Verse. 544 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اَلَمْ تَرَ اِلَى الَّذِيْنَ اُوْتُوْا نَصِيْبًا مِّنَ الْكِتٰبِ يُؤْمِنُوْنَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوْتِ وَيَقُوْلُوْنَ لِلَّذِيْنَ كَفَرُوْا ہٰۗؤُلَاۗءِ اَہْدٰى مِنَ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا سَبِيْلًا۝۵۱
Alam tara ila allatheena ootoo naseeban mina alkitabi yuminoona bialjibti waalttaghooti wayaqooloona lillatheena kafaroo haolai ahda mina allatheena amanoo sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر وحرضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم «ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت» صنمان لقريش «ويقولون للذين كفروا» أبي سفيان وأصاحبه حين قالوا لهم: نحن أهدى سبيلا ونحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني ونفعل... أم محمد وقد خالف دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم «هؤلاء» أي أنتم «أهدى من الذين آمنوا سبيلا» أقوم طريقا.

51

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود نوعا آخر من المكر، وهو أنهم كانوا يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين، ولا شك أنهم كانوا عالمين بأن ذلك باطل، فكان إقدامهم على هذا القول لمحض العناد والتعصب، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا الى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب الى محمد منكم الينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا، ففعلوا ذلك. فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت، لأنهم سجدوا للأصنام، فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟ فقال كعب: ماذا يقول محمد؟ يأمر بعبادة الله وحده وينهي عن عبادة الأصنام وترك دين آبائه، وأوقع الفرقة. قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلا. فهذا هو المراد من قولهم: {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـؤُلاء أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً } [النساء: 51]. المسألة الثانية: اختلف الناس في الجبت والطاغوت، وذكروا فيه وجوه: الأول: قال أهل اللغة: كل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت، ثم زعم الأكثرون أن الجبت ليس له تصرف في اللغة. وحكى القفال عن بعضهم أن الجبت أصله جبس، فأبدلت السين تاء، والجبس هو الخبيث الردىء، وأما الطاغوت فهو مأخوذ من الطغيان، وهو الاسراف في المعصية، فكل من دعا إلى المعاصي الكبار لزمه هذا الاسم، ثم توسعوا في هذا الاسم حتى أوقعوه على الجماد، كما قال تعالى: {أية : وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [إبراهيم: 35، 36] فأضاف الاضلال إلى الأصنام مع أنها جمادات. الثاني: قال صاحب «الكشاف»: الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت الشيطان. الثالث: الجبت الأصنام، والطاغوت تراجمة الأصنام يترجمون للناس عنها الأكاذيب فيضلونهم بها، وهو منقول عن ابن عباس. الرابع: روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر. الخامس: قال الكلبي: الجبت في هذه الآية حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف، وكانت اليهود يرجعون اليهما، فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم. السادس: الجبت والطاغوت صنمان لقريش، وهما الصنمان اللذان سجد اليهود لهما طلبا لمرضاة قريش، وبالجملة فالأقاويل كثيرة، وهما كلمتان وضعتا علمين على من كان غاية في الشر والفساد. ثم قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً } فبين أن عليهم اللعن من الله وهو الخذلان والابعاد، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى؛ وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له، كما قال: {أية : مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً } تفسير : [الأحزاب: 61] فهذا اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد، كما قال في الآيات المتقدمة: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً } تفسير : [النساء: 45]. واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله! ومن كان دينه الاقبال بالكلية على خدمة الخالق والاعراض عن الدنيا والاقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال، والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ} نزلت في يهود كانوا يقولون إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعوهم إليه محمد. وقيل في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من اليهود خرجوا إلى مكة يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنتم أهل كتاب وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا. والجبت في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل ما عبد من دون الله. وقيل أصله الجبس وهو الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاء. والطاغوت يطلق لكل باطل من معبود أو غيره. {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } لأجلهم وفيهم. {هَـؤُلاء} إشارة إليهم. {أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} أقوم ديناً وأرشد طريقاً. {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} يمنع العذاب منه بشفاعة أو غيرها. {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ ٱلْمُلْكِ} أم منقطعة ومعنى الهمزة إنكار أن يكون لهم نصيب من الملك وجحد لما زعمت اليهود من أن الملك سيصير إليهم. {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحداً ما يوازي نقيرا، وهو النقرة في ظهر النواة. وهذا هو الإغراق في بيان شحهم فإنهم إن بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا فقراء أذلاء متفاقرين، ويجوز أن يكون المعنى إنكار أنهم أوتوا نصيباً من الملك على الكناية، وأنهم لا يؤتون الناس شيئاً وإذا وقع بعد الواو والفاء لا لتشريك مفرد جاز فيه الإلغاء والإِعمال، ولذلك قرىء فإذاً لا يؤتوا الناس على النصب.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر وحرّضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ } صنمان لقريش {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أبي سفيان وأصحابه حين قالوا لهم: أنحن أهدى سبيلاً ونحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني ونفعل -.... أم محمد صلى الله عليه وسلم؟ وقد خالف دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم؟ {هَؤُلاء } أي أنتم {أَهْدَىٱ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلاً } أقْوَم طريقا.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْجِبْتِ وَالْطَّاغُوتِ} صنمان كان المشركون يعبدونهما، أو الجبت: الأصنام والطاغوت " تراجمة" الأصنام، أو الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، أو الجبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن، أو الجبت: حيي بن أخطب والطاغوت: كعب بن الأشرف.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} نزلت في كعب بن الأشرف وسبعين راكباً من اليهود قدموا مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على النبي صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب بن الأشرف على أبي سفيان فأحسن مثواه ونزل باقي اليهود على قريش في دورهم أهل مكة أنتم فقال لهم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا إلى هذين الصنمين ففعلوا ذلك فذلك قوله تعالى: {يؤمنون بالجبت والطاغوت} ثم قال كعب بن الأشرف لأهل مكة ليجيء منكم ثلاثون رجلاً ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هذا البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ثم قال أبو سفيان لكعب بن الأشرف إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى سبيلاً نحن أم محمد؟ قال كعب اعرض علي دينكم فقال أبو سفيان نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا القديم ودين محمد الحديث فقال كعب أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد فأنزل الله تعالى ألم تر يعني يا محمد إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب كعب بن الأشرف وأصحابه اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت يعني سجودهم للصنمين واختلف العلماء فيهما الجبت والطاغوت كل معبود دون الله تعالى، وقيل هما صنمان كانا لقريش وهما اللذان سجد اليهود لهما لمرضاة قريش وقيل الجبت اسم للأصنام والطاغوت شياطين الأصنام ولكل صنم شيطان يعبر فيها ويكلم الناس فيغترون بذلك وقيل الجبت الكاهن والطاغوت الساحر عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : العيافة والطيرة والطرق من الجبت" تفسير : أخرجه أبو داود وقال الطرق الزجر والعيافة الخط وقيل العيافة هي زجر الطير وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا خرج لأمر زجر طيراً فإذا أخذ ذات اليمين مضى في حاجته وإذا أخذ ذات الشمال رجع فنهوا عن ذلك والطرق هو ضرب الحجارة والحصا على طريق الكهانة فنهوا عنه والطيرة هو أن يتطير بالشيء فيرى الشؤم فيه والشر منه وقيل هو من التطير وهو زجر الطائر والخط هو ضرب الرمل لاستخراج الضمير وقيل الجبت كل ما حرم الله تعالى والطاغوت كل ما يطغى الإنسان وقيل الجبت هو حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف اليهوديان وكانا طاغية اليهود {ويقولون} يعني كعب بن الأشرف وأصحابه {للذين كفروا} يعني لكفار قريش {هؤلاء} يعني أنتم يا هؤلاء {أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} يعني طريقاً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ...} الآية: أجْمَعَ المتأوِّلون أنَّ المراد بها طائفةٌ من اليهود، والقَصَصُ يبيِّن ذلك، ومجموعُ ما ذكره المفسِّرون في تَفْسير الجِبْتِ والطَّاغُوتِ يقتضي أنَّهُ كُلُّ مَا عُبِدَ وأُطِيعَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَىٰ. وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ...} الآية: سببها أنَّ قريشاً قالَتْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، حين وَرَدَ مكَّة: أنْتَ سَيِّدُنَا، وَسيِّدُ قَوْمِكَ، إنَّا قومٌ نَنْحَرُ الكَوْمَاءَ، وَنَقْرِي الضَّيْفَ، وَنَصِلُ الرَّحِمَ، وَنَسْقِي الحَجِيجَ، وَنَعْبُدُ آلِهَتَنَا الَّتِي وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا، وهَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ قَطَعَ الرَّحِمَ، فَمَنْ أَهْدَىٰ نَحْنُ أوْ هُوَ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْتُمْ أَهْدَىٰ مِنْهُ، وَأَقْوَمُ دِيناً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ، قاله ابنُ عبَّاسٍ، فالضمير في «يَقُولُونَ» عائد على كعْبٍ، وعلى الجماعةِ الَّتي معه من اليهودِ المُحَرِّضين على قتَالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم «والَّذِينَ كَفَرُوا» في هذه الآيةِ هم كفَّار قريشٍ، والإشارة بـ «هؤلاء» إليهم والَّذِين آمنوا هم النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأمته، وقالتْ فرقة: بل المرادُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ وأتباعه، وهم المقصودُ من أول الآيات. قال * ص *: «لِلَّذِينَ»: اللامُ للتبليغِ متعلِّقة بـ «يقولون». انتهى.

ابن عادل

تفسير : قال المفسِّرُون: خرج كَعْبُ بنُ الأشْرَفِ، وحُيَيّ بن أخْطَبَ، فِي سَبْعِينَ رَاكِباً من اليَهُودِ إلى مَكَّةَ بعد وَقْعَةِ أحُد؛ ليُحالفُوا قُرَيْشاً، على مُحَارَبَةِ الرَّسُولِ - عليه الصَّلاة والسلام - ويَنقُضُوا العهدَ الذي كان بينَهُم وبين النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فنزل كَعْبٌ علَى أبِي سُفْيانَ؛ فأحْسنَ مَثْوَاهُ، ونزلت اليهودُ في دُورِ قُرَيْشٍ، فقال أهْلُ "مكةَ": إنكم أهل كتاب، ومُحَمَّدٌ صاحبُ كِتابٍ، ولا نأمَنُ أن يكُونَ هذا مَكْراً مِنكم، فإن أرَدْتَ أن نخرجَ مَعَكَ، فاسْجُدْ لهذين الصَّنَميْنِ وآمنوا بهما، فَفَعلُوا ذلك؛ فذلك قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ}. ثم قال كَعْبٌ لأهْلِ مَكَّةَ: ليجيء منكم [الآن] ثلاثُونَ ومِنَّا ثلاثُونَ فنلْزقَ أكْبَادنا بالكعبةِ؛ فنعاهد رَبَّ هذا البيتِ، لنجهدنَّ على قِتَالِ مُحَمَّدٍ؛ فَفَعلُوا، ثُمَّ قال أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ: إنَّك امرؤٌ تَقْرَأُ الكِتَابَ، وتَعْلَمُ، ونحنُ أُمُّيُّون، ولا نَعلَمُ، فَأيُّنَا أهْدَى طَريقاً: نَحْنُ أم مُحَمَّدٌ؟ فقال كَعْبٌ لأبي سُفْيان: اعرضُوا عليَّ دينكم، فقال أبُو سُفْيَانَ: نحن نَنْحَرُ للحَجِيج الكُومَاء، ونَسْقيهمُ [الماء] ونَقْري الضَّيْفَ، ونُقِلُّ العَانِي، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونعَمِّرُ بين رَبِّنَا، ونطوفُ به، ونحنُ أهْلُ الحَرَم، ومحمدٌ فارق دينَ آبَائِهِ، وقطعَ الرَّحمَ، وفارقَ الحَرَمَ، ودينُنَا القَديمُ، ودينُ محمدٍ الحديثُ، فقال كَعْبٌ: أنْتُمْ واللَّهِ أهْدَى سَبِيلاً مَمَّا عليه محمدٌ؛ فنزلتْ هذه الآيةُ. قوله: {يُؤْمِنُونَ} فيه وجهانِ: أحدُهُمَا: أنه حَالٌ إمَّا من: "الذين" وإمَّا مِنْ واوِ "أوتوا"، و "بالجبت" مُتعلِّقٌ به، و "يقولون" عطفٌ عليه، و "الذين" مُتعلِّقٌ بـ "يقولون"، واللامُ؛ إمَّا للتبيلغِ، وإمَّا لِلْعلةِ؛ كنظائرها، و "هؤلاء أهدى" مُبْتَدأٌ وخَبَرٌ في محل نَصْبٍ بالقول و "سبيلاً" تَميِيزٌ. والثَّانِي: أنَّ "يؤمنون" مُستأنَفٌ، وكأنَّه تعجَّبَ مِنْ حَالِهم؛ إذْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ أوتِيَ نَصيباً من الكتاب؛ ألاَّ يَفْعَلَ شَيْئاً مِمَّا ذُكِرَ، فَيكُونُ جواباً لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كأنَّهُ قيلَ: ألاَ تَعْجَبُ مِنْ حَالِ الذِين أوتُوا نَصِيباً من الكتاب؟ فقيل: وما حَالُهم؟ فقالَ: يؤمِنُون [ويقولُونَ، وهذان] منافيان لحالهم. والجِبْتُ: حَكَى القَفَّالُ، وغيرهُ، عَن بَعْضِ أهلِ اللُّغَةِ: وهو الجِبْسُُ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، أُبدلتْ تاءً، كالنَّات، والأكْيَاتِ، وست؛ في النَّاسِ، والأكياسِ، وسدس، قال [الرجز المشطور] شعر : 1809-................شِرَارَ النَّاتِ لَيْسُوا بِأجْوَادٍ ولاَ أكْيَاتِ تفسير : والجبس: هو الذي لا خير عنده. يُقالُ رَجِلٌ جِبس، وجِبتٌ، أيْ: رَذْلٌ، قِيلَ: وإنما ادَّعَى قلبَ السِّين تاءً؛ لأنَّ مَادَةَ (ج ب ت) مُهْمَلَةٌ. قَالَ قُطْرُبٌ: وغيرهُ يَجْعَلُها مَادَّةً مُسْتَقِلَّةً، وقِيل: الجِبْتُ: السَّاحِرُ بلُغَةِ الحَبَشَةِ، والطَّاغُوتُ: الكَاهِنُ، قالهُ سعيدُ بنُ جُبَيْر، وأبُو العَالِيَةِ، وقال عِكْرمَةُ: هما صَنَمانِ، وقال أبُو عُبَيْدَةَ: هُما كُلُّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وقال عُمَر: الجِبْتُ: السِّحْرُ، والطاغُوتُ: الشَّيْطَانُ؛ وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ، وقال مُحمدُ بنُ سيرينََ، ومَكْحُولٌ: الجِبْتُ: الكاهِنُ، والطَّاغُوتُ: السَّاحِرُ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: الجِبْتُ: - بلسانِ الحبَشَةِ -: شَيْطَانٌ، وقال الضَّحَّاكُ: الجبتُ: حُيَيُّ بنُ أخْطب، والطَّاغُوتُ: كَعْبُ بنُ الأشْرَف، وقِيل: الجبتُ كُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، والطاغوتُ: كُلُّ ما يُطْغي الإنْسانَ. ورَوى قَبيصةُ: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: العِيافَةُ: والطَّرْقُ، والطِّيرةُ: مِنَ الجِبْتِ. الطَّرْقُ: الزَّجْرُ، والعِيَافَة: الحط.

السيوطي

تفسير : أخرج الطبراني والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏قدم حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، مكة على قريش فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم‏:‏ أنتم أهل العلم القديم وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد قالوا‏:‏ ما أنتم وما محمد‏؟‏ قالوا‏:‏ ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام‏.‏ قالوا‏:‏ فما محمد‏؟‏ قالوا: صنبور قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار‏.‏ قالوا‏:‏ لا بل أنتم خير منهم واهدى سبيلاً‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية‏"‏‏.‏ وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة. مرسلاً‏.‏ وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش‏:‏ أنت خير أهل المدينة وسيدهم‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قالوا‏:‏ ألا ترى إلى هذا المنصبر المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية‏!‏ قال‏:‏ أنتم خير منه‏.‏ فانزلت ‏{أية : ‏إن شانئك هو الأبتر‏}‏ ‏تفسير : [‏الكوثر: 3‏]‏ وأنزلت ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏نصيرا‏ً}‏‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عكرمة. أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يغزو وقال‏:‏ إنا معكم نقاتله‏.‏ فقالوا‏:‏ إنكم أهل كتاب وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل‏.‏ ثم قالوا‏:‏ نحن اهدى أم محمد، فنحن ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونصل الرحم، ونقري الضيف، ونطوف بهذا البيت، ومحمد قطع رحمه وخرج من بلده‏.‏ قال‏:‏ بل أنتم خير وأهدى‏.‏ فنزلت فيه ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال‏:‏ أنزلت في كعب بن الأشرف قال‏:‏ كفار قريش أهدى من محمد عليه السلام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي عن أبي مالك قال‏‏ ‏"‏لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود من النضير ما كان، حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين فهموا به وبأصحابه، فاطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد فقال له أبو سفيان‏:‏ يا أبا سعيد إنكم قوم تقرأون الكتاب وتعلمون ونحن قوم لا نعلم، فاخبرنا ديننا خير أم دين محمد‏؟‏ قال كعب‏:‏ اعرضوا عليَّ دينكم‏.‏ فقال أبو سفيان‏:‏ نحن قوم ننحر الكوماء، ونسقي الحجيج الماء، ونقري الضيف، ونحمي بيت ربنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه‏.‏ قال‏:‏ دينكم خير من دين محمد فاثبتوا عليه، ألا ترون أن محمداً يزعم أنه بعث بالتواضع وهو ينكح من النساء ما شاء، وما نعلم ملكاً أعظم من ملك النساء‏.‏ فذلك حين يقول ‏ {‏ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والربيع بن أبي الحقيق، وعمارة، ووحوح بن عارم، وهودة بن قيس‏.‏ فأما وحوح بن عامر وهودة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا‏:‏ هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتاب الأول، فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد‏؟‏ فسألوهم فقالوا‏:‏ بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه‏.‏ فأنزل الله فيهم ‏ {‏ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏ملكاً عظيماً‏} ‏‏. ‏ وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه، عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ لما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما كان، اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة وكان بها، وقال‏:‏ لا أعين عليه، ولا أقاتله‏.‏ فقيل له بمكة‏:‏ يا كعب أديننا خير أم دين محمد وأصحابه‏؟‏ قال‏:‏ دينكم خير وأقدم، ودين محمد حديث‏.‏ فنزلت فيه ‏ {‏ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال‏:‏ ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت في كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، رجلين من اليهود من بني النضير، أتيا قريشاً بالموسم فقال لهم المشركون‏:‏ أنحن أهدى أم محمد وأصحابه، فإنا أهل السدانة، والسقاية، وأهل الحرم‏؟‏ فقالا‏:‏ بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهما يعلمان أنهما كاذبان إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عكرمة قال‏:‏ الجبت والطاغوت.‏ صنمان‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ورستة في الإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ الجبت الساحر، والطاغوت الشيطان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طرق عن مجاهد‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الجبت الأصنام، والطاغوت الذي يكون بين يدي الأصنام، يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الجبت اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت كهان العرب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ الجبت الشيطان بلسان الحبش، والطاغوت الكاهن‏.‏ وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال‏:‏ الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن‏.‏ وأخرج عن أبي العالية قال‏:‏ الطاغوت الساحر، والجبت الكاهن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ كنا نحدث أن الجبت شيطان، والطاغوت الكاهن‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ليث عن مجاهد قال‏:‏ الجبت كعب بن الأشرف، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم عن قبيصة بن مخارق. أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج رستة في الإيمان عن مجاهد في قوله ‏ {‏ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ اليهود تقول ذاك، يقولون‏:‏ قريش أهدى من محمد وأصحابه‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏أم لهم نصيب من الملك‏} ‏ قال‏:‏ فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيرا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول‏:‏ لو كان لهم نصيب من ملك إذن لم يؤتوا محمداً نقيرا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق خمسة عن ابن عباس قال‏:‏ النقير‏.‏ النقطة التي في ظهر النواة‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله عن النقير‏؟‏ قال‏:‏ ما في شق ظهر النواة، ومنه تنبت النخلة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول الشاعر‏: شعر : وليس الناس بعدك في نقير وليسوا غير أصداء وهامِ تفسير : وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ اخبرني عن قول الله ‏ {‏فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً‏} ‏ ما النقير‏؟‏ قال‏:‏ ما في ظهر النواة، قال فيه الشاعر‏:‏ شعر : لقد رزخت كلاب بني زبير فما يعطون سائلهم نقيرا تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق أبي العالية عن ابن عباس قال‏:‏ هذا النقير، ووضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم نقرها‏.‏

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} [الآية: 51]. قال سهل بن عبد الله: لا ينظر إليهم. قال ابن عطاء رحمه الله: أعطوا الكتاب حجة عليهم لا كرامة لهم. وقال بعضهم رحمه الله: أوتوا نصيبًا من الكتاب لا الكتاب، ونصيبهم منه كفرهم وإيمانهم بالجبت والطاغوت. قوله عز وجل: {بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ}. قال سهل رحمه الله: الطواغيت نفسك الأمَّارة بالسوء، إذا خلى العبد معها عن العصمة. وقال بعضهم رحمه الله: الجبت مرادك. والطاغوت هيكلك.

القشيري

تفسير : طاغوتُ كلِّ أحدٍ نَفسُه وهواه وجِبْتُه وهو (....) مقصوده من الأغيار، فمن لاحظ شخصاً أو طالع سبباً أو عرَّجَ على عِلَّةٍ أو طاع هوىً، فذلك جبته وطاغوته. وأصحاب الجبت والطاغوت يستوجبون اللعن؛ وهو الطرد عن بساط العبودية، والحجاب عن شهود الربوبية.

البقلي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ} وبخ الله تعالى اهل ظاهر العلم الذين اختار الرياسة وانكروا على اهل الولاية واثروا صحبة المخالفين يقبلون هو اجس نفوسهم التى هى الجبت ويخطون اثار الطاغوت التى هى ابليس قال سهل بن عبد الله راس لطواغيت نفسه الامارة بالسؤ اذا خلى العبد معها عن العصمة وقال ابن عطا اعطوا الكتاب حجة عليهم لا كرامة لهم قال بعضهم الجبت مرادك والطاغوت هيكلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر الى الذين} الى اليهود الذين {اوتوا نصيبا من الكتاب} حظا من علم التوراة اى انظر يا محمد وتعجب من حالهم فكأنه قيل ماذا يفعلون حتى ينظر اليهم فقيل {يؤمنون بالجبت} فى الاصل اسم صنم فاستعمل فى كل ما عبد من دون الله {والطاغوت} الشيطان ويطلق لكل باطل من معبود او غيره ـ روى ـ ان حيى بن اخطب وكعب بن الاشرف اليهوديين خرجا الى مكة فى سبعين راكبا من اليهود ليخالفوا قريشا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذى كان بينهم وبينه عليه السلام فقالوا انتم اهل كتاب وانتم اقرب الى محمد منكم الينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن اليكم ففعلوا فهذا ايمانهم بالجبت والطاغوت لانهم سجدوا للاصنام واطاعوا ابليس فيما فعلوا وقال ابو سفيان لكعب انك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن اميون لا نعلم فأينا اهدى طريقا نحن ام محمد فقال ماذا يقول محمد قال يأمر بعبادة الله تعالى وحده وينهى عن الشرك قال وما دينكم قالوا نحن ولاة البيت نسقى الحاج ونقرى الضيف ونفك العانى وذكروا افعالهم قال انتم اهدى سبيلا وذلك قوله تعالى {ويقولون للذين كفروا} اى لاجلهم وفى حقهم {هؤلاء} اشارة الى الذين كفروا {اهدى من الذين آمنوا سبيلا} اى اقوم دينا وارشد طريقة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الجبت في الأصل: اسم صنم، فاستعمل في كل ما عُبد من دون الله، {والطاغوت}: كل باطل من معبود أو غيره، أو الجبت: السحر، {والطاغوت}: الساحر، وبالجملة: هو كل ما عُبد أو أطيع من دون الله، وقال الجوهري: الجبت: اسم لكل صنم ولكل عاصٍ ولكل ساحر وكل مُضِلّ، {والطاغوت}: الشيطان، وأصله: طغيوت، فعلوت، من الطغيان، ثم قلب فصار طيَغوت، ثم قلبت الياء ألفًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من} علم {الكتاب}، وهم أحبار اليهود {يُؤمنون بالجبت والطاغوت}؛ يقرون بصحة عبادتهما، {ويقولون للذين كفروا هؤلاء} الكفرة {أهدى من الذين آمنوا} طريقًا، نزلت في اليهود - لعنهم الله -: كانوا يقولون: إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: في حُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، خرجا في سبعين راكبًا إلى مكة يُحالفون قريشًا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة أُحد، وينقضون العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كَعبُ على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش. فقال أهل مكة: أنتم أهل كتاب، ومحمدٌ صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكيدة منكم. فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين، وآمنوا بهما، ففعلوا، فذلك قوله تعالى: {يؤمنون بالجبت والطاغوت}. ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأيُّنا أهدى سبيلاً وأقرب إلى الحق، نحن أو محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليَّ دينَكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكومَاءَ ـ أي: العظيمة ـ من النوق ـ ونسقي الماء، ونَقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمدٌ فارقَ دينَ أبائه، وقطع الرحم وفارق الحرم، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً. هـ. {أولئك الذين لعنهم الله} وأبعدهم وأسحقهم {ومَن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا} ينصره من عذاب الله. فقد قُتل هؤلاء كلهم شر قتلة، وذهبوا إلى الهاوية. عائذاً بالله. الإشارة: قال الورتجبي: وبَّخ الله تعالى أهل ظاهر العلم الذين اختاروا الرياسة، وأنكروا على أهل الولاية، وآثروا صحبة المخالفين، يقبلون هواجس نفَوسهم التي هي الجبت، ويَحظُون على آثار الطاغوت، التي هي إبليس. هـ. قلت: وينسحب التوبيخ على من فضّل أهل الظاهر على أهل الباطن، وفضَّل العلماء على الأولياء، ويقولون: هم أهدى منهم سبيلاً. هيهات! بينهم من البَون ما بين السماء والأرض. والكلام إنما هو في التفضيل بين العارفين بالله، الذين جمعوا بين الفناء والبقاء، وبين العلماء والأتقياء. وأما العُبَّاد والزهاد والصالحون فلا شك أن العلماء الأتقياء أفضل منهم، وإليهم أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: " حديث : فَضلُ العَالِمِ على العابِد كَفَضِلِي عَلَى أدناكُم"تفسير : . وكذلك الأحاديث التي وردت في تفضيل العلماء. وأما العارفون بالله فهم أعظم العلماء، لأن علمهم متعلق بذات الله كشفًا وذوقًا، وعلماء الظاهر علمهم متعلق بأحكام الله. مفرقُون عن الله، بل هم أشد حجابًا من غيرهم عن الله. قال بعض الأولياء: أشد الناس حجابًا عن الله: العلماء ثم العباد ثم الزهاد. هـ. لأن حلاوة ما هم فيه تمنعهم عن الانتقال عنه، وقد تقدم الكلام عند قوله: {أية : كُنتٌمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }تفسير : [آل عِمرَان:110] بأبلغ من هذا. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في المعني بهذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وقتادة: هم جماعة من اليهود منهم: حي بن أخطب وكعب بن الاشرف، وسلام بن أبي الحقيق، والربيع بن الربيع. قالوا لقريش: أنتم أهدى سبيلا ممن آمن بمحمد. الثاني - قال عكرمة إن المعني به كعب بن الاشرف، لأنه قال هذا القول، وسجد لصنمين كانا لقريش. وقيل في معنى الجبت، والطاغوت خمسة أقوال: أحدها - قال عكرمة: إنهما صنمان. وقال أبو علي: هؤلاء جماعة من اليهود آمنوا بالاصنام التي كانت تعبدها قريش، والعرب مقاربة لهم ليعينوهم على محمد (صلى الله عليه وسلم). الثاني - قال ابن عباس: الجبت الاصنام. والطاغوت: تراجمة الاصنام الذين يتكلمون بالتكذب عنها. الثالث - إن الجبت الساحر. والطاغوت الشيطان، قاله ابن زيد. وقال مجاهد: الجبت: السحر. الرابع - قال سعيد بن جبير، وأبو العالية: الجبت: الساحر. والطاغوت: الكاهن. والخامس - في رواية عن ابن عباس والضحاك: ان الجبت حي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الاشرف، لأنهما جاءا إلى مكة، فقال لهما أهل مكة: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم، فأخبرونا عنا وعن محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقالا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونصل الارحام، ونسقي الحجيج. ومحمد منبوز قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار فقالا: أنتم خير منه، وأهدى سبيلا فانزل الله هذه الآية. وقال الزجاج، والفراء، والبلخي: هما كل معبود من دون الله تعالى. اللغة: ووزن طاغوت فعلوت على وزن رهبوت. قال الخليل: هو من طغا وقلبت اللام إلى موضع العين كما قيل: لاث في لايث. وشاك في شايك. وهذا تغيير لا يقاس عليه، لكنه يحمل على النظير. والجبت لا تصريف له في اللغة العربية. وقيل: هو الساحر بلغة حبش عن سعيد بن جبير: والسبيل المذكور في الآية هو الدين. وإنما سمي سبيلا، لأنه كالسبيل الذي هو الطريق في الاستمرار عليه ليؤدي إلى الغرض المطلوب. ونصبه على التمييز كقولك هو أحسن منك وجهاً وأجود منك ثوباً لأنك في قولك: هذا أجود منك قد أبهمت الشيء الذي فضلته به إلا أن تريد ان جملته أجود من جملتك فتقول هذا أجود منك وتمسك.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {ألم ترَ إلى الذين أُوتُوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجِبتِ} الآية نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه وذلك أنه خرج إلى مكة في سبعين راكباً من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونقضوا عهده ونزلوا على أبي سفيان فقال لهم أهل مكة: أنتم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون هذا منكم سكراً فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين ففعلوا، فهذا إيمانهم بالجِبتِ {والطاغوت} لأنهم سجدوا للأصنام، والطاغوت: الشيطان، قال كعب: أنتم منَّا ونحن منكم وتعاقدوا على حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال أبو سفيان لكعب: إنك لتقرأ الكتاب فبيّن لنا أَنَحْنُ أهدى سبيلاً أم محمد؟ قال كعب: ماذا يقول محمد؟ قالوا: يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن الشرك، قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلاً، وعن ابن عباس (رضي الله عنه): الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وقيل: الجِبتِ الأصنام وهو الظاهر والطاغوت الشيطان لعنه الله تعالى، وصف اليهود بالبخل والحسد وهما شر خصلتين، قوله تعالى: {أم لهم نصيبٌ من المُلْكِ فإذا لا يُؤْتون الناس نقيراً} أحداً مقدَّراً نقير: لفرط بخلهم، والنقير: النقرة في ظهر نواة التمر وهو مثل في القلة، كالفتيل والقطمير، والمراد بالمُلْكِ أما ملك أهل الدُّنيا وإما ملك الله تعالى كقوله تعالى: {أية : قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإِنفاق} تفسير : [الإسراء: 100] قوله تعالى: {أم يحسدون الناس} يعني يحسدون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين على ما آتاهم من النصرة والغلبة، قوله تعالى: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة} الذين هم أسلاف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما أُوتي أسلافه، وعن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداوود وسليمان، قوله تعالى: {فمنهم} فمن اليهود {من آمن به ومنهم من} أنكر نبوَّته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر، قوله تعالى: {بدَّلناهُم جلوداً غيرها} بدلناهم إياها، قال جار الله، فإن قلت: كيف يعذب بالجلود العاصية جلوداً لم تعص؟ قلت: العذاب للجملة الحساب لله وهي التي عصت لا للجلد، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : تبدل جلودهم كل يوم سبع مرات"تفسير : ، وعن الحسن (رضي الله عنه): كل يوم سبعين مرة يبدلون جلوداً بيضاً كالقراطيس، قوله تعالى: {ليذوقوا العذاب} أي ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع {وندخلهم ظلاً ظليلاً} يريد ظل الجنة، قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تُؤدُّوا الأمانات إلى أهلها} الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة، وقيل: نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار وكان سادن الكعبة وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح فأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال: لو علمتُ أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذ المفتاح منه وفتح ودخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الكعبة وصلَّى ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت الآية فأمر علياً (عليه السلام) أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعليّ: أكرهت وأذيت ثم جئت تترفق، فقال: "لقد أنزل الله في شأنك قرآناً" وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فهبط جبريل (عليه السلام) وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن السدانة في أولاد عثمان أبداً، وقيل: هو خطاب للولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل، قوله تعالى: {إن الله نعمّا يعظكم به} قال جار الله: قيل: نعم شيء يعظكم به أو نعم الشيء الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف أي نعماً يعظكم به ذلك وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ}: جملة {يُؤْمِنُونَ} حال من {الَّذِين} لا من واو {أُوتُوا} كما قيل، لأنهم حين أوتوا ليسوا مؤمنين بالجبت والطاغوت فيما يتبادر، إلا أن يقال: حال مقدرة، أى أوتوا مقدراً لهم الإيمان بالجبت والطاغوت أو مستأنفة جواب سؤال، كأنه قيل: إلا تعجب من الذين أوتوا نصيباً من الكتاب؟ فقيل: وما حالهم؟ قال: يؤمنون بالجبت والطاغوت، نزلت الآية فى قوم من اليهود بالغوا فى العناد حتى قالوا: إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعو إليه محمد، وقد علموا أن دين محمد صلى الله عليه وسلم الحق، وروى أن حيى بن أخطب وكعب بن الأشرف وجمعاً من اليهود جملتهم سبعون راكباً خرجوا بعد وقعة أحد إلى مكة يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جرى قبل وقعة أحد بين اليهود ورسول الله صلى الله عليه، وسلم عهد على أنهم لم يكونوا فى نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكونوا عليه فنقضوا العهد للذهاب إلى مكة فى محالفة قريش، فنزل كعب على أبى سفيان فأحسن مثواه، ونزل باقى اليهود على قريش فى دورهم، فقال لهم أهل مكة: أنتم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب وبلدكم أقرب إلى بلده فلانا من أن يكون هذا مكراً منكم فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين، وهما صنمان أحدهما يسمى الجبت، والآخر الطاغوت، وهما المذكوران فى الآية، فسجدوا لهما، وفى رواية، إن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لآلهتنا وآمنوا بها حتى تطمئن قلوبنا إليكم، ففعلوا، فذلك قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} ثم قال كعب ابن الأشرف لأهل مكة: ليجىء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب هذا البيت، لنجتهد على قتال محمد ففعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك سيدنا وسيد قومك، وإنك لامرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقاً نحن أو محمد؟ فقال كعب: اعرضوا على دينكم ودينه، فقال أبو سفيان: نحن نذبح للحجيج الكوماء أى الناقة السمينة الجسيمة - والمراد الجنس - ونسقيهم، الماء ونقرى الضيف، ونفك العانى - أى الأسير - ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق الحرم ودين آبائه، وقطع الرحم، وديننا قديم ودين محمد حديث، ومحمد يأمر بعبادة الله وحده، وينهى عن الشرك، ونحن نعبد آلهتنا التى وجدنا عليها آباءنا. فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا، فنزلت الآية. وقال مجاهد: {الجبت} الكاهن، و{الطاغوت} الشيطان فى صورة إنسان. وقال بعضهم: كنا نحدث إن الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن، وعن الحسن: {الجبت} الساحر، و{الطاغوت} الكاهن. وقيل: الجبت اسم للأصنام، والطاغوت اسم لشياطين الأصنام. والمراد الجنس ولو أفرد لفظهما وكان قبل لكل صنم شيطان يكلم الناس من جوفه فيفترون بذلك. وقيل: الجبت اسم صنم واحد ثم أطلق على كل صنم وعلى كل ما عبد من دون الله وقيل: أصله الجبس وهو من لا خير فيه، ثم قلبت السين تاء، والطاغوت اسم لكل باطل من معبود او غيره. وقيل الجبت ما حرم الله، والطاغوت ما يطغى الإنسان. وقيل: الجبت هو حيى بن أخطب، والطاغوت: كعب بن أشرف، ففى هذا القول: {الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَاب} ومن اتبعهما من اليهود على ضلالهما، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العيافة والطيرة والطرق من الجبت"تفسير : فقيل: الطرق زجر الطائر فإن مر يميناً مضى فى أمره، وإّلا رجع، والعيافة: ضرب الرمل لاستخراج الضمير، والطيرة: أن يرى الشؤم من شىء يتفاءل به. وقيل الطرق: ضرب الحجارة تكهناً. وقيل: الطيرة زجر الطائر والطرق. {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ}: أى لكفار قريش أى يقولون فيهم. {هَؤُلاءِ}: أى كفار قريش. {أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً}: أى طريقاً، أى ديناً، وهذا شامل لقولهم لقريش لما عدوا مناقبهم - كما مر آنفاً: أنتم والله أهدى سبيلا ولقولهم لأناس لغطفان: أنتم أهدى سبيلا، فإنهم لما قالوا لقريش: أنتم أهدى سبيلا قال عيينة ومن معه ومن غطفان: أما قريش فقد عدوا ما فيهم ففضلوا عل محمد وأصحابه فنناشدكم الله أنحن أهدى أو محمد وأصحابه؟. فقالوا: لا والله، بل أنتم أفضل. وجملة {يقولون} معطوفة على {يؤمنون}، وقيل: نزلت الآية فى كعب وحيى، لقيا قريشاً بالموسم فقال لهما المشركون: نحن أهدى؟ أم محمد وأصحابه؟ فأتى أهل السدانة وأهل السقاية وأهل الحرم. فقالا: بل أنتم أهدى من محمد. وقيل: الذين كفروا هم اليهود. قال حيى وكعب ونحوهما من اليهود الذين أوتوا نصيباً من الكتاب هؤلاء، أى: اليهود أهدى من الذين آمنوا سبيلا.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ} تعجيب من حال أخرى لهم ووصفهم بما في حيز الصلة تشديداً للتشنيع وتأكيداً للتعجيب، وقد تقدم نظيره، والآية نزلت ـ كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حيـي بن أخطب وكعب بن الأشرف ـ في جمع من يهود، وذلك أنهم خرجوا إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على أبـي سفيان فأحسن مثواه ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب فلا يؤمن هذا أن يكون مكراً منكم فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل، ثم قال كعب: يا أهل مكة ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ قال كعب: أعرضوا عليّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم اللبن ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم ومحمد صلى الله عليه وسلم فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا القديم ودين محمد الحديث، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى في ذلك الآية، و ـ الجبت ـ في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل معبود غير الله تعالى، وقيل: أصله الجبس وهو كما قال الراغب: الرذيل الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاءاً كما في قول عمرو بن يربوع: شرار ـ النات ـ أي الناس، وإلى ذلك ذهب قطرب ـ والطاغوت ـ يطلق على كل باطل من معبود أو غيره. وأخرج الفريابـي وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «الجبت الساحر والطاغوت الشيطان». وأخرج ابن جرير من طرق عن مجاهد مثله، ومن طريق أبـي الليث عنه قال: الجبت كعب بن الأشرف، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان، وعن سعيد بن جبير الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن وأخرج ابن حميد عن عكرمة أن الجبت الشيطان بلغة الحبشة، والطاغوت الكاهن ـ وهي رواية / عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ وفي رواية أخرى الجبت حيـي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف، وفي أخرى الجبت الأصنام، والطاغوت الذين يكونون بين يديها يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس، ومعنى الإيمان بهما إما التصديق بأنهما آلهة وإشراكهما بالعبادة مع الله تعالى، وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما عليه من الباطل، وإما القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم مثلاً، والمتبادر المعنى الأول أي أنهم يصدقون بألوهية هذين الباطلين ويشركونهما في العبادة مع الإله الحق ويسجدون لهما. {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لأجلهم وفي حقهم فاللام ليست صلة القول وإلا لقيل أنتم بدل قوله سبحانه {هَٰـؤُلآءِ} أي الكفار من أهل مكة. {أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً} أي أقوم ديناً وأرشد طريقة، قيل: والظاهر أنهم أطلقوا أفعل التفضيل ولم يلحظوا معنى التشريك فيه؛ أو قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء لكفرهم، وإيراد النبـي صلى الله عليه وسلم وأتباعه بعنوان الإيمان ليس من قبل القائلين بل من جهة الله تعالى تعريفاً لهم بالوصف الجميل وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأشنع القبائح.

ابن عاشور

تفسير : أعيد التعجيب من اليهود، الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، بما هو أعجب من حالهم التي مرّ ذكرها في قوله: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة}تفسير : [النساء: 44]؛ فإنّ إيمانهم بالجبت والطاغوت وتصويبهم للمشركين تباعد منهم عن أصول شرعهم بمراحل شاسعة، لأنّ أوّل قواعد التوراة وأولى كلماتها العشر هي (لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحُوتاً، لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ). وتقدّم بيان تركيب {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب}تفسير : آنفاً في سورة آل عمران (23). والجبت: كلمة معرّبة من الحبشية، أي الشيطان والسحر؛ لأنّ مادة: جَــــ ــــ بَ ــــ تَ مهملة في العربية، فتعيّن أن تكون هذه الكلمة دخيلة. وقيل: أصلها جبس: وهو ما لا خير فيه، فأبدلت السين تاء كما أبدلت في قول علباء بن أرقم: يا لَعَنَ الله بني السعْلات، عمرَو بنَ يَربوع شرار النَّات، ليسوا أعفّاء ولا أكيات، أي شرار الناس ولا بأكياس. وكما قالوا: الجتّ بمعنى الجسّ. والطاغوت: الأصنام كذا فسّره الجمهور هنا ونقل عن مالك بن أنس. وهو اسم يقع على الواحد والجمع فيقال: للصَّنم طاغوت وللأصنام طاغوت، فهو نظير طِفْل وفُلْك. ولعلّ التزام اقترانه بلام تعريف الجنس هو الذي سوّغ إطلاقه على الواحد والجمع نظير الكتاب والكتب. ثم لمّا شاع ذلك طردوه حتّى في حالة تجرّده عن اللام، قال تعالى: {أية : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}تفسير : [النساء: 60] فأفرده، وقال: {أية : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يَعْبُدوها}تفسير : [الزمر: 17]، وقال: {أية : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم}تفسير : [البقرة: 257] الخ. وهذا الاسم مشتقّ من طغى يطغو إذا تعاظم وترفّع، وأصله مصدر بوزن فَعَلوت للمبالغة، مثل: رهبوت، وملكوت، ورحموت، وجبَروت، فأصله طَغَوُوت فوقع فيه قلب مكاني بتقديم لام الكلمة على عينها فصار طوغوت بوزن فَلَعُوت، والقصد من هذا القلب تأتّي إبدال الواو ألفاً بتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وهم قد يقلبون حروف الكلمة ليتأتّى الإبدال كما قلبوا أرْءَام جمع ريم إلى آرام ليتأتى إبدال الهمزة الثانية الساكنة ألفاً بعد الأولى المفتوحة، وقد ينزّلون هذا الاسم منزلة المفرد فيجمعونه جمع تكسير على طواغيت ووزنه فعاليل، وورد في الحديث: «حديث : لا تحلفوا بالطواغيت»تفسير : . وفي كلام ابن المسيّب في «صحيح البخاري»: البَحيرة التي يْمُنع درّها للطواغيت. وقد يطلق الطاغوت على عظيم أهل الشرك كالكاهن، لأنّهم يعظّمونه لأجل أصنامهم، كما سيأتي في قوله تعالى: {أية : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} تفسير : في هذه السورة [النساء: 60]. والآية تشير إلى ما وقع من بعض اليهود، وفيهم كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، فإنّهم بعد وقعة أحُد طمعوا أن يسعوا في استئصال المسلمين، فخرجوا إلى مكّة ليحَالفوا المشركين على قتال المسلمين، فنزل كعب عند أبي سفيان، ونزل بَقيّتهم في دور قريش، فقال لهم المشركون (أنتم أهل كتاب ولعلّكم أن تكونوا أدنى إلى محمّد وأتباعه منكم إلينا فلا نَأمن مكركم) فقالوا لهم (إنّ عبادة الأصنام أرضى عند الله ممّا يدعو إليه محمد وأنتم أهدى سبيلاً) فقال لهم المشركون (فاسجدوا لآلهتنا حتّى نطمئنّ إليكم) ففعلوا، ونزلت هذه الآية إعلاماً من الله لرسوله بما بيتّه اليهود وأهل مكة. واللام في قوله للذين كفروا} لام العلّة، أي يقولون لأجل الذين كفروا وليس لامَ تعدية فعل القول، وأريد بهم مشركو مكة وذلك اصطلاح القرآن في إطلاق صفة الكفر أنّه الشرك، والإشارة بقوله: {هؤلاء أهدى} إلى الذين كفروا، وهو حكاية للقول بمعناه، لأنّهم إنّما قالوا: «أنتم أهدى من محمّد وأصحابه»، أو قال بعض اليهود لبعض في شأن أهل مكة {هؤلاء أهدى}، أي حين تناجوا وزوّروا ما سيقولونه، وكذلك قوله {من الذين آمنوا} حكاية لقولهم بالمعنى نداء على غلطهم، لأنّهم إنّما قالوا: «هؤلاء أهدى من محمّد وأتباعه» وإذ كان محمد وأتباعه مؤمنين فقد لزم من قولهم: إنّ المشركين أهدى من المؤمنين. وهذا محلّ التعجيب. وعقّب التعجيب بقوله {أولئك الذين لعنهم الله}. وموقع اسم الإشارة هنا في نهاية الرشاقة، لأنّ من بلغ مِن وصف حاله هذا المبلغ صار كالمشاهد، فناسب بعد قوله {ألم ترى} أن يشار إلى هذا الفريق المدّعى أنه مرئيّ، فيقال: (أولئك). وفي اسم الإشارة تنبيه على أنّ المشار إليهم جديرون بما سيذكر من الحكم لأجل ما تقدّم من أحوالهم. والصلة التي في قوله {الذين لعنهم الله} ليس معلوماً للمخاطبين اتّصافُ المخبر عنهم بها اتّصاف من اشتهر بها؛ فالمقصود أنّ هؤلاء هم الذين إن سمعتم بقوم لعنهم الله فهم هم. ويجوز أن يكون المسلمون قد علموا أنّ اليهود ملعونون، فالمقصود من الصلة هو ما عطف عليها بقوله {ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً}. والموصول على كلا الاحتمالين فيه إيماء إلى تعليل الإخبار الضمني عنهم: بأنّهم لا نصير لهم، لأنّهم لعنهم الله، والذي يلعنه لا نصير له. وهذا مقابل قوله في شأن المسلمين {أية : والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليّاً وكفى بالله نصيراً}تفسير : [النساء: 45].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 51- ألا تعجب من أمر هؤلاء الذين أوتوا حظاً من علم الكتاب يُرْضُون عبدة الأصنام والشيطان ويقولون عن الذين عبدوا الأوثان: إنهم أهدى من أهل الإيمان طريقاً. 52- أولئك الذين خذلهم الله وطردهم من رحمته، ومن يخذله الله ويطرده من رحمته فليس له من ينصره ويحميه من غضب الله. 53- لقد حُرم هؤلاء نعمة الإذعان للحق، كما حرموا السلطان، ولو أوتوه ما نفعوا الناس به بأى قدر ولو كان ضئيلاً. 54- كيف يستكثر هؤلاء على العرب ما آتاهم الله من فضله ببعث النبى منهم، مع أن الله قد آتى إبراهيم وآله - وهو أبوكم وأبوهم - الكتاب المنزَّل والنبوة والملك العظيم. 55- فَمِن الذين بُعِثَ فيهم إبراهيم وآله منهم مَنْ آمن بالكتاب المنزَّل إليهم، ومنهم من أعرض عنه، وحَسْبُ هؤلاء المعرضين عن دعوة الحق جهنم تكون ناراً حامية. 56- إن الذين جحدوا حُجَجَنَا البينات، وكذَّبوا الأنبياء، سوف ندخلهم النار التى تُكْوَى بها جلودهم، وكلما فقدت الإحساس بالعذاب بدَّلهم الله جلوداً غيرها جديدة ليستمروا فى ألم العذاب، إن الله تعالى غالب على أمره، حكيم فى فعله، يعذب من جحد به وأصرَّ على ذلك حتى مات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الجبت والطاغوت: الجبت: اسم لكل ما عبد من دون الله وكذا الطاغوت سواء كانا صنمين أو رجلين. أهدى سبيلاً: أكثر هداية في حياتهما وسلوكهما. نقيراً: النقير: نُقْرَةٌ في ظهر النواة يضرب بها المثل في صغرها. الحسد: تمني زوال النعمة عن الغير والحرص على ذلك. الحكمة: السداد في القول والعمل مع الفقه في أسرار التشريع الإِلهي. معنى الآيات: روي أن جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ذهبوا إلى مكة يحزبون الأحزاب لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلوا مكة قالت قريش: نسألهم فإنهم أهل كتاب عن ديننا ودين محمد أيهما خير؟ فسألوهم فقالوا لهم دينكم خير من دين محمد وأنتم أهدى منه وممن اتبعه فأنزل الله تعالى هذه الآيات إلى قوله {عَظِيماً}. وهذا شرحها: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ} الم ينته إلى علمك أيها الرسول أن الذين أوتوا حظا من العلم بالتوراة يصدقون بصحة عبادة الجبت والطاغوت ويقرون عليها ويحكمون بأفضلية عبادتها على عبادة الله تعالى {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم مشركوا قريش: دينكم خير من دين محمد وأنتم أهدى طريقا في حياتكم الدينية والاجتماعية ألم يك موقف هؤلاء اليهود مثار الدهشة والاستغراب والتعجب لأَهل العِلْمِ والمعرفة بالدين الحق إذ يُقِرُّون الباطل ويصدقون به؟ {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أولئك الهابطون في حمأة الرذيلة البعيدون في أغوار الكفر والشر والفساد لعنهم الله فأبعدهم عن ساحة الخير والهدى، {وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ} يا رسولنا {نَصِيراً} ينصره من الخذلان الذي وقع فيه والهزيمة الروحية التي حلت به فأصبح وهو العالم يبارك الشرك ويفضله على التوحيد. ثم قال تعالى في الآية [53] {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً}. أي ليس لهم نصيب من الملك كما يدعون فالاستفهام للإنكار عليهم دعوة أن الملك يؤول إليهم، وهم لشدة بخلهم لو آل الملك لهم لما أعطوا أحداً أحقر الأشياء وأتفهها ولو مقدار نقرة نواة وهذا ذم لهم بالبخل بعد ذمهم بلازم الجهل وهو تفضيلهم الشرك على التوحيد. وقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} أم بمعنى بل كسابقتها بل للاضراب - الانتقالي من حال سيئة إلى أخرى، والهمزة للإِنكار ينكر تعالى عليهم حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على النبوة والدولة، وهو المراد من الناس وقوله تعالى {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ} كصحف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل {وَٱلْحِكْمَةَ} التي هي السنة التي كانت لأولئك الأنبياء يتلقونها وحياً من الله تعالى وكلها علم نافع وحكم صائب سديد والملك العظيم هو ما كان لدواد وسليمان عليهما السلام كل هذا يعرفه اليهود فلم لا يحسدون من كان لهم ويحسدون محمداً والمسلمين والمراد من السياق ذم اليهود بالحسد كما سبق ذمهم بالبخل والجهل مع العلم. وقوله تعالى في الآية [55] {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} يريد أن من اليهود المعاهدين للنبي صلى الله عليه وسلم مَنْ آمن بالنبي محمد ورسالته، وهم القليل، {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أي انصرف وصرف الناس عنه وهم الأكثرون {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} لمن كفر حسداً وصد عن سبيل الله بخلا ومكراً، أي حسبه جهنم ذات السعير جزاءً له على الكفر والحسد والبخل. والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الكفر بالجبت والطاغوت. 2- بيان مكر اليهود وغشهم وأنهم لا يتورعون عن الغش والكذب والتضليل. 3- ذم الحسد والبخل. 4- إيمان بعض اليهود بالإِسلام، وكفر أكثرهم مع علمهم بصحة الإِسلام ووجوب الإِيمان به والدخول فيه.

القطان

تفسير : الجبت: السِحر، والساحر، والشر، وكل ما عُبد من دون الله. الطاغوت: كل باطل من معبود وغيره، والشيطان، والكاهن. النقير: النكتة التي في ظهر النواة. روي في سبب نزول هذه الآيات عدة روايات تدور كلها على كعب بن الأشرف وحيُيّ بن أخطب، وهما من زعماء وأحبار اليهود المناوئين للنبيّ والاسلام. وخلاصة روايات الطبري ان كعباً وحييَّ بن اخطب ذهبا في جماعة من الأحبار الى مكة ليحالفوا قريشاً على حرب النبي، فأجابتهم قريش: انتم أهل كتاب وأنتم أقربُ الى محمد. ونحن لا نأمن مكركم حتى تسجدوا لآلهتنا. ففعلوا، ثم سألتهم: أدينُ محمد خير أم ديننا؟ فقال اليهود: بل دينكم، وأنتم أهدى منه وممن تبعه. فأنزل الله تعالى هذه الآيات. ومعناها: ألم تر يا محمد الى اليهود الذين أوتوا حظاً من عِلم الكتاب يعظّمون غير الله بالعبادة فيسجدون للجبت والطاغوت، ثم يقولون للكفار إنهم أرشدُ طريقةً في الدين من الذين اتبعوا محمداً. كل ذلك حتى يُرضوا المشركين ويحالفوهم ليحاربوا الاسلام. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} وطردهم من رحمته، ومن يخذله الله فلن ينصره أحدٌ ولا يحميه أحد من غضَبه. ثم ينتقل سبحانه من توبيخهم على فِعلتهم المنكرة تلك الى توبيخهم على حسَدهم وبُخلهم وأثَرتهم، فيقول: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ.....} فيا عجباً، إنهم لا يطيقون ان ينعم الله على عبد من عباده بشيء من عنده اذا لم يكن يهودياً! فهل هم شركاؤه سبحانه، حتى يكون لهم نصيب في ملكه! لو كان لهم ذلك لضنّوا وبخلوا ان يعطوا الناس نقيرا، وهو أتفهُ الأشياء وأقلها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {وَٱلطَّاغُوتِ} {آمَنُواْ} (51) - جَاءَ بَعْضُ رُؤَسَاءِ اليَهُودِ إلى قُرَيْشٍ فَسَألْتَهُمْ قُرَيْشٌ: أهُمْ، وَمَا هُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ وَعِبَادَةِ الأصْنَامِ، خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ وَمَا هُوَ عَلَيهِ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ؟ فَقَالَ اليَهُودُ: بَلْ قُرَيْشٌ أهْدَى سَبيلاً. فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، يَعِيبُ فِيهَا عَلَى اليَهُودِ قَوْلَهُمْ هذا، وَتَفْضِيلَهُمُ الكُفْرَ، وَعِبَادَةَ الأصْنَامِ، عَلَى هُدَى اللهِ، وَدِينِهِ الحَقِّ. الجِبْتِ - أصْلُهُ الجِبْسُ - وَهُوَ الرَّدِيءُ الذِي لاَ خَيْرَ فِيهِ أوِ السِّحْرُ وَالأصْنَامُ وَالكُهَّانُ وَالخُرَافَاتُ. الطَّاغُوتِ - مَا تَكُونُ عِبَادَتُهُ وَالإِيمَانُ بِهِ سَبَباً لِلطُّغْيَانِ وَالخُرُوجِ مِنَ الحَقِّ، مِنْ مَخْلُوقٍ يُعْبَدُ، أوْ رَئِيسٍ يُقَلَّدُ، أوْ هَوىً يُتَّبَعُ. وَقِيلَ إنَّهُ الشَّيْطَانُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ ..} [النساء: 51] يعني عندهم صلة وعلاقة بالسماء وبالرسل، وبالكتب المنزلة من السماء على الرسل التي تحمل مناهج الله، ولو كانوا أناساً ليس لهم مثل هذا الحظ لكان كلامهم هذا معقولاً لانقطاع أسباب السماء عنهم. إنما هؤلاء عندهم نصيب من الكتاب، وأولى مهمات الكتب السماوية أن تربط المخلوق بالخالق، وربط المخلوق بالخالق هو ترتيب لقدرات المخلوق وتنميتها؛ لأن أسباب الله في الكون قد تعزّ عليك، وقد تقفر يدك منها. فإذا لم يكن لك إله تلجأ إليه عند عزوف الأسباب انهرت، وربما فارقت حياتك منتحراً، لكن المؤمن بالله ساعة تمتنع عنه أسبابه يقول: لا تهمني الأسباب، لأن عندي المسبب. إذن: فالإيمان بالله يعطيك قوة. والإيمان بالله يقف المؤمنين على أرض صُلبة، فمهما عزّت أسبابك وانتهت فاذكر المسبب. وحين تذكر المسبب تجد آفاق حياتك رحبة، فالذين ينتحرون إنما يفعلون ذلك لأن الأسباب ضاقت عليهم، وعلموا أنه لا مناص من أنهم في عذاب. لكن المؤمن يقول: يا رب، ومجرد أنه يقول: يا رب، فهذا قول يريحه حتى قبل أن يجاب؛ لأنه التفت إلى مسبب الأسباب حين عزّت عليه الأسباب. وساعة يلتفت إلى مسبب الأسباب عند امتناع الأسباب فهو يأخذ قوة الإيمان من حيث لا يحتسب، إنك بمجرد أنك قلت: يا رب تجد نفسك قد ارتاحت؛ لأنك وصلت كل كيانك بالخالق، وكيانك منه ما هو مقهور لك، ومنه ما هو غير مقهور لك. والكيان نفسه سيأتي في الآخرة ويشهد على الإنسان. ستشهد الأرجل والجلود وغيرها من الأبعاض. لأنها في الدنيا كانت مقهورة لإرادتي، أنا أقول ليدي: افعلي كذا، ولرجلي: اسعي لكذا، وللساني: سب فلاناً، فالله سخر الجوارح وأمرها: يا جوارح أنت خاضعة لإرادة صاحبك في الدنيا. لكن في يوم القيامة أيكون لي إرادة على جوارحي؟ لا، ستتمرد عليّ جوارحي: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ..} تفسير : [فصلت: 21]. وتقول الجوارح لنا: أنتم استخدمتمونا في الدنيا وحملتمونا أن نفعل أشياء نحن نكرهها، فدعونا اليوم لنشهد، إنها تخرج أسرارها؛ لأن الملك الآن للواحد القهار: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. انتهت سيطرة الإنسان وليس لأحد غير الله إرادة على الأبعاض. إذن: فالنصيب من الكتاب هو أول شيء يربط المخلوق بالخالق، فإذا ارتبط المخلوق بالخالق قويت أسبابه، ويستقبل الأحداث بثبات، ويأتيه فرج ربنا، وعندما نقرأ القرآن يجب أن نلتفت إلى اللقطات العقدية فيه، فقد عرفنا مثلاً: أن سيدنا موسى عندما أراد أن يأخذ بني إسرائيل من فرعون ويخرج بهم، وقبل أن يصل بهم إلى البحر تنبه لهم قوم فرعون وجاءوا بجيوشهم، وكان قوم فرعون من ورائهم والبحر من أمامهم، فقال قوم موسى إيماناً بالأسباب: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61]. بالله أأحد يكذِّب هذه المقولة؟! لا، فماذا قال موسى عليه السلام؟ لم يقل مثلما قال قومه، ولكنه نظر للمُسبب الأعلى فقال بملء فيه: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]. وهل تُكذَّب مقولته؟ لا، لا تُكذب؛ لأنه لم يقل: "كَلاَّ" اعتماداً على أسبابه. فليس من محيط أسبابه أن يخرج من مثل هذا الموقف، بل قال: {أية : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]، هذه ثمرة الإيمان، فلما قال: {أية : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]، ماذا قال له الله؟ قال له: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ..} تفسير : [الشعراء: 63]. لم يقل له: اهجم عليهم واغلبهم، لا، بل قال: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ..} تفسير : [الشعراء: 63]؛ كي يعطي الشيء ونقيضه، ولتعرف أن مرادات الحق سبحانه وتعالى تعطي الشيء ونقيضه، ولا أحد من البشر يقدر أن يصنع مثل ذلك، فلما قال له: اضرب بعصاك البحر، ضرب موسى البحر بالعصا، وكان موسى يعلم قانون الماء استطراقاً وسيولة، لكن ها هي ذي المعجزة تتحقق: {أية : فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63]. و "الطود" هو الجبل، والجبل فيه صلابة، والماء فيه رخاوة، فكيف انتقلت الرخاوة إلى صلابة؟ إن الماء مهمته الاستطراق، أي لا يمكن أن توجد منطقة منخفضة والماء أعلاها، بل لا بد أن ينفذ منها، وعندما أطاع موسى أمر الله أراد أن يطمئن بأسباب البشر، فأراد أن يضرب البحر كي يعود البحر مثلما كان؛ حتى لا يأتي قوم فرعون وراءه فقال له ربنا: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً ..} تفسير : [الدخان: 24]. أي: اتركه كما هو على هيئته قارّاً ساكنا؛ لأنني أريد أن يغريهم ما يرون من اليبس في البحر فينزلوا، فأعيد الماء إلى استطراقه وأُطْبِِقهُ عليهم، فأكون قد أنجيت وأهلكت بالشيء الواحد. يقول الحق: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ ..} [النساء: 51] وكيف ذلك؟ بعد موقعة أُحد جاء حُيَيّ بن أخطب وكعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق، وأبو رافع. هؤلاء هم صناديد اليهود، وأخذوا أيضاً سبعين من اليهود معهم ونزلوا على أهل مكة، ونقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله، وبعد ذلك نزل كعب ابن الأشرف - زعيمهم - على أبي سفيان وقال له: نريد أن نتعاهد على أننا نقف أمام محمد. فقال أبو سفيان: أنت صاحب كتاب، وعندك توراة، وعندك إيمان بالسماء، وعندك رسول، ونحن ليس عندنا هذا، و "محمد" يقول: إنه صاحب كتاب ورسول، إذن فبينكما علاقة الاتصال بالسماء، فما الذي يدرينا أنك متفق معه علينا في هذه الحكاية؟ إننا لا نأمن مكرك، ولن نصدق كلامك هذا إلا إذا جئت لآلهتنا وأقمت مراسم العبادة عندها فسجدتَ لها. و "الجبت والطاغوت" هما صنمان لقريش، وذهب إليهما اليهود أصحاب التوراة الذين عندهم نصيب من الكتاب وخضعوا لهما، أو "الجبت" هو كل مَنْ يدعو لغير الله سواء أكان شيطاناً أم كاهناً أم ساحراً، فإذا كان هذا هو "الجبت" فـ "الطاغوت" من "طغى" وهو اسم مبالغة وليس "طاغياً"، بل "طاغوت" وهو الذي كلما أطعته في ظلم ارتقى إلى ظلم أكثر. وسواء أكان الجبت والطاغوت صنمين أم إلهين من الآلهة التي يتبعونها، المهم أن وفد اليهود خضعوا لهم وسجدوا، لكي تصدق قريش عداء اليهود لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد ذلك سأل كعب بن الأشرف أبا سفيان: ماذا فعل محمد معكم؟ قال له: فارَق دين آبائه، وقطع رحمه وتركهم وفرَّ إلى المدينة، ونحن على غير ذلك. نحن نسقي الحجيج، ونقري الضيف، ونفك العاني - الأسير - ونصل الرحم، ونعمر البيت ونطوف به. وعظّم أبو سفيان في أفعال قريش!، فقال الذين أوتوا الكتاب - لعداوتهم لمحمد - قالوا لأبي سفيان وقومه: أنتم أهدى من محمد سبيلاً! ويوضح ربنا: يا محمد انظر لعجائبهم؛ إنهم أوتوا نصيباً من الكتاب، ومع ذلك فعداوتهم لك ووقوفهم أمام دينك وأمام النور الذي جئت به، جعلهم ينسون نصيبهم من الكتاب، ويؤمنون بالجبت والطاغوت؛ وهم القوم أنفسهم الذين كانوا يقولون للعرب قديماً: إنه سيأتي نبي منكم نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. لكن ها هم أولاء يذهبون ويؤمنون بالطاغوت والجبت، فهل عند مثل هؤلاء شيء من الدين؟ إن الحق سبحانه يريد أن يطمئن رسول الله بأن هؤلاء انعزلوا عن مدد السماء، فإن نشب بينك وبينهم حرب أو خلاف فاعلم أن الله قد تخلى عنهم لأنهم تركوا النصيب من الكتاب الذي أوتوا. وإياك أن يأتي في بالك أن هؤلاء أصحاب كتاب. إن الحق يطمئن رسوله أنه سبحانه قد تخلى عنهم وأن الله ناصرك - يا محمد - فلا يغرنك أنهم أصحاب مال أو أصحاب علم أو أصحاب ثروات، فكل هذا إلى زوال؛ لأن حظهم من السماء قد انقطع؛ ولأن الشرك قد حازهم وملكهم وضمهم إليه وقد جعلوا العداوة لك والانضمام إلى الكفار الذين كانوا يستفتحون عليهم، ببعثك ورسالتك، ثمناً لأن يتركوا الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: فالجِّبتُ: السِّحرُ. والجِّبتُ: الكَاهِنُ. والطَّاغوتُ: الشَّيطانُ: ويقالُ: الجِّبتُ، والطَّاغُوتُ: كُلُّ مَعبُودٍ مِنْ حَجرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ صُورةٍ أَو شَيطانٍ. تفسير : وقوله تعالى: {أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} معناهُ أَقومُ طَرِيقَةً.

الجيلاني

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {إِلَى ٱلَّذِينَ} يدعون أنهم {أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ} علم {ٱلْكِتَٰبِ} أي: التوراة المبين لطريق التوحيد الموضح لسبيله كيف {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ} أي: الصنم الذي لا خير يرجى منه ولا شر، ولا نفع ولا ضر {وَٱلطَّٰغُوتِ} التي هي الآراء البالطة والأهوية الفاسدة المؤدية إلى الكفر والزندقة والإلحاد عن طريق الرشاد، ولو أنهم في أهل التوحيد ولهم نصيب من اكتساب النازل من عند الله لتبيينه وتعليم طريقه، لما آمنوا بالأباطيل الزائفة الفاسدة المضلة عن طريق الحق والصراط المستقيم، ومع ضلالهم في أنفسهم يريدون إضلال غيرهم {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: في حق ضعفائهم وأتباعهم: {هَٰؤُلاءِ} الضعفاء من إخواننا {أَهْدَىٰ} وأقوى {مِنَ} السفهاء {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم {سَبِيلاً} [النساء: 51] وإنما يقولون أمثال هذا؛ استخفافاً للنبي صلى الله عليه وسلم وطعناً وقدحاً في الإسلام. {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء المعزولون عن منهج الرشاد هم {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي: طردهم عن ساحة التوحيد إلى ذل الإمكان {وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ} المنتقم المقتدر {فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} [النساء: 52] يشفع له عنده؛ إذ لا غير معه ولا شيء سواه. أتعتقد وترى أيها الرائي أن لهم حظاً من الإيمان والتوحيد؟ فليس لهم ذلك {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً} أي: حين كانوا ملوكاً متصرفين على وجه الأرض {لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ} أي: القراء المحتاجين {نَقِيراً} [النساء: 53] بل قطميراً شحهم وبخلهم. {أَمْ} بل {يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} المنظورين لله الناظرين بنوره {عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} من الحكمة والنبوة والكتاب المبين، ومن غاية حسدهم يكذبونهم وكتابهم عناداً وإذا أرادت أن ترى أيها الرائي من لهم نصيب من الكتاب والملك {فَقَدْ آتَيْنَآ} من محض جودنا وفضلنا {آلَ إِبْرَٰهِيمَ} وذريته الذي من جملتهم وصفوتهم محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلْكِتَٰبَ} المبين للشرائع و الأحكام {وَٱلْحِكْمَةَ} السرائر المقتضية تشريعها {وَ} مع ذلك {آتَيْنَاهُمْ} في الدنيا {مُّلْكاً عَظِيماً} [النساء: 54] استيلاء بسطة ممتدة إلى يوم القيامة. {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} بنوبتهم وعظمتهم وبسطتهم {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أي: أعرض ولم يؤمن عتواً وعناداً، فلا تعجل يا أكمل الرسل بانتقامهم وعقوبتهم {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} [النساء: 55] أي: كفى جهنم المسعورة المعدة لانتقامهم وتعذيبهم منتقماً عنهم على أقبح وجه وأشد تعذيب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا من قبائح اليهود وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أن أخلاقهم الرذيلة وطبعهم الخبيث، حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله، والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله، أو حكم بغير شرع الله. فدخل في ذلك السحر والكهانة، وعبادة غير الله، وطاعة الشيطان، كل هذا من الجبت والطاغوت، وكذلك حَمَلهم الكفر والحسد على أن فضلوا طريقة الكافرين بالله -عبدة الأصنام- على طريق المؤمنين فقال: { وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } أي: لأجلهم تملقا لهم ومداهنة، وبغضا للإيمان: { هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا } أي: طريقا. فما أسمجهم وأشد عنادهم وأقل عقولهم! كيف سلكوا هذا المسلك الوخيم والوادي الذميم؟. هل ظنوا أن هذا يروج على أحد من العقلاء، أو يدخل عقلَ أحد من الجهلاء، فهل يُفَضَّل دين قام على عبادة الأصنام والأوثان، واستقام على تحريم الطيبات، وإباحة الخبائث، وإحلال كثير من المحرمات، وإقامة الظلم بين الخلق، وتسوية الخالق بالمخلوقين، والكفر بالله ورسله وكتبه، على دين قام على عبادة الرحمن، والإخلاص لله في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، والصدق في جميع الأقوال والأعمال، فهل هذا إلا من الهذيان، وصاحب هذا القول إما من أجهل الناس وأضعفهم عقلا وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ومراغمة للحق، وهذا هو الواقع، ولهذا قال تعالى عنهم: { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ } أي: طردهم عن رحمته وأحل عليهم نقمته. { وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا } أي: يتولاه ويقوم بمصالحه ويحفظه عن المكاره، وهذا غاية الخذلان. { أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ } أي: فيفضِّلون من شاءوا على من شاءوا بمجرد أهوائهم، فيكونون شركاء لله في تدبير المملكة، فلو كانوا كذلك لشحوا وبخلوا أشد البخل، ولهذا قال: { فَإِذًا } أي: لو كان لهم نصيب من الملك { لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا } أي: شيئًا ولا قليلا. وهذا وصف لهم بشدة البخل على تقدير وجود ملكهم المشارك لملك الله. وأخرج هذا مخرج الاستفهام المتقرر إنكاره عند كل أحد. { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } أي: هل الحامل لهم على قولهم كونهم شركاءَ لله فيفضلون من شاءوا؟ أم الحامل لهم على ذلك الحسدُ للرسول وللمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله؟ وذلك ليس ببدع ولا غريب على فضل الله. { فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا } وذلك ما أنعم الله به على إبراهيم وذريته من النبوة والكتاب والملك الذي أعطاه من أعطاه من أنبيائه كـ "داود" و "سليمان" . فإنعامه لم يزل مستمرًا على عباده المؤمنين. فكيف ينكرون إنعامه بالنبوة والنصر والملك لمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأجلهم وأعظمهم معرفة بالله وأخشاهم له؟. { فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ } أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم فنال بذلك السعادة الدنيوية والفلاح الأخروي. { وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ } عنادًا وبغيًا وحسدًا فحصل لهم من شقاء الدنيا ومصائبها ما هو بعض آثار معاصيهم { وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا } تسعر على من كفر بالله، وجحد نبوة أنبيائه من اليهود والنصارى وغيرهم من أصناف الكفرة. ولهذا قال: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } أي: عظيمة الوقود شديدة الحرارة { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } أي: احترقت { بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ } أي: ليبلغ العذاب منهم كل مبلغ. وكما تكرر منهم الكفر والعناد وصار وصفا لهم وسجية؛ كرر عليهم العذاب جزاء وِفاقا، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا } أي: له العزة العظيمة والحكمة في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه. { وَالَّذِينَ آمَنُوا } أي: بالله وما أوجب الإيمانَ به { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } من الواجبات والمستحبات { سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } أي: من الأخلاق الرذيلة، والخلْق الذميم، ومما يكون من نساء الدنيا من كل دنس وعيب { وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا } .

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ} [51] 128- نا إسحاق بن إبراهيم، أنا المُعتمر، عن عوف قال: حدثني حيَّان باصطخْر، عن قَطَن بن قَبيصة، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الطَّرْق، والطِّيَرة، والعِيافَة من الجِبْت ".

همام الصنعاني

تفسير : 601- عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: {بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ}: [الآية: 51]، قال: الجِبت الشيطان، والطاغوت الكاهِن. 602- قال معمر وقال الكلبي: هما كاهنان جميعاً: كعبُ بن الأشرف، وحُيَيّ بن أخطب. 603- مَعْمَر، عنْ أيّوب، عن عِكْرِمة: أن كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ انْطَلَقَ إلى المشركينَ من كفَّار قُرَيْش، فاسْتجاشَهُمْ على النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يغْزُوه، وقال: أنا معكم نُقاتِلُه، فقالوا: إنكم أهْلُ كتاب وهُوَ صاحب كتاب، ولا نَأمَنُ أن يكون هذا مكراً بينكم، فإن أردت أن نخرج مَعَكَ فاسجد لهذين الصَّنَمَيْن وآمِن بِهِمَا، فَفَعَلَ. ثم قالوا: أنحن أهْدَى أم محمد؟ نحن ننحر الكوم، ونَسْقِي اللبَن على الماء، ونَصِل الرَّحِم، ونُقرِي الضيفَ، ونَطُوفُ بهذا البيتِ، ومحمدُ قطع رحمه وخرج من بلده، قال: بل أنتم خير وأهْدَى، فنزلت فيه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً}: [الآية: 51]. 604- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيّوب، وكان عِكْرِمة، يقول: الجبت والطّاغوتُ: صَنَمانِ.