوب {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} أي ينزل المطر عليكم غزيراً متتابعاً، شديد الانسكاب {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} أي يكثر أموالكم وأولادكم {وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} أي ويجعل لكم الحدائق الفسيحة، ذات الأشجار المظلة المثمرة، ويجعل لكم الأنهار تجري خلالها.. أطمعهم نوح عليه السلام بالحصول على بركات السماء وبركات الأرض، إن هم آمنوا بالله الذي بيده مفاتيح هذه الخزائن، وأتاهم من طريق القلب لتحريك العواطف، ولبيان أن ما هم فيه من انحباس الأمطار، وما حرموه من الرزق والذرية، إنما سببه كفرهم بالله الذي بيده وحده إرسال المطر، وإِغداق الرزق، والإِمداد بالأموال والبنين، وأنه لا ينبغي لهم أن يكفروا بهذا الإِله القادر، ويعبدوا آلهة أخرى اخترعوها، لا تضر ولا تنفع، ثم عاد فهزَّ نفوسهم هزاً، وعطفها نحو الإِيمان بأسلوب آخر من أساليب البيان فقال {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} أي ما لكم أيها القوم لا تخافون عظمة الله وسلطانه، ولا ترهبون له جانباً!! قال ابن عباس: اي ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته! {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} أي وقد خلقكم في أطوار مختلفة، وأدوار متباينة، طوراً نطفة، وطوراً علقة، وطوراً مضغة، إلى سائر الأحوال العجيبة، فتبارك الله أحسن الخالقين.. ثم نبههم إلى دلائل القدرة والوحدانية، منبثة في هذا الكون الفسيح فقال {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً} أي ألم تشاهدوا يا معشر القوم عظمة الله وقدرته، وتنظروا نظر اعتبار، وتفكر وتدبر، كيف أن الله العظيم الجليل خلق سبع سماوات سماء فوق سماء، متطابقة بعضها فوق بعض، وهي في غاية الإِبداع والإِتقان!! {وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} أي وجعل القمر في السماء الدنيا، منوراً لوجه الأرض في ظلمة الليل قال الإِمام الفخر: القمر في السماء الدنيا وليس في السماوات بأسرها، وهذا كما يقال: السلطان في العراق ليس المراد ان ذاته حاصلة في كل أنحائها، بل إن ذاته في حيز من جملة أنحاء العراق، فكذا هٰهنا وقال في البحر: والقمر في السماء الدنيا، وصح كون السماوات ظرفاً للقمر لأنه لا يلزم من الظرف أن يملأ المظروف، تقول زيد في المدينة وهو في جزء منها {وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً} أي وجعل الشمس مصباحاً مضيئاً يستضيء به أهل الدنيا كما يستضيء الناس بالسراج في بيوتهم، ولمّا كان نور الشمس أشدّ، وأتم، وأكمل في الانتفاع من نور القمر، عبر عن الشمس بالسراج لأنه يضيء بنفسه، وعبر عن القمر بالنور لأنه يستمد نوره من غيره، ويؤيده ما تقرر في علم الفلك من أن نور الشمس ذاتي فيها، ونور القمر عرضي مكتسب من نورها، فسبحان من أحاط بكل شيء علماً {وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} بعد أن ذكر دليل الآفاق، ذكر هنا دليل الأنفس، وذلك لأن في ذكر هذه الأمور، دلالة واضحة على عظمة الله، وقدرته وباهر مصنوعاته والمعنى خلقكم وأنشأكم من الأرض كما يخرج النبات، وسلَّكم من تراب الأرض كما يسل النبات منها قال المفسرون: لما كان إخراجهم وإِنشاؤهم إنما يتم بتناولهم عناصر الغذاء الحيوانية والنباتية المستمدة من الأرض، كانوا من هذه الجهة مشابهين للنباتات التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض، فلذا سمى خلقهم وإنشاءهم إنباتاً، أو يكون ذلك إشارة إلى خلق آدم حيث خلق من تراب الأرض، ثم جاءت منه ذريته، فصح نسبتهم إلى أنهم أنبتوا من الأرض {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} أي يرجعكم إلى الأرض بعد موتكم فتدفنون فيها، ثم يخرجكم منها يوم البعث والحشر للحساب والجزاء، وأكده بالمصدر {إِخْرَاجاً} لبيان أن ذلك واقع لا محالة، وهذه الآية كقوله تعالى {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 55] {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً} أي جعلها فسيحة ممتدة ممهدة لكم، تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه قال في التسهيل: شبه الأرض بالبساط في امتدادها واستقرار الناس عليها، وأخذ بعضهم من الآية أنها غير كروية، وفي ذلك نظر وقال الألوسي: وليس في الآية دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية، لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحاً، ثم إن اعتقاد الكرية أو عدمها ليس بلازم في الشريعة، لكن كريتها كالأمر اليقيني، ومعنى جعلها بساطاً أي تتقلبون عليها كالبساط {لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} أي لتسلكوا في الأرض طرقاً واسعة في أسفاركم، وتنقُّلكم في أرجائها؟؟ ولما أصروا على العصيان، وقابلوه بأقبح الأقوال والأفعال، حكى عنهم ما قصه القرآن {قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} أي إنهم بالغوا في تكذيبي وعصيان أمري {وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً} أي واتَّبعوا اغنياءهم ورؤساءهم، الذين أبطرتهم الأموال والأولاد، فهلكوا وخسروا سعادة الدارين، فصاروا أسوة لهم في الخسار {وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً} أي ومكر بهم الرؤساء مكراً عظيماً متناهياً في الكبر قال الألوسي: {وكُبَّاراً} مبالغة في الكبر أي كبيراً في الغاية، وذلك احتيالهم في الدين، وصدهم الناس عنه، وإغراؤهم وتحريضهم على أذية نوح عليه السلام {وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} أي لا تتركوا عبادة الأوثان والأصنام، وتعبدوا رب نوح {وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} أي ولا تتركوا - على وجه الخصوص - هذه الأصنام الخمسة - وداً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً قال الصاوي: وهذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمهم عندهم، ولذا خصوها بالذكر، وهذا من شدة كفرهم، وفرط تعنتهم في المكر والاحتيال، فقد كانوا يلبسون ثوب المتنصح المخلص، ويسلكون في تثبيت الضعفاء على عبادة الآباء شتى الأساليب في المكر والخداع {وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً} أي وقد أضل كبراؤهم خلقاً وناساً كثيرين، بما زينوا لهم من طرق الغواية والضلال، ثم دعا عليهم بالضلال فقال {وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً} أي ولا تزدهم يا رب على طغيانهم وعدوانهم، إلا ضلالاً فوق ضلالهم قال المفسرون: دعا عليهم لما يئس من إيمانهم بإِخبار الله له بقوله {أية : لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ}تفسير : [هود: 36] فاستجاب الله دعاءه وأغرقهم، ولهذا قال تعالى {مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} أي من أجل ذنوبهم وإجرامهم، وإصرارهم على الكفر والطغيان، أُغرقوا بالطوفان وأدخلوا النيران قال في التسهيل: وهذا من كلام الله تعالى إخباراً عن أمرهم، و{ما} في {مما} زائدة للتأكيد، وإنما قدم هذا المجرور للتأكيد أيضا، ليبين أن إغراقهم وإدخالهم النار إنما كان بسبب خطاياهم وهي الكفر وسائر المعاصي {فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً} أي لم يجدوا من ينصرهم أو يدفع عنهم عذاب الله قال أبو السعود: وفيه تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله تعالى، وأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكم بهم {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} أي لا تترك أحداً على وجه الأرض من الكافرين قال في التسهيل: و{دَيَّاراً} من الأسماء المستعملة في النفي العام يقال: ما في الدار ديار أي ما فيها أحد.. ثم علل ذلك بقوله {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ} أي إنك إن أبقيت منهم أحداً، أضلوا عبادك عن طريق الهدى {وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} أي ولا يأتي من أصلابهم إلا كل فاجر وكافر قال الإِمام الفخر: فإِن قيل: كيف عرف نوح ذلك؟ قلنا بالاستقراء، فإِنه لبث فيهم ألف سنة إِلا خمسين عاماً، فعرف طباعهم وجربهم، وكان الرجل ينطلق بابنه إليه ويقول: يا بني إحذر فإِنه كذاب، وإن أبي أوصاني بمثل هذه الوصية، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك، فلذلك قال {وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً}.. ولما دعا على الكفار أعقبه بالدعاء للمؤمنين فقال {رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} بدأ بنفسه ثم بأبويه، ثم عمَّم لجميع المؤمنين والمؤمنات، ليكون ذلك أبلغ وأجمع {وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً} أي ولا تزد يا رب من جحد بآياتك وكذب رسلك، إلا هلاكاً وخساراً في الدنيا والآخرة. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {أَعْلَنْتُ .. وَأَسْرَرْتُ} وبين {جِهَاراً.. وإِسْرَاراً} وبين {لَيْلاً.. وَنَهَاراً} وبين {يُعِيدُكُمْ.. وَيُخْرِجُكُمْ}. 2- المجاز المرسل {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ} المراد رؤوس الأصابع فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء. 3- الاستعارة التبعية {وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} شبه إِنشاءهم وخلقهم في أدوار بالنبات الذي تخرجه الأرض، واشتق من لفظ النبات أنبتكم على طريق الاستعارة التعبية. 4- ذكر المصدر للتأكيد مثل {وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} و{أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} و{ٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} ويسمى هذا في علم البديع بالإِطناب. 5- ذكر الخاص بعد العام {وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً...} الآية وعكسه ذكر العام بعد الخاص {رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} وكلاهما من باب الإِطناب، وهو من المحسنات البديعية. 6- السجع المرصع مراعاة لرؤوس الآيات مثل {مِّدْرَاراً}، {أَنْهَاراً}، {وَقَاراً}، {أَطْوَاراً} الخ. فَائِدَة: استدل العلماء على عذاب القبر بقوله تعالى {مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} قالوا: المراد بها نار القبر وعذابه، لأنه تعالى عطف بالفاء، والفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، ونار الآخرة لم يذوقوها بعد، فدل على أن المراد عذاب القبر، وهو استدلال لطيف.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} الآية، هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما أقسم على أن يبدل خيراً منهم وكانوا قد سخروا من سخروا من المؤمنين وكذبوا بما وعدوا به من العذاب ذكر قصة نوح وقومه معه وكانوا أشد تمرداً من المشركين فأخذهم الله تعالى أخذ استئصال حتى أنه لم يبق لهم على وجه الأرض نسل وكانوا عباد أصنام كمشركي مكة فحذر تعالى قريشاً أن يصيبهم عذاب استئصال إن لم يؤمنوا ونوح عليه السلام أول نبي أرسل ويقال له شيخ المرسلين وآدم الثاني. {أَنْ أَنذِرْ} يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون تفسيرية. {عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال ابن عباس: عذاب النار في الآخرة. {مِّن ذُنُوبِكُمْ} من للتبعيض لأن الإِيمان إنما يجب ما قبله من الذنوب لا ما بعده. قال ابن عطية: من في من ذنوبكم مزيدة وهو مذهب كوفي وأقول أخفشي لا كوفي لأنهم يشترطون أن يكون بعد من نكرة ولا يبالون بما قبلها من واجب أو غيره وجواب لو محذوف تقديره لو كنتم تعلمون لبادرتم إلى طاعته وتقواه ولما لم يجيبوه وآذوه شكا إلى ربه شكوى من يعلم أن الله تعالى عالم بحاله مع قومه لما أمر بالإِنذار فلم يجد فيهم. {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي} أي جميع الأوقات من غير فتور ولا تعطيل في وقت فلم يزدادوا إلا إعراضاً ونفوراً عن الحق. {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ} أي ليتوبوا فتغفر لهم ذكر المسبب الذي هو حظهم خالصاً ليكون أقبح في إعراضهم عنه. {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ} الظاهر أنه حقيقة سدوا مسامعهم حتى لا يسمعوا ما دعاهم إليه وتغطوا بثيابهم حتى لا ينظروا إليه كراهة وبغضاً من سماع النصح ورؤية الناصح ويجوز أن يكون ذلك كناية عن المبالغة في إعراضهم عما دعاهم إليه فهم بمنزلة من سدّ مسمعه ومنع بصره ثم كرره صفة دعائه بياناً وتوكيد لما ذكر دعاءه عموم الأوقات ذكر عموم حالات الدعاء وكلما دعوتهم يدل على تكرر الدعوات فلم يبين حالة دعائه أولاً ظاهره أن يكون دعاؤه إسراراً لأنه يكون ألطف بهم ولعلهم يقبلون منه كحال من ينصح في السر فإِنه جدير أن يقبل منه فلما لم يجد له الإِسرار انتقل إلى أشد منه وهو دعاؤهم جهاراً صلتاً بالدعاء إلى الله تعالى لا يحاشى أحداً فلما لم يجد عاد إلى الإِعلان والإِسرار ومدراراً من الدر وهو صفة يستوي فيها المذكر والمؤنث ونصبها على الحال ومعناه كثيرة الدر. {لاَ تَرْجُونَ} لا تخافون والوقار بمعنى العظمة والسلطان والكلام على هذا وعيد وتخويف. {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} جملة حالية تحمل على الإِيمان بالله تعالى وإفراده بالعبادة إذ في هذه الجملة الحالية التنبيه على تدريج الإِنسان في أطوار لا يمكن أن تكون إلا من خلقه تعالى. قال ابن عباس: من نطفة والعلقة والمضغة. {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً} الآية، لما نبههم نوح عليه السلام على الفكر في أنفسهم وكيف انتقلوا من حال إلى حال وكانت الأنفس أقرب ما يفكرون فيه منهم أرشدهم إلى الفكر في العالم علوه وسفله وما أودع تعالى في العالم العلوي من هذين النيرين اللذين بهما قوام الوجود والضمير في فيهن عائد على السماوات والانبات استعارة في الانشاء أنشأ آدم من الأرض وصارت ذريته منه فصح نسبتهم كلهم إلى أنهم أنبتوا منها وانتصاب نباتاً بأنبتكم مصدراً على حذف الزائد أي إنباتاً أو على إضمار فعل أي فنبتم نباتاً. {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ} أي يصيركم فيها مقبورين. {وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} أي يوم القيامة وأكده بالمصدر أي ذلك واقع لا محالة. {بِسَاطاً} تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه. {سُبُلاً} طرقاً. {فِجَاجاً} متسعة ولما أصروا على العصيان وعاملوه بأقبح الأقوال والأفعال. {قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} الضمير للجميع وكان قد قال لهم وأطيعون وكان عليه السلام أقام فيهم ما نص الله تعالى عليه ألف سنة إلا خمسين عاماً وكانوا قد وسع عليهم في الرزق بحيث كانوا يزرعون في الشهر مرتين. {وَٱتَّبَعُواْ} رؤساءهم وكبراءهم وهم الذين كانوا سبب خسارهم في الدنيا والآخرة. {وَمَكَرُواْ} يظهر أنه معطوف على صلة من وجمع الضمير في مكروا. {وَقَالُواْ} على المعنى ومكرهم هو احتيالهم في الدين وتحريش الناس على نوح عليه السلام وكباراً مبالغة في الكبر كطوال وجمال وقالوا أي كبراؤهم لأتباعهم. {لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} أي أصنامكم وهو عام في جميع أصنامهم ثم خصوا بعد أكابر أصنامهم وهو ودوماً عطف عليه روي أنها أسماء رجال صالحين كانوا في صدر الزمان ماتوا فصورت أشكالهم لتذكر أفعالهم الصالحة ثم هلك من صورهم وخلق من يعظمها ثم كذلك حتى عبدت قيل ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها وقيل بل الأسماء فقط إلى قبائل من العرب فكان ودّ لكلب بدومة الجندل وسواع لهذيل ويغوث لمراد ويعوق لهمدان ونسر لحمير ولذلك سمت العرب بهذه الأسماء قال أبو عثمان: النهدي رأيت يغوث وكان من رصاص يحمل على جمل أجره لا يهيجونه ويسيرون معه حتى يكون هو الذي يبرك فإِذا برك نزلوا وقالوا قد رضي لكم المنزل فينزلون حوله ويضربون عليه بناء "انتهى". ولما أخبر أنهم قد أضلوا كثيراً دعا عليهم بالضلال فقال: ولا تزد وهي معطوفة على وقد أضلوا إذ تقديره وقال قد أضلوا كثيراً فهي لقال المضمرة المحكي قوله وقد أضلوا ولا يشترط التناسب في عطف الجمل بل قد تعطف جملة الإِنشاء على جملة الخبر والعكس خلافاً لمن يدعي التناسب وقرىء خطيئاتهم جمعاً. {أُغْرِقُواْ} قال الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون بالنار من جانب. {فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ} تعريض بانتفاء قدرة آلهتهم على نصرهم ودعاء نوح عليه السلام عليهم بعد أن أوحي إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ودياراً من ألفاظ العموم التي تستعمل في النفي وما أشبهه ولما دعا على الكفار استغفر للمؤمنين فبدأ بنفسه ثم بمن وجب بره عليه ثم للمؤمنين فكان هو ووالداه اندرجوا في المؤمنين والمؤمنات وقال ابن عباس لم يكفر لنوح عليه السلام أب ما بينه وبين آدم عليه السلام. {وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً} قال ابن عباس: مسجدي وقيل شريعتي استعار لها بيتاً كما قالوا قبة الإِسلام. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} دعاء لكل مؤمن ومؤمنة في كل أمة والتبار الهلاك.
الجيلاني
تفسير : {إِنَّآ} من قمام جودنا {أَرْسَلْنَا} أخاك يا أكمل الرسل {نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} حين انحرفوا عن جادة العدالة والقسط الإلهي، ووصينا له {أَنْ أَنذِرْ} أي: بأن خوف وحذر {قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [نوح: 1] مؤلم في غاية الإيلام، وهو عذاب الطوفان بعد نزول الوحي عليه. {قَالَ يٰقَوْمِ} أضافهم إلى نفسه وناداهم؛ ليقبلوا إليه، ويهتدوا بهدايته وإرشاده {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [نوح: 2] ظاهر الإنذار والتخويف بإذن العليم الحكيم، أرسلني ربي. {أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد، الحقيق بالألوهية والربوبية، القادر على أنواع الإنعام والانتقام {وَٱتَّقُوهُ} عن ارتكاب محارمه ومنهياته {وَأَطِيعُونِ} [نوح: 3] فيما بلغت لكم من أوامر الله ونواهيه، وامتثلوا بمقتضاها. {يَغْفِرْ لَكُمْ} سبحاه {مِّن ذُنُوبِكُمْ} إن استغفرتم منه سبحانه، وتبتم إليه مخلصين نادمين {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ} أقصى {أَجَلٍ مُّسَمًّى} مقدر عنده سبحانه بشرط أن تتصفوا بالإيمان والعمل الصالح {إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ} المقدر لآجال عباده على مقتضى الحكمة المتقنة {إِذَا جَآءَ} على الوجه المقدر المقرر عنده {لاَ يُؤَخَّرُ} عن وقته، ولا يقدم عليه {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح: 4] وتعتقدون حكمة الحكيم، وكمال قدرته ومشيئته لعلمتم يقيناً أن الأجل المقدر لا يُبدل ولا يُغير. وبعدما بالغ نوح عليه السلام في دعوتهم وإرشادهم فلم يهتدوا، بل ما زادوا إلاَّ إصراراً وإضراراً، وعناداً واستكباراً {قَالَ} نوح مناجياً إلى ربه على وجه التضرع بعدما بالغوا في الإنكار والاستكبار: {رَبِّ} يا من ربَّاني على الرشد والهداية {إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي} بمقتضى وحيك وإلهامك عليَّ {لَيْلاً وَنَهَاراً} [نوح: 5] أي: دائماً بلا مطل وتسويف. {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ} ودعوتي إياهم {إِلاَّ فِرَاراً} [نوح: 6] عن الإيمان والإطاعة وإصراراً على الكفكر والطغيان. {وَإِنِّي} صرت زماناً {كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ} على قصد أن يقبلوا دعوتي {لِتَغْفِرَ لَهُمْ} بمقتضى عفوك ورحمتك ذنوبهم وزلتهم {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ} وقت دعوتي إياهم {فِيۤ آذَانِهِمْ} أي: سدّوا مسامعهم عن استماع الدعوة {وَ} مع ذلك لا يقتصر عليه، بل {ٱسْتَغْشَوْاْ} أي: غطوا ولفوا على رءوسهم {ثِيَابَهُمْ} لئلا يروا صورتي، ولا يسمعوا قولي من شدة كراهتهم عن دعوتي، وشكيمتهم معي {وَ} بالجملة: {أَصَرُّواْ} على ما هم عليه كانوا {وَٱسْتَكْبَرُواْ} عليَّ {ٱسْتِكْبَاراً} [نوح: 7] عظيماً إلى حيث شتموني شتماً قبيحاً، وضربوني ضرباً مؤلماً فجيعاً. {ثُمَّ} بعدما جرى منهم ما جرى {إِنِّي دَعَوْتُهُمْ} بمقتضى أمرك وحكمك إياي يا ربّ {جِهَاراً} [نوح: 8] على رءوس الملأ. {ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ} وصرحت بدعوتهم {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ} أيضاً في الخلوات {إِسْرَاراً} [نوح: 9] على سبيل الكناية والإشارة، وبالجملة: دعوتهم مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة في المحافظ والخلوات، وبالصرائح والكنايات. {فَقُلْتُ} لهم في دعوتي إياهم: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} وتوبوا إليه {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} [نوح: 10] يغفر لكم ذنبوكم، ويعفو عنكم زلاتكم. وبعدما بالغوا في الإنكار والإصرار حبس الله عليهم القطر أربعين سنة، وأعقم أرحام نسائهم، فقال نوح: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} [نوح: 10].
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : أيتها اللطيفة المستخلصة من كدورات الباطل، المطهرة من قاذورات ادعي أمتك إلى الحق بالحق للحق، وإن أبوا فادعي لهم ولا تدعي عليهم إنا أرسلناك من نوبة نبوة من كان بأمته رءوفاً رحيماً ومدحناه على خلقه العظيم؛ لأنه قال مع أمته الطاغية: {أية : وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [يونس: 41]، وما قال: إني برئ منكم، وقال في دعائه إذ أذوه: "حديث : اللهم اغفر لهم فإنهم قوم لا يعلمون ". تفسير : وتفكر في سورة نوح حيث يقول: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [نوح: 1]، والباقي {أَنذِرْ} مقدّر يعني: أرسلنا اللطيفة النفسية المطهرة إلى قواها {أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [نوح: 1] من عذاب الطوفان المائية القالبية في الدنيا، ومن عذاب النارية القالبية في العقبى. {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ} [نوح: 2-3]؛ يعني: اعبدوا خالقكم ومولاكم، ولا تعبدوا هواكم واتقوا من عقوبة الله الواحد القهار {وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ} [نوح: 3-4]؛ يعني: أطيعوا أمري يغفر لكم {مِّن ذُنُوبِكُمْ} [نوح: 4]؛ أي: من ذبوب سلفت. {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح: 4]؛ يعني: يحييكم في عافية إلى وقت الأجل المعلوم فإن أجل الله لآتٍ {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [آل عمران: 185] لا محالة {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح: 4] أن الإيمان عند حلول الأجل لا ينفع لصاحبه؛ لأنه ما كسب باستعداد {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ} [نوح: 5-6]؛ يعني: دعوت القوى النفسية حين كنت متجلياً بصفات الجلال والجمال قهراً ولطفاً فلم يزدهم {دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} [نوح: 6]، ونفاراً مني وإباءً لدعوتي.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : إلى آخر السورة لم يذكر الله في هذه السورة سوى قصة نوح وحدها لطول لبثه في قومه، وتكرار دعوته إلى التوحيد، ونهيه عن الشرك، فأخبر تعالى أنه أرسله إلى قومه، رحمة بهم، وإنذارا لهم من عذاب الله الأليم، خوفا من استمرارهم على كفرهم، فيهلكهم الله هلاكا أبديا، ويعذبهم عذابا سرمديا، فامتثل نوح عليه السلام لذلك، وابتدر لأمر الله، فقال: { يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } أي: واضح النذارة بينها، وذلك لتوضيحه ما أنذر به وما أنذر عنه، وبأي: شيء تحصل النجاة، بين جميع ذلك بيانا شافيا، فأخبرهم وأمرهم بزبدة ما يأمرهم به فقال: { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ } وذلك بإفراده تعالى بالتوحيد والعبادة، والبعد عن الشرك وطرقه ووسائله، فإنهم إذا اتقوا الله غفر ذنوبهم، وإذا غفر ذنوبهم حصل لهم النجاة من العذاب، والفوز بالثواب، { وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } أي: يمتعكم في هذه الدار، ويدفع عنكم الهلاك إلى أجل مسمى أي: مقدر [البقاء في الدنيا] بقضاء الله وقدره [إلى وقت محدود]، وليس المتاع أبدا، فإن الموت لا بد منه، ولهذا قال: { إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } لما كفرتم بالله، وعاندتم الحق، فلم يجيبوا لدعوته، ولا انقادوا لأمره، فقال شاكيا لربه: { رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا } أي: نفورا عن الحق وإعراضا، فلم يبق لذلك فائدة، لأن فائدة الدعوة أن يحصل جميع المقصود أو بعضه. { وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ } أي: لأجل أن يستجيبوا فإذا استجابوا غفرت لهم فكان هذا محض مصلحتهم، ولكنهم أبوا إلا تماديا على باطلهم، ونفورا عن الحق، { جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ } حذر سماع ما يقول لهم نبيهم نوح عليه السلام، { وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ } أي تغطوا بها غطاء يغشاهم بعدا عن الحق وبغضا له، { وَأَصَرُّوا } على كفرهم وشرهم { وَاسْتَكْبَرُوا } على الحق { اسْتِكْبَارًا } فشرهم ازداد، وخيرهم بعد. { ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا } أي: بمسمع منهم كلهم. { ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا } كل هذا حرص ونصح، وإتيانهم بكل باب يظن أن يحصل منه المقصود، { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ } أي: اتركوا ما أنتم عليه من الذنوب، واستغفروا الله منها. { إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا } كثير المغفرة لمن تاب واستغفر، فرغبهم بمغفرة الذنوب، وما يترتب عليها من حصول الثواب، واندفاع العقاب. ورغبهم أيضا، بخير الدنيا العاجل، فقال: { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } أي: مطرا متتابعا، يروي الشعاب والوهاد، ويحيي البلاد والعباد. { وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } أي: يكثر أموالكم التي تدركون بها ما تطلبون من الدنيا وأولادكم، { وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا } وهذا من أبلغ ما يكون من لذات الدنيا ومطالبها. { مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } أي: لا تخافون لله عظمة، وليس لله عندكم قدر. { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } أي: خلقا [من] بعد خلق، في بطن الأم، ثم في الرضاع، ثم في سن الطفولية، ثم التمييز، ثم الشباب، إلى آخر ما وصل إليه الخلق، فالذي انفرد بالخلق والتدبير البديع، متعين أن يفرد بالعبادة والتوحيد، وفي ذكر ابتداء خلقهم تنبيه لهم على الإقرار بالمعاد، وأن الذي أنشأهم من العدم قادر على أن يعيدهم بعد موتهم. واستدل أيضا عليهم بخلق السماوات التي هي أكبر من خلق الناس، فقال: { أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا } أي: كل سماء فوق الأخرى. { وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا } لأهل الأرض { وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا } . ففيه تنبيه على عظم خلق هذه الأشياء، وكثرة المنافع في الشمس والقمر الدالة على رحمته وسعة إحسانه، فالعظيم الرحيم، يستحق أن يعظم ويحب ويعبد ويخاف ويرجى. { وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا } حين خلق أباكم آدم وأنتم في صلبه. { ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا } عند الموت { وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا } للبعث والنشور، فهو الذي يملك الحياة والموت والنشور. { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِسَاطًا } أي: مبسوطة مهيأة للانتفاع بها. { لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا } فلولا أنه بسطها، لما أمكن ذلك، بل ولا أمكنهم حرثها وغرسها وزرعها، والبناء، والسكون على ظهرها. { قَالَ نُوحٌ } شاكيا لربه: إن هذا الكلام والوعظ والتذكير ما نجع فيهم ولا أفاد. { إِنَّهُمْ عَصَوْنِي } فيما أمرتهم به { وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا } أي: عصوا الرسول الناصح الدال على الخير، واتبعوا الملأ والأشراف الذين لم تزدهم أموالهم ولا أولادهم إلا خسارا أي: هلاكا وتفويتا للأرباح فكيف بمن انقاد لهم وأطاعهم؟! { وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا } أي: مكرا كبيرا بليغا في معاندة الحق. { وَقَالُوا } لهم داعين إلى الشرك مزينين له: { لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ } فدعوهم إلى التعصب على ما هم عليه من الشرك، وأن لا يدعوا ما عليه آباؤهم الأقدمون، ثم عينوا آلهتهم فقالوا: { وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } وهذه أسماء رجال صالحين لما ماتوا زين الشيطان لقومهم أن يصوروا صورهم لينشطوا -بزعمهم- على الطاعة إذا رأوها، ثم طال الأمد، وجاء غير أولئك فقال لهم الشيطان: إن أسلافكم يعبدونهم، ويتوسلون بهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم، ولهذا أوصى رؤساؤهم للتابعين لهم أن لا يدعوا عبادة هذه الآلهة. { وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا } أي: وقد أضل الكبار والرؤساء بدعوتهم كثيرا من الخلق، { وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا } أي: لو كان ضلالهم عند دعوتي إياهم بحق، لكان مصلحة، ولكن لا يزيدون بدعوة الرؤساء إلا ضلالا أي: فلم يبق محل لنجاحهم ولا لصلاحهم، ولهذا ذكر الله عذابهم وعقوبتهم الدنيوية والأخروية، فقال: { مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا } في اليم الذي أحاط بهم { فَأُدْخِلُوا نَارًا } فذهبت أجسادهم في الغرق وأرواحهم للنار والحرق، وهذا كله بسبب خطيئاتهم، التي أتاهم نبيهم نوح ينذرهم عنها، ويخبرهم بشؤمها ومغبتها، فرفضوا ما قال، حتى حل بهم النكال، { فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا } ينصرونهم حين نزل بهم الأمر الأمر، ولا أحد يقدر يعارض القضاء والقدر. { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } يدور على وجه الأرض، وذكر السبب في ذلك فقال: { إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا } أي: بقاؤهم مفسدة محضة، لهم ولغيرهم، وإنما قال نوح -عليه السلام- ذلك، لأنه مع كثرة مخالطته إياهم، ومزاولته لأخلاقهم، علم بذلك نتيجة أعمالهم، لا جرم أن الله استجاب دعوته، فأغرقهم أجمعين ونجى نوحا ومن معه من المؤمنين. { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا } خص المذكورين لتأكد حقهم وتقديم برهم، ثم عمم الدعاء، فقال: { وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا } أي: خسارا ودمارا وهلاكا. تم تفسير سورة نوح عليه السلام [والحمد لله]
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):