Verse. 5445 (AR)

٧١ - نُوح

71 - Nouh (AR)

وَ قَالَ نُوْحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَي الْاَرْضِ مِنَ الْكٰفِرِيْنَ دَيَّارًا۝۲۶
Waqala noohun rabbi la tathar AAala alardi mina alkafireena dayyaran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديَّارا» أي نازل دار، والمعنى أحدا.

26

Tafseer

الرازي

تفسير : قال المبرد: {دَيَّاراً } لا تستعمل إلا في النفي العام، يقال: ما بالدار ديار ولا تستعمل في جانب الإثبات، قال أهل العربية: هو فيعال من الدور، وأصله ديوار فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى، قال الفراء والزجاج: وقال ابن قتيبة: ما بها ديار أي نازل دار.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: دعا عليهم حين يئس من اتباعهم إياه. وقال قتادة: دعا عليهم بعد أن أوحى الله إليه: {أية : أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} تفسير : [هود:36] فأجاب الله دعوته وأغرق أمته، وهذا: كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللَّهُمّ منزل الكتاب سريع الحساب وهازم الأحزاب ٱهزمهم وزلزلهم»تفسير : . وقيل: سبب دعائه أن رجلاً من قومه حمل ولداً صغيراً على كتفه فمرّ بنوح فقال: احذر هذا فإنه يضلك. فقال: يا أبت أنزلني، فأنزله فرماه فشجّه، فحينئذٍ غضِب ودعا عليهم. وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن زيد: إنما قال هذا حينما أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم. وأعقم أرحام النساء وأصلاب الرجال قبل العذاب بسبعين سنة. وقيل: بأربعين. قال قتادة: ولم يكن فيهم صبيّ وقت العذاب. وقال الحسن وأبو العالية: لو أهلك الله أطفالهم معهم كان عذاباً من الله لهم وعدلاً فيهم، ولكنّ الله أهلك أطفالهم وذرّيتهم بغير عذاب، ثم أهلكهم بالعذاب، بدليل قوله تعالى: {أية : وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ} تفسير : [الفرقان:37]. الثانية: قال ابن العربيّ: «دعا نوح على الكافرين أجمعين، ودعا النبيّ صلى الله عليه وسلم على من تحزّب على المؤمنين وألّب عليهم. وكان هذا أصلاً في الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافر معيَّن لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه، لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة. وإنما خصّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالدعاء عُتبةَ وشَيْبةَ وأصحابهما، لعلمه بمآلهم وما كُشف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم». قلت: قد مضت هذه المسألة مجوَّدة في سورة «البقرة» والحمد لله. الثالثة: قال ابن العربي: «إن قيل لِم جَعَل نوحٌ دعوتَه على قومه سبباً لتَوقّفه عن طلب الشفاعة للخلق من الله في الآخرة؟ قلنا قال الناس في ذلك وجهان: أحدهما ـ أن تلك الدعوة نشأت عن غضب وقسوة، والشفاعة تكون عن رِضاً ورِقّة، فخاف أن يعاتب بها ويقال: دعوتَ على الكفار بالأمس وتشفع لهم اليوم. الثاني: أنه دعا غضباً بغير نص ولا إذن صريح في ذلك، فخاف الدَّرْكَ فيه يوم القيامة، كما قال موسى عليه السلام: إنِّي قَتَلْتُ نَفْساً لم أُومر بقتلها. قال: وبهذا أقول». قلت: وإن كان لم يؤمر بالدعاء نَصًّا فقد قيل له: {أية : أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} تفسير : [هود:36]. فأعلم عواقبهم فدعا عليهم بالهلاك. كما حديث : دعا نبيّنا صلى الله عليه وسلم على شَيْبة وعتبة ونظرائهم فقال:«اللهم عليك بهم» تفسير : لما أعلم عواقبهم، وعلى هذا يكون فيه معنى الأمر بالدعاء. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: {دَيَّاراً. إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} أي من يسكن الديار، قاله السدّي. وأصله دَيوار على فَيعال من دار يدور، فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الآخرى. مثل القيّام، أصله قيوام. ولو كان فعّالاً لكان دوّاراً. وقال القُتَبيّ: أصله من الدار، أي نازل بالدار. يقال: ما بالدار ديّار، أي أحد. وقيل: الديّار صاحبُ الدار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ دَيَّاراً } أي نازل دار، والمعنى أحداً.

ابن عطية

تفسير : روى محمد بن كعب والربيع وابن زيد، أن نوحاً عليه السلام لم يدع بهذه الدعوة إلا بعد أخرج الله تعالى كل مؤمن من أصلابهم وأعقم أرحام النساء قبل العذاب بسبعين سنة، قال قتادة: وبعد أن أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. وقد كان قبل ذلك طامعاً حدباً عليهم. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه ربما ضربه ناس منهم أحياناً حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". تفسير : و {ديَّاراً} أصله ديواراً وهو فِيعَال من الدوران أي من يجيء ويذهب يقال منه دوار وزنه فيعال أصله ديوار، وهذا كالقوام والقيام. وقرأ جمهور الناس: "ولوالدَي" وقرأ أبي بن كعب "ولأبوي"، وقرأ سعيد بن جبير "ولوالدِي" بكسر الدال يخص أباه بالدعوة. وقال ابن عباس: لم يكفر بنوح ما بينه وبين آدم عليه السلام، وقرأ يحيى بن يعمر والجحدري: "ولولَديَّ" بفتح اللام وشد الياء المفتوحة وهي قراءة النخعي يخص بالدعاء ابنيه، وبيته: المسجد فيما قال ابن عباس وجمهور المفسرين. وقال ابن عباس أيضاً: بيته: شريعته ودينه استعار لها بيتاً كما يقال: قبة الإسلام، وفسطاط الدين. وقيل أراد سفينته، وقيل داره. وقوله: {للمؤمنين والمؤمنات} تعميم بالدعاء لمؤمني كل أمة، وقال بعض العلماء: إن الذي استجاب لنوح عليه السلام فأغرق بدعوته أهل الأرض الكفار لجدير أن يستجيب له فيرحم بدعوته المؤمنين. و: "التبار" الهلاك وذهاب الرسم، وقرأ حفص عن عاصم وهشام وأبو قرة عن نافع: "بيتيَ" بتحريك الياء، وقرأ الباقون بسكونها.

ابن عبد السلام

تفسير : {دَيَّاراً} أحداً أو من يسكن الديار دعا بذلك لما قيل له {أية : لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ} تفسير : الآية [هود: 36] أو مر به رجل يحمل ولداً له صغيراً فقال: يا بني احذر هذا فإنه يضلك فقال: يا أبت أنزلني فأنزله فرماه فشجه فغضب نوح عليه الصلاة السلام ودعا عليهم.

القشيري

تفسير : وذلك بتعريفِ اللَّهِ تعالى إيَّاه أَنَّه لن يؤمِنَ من قومك إلاّ من قد آمن. فاستجاب الله فيهم دعاءَه وأهلكهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال نوح} بعدما قنط من اهتدآئهم قنوطا تاما بالامارات الغالبة وباخبار الله تعالى {رب} اى بروردكار من {لا تذر على الارض} لا تترك على الارض {من الكافرين} بك وبما جاء من عندك متقدمة من قوله {ديارا} احدا يدور فى الارض فيذهب ويجيئ اى فأهلكهم بالاستئصال والجملة عطف على نظيرها السابق وقوله تعالى {أية : مما خطيئاتهم}تفسير : الخ اعتراض وسط بين دعائه عليه السلام للايذان من اول الامر بان ما اصابهم من الاغراق والاحراق لم يصبهم الا لأجل خطيئاتهم التى عددها نوح وأشار الى استدراكهم للاهلاك لاجلها لما انها حكاية لنفس الاغراق والاحراق على طريقة حكاية ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من الاحوال والاقوال والا لأخر عن حكاية دعائه هذا وديار من الاسماء المستعملة فى النفى العام يقال ما بالدار ديار أو ديور كقيام وقيوم اى احد وساكن وهو فيعال من الدور او من الدار اصله ديوار وقد فعل به ما فعل باصل سيد فمعنى ديار على الاول احد يدور فى الارض فيهب ويجيئ وعلى الثانى احد ممن ينزل الدار ويسكنها وأنكر بعضهم كونه من الدور ان وقال لو كان من الدور ان لم يبق على وجه الارض جنى ولا شيطان وليس المعنى على ذلك وانما المعنى اهلك كل ساكن دار من الكفار أى كل انسى منهم. يقول الفقير جوابه سهل فان المراد كل من يدور على الارض من امة الدعوة ليس الجن والشيطان منها اذ لم يكن نوح مبعوثا الى الثقلين وليس ديار فعالا من الدار والا لقيل دوار لان اصل دار دور فقلبت واوه ألفا فلما ضعفت عينه كان دوار بالواو الصحيحة المشددة اذ لا وجه لقلبها ياء.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} وهذا دليل على انّه علم انّهم قطعوا الفطرة بحيث لا يبقى فيهم استعداد تولّد المؤمن منهم، روى عن الباقر (ع) انّه سئل: ما كان علم نوح (ع) حين دعا على قومه انّهم لا يلدون الاّ فاجراً كفّاراً؟ - فقال: اما سمعت قول الله تعالى لنوح (ع): {أية : أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} تفسير : [هود 36] انّه لن يؤمن لك من قومك الاّ من قد آمن.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً} احد وهو لازم النفي فيقال من الداراري نازل دار او من الدواري احد يدور في الارض يجيىء ويذهب اصله ديوار قلبت الواو ياء وادغمت فيها الياء لافعال ولو كان فعالا لقيل دوارا فان الدال غير مكسورة فضلا عن قلب الواو ياء ويجوز ان يكون ديار نسبا للدار او الدور. واما من غير الكافرين فقد ترك جماعة المسلمين لم يغرقوا علاهم الماء من جوانبهم كالجبال وناداهم مناد خطوا على ما تنتفعون به من الارض لانفسكم ودوا بكم روي انه لما نزل من السفينة سار في الارض معتبرا فوجد رجلا حوله مضارب كثيرة وخيام وحوله خلق كثير وعندهم جمال وخيل واغنام كثيرة فدنا منه نوح عليه السلام فسلم فرد عليه السلام. وقال له نوح: انت من الانس او من الجن فقال له الشيخ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له نحن من الانس فقال له نوح واين كنت وقت الطوفان فقال له وما الطوفان فقال نوح: سألت الله الطوفان الى الارض فمات جميع من فيها قال الشيخ: وما كان السبب في ذلك قال: عصيانهم قال: من انت قال: انا نوح قال: انت الداعي عليهم قال: نعم قال: كيف دعوت قال: قلت رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا قال: صدقت لم اكن انا وهذا القوم من الكفارين. قال اخبرني ما رأيت وقت نزول الماء من السماء قال سمعت مناديا ينادي باسمي ويقول يا فلان اقسم هذه البقعة التي انت فيها اربع قسم وارع بدوابك ودواب اهلك كل عشرة ايام في بقعة ففعلت ذلك وها انا في البقعة الرابعة فقال له نوح كيف رأيت الماء فقال رأيته دائرا حول تلك البقعة كمثل السور قال نوح وما كنت تصنع قبل هذا الزمان من الخير حتى صرف عنك الغرق قال كنت اذا حال الحول آخذ زكاة الاموال من هذا القوم جميعا واقسمه ثلاثة ثلث ادخره وثلث افرقه على الضعفاء وثلث احمله الى فقراء غيرنا فقال نوح سبحان الله ما أكرمه يدفع عن العبد الصالح سبعين نوعا من البلاء ثم اضاف نوحا واكرمه وطلب الدعاء منه قيل وقت الطوفان ثمانية اشهر وقيل ستة وقيل اربعة وقيل اربعين يوما وقيل عشرة ايام وما تقدم من قسم البقعة اربع قسم لكل قسمة عشرة ايام تدل على الاربعين.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ نوحٌ رَّبِّ} يا رب {لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ} حال من قوله تعالى: {ديَّاراً} بفتح الدال وشد الياء بمعنى أحداً ولا يستعمل فى الإِثبات، وأصله ديوار بوزن فيعال قلبت الواو ياء وأدغمت الياء فى الياء ومعناه من يسكن داراً أو يدور أى يتحرك لا بوزن فعال من صفات المبالغة ولا للنسب إِلى دار أى وإِلا قيل دوار والأَرض إِما عامة على أنه أهلك كل من فيها وكلهم كفار إِلا الأَطفال والمجانين من الطفولة عمهم عذاب الدنيا ويبعثون على غير كفر، وقيل أعقموا أربعين عاماً أو سبعين عاماً ومن آمن لم يغرق ولو لم يكن فى السفينة كما روى أنه سار فى الأَرض بعد الخروج من السفينة ووجد قوماً فقال لماذا لم تغرقوا. قالوا: ما قلت فى دعائك. فقال: قلت رب لا تذر على الأَرض من الكافرين دياراً. فقالوا: لسنا كافرين وتباعد عنهم الماء كالحيطان وقال لهم ملك ارعوا فى هذه الأَرض عدد بقاء الماء ولا يريد بدعائه ما يشمل الكفار الذين لم تصلهم دعوته فإِنهم أهل فترة لأَنه لا يجوز له أن يدعو عليهم قبل أن يبلغهم، ويحتمل أنه ليس فى الدنيا إِلا قومه الكافرون ومن آمن منهم، ويجوز أن يكون أباح الله له الدعاء على الكفار ولو كفاراً لم تبلغهم دعوته.

الالوسي

تفسير : ((عطف على نظيره السابق، وقوله تعالى: {أية : مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ}تفسير : [نوح: 25] الخ اعتراض وسط بين دعائه عليه السلام للإيذان من أول الأمر بأن ما أصابهم من الإغراق والإحراق لم يصبهم إلا لأجل خطيآتهم التي عدها نوح عليه السلام وأشار إلى استحقاقهم للهلاك لأجلها، لا أنه حكاية لنفس الإغراق والإحراق على طريقة حكاية ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من الأحوال والأقوال، وإلا لأخر عن حكاية دعائه هذا)) قاله مفتي الديار الرومية عليه الرحمة. وما قيل إنه عطف على{أية : فَلَمْ يَجِدُواْ}تفسير : [نوح: 25] أو على جملة {مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ} الخ وليس المراد حقيقة الدعاء بل التشفي وإظهار الرضا بما كان من هلاكهم، بعيد غاية البعد والمعروف أن هذا الدعاء كان قبل هلاكهم. والديار من الأسماء التي لا تستعمل إلا في النفي العام يقال ما بالدار ديار أو ديور كقيام وقيوم أي ما بها أحد، وهو فيعال من الدار أو من الدور كأنه قيل لا تذر على الأرض من الكافرين من يسكن داراً أو لا تذر عليها منهم من يدور ويتحرك، وأصله ديوار اجتمعت الواو والياء وسبقت أحدهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وليس بفعال وإلا لكان دواراً إذ لا داعي للقلب حينئذٍ و{مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} حال منه ولو أخر كان صفة له. والمراد بالكافرين قومه الذين دعاهم إلى الإيمان والطاعة فلم يجيبوا فإن / كان الناس منتشرين في مشارق الأرض ومغاربها نحو انتشارهم اليوم وكانت بعثته لبعض منهم كسكان جزيرة العرب ومن يقرب منهم فذاك، وإن كانوا غير منتشرين كذلك بل كانوا في الجزيرة وقريباً منها، فإن كانت البعثة لبعضهم أيضاً فكذلك وإن كانت لكلهم فقد استشكل بأنه يلزم عموم البعثة وقد قالوا بأنه مخصوص بنبينا صلى الله عليه وسلم. وأجيب بأن ذلك العموم ليس كعموم بعثته صلى الله عليه وسلم بل لانحصار أهل الأرض في قطعة منها فهو انحصار ضروري وليس عموماً من كل وجه، وهذا نحو ما يقال في بعثة آدم عليه السلام إلى زوجته وأولاده فإنهم حينئذٍ ليسوا إلا كأهل بيت واحد، على أنه قيل لا إشكال ولو قلنا بانتشار الناس إذ ذاك كانتشارهم اليوم وإرساله إليهم جميعاً لأن العموم المخصوص بنبينا عليه الصلاة والسلام هو العموم المندرج فيه الإنس والجن إلى يوم القيامة بل الملائكة عليهم السلام بل وبل. والمشهور أنه عليه السلام كان مبعوثاً لجميع أهل الأرض وأنه ما آمن منهم إلا قليل واستدل عليه بهذا الدعاء وعموم الطوفان. وتعقب بأن الأرض كثيراً ما تطلق على قطعة منها فيحتمل أن تكون هنا كذلك. سلمنا إرادة الجميع لكن الدعاء على الكافرين وهم من بعث إليهم فدعاهم ولم يجيبوه وكونهم من عدا أهل السفينة أول المسألة والطوفان لا نسلم عمومه وإن سلم لا يقتضي أن يكون كل من غرق به مكلفاً بالإيمان به عليه السلام عاصياً بتركه فالبلاء قد يعم الصالح والطالح لكن يصدرون مصادر شتى كما ورد في حديث خسف البيداء، ويرشد إلى هذا أن أولادهم قد أغرقوا على ما قيل معهم وقد سئل الحسن عن ذلك فقال علم الله تعالى براءتهم فأهلكهم بغير عذاب. نعم الحكمة في إهلاك هؤلاء زيادة عذاب في آبائهم وأمهاتهم إذا أبصروا أطفالهم يغرقون. وزعم بعضهم أن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل الطوفان بأربعين أو سبعين سنة فلم يكن معهم صبـي حين أغرقوا ويحتاج إلى نقل صحيح وحِكَمُ الله عز وجل لا تحصى فافهم.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : قال نوح رب إنهم عصوني}تفسير : [نوح: 21] أعقبه بالدعاء عليهم بالإِهلاك والاستئصال بأن لا يبقى منهم أحداً، أي لا تبق منهم أحداً على الأرض. وأعيد فعل {قال} لوقوع الفصل بين أقوال نوح بجملة {أية : مما خطيئاتهم}تفسير : [نوح: 25] الخ، أو بها وبجملة {أية : ولا تزد الظالمين إلاّ ضلالاً}تفسير : [نوح: 24]. وقرنت بواو العطف لتكون مستقلة فلا تتبع جملة {إنهم عصوني} للإِشارة إلى أن دَعوة نوح حصلت بعد شكايته بقوله: إنهم عصوني. و {ديَّاراً}: اسم مخصوص بالوقوع في النفي يعمّ كل إنسان، وهو اسم بوزن فَيْعَال مشتق من اسم الدار فعينه واو لأن عين دَار مقدرة واواً، فأصل ديّار: دَيوار فلما اجتمعت الواو والياء واتصلتا وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء الزائدة كما فُعل بسيّد وميّت، ومعنى ديّار: من يحلّ بدار القوم كناية عن إنسان. ونظير (ديّار) في العموم والوقوع في النفي أسماء كثيرة في كلام العرب أبلغها ابن السكيت في «إصلاح المنطق» إلى خمسةٍ وعشرين، وزاد كُراع النمل سبعةً فبلغت اثنين وثلاثين اسماً، وزاد ابن مالك في «التسهيل» ستة فصارت ثمانية وثلاثين. ومن أشهرها: آحَد، ودَيَّار، وعَريب، وكلها بمعنى الإِنسان، ولفظ (بُدَّ) بضم الموحدة وتشديد الدال المهملة وهو المفارقة. وجملة {إنك إن تذرهم يُضِلُّوا عبادك} تعليل لسؤاله أن لا يترك الله على الأرض أحداً من الكافرين يريد أنه خشي أن يضلوا بعض المؤمنين وأن يلدوا أبناء ينشأون على كفرهم. والأرض يجوز أن يراد بها جميع الكُرة الدنيوية، وأن يراد أرض معهودة للمتكلم والمخاطَبِ كما في قوله تعالى: {أية : قال اجعلني على خزائن الأرض}تفسير : يعني أرض مصر في سورة يوسف (55). ويحتمل أن يكون البشر يومئذٍ منحصرين في قوم نوح، ويجوز خلافه، وعلى هذه الاحتمالات ينشأ احتمال أن يكون الطوفان قد غمر جميع الكرة الأرضية، واحتمالُ أن يكون طوفاناً قاصراً على ناحية كبيرة من عموم الأرض، والله أعلم. وقد تقدم ذلك عند تفسير قوله تعالى:{أية : فأنجيناه والذين معه في الفلك}تفسير : في سورة الأعراف (64). وخبر {إنك} مجموع الشرط مع جوابه الواقع بعد (إنّ) لأنه إذا اجتمع مبتدأ وشرط رجح الشرط على المبتدأ فأعطي الشرطُ الجوابَ ولم يعط المبتدأ خبراً لدلالة جملة الشرط وجوابه عليه. وعَلِم نوح أنهم لا يلدون إلاّ فاجراً كفّاراً بأن أولادهم ينشأون فيهم فيلقنونهم دينهم ويصدون نوحاً عن أن يرشدهم فحصل له علم بهذه القضية بدليل التجربة. والمعنى: ولا يلدوا إلاّ من يصير فاجراً كفَّاراً عند بلوغه سن العقل. والفاجر: المتصف بالفجور، وهو العمل الشديد الفساد. والكَفَّار: مبالغة في الموصوف بالكفر، أي إلاّ من يجمع بين سوء الفعل وسوء الاعتقاد، قال تعالى: {أية : أولئك هم الكفرة الفجرة}تفسير : [عبس: 42]. وفي كلام نوح دلالة على أن المصلحين يهتمون بإصلاح جيلهم الحاضر ولا يهملون تأسيس أسس إصلاح الأجيال الآتية إذ الأجيال كلها سواء في نظرهم الإِصلاحي. وقد انتزع عمر بن الخطاب من قوله تعالى: {أية : والذين جاءوا من بعدهم}تفسير : [الحشر: 10] دليلاً على إبقاء أرض سواد العراق غير مقسومة بين الجيش الذي فَتَح العراق وجعلها خراجاً لأهلها قصداً لدوام الرزق منها لمن سيجيء من المسلمين.

الشنقيطي

تفسير : في هذه نص على أن نبي الله نوحاً طلب من الله إهلاك من على الأرض جميعاً، مع أن عادة الرسل الصبر على أممهم، وفيه إخبار نبي الله نوح عمن سيولد من بعد، وأنهم لم يلدوا إلا فاجراً كفاراً، فكيف دعا على قومه هذا الدعاء وكيف حكم على المواليد فيما بعد؟ والقرآن الكريم بين هذين الأمرين: أما الأول: فإنه لم يدع عليهم هذا الدعاء إلا بعد أن تحدوه ويئس منهم، أما تحديهم ففي قولهم: {أية : يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}تفسير : [هود: 32]. وقوله: {أية : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ}تفسير : [القمر: 9-10]. وأما يأسه منهم فلقوله تعالى: {أية : وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ}تفسير : [هود: 36]. وأما إخباره عمن سيولد بأنه لن يولد لهم إلا فاجر كفار، فهو من مفهوم الآية المذكورة آنفاً، لأنه إذا لم يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فسواء في الحاضر أو المستقبل. وكذلك بدليل الاستقراء، وهو دليل معتبر شرعاً وعقلاً، وهو أنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن معه إلا قليل كانوا هم ومن معهم غيرهم حمل سفينة فقط، فكان دليلاً على قومه أنهم فتنوا بالمال ولم يؤمنوا له، وهو دليل نبي الله موسى عليه السلام أيضاً على قومه. كما قال تعالى: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [يونس: 88]. فأُخبر نبي الله موسى عن قومه أنهم لن يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، وذلك من استقراء حالهم في مصر لما أراهم الآية الكبرى {أية : فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 21-24]. وبعد ان ابتلاهم الله بما قص علينا في قوله: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}تفسير : [الأعراف: 133]. وقوله تعالى بعدها: {أية : وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ}تفسير : [الأعراف: 134-135]. فمن كانت هذه حالته وموسى يعاين ذلك منهم، لا شك أنه يحكم عليهم أنهم لن يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. وكذلك كان دليل الاستقراء لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه استدل به على عكس الأقوام الآخرين، حينما رجع من الطائف وفعلت معه ثقيف ما فعلت فأدموا قدميه، وجاءه جبريل ومعه ملك الجبال واستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: "حديث : لا، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، إني لأرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله"تفسير : وذلك أنه صلى الله عليه وسلم علم باستقراء حالهم أنهم لا يعلمون فهم يمتنعون عن الإيمان لقلة تعلمهم وأنهم في حاجة إلى التعليم. فإذا علموا تعلّموا، وأن طبيعتهم قابلة للتعليم لا أنهم كغيرهم في إصرارهم، لأنه شاهد من كبارهم إذا عرض عليهم القرآن وخوطبوا بخطاب العقل ووعوا ما يخاطبون به وسلموا من العصبية والنوازع الأخرى فإنهم يستجيبون حالاً كما حدث لعمر وغيره رضي الله عنهم إلا من أعلمه الله بحاله مثل الوليد بن المغيرة {أية : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً}تفسير : [المدثر: 11-14] - إلى قوله - {أية : كَلاَّ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً}تفسير : [المدثر: 16-17] - إلى قوله - {أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}تفسير : [المدثر: 26] فعلم صلى الله عليه وسلم حاله ومآله، ولذا فقد دعا عيله يوم بدر. ومثله أبو لهب لما تبين حاله بقوله تعالى: {أية : سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ}تفسير : [المسد: 3-4] فلكون العرب أهل فطرة، ولكون الإسلام دين الفطرة أيضاً كانت الاستجابة إليه أقرب. انظر مدة مكثه صلى الله عليه وسلم من البعثة إلى انتقاله إلى الرفيق الأعلى ثلاثاً وعشرين سنة، كما عدد من أسلم فيها بينما نوح عليه السلام يمكث ألف سنة إلا خمسين عاماً فلم يؤمن معه إلا القليل. ولذا كان قول نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام {أية : وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً}تفسير : [نوح: 27]، كان بدليل الاستقراء من قومه، والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26]، لم يبين هنا هل استجيب له أم لا؟ وبينه في مواضع أخر منها قوله: {أية : وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ}تفسير : [الأنبياء: 76]. وفي هذه السورة نفسها وقبل هذه الآية مباشرة قوله تعالى: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً}تفسير : [نوح: 25] فجمع الله لهم أقصى العقوبتين الإغراق والإحراق، مقابل أعظم الذنبين الضلال والإضلال. وكذلك بين تعالى كيفية إهلاك قومه ونجاته هو وأهله ومن معه في قوله: {أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}تفسير : [القمر: 10-14] الآية. قال ابن كثير: لقد أغرق الله كل من على وجه الأرض من الكفار، حتى ولد نوح من صلبه. وهنا تنبيه على قضية ولد نوح في قوله: {أية : يٰبْنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا}تفسير : [هود: 42] إلى قوله: {أية : فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}تفسير : [هود: 43] لما أخذت نوحاً العاطفة على ولده قال: {أية : رَبِّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي}تفسير : [هود: 45] إلى قوله: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}تفسير : [هود: 46] أثار بعض الناس تساؤلاً حول ذلك في قراءة {أية : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}تفسير : [هود: 46]، إنه عمل ماضي يعمل أي بكفره. وتساءلوا حول صحة نسبه، والحق أن الله تعالى قد عصم نساء الأنبياء إكراماً لهم، وأنه ابنه حقاً، لأنه لما قال {أية : إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي}تفسير : [هود: 45] تضمن هذا القول أمرين نسبته إليه في بنوته. ثانياً: نسبته إليه في أهله، فكان الجواب عليه من الله بنفي النسبة الثانية لا الأولى، إنه ليس من أهلك. ولم يقل: إنه ليس ابنك، والأهل أعم من الابن، ومعلوم أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، والعكس بالعكس، فلما نفى نسبته إلى أهله علمنا أن نسبته إليه بالبنوة باقية، ولو لم يكن ابنه لصلبه لكان النفي ينصب عليها. ويقال: إنه ليس ابنك، وإذا نفى عنه البنوة انتفت عنه نسبته إلى أهله، وكذلك قوله تعالى بعدها: {أية : وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ}تفسير : [هود: 37] أي لأن الظالمين ليسوا من الأهل بالنسبة للدين، لأن الدين يربط البعيدين، والظلم الذي هو بمعنى الكفر يفرق القريبين. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكَافِرِينَ} (26) - وََقَالَ نُوحٌ بَعْدَ أَنْ يَئِسَ مِنْ صَلاَحِ قَوْمِهِ: رَبِّ لاَ تَدَعْ أَحَداً مِنَ الكَافِرِينَ حَيّاً عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، يُقِيمُ فِي دَارٍ فِيهَا. دَيَّاراً - سَاكِنَ دَارٍ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} معناه لا تَتركْ منهم أحداً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح: 26]؛ يعني: على أرض البشرية من القوى المستكبرة الآبية الظالمة أحد يدور في فج من فجاجها {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} [نوح: 27]؛ يعني: إذا بقي خاطر من خواطر الهوى في الباطن، أو قوة من القوى النفسية الفاجرة يضلوا القوى المؤمنة ويلدوا خواطر هوائية ليضلوا الصورة المسلمة اللائمة وهذا من مبادئ السلوك؛ إذا تنور القلب من الذكر وخرج طوفان ماء القالب من غلبة الذكر تسأل اللطيفة عن الرب، ألا تذر على وجه الأرض أرض البشرية خاطراً من خواطر الهوى، وتدعو أيضاً لنفسها ولقواها التابعة لها ولروحها ولقالبها ولمن دخل بيت قلبها المغفرة بقوله: {رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28]؛ يعني: رب اغفر لي ولروحي ولقالبي ولقوى قالبي وللقوى المؤمنة النفسية من القوى الفاعلة والقابلة، {وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً} [نوح: 28]؛ يعني: رمز القوى الظالمة القالبية والنفسية تدميراً لا انتعاش لها بعد، وأهلكهم هلاكاً، لا ظهور لها بعد فيا أيها السالك: ينبغي أن تعتبر بهذه السورة، ولا تعجل في الدعاء على أمتك؛ بل تدعو لهم وتتبع سنة نبيك الرفيق الشفيق على أمته؛ لأن {أية : لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ}تفسير : [الأحزاب: 21]. ولأجل هذا السر أمر المشايخ مريديهم أن يسروا على أنفسهم في الخلوات أبواب الدعوات، لا يسألون الله شيئاً قط؛ لأنهم كأنهم كانوا جاهلين في بداية أمرهم بما سألوا من الله بجهلهم شيئاً إن أجابهم الله، ضيع استعدادهم وهم جاهلون به وقت الدعاء والسؤال؛ فعليك أن تأخذ من ظاهر تفسيرها حظ ظاهرك، وتأخذ من باطن تفسيرها حق باطنك؛ لتكون سنياً كاملاً ظاهرياً وباطنياً، اللهم اجعلنا محفوظين بظاهر القرآن وباطنه وحده ومطلعه بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

همام الصنعاني

تفسير : 3344- معمر، قال: تلا قتادة: {لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}: [الآية: 26]، فقال أما والله، ما دعا بها حتى أوْحَى الله إليه: {أية : أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن}تفسير : : [هود: 36]، ثم دعا دعوةً عامَّةً، قال: {رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ...}: [الآية: 28]، حتى بلغ: {تَبَاراً}. 3345- حدثنا عبد الرزاقت عن معمر، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: كانوا يضربون نُوحاً حتى يُغْشَى عَلَيْه، فإذا أفاق قال: ربّ اغفر لِقَوْمَي فإنَّهم لا يَعْلَمُونَ.