Verse. 5424 (AR)

٧١ - نُوح

71 - Nouh (AR)

قَالَ رَبِّ اِنِّىْ دَعَوْتُ قَوْمِيْ لَيْلًا وَّنَہَارًا۝۵ۙ
Qala rabbi innee daAAawtu qawmee laylan wanaharan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا» أي دائما متصلا.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا من الآيات الدالة على أن جميع الحوادث بقضاء الله وقدره، وذلك لأنا نرى إنسانين يسمعان دعوة الرسول في مجلس واحد بلفظ واحد، فيصير ذلك الكلام في حق أحدهما سبباً لحصول الهداية، والميل والرغبة، وفي حق الثاني سبباً لمزيد العتو والتكبر، ونهاية النفرة، وليس لأحد أن يقول: إن تلك النفرة والرغبة حصلتا باختيار المكلف، فإن هذا مكابرة في المحسوس، فإن صاحب النفرة يجد قلبه كالمضطر إلى تلك النفرة وصاحب الرغبة يجد قلبه كالمضطر إلى تلك الرغبة، ومتى حصلت تلك النفرة وجب أن يحصل عقيبه التمرد والإعراض، وإن حصلت الرغبة وجب أن يحصل عقيبه الانقياد والطاعة، فعلمنا أن إفضاء سماع تلك الدعوة في حق أحدهما إلى الرغبة المستلزمة لحصول الطاعة والانقياد وفي حق الثاني إلى النفرة المستلزمة لحصول التمرد والعصيان لا يكون إلا بقضاء الله وقدره، فإن قيل: هب أن حصول النفرة والرغبة ليس باختياره، لكن حصول العصيان عند النفرة يكون باختياره، فإن العبد متمكن مع تلك النفرة أن ينقاد ويطيع، قلنا: إنه لو حصلت النفرة غير معارضة بوجه من وجوه الرغبة بل خالصة عن جميع شوائب الرغبة امتنع أن يحصل معه الفعل، وذلك لأنه عندما تحصل النفرة والرغبة لم يحصل الفعل ألبتة، فعند حصول النفرة انضم إلى عدم المقتضي وجود المانع، فبأن يصير الفعل ممتنعاً أولى، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على القضاء والقدر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً} أي سِرًّا وجهراً. وقيل: أي واصلت الدعاء. {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} أي تباعداً من الإيمان. وقراءة العامة بفتح الياء من «دعائي» وأسكنها الكوفيون ويعقوب والدّورِي عن أبي عمرو.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام: أنه اشتكى إلى ربه عزّ وجلّ ما لقي من قومه، وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما بين لقومه ووضح لهم، ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم، فقال: {رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً} أي: لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار؛ امتثالاً لأمرك، وابتغاء لطاعتك { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِىۤ إِلاَّ فِرَاراً} أي: كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق، فروا منه، وحادوا عنه، {وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىۤ ءَاذَٰنِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} أي: سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه؛ كما أخبر تعالى عن كفار قريش: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26] {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} قال ابن جرير عن ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم. وقال سعيد بن جبير والسدي: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول، {وَأَصَرُّواْ} أي: استمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع، {وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} أي: واستنكفوا عن اتّباع الحق والانقياد له، { ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَـٰراً} أي: جهرة بين الناس {ثُمَّ إِنِّىۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ} أي: كلاماً ظاهراً بصوت عال، {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} أي: فيما بيني وبينهم، فنوع عليهم الدعوة لتكون أنجع فيهم. { فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} أي: ارجعوا إليه، وارجعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إليه من قريب؛ فإنه من تاب إليه، تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر والشرك، ولهذا قال: { فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مُدْرَاراً } أي: متواصلة الأمطار، ولهذا تستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء؛ لأجل هذه الآية، وهكذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه صعد المنبر ليستسقي، فلم يزد على الاستغفار وقراءة الآيات في الاستغفار، ومنها هذه الآية: { فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مُدْرَاراً } ثم قال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر. وقال ابن عباس وغيره: يتبع بعضه بعضاً. وقوله تعالى: { وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه، كثر الرزق عليكم وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدرّ لكم الضرع، وأمدّكم بأموال وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخللها بالأنهار الجارية بينها، هذا مقام الدعوة بالترغيب، ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً}؟ أي: عظمة، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك، وقال ابن عباس: لا تعظمون الله حق عظمتة، أي: لا تخافون من بأسه ونقمته { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} قيل: معناه: من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة ويحيى بن رافع والسدي وابن زيد. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقاً}؟ أي: واحدة فوق واحدة. وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط؟ أوهو من الأمور المدركة بالحس مما علم من التسيير والكسوفات؛ فإن الكواكب السبعة السيارة يكسف بعضها بعضاً، فأدناها القمر في السماء الدنيا، وهو يكسف ما فوقه، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة، وأما بقية الكواكب وهي الثوابت، ففي فلك ثامن يسمونه فلك الثوابت، والمتشرعون منهم يقولون: هو الكرسي، والفلك التاسع، وهو الأطلس والأثير عندهم الذي حركته على خلاف حركة سائر الأفلاك، وذلك أن حركته مبدأ الحركات، وهي من المغرب إلى المشرق، وسائر الأفلاك عكسه من المشرق إلى المغرب، ومعها يدور سائر الكواكب تبعاً، ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها؛ فإنها تسير من المغرب إلى المشرق، وكل يقطع فلكه بحسبه، فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة، والشمس في كل سنة مرة، وزحل في كل ثلاثين سنة مرة، وذلك بحسب اتساع أفلاكها، وإن كانت حركة الجميع في السرعة متناسبة، هذا ملخص ما يقولونه في هذا المقام، على اختلاف بينهم في مواضع كثيرة لسنا بصدد بيانها، وإنما المقصود أن الله سبحانه وتعالى: { خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً } أي: فاوت بينهما في الاستنارة، فجعل كلاً منهما أنموذجاً على حدة؛ ليعرف الليل والنهار بمطلع الشمس ومغيبها، وقدر للقمر منازل وبروجاً، وفاوت نوره، فتارة يزداد حتى يتناهى، ثم يشرع في النقص حتى يستتر؛ ليدل على مضي الشهور والأعوام، كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يونس: 5]. وقوله تعالى: { وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} هذا اسم مصدر، والإتيان به ههنا أحسن، {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا} أي: إذا متم، {وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} أي: يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة، { وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً} أي: بسطها ومهدها وقررها، وثبتها بالجبال الراسيات الشم الشامخات { لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} أي: خلقها لكم لتستقروا عليها، وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها وأقطارها، وكل هذا مما ينبههم به نوح عليه السلام على قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأرض، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرازق جعل السماء بناء، والأرض مهاداً، وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد، ولا يشرك به أحد؛ لأنه لا نظير له ولا عديل، ولا ند ولا كفء، ولا صاحبة ولا ولد، ولا وزير ولا مشير، بل هو العلي الكبير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } أي دائماً متصلاً.

الماوردي

تفسير : {قال رَبِّ إنّي دَعَوْتُ قَوْمي ليلاً ونهاراً} فيه وجهان: أحدهما: دعوتهم ليعبدوك ليلاً ونهاراً. الثاني: دعوتهم ليلاً ونهاراً إلى عبادتك. {فلم يَزدْهم دُعائي إلاّ فِراراً} يحتمل وجهين: أحدهما: إلا فراراً من طاعتك. الثاني: فراراً من إجابتي إلى عبادتك. قال قتادة: بلغنى أنه كان يذهب الرجل بابنه إلى نوح، فيقول لابنه: احذر هذا لا يغرنك فإن أبي قد ذهب بي غليه وأنا مثلك، فحذرني كما حذرتك. {وإنِّي كلما دَعَوْتُهم لِتَغَفِرَ لهم} يعني كلما دعوتهم إلى الإيمان لتغفر لهم ما تقدم من الشرك. {جعلوا أصابعهم في آذانهم} لئلا يسمعوا دعاءه ليؤيسوه من إجابة ما لم يسمعوه، قال محمد بن إسحاق: كان حليماً صبوراً. {واستغْشَوا ثيابَهم} أي عطوا رؤسهم وتنكروا لئلا يعرفهم. {وأَصَرُّوا} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه إقامتهم على الكفر، قال قتادة: قدماً قدماً في معاصي اللَّه لالتهائهم عن مخافة اللَّه حتى جاءهم أمر اللَّه. الثاني: الإصرار: أن يأتي الذنب عمداً، قاله الحسن. الثالث: معناه أنهم سكتوا على ذنوبهم فلم يستغفروا قاله السدي. {واستكْبَروا استكباراً} فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك كفرهم باللَّه وتكذيبهم لنوح، قاله الضحاك. الثاني: أن ذلك تركهم التوبة، قاله ابن عباس، وقوله " استبكارا" تفخيم. {ثم إنّي دَعْوتُهم جِهاراً} أي مجاهرة يرى بعضهم بعضاً. {ثم إني أعْلَنْتُ لهم} يعني الدعاء، قال مجاهد: معناه صِحْتُ. {وأسَرَرْتُ لهم إسْراراً} الدعاء عن بعضهم من بعض، وفيه وجهان: أحدهما: أنه دعاهم في وقت سراً، وفي وقت جهراً. الثاني: دعا بعضهم سراً وبعضهم جهراً، وكل هذا من نوح مبالغة في الدعاء وتلطفاً في الاستدعاء. {فقلتُ استغْفِروا ربّكم إنّه كان غَفّاراً} وهذا فيه ترغيب في التوبة، وقد روى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : الاستغفار ممحاة للذنوب . تفسير : وقال: الفضيل: يقول العبد استغفر اللَّه، قال: وتفسيرها أقلني. {يُرْسِلِ السماءَ عليكم مِدْراراً} يعني غيثاً متتابعاً، وقيل إنهم كانوا قد أجدبوا أربعين سنة، حتى أذهب الجدب أموالهم وانقطع الولد عن نسائهم، فقال ترغيباً في الإيمان. {ويُمْدِدْكم بأموالٍ وبنينَ ويَجْعَل لكم جَنّاتٍ ويَجْعَل لكم أنهاراً} قال قتادة: علم نبي اللَّه نوح أنهم أهل حرص على الدنيا، فقال هلموا إلى طاعة اللَّه فإن من طاعته درك الدنيا والآخرة. {ما لكم لا ترجون للَّه وقاراً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: ما لكم لا تعرفون للَّه عظمة، قاله مجاهد، وعكرمة. الثاني: لا تخشون للَّه عقاباً وترجون منه ثواباً، قاله ابن عباس في رواية ابن جبير. الثالث: لا تعرفون للَّه حقه ولا تشكرون له نعمه، قاله الحسن. الرابع: لا تؤدون للَّه طاعة، قاله ابن زيد. الخامس: أن الوقار الثبات، ومنه قوله تعالى: "أية : وقرن في بيوتكن" تفسير : [الأحزاب: 33] أي اثبتن، ومعناه لا تثبتون وحدانية اللَّه وأنه إلهكم الذي لا إله لكم سواه، قال ابن بحر: دلهم على ذلك فقال: {وقد خلقكم أطواراً} في وجهان: أحدهما: يعني طوراً نطفة، ثم طوراً علقة، ثم طوراً مضغة، ثم طوراً عظماً، ثم كسونا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر أنبتنا له الشعر وكملت له الصورة، قاله قتادة. الثاني: أن الأطوار اختلافهم في الطول والقصر، والقوة والضعف والهم والتصرف، والغنى والفقر. ويحتمل ثالثاً: أن الأطوار اختلافهم في الأخلاق والأفعال. {ألمْ تَروْا كيف خَلَق اللَّهُ سَبْعَ سمواتٍ طِباقاً} فيها قولان: أحدهما: أنهن سبع سموات على سبع أرضين، بين كل سماء وأرض خلق، وهذا قول الحسن. والثاني: أنهن سبع سموات طباقاً بعضهن فوق بعض، كالقباب، وهذا قول السدي. {وجَعَل القَمَرَ فيهنّ نُوراً} فيه قولان: أحدهما: معناه وجعل القمر فيهن نوراً لأهل الأرض، قاله السدي. الثاني: أنه جعل القمر فيهن نوراً لأهل السماء والأرض، قاله عطاء. وقال ابن عباس: وجهه يضيء لأهل الأرض، وظهره يضيء لأهل السماء. {وجَعَل الشّمْسَ سِراجاً} يعني مصباحاً لأهل الأرض، وفي إضافته لأهل السماء القولان الأولان. {واللَّه أَنْبَتكُم مِنَ الأرضِ نَباتاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني آدم خلقه من أديم الأرض كلها، قاله ابن جريج، وقال خالد بن معدان: خلق الإنسان من طين، فإنما تلين القلوب في الشتاء. الثاني: أنبتهم من الأرض بالكبر بعد الصغر، وبالطول بعد القصر، قاله ابن بحر. الثالث: أن جميع الخلق أنشأهم باغتذاء ما تنبته الأرض وبما فيها، وهو محتمل. {ثم يُعيدُكم فيها} يعني أمواتاً في القبور. {ويُخْرِجُكم إخراجاً} لنشور بالبعث. {واللَّهُ جَعَل لكم الأرضَ بِساطاً} أي مبسوطة، وفيه دليل على أنها مبسوطة. {لِتَسْلُكوا منها سُبُلاً فجاجاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: طرقاً مختلفة، قاله ابن عباس. الثاني: طرقاً واسعة، قاله ابن كامل. الثالث: طرقاًً أعلاماً، قاله قتادة.

ابن عطية

تفسير : هذه المقالة قالها نوح عليه السلام بعد أن طال عمره وتحقق اليأس عن قومه، وقوله: {ليلاً ونهاراً} عبارة عن استمرار دعائه، وأنه لم ين فيه قط، ويروى عن قتادة أن نوحاً عليه السلام كان يجيئه الرجل من قومه بابنه فيقول: احذر هذا الرجل فإن أبي حذرني إياه، ويقول له إنه مجنون. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: "دعائيَ إلا" بالهمز وفتح الياء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: "دعايْ" بسكون الياء دون همز، وروى شبل عن ابن كثير: بنصب الياء دون همز مثل هداي، وقرأ عاصم أيضاً وسلام ويعقوب: بهمز وياء ساكنة. وقوله: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم} معناه: ليؤمنوا فيكون ذلك سبب الغفران. وقوله تعالى: {جعلوا أصابعهم في آذانهم} يحتمل أن يكون حقيقة، ويحتمل أن يكون عبارة عن إعراضهم، وشدة رفضهم لأقواله، وكذلك قوله: {استغشوا ثيابهم} معناه: جعلوها أغشية على رؤوسهم، والإصرار الثبوت على معتقد ما، وأكثر استعماله في الذنوب، ثم كرر عليه السلام صفة دعائه لهم بياناً وتأكيداً وجهاراً يريد علانية في المحافل، والإسرار ما كان من دعاء الأفراد بينه وبينهم على انفراد، وهذا غاية الجد. وقوله تعالى: {استغفروا ربكم يرسل السماء} يقتضي أن الاستغفار سبب لنزول المطر في كل أمة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استسقى بالناس فلم يزد على أن استغفر ساعة ثم انصرف فقال له قوم: ما رأيناك استسقيت يا أمير المؤمنين، فقال: والله لقد استنزلت المطر بمجادح السماء، ثم قرأ الآية، وسقى رضي الله عنه، وشكى رجل إلى الحسن الجرب فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، فقال: استغفر إليه، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً، فقال له استغفر الله، فقيل له في ذلك، فنزع بهذه الآية. قال القاضي أبو محمد: والاستغفار الذي أحال عليه الحسن ليس هو عندي لفظ الاستغفار فقط، بل الإخلاص والصدق في الأعمال والأقوال، فكذلك كان استغفار عمر رضي الله عنه، وروي أن قوم نوح كانوا قد أصابهم قحوط وأزمة، فلذلك بدأهم في وعده بأمر المطر ثم ثنى بالأموال والبنين. قال قتادة: لأنهم كانوا أهل حب للدنيا وتعظيم لأمرها فاستدعاهم إلى الآخرة من الطريق التي يحبونها، و "مدرار": مفعال من الدر، كمذكار ومئناث، وهذا البناء لا تلحقه التأنيث.

ابن عبد السلام

تفسير : {دَعَوْتُ} دعوتهم ليلاً ونهاراً إلى عبادتك أو دعوتهم أن يعبدوك ليلاً ونهاراً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً} الآية، هذه المقالةُ قَالَها نوحٌ ـــ عليه السلام ـــ بَعْدَ طولِ عُمْرِهِ ويأسِه من قومه. {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ}: معناه: جَعَلُوها أغْشِيَةً على رؤوسهم.

البقاعي

تفسير : ولما كان صلى الله عليه وسلم أطول الأنبياء عمراً، وكان قد طال نصحه لهم وبلاؤه بهم، نبه على ذلك بقوله مستأنفاً: {قال} منادياً لمن أرسله لأنه تحقق أن لا قريب منه غيره، وأسقط أداة النداء كما هي عادة أهل القرب فقال: {رب} ولما كانت العادة جارية بأن التكرار لا بد أن يؤثر ولو قليلاً، فكانت مخالفتهم لذلك مما هو أهل لأن يشك فيه، قال مؤكداً إظهاراً لتحسره وحرقته عليه الصلاة والسلام منهم في تماديهم في إصرارهم على على التكذيب شكاية لحاله إلى الله تعالى واستنصاراً به واستمطاراً للتنبيه على ما يفعل به بذله الجهد وتنبيهاً لمن يقص به عليهم هذا وإن كان المخاطب سبحانه عالماً بالسر وأخفى: {إني دعوت} أي أوقعت الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة {قومي} أي الذين هم جديرون بإجابتي لمعرفتهم بي وقربهم من وفيهم قوة المحاولة لما يريدون. ولما كان قد عم جميع الأوقات بالدعاء قال: {ليلاً ونهاراً *} فعبر بهذا عن المداومة. ولما تسبب عن ذلك ضد المراد قال: {فلم يزدهم دعاءي} أي شيئاً من أحوالهم التي كانوا عليها {إلا فراراً *} أي بعداً عنك ونفوراً وبغضاً وإعراضاً حتى كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، وأسند الزيادة إلى الدعاء لأنه سببها. ولما كان الفرار مجازاً عن رد كلامه، عطف عليه ما يبينه، فقال مؤكداً لأن إعراضهم مع هذا الدعاء الطويل مما لا يكاد يصدق: {وإني كلما} على تكرار الأوقات وتعاقب الساعات {دعوتهم} أي إلى الإقبال عليك بالإيمان بك والإخلاص لك. ولما كان إعراضهم عما ينفعهم أقبح، ذكر ما يتسبب عن الإجابة بالإيمان فقال: {لتغفر لهم} أي ليؤمنوا فتمحو ما فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله في التجاوز في الحدود محواً بالغاً فلا يبقى لشيء من ذلك عيناً ولا أثراً حتى لا تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم {جعلوا} أي في كل دعاء، ودل على مبالغتهم في التصامم بالتعبير بالكل عن البعض فقال: {أصابعهم} كراهة له واحتقاراً للداعي {في آذانهم} حقيقة لئلا يسمعون الدعاء إشارة إلى أنا لا نريد أن نسمع ذلك منك، فإن أبيت إلا الدعاء فإنا لا نسمع لسد أسماعنا، ودلوا على الإفراط في كراهة الدعاء بما ترجم عنه قوله: {واستغشوا ثيابهم} أي أوجدوا التغطية لرؤوسهم بثيابهم إيجاد من هو طالب لذلك شديد الرغبة فيه حتى يجمعوا بين ما يمنع السماع لكلامه والنظر إليه إظهاراً لكراهته وكراهة كلامه، وهكذا حال النصحاء مع من ينصحونه دائماً {وأصروا} أي داموا على سوء أعمالهم دواماً هم في غاية الإقبال عليه، من أصر الحمار على العانة - إذا صر أذنيه وأقبل عليها يطردها ويكدمها، استعير للإقبال على المعاصي وملازمتها لأنه يكون بغاية الرغبة كأن فاعله حمار وحش قد ثارت شهوته {واستكبروا} أي أوجدوا الكبر طالبين له راغبين فيه، وأكد ذلك بقوله: {استكباراً *} تنبيهاً على أن فعلهم منابذ للحكمة، فكان مما ينبغي أن لا يفعلوه فهو مما لا يكاد يصدق لذلك، وقد نادت هذه الآيات بالتصريح في غير موضع بأنهم عصوا نوحاً عليه الصلاة والسلام وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهراً بتعطيل الأسماع والأبصار، وباطناً بالإصرار والاستكبار ولم يوافقوه بقول ولا فعل، فلعنة الله عليهم وعلى من يقول: إنهم وافقوه بالفعل، لأنه دعاهم للمغفرة وقد غطوا وجوههم، والتغطية هي الغفر ونحو ذلك من الخرافات التي لو سمعها أسخف عباد الحجارة الذين لا أسخف منهم لهزؤوا بقائلها، وما قال هذا القائل ذلك إلا تحريفاً لكتاب الله بنحو تحريف الباطنية الذين أجمعت الأمة على تكفيرهم لذلك التحريف، ولعنة الله على من يشك في كفر من يحرف هذا التحريف أو يتوقف في لعنه، وهم الاتحادية الذين مرقوا من الدين في آخر الزمان، ومن أكابرهم الحلاج وابن عربي وابن الفارض، وتبعهم على مثل الهذيان أسخف الناس عقولاً {أية : إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً}تفسير : [الفرقان: 44] ولقد أخبرني الإمام العلامة برهان الدين إبراهيم بن أبي شريف القدسي الشافعي الثبت النحرير عن بعض من يتعصب لهم في هذا الزمان، وهو من أعيان المدرسين بالقاهرة، أنه قال له: ما حملني على انتقادي لابن الفارض إلا أني رأيت كلام التائية له متناقضاً، فتارة يفهم منها الحلول وتارة الاتحاد، وهو عندي يحاشى عن ذلك، فعلمت أن لهؤلاء القوم اصطلاحاً نسبتنا منه نسبة التباين إذا سمعوا النحوي يقول: الفاعل مرفوع، فإنهم يضحكون منه، ولو فهمنا اصطلاحهم لم نعترض - هذا معنى ما نقل عنه وهو ما لا يرضاه ذو مسكة، وهو شبيه بما نقل المسعودي في أوائل مروج الذهب عن بعض من اتهم بعقل وعلم من النصارى في زمن أحمد بن طولون، فاختبره فوجده في العلم كما وصف، فسأله عن سبب ثباته على النصرانية مع علمه فقال: السبب تناقضها مع أنه دان بها ملوك متكبرون وعلماء متبحرون ورهبان عن الدنيا معرضون ومدبرون، فعلمت أنه ما جمع هؤلاء الأصناف على الدينونة بها مع تناقضها إلا أمر عظيم اضطرهم لذلك، فدنت بها، فقال له: اذهب في لعنة الله فلقد ضيعت كل عقل وصفت، ولقد والله صدق في الأمر العظيم الذي حملهم على ذلك، وهو القضاء والقدرة الذي حمل كل أحد منهم على إلقاء نفسه في نار جهنم باختياره بل برغبته في ذلك ومقاتلة من يصده عن ذلك، وذلك أدل دليل على تمام علم الله وقدرته وأنه واحد لا شريك له ولا معقب لحكمه، وفي هذا تصديق قوله النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع"تفسير : وهم أهل الكتاب، وقد أشبعت القول في هذا في كتابي"القارض في تكفير ابن الفارض" الذي بينت فيه عوارهم، وأظهرت عارهم، وكذا كتابي "صواب الجواب للسائل المرتاب" و "تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض" ولم أبق على شيء من ذلك شيئاً من لبس - ولله الحمد.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} أي نوحٌ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مناجياً ربَّهُ وحاكياً له تعالَى وهو أعلمُ بحالِهِ ما جرَى بـينَهُ وبـينَ قومه من القيلِ والقالِ في تلكَ المددِ الطوالِ بعدَ ما بذلَ في الدعوةِ غايةَ المجهودِ وجاوزَ في الإنذارِ كلَّ حدَ معهودٍ وضاقتْ عليهِ الحيلُ وعيت بهِ العللُ. {رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى} إلى الإيمانِ والطَّاعةِ {لَيْلاً وَنَهَاراً} أي دائماً من غيرِ فتورٍ ولا توانٍ {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً} ممَّا دعوتُهُم إليهِ وإسنادُ الزيادةِ إلى الدعاءِ لسببـيتِهِ لها كما في قولِهِ تعالَى: { أية : زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً} تفسير : [سورة الأنفال، الآية 2] {وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ} أي إلى الإيمانِ {لِتَغْفِرَ لَهُمْ} بسببهِ {جَعَلُواْ أَصَـٰبِعَهُمْ فِى ءاذٰنِهِمْ} أيْ سدُّوا مسامِعَهُم منِ استماعِ الدعوةِ {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} أي بالغُوا في التغطِّي بهَا كأنَّهُم طلبُوا أنْ تغشاهُم ثيابُهُم أو تُغشِّيهم لئلا يُبصروه كراهةَ النظرِ إليهِ أو لئلا يعرفَهُم فيدعُوَهُم {وَأَصَرُّواْ} أي أكبُّوا على الكفرِ والمعاصِي مستعارٌ منْ أصرَّ الحمارُ على العانةِ إذَا أصرَّ أذنيهِ وأقبلَ عليهَا {وَٱسْتَكْبَرُواْ} عن اتِّباعي وطاعتي {ٱسْتِكْبَاراً} شديداً {ثُمَّ إِنّى دَعَوْتُهُمْ جِهَـٰراً * ثُمَّ إِنّى أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} أي دعوتُهُم تارةً جهراً ومرةً غبَ مرةٍ على وجوهٍ مُتخالفةٍ وأساليبَ متفاوتةٍ، وثُمَّ لتفاوتِ الوجوهِ فإنَّ الجِهارَ أشدُّ من الإسرارِ، والجمعُ بـينَهُمَا أغلظُ من الإفرادِ أو لتراخِي بعضِهَا عن بعضٍ، وجهاراً منصوبٌ بدعوتُهُم على المصدرِ لأنَّه أحدُ نَوْعَيْ الدعاءِ أو أُريدَ بدعوتُهُم جاهرتُهُم أو هو صفةٌ لمصدرٍ أي دعوتُهُم دعاءً جهاراً أي مُجاهِراً به أو مصدرٌ في موقعِ الحالِ أي مُجاهراً.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} اى نوح مناجيا لربه وحا كياله وهو أعلم بحال ما جرى بينه وبين قومه من القيل والقال فى تلك المدد الطوال بعد ما بذل فى الدعوة غاية المجهود وجاوز فى الانذار كل حد معهود وضاقت عليه الحيل وعيت به العلل {رب} اى بروردكارمن {انى دعوت قومى} الى الايمان والطاعة {ليلا ونهارا} فى الليل والنهار أى دآئما من غير فتور ولا توان فما ظرفان لدعوة أراد بهما الدوام على الدعوة لان الزمان منحصر فيهما وفى كشف الاسرار بشبها درخانهاى ايشان وبروزها در انجمنهاى ايشان. وكان يأتى باب احدهم ليلا فيقرع الباب فيقول صاحب البيت من على الباب فيقول أنا نوح قل لا اله الا الله.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قال} نوح شاكياً إلى الله تعالى: {رَبِّ إِني دعوتُ قومي} إلى الإيمان والطاعة {ليلاً ونهاراً} دائماً بلا فتور ولا توان، {فلم يَزِدْهُم دعائي إِلاَّ فِراراً} مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سبباً للفرار، وهو كقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا } تفسير : [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سبباً لزيادة الرجس، لكن لمّا حصل عنده نُسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنّك، فإنّ أبي قد أوصاني بهذا. هـ. {وإِني كلما دعوتُهم} إلى الإيمان بك {لتغفرَ لهم} أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبَّب، {جعلوا أصابعَهم في آذانهم} أي: سدُّوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، {واستَغْشوا ثيابَهُم} أي: وتغطُّوا بثيابهم لئلا يُبصروني، كراهة النظر إلى وجه مَن ينصحهم في دين الله، {وأصَرُّوا}؛ أقاموا على كفرهم {واسْتَكْبَروا استكباراً} أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظماً كبيراً. وذِكْرُ المصدر دليل على فرط استكبارهم. {ثم إِني دَعَوتهم جِهاراً} أي: مجاهراً، فيكون حالاً، أو: مصدر "دعوت"، كقعد القرفصاء؛ لأنّ الجهار أحد نوعَي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. {ثم إِني أعلنتُ لهم وأَسررتُ لهم إِسراراً} أي: جَمَعْتُ لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنتُ أدعو كل مَن لقيت، فرداً وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلاً ونهاراً في السر، ثم دعاهم جِهاراً، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكِّر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يُطيعوا ثنّى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلّث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و"ثم" تدل على تباعد الأحوال؛ لأنَّ الجِهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. {فقلتُ استغفِروا ربكم} بالتوبة من الكفر والمعاصي, فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفِر كافراً فهو من الكفر، وإن كان مؤمناً فهو من الذنوب، {إِنه كان غفَّاراً} لم يزل غَفَّار الذنوب لمَن يُنيب إليه، {يُرسل السماءَ} بالمطر {عليكم مِدراراً}؛ كثير الدُّرور، أي: البروز، و"مِفعال" يستوي فيه المذكر والمؤنث، {ويُمددكم بأموال وبنينَ} أي: يزدكم أمولاً وبنين على ما عندكم، {ويجعل لكم جنات}؛ بساتين {ويجعل لكم أنهاراً} جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يُحبون الأموال والأولاد، فحرّكوا بهذا على الإيمان، وقيل: لمّا كذّبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخِصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمُطر, فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. هـ. وشكى رجلٌ إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفِر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلّهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئاً، ثم تلا الآية. {ما لكم لا ترجون لله وَقَاراً} أي: لا تخافون لله عظمةً. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف؛ لأنّ مع الرجاء طرفاً من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة (ترجون): حال من ضمير المخاطبين، و"لله" متعلق بمضمر، حال من (وقارا)، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أيُّ سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. هـ. أو: لا تأملون له توقيراً، أي: تعظيماً، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، {وقد خَلَقَكم أطواراً} في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لِما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطواراً، أي: أحوالاً مختلفة، خَلَقَكم أولاً نُطفاً، ثم خلقكم علقاً, ثم مُضغاً، ثم عظاماً ولحماً، ثم إنساناً، ثم خلقاً آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شباباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، بالتقصير في توقير مَن هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلاً ونهاراًن ولو قُوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلاً واحداً خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: {وأصَرُّوا واستكبروا}، قال القشيري: ويقال: لَمَّا دام إصرارهُم تَولَّدَ منه استكبارُهم، قال تعالى: {أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [الحديد:16]. وقال الورتجبي: مَن أصرَّ على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسناً، فإذا رآه مستحسناً يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. هـ. وقوله تعالى: {استغفِروا ربكم} قال القشيري: ليعلم العاملون أنَّ الاستغفار قَرْعُ أبوابِ النعمة، ومَن وقعت له إلى الله حاجة فلا يَصِل إلى مرادِه إلاّ بتقديم الاستغفار. ويقال: مَن أراد التفضُّل فعليه بالعُذْر والتنصُّل. هـ. وقوله: {ما لكم لا ترجون لله وقاراً} أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيماً وإجلالاً، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإنَّ المشاهدة على قدر المراقبة، فمَن لم يُحْكِم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطواراً، أي: درّج بشريتكم في أطوار مُختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكُّل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولمّا نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقالِ: {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ}.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} بعد ما دعاهم ولم يجيبوه اظهاراً لامتثاله وتشكيّاً من عدم اجابتهم {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} عنّى وعن الايمان بك وعن تصديقى.

اطفيش

تفسير : {قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً} أي دعوتهم دعاء متصلا دائما الى الايمان والطاعة قال ذلك بعد طول عمره واياسه منهم.

اطفيش

تفسير : {قَالَ رَبِّ} يا رب {إِني دَعَوْتُ} إِلى العبادة والاتقاء والإِطاعة {قَوْمِي ليْلاً وَنَهَاراً} دائما بلا فتور فقوله ليلا ونهاراً كناية عن المداومة، وإِلا ليل ونهار، ليل واحد ونهار واحد، أو ليل ونهار كرتان مستعملتان فى الإِثبات للاستغراق وهذا العموم عرفى لأَنه ليس يستغرق أوقات الليل والنهار، بل المراد الإِكثار كفلان لا يضع عصاه من عاتقه، أى يكثر السفر.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } أي نوح عليه السلام مناجياً ربه عز وجل وحاكياً له سبحانه بقصد الشكوى وهو سبحانه أعلم بحاله ما جرى بينه وبين قومه من القيل والقال في تلك المدد الأطوال بعد ما بذل في الدعوة غاية المجهود وجاز في الإنذار كل حد معهود وضاقت عليه الحيل وعيت به العلل {رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى } إلى الإيمان والطاعة {لَيْلاً وَنَهَاراً } أي دائماً من غير فتور ولا توان.

ابن عاشور

تفسير : جرد فعل {قال} هنا، من العاطف لأنه حكاية جواب نوح عن قول الله له {أية : أنْذِر قومك} تفسير : [نوح: 1] عومل معاملة الجواب الذي يُتلقى به الأمر على الفور على طريقة المحاورات التي تقدمت في قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : في سورة البقرة (30)، تنبيهاً على مبادرة نوح بإبلاغ الرسالة إلى قومه وتمام حرصه في ذلك كما أفاده قوله: {ليلاً ونهاراً} وحصول يأسه منهم، فجعل مراجعته ربه بعد مهلة مستفادة من قوله: {لَيْلاً ونهاراً} بمنزلة المراجعة في المقام الواحد بين المتحاورَيْن. ولك أن تجعل جملة {قال رب} الخ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن السامع يترقب معرفة ماذا أجاب قوم نوح دعوته فكان في هذه الجملة بيان ما يترقبه السامع مع زيادة مراجعة نوح ربه تعالى. وهذا الخبر مستعمل في لازم معناه وهو الشكاية والتمهيد لطلب النصر عليهم لأن المخاطب به عالم بمدلول الخبر. وذلك ما سيفضي إليه بقوله: {أية : وقال نوح رب لا تذَرْ على الأرض من الكافرين دياراً} تفسير : الآيات [نوح: 26]. وفائدة حكاية ما ناجى به نوح ربه إظهارُ توكله على الله، وانتصار الله له، والإِتيانُ على مهمات من العبرة بقصته، بتلوين لحكاية أقواله وأقوال قومه وقول الله له. وتلك ثمان مقالات هي: 1 ــــ {أية : أن أنذر قومك} تفسير : الخ [نوح: 1]. 2 ــــ {أية : قال يا قوم إني لكم نذير مبين} تفسير : الخ [نوح: 2]. {قال رب إني دعوت قومي} الخ [نوح: 5]. 4 ــــ {أية : فقلت استغفروا ربكم} تفسير : الخ [نوح: 10]. 5 ــــ {أية : قال نوح رب إنهم عصوني} تفسير : الخ [نوح: 21]. 6 ــــ {أية : ولا تزد الظالمين إلاّ ضلالاً} تفسير : الخ [نوح: 24]. 7 ــــ {أية : وقال نوح رب لا تذر على الأرض} تفسير : الخ [نوح: 26]. 8 ــــ {أية : رب اغفر لي} تفسير : الخ [نوح: 28]. وجعل دعوته مظروفة في زمني الليل والنهار للدلالة على عدم الهوادة في حرصه على إرشادهم، وأنه يترصد الوقت الذي يتوسم أنهم فيه أقرب إلى فهم دعوته منهم في غيره من أوقات النشاط وهي أوقات النهار، ومن أوقات الهدوّ وراحة البال وهي أوقات الليل. ومعنى {لم يَزدهم دعائيَ إلاّ فراراً} أن دعائي لهم بأن يعبدوا الله وبطاعتهم لي لم يزدهم ما دعوتهم إليه إلاّ بعداً منه، فالفرار مستعار لقوة الإِعْراض، أي فلم يزدهم دعائي إياهم قرباً مما أدعوهم إليه. واستثناء الفرار من عموم الزيادات استثناء منقطع. والتقدير: فلم يزدهم دعائي قرباً من الهدى لكن زادهم فراراً كما في قوله تعالى حكاية عن صالح عليه السلام {أية : فما تزيدونني غير تخسير} تفسير : [هود: 63]. وإسناد زيادة الفرار إلى الدعاء مجاز لأن دعاءه إياهم كان سبباً في تزايد إعراضهم وقوة تمسكهم بشركهم. وهذا من الأسلوب المسمى في علم البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم، أو تأكيدَ الشيء بما يشبه ضده، وهو هنا تأكيد إِعراضهم المشبه بالابتعاد بصورةٍ تشبه ضد الإِعراض. ولما كان فرارهم من التوحيد ثابتاً لهم من قبل كان قوله: {لم يزدهم دعائي إلاّ فراراً} من تأكيد الشيء بما يشبه ضده. وتصدير كلام نوح بالتأكيد لإِرادة الاهتمام بالخبر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً}. أي على الدوام كما قال: {أية : ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً}تفسير : [نوح: 8-9]. أي أن نبي الله نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. بذل كل ما يمكنه في سبيل الدعوة إلى الله، وقد بين تعالى مدة مكثه فيهم على تلك الحالة في قوله تعالى: {أية : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً}تفسير : [العنكبوت: 14].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ليلا ونهارا: أي دائما باستمرار. إلا فرارا: أي منّي ومن الحق الذي أدعوهم إليه وهو عبادة الله وحده. جعلوا أصابعهم في آذانهم: أي حتى لا يسمعوا ما أقول لهم. واستغشوا ثيابهم: أي تغطوا بها حتى لا ينظروا إليّ ولا يروني. وأصروا: على باطلهم وما هم عليه من الشرك. يرسل السماء عليكم مدرارا: أي ينزل عليكم المطر متتابعا كلما دعت الحاجة إليه. ويجعل لكم جنات: أي بساتين. ما لكم لا ترجون لله وقارا: أي لا تخافون لله عظمته وكبرياءه وهو القاهر فوق عباده. وقد خلقكم أطوارا: أي حالا بعد حال فطورا نطفة وطورا علقة وطورا مضغة. وجعل الشمس سراجا: أي مضيئة. أنبتكم من الأرض نباتا: أي أنشأكم من تراب الأرض. ثم يعيدكم فيها: أي تقبرون فيها. ويخرجكم منها إخراجا: أي يوم القيامة. سبلا فجاجا: أي طرقا واسعة. معنى الآيات: هذه الآيات تضمنت لوحة مشرقة يهتدي بضوئها الهداة الدعاة إلى الله عز وجل إذ هي تمثل عرض حال قدمه نوح لربه عز وجل هو خلاصة دعوة دامت قرابة تسعمائة وخمسين سنة ولنصغ إلى نوح عليه السلام وهو يشكوا إلى ربّه ويعرض عليه ما قام به من دعوة إليه فقال {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي} وهم أهل الأرض كلهم يومئذ {لَيْلاً وَنَهَاراً} أي بالليل وبالنهار إذ بعض الناس لا يمكنه الاتصال بهم إلا ليلا {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ} إياهم إلى الإِيمان بك وعبادتك وحدك {إِلاَّ فِرَاراً} مني ومما أدعوهم إليه وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم بأن يستغفروك ويتوبوا إليك لتغفر لهم {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ} حتى لا يسمعوا ما أقول لهم، {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} أي تغطوا بها حتى لا يروني ولا ينظروا إلى وجهي كراهة لي وبغضا فيّ {وَأَصَرُّواْ} على الشرك والكفر إصراراً متزايداً عنادا {وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} عجيباً. {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ} إلى توحيدك في عبادتك وإلى ترك الشرك فيها {جِهَاراً} أي مجاهرا بذلك {ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} بحسب الجماعات والظروف أطرق كل باب بحثا عن استجابتهم للدعوة وقبولهم للهدى فقلت {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} أي ينزل عليكم المطر متتابعاً فلا يكون قحط ولا محل {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} كما هي رغبتكم {وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ} بساتين ذات نخيل وأعناب {وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} تجري في تلك البساتين تسقيها. ثم التفت إليهم وقال لهم منكرا عليهم استهتارهم وعدم خوفهم {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} أي ما دهاكم أي شيء جعلكم لا ترجون لله وقارا لا تخافون عظمته وقدرته وكبرياءه {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} ولفت نظرهم إلى مظاهر قدرة الله تعالى فقال لهم {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً} سماء فوق سماء مطابقة لها {وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} ينير ما فوقه من السماوات وما تحته من الأرض {وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً} وهاجا مضيئا يضيء بوجهه السماوات وبقفاه الأرض كالقمر {وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} إذ أصلكم من تراب والنطف أيضا الغذاء المكون من التراب ثم خلقتكم تشبه النبات وهي على نظامه في الحياة والنماء. {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا} أي في الأرض بعد الموت فتدفنون فيها {وَيُخْرِجُكُمْ} منها أيضا {إِخْرَاجاً} يوم القيامة للحساب والجزاء {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً} أي مفروشة مبسوطة صالحة للعيش فيها والحياة عليها، {لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} أي طرقا واسعة وهكذا تجول بهم نوح عليه السلام في معارض آيات الله الكونية وكلها دالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وهي موجبة للعبادة له عقلا ونفيها عما سواه كانت هذه مشكلة نوح وعرض حاله على ربّه وهو أعلم به وفي هذا درس عظيم للدعاة الهداة المهديين جعلنا الله منهم آمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- رسم الطريق الصحيح للدعوة القائم على الصبر وتلوين الأسلوب. 2- بيان كره المشركين للتوحيد والموحدين أنهم لبغضهم لنوح ودعوة التوحيد سدوا آذانهم حتى لا يسمعوا وغطوا وجوههم حتى لا يروه واستكبروا حتى لا يروا له فضلا. 3- استعمال الحكمة في الدعوة فإِن نوحاً لما رأى أن قومه يحبون الدنيا أرشدهم إلى الاستغفار ليحصل لهم المال والولد. 4- استنبط بعض الصالحين من هذه الآية أن من كانت له رغبة في مال أو ولد فليكثر من الاستغفار الليل والنهار ولا يمل يعطه الله تعالى مراده من المال والولد.

د. أسعد حومد

تفسير : (5) - فَلَمَّا كَذَّبَ نُوحاً قَوْمُهُ، وَهَدَّدُوهُ بِالرَّجْمِ، إِنْ لَمْ يَكُفَّ عَنْ دَعْوَتِهِمْ إِلَى اللهِ، وَعَنْ أَمْرِهِمْ بِالخَيْرِ، اشْتَكَى نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى رَبِّهِ مِمَّا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ خِلاَلَ مُدَّةِ لُبْثِهِ فِيهِمْ - وَهِيَ تِسْعُمئةٍ وَخَمْسُونَ عَاماً - فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّنِي دَعَوْتُ قَوْمِي إِلَى عِبَادَتِكَ، وَالإِيْمَانِ بِكَ، لَيْلاً وَنَهَاراً، وَلَمْ أَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ امْتِثَالاً لأَِمْرِكَ.