Verse. 5448 (AR)

٧٢ - ٱلْجِنّ

72 - Al-Jinn (AR)

قُلْ اُوْحِيَ اِلَيَّ اَنَّہُ اسْتَـمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوْۗا اِنَّا سَمِعْنَا قُرْاٰنًا عَجَــبًا۝۱ۙ
Qul oohiya ilayya annahu istamaAAa nafarun mina aljinni faqaloo inna samiAAna quranan AAajaban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» يا محمد للناس «أُحي إليَّ» أي أخبرت بالوحي من الله تعالى «أنه» الضمير للشأن «استمع» لقراءتي «نفر من الجن» جن نصيبين وذلك في صلاة الصبح ببطن نخل، موضوع بين مكة والطائف، وهم الذين ذكروا في قوله تعالى (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن) الآية «فقالوا» لقومهم لما رجعوا إليهم «إنا سمعنا قرآنا عجب» يتعجب منه في فصاحته وغزارة معانيه وغير ذلك.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس قديماً وحديثاً في ثبوت الجن ونفيه، فالنقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره، وذلك لأن أبا علي بن سينا قال في رسالته في حدود الأشياء الجن حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة، ثم قال: وهذا شرح للاسم. فقوله: وهذا شرح للاسم يدل على أن هذا الحد شرح للمراد من هذا اللفظ وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج، وأما جمهور أرباب الملل والمصدقين للأنبياء فقد اعترفوا بوجود الجن، واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة وأصحاب الروحانيات ويسمونها بالأرواح السفلية، وزعموا أن الأرواح السفلية أسرع إجابة إلا أنها أضعف، وأما الأرواح الفلكية فهي أبطأ إجابة إلا أنها أقوى. واختلف المثبتون على قولين: فمنهم من زعم أنها ليست أجساماً ولا حالة في الأجسام بل هي جواهر قائمة بأنفسها، قالوا: ولا يلزم من هذا أن يقال: إنها تكون مساوية لذات الله لأن كونها ليست أجساماً ولا جسمانية سلوب والمشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية، قالوا: ثم إن هذه الذوات بعد اشتراكها في هذا السلب أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها خيرة، وبعضها شريرة، وبعضها كريمة محبة للخيرات، وبعضها دنيئة خسيسة محبة للشرور والآفات، ولا يعرف عدد أنواعهم وأصنافهم إلا الله، قالوا: وكونها موجودات مجردة لا يمنع من كونها عالمة بالخبريات قادرة على الأفعال، فهذه الأرواح يمكنها أن تسمع وتبصر وتعلم الأحوال الخبرية وتفعل الأفعال المخصوصة، ولما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لا جرم لم يبعد أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة تعجز عنها قدر البشر، ولا يبعد أيضاً أن يكون لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم، وكما أنه دلت الدلائل الطبية على أن المتعلق الأول للنفس الناطقة التي ليس الإنسان إلا هي، هي الأرواح وهي أجسام بخارية لطيفة تتولد من ألطف أجزاء الدم وتتكون في الجانب الأيسر من القلب ثم بواسطة تعلق النفس بهذه الأرواح تصير متعلقة بالأعضاء التي تسري فيها هذه الأرواح لم يبعد أيضاً أن يكون لكل واحد من هؤلاء الجن تعلق بجزء من أجزاء الهواء، فيكون ذلك الجزء من الهواء هو المتعلق الأول لذلك الروح ثم بواسطة سيران ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل لتلك الأرواح تعلق وتصرف في تلك الأجسام الكثيفة، ومن الناس من ذكر في الجن طريقة أخرى فقال: هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها وازدادت قوة وكمالاً بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن، فسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما لهذا البدن، وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن، فإن الجنسية علة الضم، فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكاً وتلك الإعانة إلهاماً، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطاناً وتلك الإعانة وسوسة. والقول الثاني: في الجن أنهم أجسام ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على قولين، منهم من زعم أن الأجسام مختلفة في ماهياتها، إنما المشترك بينها صفة واحدة، وهي كونها بأسرها حاصلة في الحيز والمكان والجهة وكونها موصوفة بالطول والعرض والعمق، وهذه كلها إشارة إلى الصفات، والاشتراك في الصفات لا يقتضي الإشتراك في تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة في تمام الماهية لا يمتنع اشتراكها في لازم واحد. قالوا: وليس لأحد أن يحتج على تماثل الأجسام بأن يقال: الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد، وحقيقة واحدة، فيلزم أن لا يحصل التفاوت في ماهية الجسم من حيث هو جسم، بل إن حصل التفاوت حصل في مفهوم زائد على ذلك، وأيضاً فلأنه يمكننا تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف، والعلوي والسفلي، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فالأقسام كلها مشتركة في الجسمية والتفاوت، إنما يحصل بهذه الصفات، وهي اللطافة والكثافة، وكونها علوية وسفلية قالوا: وهاتان الحجتان ضعيفتان. أما الحجة الأولى: فلأنا نقول، كما أن الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد، وحقيقة واحدة، فكذا العرض من حيث إنه عرض له حد واحد، وحقيقة واحدة فيلزم منه أن تكون الأعراض كلها متساوية في تمام الماهية، وهذا مما لا يقوله عاقل، بل الحق عند الفلاسفة أنه ليس للأعراض ألبتة قدر مشترك بينها من الذاتيات، إذ لو حصل بينها قدر مشترك، لكان ذلك المشترك جنساً لها، ولو كان كذلك لما كانت التسعة أجناساً عالية بل كانت أنواع جنس واحد إذا ثبت هذا فنقول: الأعراض من حيث إنها أعراض لها حقيقة واحدة، ولم يلزم من ذلك أن يكون بينها ذاتي مشترك أصلاً، فضلاً عن أن تكون متساوية في تمام الماهية، فلم لا يجوز أن يكون الحال في الجسم كذلك، فإنه كما أن الأعراض مختلفة في تمام الماهية، ثم إن تلك المختلفات متساوية في وصف عارض وهو كونها عارضة لموضوعاتها، فكذا من الجائز أن تكون ماهيات الأجسام مختلفة في تمام ماهياتها ثم إنها تكون متساوية في وصف عارض، وهو كونها مشاراً إليها بالحس وحاصلة في الحيز والمكان، وموصوفة بالأبعاد الثلاثة، فهذا الاحتمال لا دافع له أصلاً. وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: إنه يمكن تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف فهي أيضاً منقوضة بالعرض فإنه يمكن تقسيم العرض إلى الكيف والكم ولم يلزم أن يكون هناك قدر مشترك من الذاتي فضلاً عن التساوي في كل الذاتيات فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا أيضاً كذلك إذا ثبت أنه لا امتناع في كون الأجسام مختلفة ولم يدل دليل على بطلان هذا الاحتمال، فحينئذ قالوا: لا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الهواء في الماهية ثم تكون تلك الماهية تقتضي لذاتها علماً مخصوصاً وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة، وعلى هذا التقدير يكون القول بالجن ظاهر الاحتمال وتكون قدرتها على التشكل بالأشكال المختلفة ظاهرة الاحتمال. القول الثاني: قول من قال: الأجسام متساوية في تمام الماهية، والقائلون بهذا المذهب أيضاً فرقتان. الفرقة الأولى: زعموا أن البنية ليست شرطاً للحياة وهذا قول الأشعري وجمهور أتباعه وأدلتهم في هذا الباب ظاهرة قوية، قالوا: ولو كانت البنية شرطاً للحياة لكان إما أن يقال: إن الحياة الواحدة قامت بمجموع الأجزاء أو يقال: قام بكل واحد من الأجزاء حياة على حدة، والأول محال لأن حلول العرض الواحد في المحال الكثيرة دفعة واحدة غير معقول، والثاني أيضاً باطل لأن الأجزاء التي منها تألف الجسم متساوية والحياة القائمة بكل واحد منها مساوية للحياة القائمة بالجزء الآخر وحكم الشيء حكم مثله، فلو افتقر قيام الحياة بهذا الجزء إلى قيام تلك الحياة بذلك الجزء لحصل هذا الافتقار من الجانب الآخر فيلزم وقوع الدور وهو محال، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ ثبت أن قيام الحياة بهذا الجزء لا يتوقف على قيام الحياة الثانية بذلك الجزء الثاني، وإذا بطل هذا التوقف ثبت أنه يصح كون الجزء الواحد موصوفاً بالحياة والعلم والقدرة والإرادة وبطل القول بأن البنية شرط، قالوا: وأما دليل المعتزلة وهو أنه لا بد من البنية فليس إلا الاستقراء وهو أنا رأينا أنه متى فسدت البنية بطلت الحياة ومتى لم تفسد بقيت الحياة فوجب توقف الحياة على حصول البنية، إلا أن هذا ركيك، فإن الاستقراء لا يفيد القطع بالوجوب، فما الدليل على أن حال من لم يشاهد كحال ما شوهد، وأيضاً فلأن هذا الكلام إنما يستقيم على قول من ينكر خرق العادات، أما من يجوزها فهذا لا يتمشى على مذهبه والفرق بينهما في جعل بعضها على سبيل العادة وجعل بعضها على سبيل الوجوب تحكم محض لا سبيل إليه، فثبت أن البنية ليست شرطاً في الحياة، وإذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة على أشياء شاقة شديدة، وعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن، سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة، وسواء كانت أجزاؤهم كبيرة أو صغيرة. القول الثاني: أن البنية شرط الحياة وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة فههنا مسألة أخرى، وهي أنه هل يمكن أن يكون المرئي حاضراً والموانع مرتفعة والشرائط من القرب والبعد حاصلة، وتكون الحاسة سليمة، ثم مع هذا لا يحصل الإدراك أو يكون هذا ممتنعاً عقلاً؟ أما الأشعري وأتباعه فقد جوزوه، وأما المعتزلة فقد حكموا بامتناعه عقلاً، والأشعري احتج على قوله بوجوه عقلية ونقلية، أما العقلية فأمران: الأول: أنا نرى الكبير من البعد صغيراً وما ذاك إلا أنا نرى بعض أجزاء ذلك البعيد دون البعض مع أن نسبة الحاسة وجميع الشرائط إلى تلك الأجزاء المرئية كهي بالنسبة إلى الأجزاء التي هي غير مرئية فعلمنا أن مع حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول الشرائط وانتفاء الموانع لا يكون الإدراك واجباً الثاني: أن الجسم الكبير لا معنى له إلا مجموع تلك الأجزاء المتألفة، فإذا رأينا ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الأجزاء، فإما أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء الآخر أو لا تكون، فإن كان الأول يلزم الدور لأن الأجزاء متساوية فلو افتقرت رؤية هذا الجزء إلى رؤية ذلك الجزء لافتقرت أيضاً رؤية ذلك الجزء إلى رؤية هذا الجزء فيقع الدور، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ رؤية الجوهر الفرد على ذلك القدر من المسافة تكون ممكنة، ثم من المعلوم أن ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضم إليه سائر الجواهر فإنه لا يرى، فعلمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع الشرائط لا يكون واجباً بل جائزاً، وأما المعتزلة فقد عولوا على أنا لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بحضرتنا طبلات وبوقات ولا نراها ولا نسمعها فإذا عارضناهم بسائر الأمور العادية وقلنا لهم: فجوزوا أن يقال انقلبت مياه البحار ذهب وفضة، والجبال ياقوتاً وزبرجداً، أو حصلت في السماء حال ما غمضت العين ألف شمس وقمر، ثم كما فتحت العين أعدمها الله عجزوا عن الفرق، والسبب في هذا التشوش أن هؤلاء المعتزلة نظروا إلى هذه الأمور المطردة في مناهج العادات، فوهموا أن بعضها واجبة، وبعضها غير واجبة، ولم يجدوا قانوناً مستقيماً، ومأخذاً سليماً في الفرق بين البابين، فتشوش الأمر عليهم، بل الواجب أن يسوى بين الكل، فيحكم على الكل بالوجوب، كما هو قول الفلاسفة، أو على الكل بعدم الوجوب كما هو قول الأشعري. فأما التحكم في الفرق فهو بعيد، إذا ثبت هذا ظهر جواز القول بالجن، فإن أجسامهم وإن كانت كثيفة قوية إلا أنه يمتنع أن لا تراها، وإن كانوا حاضرين هذا على قول الأشعري فهذا هو تفصيل هذه الوجوه، وأنا متعجب من هؤلاء المعتزلة أنهم كيف يصدقون ما جاء في القرآن من إثبات الملك والجن مع استمرارهم على مذاهبهم، وذلك لأن القرآن دل على أن للملائكة قوة عظيمة على الأفعال الشاقة، والجن أيضاً كذلك، وهذه القدرة لا تثبت إلا في الأعضاء الكثيفة الصلبة، فإذاً يجب في الملك والجن أن يكون كذلك، ثم إن هؤلاء الملائكة حاضرون عندنا أبداً، وهم الكرام الكاتبون والحفظة، ويحضرون أيضاً عند قبض الأرواح، وقد كانوا يحضرون عند الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن أحداً من القوم ما كان يراهم، وكذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحداً، فإن وجبت رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها وإن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم، وإن كانوا موصفون بالقوة والشدة مع عدم الكثافة والصلابة فقد بطل قولهم: إن البنية شرط الحياة، وإن قالوا: إنها أجسام لطيفة وحية، ولكنها للطافتها لا تقدر على الأعمال الشاقة، فهذا إنكار لصريح القرآن، وبالجملة فحالهم في الإقرار بالملك والجن مع هذه المذاهب عجيب، وليتهم ذكروا على صحة مذاهبهم شبهة مخيلة فضلاً عن حجة مبينة، فهذا هو التنبيه على ما في هذا الباب من الدقائق والمشكلات، وبالله التوفيق. المسألة الثانية: اختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام هل رأى الجن أم لا؟. فالقول الأول: وهو مذهب ابن عباس أنه عليه السلام ما رآهم، قال: إن الجن كانوا يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهنة فلما بعث الله محمداً عليه السلام حرست السماء، وحيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت الشهب عليهم فرجعوا إلى إبليس وأخبروه بالقصة فقال: لا بد لهذا من سبب فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها واطلبوا السبب فوصل جمع من أولئك الطالبين إلى تهامة فرأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا والله هو الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهناك رجعوا إلى قومهم وقالوا يا قومنا {إنا سمعنا قرآناً عجباً } فأخبر الله تعالى محمداً عليه السلام عن ذلك الغيب وقال: {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ } كذا وكذا، قال وفي هذا دليل على أنه عليه السلام لم ير الجن إذ لو رآهم لما أسند معرفة هذه الواقعة إلى الوحي فإن ما عرف وجوده بالمشاهدة لا يسند إثباته إلى الوحي، فإن قيل: الذين رموا بالشهب هم الشياطين والذين سمعوا القرآن هم الجن فكيف وجه الجمع؟ قلنا: فيه وجهان الأول: أن الجن كانوا مع الشياطين فلما رمي الشياطين أخذ الجن الذين كانوا معهم في تجسس الخبر الثاني: أن الذين رموا بالشهب كانوا من الجن إلا أنه قيل لهم: شياطين كما قيل: شياطين الجن والإنس فإن الشيطان كل متمرد بعيد عن طاعة الله، واختلفوا في أن أولئك الجن الذين سمعوا القرآن من هم؟ فروى عاصم عن ذر قال: قدم رهط زوبعة وأصحابه مكة على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرفوا فذلك قوله: {أية : وَإِذَا صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ } تفسير : [الأحقاف: 29] وقيل: كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وعامة جنود إبليس منهم. القول الثاني: وهو مذهب ابن مسعود أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم ويدعوهم إلى الإسلام، قال ابن مسعود قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أمرت أن أتلو القرآن على الجن فمن يذهب معي؟ فسكتوا، ثم قال الثانية فسكتوا، ثم قال الثالثة، فقال: عبدالله قلت أنا أذهب معك يا رسول الله قال: فانطلق حتى إذا جاء الحجون عند شعب ابن أبي دب، خط علي خطاً فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل كأنهم رجال الزط يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها حتى غشوه، فغاب عن بصري فقمت، فأومأ إلي بيده أن أجلس، ثم تلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى صرت أسمع صوتهم ولا أراهم. وفي رواية أخرى فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنت؟ قال: أنا نبي الله، قالوا: فمن يشهد لك على ذلك؟ قال: هذه الشجرة، تعالي يا شجرة، فجاءت تجر عروقها لها قعاقع حتى انصبت بين يديه، فقال على ماذا تشهدين لي؟ قالت: أشهد أنك رسول الله، قال: اذهبي، فرجعت كما جاءت حتى صارت كما كانت. قال ابن مسعود: فلما عاد إلي، قال: أردت أن تأتيني؟ قلت: نعم يا رسول الله قال: ما كان ذلك لك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد فزودتهم العظم والبعر، فلا يستطيبن أحد بعظم ولا بعر. تفسير : واعلم أنه لا سبيل إلى تكذيب الروايات، وطريق التوفيق بين مذهب ابن عباس، ومذهب ابن مسعود من وجوه أحدها: لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولاً، فأوحى الله تعالى إليه بهذه السورة، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روى ابن مسعود وثانيها: أن بتقدير أن تكون واقعة الجن مرة واحدة، إلا أنه عليه السلام أمر بالذهاب إليهم، وقراءة القرآن عليهم، إلا أنه عليه السلام ما عرف أنهم ماذا قالوا، وأي شيء فعلوا، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وقالوا كذا وثالثها: أن الواقعة كانت مرة واحدة، وهو عليه السلام رآهم وسمع كلامهم، وهم آمنوا به، ثم لما رجعوا إلى قومهم قالوا لقومهم على سبيل الحكاية: {إنا سمعنا قرآناً عجباً } وكان كذا وكذا، فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما قالوه لأقوامهم، وإذا كانت هذه الوجوه محتملة فلا سبيل إلى التكذيب. المسألة الثالثة: اعلم أن قوله تعالى: {قُلْ } أمر منه تعالى لرسوله أن يظهر لأصحابه ما أوحى الله في واقعة الجن، وفيه فوائد إحداها: أن يعرفوا بذلك أنه عليه السلام كما بعث إلى الإنس، فقد بعث إلى الجن وثانيها: أن يعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن عرفوا إعجازه، فآمنوا بالرسول وثالثها: أن يعلم القوم أن الجن مكلفون كالإنس ورابعها: أن يعلم أن الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا وخامسها: أن يظهر أن المؤمن منهم يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان، وفي كل هذه الوجوه مصالح كثيرة إذا عرفها الناس. المسألة الرابعة: الإيحاء إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء كالإلهام وإنزال الملك ويكون ذلك في سرعة من قولهم: الوحي الوحي والقراءة المشهورة، {أَوْحَىٰ } بالألف، وفي رواية يونس وهرون، عن أبي عمرو {وَحْىٌ } بضم الواو بغير ألف وهما لغتان يقال: وحي إليه وأوحى إليه وقرىء {أحي} بالهمز من غير واو، وأصله وحي، فقلبت الواو همزة كما يقال: أعد وأزن و {أية : إِذَا ٱلرُّسُلُ أُقّتَتْ } تفسير : [المرسلات: 11]. وقوله تعالى: {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } فيه مسائل: المسألة الأولى: أجمعوا على أن قوله: {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ } بالفتح وذلك لأنه نائب فاعل {أُوحِىَ } فهو كقوله: {أية : وَأُوحِىَ إِلَىٰ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ } تفسير : [الأنعام: 19] وأجمعوا على كسر إنا في قوله: {إِنَّا سَمِعْنَا } لأنه مبتدأ محكي بعد القول، ثم ههنا قراءتان إحداهما: أن نحمل البواقي على الموضعين اللذين بينا أنهم أجمعوا عليهما فما كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجن كسر، وكلها من قول الجن إلا الآخرين وهما قوله: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ } تفسير : [الجن: 18] {أية : وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ } تفسير : [الجن: 19]، وثانيهما: فتح الكل والتقدير: فآمنا به وآمنا بأنه تعالى جد ربنا وبأنه كان يقول سفيهنا وكذا البواقي، فإن قيل: ههنا إشكال من وجهين أحدهما: أنه يقبح إضافة الإيمان إلى بعض هذه السورة فإنه يقبح أن يقال: وآمنا بأنه كان يقول: سفيهنا على الله شططاً والثاني: وهو أنه لا يعطف على الهاء المخفوضة إلا بإظهار الخافض لا يقال: آمنا به وزيد، بل يقال: آمنا به وبزيد والجواب: عن الإشكالين أنا إذا حملنا قوله: آمنا على معنى صدقنا وشهدنا زال الإشكالان. المسألة الثانية: {نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة روي أن ذلك النفر كانوا يهوداً، وذكر الحسن أن فيهم يهوداً ونصارى ومجوساً ومشركين، ثم اعلم أن الجن حكوا أشياء: النوع الأول: مما حكوه قوله تعالى: {فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءانَاً عَجَباً * يَهْدِى إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـئَامَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً } أي قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كقوله: {أية : فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } تفسير : [الأحقاف: 29]، {قرآناً عجباً } أي خارجاً عن حد أشكاله ونظائره، و (عجباً) مصدر يوضع موضع العجيب ولا شك أنه أبلغ من العجيب، {يَهْدِى إِلَى ٱلرُّشْدِ } أي إلى الصواب، وقيل: إلى التوحيد {فآمنا به } أي بالقرآن ويمكن أن يكون المراد فآمنا بالرشد الذي في القرآن وهو التوحيد {وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً } أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به وهذا يدل على أن أولئك الجن كانوا من المشركين. النوع الثاني: مما ذكره الجن أنهم كما نفوا عن أنفسهم الشرك نزهوا ربهم عن الصاحبة والولد. فقالوا:

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} أي قل يا محمد لأمتك: أَوْحَى الله إليّ على لسان جبريل {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ} إليّ {نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} وما كان عليه السلام عالماً به قبل أن أوحي إليه. هكذا قال ٱبن عباس وغيره على ما يأتي. وقرأ ٱبن أبي عَبْلة «أحِيَ» على الأصل؛ يقال: أَوحَى إليه ووحَى، فقلبت الواو همزة؛ ومنه قوله تعالى: { أية : وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ } تفسير : [المرسلات: 11] وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة. وقد أطلقه المازنيّ في المكسورة أيضاً كإشاح وإسادة و «إِعَاءِ أَخِيهِ» ونحوه. الثانية ـ وٱختُلِف هل رآهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فظاهر القرآن يدل على أنه لم يرهم؛ لقوله تعالى: {ٱسْتَمَعَ}، وقوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ}. وفي صحيح مسلم والترمذي عن ٱبن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنّ وما رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سُوق عُكَاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشُهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم؛ فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حِيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشُّهب! قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فٱضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فٱنظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ النفر الذين أخذوا نحو تِهامة وهو بنخلة عامدين إلى سُوق عُكَاظ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر؛ فلما سمعوا القرآن ٱستمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} فأنزل الله عز وجل على نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}. رواه الترمذي عن ٱبن عباس قال: « حديث : قول الجنّ لقومهم {لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} قال: لما رأوه يصلّي وأصحابه يصلّون بصلاته فيسجدون بسجوده قال: تعجّبوا من طواعية أصحابه له، قالوا لقومهم: «لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا» » تفسير : قال: هذا حديث حسن صحيح؛ ففي هذا الحديث دليل على أنه عليه السلام لم ير الجنّ ولكنهم حضروه، وسمعوا قراءته. وفيه دليل على أن الجنّ كانوا مع الشياطين حين تجسسوا الخبر بسبب الشياطين لما رُمُوا بالشّهب. وكان المرميّون بالشّهب من الجنّ أيضاً. وقيل لهم شياطين كما قال: « حديث : شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ » تفسير : فإن الشيطان كل متمرّد وخارج عن طاعة الله. وفي الترمذي عن ٱبن عباس قال: حديث : كان الجنّ يصعدون إلى السماء يستمعون إلى الوَحْي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً، فأما الكلمة فتكون حقًّا، وأما ما زادوا فيها، فيكون باطلاً. فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنِعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا الأمر إلا من أمر قد حدث في الأرض! فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلّي بين جبلين ـ أراه قال بمكة ـ فأتوه فأخبروه فقال: هذا الحَدث الذي حدث في الأرض. قال: هذا حديث حسن صحيح. فدلّ هذا الحديث على أن الجنّ رموا كما رُميت الشياطينتفسير : . وفي رواية السُّديّ: أنهم لما رُموا أتوا إبليس فأخبروه بما كان من أمرهم فقال: أيتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمّها فأتوه فشمّ فقال: صاحبكم بمكة. فبعث نفراً من الجنّ، قيل: كانوا سبعة. وقيل: تسعة منهم زَوْبعة. وروى عاصم عن زِرّ قال: قدم رهط زوبعة وأصحابه على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال الثُّماليّ: بلغني أنهم من بني الشَّيْصَبَان، وهم أكثر الجنّ عدداً، وأقواهم شوكة، وهم عامة جنود إبليس. ورَوي أيضاً عاصم عن زرّ: أنهم كانوا سبعة نفر؛ ثلاثة من أهل حَرَّان وأربعة من أهل نَصِيبين. وحكي جُويبر عن الضحاك: أنهم كانوا تسعة من أهل نَصِيبين (قرية باليمن غير التي بالعراق). وقيل: إن الجنّ الذين أتوا مكة جنّ نصِيبين، والذين أتوه بنخلة جنّ نِيْنَوَى. وقد مضى بيان هذا في سورة «الأحقاف». قال عِكرمة: والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله عليه وسلم { أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ } تفسير : [العلق: 1] وقد مضى في سورة «الأحقاف» التعريف بٱسم النفر من الجنّ، فلا معنى لإعادة ذلك. وقيل: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى الجنّ ليلة الجنّ وهو أثبت؛ حديث : روى عامر الشّعبي قال: سألت علقمة هل كان ٱبن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ؟ فقال علقمة: أنا سألت ٱبن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا ٱسْتُطير أو ٱغتيل، قال: فبتنا بشِّر ليلة بات بها قوم، فلما أصبح إذا هو يجيء من قبل حِرَاء، فقلنا: يا رسول الله! فقدناك وطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم؛ فقال: «أتاني داعي الجنّ فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن» فٱنطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد وكانوا من جنّ الجزيرة، فقال: «لكم كلُّ عَظْم ذُكر ٱسم الله عليه يقع في أيديكم أوْفَرَ ما يكون لحماً، وكلُّ بَعْرة عَلفٌ لدوابكم ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجُوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم الجنّ» » تفسير : قال ٱبن العربي: وٱبن مسعود أعرف من ٱبن عباس؛ لأنه شاهده وٱبن عباس سمعه وليس الخبر كالمعاينة. وقد قيل: إن الجنّ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعتين: إحداهما بمكة وهي التي ذكرها ٱبن مسعود، والثانية بنخلة وهي التي ذكرها ٱبن عباس. قال البيهقيّ: الذي حكاه عبد الله بن عباس إنما هو في أوّل ما سمعت الجنّ قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه، ثم أتاه داعي الجنّ مرة أخرى فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه عبد الله بن مسعود. قال البيهقي: والأحاديث الصحاح تدل على أن ٱبن مسعود لم يكن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ، وإنما سار معه حين انطلق به وبغيره يريه آثار الجنّ وآثار نيرانهم. قال: وقد رُوي من غير وجه أنه كان معه ليلتئذ، وقد مضى هذا المعنى في سورة «الأحقاف» والحمد لله. روي عن ٱبن مسعود أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أمرت أن أتلوا القرآن على الجنّ فمن يذهب معي؟» فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحَجُون عند شِعْب أبي دُبّ فخطّ عليَّ خطّا فقال: «لا تجاوزه» ثم مضى إلى الحَجُون فانحدر عليه أمثالُ الحَجَل يحدرون الحجارة بأقدامهم، يمشون يقرعون في دُفوفهم كما تَقرْع النِّسوة في دُفوفها، حتى غَشَوه فلا أراه، فقمت فأوْمَى إليّ بيده أن أجلس، فتلا القرآن فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما ٱنفتل إليّ قال: «أردتَ أن تأتيني»؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: «ما كان ذلك لك، هؤلاء الجنّ أتوا يستمعون القرآن، ثم ولّوا إلى قومهم منذرين فسألوني الزاد فزوّدتهم العظم والبعر فلا يَستطِيبَنّ أحدكم بعظم ولا بعر » تفسير : قال عكرمة: وكانوا ٱثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل. وفي رواية: « حديث : ٱنطلق بي عليه السلام حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف خَطّ لي خطَّا، فأتاه نفر منهم فقال أصحابنا كأنهم رجال الزط وكأن وجوههم المَكَاكي، فقالوا: ما أنت؟ قال: «أنا نبيّ الله» قالوا: فمن يشهد لك على ذلك؟ قال: «هذه الشجرة» فقال: «يا شجرة» فجاءت تجرّ عروقها، لها قعاقع حتى أنتصبت بين يديه، فقال: «على ماذا تشهدين» قالت: أشهد أنك رسول الله. فرجعت كما جاءت تجرّ بعروقها الحجارة، لها قعاقع حتى عادت كما كانت. ثم روي. أنه عليه السلام لما فرغ وضع رأسه على حجِر ٱبن مسعود فرقد ثم ٱستيقظ فقال: «هل من وضوء» قال: لا، إلا أن معي إداوة فيها نبيذ. فقال: «هل هو إلا تمر وماء» فتوضأ منه.تفسير : الثالثة ـ قد مضى الكلام في الماء في سورة «الحجر» وما يستنجَى به في سورة «براءة» فلا معنى للإعادة. الرابعة ـ وٱختلَف أهل العلم، في أصل الجنّ؛ فروى إسماعيل عن الحسن البصريّ: أن الجنّ ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب. فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً فهو وليّ الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان. وروى الضحاك عن ٱبن عباس: أن الجّن هم ولد الجان وليسوا بشياطين، وهم يؤمنون؛ ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين هم ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. وٱختلفوا في دخول مؤمني الجن الجنة، على حسب الاختلاف في أصلهم. فمن زعم أنهم من الجان لا من ذرّية إبليس قال: يدخلون الجنة بإيمانهم. ومن قال: إنهم من ذرّية إبليس فلهم فيه قولان: أحدهما ـ وهو قول الحسن يدخلونها. الثاني ـ وهو رواية مجاهد لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. حكاه الماورديّ. وقد مضى في سورة «الرحمن» عند قوله تعالى: { أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ } تفسير : [الرحمن: 56] بيان أنهم يدخلونها. الخامسة ـ قال البيهقي في روايته: حديث : وسألوه الزاد وكانوا من جنّ الجزيرة فقال: «لكم كلُّ عظم» » تفسير : دليل على أنهم يأكلون ويَطْعَمون. وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجنّ، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم؛ اجتراءً على الله وافتراءً، والقرآن والسنة تردّ عليهم، وليس في المخلوقات بسيط مركب مزدوج، إنما الواحد الواحد سبحانه، وغيره مركب وليس بواحد كيفما تصرف حاله. وليس يمتنع أن يراهم النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورهم كما يرى الملائكة. وأكثر ما يَتَصوّرون لنا في صور الحيات؛ ففي الموطأ: أن رجلا حديث عهد بعُرس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار أن يرجع إلى أهله... الحديث، وفيه: فإذا حيّة عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها. وذكر الحديث. وفي الصحيح أنه عليه السلام قال: « حديث : إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئاً فحرِّجوا عليها ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر». وقال: «أذهبوا فادفنوا صاحبكم » تفسير : وقد مضى هذا المعنى في سورة «البقرة» وبيان التحريج عليهنّ. وقد ذهب قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة؛ لقوله في الصحيح: « حديث : إن بالمدينة جِنًّا قد أسلموا » تفسير : . وهذا لفظ مختص بها فيختص بحكمها. قلنا: هذا يدل على أن غيرها من البيوت مثلها؛ لأنه لم يُعَلَّل بحرمة المدينة، فيكون ذلك الحكم مخصوصاً بها، وإنما عُلِّل بالإسلام، وذلك عامّ في غيرها ألا ترى قوله في الحديث مخبراً عن الجنّ الذي لقي: « حديث : وكانوا من جنّ الجزيرة » تفسير : ؛ وهذا بيِّن يَعضُده قوله: « حديث : ونَهَى عن عوامر البيوت »تفسير : ، وهذا عامّ. وقد مضى في سورة «البقرة» القول في هذا فلا معنى للإعادة. قوله تعالى: {فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} أي في فصاحة كلامه. وقيل: عَجَباً في بلاغة مواعظه. وقيل: عجباً في عظم بركته. وقيل: قرآنا عزيزاً لا يوجد مثله. وقيل: يعنون عظيماً. {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ} أي إلى مراشد الأمور. وقيل: إلى معرفة الله تعالى؛ و «يَهْدِي» في موضع الصفة أي هادياً. {فَآمَنَّا بِهِ} أي فَٱهتدينا به وصدّقنا أنه من عند الله {وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} أي لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه؛ لأنه الذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر، ثم رُمِي الجنّ بالشُّهب. وقيل لا نتخذ مع الله إلٰهاً آخر؛ لأنه المتفرّد بالربوبية. وفي هذا تعجيب المؤمنين بذهاب مشركي قريش عما أدركته الجنّ بتدبرها القرآن. وقوله تعالى: {ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} أي ٱستمعوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فعلموا أن ما يقرؤه كلام الله. ولم يذكر المستمع إليه لدلالة الحال عليه. والنفر الرهط؛ قال الخليل: ما بين ثلاثة إلى عشرة. وقرأ عيسى الثَّقفي «يَهْدِي إلَى الرَّشَدِ» بفتح الراء والشين. قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} كان عَلْقمة ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائيّ وٱبن عامر وخَلَف وحفص والسّلمي ينصبون «أَنَّ» في جميع السورة في ٱثني عشر موضعاً، وهو: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا}، {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ}، {وَأَنَّا ظَنَنَّآ}، {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ}، {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ}، {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ}، {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ}، {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ}، {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ}، {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ}، {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ}، {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ}، عطفاً على قوله: {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ}، {وَأَنَّهُ ٱسْتَمَعَ} لا يجوز فيه إلا الفتح؛ لأنها في موضع ٱسم فاعل «أُوحِيَ» فما بعده عليه. وقيل: هو محمول على الهاء في «آمَنَّا بِهِ» أي وبـ«ـأَنَّه تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا» وجاز ذلك وهو مضمر مجرور لكثرة حرف الجار مع «أنّ». وقيل: المعنى أي وصدّقنا أنه جدّ ربنا. وقرأ الباقون كلَّها بالكسر وهو الصواب، وٱختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفاً على قوله: {فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا} لأنه كله من كلام الجنّ. وأما أبو جعفر وشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع؛ وهي قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا}، {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ}، {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ}، قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي؛ لأنه من كلام الجنّ. وأما قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} فكلهم فتحوا إلا نافعاً وشيبة وزرَّ بن حُبيش وأبا بكر والمفضّل عن عاصم، فإنهم كسروا لا غير. ولا خلاف في فتح همزة {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}، {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ} {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}، {وَأَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ}. وكذلك لا خلاق في كسرها ما بعد القول؛ نحو قوله تعالى: «فقالوا إنا سمعنا» و{قَالَ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي} و{قُلْ إنْ أدْرِي} { أية : قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ } تفسير : [الجن: 21] وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء؛ نحو قوله تعالى: { أية : فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } تفسير : [الجن: 23] و«فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ» لأنه موضع ٱبتداء. قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} الجدّ في اللغة: العظمة والجلال؛ ومنه قوله أنس: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآلِ عمران جَدّ في عيوننا؛ أي عَظُم وجلّ. فمعنى: «جدُّ رَبِّنَا» أي عظمته وجلاله؛ قاله عكرمة ومجاهد وقتادة. وعن مجاهد أيضاً: ذِكره. وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمة أيضاً: غناه. ومنه قيل للحظ جَدُّ، ورجل مجدود أي محظوظ؛ وفي الحديث: « حديث : ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدّ » تفسير : قال أبو عبيدة والخليل: أي ذا الغنى، منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة. وقال ٱبن عباس: قدرته. الضحاك: فعله. وقال القُرظيّ والضحاك أيضاً: آلاؤهُ ونعمه على خلقه. وقال أبو عبيدة والأخفش: ملكه وسلطانه. وقال السديّ: أمره. وقال سعيد بن جُبير: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} أي تعالى ربنا. وقيل: إنهم عَنَوا بذلك الجدّ الذي هو أب الأب، ويكون هذا من قول الجنّ. وقال محمد بن علي بن الحسين وٱبنه جعفر الصادق والربيع: ليس لله تعالى جَدّ، وإنما قالته الجنّ للجهالة، فلم يؤاخذوا به. وقال القشيريّ: ويجوز إطلاق لفظ الجدّ في حق الله تعالى؛ إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن، غير أنه لفظ مُوهِم، فتجنُّبُه أولى. وقراءة عِكرمة «جِدّ» بكسر الجيم: على ضد الهزل. وكذلك قرأ أبو حَيْوة ومحمد بن السَّمَيْقع. ويروى عن ٱبن السَّمَيقع أيضاً وأبي الأشهب «جَدَا رَبِّنَا»، وهو الجدوى والمنفعة. وقرأ عكرمة أيضاً «جَدًّا» بالتنوين «رَبُّنَا» بالرفع على أنه مرفوع، بـ«ـتعالى»، و«جَدًّا» منصوب على التمييز. وعن عكرمة أيضاً «جَدٌّ» بالتنوين والرفع «رَبُّنَا» بالرفع على تقدير: تعالى جَدٌّ جَدُّ رَبِّنا؛ فجدّ الثاني بدل من الأوّل وحذف وأقيم المضاف إليه مقامه. ومعنى الآية: وأنه تعالى جلال ربِّنا أن يتخذ صاحبة وولداً للإستئناس بهما والحاجة إليهما، والرّب يتعالى عن الأنداد والنظراء.

البيضاوي

تفسير : مكية، وآيها ثمان وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ } وقرىء «أحي» وأصله وحى من وحى إليه فقلبت الواو همزة لضمتها ووحى على الأصل وفاعله: {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة، و {ٱلْجِنَّ } أجسام عاقلة خفية يغلب عليهم النارية أو الهوائية. وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها، وفيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبر الله به رسوله. {فَقَالُواْ } لما رجعوا إلى قومهم. {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً } كتاباً. {عَجَبًا } بديعاً مبايناً لكلام الناس في حسن نظمه ودقة معناه. وهو مصدر وصف به للمبالغة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر قومه أن الجن استمعوا القرآن، فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له، فقال تعالى: { قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَاً عَجَباً يَهْدِىۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ} أي: إلى السداد والنجاح، {فَـآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ} وقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك بما أغنى عن إعادتها ههنا. وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {جَدُّ رَبِّنَا} أي: فعله وأمره وقدرته. وقال الضحاك عن ابن عباس: جد الله: آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه، وروي عن مجاهد وعكرمة: جلال ربنا، وقال قتادة: تعالى جلاله وعظمته وأمره، وقال السدي: تعالى أمر ربنا. وعن أبي الدرداء ومجاهد أيضاً وابن جريج: تعالى ذكره. وقال سعيد بن جبير: {تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} أي: تعالى ربنا، فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: الجد أب، ولو علمت الجن أن في الإنس جداً، ما قالوا: تعالى جد ربنا، فهذا إسناد جيد، ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام، ولعله قد سقط شيء، والله أعلم. وقوله تعالى: {مَا ٱتَّخَذَ صَـٰحِبَةً وَلاَ وَلَداً} أي: تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد، أي: قالت الجن: تنزّه الرب جل جلاله حين أسلموا وآمنوا بالقرآن عن اتخاذ الصاحبة والولد، ثم قالوا: { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً} قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: {سَفِيهُنَا} يعنون: إبليس {شَطَطاً} قال السدي عن أبي مالك: {شَطَطاً} أي: جوراً، وقال ابن زيد: أي: ظلماً كبيراً، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: سفيهنا، اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولداً، ولهذا قالوا: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} أي: قبل إسلامه {عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً} أي: باطلاً وزوراً، ولهذا قالوا: { وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي: ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالؤون على الكذب على الله تعالى في نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به، علمنا أنهم كانوا يكذّبون على الله في ذلك. وقوله تعالى: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقاً} أي: كنا نرى أن لنا فضلاً على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا إذا نزلوا وادياً أو مكاناً موحشاً من البراري وغيرها، كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوءُهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم، زادوهم رهقاً، أي: خوفاً وإرهاباً وذعراً، حتى بقوا أشد منهم مخافة، وأكثر تعوّذاً بهم، كما قال قتادة: {فَزَادوهُمْ رَهَقاً} أي: إثماً، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة، وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} أي ازدادت الجن عليهم جرأة. وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله، فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه، أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال قتادة: فإذا عاذ بهم من دون الله، رهقتهم الجن الأذى عند ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، حدثنا الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان الجن يفرقون من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد، فكان الإنس إذا نزلوا وادياً، هرب الجن، فيقول سيد القوم: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي، فقال الجن: نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم، فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون، فذلك قول الله عز وجل: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} أي: إثماً. وقال أبو العالية والربيع وزيد بن أسلم: {رَهَقاً} أي: خوفاً. وقال العوفي عن ابن عباس: {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} أي: إثماً، وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: زاد الكفار طغياناً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن المغراء الكندي، حدثنا القاسم بن مالك ــــ يعني: المزني ــــ عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل، جاء ذئب فأخذ حملاً من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه يقول: يا سرحان أرسله. فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} ثم قال: وروي عن عبيد بن عمير ومجاهد وأبي العالية والحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي نحوه، وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل، وهو ولد الشاة، كان جنياً حتى يرهب الإنسي ويخاف منه، ثم رده عليه لما استجار به؛ ليضله ويهينه ويخرجه عن دينه، والله أعلم. وقوله تعالى: { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً} أي: لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولاً، قاله الكلبي وابن جرير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } يا محمد للناس {أُوحِىَ إِلَىَّ } أي أخبرت بالوحي من الله تعالى {أَنَّهُ } الضمير للشأن {ٱسْتَمَعَ } لقراءتي {نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ } جنّ نصيبين وذلك في صلاة الصبح ببطن نخل، موضع بين مكة والطائف، وهم الذين ذكروا في قوله تعالى: { أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ } تفسير : [29:46] الآية {فَقَالُواْ } لقومهم لما رجعوا إليهم {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَاناً عَجَبَاً} يتعجب منه في فصاحته وغزارة معانيه وغير ذلك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ } قرأ الجمهور: {أوحى} رباعياً. وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو إياس، والعتكي عن أبي عمرو: "وحي" ثلاثياً، وهما لغتان. واختلف هل رآهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أم لم يرهم؟ فظاهر القرآن أنه لم يرهم؛ لأن المعنى: قل يا محمد لأمتك: أوحي إليّ على لسان جبريل {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } ومثله قوله: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءانَ }تفسير : [الأحقاف: 29] ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنّ وما رآهم. قال عكرمة: والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ }تفسير : [العلق: 1] وقد تقدّم في سورة الأحقاف ذكر ما يفيد زيادة في هذا. قوله: {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } هذا هو القائم مقام الفاعل، ولهذا فتحت أنّ، والضمير للشأن، وعند الكوفيين والأخفش يجوز أن يكون القائم مقام الفاعل الجارّ والمجرور، والنفر اسم للجماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة. قال الضحاك: والجنّ ولد الجانّ وليسوا شياطين. وقال الحسن: إنهم ولد إبليس. قيل: هم أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية والهوائية. وقيل: نوع من الأرواح المجرّدة. وقيل: هي النفوس البشرية المفارقة لأبدانها. وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجنّ الجنة، كما يدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك: {أية : وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ }تفسير : [الملك: 5] وقول الجنّ فيما سيأتي في هذه السورة: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } تفسير : [الجن: 15] وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن: يدخلون الجنة، وقال مجاهد: لا يدخلونها، وإن صرفوا عن النار. والأوّل أولى لقوله في سورة الرحمٰن: {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ }تفسير : [الرحمٰن: 56] وفي سورة الرحمٰن آيات غير هذه تدل على ذلك فراجعها، وقد قدّمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلاً منهم، بل الرسل جميعاً من الإنس، وإن أشعر قوله: {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ }تفسير : [الزمر: 71] بخلاف هذا، فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أن الله سبحانه لم يرسل الرسل إلاّ من بني آدم، وهذه الأبحاث الكلام فيها يطول، والمراد الإشارة بأخصر عبارة. {فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءانَاً عَجَباً } أي: قالوا لقومهم لما رجعوا إليهم، أي: سمعنا كلاماً مقروءاً عجباً في فصاحته وبلاغته. وقيل: عجباً في مواعظه. وقيل: في بركته، وعجباً مصدر وصف به للمبالغة، أو على حذف المضاف، أي: ذا عجب، أو المصدر بمعنى اسم الفاعل أي: معجباً {يَهْدِى إِلَى ٱلرُّشْدِ } أي: إلى مراشد الأمور، وهي الحقّ والصواب، وقيل: إلى معرفة الله، والجملة صفة أخرى للقرآن {فآمنا به} أي: صدّقنا به بأنه من عند الله {وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً } من خلقه، ولا نتخذ معه إلٰهاً آخر؛ لأنه المتفرّد بالربوبية، وفي هذا توبيخ للكفار من بني آدم حيث آمنت الجنّ بسماع القرآن مرّة واحدة، وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه، وأدركوا بعقولهم أنه كلام الله وآمنوا به، ولم ينتفع كفار الإنس لا سيما رؤساؤهم وعظماؤهم بسماعه مرّات متعدّدة، وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة مع كون الرسول منهم يتلوه عليهم بلسانهم لا جرم صرعهم الله أذلّ مصرع، وقتلهم أقبح مقتل، ولعذاب الآخرة أشدّ لو كانوا يعلمون. {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبّنَا } قرأه حمزة، والكسائي، وابن عامر، وحفص، وعلقمة، ويحيـى بن وثاب، والأعمش، وخلف، والسلمي: {وأنه تعالى} بفتح أنّ، وكذا قرءوا فيما بعدها مما هو معطوف عليها، وذلك أحد عشر موضعاً إلى قوله: {أية : وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ } تفسير : [الجن: 19]، وقرأ الباقون بالكسر في هذه المواضع كلها إلاّ في قوله: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ }تفسير : [الجن: 18] فإنهم اتفقوا على الفتح، أما من قرأ بالفتح في هذه المواضع، فعلى العطف على محل الجار، والمجرور في {فآمنا به} كأنه قيل: فصدّقناه، وصدّقنا أنه تعالى جدّ ربنا إلخ، وأما من قرأ بالكسر في هذه المواضع، فعلى العطف على {إنا سمعنا}، أي: فقالوا: إنا سمعنا قرآناً، وقالوا: إنه تعالى جدّ ربنا إلى آخره. واختار أبو حاتم، وأبو عبيد قراءة الكسر؛ لأنه كله من كلام الجنّ ومما هو محكيّ عنهم بقوله: {فقالوا إنا سمعنا}. وقرأ أبو جعفر، وشعبة بالفتح في ثلاثة مواضع، وهي: {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبّنَا } {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ ٱلإِنسِ } قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي لأنه من كلام الجنّ. وقرأ الجمهور: {أية : وأنه لما قام عبد الله} تفسير : [الجن: 19] بالفتح؛ لأنه معطوف على قوله: {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ }. وقرأ نافع، وابن عامر، وشيبة، وزرّ بن حبيش، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم بالكسر في هذا الموضع عطفاً على فآمنا به بذلك التقدير السابق، واتفقوا على الفتح في {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ }، كما اتفقوا على الفتح في {أية : أن ٱلْمَسَـٰجِدَ}تفسير : [الجن: 18] وفي {أية : وَإِنَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ}تفسير : [الجن: 16] واتفقوا على الكسر في: {فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا } و {أية : قُلْ إِنَّمَا ٱدْعُواْ رَبّى}تفسير : [الجن: 20] و: {أية : قُلْ إِنْ أَدْرِى}تفسير : [الجن: 25] و: {أية : قُلْ إِنّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ}تفسير : [الجن: 21]. والجدّ عند أهل اللغة العظمة والجلال، يقال: جدّ في عيني أي: عظم، فالمعنى: ارتفع عظمة ربنا وجلاله، وبه قال عكرمة، ومجاهد، وقال الحسن: المراد تعالى غناه، ومنه قيل للحظ، جدّ: ورجل مجدود أي: محظوظ، وفي الحديث: «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» قال أبو عبيد، والخليل أي: لا ينفع ذا الغنى منك الغنى أي: إنما تنفعه الطاعة، وقال القرطبي، والضحاك: جدّه آلاؤه، ونعمه على خلقه. وقال أبو عبيدة، والأخفش: ملكه وسلطانه. وقال السديّ: أمره. وقال سعيد بن جبير: {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبّنَا } أي: تعالى ربنا وقيل: جدّه قدرته. وقال محمد بن عليّ بن الحسين، وابنه جعفر الصادق، والربيع بن أنس: ليس لله جدّ، وإنما قالته الجنّ للجهالة. قرأ الجمهور: "جدّ" بفتح الجيم، وقرأ عكرمة، وأبو حيوة، ومحمد بن السميفع بكسر الجيم، وهو ضدّ الهزل، وقرأ أبو الأشهب: "جدي ربنا" أي: جدواه ومنفعته. وروي عن عكرمة أيضاً أنه قرأ بتنوين (جدّ) ورفع (ربنا) على أنه بدل من جدّ {مَا ٱتَّخَذَ صَـٰحِبَةً وَلاَ وَلَداً } هذا بيان لتعالى جدّه سبحانه. قال الزجاج: تعالى جلال ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولداً، وكأن الجن نبهوا بهذا على خطأ الكفار الذين ينسبون إلى الله الصاحبة والولد، ونزّهوا الله سبحانه عنهما. {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً } الضمير في {أنه} للحديث، أو الأمر، {وسفيهنا} يجوز أن يكون اسم كان، و{يقول} الخبر، ويجوز أن يكون سفيهنا فاعل يقول، والجملة خبر كان، واسمها ضمير يرجع إلى الحديث، أو الأمر، ويجوز أن تكون كان زائدة، ومرادهم بسفيههم عصاتهم ومشركوهم. وقال مجاهد، وابن جريج، وقتادة: أرادوا به إبليس، والشطط: الغلوّ في الكفر. وقال أبو مالك: الجور، وقال الكلبي: الكذب، وأصله البعد عن القصد ومجاوزة الحدّ، ومنه قول الشاعر:شعر : بأية حال حكموا فيك فاشتطوا وما ذاك إلاّ حيث يممك الوخط تفسير : {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } أي: إنا حسبنا أن الإنس والجنّ كانوا لا يكذبون على الله بأن له شريكاً وصاحبة وولداً، فلذلك صدّقناهم في ذلك حتى سمعنا القرآن، فعلمنا بطلان قولهم، وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق، وانتصاب كذباً على أنه مصدر مؤكد ليقول؛ لأن الكذب نوع من القول، أو صفة لمصدر محذوف، أي: قولاً كذباً. وقرأ يعقوب، والجحدري، وابن أبي إسحاق: "أن لن تقوّل" من التقوّل، فيكون على هذه القراءة كذباً مفعول به {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ ٱلْجِنّ } قال الحسن، وابن زيد، وغيرهما: كان العرب إذا نزل الرجل بوادٍ قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، فنزلت هذه الآية. قال مقاتل: كان أوّل من تعوّذ بالجنّ قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم {فَزَادوهُمْ رَهَقاً } أي: زاد رجال الجنّ من تعوذ بهم من رجال الإنس رهقاً أي: سفهاً وطغياناً، أو تكبراً وعتوّاً، أو زاد المستعيذون من رجال الإنس من استعاذوا بهم من رجال الجنّ رهقاً؛ لأن المستعاذ بهم كانوا يقولون: سدنا الجنّ والإنس. وبالأوّل قال مجاهد، وقتادة، وبالثاني قال أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد. والرهق في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم، ورجل رهق: إذا كان كذلك، ومنه قوله: {أية : تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ }تفسير : [المعارج: 44] أي: تغشاهم، ومنه قول الأعشى:شعر : لا شيء ينفعني من دون رؤيتها هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا تفسير : يعني: إثماً. وقيل: الرهق: الخوف، أي: أن الجنّ زادت الإنس بهذا التعوّذ بهم خوفاً منهم. وقيل: كان الرجل من الإنس يقول: أعوذ بفلان من سادات العرب من جنّ هذا الوادي، ويؤيد هذا ما قيل من أن لفظ رجال لا يطلق على الجنّ، فيكون قوله: {بِرِجَالٍ } وصفاً لمن يستعيذون به من رجال الإنس، أي: يعوذون بهم من شرّ الجن، وهذا فيه بعد، وإطلاق لفظ رجال على الجنّ على تسليم عدم صحته لغة لا مانع من إطلاقه عليهم هنا من باب المشاركة. {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً } هذا من قول الجنّ للإنس، أي: وإن الجنّ ظنوا كما ظننتم أيها الإنس أنه لا بعث. وقيل المعنى: وإن الإنس ظنوا، كما ظننتم أيها الجنّ، والمعنى: أنهم لا يؤمنون بالبعث كما أنكم لا تؤمنون. {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَاء } هذا من قول الجنّ أيضاً، أي: طلبنا خبرها، كما به جرت عادتنا {فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَساً } من الملائكة يحرسونها عن استراق السمع، والحرس جمع حارس، و{شَدِيداً } صفة لـ {حرساً} أي: قوياً {وَشُهُباً } جمع شهاب، وهو الشعلة المقتبسة من نار الكوكب، كما تقدّم بيانه في تفسير قوله: {أية : وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5] ومحل قوله: {مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً } النصب على أنه ثاني مفعولي وجدنا؛ لأنه يتعدّى إلى مفعولين، ويجوز أن يكون متعدّياً إلى مفعول واحد، فيكون محل الجملة النصب على الحال بتقدير قد، وحرساً منصوب على التمييز، ووصفه بالمفرد اعتباراً باللفظ، كما يقال: السلف الصالح، أي: الصالحين. {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ } أي: وأنا كنا معشر الجنّ قبل هذا نقعد من السماء مقاعد للسمع، أي: مواضع نقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء، وللسمع متعلق، بـ {نقعد} أي: لأجل السمع، أو بمضمر هو صفة لمقاعد، أي: مقاعد كائنة للسمع، والمقاعد جمع مقعد اسم مكان، وذلك أن مردة الجنّ كانوا يفعلون ذلك؛ ليسمعوا من الملائكة أخبار السماء؛ فيلقونها إلى الكهنة، فحرسها الله سبحانه ببعثه رسوله صلى الله عليه وسلم بالشهب المحرقة، وهو معنى قوله: {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } أي: أرصد له ليرمى به، أو لأجله لمنعه من السماع، وقوله: {ٱلئَـٰنَ } هو ظرف للحال، واستعير للاستقبال، وانتصاب {رصداً} على أنه صفة لـ {شهاباً}، أو مفعول له، وهو مفرد ويجوز أن يكون اسم جمع كالحرس. وقد اختلفوا هل كانت الشياطين ترمى بالشهب قبل المبعث أم لا؟ فقال قوم: لم يكن ذلك. وحكى الواحدي عن معمر قال: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا } الآية، قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن قتيبة: إن الرجم قد كان قبل مبعثه، ولكنه لم يكن مثله في شدّة الحراسة بعد مبعثه، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث منعوا من ذلك أصلاً. وقال عبد الملك بن سابور: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب، ومنعت من الدنوّ إلى السماء. وقال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب، وقد تقدّم البحث عن هذا {وَأَنَّا لاَ نَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } أي: لا ندري أشرّ أريد بأهل الأرض بسبب هذه الحراسة للسماء، أم أراد بهم ربهم رشداً، أي: خيراً. قال ابن زيد: قال إبليس: لا ندري أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذاباً، أو يرسل إليهم رسولاً، وارتفاع {أَشِرٌ } على الاشتغال، أو على الابتداء، وخبره ما بعده، والأوّل أولى، والجملة سادّة مسدّ مفعولي ندري، والأولى أن هذا من قول الجنّ فيما بينهم، وليس من قول إبليس كما قال ابن زيد {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّـٰلِحُونَ } أي: قال بعض لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد: وأنا كنا قبل استماع القرآن منا الموصوفون بالصلاح {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } أي: قوم دون ذلك، أي: دون الموصوفين بالصلاح. وقيل: أراد بالصالحون المؤمنين، وبمن هم دون ذلك الكافرين، والأوّل أولى، ومعنى {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً } أي: جماعات متفرقة وأصنافاً مختلفة، والقدة: القطعة من الشيء، وصار القوم قدداً: إذا تفرقت أحوالهم، ومنه قول الشاعر:شعر : القابض الباسط الهادي لطاعته في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد تفسير : والمعنى: كنا ذوي طرائق قدداً، أو كانت طرائقنا طرائق قدداً، أو كنا مثل طرائق قدداً ومن هذا قول لبيد:شعر : لم تبلغ العين كل نهمتها يوم تمشي الجياد بالقدد تفسير : وقوله أيضاً:شعر : ولقد قلت وزيد حاسر يوم ولت خيل عمرو قدداً تفسير : قال السديّ، والضحاك: أدياناً مختلفة، وقال قتادة: أهواء متباينة. وقال سعيد بن المسيب: كانوا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس وكذا قال مجاهد. قال الحسن: الجنّ أمثالكم قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة، وكذا قال السديّ: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِى ٱلأَرْضِ } الظنّ هنا بمعنى العلم واليقين، أي: وإنا علمنا أن الشأن لن نعجز الله في الأرض أينما كنا فيها، ولن نفوته إن أراد بنا أمراً {وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً } أي: هاربين منها، فهو مصدر في موضع الحال. {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ } يعنون القرآن {آمنا به} وصدّقنا أنه من عبد الله ولم نكذب به، كما كذبت به كفرة الإنس {فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } أي: لا يخاف نقصاً في عمله وثوابه، ولا ظلماً ومكروهاً يغشاه، والبخس النقصان، والرهق العدوان والطغيان، والمعنى: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته، وقد تقدّم تحقيق الرهق قريباً. قرأ الجمهور: {بخساً} بسكون الخاء. وقرأ يحيى بن وثاب بفتحها. وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش: "فلا يخف" جزماً على جواب الشرط، ولا وجه لهذا بعد دخول الفاء، والتقدير: فهو لا يخاف، والأمر ظاهر. وقد أخرج أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وغيرهم عن ابن عباس قال: انطلق النبيّ صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلاّ شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها؛ لتعرفوا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك حين رجعوا إلى قومهم {فَقَالُواْ } يا قومنا {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ يَهْدِى إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـئَامَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً } فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } وإنما أوحي إليه قول الجنّ. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } قال: كانوا من جنّ نصيبين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبّنَا } قال: آلاؤه وعظمته. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: أمره وقدرته. وأخرج ابن مردويه، والديلمي، قال السيوطي بسندٍ واهٍ عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً في قوله: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } قال: إبليس. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في الضعفاء، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، وابن عساكر عن عكرمة بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أوّل ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حملاً من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي أنا جارك، فنادى منادٍ يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم وأنزل الله على رسوله بمكة {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ ٱلْجِنّ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فَزَادوهُمْ رَهَقاً } قال: إثماً. وأخرج ابن مردويه عنه قال: كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ ما فيه، فلا يكون بشيء أشدّ ولعاً منهم بهم، فذلك قوله: {فَزَادوهُمْ رَهَقاً }. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال: كانت الشياطين لهم مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً، فأما الكلمة فتكون حقاً، وأما ما زادوا فيكون باطلاً، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك. فقال لهم: ما هذا إلاّ من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } يقول: منا المسلم ومنا المشرك، و{كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً } أهواء شتى. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } قال: لا يخاف نقصاً من حسناته ولا زيادة في سيئاته.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {قل أُوحِيَ إليَّ أنّه إسْتَمَعَ نَفَرٌ مِن الجنَّ } اختلف أهل التفسير في سبب حضور النفر من الجن إلى رسوله اللَّه صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن على قولين: أحدهما: أن الله تعالى صرفهم إليه بقوله: {أية : وإذا صَرَفْنا إليك نفراً من الجن}، تفسير : [الأحقاف: 29]، قاله ابن مسعود والضحاك وطائفة. الثاني: أنه كان للجن مقاعد في السماء الدنيا يستمعون منها ما يحدث فيها من أمور الدنيا، فلما بعث اللًّه رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم حرست السماء الدنيا من الجن ورجموا بالشهب، قال السدي: ولم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو أثر له ظاهر، قال: فلما رأى أهل الطائف اختلاف الشهب في السماء قالوا: هلك أهل السماء فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم، فقال لهم عبد يا ليل بن عمرو: ويحكم أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها لم يهلك أهل السماء، وإنما هذا من أجل ابن أبي كبشة يعني محمداً فلما رأوها مستقرة كفّواً. وفزعت الجن والشياطين، ففي رواية السدي أنهم أتوا إبليس فأخبروه بما كان من أمرهم، فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها فأتوها فشمها فقال: صاحبكم بمكة فبعث نفراً من الجن.. وفي رواية ابن عباس: أنهم رجعوا إلى قومهم فقالوا: ما حال بيننا وبين السماء إلا أمر حدث في الأرض، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ففعلوا حتى أتوا تهامة، فوجدوا محمداً صلى الله عليه وسلم يقرأ. ثم اختلفوا لاختلافهم في السبب، هل شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن أم لا؟ فمن قال إنهم صرفوا إليه قال إنه رآهم وقرأ عليهم ودعاهم، روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : قد أمرت أن أتلو القرآن على الجن فمن يذهب معي؟ فسكتوا، ثم الثانية فسكتوا، ثم الثالثة، فقال ابن مسعود أنا أذهب معك، فانطلق حتى جاء الحجون عند شعب أبي دُب، فخط عليَّ خطاً ثم قال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل حتى غشوة فلم أره،تفسير : قال عكرمة: وكانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل. ومن قال إنهم صرفوا في مشارق الأرض ومغاربها لاستعلام ما حدث فيها، قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرها. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم علىالجن ولا رآهم، وإنما انطلق في نفر من أصحابه إلى سوق عكاظ، فأتوه وهو بنخلة عامداً، إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. قال عكرمة: السورة التي كان يقرؤها {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} واختلف قائلوا هذا القول في عددهم، فروى عاصم عن زر بن حبيش أنهم كانوا تسعة، أحدهم زوبعة، أتوه في بطن نخلة. وروى ابن جريج عن مجاهد: أنهم كانوا سبعة، ثلاثة من أهل حران، وأربعة من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم: حسى ومسى وماصر وشاصر والأرد وأتيان والأحقم. وحكى جويبر عن الضحاك أنهم كانوا تسعة من أهل نصيبين قرية باليمن غير التي بالعراق، وهم سليط وشاصر وماصر وحسا ومنشا ولحقم والأرقم والأرد وأتيان، وهم الذين قالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً، وكانوا قد أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة في صلاة الصبح فصلّوا معه: {فلما قضى ولّوْا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا أجيبوا داعي اللَّه وآمِنوا به}. وقيل إن الجن تعرف الإنس كلها فلذلك توسوس إلى كلامهم. واختلف في أصل الجن، فروى إسماعيل عن الحسن البصري أن الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون وهم شركاء في الثواب والعقاب فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً فهو ولي اللَّه، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان. وروى الضحاك عن ابن عباس: أن الجن هم ولد الجان وليسوا شياطين وهم يموتون، ومنهم المؤمن والكافر، والشياطين هم ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. أصلهم، فمن زعم أنهم من الجان لا من ذرية إبليس قال يدخلون الجنة بإيمانهم، ومن قال هم من ذرية إبليس فلهم فيها قولان: أحدهما: يدخلونها وهو قول الحسن. الثاني: وهو رواية مجاهد، لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. وفي قوله تعالى: {إنا سَمِعْنا قُرآنا عَجَباً} ثلاثة أوجه: أحدها: عجباً في فصاحة كلامه. الثاني: عجباً في بلاغة مواعظة. الثالث: عجباً في عظم بركته. {يَهْدِي إلى الرُّشْدِ} فيه وجهان: أحدهما: مراشد الأمور. الثاني: إلى معرفة اللَّه. {وأنّه تَعالى جَدُّ ربّنا} فيه عشرة تأويلات: أحدها: أمر ربنا، قاله السدي. الثاني: فعل ربنا، قاله ابن عباس. الثالث: ذكر ربنا، وهو قول مجاهد. الرابع: غنى ربنا، قاله عكرمة. الخامس: بلاء ربنا، قاله الحسن. السادس: مُلك ربنا وسلطانه، قاله أبو عبيدة. السابع: جلال ربنا وعظمته، قاله قتادة. الثامن: نعم ربنا على خلقه، رواه الضحاك. التاسع: تعالى جد ربنا أي تعالى ربُّنا، قاله سعيد بن جبير. العاشر: أنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أبو الأب، ويكون هذا من قول الجن عن [جهالة]. {وأنه كان يقولُ سَفيهُنا على اللَّهِ شَطَطاً} فيه قولان: أحدهما: جاهلنا وهم العصاة منا، قال قتادة: عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الإنس. الثاني: أنه إبليس، قاله مجاهد وقتادة ورواه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن قوله: " شططاً" وجهان: أحدهما: جوراً، وهو قول أبي مالك. الثاني: كذباً، قاله الكلبي، وأصل الشطط البعد، فعبر به عن الجور لبعده من العدل، وعن الكذب لبعده عن الصدق. {وأنّه كانَ رجالٌ من الإنسِ يَعُوذون برجالٍ من الجنِّ} قال ابن زيد: إنه كان الرجل في الجاهلية قبل الإسلام إذا نزل بواد قال: إني أعوذ بكبير هذا الوادي - يعني من الجن - من سفهاء قومه، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم، وهو معنى قوله: " وأنه كان رجال". وفي قوله: {فَزَادُوهم رَهقاً} ثمانية تأويلات: أحدها: طغياناً، قاله مجاهد. الثاني: إثماً، قاله ابن عباس وقتادة، قال الأعشى: شعر : لا شىءَ ينفعني مِن دُون رؤيتها هل يَشْتفي عاشقٌ ما لم يُصبْ رهَقاً. تفسير : يعني إثماً. الثالث: خوفاً، قاله أبو العالية والربيع وابن زيد. الرابع: كفراً، قاله سعيد بن جبير. الخامس: أذى، قاله السدي. السادس: غيّاً، قاله مقاتل. السابع: عظمة، قاله الكلبي. الثامن: سفهاً، حكاه ابن عيسى.

ابن عطية

تفسير : قرأ جمهور الناس "قل أوحي إلي" من أوحى يوحي. وقرأ أبو أُناس جوية بن عائذ: "قل أوحى إلي"، من وحى يحي ووحى وأوحى، بمعنى واحد، وقال العجاج: "وحى لها القرار فاستقرت". وقرأ أيضاً جوية فيما روى عنه الكسائي، "قل أحي" أبدلت الواو همزة كما أبدلوها في وسادة وإسادة، وغير ذلك وكذلك قرأ ابن أبي عبلة، وحكى الطبري عن عاصم أنه كان يكسر كل ألف في السورة من "أن" و "إن" إلا قوله تعالى: {أية : وأن المساجد لله} تفسير : [الجن: 18]. وحكي عن أبي عمرو أنه يكسر من أولها إلى قوله {أية : وإن لو استقاموا على الطريقة} تفسير : [الجن: 16] فإنه كان يفتح همزة وما بعدها إلى آخر السورة. فعلى ما حكي يلزم أن تكون الهمزة مكسورة في قوله "إنه استمع"، وليس ما ذكر بثابت. وذكر أبو علي الفارسي أن ابن كثير وأبا عمرو فتحا أربعة أحرف من السورة وكسرا غير ذلك {أنه استمع}، {أية : وإن لو استقاموا}تفسير : [الجن: 16]، {أية : وإن المساجد}تفسير : [الجن: 18]، {أية : وإنه لما قام} تفسير : [الجن: 19]، وأن نافعاً وعاصماً في رواية أبي بكر والمفضل وافقا في الثلاثة وكسرا {أية : وإنه لما قام} تفسير : [الجن: 19] مع سائر ما في السورة. وذكر أن ابن عامر وحمزة والكسائي كانوا يقرأون كل ما في السورة بالفتح إلا ما جاء بعد قول أو فاء جزاء، وكذلك حفص عن عاصم، فترتب إجماع القراء على فتح الألف من {أنه استمع} و "أن لو استقاموا" "وأن المساجد". وذكر الزهراوي عن علقمة أنه كان يفتح الألف في السورة كلها. واختلف الناس في الفتح من هذه الألفات وفي الكسر اختلافاً كثيراً يطول ذكره وحصره وتقصي معانيه. قال أبو حاتم: أما الفتح فعلى {أوحي}، فهو كله في موضع رفع على ما لم يسم فاعله. وأما الكسر فحكاية وابتداء وبعد القول. وهؤلاء النفر من الجن هم الذين صادفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ببطن نخلة في صلاة الصبح وهو يريد عكاظ. وقد تقدم قصصهم في سورة الأحقاف في تفسير قوله تعالى: {أية : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن} تفسير : [الأحقاف: 29]. وقول الجن: {إنا سمعنا} الآيات، هو خطاب منهم لقومهم الذين ولوا إليهم منذرين، و {قرآناً عجباً} معناه ذا عجب، لأن العجب مصدر يقع من سامع القرآن لبراعته وفصاحته ومضمناته، وليس نفس القرآن هو العجب. وقرأ جمهور الناس "إلى الرُّشْد" بضم الراء وسكون الشين. وقرأ عيسى الثقفي "إلى الرَّشَد" بفتح الراء والشين. وقرأ عيسى "إلى الرُّشد" ومن كسر الألف من قوله "وإنه تعالى" فعلى القطع ويعطف الجملة على قوله {إنا سمعنا}، ومن فتح الألف من قوله "وأنه تعالى" اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم هي عطف على {إنه استمع}، فيجيء على هذا قوله {تعالى} مما أمر أن يقول إنه أوحي إليه وليس يكون من كلام الجن، وفي هذا قلق. وقال بعضهم بل هي عطف على الضمير في {به} فكأنه يقول فآمنا به وبأنه تعالى. وهذا القول ليس في المعنى، لكن فيه من جهة النحو العطف على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض وذلك لا يحسن. وقرأ جمهور الناس "جدُّ ربنا" بفتح الجيم وضم الدال وإضافته إلى الرب، وقال جمهور المفسرين معناه عظمته. وروي عن أنس أنه قال: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد في أعيننا أي عظم. وقال أنس بن مالك والحسن: {جد ربنا} معناه، فهذا هو من الجد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولا ينفع ذا الجد منك الجد" تفسير : ،وقال مجاهد: ذكره كله متجه لأن الجد هو حظ المجدود من الخيرات والأوصاف الجميلة، فجد الله تعالى هو الحظ الأكمل من السلطان الباهر والصفات العلية والعظمة، ومن هذا قول اليهودي حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة: "يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون" أي حظكم من الخيرات وبختكم. وقال علي بن الحسين رضي الله عنه وأبو جعفر الباقر وابنه جعفر والربيع بن أنس ليس لله جد، وهذه مقالة قوم جهلة من الجن، جعلوا الله جداً أبا أب. قال كثير من المفسرين هذا قول ضعيف. وقوله: {ولن نشرك بربنا أحداً} يدفعه، وكونهم فيما روي على شريعة متقدمة وفهمهم للقرآن. وقرأ محمد بن السميفع اليماني "جِد ربنا" وهو من الجد والنفع. وقرأ عكرمة "جَدٌّ ربُّنا" بفتح الجيم وضم الدال وتنوينه ورفع الرب كأنه يقول تعالى عظيم هو ربنا فـ "ربنا" بدل والجد العظيم في اللغة. وقرأ حميد بن قيس "جُد ربنا" بضم الجيم. ومعناه ربنا العظيم حكاه سيبويه وبإضافته إلى الرب فكأنه قال عظيم، وهذه إضافة تجديد يوقع النحاة هذا الاسم إذا أضيفت الصفة إلى الموصوف، كما تقول جاءني كريم زيد تريد زيداً الكريم ويجري مجرى هذا عند بعضهم. قول المتنبي [البسيط] شعر : عظيم الملك في المقل تفسير : أراد الملك العظيم قال بعض النحاة، وهذا المثال يعترض بأنه أضاف إلى جنس فيه العظيم والحقير، وقرأ عكرمة أيضاً "جَداً ربُّنا" بفتح الجيم والدال وتنوينها ورفع الرب ونصب "جداً" على التمييز كما تقول تفقأت شحماً وتصببت عرقاً، وقرأ قتادة "جِداً ربُّنا" بكسر الجيم ورفع الباء وشد الدال، فنصب جداً على الحال ومعناه تعالى حقيقة ومتمكناً. وهذا معنى غير الأول، وقرأ أبو الدرداء "تعالى ذكر ربنا"، وروي عنه "تعالى جلال ربنا". وقوله تعالى: {وإنه كان يقول} لا خلاف أن هذا من قول الجن، وكسر الألف فيه أبين وفتحها لا وجه له إلا اتباع العطف على الضمير. كأنهم قالوا الآن بأن {سفيهنا} كان قوله {شططاً}. والسفيه المذكور قال جميع المفسرين هو إبليس لعنه الله. وقال آخرون هو اسم جنس لكل سفيه منهم. ولا محالة أن إبليس صدر في السفهاء وهذا القول أحسن. والشطط: التعدي وتجاوز الحد بقول أو فعل ومنه قول الأعشى: [البسيط] شعر : أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل تفسير : وقوله تعالى: {وإنا ظننا} هو كلام أولئك النفر لا يحتمل غير ذلك، وكسر الألف فيه أبين. والمعنى: إنا كنا نظن قبل إيماننا أن الأقوال التي تسمع من إبليس وغواة الجن والإنس في جهة الآلهة وما يتعلق بذلك حق وليست بكذب، لأنا كنا نظن بهم أنهم لا يكذبون على الله ولا يرضون ذلك. وقرأ جمهور الناس "تقول". وقرأ الحسن والجحدري وابن أبي بكرة ويعقوب "تَقوَّلَ" بفتح القاف والواو وشد الواو، والتقول خاص بالكذب، والقول عام له وللصدق، ولكن قولهم {كذباً} يرد القول هنا معنى التقول.

ابن عبد السلام

تفسير : {اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ} القرآن صرفهم الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن أو منعوا من استراق السمع ورموا بالشهب ولم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين له ظاهر فأتوا إبليس فأخبروه فقال ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها فأتوه فشمها فقال صاحبكم بمكة أو رجعوا إلى قومهم فقالوا ما حال بيننا وبين خبر السماء إلا حدث في الأرض فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ففعلوا حتى أتوا تهامة فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ "ع". فمن قال صرفوا إليه ذكر أنه رآهم ودعاهم وقرأ عليهم ومن قال ضربوا مشارق الأرض ومغاربها قال لم يرهم ولم يقرأ عليهم بل أتوه بنخلة عامداً إلى سوق عكاظ وهو يصلي بنفرٍ من أصحابه الصبح فلما سمعوا القرآن قالوا هذا الذي حالَ بيننا وبين خبر السماء "ع" وكانت قراءته {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وكانوا تسعة أحدهم زوبعة أو سبعة ثلاثة من حرَّان وأربعة من نصيبين أو تسعة من أهل نصيبين قرية باليمن غير التي بالعراق فَصَلَّوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم الصبح ثم ولَّوْا إلى قومهم منذرين. قيل الجن تعرف الإنس كلها فلذلك توسوس إلى كلامه قال ابن عباس رضي الله ـ تعالى ـ عنهما الجن من ولد الجان منهم المؤمن والكافر وليسوا شياطين والشياطين من ولد إبليس ولا يموتون إلا مع إبليس ويدخل مؤمنو الجن الجنة وقال الحسن رضي الله ـ تعالى ـ عنه هم ولد الجان والإنس ولد آدم عليه الصلاة السلام فمن الجن الإنس المؤمن والكافر يثابون ويعاقبون فمؤمن الطائفتين ولي الله ـ تعالى ـ وكافرهما شيطان ويدخلون الجنة بإيمانهم "ح" أو لا يدخلها الجان وإن صرفوا عن النار قاله مجاهد {عَجَباً} في فصاحته أو في بلاغة مواعظه أو في عظم بركته.

النسفي

تفسير : {قُلْ } يا محمد لأمتك {أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ } أن الأمر والشأن. أجمعوا على فتح {أَنَّهُ } لأنه فاعل {أَوْحَىٰ } و{أَن لَّوْ ٱسْتَقَـٰمُواْ } و {أَن ٱلْمَسَـٰجد}للعطف على {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ } فـ «أن» مخفقة من الثقيلة و {أَن قَدْ أَبْلَغُواْ } لتعدي {يَعْلَمْ } إليها، وعلى كسر ما بعد فاء الجزاء وبعد القول نحو {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } {وَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا } لأنه مبتدأ محكي بعد القول، واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من {أَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبّنَا } إلى {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ } ففتحها شامي وكوفي غير أبي بكر عطفاً على {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ } أو على محل الجار والمجرور في {آمَنا بِهِ} تقديره: صدقناه وصدقنا {أَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبّنَا } {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } إلى آخرها، وكسرها غيرهم عطفاً على {إِنَّا سَمِعْنَا } وهم يقفون على آخر الآيات {ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ } جماعة من الثلاثة إلى العشرة {مّن ٱلْجِنّ } جن نصيبين {فَقَالُواْ } لقومهم حين رجعوا إليهم من استماع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَاً عَجَباً } عجيباً بديعاً مبايناً لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه. والعجب ما يكون خارجاً عن العادة، وهو مصدر وضع موضع العجيب {يَهْدِى إِلَى ٱلرُّشْدِ } يدعوا إلى الصواب أو إلى التوحيد والإيمان {فَآمَنا بِهِ} بالقرآن. ولما كان الإيمان به إيماناً بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا {وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً } من خلقه، وجاز أن يكون الضمير في {بِهِ } لله تعالى لأن قوله {بِرَبّنَا } يفسره. {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبّنَا } عظمته. يقال: جد فلان في عيني أي عظم، ومنه قول عمر أو أنس: كان الرجل إذ قرأ البقرة وآل عمران جد فينا أي عظم في عيوننا {مَا ٱتَّخَذَ صَـٰحِبَةٌ } زوجة {وَلاَ وَلَداً } كما يقول كفار الجن والإنس {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } جاهلنا أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه {عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً } كفراً لبعده عن الصواب من شطت الدار أي بعدت، أو قولاً يجوز فيه عن الحق وهو نسبة الصاحبة والولد إليه، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } قولاً كذباً، أو مكذوباً فيه، أو نصب على المصدر إذ الكذب نوع من القول أي كان في ظننا أن أحداً لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد إليه فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم؛ كان الرجل من العرب إذا نزل بمخوف من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد كبير الجن فقال {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ ٱلْجِنّ فَزَادوهُمْ } أي زاد الإنس الجن باستعاذتهم بهم {رَهَقاً } طغياناً وسفهاً وكبراً بأن قالوا: سدنا الجن الإنس أو فزاد الجن الإنس رهقاً إثماً لاستعاذتهم بهم، وأصل الرهق غشيان المحظور {وَأَنَّهُمْ } وأن الجن {ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ } يا أهل مكة {أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً } بعد الموت أي أن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم، ثم بسماع القرآن اهتدوا وأقروا بالبعث فهلا أقررتم كما أقروا. {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ} طلبنا بلوغ السماء واستماع أهلها، واللمس. المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف {فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً } جمعاً أقوياء من الملائكة يحرسون: جمع حارس، ونصب على التمييز. وقيل: الحرس اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى الخدام ولذا وصف بشديد ولو نظر إلى معناه لقيل شداداً {وَشُهُباً } جمع شهاب أي كواكب مضيئة. {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا } من السماء قبل هذا {مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ } لاستماع أخبار السماء يعني كنا نجد بعض السماء خالية من الحرس والشهب قبل المبعث {فَمَن يَسْتَمِعِ } يرد الاستماع {ٱلآنَ} بعد المبعث {يَجِدْ لَهُ } لنفسه {شِهَاباً رَّصَداً } صفة لـ {شِهَاباً } بمعنى الراصد أي يجد شهاباً راصداً له ولأجله، أو هو اسم جمع للراصد على معنى ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع، والجمهور على أن ذلك لم يكن قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: كان الرجم في الجاهلية ولكن الشياطين كانت تسترق السمع في بعض الأوقات فمنعوا من الاستراق أصلاً بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن} اختلف الناس قديماً وحديثاً في ثبوت وجود الجن فأنكر وجودهم معظم الفلاسفة، واعترف بوجودهم جمع منهم وسموهم بالأرواح السفلية، وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية إلا أنهم أضعف. وأما جمهور أرباب الملل وهم أتباع الرسل والشرائع فقد اعترفوا بوجود الجن لكن اختلفوا في ماهيتهم، فقيل الجن حيوان هوائي يتشكل بأشكال مختلفة، وقيل إنها جواهر وليست بأجسام ولا أعراض ثم هذه الجواهر أنواع مختلفة بالماهية فبعضها خيرة كريمة محبة للخيرات وبعضها دنيئة خسيسة شريرة محبة للشرور والآفات ولا يعلم عدة أنواعهم إلا الله تعالى، وقيل إنهم أجسام مختلفة الماهية لكن تجمعهم صفة واحدة وهي كونهم حاصلون في الحيز موصوفون بالطول والعرض والعمق، وينقسمون إلى لطيف وكثيف وعلوي وسفلي ولا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الأجسام في الماهية وأن يكون لها علم مخصوص وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة أو شاقة يعجز البشر عن مثلها. وقد يتشكلون بأشكال مختلفة وذلك بإقدار الله تعالى إياهم على ذلك، وقيل إن الأجسام متساوية في تمام الماهية وليست البنية شرطاً للحياة وهذا قول الأشعري وجمهور أتباعه، وشذ تأويل المعتزلة من هذه الأمة فأنكروا وجود الجن وقالوا البنية شرط للحياة وإنه لا بد من صلابة البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة، وهذا قول منكر وصاحب هذا القول ينكر خرق العادات ورد ما ثبت وجوده بنص الكتاب والسنة. (فصل) اختلف الرواة هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم الجن فأثبتها ابن مسعود فيما رواه عنه مسلم في صحيحه وقد تقدم حديثه في تفسير سورة الأحقاف عند قوله تعالى: {أية : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن} تفسير : [الأَحقاف: 29] وأنكرها ابن عباس فيما رواه عنه البخاري ومسلم. قال ابن عباس "ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسل عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم فقيل حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب؟ قالوا وما ذاك إلا من شيء قد حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا {يا قومنا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً} فأنزل الله تعالى على نبيه {قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن} زاد في رواية "وإنما أوحي إليه قول الجن" أخرجاه في الصحيحين، قال القرطبي في شرح مسلم في حديث ابن عباس هذا معناه أنه لم يقصدهم بالقراءة بل لما تفرقوا يطلبون الخبر الذي حال بينهم وبين استراق السمع، صادف هؤلاء النفر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه وعلى هذا فهو صلى الله عليه وسلم لم يعلم باستماعهم ولم يكلمهم وإنما أعلمه الله عز وجل بما أوحي إليه من قوله قل أوحى إليّ أنه استمع نفر من الجن وأما حديث ابن مسعود فقضية أخرى وجن آخرون. والحاصل من الكتاب والسنة العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون متعبدون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليق بخلقتهم وبحالهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رسول إلى الإنس والجن فمن دخل في دينه فهو من المؤمنين ومعهم في الدنيا والآخرة والجنة، ومن كفر به فهو من الشياطين المبعدين المعذبين فيها والنار مستقره. وهذا الحديث يقتضي أن الرجم بالنجوم ولم يكن قبل المبعث. وذهب قوم إلى أنه كان قبل مبعثه وآخرون إلى أنه كان لكن زاد بهذا المبعث وبهذا القول يرتفع التعارض بين الحديثين هذا آخر كلام القرطبي والله أعلم. عكاظ سويقة معروفة بقرب مكة كان العرب يقصدونها في كل سنة مرة في الجاهلية وأول الإسلام وتهامة كل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز سميت تهامة لتغير هوائها. ومكة من تهامة معدودة ونخلة واد من أودية مكة قريب منها. وأما التفسير فقوله سبحانه وتعالى: {قل أوحي إليّ} أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يظهر لأصحابه واقعة الجن وكما أنه مبعوث إلى الإنس فهو أيضاً مبعوث إلى الجن لتعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن عرفوا إعجازه فآمنوا به وقوله استمع نفر من الجن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة قيل كانوا تسعة من جن نصيبين. وقيل سبعة سمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم {فقالوا} أي لما رجعوا إلى قومهم، {إنا سمعنا قرآناً عجباً} قال ابن عباس رضي الله عنهما بليغاً أي ذا عجب يعجب منه لبلاغته وفصاحته {يهدي إلى الرشد} أي يدعو إلى الصواب يعني التوحيد والإيمان {فآمنا به} أي بالقرآن {ولن نشرك بربنا أحداً} أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك. وفيه دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين قيل كانوا يهوداً وقيل كانوا نصارى وقيل كانوا مجوساً ومشركين {وأنه تعالى جد ربنا} أي جلال ربنا وعظمته، ومنه قول أنس "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا" أي عم قدره وقيل الجد الغنى. ومنه الحديث "حديث : ولا ينفع ذا الجد منك الجد" تفسير : أي لا ينفع ذا الغنى غناه. وقال ابن عباس: عظمت قدرة ربنا وقيل أمر ربنا وقيل فعله وقيل آلاؤه ونعماؤه على خلقه وقيل علا ملك ربنا {ما اتخذ صاحبة ولا ولداً} أي أنه تعالى جلال ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولداً لأن الصاحبة تتخذ للحاجة والولد للاستئناس به والله تعالى منزه عن كل نقص {وأنه كان يقول سفيهنا} يعني جاهلنا قيل هو إبليس {على الله شططاً} أي كذباً وعدواناً وهو وصفه تعالى بالشريك والولد أي الشطط وهو مجاوزة الحد في كل شيء.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {وأنه تعالى} إلى قوله {وأنا منا المسلمون} بالفتح: يزيد وابن عامر وحمزة وعلي وخلف وحفص. والمشهور عن أبي جعفر أنه كان يفتح الألف في سبعة مواضع {أنه} {وأنه} في خمسة مواضع، واثنين في قوله {وأن لو استقاموا} {وأن المساجد} وهما بالفتح لا غير بالإتفاق. {تقول الإنس} بالتشديد من التفعل: يعقوب {يسلكه} على الغيبة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب الباقون: بالنون {وإنه لما قام} بالكسر: نافع وأبو بكر وحماد {لبداً} بالضم: هشام. {قل إنما أدعو} على الأمر: عاصم وحمزة ويزيد الآخرون {قال} على صيغة الماضي والضمير لعبد الله {ربي أمداً} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو {ليعلم} مبنياً للمفعول: يعقوب. الوقوف: {عجباً} ه لا {فآمنا به} ط للعدول عن الماضي المثبت إلى ضدهما. ثم الوقف على الآيات التي بعد أن جائز ضرورة انقطاع النفس والوقف في قراءة الكسر أجوز {أحداً} ه {ولا ولداً} ه {شططاً} ه لا {رهقاً} ه {أحداً} ه {وشهباً} ه {للسمع} ط {رصداً} ه {رشداً} ه {ذلك} ط {قدداً} ه {هرباً} ه {آمنا به} ط {رهقاً} ه {ومنا القاسطون} ه ط للابتداء بالشرط {رشداً} ه {حطباً} ه لا {غدقاً} ه لا {فيه} ج {صعداً} ه {أحداً} ه لمن قرأ {وأنه} بالفتح {لبداً} ه {أحداً} ه {رشداً} ه {ملتحداً} ه {ورسالاته} ط {أبداً} ه لا لأن حتى للابتداء بما بعدها {عدداً} ه لا {أمداً} ه {أحداً} ه لا {رصداً} ه {عدداً} ه. التفسير: روى يونس وهارون عن أبي عمرو {وحي} بضم الواو من غير ألف. والوحي والإيحاء بمعنى وهو إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء وسرعة كالإلهام وإنزال الملك وقد مر مراراً. وقرىء {أحي} بقلب الواو همزة. والكلام في الجنِّ اسماً وحقيقته قد سلف في الاستعاذة وكذا بيان اختلاف الروايات أنه صلى الله عليه وسلم هل رأى الجن أم لا، وذلك في آخر سورة " حم الأحقاف ". والذي أزيده ههنا ما ذكره بعض حكماء الإسلام أنه لا يبعد أن تكون الجن أرواحاً مجردة كالنفوس الناطقة، ثم يكون لكل واحد منهم تعلق بجزء من أجزاء الهواء كما أن أول متعلق النفس الناطقة هو الروح الحيوني في القلب، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل التدبير والتصرف فيه كما للنفس الناطقة في البدن، ومنهم من جوز أن يكون الجن عبارة عن النفوس الناطقة التي فارقت أبدان الإنسان فتتصرف فيما يناسبها من الأرواح البشرية التي لم تفارق بعد فتعينها بالإلهام إن كانت خيرة، وبالوسوسة إن كانت بالضد. أما الذاهبون إلى أن الجن أجسام فمنهم الأشاعرة القائلون بأن البنية ليست شرطاً في الحياة وأنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة على أعمال شاقة، فعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة وسواء كان أجزاؤهم صغاراً أو كباراً. ثم الأمر بالخروج إليهم وقراءة القرآن عليهم لا أنه رآهم وعرف جوابهم. والله تعالى أوحى في هذه السورة. ومنهم من قال: البنية شرط وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة. ومن الأولين من جوز أن يكون المرئي حاضراً والشرائط حاصلة والموانع مرتفعة، ثم أنا لا نراه. وأعلم أن ما ذكرنا في تفسير الأحقاف عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم ما رأة الجن. وعن ابن مسعود أنه رآهم. فالجمع بين القولين أن ما ذكره ابن عباس لعله وقع أولاً فأوحى الله إليه في هذه السورة أنهم قالوا كذا وكذا، أو رآهم وسمع كلامهم وآمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم وذكروا لقومهم على سبيل الحكاية {أنا سمعنا قرآناً عجباً} إلى آخره كقوله في " الأحقاف " {أية : فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين} تفسير : [الآية: 29] أوحى الله تعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما جري بينهم وبين قومهم. والفائدة فيه أن يعلم أنه مبعوث إلى الثقلين وأن الجن مكلفون كالأنس وأنهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا، وأن المؤمن منهم يدعو سائرهم إلى الإيمان. وأجمع القراء على فتح {أنه استمع} لأنه فاعل {أوحي} وكذا على فتح {وأن لو استقاموا} {وأن المساجد} لأنه يعلم بالوحي فهما معطوفان على {أنه استمع} وأجمعوا على كسر {إنا} في قوله {إنا سمعنا} لأنه وقع بعد القول. وفي البواقي خلاف، فمن كسر فمحمول على مقول القول وأنه صريح من كلام الجن، ومن فتح فعلى أنه فاعل {أوحى} ولا بد من تقدير ما في الحكاية ليكون حكاية كلام الجن كأنه قيل: وحكوا أنه تعالى جد ربنا إلى آخره إلا في قوله {وأنه لما قام عبد الله} فإنه كاللذين تقدماه يصح وقوعه فاعل {أوحي} من غير تقدير، وجوز صاحب الكشاف فيمن قرأ بفتح الكل في قوله {وأنه تعالى جد ربنا} {وأنه كان يقول سفيهنا} وكذلك البواقي أن يكون معنا صدقنا. قلت: وفيه نظر لنبوه عن الطبع في أكثر المواضع إذ لا معنى لقول القائل مثلا: صدقنا أنا لمسنا السماء وصدقنا أنا لما سمعنا الهدى آمنا به. وبالجملة فكلامه في هذا المقام غير واضح ولا لائق بفضله.قوله سبحانه {عجباً} مصدر وضع موضع الوصف للمبالغة أي قرآناً عجباً بديعاً خارجاً عن حد أشكاله بحسن مبانيه وصحة معانية {يهدي إلى الرشد} أي الصواب أو التوحيد والإيمان {فآمنا به} لأن الإيمان بالقرآن إيمان بكل ما فيه من التوحيد والنبوة والمعاد، ويجوز أن يكون الضمير لله لأن قوله {ولن نشرك بربنا} يدل عليه بعد دلالة الحال ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك. ذكر الحسن أن فيهم يهود ونصارى ومجوساً ومشركين. قلت: ومما يدل على أن فيهم نصارى قوله تعالى {وأنه تعالى جد ربنا} أي عظمته مكن قولهم " جد فلان في عيني " أي عظم. وفي حديث عمر كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا. ويحتمل أن يراد ملكه وسلطانه أو غناه استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء المجودون. وفي الحديث " حديث : لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ "تفسير : قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه. وفي حديث آخر "حديث : قمت على باب الجنة فإذا غلقه من يدخلها من الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون "تفسير : يعني أصحاب الغنى في الدنيا أي ارتفع غنى ربنا عن الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد كأنهم بسماع القرآن تنبهوا على خطا أهل الشرك من أهل الكتاب وغيرهم. فقوله {ما اتخذ} بيان للأول. وقيل: الجد أبو الأب وإن علا فهو مجاز عن الأصل أي تعالى أصل ربنا وهو حقيقته المخصوصة عن جميع جهات التعلق بالغير قاله الإمام في التفسير الكبير. النوع الثالث مما ذكره الجن قوله {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً} السفه خفة العقل، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولاً هو في نفسه شطط، وصف بالمصدر للمبالغة. والسفيه إبليس أو غيره من مردة الجن الذين جاوزا الحد في طرف النفي إلى أن أفضى إلى التعطيل، أو في طرف الإثبات إلى أن أدى إلى الشريك والصاحبة والولد. الرابع {وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً} أي إنما أخذنا قول الغير لأنا ظننا أن لا يفتري الكذب على الله أحد، فلما سمعنا القرآن عرفنا أنهم قد يكذبون. وقال جار الله {كذباً} صفة أي قولاً مكذوباً فيه، أو مصدر لأن الكذب نوع من القول. ومن قرأ بالتشديد وضع {كذباً} موضع تقولا ولم يجعله صفة لأن التقول لا يكون إلا كذباً. قال بعض العلماء: فيه ذم لطريقة أهل الطريق وحث على الاستدلال والنظر. الخامس {وأنه كان رجال من الإنس} الآية. قال جمهور المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في واد قفر خاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت في جوار منهم حتى يصبح. وقال آخرون: إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي أن يصيبنا آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما أفزعهم الجن فهربوا. وقيل: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً لكن من شر الجن كأن يقول مثلاً: أعوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم من شر جن هذا الوادي. وإنما ذهبوا إلى هذا التأويل ظناً منهم بأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وضعف بأنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلاً. أما قوله {فزادوهم رهقاً} فمعناه أن الإنس لاستعاذتهم بهم زادوهم إثماً وجراءة وطغياناً وكبراً لأنهم إذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس. وقيل: ضمير الفاعل للجن أي فزاد الجن الإنس خوفاً وغشيان شر بإغوائهم وإضلالهم فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استولوا واجترؤا عليهم. السادس {وأنهم} أي الإنس {ظنوا كما ظننتم} أيها الجن قاله بعضهم لبعض. وقيل: هذه الآية والتي قبلها من جملة الوحي بلا تقدير الحكاية. والضمير في {وأنهم} للجن، والخطاب في {ظننتم} لأهل مكة. والأولى أن يكون الكلام من كلام الجن لئلا يقع كلام أجنبي في البين. السابع {وأنا لمسنا السماء} قال أهل البيان: اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب التعرف، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها. والحرس إسم مفرد في معنى الحراس كالخدم بمعنى الخدام ولها لم يقل شداد. الثامن {وأنا كنا نقعد منها مقاعد} إلى آخره وفي قوله {شهاباً رصداً} وجوه: قال مقاتل: يعني رمياً بالشهب ورصداً من الملائكة وهو اسم جمع كما قلنا في حرس. فقوله {رصداً} كالخبر بعد الخبر وقال الفراء: هو فعل بمعنى مفعول أي شهاباً قد رصد ليرجم به. وقيل: بمعنى فاعل أي شهاباً راصداً لأجله. واعلم أنا قد بينا في هذا الكتاب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم وقد جاء ذكرها في الجاهلية وفي كتب الفلاسفة، وإنما غلظت وشدد أمرها عند البعث لئلا يتشوش أمر الوحي بسبب تخليط الكهنة. وفي قوله {كنا نقعد منها مقاعد} إشارة إلى أن الجنّ كانوا يجدون بعض المقاعد خالية عن الشهب والحرس والآن ملئت المقاعد كلها. التاسع {وأنا لا ندري} الآية. وفيه قولان: أحدهما لا ندري أن المقصود من منع الإستراق شر أريد بمن في الأرض أم خير وصلاح. وثانيهما لا نعلم أن المقصود من إرسال محمد الذي وقع المنع من الإستراق لأجله هو أن يكذبوه فيهلكوا كما هلك المكذبون من الأمم السالفة، أو أن يؤمنوا فيهتدوا، وفيه اعتراف من الجن بأنهم لا يعلمون الغيب على الإطلاق. العاشر {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك} أي قوم أدون حالاً في الصلاح من المذكورين حذف الموصوف واكتفى بالصفة كما في قوله {أية : وما منا الإله مقام معلوم} تفسير : [الصافات: 164] وهذا القسم يشمل المقتصدين والصالحين. وقوله {كنا طرائق قدداً} بيان للقسمة المذكورة، فالطرائق جمع الطريقة بمعنى السيرة والمذهب، والقدد جمع قدة من قد كالقطعة من قطع أي كنا قبل الإسلام ذوي مذاهب متفرقة مختلفة أوعلى حذف المضاف أي كانت طرائقنا طرائق قدد، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة. الحادي عشر {وأنا ظننا} أي تيقنا وقد استعمل الظن الغالب مكان اليقين {أن لن نعجز الله في الأرض} إن أراد بنا أمر {ولن نعجزه هرباً} أي هاربين أو بسبب الهرب إن طلبنا وفيه إقرار منهم بأن الله غالب على كل شيء. الثاني عشر {وأنا لما سمعنا الهدى} الآية. عنوا سماعهم القرآن وإيمانهم به. وقوله {فلا يخاف} في تقدير مبتدأ أو خبر أي فهو لا يخاف وإلا قيل بالجزم وبدون الفاء، والفائدة في هذا المساق تحقيق أن المؤمن ناجٍ لا محالة كأنه وقع فأخبر أنه لا يخاف ودلالة على أنه هو المختص بذلك دون غيره إذ يعلم من بناء الكلام على الضمير أن غيره خائف. وقوله {بخساً ولا رهقاً} على حذف المضاف أي جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهق ظلم أحد، وفيه أن المؤمن ينبغي أن يكون غير باخس ولا ظالماً. ويجوز أن يراد لا يخاف البخس من الله لأنه يجزي الجزاء الأحسن الأوفر ولا ترهقه ذلة. الثالث عشر {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون} أي الجائرون عن طريق الحق بالكفر والعدوان وهو قريب من العاشر إلا أن في هذا النوع تفصيل جزاء الفريقين فذكر الإيعاد صريحاً وفي الوعد اقتصر على ذكر سببه وهو تحري الرشد أي طلب الصواب المستتبع للثواب. قال المبرد: أصل التحري من قولهم ذلك أحرى وأحق وأقرب. وقال أبو عبيدة: تحروا توخوا. وفي العدول عن الحقيقة إلى المجاز في جانب الوعد بشارة وإشارة إلى تحقيق الثواب لما عرفت مراراً أن المجاز أبلغ من الحقيقة. قوله {وأن لو استقاموا} معطوف على {إنه استمع} كما مر ومعناه أوحى إليّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريق المثلى. وجوز جمع من المفسرين أن يعود الضمير في {استقاموا} إلى الأنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بهم لا بالجن، ولأن الآية روي أنها نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين. وزعم القاضي أن الثقلين. يدخلون في الآية لأنه أثبت حكماً معللاً بعلة وهو الاستقامة فوجب أن يعم الحكم بعموم العلة. وأما قول من يقول إن الضمير عائد إلى الجن فله معنيان: أحدهما لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم. وذكر الماء الغدق وهو الكثير كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع لأنه أصل البركات، فتكون الآية نظير قوله {أية : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم} تفسير : [المائدة: 65] وثانيهما لو استقام الجن الذين استمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الإستماع ولو ينتقلوا عنها إلى الإسلام لو سعنا عليهم الرزق في الدنيا ليذهبوا بطيباتهم في الحياة الفانية {أية : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا} تفسير : [الزخرف: 33] إلى آخره. وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس فالوجهان جاريان فيه بعينهما. وعن أبي مسلم: إن المراد بالماء الغدق جنات تجري من تحتها الأنهار يعني في الجنة. واحتجاج الأشاعرة بقوله {لنفتنهم} على أنه سبحانه هو الذي يضل عباده ويوقعهم في الفتن والمحن. والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هنا بمعنى الاختبار كقوله {أية : ليبلوكم}تفسير : [الملك: 2] ثم بين وعيد المعرضين عن عبادة الله ووحيه. وانتصب {عذاباً صعداً} على حذف الجار أي في عذاب صعد كقوله {أية : ما سلككم في سقر} تفسير : [المدثر: 42] أو على تضمين معنى الإدخال. الصعد مصدر بمعنى الصعود، ووصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. وقد روى عكرمة عن ابن عباس أن {صعداً} جبل في جهنم من صخرة ملساء يكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، وإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسلفها ثم يكلف الصعود مرة أخرى، وهكذا أبداً ومن جملة الوحي قوله {وأن المساجد لله} ذهب الخليل أن الجار محذوف ومتعلقه ما بعده أي ولأجل أن المساجد لله خاصة {فلا تدعوا مع الله أحداً} فيها عن الحسن عني بالمساجد الأرض كلها لأنها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجداً وهو مناسب لمدح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام أي كما أنه مفضل على الأنبياء ببعثه إلى الثقلين فكذلك خص بهذا المعجز الآخر. وقال جمع كثير من المفسرين: إنها كل موضع بني للصلاة ويشمل مساجدنا والبيع والكنائس أيضاً. قال قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا بالإخلاص والتوحيد وعن الحسن أيضاً أن المساجد جمع مسجد بالفتح فيكون مصدراً بمعنى السجود. وعلى هذا قال سعيد بن جبير: المضاف محذوف أي مواضع السجود من الجسد لله وهي الآراب السبعة: الوجه والكفان والركبتان والقدمان. وقال عطاء عن ابن عباس: هي مكة بجميع ما فيها من المساجد، وأنها قبة الدنيا فكل أحد يسجد إليها. قال الحسن: من السنة أن الرجل إذا دخل المسجد أن يقول " لا إله إلا الله " لأن قوله {لا تدعوا مع الله أحداً} في ضمنه أمر بذكر الله بدعائه. قوله {وأنه لما قام عبد الله} هو النبي باتفاق المفسرين. ثم قال الواحدي: هذا من كلام الجن لأن الرسول لا يليق به أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة. ولا يخفى ضعفه فإنه وارد على طريق التواضع والأدب في الإفتخار بالانتساب إلى عبودية المعبود الحق، وهذا طريق مسلوك في المحاورات والمكاتبات. يقولون: عبدك كذا وكذا دون أن يقال " فعلت كذا ". وفي تخصيص هذا اللفظ بالمقام دون الرسول والنبي نكتة أخرى لطيفة هي أن ما قبله النهي عن عبادة غير الله وما بعده ذكر عبادة النبي إياه. فإن كان هذا من جملة الوحي فلا إشكال في النسق، وإن كان من كلام الجن وفرض أن ما قبل قوله {وأن لو استقاموا} أيضاً من كلامهم كانت الآيتان المتوسطتان كالاعتراض بين طائفتي كلام الجن. ومناسبة الاستقامة على الطريقة وتخصيص المساجد بعبادة الله وحده لما قبلها ظاهرة فلا اعتراض على هذا الاعتراض. وفي قوله {كادوا} ثلاثة أوجه أظهرها أن الضمير للجن، والقيام قيام النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته متزاحمين عليه متراكمين تعجباً مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه. والثاني بأن الضمير للمشركين والمعنى لما قام رسولاً يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين كاد المشركون لتظاهرهم عليه يزدحمون على عداوته ودفعه. والثالث قول قتادة أي لما قام عبد الله تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره. و{لبداً} جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد. والتركيب يدور على الإجتماع ومنه اللبد. ومن قرأ {قل إنما أدعو} فظاهر وهو أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول لأمته المتظاهرين أو للجن عند ازدحامهم: ليس ما ترون من عبادتي ربي بأمر بديع وإنما يتعجب ممن يدعو غير الله وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام الجن لقومهم حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أمر أن يخبر أمته بكلمات قاطعة للأسباب والوسائل سوى الإيمان والعمل الصالح. والرشد بمعنى النفع، والضر بمعن الغي، وكل منها إمارة على ضده. ثم من ههنا إلى قوله {إلا بلاغاً} اعتراض أكد به نفي الاستطاعة وإثبات العجز على معنى أن الله إن أراد به سوأ لن يخلصه منه أحد ولن يجد من غير الله ملاذاً ينحرف إليه. والمقصود أني لا أملك شيئاً إلا البلاغ الكائن من الله ورسالاته، فالجار صفة لا صلة لأن التبليغ إنما يعدى بـ " عن " قال صلى الله عليه وسلم "حديث : بلغوا عني ولو آية "تفسير : قال الزجاج: انتصب {بلاغاً} على البدل أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به. قلت: على هذا جاز أن يكون استثناء منقطعاً. وقيل: أن لا أبلغ بلاغاً لم أجد ملتحداً كقولك " أن لا قياماً فقعوداً ". استدل جمهور المعتزلة بقوله {ومن يعص الله} الآية. على أن الفساق من أهل القبلة مخلدون في النار، ولا يمكن حمل الخلود على المكث الطويل لاقترانه بقوله {أبداً} وأجيب بأن الحديث في التبليغ عن الله فلم لا يجوز أن تكون هذه القرينة مخصصة؟ أي ومن يعص الله في تبليغ رسالته وأداء وحيه، ومما يقوي هذه القرينة أن سائر عمومات الوعيد لم يقرن بها لفظ {أبداً} فلا بد لتخصيص المقام بها من فائدة وما هي إلا أن التقصير في التبيلغ أعظم الذنوب. وقد يجاب أيضاً بأن قوله {ومن يعص الله} لا يحتمل أن يجري على عمومه كأن يراد ومن يعص الله بجميع أنواع المعاصي. فمن المحال أن يقول شخص واحد بالتجسيم وبالتعطيل، وإذا صار هذا العام مخصصاً بدليل العقل فلم لا يجوز أن يتطرق إليه تخصيص آخر كأن يقال: ومن يعص اله بالكفر. وحينئذ لا يبقى للخصم شبهة بل نقول: لا حاجة إلى التزام تخصيص آخر، فإن الآتي بالكفر آت بجميع المعاصي الممكنة الجمع. قال جار الله: {حتى إذا} متعلق بقوله {يكونون عليه لبداً} أي يتظاهرون عليه بالعداوة إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة حين يعلم يقيناً أن الكافر أضعف الفريقين. وجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا. ثم أمره بأن يفوّض علم تعيين الساعة إلى الله لأنه عالم الغيب {ومن رسول} بيان {لمن ارتضى} وفيه أن الإنسان المرتضى للنبوة قد يطلعه الله تعالى على بعض غيوبه، وعلم الكهنة والمنجمين ظن وتخمين فلا يدخل فيه، وعلم الأولياء إلهامي لا يقوى قوة علوم الأنبياء كنور القمر بالنسبة إلى ضياء الشمس. وههنا أسرار لا أحب إظهارها فلنرجع إلى التفسير. قوله {فإنه يسلكه} الأكثرون على أن الضمير لله سبحانه. وسلك بمعنى أسلك. {رصداً} مفعول أي يدخل الله من أمام المرتضى ووزائه حفظة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك. وفي الكلام إضمار التقدير. إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي ثم يسلك. وقيل: الضمير للمرتضى وسلك بمعنى سار وفاعله الملائكة {ورصداً} حال. قال في الكواشي: ثم بين غاية الإظهار والسلك فقال {ليعلم} أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، ومثل هذا التركيب قد مر مراراً. قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن قد أبلغ جبرائيل ومن معه من الملائكة الوحي بلا تحريف وتغيير. وقوله {من بين يديه} مع قوله {أن قد أبلغوا} كقوله {فإن له نار جهنم خالدين} من الحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى. ثم ما ذكرنا وهو أن المراد بالعلم هو الظهور بقوله {وأحاط بما لديهم} من الحكم والشرائع أي وقد أحاط قبل به. ثم عمم العلم فقال {وأحصى كل شيء} من ورق الأشجار وزبد البحار وقطر الأمطار. و{عدداً} مصدر في معنى الإحصاء أو حال أي ضبط كل شيء معدوداً محصوراً أو تمييز والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} هؤلاءِ النفرُ من الجنِّ هم الذين صَادَفُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقرأ ببطنِ نخلةٍ في صَلاَةِ الصِّبْحِ، وقد تَقَدَّمَ قَصَصَهم في سورةِ الأحقافِ، وقولُ الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا...} الآيات، هو خطابٌ منهم لِقَوْمهم. و {قُرْآناً عَجَباً}: معناه: ذَا عَجَبٍ؛ لأن العَجَبَ مصدرٌ يقعُ من سَامِعِ القرآن لبراعتِه وفصاحتِه ومُضَمَّناتِه. وقوله: {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} قَالَ الجمهورُ: معناه: عَظَمَةُ ربنا، وروي عن أنسٍ أنه قال: كان الرجلُ إذا قَرَأ البَقَرَةَ، وآلَ عمرانَ جَدَّ في أعيننا، أي: عَظُم، وعن الحسن: {جَدُّ رَبِّنَا} غِنَاهُ وقال مجاهد: ذِكْرُهُ، وقال بعضهم: جَلاَلُه، ومَنْ فَتَح الألِفَ من قوله: {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ} اخْتَلَفُوا في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: هو عَطْفٌ على {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ} فيجيءُ عَلَى هذا قولُه تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ} مما أُمِرَ أنْ يقولَ النبيَّ إنَّه أوحي إليه، ولَيْسَ هو من كلامِ الجنِّ، وفي هذا قَلَقٌ، وقال بعضهم: بل هو عطف على الضمير في {بِهِ} كأنه يقول: فآمنا به وبأنه تعالى، وهذا القول أبْيَنَ في المعنى، لكنَّ فيه من جهةِ النحو العطفَ على الضميرِ المخفوضِ دُونَ إعَادَةِ الخَافِضِ، وذلك لاَ يَحْسن * ت *: بلْ هُوَ حَسَنٌ؛ إذ قَدْ أتى في النظم والنَّثْرِ الصحيحِ، مُثْبَتاً، وقرأ عكرمة: «تعالَىٰ جَدٌّ رَبُّنَا» ـــ بِفَتْحِ الجيمِ وضَمِّ الدالِ وتَنْوِينِهِ ورفْعِ الرَّبِّ ـــ، كأنه يقول: تعَالَى عَظِيمٌ هو ربُّنا، فَـ«رَبُّنَا» بدَلٌ والجَدُّ: العَظِيمُ في اللغةِ، وقرأ أبو الدرداء: «تَعَالَىٰ ذِكْرُ رَبِّنَا» ورُوي عنه: «تعالَىٰ جَلاَلُ رَبِّنَا».

ابن عادل

تفسير : قوله: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ}، هذه قراءةُ العامة، أعني كونها من "أوْحَى" رباعياً. وقرأ العتكي عن أبي عمرو وابن أبي عبلة وأبو إياس: "وَحَى" ثلاثياً. وهما لغتان، يقال: وَحَى إليه كذا وأوحى إليه بمعنى واحد، فقلبت الواو همزة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ}تفسير : [المرسلات: 11]؛ وأنشد العجاج: [الرجز] شعر : 4892 - وحَى لَهَا القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ تفسير : وقرأ زيد بن علي والكسائي في رواية وابن أبي عبلة أيضاً: "أُحي" بهمزة مضمومة لا واو بعدها، وخرجت على أن الهمزة بدلٌ من الواو المضمومة، نحو "أعد" في "وَعَد" فهذا فرع قراءة "وَحَى" ثلاثياً. قال الزمخشريُّ: وهو من القلب المطلق جواباً في كل واو مضومة، وقد أطلقه المازنيُّ في المكسورة أيضاً: كـ"إشاح، وإسادة"، و "إعاء أخيه" [يوسف: 76]. قال أبو حيَّان: وليس كما ذكر بل في ذلك تفصيل، وذلك أن الواو المضمومة قد تكون أولاً، وحشواً، وآخراً، ولكل منها أحكام، وفي بعض ذلك خلاف، وتفصيل مذكور في كتب النحو. وتقدم الكلام في ذلك مشبعاً في أول الكتاب. ثم قال أبو حيَّان بعدما تقدم عن المازنيِّ: وهذا تكثير وتبجح. قوله: {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ}، هذا هو القائمُ مقام الفاعل لأنَّه هو المفعول الصريحُ، وعند الكوفيين والأخفش يجوز أن يكون القائمُ مقامه الجار، والمجرور، فيكون هذا باقياً على نصبه، والتقدير: أوحي إليَّ استماع نفرٍ "من الجن" صفة لـ"نَفَر". فصل في تفسير الآية قال ابن عباس وغيره: قل يا محمد لأمَّتك أوحِيَ إليَّ على لسانِ جبريل، أنَّه استمع نفرٌ من الجنِّ، والنَّفرُ: الجماعةُ ما بين الثلاثة إلى العشرة، واختلفوا، هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟. فظاهرُ القرآن يدل على أنَّه لم يرهم لقوله تعالى: {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ}، وقوله: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الأحقاف: 29]. وفي صحيح مسلم، والترمذي عن ابن عباسٍ قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشيطان، وبين خبر السماء، وأرسل عليهم الشهب فرجعت الشياطينُ إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟. فقالوا: حِيْلَ بيننا وبين خبر السماءِ، وأرسلت علينا الشهب قالوا: ما ذلك إلا من شيء حدث، فاضربوا في مشارق الأرض ومغاربها، فمرَّ النفرُ الذين أخذوا نحو "تهامة" وهو وأصحابه بنخلة قاصدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه الفجر فلمَّا سمعوا القرآن قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} فأنزل الله على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} الآية. قال القرطبيُّ: وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرَ الجنَّ ولكن حضروه وسمعوا قرآنه. فإن قيل: الذين رموا بالشُّهب هم الشياطينُ والذين سمعوا القرآن هم الجنُّ، فما وجه الجمع؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ الجن كانوا مع الشياطين، فلما رمي الشياطين أخذوا الجنَّ الذين كانوا منهم في تجسس الخبرِ. الثاني: أن الذين رموا بالشهبِ كانوا من الجن، إلا أنهم قيل لهم: شياطين كما قيل: شياطين الإنس والجنِّ، فإنَّ الشيطان كل متمرد، وبعيد من طاعة الله تعالى. قال ابن الخطيب رحمه الله: واختلف في أولئك الجنِّ الذين سمعوا القرآن من هم؟. فروى عاصم عن ذر قال: قدم رهطُ زوبعة وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرفوا، فذلك قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ}. وقيل: كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وعامة جنود إبليس منهم. وقيل: كانوا سبعة، ثلاثة من أرض "حرَّان" وأربعة من أرض "نَصِيبينَ"،: قريِةٌ من قرى اليمن غير التي بالعراق رواه أيضاً عنهم عاصم عن ذر. وقيل: إنَّ الجنَّ الذين أتوه بمكةَ جنُّ نصيبين، والذين أتوه بنخلة جنُّ نينَوى. وقال عكرمةُ: كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل. ومذهب ابن مسعود أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم ويدعوهم إلى الإسلام، روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أمِرْتُ أن أتْلُوَ القُرآنَ على الجِنِّ فمَنْ يَذْهَبُ مَعِي؟ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الثانية: ثُمَّ قال النبي صلى الله عليه وسلم الثالثة، فقلتُ: أنَا أذْهَبُ مَعَكَ يا رسُولَ اللَّهِ، فانطلقَ، حتى أتى الحَجُونَ عند شعب ابن أبي دب خط عليَّ خطّاً فقال: لا تجاوزه، ثُمَّ مضَى إلى الحَجُونِ فاتَّخَذُوا عليه أمْثَالَ الحجل كأنَّهُم رِجالُ الزُّطِّ، قال ابنُ الأثير في "النهاية": "الزّطّ: قومٌ من السودان والهنود" يقرعون في دُفُوفهِمْ، كما تَقرَعُ النِّسوةُ في دُفُوفِها، حتَّى غشاهُ، فغَابَ عنْ بَصرِي، فقُمْتُ، فأوْمَأ بيدِه إليَّ أن اجْلِسْ ثُمَّ تلا القرآن صلى الله عليه وسلم فلم يزلْ صوتهُ يَرتفِعُ، ولصقوا في الأرضِ، حتَّى صِرْتُ لا أرَاهُمْ . تفسير : وفي رواية أخرى، حديث : قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أنْتَ؟. قال صلى الله عليه وسلم: أنَا نَبِيٌّ، قالوا: فَمنْ يَشهَدُ لَكَ على ذَلِكَ؟. فقال الحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم: هذه الشَّجرةُ، تعالي يا شجرةُ فجَاءتْ تجرُّ عُروقهَا لها قعاقعُ، حتى انتصبتْ بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال لها صلى الله عليه وسلم: على ماذا تشهدين فيَّ؟. فقالت أشْهَدُ أنَّك رسُولُ الله قال صلى الله عليه وسلم لها: اذْهَبِي، فَرجعَتْ فذهبت مكانها كَمَا جاءتْ، حتى صارتْ كما كانتْ. وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: فلمَّا عاد إليَّ قال: أردت أن تأتيني، قلت: نعم يا رسول الله قال: مَا كَانَ ذلكَ لَكَ، قال: هؤلاءِ الجِنُّ أتَوا يَسْتمعُونَ القُرآنَ ثُمَّ ولَّوا إلى قَومِهِم مُنْذرينَ، فَسألُونِي الزَّادَ، فزوَّدتهُم العَظْمَ والبَعْرَ، فلا يَسْتطِيبنَّ أحدكُمْ بعَظْمٍ، ولا بَعْر . تفسير : وفي رواية: حديث : أنَّه صلى الله عليه وسلم لما فرغ وضع رأسهُ صلى الله عليه وسلم على حِجْرِ ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - فرقد، ثُمَّ استيقظ صلى الله عليه وسلم فقال: هَلْ مِنْ وُضُوءٍ؟ قال: لا، إلاَّ أنَّ معي إداوة نبيذٍ، فقال صلى الله عليه وسلم: هَلْ هُو إلاَّ تمرٌ وماء "فَتوضَّأ مِنْهُ ". تفسير : قال ابن الخطيب: وطريقُ الجمع بين المذهبين مذهب ابن عباس ومذهب ابن مسعود من وجوه: أحدها: لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولاً فأوحى الله تعالى إليه بهذه السورةِ، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روى ابن مسعود رضي الله عنهما. وثانيها: أن بتقدير أن تكون واقعة الجن مرة واحدة إلا أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم، وما عرف أنَّهم ماذا قالوا، وأي شيءٍ فعلوا، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وكذا، وقالوا كذا. وثالثها: أن الواقعة كانت مرة واحدة، وهو صلى الله عليه وسلم رآهم، وسمع كلامهم، وهم آمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم، قالوا لقومهم على سبيل الحكايةِ: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} وكان كذا وكذا فأوحى اللَّهُ تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما قالوه لأقوامهم. قال ابن العربي: "ابن مسعود أعرفُ من ابن عباس، لأنه شاهده، وابن عباس سمعهُ، وليس الخبرُ كالمعاينة". قال القرطبي: وقيل: إن الجنَّ أتوا النبي صلى الله عليه وسلم دفعتين. أحدهما: بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود. والثانية: بنخلة وهي التي ذكرها ابن عباس. قال البيهقيُّ: الذي حكاه عبد الله إنما هو في أول ما سمعت الجنُّ قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه عبد الله بن عباس ثم أتاه داعي الجنِّ مرة أخرى فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه عبد الله بن مسعود. فصل في لفظ "قل" قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ قوله تعالى: قُلْ" أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يظهر لأصحابه - رضي الله عنهم - ما أوحى إليه تعالى في واقعة الجنِّ، وفيه فوائد. أحدها: أن يعرفوا بذلك أنه صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الجن، كما بعث إلى الإنس. وثانيها: أن تعلم قريش أنَّ الجنَّ مع تمردهم لما سمعُوا القرآن عرفوا إعجازه فآمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم. وثالثها: أن يعلم القومُ أنَّ الجنَّ مكلفون كالإنس. ورابعها: أن تعلم أنَّ الجنَّ يستمعون كلاماً تفهمه من لغتنا. وخامسها: أن يظهر المؤمنُ منهم بدعوى غيره من الجنِّ إلى الإيمان، وفي هذه الوجوه مصالحُ كثيرة إذا عرفها الناس. فصل في بيان أصل الجن اختلف العلماءُ في أصل الجنِّ، فروى الحسنُ البصريُّ أنَّ الجنَّ ولد إبليس، والإنس ولد آدمَ - صلوات الله وسلامه عليه - ومن هؤلاء وهؤلاءِ مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثَّواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرٌ فهو شيطانٌ، روى الضحاك عن ابن عباس أن: الجن هم ولد الجان، وليسوا شياطين ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين ولد إبليس، لا يموتون إلاَّ مع إبليس، وروي أن ذلك النفر كانوا يهوداً. وذكر الحسن أنَّ منهم يهوداً ونصارى ومجوساً ومشركين. فصل في دخول الجِنة الجَنة اختلفوا في دخول الجنِّ الجنةِ على حسب الاختلاف في أصلهم، فمن زعم أنهم من الجانِّ لا من ذرية إبليس قال: يدخلون الجنَّة بإيمانهم، ومن قال: إنهم من ذرية إبليس فله فيهم قولان: أحدهما: وهو قول الحسن: يدخلونها. الثاني: وهو قولُ مجاهد: لا يدخلونها فصل فيمن أنكر الجن قال القرطبيُّ: وقد أنكر جماعةٌ من كفرة الأطباءِ والفلاسفة: الجن، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على الله والقرآن والسنة ترد عليهم، وليس في المخلوقات بسائط مركب من زوج، إنما الواحد سبحانه وتعالى، وغيره مركب، ليس بواحد كيفما تصرف حاله، وليس يمتنع أن يراهم النبي صلى الله عليه وسلم في صورهم كما يرى الملائكة وأكثر ما يتصورون هنا في صور الحياتِ. ففي الحديثِ: "حديث : أن رجلاً حديث عهدٍ بعرسٍ استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النَّهارِ أن يرجع إلى أهله"تفسير : الحديث. وفيه: "حديث : فإذا حية عظيمة مطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها"تفسير : وذكر الحديث. وفي الحديث: حديث : أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ لهذه البيوتِ عوامر فإذا رأيتمْ منها شَيْئاً فحَرِّجُوا عليْها ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر" وقال: "اذهبوا فادفنوا صاحبكم" . تفسير : وذهب قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة كقوله في الصحيح: "حديث : إنِّ بالمدينة جنّاً قد أسْلمُوا"تفسير : وهذه لفظ مختص بها فتختص بحكمها. قال القرطبي: قلنا: هذا يدل على أنَّ غيرها من البيوت مثلها؛ لأنه لم يعلل بحرمة "المدينة"؛ فيكونُ ذلك الحكمُ مخصوصاً بها وإنَّما علل بالإسلام وذلك عام في غيرها، ألا ترى قوله في الحديث مخبراً عن الجنِّ الذين لقي وكانوا من جنِّ الجزيرة وعضد هذا قوله: "ونَهَى عَن عوامِر البيوتِ" وهذا عام وقد مضى في سورة البقرة. قوله تعالى: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً}، أي: قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كقوله تعالى {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ}تفسير : [الأحزاب: 37]، {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ}تفسير : [القصص: 29]{أية : فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ}تفسير : [الأحقاف: 29]، ووصف القرآن بـ"عَجَباً" إما على المبالغة، أي: خارجاً عن حد أشكاله إما في فصاحة كلامه، وإما في بلاغة مواعظه، أو عجباً من عظم بركته، أو عزيزاً لا يوجد مثله وإما على حذف مضاف أي ذا عجب، وإمَّا بمعنى اسم الفاعل، أي: معجب. قوله "يَهْدِي" صفة أخرى، أي: هادياً. {إِلَى ٱلرُّشْدِ}. قرأ العامةُ: "الرشد" بضمة وسكون، وابن عمر: بضمها وعنه أيضاً: فتحهما. وتقدم هذا في الأعراف. والمعنى: يهدي إلى الصواب. وقيل: إلى التوحيد. قوله تعالى: {فَآمَنَّا بِهِ}، أي: بالقرآن، أي: فاهتدينا به، وصدقنا أنه من عند الله، {وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً}، أي: لا نرجع إلى إبليس، ولا نطيعه، ولا نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك، وهذا يدل على أنَّ أولئك الجنِّ كانوا مشركين. قوله: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ}. قرأ الأخوان وابن عامر وحفص: بفتح "أنَّ"، وما عطف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمة، والباقون: بالكسر. وقرأ أبو بكر وابن عامرٍ: "وإنَّهُ لمَّا قَامَ عبد الله يدعوه" بالكسر، والباقون: بالفتح. واتفقوا على الفتح في قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}. وتلخيص هذه أن "أنَّ" المشددة في هذه السورة على ثلاثة أقسام: قسم: ليس معه واو العطف، فهذا لا خلاف بين القراء في فتحه أو كسره على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية، كقوله {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}، لا خلاف في فتحه لوقوعه موقع المصدر، وكقوله {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً}، لا خلاف في كسره لأنه محكي بالقول. القسم الثاني: أن يقترن بالواو، وهوأربع عشرة كلمة، إحداها: لا خلاف في فتحها وهو قوله: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} وهذا هو القسمُ الثاني. والثالث: "وأنه لما قام" يكسرها ابن عامر وأبو بكر، وفتحها الباقون. كما تقدم تحرير ذلك كله. والاثنتا عشرة: وهي قوله {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ} [الجن: 3]، {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ} [الجن: 4] {وَأَنَّا ظَنَنَّآ} [الجن: 5]، {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ} [الجن: 6]، {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ} [الجن: 7]، {وَأَنَّا لَمَسْنَا} [الجن: 8]، {وَأَنَّأ كُنَّا} [الجن: 9]، {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ} [الجن: 10]، {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ} [الجن: 11]، {وَأَنَّا ظَنَنَّآ} [الجن: 12]، {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا} [الجن: 13]، {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ} [الجن: 14]. فهذا ضبطها من حيثُ القراءات، وأما توجيه ذلك فاختلف الناسُ فيه. فقال أبو حاتم في الفتح: هو معطوف على مرفوع "أوحِيَ"، فتكون كلها في موضع رفع لما لم يسم فاعله. ورد ذلك من حيث أنَّ أكثرها لا يصح دخولها تحت معمول "أوحِيَ"، ألا ترى أنه لو قيل "أوحي إلينا أنا لمسنا السماء، وأنا كنا، وأنا لا ندري وأنا منا الصالحون، وأنا لما سمعنا الهدى، وأنا منا المسلمون" لم يستقم معناه. وقال مكيٌّ: وعطف "أن" على "آمنَّا بِهِ" أتم في المعنى من العطف على "أنَّهُ اسْتمَعَ" لأنَّك لو عطفت "وأنا ظننا، وأنا لما سمعنا، وأنه كان رجال من الإنس، وأنا لمسنا" وشبه ذلك على "أنَّهُ اسْتمَعَ" لم يجز؛ لأنه ليس مما أوحي إليه إنَّما هو أمر أخبروا به عن أنفسهم، والكسر في هذا أبينُ وعليه جماعة من القُرَّاءِ. الثاني: أن الفتح في ذلك عطف على محل "بِهِ" من "آمنَّا بِهِ". قال الزمخشريُّ: "كأنه قال: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه يقول سفيهنا، وكذلك البواقي". إلا أن مكياً ضعف هذا الوجه فقال: "والفتح في ذلك على الجمل على معنى: "آمنَّا بِهِ"، فيه بعدٌ في المعنى؛ لأنهم لم يخبروا أنهم آمنوا، بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به، ولم يخبروا أنَّهم آمنوا أنه كان رجال، إنما حكى الله عنهم أنهم قالوا ذلك مخبرين به عن أنفسهم لأصحابهم، فالكسر أولى بذلك" وهذا الذي قاله غير لازم، فإن المعنى على ذلك صحيح، وقد سبق الزمخشري إلى هذا التخريج الفرَّاء والزجاج، إلا أن الفراء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال: فتحت "أن" لوقوع الإيمان عليها، وأنت تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض فلا يمنع من إمضائهن على الفتح، فإنه يحسن فيه ما يوجب فتح "أن" نحو: صدقنا، وشهدنا، كما قالت العرب: [الوافر] شعر : 4893 - وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا تفسير : فنصب "العيونَ" لإتباعها "الحواجب"، وهي لا تزجج إنما تكحل، فأضمر لها الكحل. انتهى فأشار إلى شيء مما ذكره وأجاب عنه. وقال الزجاج: "لكن وجهه أن يكون محمولاً على "آمنَّا بِهِ" وصدقناه وعلمناه، فيكون المعنى: صدقنا أنه تعالى جد ربِّنا ما اتخذ صاحبة". الثالث: أنه معطوف على الهاء في "بِهِ"، أي: آمنا به وبأنه تعالى جد ربنا، وبأنه كان يقول - إلى آخره - وهو مذهب الكوفيين. وهو، وإن كان قوياً من حيثُ المعنى، إلا أنه ممنوع من حيث الصناعة لأنه لا يعطف على الضمير المجرور، إلا بإعادة الجار. وتقدم تحرير هذين القولين في سورة "البقرة" عند قوله: {أية : وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 217] على أن مكياً قد قوى هذا المدرك، وهو حسن جداً، فقال: هو يعني العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار في "أن" أجود منه في غيرها لكثرة حذف حرف الجر "إلى" مع "أن". ووجه الكسر: العطف على "إن" في قوله: "إنَّا سَمعْنَا" فيكون الجميع معمولاً للقول فقالوا: "إنَّا سَمِعْنَا"، وقالوا: "إنَّه تعَالى جَدُّ ربِّنَا" إلى آخرها. وقال بعضهم: الجملتان من قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ}، {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ} معترضتان بين قول الجن، وهما من كلام الباري تعالى. والظاهر أنه من كلامهم قاله بعضهم لبعض. ووجه الكسرِ والفتح في قوله: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} ما تقدم. ووجه إجماعهم على فتح {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} وجهان: أحدهما: أنه معطوف على "أنَّه اسْتَمَعَ" فيكون موحى أيضاً. والثاني: أنه على حذف حرف الجر، وذلك الحرف متعلق بفعل النهي، أي: فلا تدعوا مع الله احداً، لأن المساجد لله. ذكرهما أبو البقاء. وقال الزمخشريُّ: "أنَّهُ اسْتَمَع" - بالفتح - لأنه فاعل "أوْحِيَ"، و "إنَّا سَمِعْنَا" بالكسر لأنه مبتدأ، محكي بعد القول، ثُمَّ يحمل عليهما البواقي، فما كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجنِّ كسر، وكلهم من قولهم الثنتين الأخريين وهما: "وأن المساجد، وأنه لما قام عبد الله يدعوه"، ومن فتح كلهن، فعطفاً على محلّ الجار والمجرور في "آمنَّا بِهِ"، أي: صدقناه وصدقنا به. والهاء في {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ}، وأنه تعالى وما بعد ذلك ضمير الأمر والشأن، وما بعده خبر "أن". قوله: {جَدُّ رَبِّنَا}. قرأ العامة: {جَدّ رَبَّنَا} بالفتح لـ"رَبَّنَا". والمراد به هنا العظمة. وقيل: قدرته وأمره. وقيل: ذكره. والجدُّ أيضاً: الحظُّ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَلاَ ينفعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" تفسير : والجدُّ أيضاً: أبو الأب، والجدُّ أيضاً - بالكسر - ضد التواني في الأمر. وقرأ عكرمة: بضم ياء "ربُّنا" وتنوين "جدٌّ" على أن يكون "ربنا" بدلاً من "جد". والجد: العظيمُ. كأنه قيل: وأنه تعالى عظم ربنا، فأبدل المعرفة من النكرة. وعنه أيضاً: "جداً" على التمييز و "ربنا" فاعل بـ"تعَالى"، وهو منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير: "جد ربنا" ثم صار تعالى ربنا جداً أي عظمة نحو تصبب زيداً عرقاً أي عرق زيد، وعنه أيضاً وعن قتادة كذلك إلا انه بكسر الجيم، وفيه وجهان: أحدهما: أنه نعت لمصدر محذوف، وربنا فاعل بـ "تعالى"، والتقدير: تعالى ربُّنا تعالياً جداً، أي: حقاً لا باطلاً. والجِدُّ - بكسر الجيم - ضد الهزل. والثاني: أنه منصوب على الحال، أي: تعالى ربنا حقيقة وتمكناً، قاله ابن عطية. وقرأ حميد بن قيس: "جُدُّ ربِّنا" - بضم الجيم - مضافاً لـ"ربِّنا"، وهو بمعنى العظيم حكاه سيبويه. وهو في الأصل من إضافة الصفة لموصوفها؛ إذ الأصل: ربنا العظيم، نحو: "جرد قطيفة" الأصل: قطيفةُ جرد، وهو مؤولٌ عن البصريين. وقرأ ابنُ السميقع: "جدا ربنا" بألف بعد الدال مضافاً لـ"ربِّنا". والجَدَا والجدوى: النفع والعطاء، أي: تعالى عطاء ربِّنا ونفعه. فصل في معنى "الجد" قال القرطبيُّ: الجد في اللغة: العظمةُ والجلالُ، ومنه قول أنس - رضي الله عليه -: "كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا" أي: عظم وجل فمعنى "جَدُّ ربِّنَا" أي: عظمته وجلاله، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة، وعن مجاهد أيضاً: ذكره. وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمةُ أيضاً: غناه. ومنه قيل للحظ جد ورجل مجدود: أي: محظوظ، وفي الحديث: "حديث : وَلا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ منْكَ الجَدُّ"تفسير : قال أبو عبيد والخليل، أي ذا الغنى منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة. وقال ابن عباس رضي الله عنه: قدرته وقال الضحاك: فعله. وقال القرظي والضحاك: آلاؤهُ ونعماؤه على خلقه. وقال أبو عبيد والأخفش: ملكه وسلطانه. وقال السدي: أمره. وقال سعيد بن جبير: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا}، أي: تعالى ربنا. وقيل: إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أبو الأب، ويكون هذا من الجنِّ. وقال محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق والربيع: ليس لله تعالى جد وإنما قالته العرب للجهالة فلا يوحدونه. قال القشيريُّ: ويجوز إطلاق لفظ الجدِّ في حق الله تعالى إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن، غير أنه لفظ موهم، فتجنُّبُه أولى. قال القرطبيُّ: "ومعنى الآية: وأنه تعالى جدُّ ربِّنا أن يتخذ ولداً أو صاحبة للاستئناس بهما، أو الحاجة إليهما، والربُّ يتعالى عن ذلك كما يتعالى عن الأنداد والنظراء". وقوله عز وجل: {مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً}، مستأنف، فيه تقرير لتعالي جده. قوله: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً}. الهاء في "أنه" للأمر أو الحديث، و "سَفِيهُنَا" يجوز أن يكون اسم "كَانَ" و "يقُولُ" الخبر، ولو كان مثل هذه الجملة غير واقعة خبراً لـ"كَانَ" لامتنع تقديمُ الخبرِ حينئذ، نحو "سَفِيهُنَا يقُولُ"، لو قلت: "يَقُولُ سَفيْهُنَا" على التقديم والتأخير، لم يجز فيه والفرق أنه في غير باب "كَانَ" يلتبس بالفعل والفاعل، وفي باب "كَانَ" يؤمن ذلك. ويجوز أن يكون "سَفِيهُنَا" فاعل "يقُولُ" والجملة خبر "كَانَ" واسمها ضمير الأمر مستتر فيها، وقد تقدم هذا في قوله: {أية : مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ}تفسير : [الأعراف: 137] وقوله تعالى: {شَطَطاً} تقدم في سورة الكهف مثله. قال القرطبيُّ: "ويجوز أن يكون "كان" زائدة، والسفيه: هو إبليس، في قول مجاهد وابن جريج وقتادة. ورواه أبو بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: المشركون من الجنِّ. قال قتادةُ: عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الإنس والشططُ والإشطاط: الغلو في الكفر. قال أبو مالك: هو الجور وقال الكلبي: هو الكذب وأصله البعد ويعبر به عن الجور لبعده عن العدل وعن الكذب لبعده عن الصدق؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 4894 - بأيَّةِ حالٍ حَكَّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذَاكَ إلاَّ حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ تفسير : قوله: {وَأَنَّا ظَنَنَّآ} أي: حسبنا {أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}. "أنْ" مخففة، واسمها مضمر والجملة المنفية خبرها، والفاعل بينهما هنا حرف النفي، و "كذباً" مفعول به، أو نعت مصدر محذوف، أي: قولاً كذباً. وقرأ الحسن والجحدري وأبو عبد الرحمن ويعقوب: "تقَوَّل" - بفتح القاف والواو المشددة - وهو مضارع "تقوَّل" أي: كذب، والأصل: تتقوَّل، فحذف إحدى التاءين، نحو "تذكرون". وانتصب "كَذِباً" في هذه القراءة على المصدر؛ لأن التقول كذب، فهو نحو قولهم: "قَعدْتُ جُلُوساً". ومعنى الآية: وأنَّا حسبنا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً، فلذلك صدقناهم في أن لله صاحبة وولداً حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق. وقيل: انقطع الإخبار عن الجنِّ - هاهنا - فقال الله تعالى جل ذكره لا إله إلا هو-: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ} فمن فتح، وجعله من قول الجنِّ ردَّها إلى قوله: {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ}، ومن كسرها جعلها من قول الله تعالى. والمراد به ما كانوا يفعلونه، من قول الرجل إذا نزل بواد: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، قاله الحسن وابن زيد وغيرهما. وقيل: كانوا في الجاهلية إذ أقحطوا، بعثُوا رائدهم، فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماءٌ رجع إلى أهله فسار بهم حتى إذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذُ بك بربِّ هذا الوادي أن تصيبنا فيه آفةٌ، يعنون من الجن، فإن لم يفزعهم أحد نزلوا، وإن أفزعهم الجن رجعوا. قال مقاتل: أول من تعوذ بالجنِّ قومٌ من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلَّما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم. وقال كردم بن أبي السائب: خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فآواني المبيت إلى راعي غنمٍ، فلما انتصف الليل جاء الذئب، فحمل حملاً من الغنم، فقال الراعي: يا عامر الوادي جارك الله، فنادى منادٍ: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمةٌ، فأنزل الله تعالى على رسوله السيد الكامل المكمل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بمكة: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقاً}، أي: زاد الجنُّ الإنس رهقاً، أي: خطيئة، وإنما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم. والرَّهقُ: الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم، ورجل رهق إذا كان كذلك، ومنه قوله: {أية : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}تفسير : [يونس: 27]؛ وقال الأعشى: [البسيط] شعر : 4895 - لا شَيْءَ يَنْفعُنِي من دوُنِ رُؤْيتها هَلْ يَشتفِي عَاشقٌ ما لم يُصِبْ رَهقَا تفسير : يعني إثماً، ورجل مرهق، أي: يغشاه السائلون. قال الواحديُّ: الرَّهَقُ: غشيان الشيء، ومنه قوله تعالى: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}. وأضيفت الزيادةُ إلى الجن إذ كانوا سبباً لها. وقال مجاهد أيضاً: "فزَادُوهُم" أي: أن الإنس زادوا الجنَّ طغياناً بهذا التعوذ، حتى قالت الجنُّ: "سدنا الإنس والجن". وقال قتادة أيضاً، وأبو العالية والربيع وابن زيد: ازداد الإنس بهذا فرقاً وخوفاً من الجن. وقال سعيد بن جبير: كفراً. ولا يخفى أنَّ الاستعاذة بالجنِّ دون الاستعاذة بالله شركٌ وكفرٌ. وقيل: لا يطلق لفظ الرجال على الجنِّ، فالمعنى: وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون من شرِّ الجن برجال من الإنس وكان الرجل من الإنس يقول مثلاً: أعوذ بحذيفة بن بدر من جنِّ هذا الوادي. قال القشيريُّ: وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق الرِّجالِ على الجن. وقوله: "مِنَ الإنس" صفة لـ"رِجَالٌ" وكذلك قوله "مِنَ الجِنِّ". قوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً}. الكلام في "أنْ لنْ" كالكلام في الأول، و "أن" وما في خبرها، سادةٌ مسدَّ مفعولي الظن والمسألة من باب الإعمال، لأن "ظنُّوا" يطلب مفعولين، و "ظَننْتُم" كذلك، وهو من إعمال الثاني للحذف من الأول. والضمير في "أنَّهُم ظنُّوا" للإنس، وفي "ظَنَنْتُمْ"، للجن، ويجوز العكس فصل في الخطاب في الآية هذا من قول الله تعالى للإنس، أي: وإن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم. قال الكلبيُّ: ظنت الجنُّ كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولاً من خلقه يقيم به الحجة عليهم وكل هذا توكيد للحجة على قريش، أي: إذا آمن هؤلاء الجن بمحمد صلى الله عليه وسلم فأنتم أحق بذلك. قوله: {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ}. هذا من قول الجنِّ، أي: طلبنا خبرها كما جرت عادتنا {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً}، أي ملئت حفظاً يعني: الملائكة. فاللَّمْسُ: المس، فاستعير للطلب، لأن الماس متقرب، يقال: لمسه والتمسه ونحوه الجس يقال: جسوه بأعينهم وتجسسوه. والمعنى: طلبنا بلوغ السَّماء واستماع كلام أهلها. قوله: {فَوَجَدْنَاهَا}، فيها وجهان: أظهرهما: أنها متعدية لواحد؛ لأن معناها: أصبنا وصادفنا، وعلى هذا فالجملة من قوله "مُلِئَتْ" في موضع نصب على الحال على إضمار "قَدْ". والثاني: أنها متعدية لاثنين، فتكونُ الجملة في موضع المفعول الثاني. و "حَرَساً" نصب على التمييز نحو "امتلأ الإناء ماء". والحَرَس: اسم جمع لـ"حَارِس" نحو "خَدَم" لـ"خَادِم" و "غيب" لغائب، ويجمع تكسيراً على "أحْراس"؛ كقول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 4896 - تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً وأهْوَال مَعْشَرٍ حِرَاصٍ عليَّ لو يُسِرُّونَ مَقْتَلِي تفسير : والحارس: الحافظُ الرقيبُ، والمصدر الحراسةُ، و "شديداً" صفة لـ"حَرسَ" على اللفظ؛ كقوله: [الرجز] شعر : 4897 - أخْشَى رُجَيْلاً أو رُكَيْباً عَادِيَا تفسير : ولو جاء على المعنى لقيل: "شداد" بالجمع، لأن المعنى: مُلئتْ ملائكة شداد، كقولك السلف الصالح، يعني: الصالحين. قال القرطبيُّ: "ويجوز أن يكون حَرَساً مصدراً على معنى: حرست حراسة شديدة". قوله: "وشُهُباً". جمع "شِهَاب" كـ"كِتَابِ وكُتُب". وقيل: المراد النجوم، أو الحرسُ أنفسهم، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عن استراقة السمع، وقد تقدم في سورة "الحجر، والصافات". وإنَّما عطف بعض الصفات على بعض عند تغاير اللفظ، كقوله: [الطويل] شعر : 4898 -.......................... وهِنْدٌ أتَى مِنْ دُونهَا النَّأيُ والبُعْدُ تفسير : وقرأ الأعرجُ: "مُلِيتْ" بياء صريحة دون همزة. قوله: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ}، المقاعد: جمع "مقعد" اسم مكان، والضمير في "منها"، أي: من السماء، والمقاعد مواضع يقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء، وذلك أنَّ مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماءِ فيلقوها إلى الكهنة فحرسها الله - تعالى - حين بعث رسوله بالشهب المحرقةِ، فقالت الجن حينئذ: {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} يعني بالشهاب الكواكب المحرقة. قوله "الآن". هو ظرفٌ حالي، واستعير هنا للاستقبال، كقوله الشاعر: [الوافر] شعر : 4899 -..................... سأسْعَى الآنَ إذ بَلغَتْ إنَاهَا تفسير : فاقترن بحرف التنفيس، وقد تقدم هذا في البقرة عند قوله: "فالآن باشروهن". و "رصداً" إما مفعول له، وإما صفة له "شهاباً" أي "ذا رصد" وجعل الزمخشري: "الرصد" اسم جمع كـ"حرس"، فقال: والرصد: اسم جمع للراصد كـ"حرس" على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم وهم الملائكة ويجوز أن يكون صفة لـ"شهاب" بمعنى الراصد، أو كقوله: [الوافر] شعر : 4900 -....................... ............ ومِعَى جَياعَا تفسير : فصل في بيان متى كان قذف الشياطين اختلفوا: هل كانت الشياطينُ تقذف قبل البعث أو كان ذلك أمراً حدث لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال قوم: لم تحرس السماء في زمن الفترة فيما بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - خمسمائة عامٍ، وإنَّما كان من أجل بعثة النبي فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلِّها وحرست بالملائكة والشهب، قاله الكلبيُّ، ورواه عطية عن ابن عباس، ذكره البيهقي. وقال عبد الله بن عمرو: لما كان اليوم الذي نُبِّىءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم منعتِ الشياطينُ ورموا بالشُّهبِ. وقال عبد الملك بن سابور: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى، ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حُرستِ السماءُ ورميتِ الشياطينُ بالشهب، ومنعت من الدنو من السماء. قال نافع بن جبيرٍ: كانت الشياطين في الفترة تستمع فلا ترى، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب، ونحوه عن أبي بن كعبٍ قال: لم يرم بنجم، منذ رفع عيسى - عليه الصلاة والسلام - حتى نُبِّىءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُمِيَ بها. وقيل: كان ذلك قبل البعثِ، وإنِّما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنذاراً بحاله. وهو معنى قوله: "قَدْ مُلِئَتْ"، أي: زيد في حرسها. وقال أوس بن حجر - وهو جاهلي -: [الكامل] شعر : 4901 - فانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ نَقعٌ يَثُورُ تَخالهُ طُنُبَا تفسير : قال الجاحظُ: "هذا البيت مصنوع، لأنَّ الرمي لم يكن قبل البعث". والقول بالرمي أصح لهذه الآية، لأنها تخبر عن الجن، أنَّها أخبرت بالزيادة في الحرس وأنها امتلأت من الحرس، والشهب. وقال بشر ابن أبي خازم: [الكامل] شعر : 4902 - والعِيرُ يَرْهَقُها الغُبَارُ وجَحْشُهَا يَنقَضُّ خَلفَهُمَا انقِضَاضَ الكَوْكَبِ تفسير : وروى الزهريُّ عن علي بن الحسين عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا كُنتُمْ تقُولونَ في مِثْلِ هذا فِي الجَاهليَةِ"؟. قالوا: كُنَّا نقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ ابنُ عظيمِ، أو يولد عظيم [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها لا ترمى لموتِ أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّ رَبَّنَا - تبارك وتعالى - إذَا قَضَى أمْراً فِي السَّماءِ، سبَّح حملةُ العَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ كُلِّ سماءٍ، حتَّى يَنتهِي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتَخْبِر أهْلُ السَّماءِ: ماذا قال ربُّكمْ، فيُخْبَرُون، ويُخبر أهْلُ كُلِّ سماءٍ، حتَّى يَنْتَهِي الخَبَرُ إلى هذه السَّماءِ فتَخْطفُهُ الجنُّ، فيروونه كما جاءُوا به فهو حقٌّ ولكنَّهم يزيدُون فيه " تفسير : وهذا يدلُّ على أن هذه الشهب كانت موجودة قبل البعث، وهو قول الأكثرين. قال الجاحظ: فلو قال قائلٌ: كيف تتعرض الجنُّ لإحراق نفسها بسماع خبرٍ بعد أن صار ذلك معلوماً عندهم؟. فالجوابُ: أنَّ الله تعالى ينسيهم ذلك، حتى تعظم المحنة كما ينسى إبليس في كل وقت أنه لا يسلم، وأن الله - تعالى - قال له: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ}تفسير : [الحجر: 35]، ولولا هذا لما تحقق التكليف. قال القرطبيُّ: "والرَّصدُ"، قيل: من الملائكة، أي: ورصداً من الملائكة، وقيل: الرَّصَد هو الشهب، والرصد: الحافظ للشيء، والجمع أرصاد، وفي غير هذا الموضع يجوز أن يكون جمعاً كالحرس، والواحد: راصد. وقيل: الرَّصَد هو الشهاب، أي: شهاب قد أرصد له ليرجم به فهو "فعل" بمعنى "مفعول" كـ"الخَبَط والنفض". قوله: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ}، في {أَشَرٌّ أَرِيدَ} وجهان: أحسنهما: الرفع بفعل مضمر على الاشتغال، وإنما كان أحسن لتقدم طالب الفعل وهو أداة الاستفهام. والثاني: أن الرفع على الابتداءِ. ولقائل أن يقول: يتعين هذا الرفع بإضمار فعل لمدرك آخر، وهو أنه قد عطف بـ"أمْ" فعل، فإذا أضمرنا فعلاً رافعاً، كنا قد عطفنا جملة فعلية على مثلها، بخلاف رفعه بالابتداء فإنه - حينئذٍ - يخرجُ "أمْ" عن كونها عاطفة إلى كونها منقطعة إلا بتأويلٍ بعيدٍ، وهو أن الأصل: أشَرٌّ أريد بهم، أم خيرٌ، فوضع لقوله: "أمْ أراد بِهمْ" موضع خير. وقوله: "أشَرٌّ" ساد مسدَّ مفعول "ندري"، بمعنى أنه معلق به، وراعى معنى "مَنْ" في قوله: "بِهمْ ربُّهُمْ" فجمع. فصل في معنى الآية قال ابن زيد: معنى الآية: أنَّ إبليس قال: لا ندري هل أراد بهذا المنعِ أن ينزل على أهل الأرض عذاباً، أو يرسل إليهم رسولاً. وقيل: هو من قول الجنِّ فيما بينهم من قبل أن يسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أي: لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذب من الأمم، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا، فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان، وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا من السماء حراسة للوحي. وقيل: لا، بل هذا قول قالوه لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين، أي: لما آمنوا أشفقوا أن لا يؤمن كثيرٌ من أهل الأرض فقالوا: إنَّا لا ندري، أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون؟. قوله: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ}. هذا من قول الجنِّ، أي: قال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم: وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون. قوله: {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ}، يحتمل وجهين: أحدهما: يحتمل أن "دُونَ" بمعنى "غير"، أي: ومنا غير الصالحين، أي: كافرون، وهو مبتدأ، وإنما فتح لإضافته إلى غير متمكن كقوله: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}تفسير : [الأنعام: 94] فيمن نصب على أحد الأقوال، وإلى هذا نحا الأخفش. والثاني: أن "دُونَ" على بابها من الظرف، وأنها صفة لمحذوف، تقديره: ومنا فريق أو فوج دون ذلك، وحذف الموصوف مع "مِنْ" التبعيضية يكثر، كقولهم: منَّا ظعنَ ومنَّا أقام، أي: منا فريقٌ ظعن، ومنا فريق أقام. ومعنى الآية: ومنا صالحون دون أولئك في الصلاح. قوله: {كُنَّا طَرَآئِقَ}، فيه أوجه: أحدها: أن التقدير: كنا ذوي طرائق، أي: ذوي مذاهب مختلفة. الثاني: أن التقدير: كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائقِ المختلفةِ. الثالث: أن التقدير: كنا ذوي طرائقَ مختلفةٍ؛ كقوله: [الكامل] شعر : 4903 -............................. كَمَا عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعلَبُ تفسير : الرابع: أن التقدير: كانت طريقتنا طرائق قدداً، على حذف المضاف الذي هو الطرائقُ، وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه، قاله الزمخشريُّ. فقد جعل في ثلاثة أوجه مضافاً محذوفاً. وقال: إنَّه قدر في الأول: "ذَوِي". وفي الثاني: مثل. وفي الثالث: طرائق. ورد عليه ابو حيَّان قوله: {كُنَّا طَرَآئِقَ}؛ كقوله: [الكامل] شعر : 4904 -............................ كَمَا عَسَل الطَّريقَ الثَّعلبُ تفسير : بأن هذا لا يجوز إلا في ضرورة أو ندور، فلا يخرج القرآنُ عليه، يعني تعدى الفعل بنفسه إلى ظرف المكان المختص. والقددُ: جمع قددة، والمراد بها الطريقةُ، وأصلها السيرة، يقال: قِدَّة فلان حسنة، أي: سيرته، وهو من قدَّ السير، أي: قطعه على استواء، فاستعير للسيرة المعتدلة. قال الشاعر: [البسيط] شعر : 4905 - ألقَابِضُ البَاسِطُ الهَادِي بطَاعتِه في فِتْنَةِ النَّاس إذْ أهْواؤهُم قِدَدُ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 4906 - جَمعْتُ بالرَّأي منهُمْ كُلَّ رَافضَة إذْ هُمْ طَرائقُ في أهوائِهمْ قِدَدُ تفسير : وقال لبيد في أخيه: [المنسرح] شعر : 4907 - لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمتهَا لَيْلةَ تُمْسِي الجِيادُ كالقِددِ تفسير : والقِدُّ - بالكسر - سير يُقَدّ من جلد غير مدبوغ، ويقال: ما له قد ولا قحف، فالقد: إناء من جلد، والقحف: إناء من خشب. فصل في معنى الآية قال سعيد بن المسيِّب: معنى الآية "كنا مسلمين، ويهود ونصارى ومجوساً". وقال السدي: في الجن مثلكم قدرية، ومرجئة وخوارج، ورافضة، وشيعة، وسنية. وقال قوم: إنا بعد استماع القرآنِ مختلفون منا المؤمنون، ومنا الكافرون. وقيل: أي: ومنا الصالحون ومنا المؤمنون لم يتناهوا في الصلاح. قال القرطبيُّ رحمه الله: "والأول أحسن، لأنه كان في الجن من آمن بموسى، وعيسى، وقد أخبر الله عنهم أنهم قالوا: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}تفسير : [الأحقاف: 30]، وهذا يدل على إيمان قوم منهم في دعاء من دعاهم إلى الإيمان، وأيضاً لا فائدة في قولهم: نحن الآن منقسمون إلى مؤمن وإلى كافر، والطرائق: جمع طريقة، وهي مذهب الرجل، أي: كنا فرقاً، ويقال: القوم طرائق أي: على مذاهب شتَّى، والقددُ: نحو من الطرائق وهو توكيد لها واحده: قدَّة، يقال: لكل طريقةٍ قِدَّةٌ". قوله: {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً}. والظنُّ هنا بمعنى العلم، واليقين، وهو خلاف الظن في قوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}، "وأنَّهُم ظنُّوا"، أي: علماً بالاستدلال والتفكر في آيات الله تعالى، أنا في قبضته، وسلطانه لن نفوته بهرب، ولا غيره. وقوله: "فِي الأرضِ"، حال، وكذلك "هَرباً" مصدر في موضع الحالِ، تقديره: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء. قوله: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ}، يعني القرآن "آمنَّا بِهِ"، وباللَّه، وصدقنا محمداً صلى الله عليه وسلم على رسالته، وكان صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الإنس والجنِّ. قال الحسن - رضي الله عنه - بعث محمدٌ صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن ولم يبعث الله قط رسولاً من الجنِّ ولا من أهل البادية ولا من النِّساء، وذلك قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [يوسف: 109]. وفي الحديث: "حديث : بُعثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْودِ"تفسير : أي: الإنس والجن. وقد تقدم هذا الكلام في سورة الأنعام في قوله تعالى: {أية : يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ}تفسير : [الآية: 130]. قوله: {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً}. قال ابنُ عباس: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته؛ لأن البخس: النقصان، والرهق: العدوان، وغشيان المحارمِ، وقد تقدم في بيت الأعشى. قوله: "فَلا يَخَافُ"، أي: فهو لا يخافُ، أي فهو غير خائف؛ ولأن الكلام في تقدير مبتدأ وخبر فلذلك دخلت الفاءُ، ولولا ذلك لقيل: لا يخف، قاله الزمشخريُّ. ثم قال: "فإن قلت: أي فائدة في رفع الفعل، وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبراً له ووجوب إدخال الفاء، وكان كل ذلك مستغنى عنه بأن يقال: لا يخف؟. قلتُ: الفائدة أنَّه إذا فعل ذلك فكأنه قيل: "فهُو لا يخَافُ"، فكان دالاً على تحقيق أن المؤمن ناجٍ لا محالة وأنَّه هو المختص بذلك دُون غيره". قال شهاب الدين: "وسببُ ذلك أن الجملة تكون اسمية حينئذٍ، والاسمية أدلُ على التحقيقِ والثبوتِ من الفعلية". وقرأ ابن وثاب والأعمشُ: بالجزم، وفيها وجهان: أحدهما: ولم يذكر الزمخشريُّ غيره، أن "لا" نافية، والفاء حينئذ واجبة. والثاني: أنها نافية، والفاء حينئذٍ زائدةٌ، وهذا ضعيفٌ. وقوله "بَخْساً"، فيه حذف مضاف، أي: جزاء بخس، كذا قرره الزمخشريُّ. وهو مستغنى عنه. وقرأ ابن وثاب: "بَخَساً" بفتح الخاء. قال القرطبيُّ: وقرأ الأعمش ويحيى وإبراهيم: "فَلا يَخفْ" جزماً على جواب الشرط، وإلغاء الفاء أيضاً. قوله: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ}. أي: وأنا بعد استماع القرآن مختلفون، فمنا من أسلم ومنا من كفر، والقاسط: الجائر لأنه عادل عن الحق، والمقسط: العادل لأنه عادل إلى الحق، قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل؛ قال: [الكامل] شعر : 4908 - قَوْمٌ همُ قتلُوا ابنَ هِنْدٍ عَنْوةً عَمْراً وهُمْ قَسطُوا على النُّعمَانِ تفسير : وقد تقدم في أول "النساء" أن "قَسَطَ": ثلاثياً بمعنى "جَارَ"، و "أقسط" الرباعي بمعنى "عَدَل". وأن الحجاج قال لسعيد بن جبيرٍ: ما تقول فيَّ؟. قال: إنَّك قاسط عادل، فقال الحاضرون: ما أحسن ما قال، فقال: يا جهلة، جعلني كافراً جائراً، وتلا قوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}. وقرأ {أية : ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأنعام: 1]. قوله: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً}. أي: قصدوا طريق الحقِّ، وتوخوه، وطلبوه باجتهاد، ومنه التحري في الشيء. قال الراغبُ: "حرى الشيء يحري، أي: قصد حراه، أي: جانبه، وتحراه كذلك، وحَرَى الشيء يَحْرِي، نقص، كأنَّه لزم حراه، ولم يمتد؛ قال الشاعر: [الكامل] شعر : 4909 -.............................. والمَرْءُ بَعْدَ تمامهِ يَحْرِي تفسير : ويقال: رماه الله بأفعى حارية، أي: شديدة" انتهى. وكأن أصله من قولهم: هو حريٌّ بكذا، أي حقيق به. و "رَشَداً" مفعول به. والعامة قرأوا: "رشداً" - بفتحتين - والأعرج: بضمة وسكون. قوله: {وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ}. أي: الجائرون عن طريق الحق والإيمان {فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} أي: وقوداً، وقوله "فَكانُوا" أي: في علم الله تبارك وتعالى. فإن قيل: ذكر عقاب القاسطين ولم يذكر ثواب المسلمين. فالجواب: بل ذكر ثواب المؤمنين بقوله {تَحَرَّوْاْ رَشَداً} أي: تَحرَّوا رشداً عَظِيماً لا يعلم كنهه إلاَّ الله تعالى، ومثل هذا لا يتحقق إلا بالثَّواب. فإن قيل: فإنَّ الجنَّ مخلوقون من النَّار، فكيف يكونون حطباً للنار؟. فالجواب: أنّهم وإن خلقوا من النار لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية فيصيرون لحماً، ودماً هكذا قيل. وهذا آخر كلام الجن. قوله {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ}، "أنْ" هي المخففة من الثقيلة، وتقدم أنه يكتفي بـ"لو"، فأصله بين "أن" المخففة، وخبرها إذا كان جملة فعلية في سورة "سَبَأ". وقال أبو البقاء هنا: "ولو" عوض كالسِّين، وسوف، وقيل: "لَوْ" بمعنى "إن" و "إن" بمعنى اللام، وليست بلازمة كقوله {أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ}تفسير : [مريم: 46]، وقال في موضع آخر: {أية : وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ}تفسير : [المائدة: 37] ذكره ابن فضالة في البرهان. قال شهاب الدين: "وهذا شاذٌّ لا يلتفت إليه ألبتة لأنه خلاف النحويين". وقرأ العامة: بكسر "وأن لو" على الأصل. وابن وثَّاب والأعمشُ: بضمها، تشبيهاً بواو الضمير. وقد تقدم تحقيقه في البقرة. فصل في بيان أن الله أوحى إليهم أن الإيمان سبب البسطة في الرزق هذا من كلام الله تعالى، أي لو آمن هؤلاء الكفار لوسعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق، وهذا محمولٌ على الوحي، أي أوحي إليَّ أن لو استقاموا. قال ابنُ بحر كل ما كان في هذه السروة من "أنَّ" المثقلة فهي حكايةٌ لقول الجن الذين سمعوا القرآن، فرجعوا إلى قومهم منذرين، وكل ما فيها من "أن" المفتوحة المخففة فهي وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن الأنباريِّ: ومن كسر الحروف، وفتح {وأنْ لو اسْتقَامُوا} أضمر يميناً تأويلها: والله أن لو استقاموا على الطريقة، كما يقال في الكلام: والله إن قمت لقمت، والله لو قمت قمت. قال الشاعر: [الوافر] شعر : 4910 - أمَا - واللَّهِ - أن لَوْ كُنْتَ حُرّاً ومَا بالحُرِّ أنْتَ ولا العَتِيقِ تفسير : ومن فتح ما قبل المخففة نسقها على تقدير: {أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ}، {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ} أو "على آمنا به" ويستغنى عن إضمار اليمين. والضمير في قوله {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ}، قيل: يرجع إلى الجنِّ الذين تقدم ذكرهم ووصفهم أي: هؤلاء القاسطون لو أسلموا لفعلنا بهم كذا وكذا. وقيل: بل المراد الإنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماءِ الغدقِ، إنما يليق بالإنس، لا بالجن وأيضاً أن هذه الآية إنَّما نزلت بعد ما حبس الله المطر عن أهل مكة سنين، أقصى ما في الباب أنَّهُ لم يتقدم ذكر الإنس، ولكنه لما كان ذلك معلوماً جرى مَجْرى قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]. وقال القاضي: الأقرب أن الكل يدخلون فيه. قال ابن الخطيب: "ويدل على صحة قول القاضي، أنه تعالى أثبت حكماً معللاً بعلة، وهي الاستقامةُ فوجب أن يعم الحكم لعموم العلة". والغدق - بفتح الدال وكسرها -: لغتان في الماء الغزير، ومنه الغداق: للماء الكثيرِ وللرجل الكثير الغدق، والكثير النطق. ويقال: غدقت عينه تغدق أي: هطل دمعها غدقاً. وقرأ العامة: "غَدَقاً" بفتحتين. وعاصم فيما يروي عنه الأعشى، بفتح الغين وكسر الدال، وقد تقدم أنهما لغتان. قوله: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ}. قال ابن الخطيب: إن قلنا: إن الضمير راجعٌ إلى الجنِّ ففيه قولان: أحدهما: أن المعنى لو ثبت أبوهم على عبادته وسجد لآدم، ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف: 96] الآية، {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ}تفسير : [المائدة: 66] الآية، وقوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}تفسير : [الطلاق: 2]. وقوله: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ}تفسير : [نوح: 10 - 11]، إلى قوله: {أية : وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ}تفسير : [نوح: 12] الآية. وإنَّما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافعِ وهذا هو اللائق بالجنِّ لا الماء المشروب. الثاني: أن المعنى لو استقام الجنُّ أي الذين سمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها، ولم ينتقلوا عن الإسلام لوسعنا عليهم الدنيا كقوله: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ}تفسير : [الزخرف: 33] الآية. والقول الأول: اختيار الزجاج، قال: لأنَّه تعالى ذكر الطريقة معرفة بالألف واللام فيرجع إلى الطريقة المعروفة، وهي طريقة الهدى. ومعنى: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي: لنختبرهم هل يقومون بشكرها أم لا، وإن قلنا: إنَّ الضمير يعود على الإنس فالاحتمالان كما هما. قوله: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}، دليلٌ على أنه تبارك وتعالى يضل عباده. وأجاب المعتزلة، بأنَّ الفتنة هي الاختبار، كما يقال: فتنت الذهب بالنار لا خلق الضلالة. واستدلت المعتزلة بقوله تعالى {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} على أنه تعالى إنما يفعل لغرض. وأجيبوا: بأن الفتنة بالاتفاق ليست مقصودة فدلَّت هذه الآية على أن اللام ليست للغرض في حق الله تبارك وتعالى. فصل في التحذير من الدنيا روى مسلمُ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "أخْوفُ ما أخَافُ عليْكمْ ما يُخْرجُ اللَّهُ لكم مِنْ زهرةِ الدُّنيَا" قالوا: ومَا زَهْرةُ الدُّنيَا؟. قال: "بَركَاتُ الأرْضِ". وذكر الحديث تفسير : وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : فواللَّهِ مَا الفَقْرَ أخْشَى عليْكُم، وإنَّما أخْشَى علَيكُمْ أنْ يبسِطَ اللَّهُ عَليكُم الدُّنْيَا فتَنَافَسُوا فيها كما تَنَافَسَ فِيهَا مَنْ كَانَ قَبلكُمْ، فيُهلِكَكُمْ كَمَا أهْلَكَهُمْ " تفسير : قوله: {وَمَن يُعِرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ}، أي: عن عبادته، أو عن موعظته، أو عن وحيه. وقال ابن زيدٍ: يعني القرآن، وفي إعراضه وجهان: الأول: عن القبول إن قيل إنها في الكفار والثاني عن العمل، إن قيل إنَّها في أهل الإيمان. وقيل: {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ}، أي: لم يشكره. قوله: {يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً}. قرأ الكوفيون: "يَسْلكْهُ" - بياء الغيبة - لإعادة الضمير على الله تعالى، وباقي السبعة: بنون العظمة على الالتفات. وهذا كما تقدم في قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً}تفسير : [الإسراء: 1]، ثم قال: {أية : بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ}تفسير : [الإسراء: 1]. وقرأ مسلم بن جندب: "نسلكه" بنون العظمة مضمومة من "أسلكه". وبعضهم: بالياء من تحت مضمومة، وهما لغتان، يقال: سلكه وأسلكه. وأنشد: [البسيط] شعر : 4911 - حَتَّى إذَا أسْلكُوهُم فِي قَتائِدَةٍ تفسير : و "سلك، وأسلك" يجوز أن يكونا فيهما ضُمِّنا معنى الإدخال، فلذلك يتعديان لاثنين ويجوز أن يقال: يتعديان إلى أحد المفعولين، بإسقاط الخافض، كقوله تعالى: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ}تفسير : [الأعراف: 155]. فالمعنى: ندخله عذاباً، أو نسلكه في عذابٍ، هذا إذا قلنا: إن "صَعَداً" مصدر. قال الزمخشريُّ: يقال: صَعَداً وصُعُوداً، فوصف به العذاب لأنه يتصعد للمعذب، أي: يعلوه، ويغلبه، فلا يطيقه، ومنه قول عمر - رضي الله عنه -: ما تصعد شيء ما تصعدتني خطبةُ النِّكاح يقول: ما شقَّ عليَّ، ولا غلبني. وأما إذا جعلناه اسماً لصخرة في جهنم، كما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره، فيجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون "صعداً" مفعولاً به أي "يسلكه" في هذا الموضع ويكون "عذاباً" مفعولاً من أجله. الثاني: أن يكون "عذاباً" مفعولاً ثانياً كما تقدم، و "صعداً" بدلاً من عذاباً، ولكن على حذف مضاف أي: عذاب صعد، وقرأ العامة بفتحتين، وقرأ ابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين، وهو صفة تقتضي المبالغة كحُطَم ولُبَد، وقرىء بضمتينِ وهو وصف أيضاً كـ"جُنُب" و "شُلُل". فصل ومعنى عذاباً صعداً: أي شاقاً شديداً. [وقيل عن ابن عباس:]هو جبل في جهنم، قال الخدريُّ: كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت. وعن ابن عباس: إن المعنى مشقّة من العذاب، لأن الصعد في اللغة هو المشقة، تقول: تصعدني الأمر إذا شقَّ عليك، ومنه قول عمر المتقدم، والمشي في الصعود يشق، وصعود العقبة الكئودِ. وقال عكرمةُ: هي صخرة في جهنم ملساء يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حُدِر إلى جهنم. وقال: يكُلَّفُ الوليدُ بن المغيرة أن يصعد جبلاً في النار من صخرةٍ ملساءَ يجذب من أمامه بسلاسل، ويضرب من خلفه بمقامع، حتَّى يبلغ أعلاها ولا يبلغ في أربعين سنة فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف صعودها، فذلك دأبه أبداً، وهو قوله: {أية : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً}تفسير : [المدثر: 17]. قوله: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}. قد تقدم أن السبعة أجمعت على الفتح، بتقدير: وأوحي إليَّ أن المساجد للَّهِ. وقال الخليل: أي ولأن المساجد، فحذف الجارُّ، ويتعلق بقوله "فلا تدعُوا". وجعلوه كقوله تعالى: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}تفسير : [قريش: 1] فإنه متعلق بقوله {فَلْيَعْبُدُواْ} كقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 92]. وقرأ طلحة وابن هرمز: "وإنَّ المسَاجِدَ" - بالكسر..، وهو يحتمل الاستئناف والتعليل، فيكون في المعنى كتقدير الخليل فصل في المراد بـ"المساجد" المساجدُ: قيل هي جمع "مسجد" - بالكسر - وهو موضع السجود، وقد تقدم أن قياسه الفتح. وقيل: هو "مسجد" - بالفتح - مراداً بها الأعضاء الواردة في الحديثِ: "الجبهة والأنف والركبتان واليدان والقدمان"، وهو قول سعيد بن المسيب. والمعنى: إن هذه الأعضاء أنعم الله بها عليكم فلا تسجد لغيره فتجحد نعمة الله، وقال عطاء: مساجدك أعضاؤك التي أمرت بالسجود عليها لا تذللها لغير خالقها. قال - عليه الصلاة والسلام - "حديث : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم"تفسير : وذكر الحديث، وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إذَا سَجَدَ العَبْدُ سَجَدَ مَعهُ سَبعةُ أعْضَاءٍ"تفسير : وقيل: بل جمع مسجد، وهو مصدر بمعنى السجودِ، ويكون الجمع لاختلاف الأنواع. وقال القرطبي: "المراد بها البيوت التي تبنيها أهل المللِ للعبادة". قال سعيد بن جبير رضي الله عنه: قالت الجن: كيف لنا ان نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}، أي: بنيت لذكر الله ولطاعته. وقال ابن عبَّاسٍ: المساجد هنا مكة التي هي القبلة، وسميت مكة مساجد، لأن كلَّ أحد يسجد إليها. قال القرطبيُّ: "والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة، وهذا أظهر الأقوال، وهو مروي عن ابن عباس". قال ابن الخطيب: "قال الواحديُّ: وواحد المساجد - على الأقوال كلِّها - "مسجد" - بفتح الجيم - إلا على قول من يقول: إنها المواضع التي بنيت للصلاةِ؛ فإنَّ واحدها "مسجد" - بكسر الجيم - لأن المواضع، والمصادر كلَّها من هذا الباب - بفتح العين - إلا في أحرف معدودة وهي: المسجد، والمطلِع، والمنسِك، والمسكِن، والمنبِت، والمفرِق، والمسقِط، والمجزِر، والمحشِر، والمشرِق، والمغرِب وقد جاء في بعضها الفتح، وهي: المنسك والمطلع والمسكن والمفرق، وهو جائز في كلِّها وإن لم يسمع". قوله: "للَّهِ". إضافة تشريف وتكريم، ثم خص بالذِّكر منها البيت العتيق، فقال تعالى: {أية : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ}تفسير : [الحج: 26] وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلى ثلاثةِ مساجدَ " تفسير : وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : صَلاةٌ فِي مَسْجدِي هذا خَيْرٌ مِنْ ألْفِ صلاةٍ فيما سواهُ إلاَّ المَسجد الحَرامَ " تفسير : وقد روي من طريق آخر لا بأس بها حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صَلاةٌ في مَسْجدِي هذا خَيْرٌ من ألفِ صلاةٍ فِيمَا سِواهُ إلاَّ فِي المسْجِد الحَرامِ، فإنَّ صلاةٌ فِيهِ خَيْرٌ مِنْ مائةِ ألفِ صلاةٍ في مَسْجديْ هَذَا " تفسير : قال القرطبي: "وهذا حديث صحيح". فصل في نسبة المساجد إلى غير الله فإن قيل: المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً فإنَّها قد تنسب إلى غيره تعالى تعريفاً كما قيل في الحديث: "حديث : سابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ". تفسير : ويقال: مسجد فلان، لأنه حبسه، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجدِ والقناطرِ والمقابرِ، وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك. فصل في معنى الآية معنى: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} لا يذكرُ فيها إلا اللَّهُ تعالى فإنَّه يجوز قسمةُ الأموالِ فيها، ويجوز وضعُ الصدقات فيها، على رسم الاشتراك بين المساكين، والأكل فيها، ويجوز حبسُ الغريمِ فيها والنوم، وسكن المريضِ فيه، وفتح الباب للجار إليها وإنشاد الشعر فيه إذا عري عن الباطل. قوله: {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً}. وهذا توبيخٌ للمشركين، في دعواهم مع الله غيره في المسجد الحرام. وقال مجاهد: كانت اليهودُ، والنصارى إذا دخلوا كنائسهم، وبيعهم أشركوا بالله تعالى، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة الحق إذا دخلوا المساجد كلها، فلا تشركوا فيها صنماً وغيره مما يعبد. وقيل: المعنى أفردوا المساجدَ لذكر الله، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيباً، وفي الحديث: "حديث : مَنْ نَشدَ ضالَّةً في المسجد فقولوا: لا ردَّها اللَّه عليكَ، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا " تفسير : وقال الحسن: من السنة إذا دخل رجل المسجد أن يقول: لا إله إلا الله، لأن قوله تعالى {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} في ضمنه أمر بذكر الله ودعائه. وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنه - حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قدَّم رجله اليمنى وقال: "وأنَّ المسَاجِدَ لِلَّهِ فلا تَدْعُوا مع اللَّهِ أحداً، اللَّهُمَّ إني عبدُكَ وزائِرُكَ وعلى كُلِّ مزُورٍ حقٌّ لزائره، وأنْتَ خَيْرُ مزُورٍ، فأسْألُكَ بِرحْمتكَ أنْ تَفُكَّ رقَبَتِي من النَّارِ" فإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى وقال: "اللَّهُمْ صُبَّ عليَّ الخَيْرَ صباً ولا تَنزِعْ عنِّي صالحَ ما أعْطَيْتنِي أبداً، ولا تَجْعَلْ معِيْشتِي كدّاً، واجعل لِي في الأرضِ جداً" . تفسير : قوله: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً}. يجوز الفتحُ، أي: أوحى الله إليه أنه، ويجوز الكسر على الاستئناف، و "عَبْدُ اللَّهِ" هو محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن حسب ما تقدم أول اسورة. "يَدعُوهُ"، أي: يعبده. وقال ابن جريج: "يَدْعوهُ"، أي: قام إليهم داعياً إلى الله تعالى، فهو في موضع الحالِ، أي: يوحد الله. {كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً}. قال الزُّبيرُ بن العوام: هم الجنُّ حين استمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم أي: كاد يركب بعضهم بعضاً ازدحاماً عليه ويسقطون حرصاً على سماع القرآنِ العظيم. وقيل: كادوا يركبونه حرصاً، قاله الضحاكُ. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: رغبة في سماع القرآن. يروى عن مكحول: أن الجنَّ بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة، وكانوا سبعين ألفاً، وفرغوا من بيعته عند الفجر. وعن ابن عباس أيضاً: أن هذا من قول الجنِّ لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وائتمامهم به في الركوع والسجود. وقيل: كاد الجنُّ يركب بعضهم بعضاً حرصاً على النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن وقتادة وابن زيد: "لمَّا قَامَ عبدُ اللَّهِ" محمد بالدعوة تلبدت الإنس، والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى اللَّهُ تعالى إلاَّ أن ينصره ويتم نوره، واختار الطبريُّ أن يكون المعنى كادت العربُ يجتمعون على النبي صلى الله عليه وسلم ويتظاهرون على إطفاء النورِ الذي جاء به. قال مجاهد: اللِّبَد: الجماعات. قوله "لِبَداً": قرأ هشام: بضم اللام، والباقون: بكسرها. فالأولى: جمع "لُبْدَة" - بضم اللام - نحو "غُرفَة وغُرَف". وقيل: بل هو اسم مفرد صفة من الصفات نحو "حطم" وعليه قوله تعالى {أية : مَالاً لُّبَداً}تفسير : [البلد: 6]. وأما الثانية: فجمع "لِبْدة" - بالكسر - نحو "قربة وقِرَب". واللبدة: الشيء المتلبد، أي: المتراكب بعضه على بعض، ومنه قولهم "لبدة الأسد". كقول زهير: [الطويل] شعر : 4912 - لَدَى أسَدٍ شَاكٍ السِّلاحِ مُقذَّفٍ لَهُ لِبَدٌ أظفَارُهُ لم تُقلَّمِ تفسير : ومنه: اللبد؛ لتلبُّد بعضه فوق بعض، ولبد: اسم نسر لقمان بن عاد، عاش مائتي سنةٍ، حتى قالوا: أطال اللَّهُ الأمد على لبد. والمعنى: كادت الجنُّ يكونون عليه جماعات متراكمة متزاحمين عليه كاللبد. وقرأ الحسن والجحدريُّ: "لُبُداً" - بضمتين - ورواها جماعة عن أبي عمرو. وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنه جمع "لَبْد" نحو "رَهْن" جمع "رُهُن". والثاني: أنه جمع "لَبُود" نحو "صَبُور، وصُبُر" وهو بناء مبالغة أيضاً. وقرأ ابن محيصن: بضمة وسكون، فيجوز أن تكون هذه مخففة من القراءة التي قبلها ويجوز أن يكون وصفاً برأسه. وقرأ الحسن والجحدريُّ أيضاً: "لُبَّداً" - بضم اللام وتشديد الباء، وهي غريبة جداً. وقيل: وهو جمع "لابد" كـ"ساجد وسُجَّد، وراكع ورُكَّع". وقرأ أبو رجاء: بكسر اللام، وكسر الباء، وهي غريبة أيضاً. وقيل: اللُّبَد - بضم اللام وفتح الباء -: الشيء الدائم، واللبد أيضاً: الذي لا يسافر ولا يبرح؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 4913 - من امْرِىءٍ ذِي سماحٍ لا تزَالُ لَهُ بَزْلاءُ يَعْيَا بِهَا الجثَّامةُ اللُّبَدُ تفسير : ويروى: اللَّبد، قال أبو عبيد: وهو أشبه، ويقال: ألبدت القربة جعلتها في لبيد. ولبيد: اسم شاعر من بني عامر.

البقاعي

تفسير : ولما كان نوح عليه الصلاة والسلام أول رسول أرسله الله تعالى إلى المخالفين من أهل الأرض، وكان قومه عباد أوثان، وعصوه أشد العصيان مع أنه كان منهم نسباً ولساناً، وختمت سورته بدعائه عليهم، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، فهو آخر رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض وغيرهم من جميع الخلق، وكان قومه العرب قد وافقوا قوم نوح عليه السلام في أكثر أحوالهم عبادة الأوثان حتى تلك الأوثان إما بأساميها أو بأعيانها على ما ورد في الأخبار، وفي عصيان رسولهم واستضعاف أتباعه واستهزائهم ابتدئت، هذه بما كان من سهولة من سمع هذه الدعوة الخاتمة الجامعة من غير الجنس فضلاً عن الموافقين في الجنس مع قصر الزمان وضعف الأعوان لجلالة هذا القرآن، فقال منبهاً له بالأمر على ما في هذا من عظيم القدر، مع الإشارة إلى تبكيت العرب على التباطؤ عن الإجابة إلى ما يعرفون من رشده بمعناه ونظمه، لكونه بلسانهم وكونهم من نوع الداعي وقبيله وأقرب الناس إليه {قل} أي يا محمد لقومك. ولما كان المقصود تعظيم الموحى به، وأما الموحي إلى كل من الرسولين فواحد، بنى للمفعول قوله مبيناً لسيرة الجن في تلقيهم لهذا القرآن بالأخذ إرثاً من أشرف النبيين وإلقائهم له بالإبلاغ إلى غيرهم من وارث العلم منهم ليكون لهم الشرفان: شرف العلم لكمال أنفسهم، والتعليم لتكميل غيرهم، فيكون لهم مثل أجر من عمل بما ألقوه إليه وأملوه عليه: {أوحي إليّ} أي أخبرت على وجه الخفاء ممن لا يعلم الغيب غيره في هذا القرآن الذي اقتضى إعجازه أن أكون أكثر الأنبياء تابعاً على لسان جبريل عليه السلام الذي هو أمينه والواسطة بينه وبين أنبيائه، ثم وضع موضع المفعول الذي لم يسم فاعله قوله: {أنه} أي الشأن العظيم {استمع} أي بغاية الإصغاء والإقبال والتقبل والإلف استماعاً هو الاستماع في الحقيقة لأنه لقراءتي هذا القرآن {نفر} هم في غاية النفرة جبلة وطبعاً {من الجن} الذين هم في غاية الاستتار، وهم أجسام حية عاقلة خفيفة تغلب عليها النارية أو الهوائية كما تغلب على أجسام الإنس الترابية، والنفر ما بين الثلاثة والعشرة، قال البغوي: وكانوا تسعة من جن نصيبين، وقيل: كانوا سبعة، وفي هذه العبارة دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا قرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم عند قراءته، وهل هذا الاستماع هو المذكور في الأحقاف أو غيره قال أبو حيان: المشهور أنه هو، وقيل: هو غيره، والجن الذين أتوه بمكة جن نصيبين، والذين أتوه بنخلة جن نينوى، والسورة التي استمعوها قال عكرمة: العلق، وقيل: الرحمن، ولم يذكر هنا ولا في الأحقاف أنه رآهم، ويظهر من الحديث تعدد الواقعة، فمنها ما كان في المبدأ ولم يكن معه أحد من الصحابة رضي الله عنهم كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي في الصحيح"حديث : أنهم فقدوه صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي فالتمسوه في الأودية والشعاب، فلما أصبح إذا جاء من قبل حراء فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، ومنها ما كان معه عبد الله رضي الله عنه فذهب معه إلى الحجون عند الشعب فخط عليه خطاً، وقال: لا تجاوزه، فانحدر عليه أمثال الحجل يجرون الحجارة بأقدامهم حتى غشوه فلا أراه، وأومأ إليّ بيده أن اجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع واختفوا بالأرض حتى ما أراهم"تفسير : قال الأصبهاني: وقيل: كانوا من بني الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وهم عامة جنود إبليس، وقال القشيري: لما رجمت الشياطين بالشهب فرق إبليس جنوده لعلم ذلك فأتى سبعة منهم بطن نخلة فاستمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا ثم أتوا قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآناً عجباً، يعني ولم يرجعوا إلى إبليس لما علموه من كذبه وسفاهته، وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين من قومهم فأسلموا، فذلك قوله تعالى:{أية : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه}تفسير : [الأحقاف: 29] الآيات {فقالوا} أي فتسبب عن استماعهم أن قال من سمع منهم لمن لم يسمع، أو لمن كان يواخيهم من الإنس امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : رحم الله امرأً سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها"تفسير : وكان قولهم سكوناً إلى هذا ا لقرآن وأنسابه، مؤكدين لبعد حالهم عن سماع الوحي وعلمهم بما زاد به من الإعجاز: {إنا} بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد القول {سمعنا} حين تعمدنا الإصغاء وألقينا إليه أفهامنا {قرآناً} أي كلاماً هو في غاية الانتظام في نفسه والجمع لجميع ما نحتاج إليه، ثم وصفوه بالمصدر مبالغة في أمره فقالوا: {عجباً *} أي بديعاً خارجاً عن عادة أمثاله من جميع الكتب الإلهية فضلاً عن كلام الناس في جلالة النظم وإعجاز التركيب والوضع مع الموافقة لها في الدعوة إلى الله تعالى والبيان للمحاسن والمساوىء والدعاء إلى كل فلاح حتى صار نفس العجب، والعجب ما خرج عن حد أشكاله ونظائره فخفي سببه، وهذا يدل على قوتهم العلمية في فصاحتهم وكمالهم في علم الرسوم، وصوغ الكلام على أبلغ جهات النظوم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم ذكر حال كفار قريش في تعاميهم عن النظر وجريهم في اللدد والعناد حسبما انطوت عليه سورة ن والقلم، ثم أتبعت بوعيدهم في الحاقة ثم بتحقيقه وقرب وقوعه في المعارج ثم بتسليته عليه الصلاة والسلام وتأنيسه بقصة نوح عليه الصلاة والسلام مع قومه، أعقب ذلك بما يتعظ به الموفق ويعلم أن القلوب بيد الله: فقد كانت استجابة معاندي قريش والعرب أقرب في ظاهر الأمر لنبي من جنسهم ومن أنفسهم فقد تقدمت لهم معرفة صدقه وأمانته، ثم جاءهم بكتاب بلسانهم الذي به يتحاورون ولغتهم التي بها يتكلمون، فقد بهرت العقول آياته، ووضحت لكل ذي قلب سليم براهينه ومعجزاته، وقد علموا أنهم لا يقدرون على معارضته إلى ما شاهدوه من عظيم البراهين، ومع ذلك عموا وصموا - غضب الله عليهم ولعنهم - وسبق إلى الإيمان من ليس من جنسهم ولا سبقت له مزية تكريمهم، وهم الجن ممن سبقت لهم من الله الحسنى فآمنوا وصدقوا، وأمر صلى الله عليه وسلم بالإخبار بذلك، فأنزل الله تعالى عليه{قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن} [الجن: 1] الآيات إلى قوله إخباراً عن تعريف الجن سائر أخوانهم بما شاهدوه من عناد كفار العرب "وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً" ثم استمرت الآي ملتحمة المعاني معتضدة المباني إلى آخر السورة - انتهى. ولما بينوا فضله من جهة الإعجاز وغيره، بينوا المقصود بالذات الدال على غوصهم على المعاني بعد علمهم بحسن المباني فقالوا: {يهدي} أي يبين غاية البيان مع الدعاء في لطف وهدى {إلى الرشد} أي الحق والصواب الذي يكاد يشرد لثقله على النفوس الداعية إلى الهوى وخفة ضده الغي والسفة الملائم لنقائص النفوس. ولما وصفوه بهذه الكمالات سببوا عن ذلك قولهم إعمالاً للقوة العملية في المبادرة إلى الصواب من غير تخلف أصلاً: {فآمنا} أي كل من استمع منا لم يتخلف منا أحد ولا توقف بعد الاستماع {به} أي أوقعنا الأمان لمبلغ القرآن أن نكذبه أو نخالفه أدنى مخالفة بسبب هذا القرآن. ولما أخبروا عن الماضي، وكان الإيمان لا يفيد إلا مع الاستمرار، قالوا عاطفين على ما تقديره: فوجدنا الله في الحال لأن ذلك نتيجة الإيمان بالقرآن وخلعنا الأنداد: {ولن} أي والحال أنا مع إيقاع الإيمان في الحال لن {نشرك} بعد ذلك أصلاً، أكدوا لأنه أمر لا يكاد يصدق {بربنا} أي الذي لا إحسان قائم بنا من الإيجاد وما بعده إلا منه {أحداً *} أي من الخلق لأنه لم يشركه في شيء من مرنا أحد، وقد وضحت الدلائل على التوحيد فيما سمعنا من هذا القرآن. ولما أظهروا القوتين العلمية بفهمهم القرآن، والعملية بما حصل لهم من الإذعان، أعملوا ما لهم في الدعاء إلى الله تعالى من قوة البيان، فبعد أن نزهوه سبحانه عن الشرك عموماً خصوا مؤكدين في قراءة ابن كثير والبصريين وأبي جعفر بالكسر لما تقدم من أن مثل هذه السهولة لا تكاد تصدق، فقالوا عطفاً على {إنا سمعنا} [الجن: 1]: {وأنه} أي الشأن العظيم قال الجن: {تعالى} أي انتهى في العلو والارتفاع إلى حد لا يستطاع {جد} أي عظمة وسلطان وكمال غنى {ربنا} أي الموجد لنا والمحسن إلينا، وإذا كان هذا التعالي لجده فما بالك به، وكذا حكت هذه القراءة بقوله الجن ما بعد هذا إلا {أية : وألَّوِ استقاموا}تفسير : [الجن: 16] و{أية : أن المساجد لله}تفسير : [الجن: 18] و{أية : أنه لما قام}تفسير : [الجن: 19] فإنه مفتوح فيها عطفاً على الموحى به فهو في محل رفع إلا عند أبي جعفر فإنه فتح{ وأنه تعالى} [الجن: 3] و {أنه كان يقول} [الجن: 4]{أية : وأنه كان رجال}تفسير : [الجن: 6] ووافقهم نافع وأبو بكر عن عاصم في غير{أية : وأنه لما قام}تفسير : [الجن: 19] فإنهما كسراها وفتح الباقون وهم ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم الكل إلا ما صدر بالفاء على أنه معطوف على محل الجار في "به" أي صدقناه وصدقنا أنه - لا على لفظه وإلا لزم إعادة الجارّ عند نحاة البصرة، وقيل: عطف على لفظ الضمير في "به" على المذهب الكوفي الذي نصره أبو حيان وغير واحد من أهل اللسان. ولما وصفوه بهذا التعالي الأعظم المستلزم للغنى المطلق والتنزه عن كل شائبة نقص، بينوه بنفي ما ينافيه بقولهم إبطالاً للباطل: {ما اتخذ} عبر بصيغة الافتعال بياناً لموضع النقص لا تقييداً {صاحبة} أي زوجة {ولا ولداً *} لأن العادة جارية بأنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة وتسبيب، ومثل ذلك لا يكون إلا لمحتاج إلى بضاع أو غيره، والحاجة لا تكون إلا من ضعف وعجز، وذلك ينافي الجد، فالمحتاج لا يصح أصلاً أن يكون إلهاً وإن كان بغير تسبيب ومهلة، فهو عبث لأن مطلق الاختراع مغن عنه، فلم يبق إلا العبث الذي ينزه الإله عنه والصاحبة لا بد وأن تكون من نوع صاحبها، ومن له نوع فهو مركب تركيباً عقلياً من صفة مشتركة وصفة مميزة، والولد لا بد وأن يكون جزءاً منفصلاً عن والده، ومن له أجزاء فهو مركب تركيباً حسياً، ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون إلا لمحتاج، وأن الله تعالى متعال عن ذلك من تركيب حسي أو عقلي. ولما تبين لهم ما هو عليه سبحانه من النزاهة عن كل شائبة نقص، وصفوا من قال بضده صيانة لدينهم وعرضهم بالترفع عن الخسائس والرذائل بعدم التمادي في الباطل مقتاً للخلق في ذات الخلق مؤكدين لما للسامع في الغالب من تصديق ما يسمع والمحاجة عنه فقالوا: {وأنه} أي وقالوا إلى الشأن - هذا على قراءة الكسر، وآمنا بأنه - على قراءة الفتح {كان يقول} أي قولاً هو في عراقته في الكذب بمنزلة الجبلة والطبع {سفيهنا} وهو الجنس فيتناول إبليس رأس الجنس تناولاً أولياً، وكل من تبعه ممن لم يعرف الله لأن ثمرة العقل العلم، وثمرة العلم معرفة الله، فمن لم يعرفه فهو الذي يلازم الطيش والغي لأنه لا علم عنده أصلاً يحمله على الرزانة، كاذباً متقولاً {على الله} أي الذي له صفات الكمال المنافية لقول هذا السفيه في الولد {شططاً *} أي قولاً هو في بعده عن الصواب نفس البعد ومجاوزة الحد.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر والحاكم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا‏:‏ ما لكم‏؟‏ فقالوا‏:‏ أحيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، فقالوا‏:‏ ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما الذي حال بينكم وبين خبر السماء‏؟‏ فانصرف أولئك الذين ذهبوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا‏:‏ هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا‏:‏ يا قومنا ‏{‏إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً‏}‏ فأنزل الله على نبيه ‏{‏قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن‏} ‏ وإنما أوحى إليه قول الجن‏. وأخرج ابن المنذر عن عبد الملك قال‏:‏ لم تحرس الجن في الفترة بين عيسى ومحمد، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حرست السماء الدنيا ورميت الجن بالشهب فاجتمعت إلى إبليس فقال‏:‏ لقد حدث في الأرض حدث فتعرفوا فأخبرونا ما هذا الحدث‏؟‏ فبعث هؤلاء النفر إلى تهامة وإلى جانب اليمن وهم أشراف الجن وسادتهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة بنخلة، فسمعوه يتلوا القرآن، فلما حضروه قالوا‏:‏ أنصتوا، فلما قضى يعني بذلك أنه فرغ من صلاة الصبح ولوا إلى قومهم منذرين مؤمنين لم يشعر بهم حتى نزل ‏ {‏قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن‏} ‏ يقال‏:‏ سبعة من أهل نصيبين‏. وأخرج ابن الجوزي في كتاب صفوة الصفوة بسنده عن سهل بن عبد الله قال‏:‏ كنت في ناحية ديار عاد إذ رأيت مدينة من حجر منقورة في وسطها قصر من حجارة تأويه الجن، فدخلت فإذا شيخ عظيم الخلق يصلي نحو الكعبة وعليه جبة صوف فيها طراوة، فلم أتعجب من عظم خلقته كتعجبي من طراوة جبته، فسلمت عليه فرد عليّ السلام، وقال‏:‏ يا سهل إن الأبدان لا تخلق الثياب، وإنما يخلقها روائح الذنوب ومطاعم السحت، وإن هذه الجبة عليَّ منذ سبعمائة سنة لقيت بها عيسى ومحمداً عليهما السلام، فآمنت بهما فقلت له‏:‏ ومن أنت‏؟‏ قال‏:‏ أنا من الذين نزلت فيهم ‏ {‏قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن‏}‏ قال‏:‏ كانوا من جن نصيبين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏تعالى جد ربنا‏} ‏ قال‏:‏ الأمر وعظمته‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وأنه تعالى جد ربنا‏}‏ قال‏:‏ أمره وقدرته‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏ {‏تعالى جد ربنا‏} ‏ قال‏:‏ عظمته‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت الشاعر وهو يقول‏: شعر : لك الحمد والنعماء والملك ربنا ولا شيء أعلى منك جداً وأمجدا‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال‏:‏ لو علمت الجن أية يكون في الإِنس ما قالوا ‏ {‏تعالى جد ربنا‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏تعالى جد ربنا‏}‏ قال‏:‏ غنى ربنا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏تعالى جد ربنا‏}‏ قال‏:‏ تعالت عظمته‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏{‏تعالى جد ربنا‏} ‏ قال‏:‏ جلال ربنا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنه تعالى جد ربنا‏}‏ قال‏:‏ ذكره، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وأنه كان يقول سفيهنا‏}‏ قال‏:‏ هو إبليس‏.‏ وأخرج ابن مردويه والديلمي بسند واه عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً ‏{‏وأنه كان يقول سفيهنا‏}‏ قال‏:‏ إبليس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن حاضر مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا‏ً} ‏ قال‏:‏ عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الإِنس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن علقمة أنه كان يقرأ التي في الجن والتي في النجم وأن وأنه بالنصب‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في الضعفاء والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن كردم بن أبي السائب الأنصاري رضي الله عنه قال‏:‏ خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملاً من الغنم، فوثب الراعي، فقال‏:‏ يا عامر الوادي أنا جار دارك، فنادى منادٍ لا تراه يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم، وأنزل الله على رسوله بمكة ‏{‏وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن سعد عن أبي رجاء العطاردي من بني تميم قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رعيت على أهلي وكفيت مهنتهم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم خرجنا هراباً فأتينا على فلاة من الأرض، وكنا إذا أمسينا بمثلها قال شيخنا‏:‏ إنا نعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة، فقلنا ذاك، فقيل لنا‏:‏ إنما سبيل هذا الرجل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمن أقرّ بها أمن على دمه وماله، فرجعنا فدخلنا في الإِسلام قال أبو رجاء‏:‏ إني لأرى هذه الآية نزلت فيّ وفي أصحابي ‏ {‏وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً‏}‏ ‏. وأخرج أبو نصر السجزي في الإِبانة من طريق مجاهد عن ابن عباس أن رجلاً من بني تميم كان جريئاً على الليل والرجال، وأنه سار ليلة فنزل في أرض مجنة، فاستوحش، فعقل راحلته، ثم توسد ذراعيها وقال‏:‏ أعوذ بسيد هذا الوادي من شر أهله، فأجاره شيخ منهم، وكان منهم شاب وكان سيداً في الجن، فغضب الشاب لما أجاره الشيخ، فأخذ حربة له قد سقاها السم لينحر ناقة الرجل بها فتلقاه الشيخ دون الناقة فقال‏: شعر : يا مالك بن مهلهل مهلاً فذلك محجري وإزاري عن ناقة الإِنسان لا تعرض لها واختر إذا ورد المها أثواري إني ضمنت له سلامة رحله فاكفف يمينك راشداً عن جاري ولقد أتيت إلى ما لم أحتسب إلا رعيت قرابتي وجواري تسعى إليه بحربة مسمومة أفّ لقربك يا أبا اليقطاري لولا الحياء وان أهلك جيرة لتمزقتك بقوة أظفاري تفسير : فقال له الفتى‏:‏ شعر : أتريد أن تعلوا وتخفض ذكرنا في غير مزرية أبا العيزار متنحلاً أمراً لغيرك فضله فارحل فإن المجد للمرار من كان منكم سيداً فيما مضى إن الخيار هم بنو الأخيار فاقصد لقصدك يا معيكر إنما كان المجير مهلهل بن وبار تفسير : فقال الشيخ‏:‏ صدقت كان أبوك سيدنا وأفضلنا، دع هذا الرجل لا أنازعك بعده أحداً، فتركه، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه القصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إذا أصاب أحداً منكم وحشة، أو نزل بأرض مجنة فليقل‏:‏ أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن فتن الليل، ومن طوارق النهار إلا طارقاً يطرق بخير‏"‏تفسير : فأنزل الله في ذلك ‏ {‏وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً‏}‏ قال أبو نصر‏:‏ غريب جداً لم نكتبه إلا من هذا الوجه‏.‏ وأخرج الخرائطي في كتاب الهواتف عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن رجلاً من بني تميم يقال له‏:‏ رافع بن عمير حدث عن بدء إسلامه قال‏:‏ إني لأسير برمل عالج ذات ليلة إذا غلبني النوم فنزلت عن راحلتي وأنختها ونمت وقد تعوذت قبل نومي فقلت‏:‏ أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن فرأيت رجلاً في منامي بيده حربة يريد أن يضعها في نحر ناقتي، فانتبهت فزعاً فنظرت يميناً وشمالاً فلم أر شيئاً، فقلت‏:‏ هذا حلم‏.‏ ثم عدت فغفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئاً، فإذا ناقتي ترعد‏.‏ ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب، والتفتّ فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيته في المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها فبينما هما يتنازعان، إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى‏:‏ قم فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الإِنسي‏.‏ فقام الفتى فأخذ منها ثوراً عظيماً وانصرف، ثم التفت إلى الشيخ وقال‏:‏ يا هذا إذا نزلت وادياً من الأودية فخفت هوله فقل‏:‏ أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي، ولا تعذ بأحد من الجن، فقد بطل أمرها‏.‏ فقلت له‏:‏ ومن محمد هذا‏؟‏ قال‏:‏ نبي عربي لا شرقي ولا غربي بعث يوم الأثنين‏.‏ قلت‏:‏ فأين مسكنه‏؟‏ قال‏:‏ يثرب ذات النخل‏.‏ فركبت راحلتي حين برق الصبح وجددت السير حتى أتيت المدينة، فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئاً ودعاني إلى الإِسلام فأسلمت‏.‏ قال سعيد بن جبير رضي الله عنه‏:‏ وكنا نرى أنه هو الذي أنزل الله فيه ‏{‏وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن‏}‏ قال‏:‏ كان رجال من الإِنس يبيت أحدهم في الجاهلية بالوادي فيقول‏:‏ أعوذ بعزيز هذا الوادي ‏ {‏فزادوهم رهقاً‏} ‏ قال‏:‏ إثما‏ً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن‏} ‏ قال‏:‏ كان أحدهم إذا نزل الوادي يقول‏:‏ أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيأمن في نفسه ليلته أو يومه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن‏} ‏ قال‏:‏ كانوا يقولون إذا هبطوا واديا‏ً:‏ نعوذ بعظيم هذا الوادي ‏ {‏فزادوهم رهقاً‏} ‏ قال‏:‏ زادوا الكفار طغيانا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن‏} ‏ قال‏:‏ كانوا في الجاهلية إذا نزلوا منزلاً قالوا‏:‏ نعوذ بعزيز هذا المكان ‏{‏فزادوهم رهقا‏ً} ‏ يقول‏:‏ خطيئة وإثما‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم ‏ {‏وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا‏ً} ‏ قال‏:‏ كان القوم إذا نزلوا وادياً قالوا‏:‏ نعوذ بسيد أهل هذا الوادي فقالوا‏:‏ نحن لا نملك لنا ولا لكم ضراً ولا نفعاً، وهؤلاء يخافونا فاحتووا عليهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس ‏{‏وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا‏ً} ‏ قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ فلان رب هذا الوادي من الجن، فكان أحدهم إذا دخل ذلك الوادي يعوذ برب الوادي من دون الله، فيزيده بذلك ‏ {‏رهقا‏ً}‏ أي خوفاً‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ إن ناساً في الجاهلية كانوا إذا أتو وادياً للجن ناد منادي الإِنس إلى خيار الجن أن احبسوا عنا سفهاءكم فلم يغنهم ما وعظوا به ‏ {‏فزادوهم رهقاً‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا‏:‏ نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه فلا يكونون بشيء أشد ولعاً منهم بهم، فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏فزادوهم رهقاً‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق معاوية بن قرة عن أبيه قال‏:‏ ذهبت لأسلم حين بعث الله محمداً مع رجلين أو ثلاثة في الإِسلام، فأتيت الماء حيث يجتمع الناس، فإذا الناس براعي القرية الذي يرعى لهم أغنامهم، فقال‏:‏ لا أرعى لكم أغنامكم‏.‏ قالوا‏:‏ لم‏؟‏ قال‏:‏ يجيء الذئب كل ليلة يأخذ شاة وصنمكم هذا راقد لا يضر ولا ينفع ولا يقر ولا ينكر، فذهبوا وأنا أرجو أن يسلموا، فلما أصبحنا جاء الراعي يشتد يقول‏:‏ البشرى البشرى قد جيء بالذئب وهو مقموط بين يدي الصنم بغير قماط، فذهبوا وذهبت معهم فقتلوه وسجدوا له، وقالوا‏:‏ هكذا فاصنع، فدخلت على محمد صلى الله عليه وسلم، فحدثته هذا الحديث فقال‏:‏ لعب بهم الشيطان. ‏ أخرج عبد بن حميد في قوله‏:‏ ‏{‏وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهبا‏ً}‏ قال‏:‏ كانت الجن تسمع سمع السماء فلما بعث الله محمداً حرست السماء ومنعوا ذلك، فتفقدت الجن ذلك من أنفسها‏.‏ قال‏:‏ وذكر لنا أن أشراف الجن كانوا بنصيبين من أرض الموصل فطلبوا ذلك وصوبوا النظر حتى سقطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي بأصحابه عامداً إلى عكاظ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في دلائل النبوة عن ابن عباس قال‏:‏ كان الشياطين لهم مقاعد في السماء يستمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً فأما الكلمة فتكون حقاً، وأما ما زادوا فيكون باطلاً، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإِبليس، ولم تكن النجوم يرمي بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس‏:‏ ما هذا الأمر إلا لأمر حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال‏:‏ هذا الحدث الذي حدث في الأرض‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان للجن مقاعد في السماء يستمعون الوحي، فبينما هم كذلك إذ بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فدحرت الشياطين من السماء ورموا بالكواكب، فجعل لا يصعد أحد منهم إلا احترق، وفزع أهل الأرض لما رأوا من الكواكب ولم يكن قبل ذلك، وقال إبليس‏:‏ حدث في الأرض حدث فأتى من كل أرض بتربة فشمها، فقال لتربة تهامة‏:‏ هنا حدث الحدث فصرف إليه نفراً من الجن فهم الذين استمعوا القرآن‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حرست السماء شديداً ورجمت الشياطين، فانكروا ذلك، فقالوا‏:‏ ‏{‏لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً‏} ‏ فقال إبليس‏:‏ لقد حدث في الأرض حدث، فاجتمعت إليه الجن، فقال‏:‏ تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الحدث الذي حدث في السماء‏؟‏ وكان أول بعث بعث ركب من أهل نصيبين، وهم أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، فاندفعوا حتى بلغوا الوادي وادي نخلة فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة، ولم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم علم أنهم استمعوا إليه، وهو يقرأ القرآن، فلما قضى يقول‏:‏ لما فرغ من الصلاة ولوا إلى قومهم منذرين يقول‏:‏ مؤمنين‏.‏ وأخرج الواقدي وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عمرو قال‏:‏ لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين من السماء ورموا بالشهب‏.‏ وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن أبيّ بن كعب قال‏:‏ لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بها‏.‏ وأخرج البيهقي في الدلائل عن الزهري قال‏:‏ إن الله حجب الشياطين عن السمع بهذه النجوم، انقطعت الكهنة فلا كهانة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع‏}‏ قال‏:‏ حرست به السماء حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم لكيلا يسترق السمع، فأنكرت الجن ذلك، فكان كل من استمع منهم قذف‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كانت الجن قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون من السماء، فلما بعث حرست فلم يستطيعوا أن يستمعوا فجاؤوا إلى قومهم يقولون للذين لم يستمعوا فقالوا‏:‏ ‏ {‏إنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً‏} ‏ وهم الملائكة ‏ {‏وشهبا‏ً} ‏ وهي الكواكب ‏ {‏وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً‏} ‏ يقول‏:‏ نجماً قد أوصد له يرمي به‏.‏ قال‏:‏ فلما رموا بالنجم قالوا لقومهم‏:‏ ‏{‏أنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً‏}‏ ‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏يجد له شهاباً‏} ‏ قال‏:‏ من النجوم ‏ {‏رصدا‏ً} ‏ قال‏:‏ من الملائكة وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض‏} ‏ قالوا‏:‏ لا ندري لم بعث هذا النبي لأن يؤمنوا به ويتبعوه فيرشدوا أو لأن يكفروا به ويكذبوه فيهلكوا كما هلك من قبلهم من الأمم والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها ثمان وعشرون {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ} وقُرِىءَ أُحيَ إليَّ أصلُه وُحيَ وقد قُرِىءَ كذلكَ منْ وُحيَ إليهِ فقلبتْ الواوُ المضمومةُ همزةٌ كأعدَ وَأزنَ في وَعَدَ ووَزَنَ {أَنَّهُ} بالفتحِ لأنَّه فاعل أُوحي والضمير للشأن {ٱسْتَمَعَ} أي القرآن كما ذكر فِي الأحقافِ وقد حُذِفَ لدلالة ما بعدَهُ عليه {نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ} النفرُ ما بـينَ الثلاثةِ للعشرةِ، والجنُّ أجسام عاقلةٌ خفيةٌ يغلبُ عليهْمِ الناريةُ أو الهوائيةُ، وقيلَ: نوعٌ منَ الأرواحِ المجردةِ وقيلَ: هيَ النفوسُ البشريةُ المفارقةُ عن أبدانِها وفيهِ دِلالةٌ عَلى أنَّه عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ لم يشُعْر بهمِ وباستماعِهم ولم يقرأْ عليهمْ وإنَّما اتفقَ حضورُهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبره الله تعالى بذلك وقد مر ما فيه من التفصيلِ في الأَحْقَافِ {فَقَالُواْ} لقومِهم عندَ رجوعِهم إليهِم {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَاناً} كتاباً مقرُوءاً {عَجَبًا} بديعاً مبايناً لكلام الناسِ في حسن النظمِ ودقة المَعْنى وهو مصدرٌ وصفَ به للمبالغةِ {يَهْدِى إِلَى ٱلرُّشْدِ} إلى الحقِّ والصوابِ {فَئَامَنَّا بِهِ} أيْ بذلكَ القرآن {وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً} حسبمَا نطقَ به مَا فيهِ منْ دلائلِ التوحيدِ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}[1] قال: كان تسعة نفر من نصيبين اليمن، والنفر اسم يقع على الثلاثة إلى العشرة، جاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن في الصلاة، وكانوا من أمثل قومهم في دينهم، فلما سمعوه رقوا له فآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم منذرين. {فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ}[1-2] يعني يدل على اتباع سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقال سهل: رأيت في دار عاد الأولى مدينة مبنية من حجر، فيها قصر عظيم منقور من حجر يأويه الجن، فدخلت القصر معتبراً، فرأيت شخصاً عظيماً قائماً يصلي نحو الكعبة، عليه جبة صوف بيضاء بها طراوة، فعجبت لطراوة جبته، وانتظرت حتى فرغ من صلاته، فقلت: السلام عليك. فقال: وعليك السلام يا أبا محمد، عجبت لطراوة جبتي وهي علي منذ تسعمائة سنة؟ فيها لقيت عيسى ابن مريم ومحمداً صلى الله عليه وسلم فآمنت بهما، واعلم يا أبا محمد أن الأبدان لا تخلق الثياب، وإنما يخلقهما مطاعم السحت والإصرار على الذنوب. فقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا من الذين قال الله تعالى في حقهم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}[1]. وسئل سهل: هل يدخل الجن الجنة؟ فقال: بلغني أن في الجنة براري يسكنها الجن، ويأكلون فيها ويشربون، وفي القرآن دليل عليه، قال تعالى: {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن:74].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} [الآية: 1]. قال: تعجبت الجن من بركات القرآن لما سمعوه ووجدوا فى قلوبهم روحًا فى أسرارهم نورًا على أرواحهم راحة وفى أبدانهم نشاطًا للائتمار بأوامره فقالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} أى كتاباً عجيب البركة.

القشيري

تفسير : قيل: إن الجنَّ كانوا يأتون السماءَ فيستمعون إلى قولِ الملائكة، فيحفظونه، ثم يلقونه إلى الكهنة، فيزيدون فيه وينقصون.. وكذلك كانوا في الفترة التي بين نبيِّنا صلى الله عليه وسلم وبين عيسى عليه السلام. فلمَّا بُعِثَ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم ورُجِمُوا بالشُّهُبِ عَلِمَ إبليس أنه وقع شيءٌ ففرَّ جنوده، فأتى تسعةٌ منهم إلى بطن نخلة واستمعوا قراءته صلى الله عليه وسلم فآمنوا، ثم آتوا قومهم وقالوا: إنَّا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به... إلى آخر الآيات. وجاءه سبعون منهم وأسلموا وذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ..}تفسير : [الأحقاف: 29].

البقلي

تفسير : {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} خلق الله بعض اوليائه من الجن ولهم ارواح ملكوتية واجسام روحانية وهم اخواننا فى المعرفة يطيعون الله ورسوله ويحبون اوليائه يستنون بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ويسمعون القرأن ويفهمون معناه وبعضهم شاهدوا النبى صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شفاها وخضعوا له اذعانا وامتبشرا بروح الله وروح خطابه استبشار قال ابن عطا تعجبت الحق من بركات القرأن لما سمعوه وجدوا فى قلوبهم روحا وفى اسراهم نورا وعلى ارواحهم راحة وفى ابدانهم نشاطا للايتمار باوامره فقالوا انا سمعنا قرأنا عجبا اى كتابا عجيب البركة ثم وصف بركته بقوله يهدى الى الرشد يهدى الى معدنه وهو الذات القديم قال الجنيد الى الوصول الى الله وهو الرشد.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد لقومك {اوحى الى} اى ألقى على بطريق الوحى واخبرت باعلام من الله تعالى والايحاء اعلام فى خفاء وفائدة اخباره بهذه الاخبار بيان انه رسول الثقلين والنهى عن الشرك والحث على التوحيد فان مع تمردهم وعدم مجانستهم اذا آمنوا فكيف لا يؤمن البشر مع سهولة طبعهم ومجانستهم. {استمع} اى القرءآن اوطه او اقرأ وقد حذف لدلالة ما بعده عليه والاستماع بالفارسية نيوشيدن. والمستمع من كان قاصدا للسماع مصغيا اليه والسامع من اتفق سماعه من غير قصد اليه فكل مستمع سامع من غير عكس {نفر من الجن} جماعة منهم ما بين الثلاثة والعشرة وبالفارسية كروهى كه ازده كتر وازسه بيشتر بودند. قال فى القاموس النفر ما دون العشرة من الرجال كالنفير والجمع انفار وفى المفردات النفر عدة رجال يمكنهم النفر الى الحرب بالفارسية بيرون شدن. والجن واحده جنى كروم ورومى ونحوه قال ابن عباس رضى الله عنهما انطلق رسول الله عليه السلام فى طائفة من اصحابه الى سوق عكاظ فأدركهم وقت صلاة الفجر وهم بنخلة فأخذ هو عليه السلام يصلى باصحابه صلاة الفجر فمر عليهم نفر من الجن وهم فى الصلاة فلما سمعوا القرءآن استمعوا له وفيه دليل على انه عليه السلام ولم ير الجن حينئذ اذ لو رآهم لما اسند معرفة هذه الواقعة الى الوحى فان ما عرف بالمشاهدة لا يستند اثباته الى الوحى وكذا لم يشعر بحضورهم وباستماعهم ولم يقرأ عليهم وانما اتفق حضورهم فى بعض اوقات قرآءته فسمعوها فأخبره الله بذلك وقد مضى ما فيه من التفصيل فى سورة الاحقاف لا نعيده والجن اجسام رقاق فى صورة تخالف صورة الملك والانس عاقلة كالانس خفية عن ابصارهم لا يظهرون لهم ولا يكلمونهم الا صاحب معجزة بل يوسوسون سائر الناس يغلب عليهم النارية او الهوآئية ويدل على الاول مثل قوله تعالى {أية : وخلق الجان من مارج من نار}تفسير : فان المشهور ان المركابت كلها من العناصر فما يغلب فيه النار فنارى كالجن وما يغلب فيه الهوآء فهوآئى كالطير وما يغلب فيه الماء فمائى كالسمك وما يغلب فيه التراب فترابى كالانسان وسائر الحيوانات الارضية واكثر الفاسفة ينكرون وجود الجن فى الخارج واعترف به جمع عظيم من قدمائهم وكذا جمهور أرباب الملل المصدقين بالانبياء قال القاشانى ان فى الوجود نفوسا ارضية قوية لا فى غلظ النفوس السبعية والبهيمية وكثافتها وقلة ادراكها ولا على هيئات النفوس الانسانية واستعداداتها ليلزم تعلقها بالاجرام الكثيفة الغالب عليها الارضية ولا فى صفاء النفوس المجردة ولطافتها لتتصل بالعالم العلوى وتتجرد او تتعلق ببعض الاجرام السماوية متعلقة باجرام عنصرية لطيفة غلبت عليهم الهوآئية او النارية او الدخانية على اختلاف احوالها سماها بعض الحكماء الصور المعلقة ولها علوم وادراكات من جنس علومنا وادرركاتنا ولما كانت قريبة بالطبع الى الملكوت السماوى امكنها ان تتلقى من عالمها بعض الغيب فلا يستبعد أن ترتقى افق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة اى النفوس المجردة ولما كانت ارضية ضعيفة بالنسبة الى القوى السماوية تأثرت تلك القوى فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأوها وادراك مداها من العلوم ولا ينكر أن تشتعل اجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق وتهلك او تنزجر عن الارتقاء الى الافق السماوى فتتسفل فانها امور ليست بخرجة عن الامكان وقد اخبر عنها اهل الكشف والعيان الصادقون من الانبياء والاولياء خصوصا اكملهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهى فى الوجود الانسانى لاستتارها فىغيب الباطن {فقالوا} لقومهم عند رجوعهم اليهم {انا سمعنا قرءآنا} اى كتابا مقروأ على لسان الرسول {عجبا} مصدر بمعنى العجيب وضع موضعه للمبالغة والعجيب ما خرج عن حد اشكاله ونظائره والمعنى بدعيا مباينا لكلام الناس فى حسن النظم ودقة المعنى وقال البقلى كتابا عجيبا تركبه وفيه اشارة الى انهم كانوا من اهل اللسان قال عيزار بن حريث كنت عند عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فأتاه رجل فقال له كنا فى سفر فاذا نحن بحية جريحة تتشحط فى دمها اى تضطرب فان الشحط بالحاء المهملة لاضطراب فى الدم فقطع رجل منا قطعة من عمامته فلفها فيها فدفنها فلما امسينا ونزلنا أتانا امرأتان من احسن نساء الجن فقالتا ايكم صاحب عمر واى الحية التى دفنتموها فأشرنا لهما الى صاحبهما فقالتا انه كان آخر من بقى من استمع القرءآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين كافرى الجن ومسلميهم قتال فقتل فيهم فان كنتم اردتم به الدنيا ثوبناكم اى عوضناكم فقلنا لا انما فعلنا ذلك لله فقالتا احسنتم وذهبتا يقال اسم الذى لف الحيه صفوان بن معطل المرادى صاحب قصة الافك والجنى عمرو بن خابر رحمه الله.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: قد أجمعوا على فتح ( أنه)؛ لأنه نائب فاعل " أوحى"، و { أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ } تفسير : [الجن:16] و {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ } تفسير : [الجن:18] للعطف على {أنه استمع} فـ"أن" مخففة، و {أية : أَن قَدْ أَبْلَغُواْ } تفسير : [الجن:28] لتعدّي "يعلم" إليها، وكسر ما بعد فاء الجزاء، وبعد القول، نحو: {أية : فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } تفسير : [الجن:23] و {قالوا إنّا سمعنا}؛ لأنه مبتدأ محكي بعد القول. واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من {أنه تعالى جَدٌ ربنا} إلى: {وأنَّا منا المسلمون}، ففتحها الشامي والكوفيّ [غير] أبي بكر؛ عطفاً على {أنه استمع}، أو على محلّ الجار والمجرور في {آمنا به} تقديره: صدّقناه وصدّقنا أنه تعالى جدّ ربنا {وأنه كان يقول سفيهنا...} إلى آخره، وكسرها غيرُهم عطفاً على {إنّا سمعنا}، وهم يقفون على آخر الآيات. يقول الحق جلّ جلاله: {قل} يا محمد لأمتك: {أُوحي إِليَّ أنه استمع} أي: الأمر والشأن استمع للقرأن {نفر من الجن}، وهم جن نصيبين، كما تقدّم في الأحقاف، وكانوا متمسكين باليهودية. والنفر ما بين الثلاثة والعشرة. والجن عاقلة خفية، يغلب عليهم الناري والهوائية، وقيل: روح من الأرواح المجرّدة. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك، فهذه غير الحكاية التي حضر معهم، ودعاهم، وقرأ عليهم سورة الرحمن، كما في حديث ابن مسعود. {فقالوا} أي: المستمِعون حين رجعوا إلى قومهم: {إِنَّا سمعنا قرآناً}؛ كتاباً {عجباً}؛ بديعاً، مبايناً لكلام الناس في حُسن النظم ورقّة المعنى. والعجب: ما يكون خارجاً عن العادة، وهو مصدر وصف به للمبالغة. {يهدي إِلى الرُّشْد}؛ إلى الحق والصواب، {فآمنّا به} أي: بذلك القرآن، ولمَّا كان الإيمان به إيماناً بالله وتوحيده، وبراءةً من الشرك، قالوا: {ولن نُشْرِكَ بربنا أحداً} من خلقه، حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد، ويجوز أن يكون الضمير في "به" لله تعالى؛ لأنَّ قوله: (بربنا) يُفسّره. {وأنه تعالى جَدُّ ربِّنا} أي: ارتفع أو تنَزّه عظمة ربنا، أو سلطانه, أو غناه، يُقال: جَدّ فلان في عيني إذا عَظُم, ومنه قول عمر: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ في عيننا، أي: عظم في عيوننا، {ما اتخذَ صاحبةً}؛ زوجة {ولا ولداً} كما يقول كفار الجن والإنس، والمعنى: وصفوه بالاستغناء عن الصاحبة والولد؛ لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقُرىء "جَدًّا" على التمييز، أي: أنه تعالى ربنا جَداً، وقُرىء بكسر الجيم, أي: تنزّه صِدق ربوبيته، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لمَّا سمعوا القرآن، واهتدوا للتوحيد والإيمان، تنبّهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد, فاستعظموه ونزّهوه تعالى عنه. {وأنه كان يقول سفيهُنا} أي: جاهلنا من مردة الجن، أو إبليس؛ إذ ليس فوقه سفيه، {على الله شططاً} أي: قولاً ذا شطط, أي: بُعدٍ وجورٍ، وهو الكفر؛ لبُعده عن الصواب، من: شطت الدار: بَعُدت، أو: قولاً مجاوزاً للحدّ، بعيداً عن القصد، أو هو شطط في نفسه؛ لفرط بُعده عن الحق، وهو نسبة الصاحبة والولد لله تعالى. والشطط: مجاوزة الحدِّ في الظلم وغيره. {وأنَّا ظننا أن لن تقول الإِنسُ والجنُّ على الله كذباً} أي: قولاً كذباً أو مكذوباً فيه، أي: كان في ظننا أنَّ أحداً لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد، فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبيّن لنا بالقرآن كذبهم. {وأنه كان رجالٌ من الإِنس يعوذون برجالٍ من الجن}، كان الرجل من العرب إذا نزل بوادٍ قفرٍ وخافَ على نفسه، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سُدنا الإنس والجنّ، وذلك قوله تعالى: {فزادوهم}؛ زاد الإنسُ والجنَّ باستعاذتهم بهم {رَهَقاً}: طغياناً وسفهاً وتكبُّراً وعتواً، أو: فزاد الجنُّ والإنسَ رهقاً: إثماً وغيًّا؛ بأن أضلوهم، حتى استعاذوا بهم. {وأنهم} أي: الجن {ظنوا كما ظننتم} يا أهل مكة {أن لن يبعثَ اللهُ أحداً} بعد الموت، أي: إنَّ الجن كانوا يُنكرون البعث كإنكاركم يا معشر الكفرة، ثم بسماع القرآن اهتدوا، وأقرُّوا بالبعث، فهلاّ أقررتم كما أقرُّوا؟! أو: ظنوا ألن يبعث اللهُ رسولاً من الإنس. وبالله التوفيق. الإشارة: كما كانت تسمع الجنُّ من الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخذ عنه، كذلك تسمع من خلفائه من الأولياء والعلماء الأتقياء, فهي تحضر مجالسَ الذكر والتذكير والعلم، على حسب ما يطلب كلُّ واحد منهم، وقد حدثني بعضُ أصحابنا أنه بات في موضع خالٍ، فأتاه رجلان من الجن وتحدّثا معه، وأخبره أنهما من الجن نازلان مع قومهما في ذلك الموضع، وقالا له: إنا لنحضر مجلس شيخكما ـ أي: مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ـ ونسمع منه. هـ. ففيهم الأولياء, والعلماء، والقُراء، وسائر الطرائق، كما يأتي في قوله: {طرائق قِدداً}. وقال الورتجبي: خلق اللهُ بعض أوليائه من الجن، لهم أرواح ملكوتية، وأجسام روحانية، وهم إخواننا في المعرفة، يُطيعون اللهَ ورسوله، ويُحبون أولياءه، ويستنُّون بسنّة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسمعون القرآن، ويفهمون معناه، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شِفاهاً، وخضعوا له إذعاناً، واستبشروا برَوح الله، ورَوح قضائه استبشاراً. هـ. قلتُ: ومعرفة الآدمي أكمل؛ لاعتدال بشريته وروحانيته، والجن الغالب عليه الانحراف للطافة بشريته واحتراقها. وقوله تعالى: {يهدي إلى الرُشد}، قال الجنيد: يهدي إلى الوصول إلى الله، وهو الرشد. هـ. وقال الورتجبي: يهدي إلى معدن الرشد، وهو الذات القديم. هـ. وقوله تعالى: {وأنه تعالى جَدُّ ربنا...} الخ، أي: تنزهت عظمة ربنا الأزلية، عن اتخاذ الصاحبة والولد، إنما اتخاذ الصاحبة والولد من شأن عالم الحكمة، ستراً لأسرار القدرة، فافهم. وقال الجنيد: ارتفع شأنه عن أن يتخذ صاحبة أو ولداً. هـ. والشطط الذي يقوله السفيه الجاهل هو وجود السوي مع الحق تعالى، وهو أيضاً الكذب الذين ظنّت الجن أن لن يُقال على الله، ولذلك قال الشاعر: شعر : مُذْ عَرفْتُ الإِلَهَ لَمْ أَرَ غَيْراً وكَذّا الْغَيْرُ عندنا مَمنوعُ تفسير : وقال بعض العارفين: لو كُلفت أن أشهد غيره لم أستطيع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده. هـ. وكل مَن استعاذ بغير الله فهو ضال مضل، وكل مَن أنكر النشأة الأخرى فهو تالف ملحد. ثم ذكر امتناعهم من استراق السمع، فقال: {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا}.

الطوسي

تفسير : قال الفراء: قرأ حوبة بن عابد {قل أحي إلي} أراد وحي اليّ مثل وعد فقلبت الواو همزة، كما قلبها فى قوله {أية : وإذا الرسل أقتت}تفسير : وأصله وقتت. والعرب تقول: وحيت اليه، واوحيت بمعنى واحد وومأت اليه وأومات، قال الراجز: شعر : وحى لها القرار فاستقرت تفسير : وقرأ ابن كثير وابو عمرو {قل أوحي إلي أنه استمع} و {أن لو استقاموا} {وأن المساجد لله} و {أنه لما قام عبد الله} أربعة أحرف - بفتح الالف - والباقي من أول السورة الى ها هنا بكسر الالف. وقرأ نافع وعاصم فى رواية أبي بكر كذلك، إلا قوله {وأنه لما قام عبد الله} فانه قرأ بالكسر. الباقون بفتح جميع ذلك إلا ما جاء بعد (قول) او (فاء جزاء) فانهم يكسرونه. من فتح جميع ذلك جعله عطفاً علي {أوحي إليّ أنه} وأنه. ومن كسر عطف على قوله {إنا} وإنا. قال قوم: ومن نصب فعلى تقدير آمنا به وبكذا فعطف عليه. قال الزجاج: إن عطف على الهاء كان ضعيفاً، لان عطف المظهر على المضمر ضعيف، ومن جعله مفعول {آمنا} فنصبه به كأنه قال: آمنا بكذا وكذا، وأسقط الباء فنصب على المعنى، لأن معنى {آمن} صدق، فكأنه قال: صدقنا بكذا وكذا، وحذف الجار. ومن كسر من هؤلاء بعد القول أو فاء الجزاء، فلأنه لا يقع بعد القول والفاء إلا ما هو ابتداء، أو ما هو فى حكم الابتداء. ومن كسر جميع ذلك جعله مستأنفاً، ولم يوقع {آمنا} عليه، وما نصب من ذلك جعله مفعولا بايقاع فعل عليه. فأما قوله {أوحي إلي أنه استمع} فمفعول {أوحي} لا غير بلا خلاف. وقرأ ابو جعفر {أن لن تقوّل الإنس} على معنى تكذب. الباقون بتخفيف الواو من القول. يقول الله تعالى آمراً لمحمد نبيه صلى الله عليه وآله {قل} يا محمد لقومك ومن بعثت اليه {أوحي إلي} فالايحاء القاء المعنى إلى النفس خفياً كالالهام، وانزال الملائكة به لخفائه عن الناس إلا على النبي الذي انزل اليه كالايماء الذي يفهم به المعنى. والمراد - ها هنا - انزال الملك به عليه. ثم بين ما أوحي اليه فقال {انه استمع نفر من الجن} فالاستماع طلب سماع الصوت بالاصغاء اليه، وهو تطلب لفهم المعنى، وتطلب ليستدل به على صاحبه. وقيل: ان الجن لما منعوا من استراق السمع طافوا فى الارض، فاستمعوا القرآن، فآمنوا به، فانزل بذلك الوحي على النبي صلى الله عليه اله ذكره ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم. والنفر الجماعة. والجن جيل رقاق الاجسام خفية على صور مخصوصة بخلاف صورة الملائكة والناس. وقيل: العقلاء من الحيوان ثلاثة اصناف: الملائكة، والناس، والجن. والملك مخلوق من النور، والانس من الطين والجن من النار. ثم ذكر انه قالت الجن بعضها لبعض {إنا سمعنا قرآناً عجباً} والعجب هو كل شيء لا يعرف سببه. وقيل: هو ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه وخروجه عن العادة فى مثله، فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه عن العادة فى الكلام، وخفي سببه عن الأنام كان عجباً. وقوله {يهدي إلى الرشد} حكاية ما قالت الجن ووصفت به القرآن، فانهم قالوا: هذا القرآن يهدي إلى ما فيه الرشاد والحق {فآمنا به} أي صدقنا بأنه من عند الله {ولن نشرك} فيما بعد {بربنا أحداً} فنوجه العبادة اليه بل نخلص العبادة له تعالى {وأنه تعالى جدّ ربنا} من كسر الهمزة عطفه على قوله {إنا سمعنا} وحكى أنهم قالوا (إنه) ويجوز أن يكون استأنف الاخبار عنهم، ومن فتح فعلى تقدير فآمنا بأنه تعالى جدّ ربنا، ومعناه تعالى عظمة ربنا، لانقطاع كل شيء عظمة عنها لعلوها عليه. ومنه الجد ابو الأب، والجد الحظ لانقطاعه بعلو شأنه. والجد ضد الهزل لانقطاعه عن السخف، ومنه الجديد لأنه حديث عهد بالقطع فى غالب الأمر. وقال الحسن - فى رواية - ومجاهد وقتادة: معناه تعالى جلالته وعظمته. وفى رواية اخرى عن الحسن: تعالى غني ربنا، وكل ذلك يرجع الى معنى وصفه بأنه عظيم غني. ويقال: جد فلان فى قومه إذا عظم فيهم. وروي عن أحدهما عليهم السلام انه قال: ليس لله جدّ وإنما قالت ذلك الجن بجهلها فحكاه كما قالت. وقال الحسن: ان الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله إلى الانس والجن، وانه لم يرسل رسولا قط من الجن ولا من أهل البادية، ولا من النساء، لقوله {أية : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى}. تفسير : وقوله {ما اتخذ صاحبة ولا ولداً} على ما قال قوم من الكفار. وقوله {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً} من كسر استأنف. ومن نصب عطف على قوله {وأنه تعالى جد ربنا} ونصب ذلك بتقدير آمنا، وقدر للباقي فعلا يليق به، ويمكن أن يعمل فيه، كما قال الشاعر: شعر : إذا ما الغانيات برزن يوماً وزججن الحواجب والعيونا تفسير : على تقدير: وكحلن العيون، وقال مجاهد وقتادة: أرادوا بـ {سفيههم} ابليس و (الشطط) السرف فى ظلم النفس والخروج عن الحق، فاعترفوا بأن ابليس كان يخرج عن الحد بما يغري به الخلق ويدعوهم إلى الضلال. وقوله {وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً} اخبار عن اعترافهم بأنهم ظنوا أن لا يقول أحد من الجن والانس كذباً على الله فى اتخاذ الشريك معه والصاحبة والولد، وأن ما يقولونه من ذلك صدق حتى سمعنا القرآن وتبينا الحق به. وقوله {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} قال البلخي: قال قوم: المعنى إنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الانس من أجل الجن، لأن الرجال لا يكون إلا فى الناس دون الجن. ومن قال بالأول قال فى الجن رجال مثل ما فى الانس. وقال الحسن وقتادة ومجاهد: كان الرجل من العرب إذا نزل الوادي في سفره قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه. ومعنى {يعوذون} يستجيرون، وهذا اخبار من الله تعالى عن نفسه دون الحكاية عن الجن. والعياذ الاعتصام وهو الامتناع بالشيء من لحاق الشر. والرجال جمع رجل وهو الذكر البالغ من الذكران. والانسان يقع على الذكر والمرأة، والصغير والكبير ثم ينفصل كل واحد بصفة تخصه وتميزه من غيره. وقوله {فزادوهم رهقاً} أي اثماً الى اثمهم الذي كانوا عليه من الكفر والمعاصي - فى قول ابن عباس وقتادة - وقال مجاهد: يعني طغياناً. وقال الربيع وابن زيد: يعني فرقاً. وقيل سفهاً. قال الزجاج: يجوز ان يكون الجن زادوا الانس، ويجوز أن يكون الانس زادوا الجن رهقاً. والرهق لحاق الاثم، وأصله اللحوق. ومنه راهق الغلام إذا لحق حال الرجال قال الاعشى: شعر : لا شيء ينفعني من دون رؤيتها هل يشتفى وامق ما لم يصب رهقاً تفسير : أي لم يعش اثماً. ثم حكى تعالى {وأنهم ظنوا كما ظننتم} معاشر الانس {أن لن يبعث الله أحداً} أي لا يحشره يوم القيامة ولا يحاسبه. وقال الحسن: ظن المشركون من الجن، كما ظن المشركون من الانس {أن لن يبعث الله أحدا} لجحدهم بالبعث والنشور، واستبعدوا ذلك مع اعترافهم بالنشأة الأولى، لانهم رأوا إمارة مستمرة في النشأة الأولى، ولم يروها في النشأة الثانية، ولم ينعموا النظر فيعلموا أن من قدر على النشأة الأولى يقدر على النشأة الاخرى. وقال قتادة: ظنوا أن لا يبعث الله احداً رسولا. ثم حكى ان الجن قالت {إنا لمسنا السماء} أي مسسناها بايدينا. وقال الجبائي: معناه إنا طلبنا الصعود الى السماء، فعبر عن ذلك باللمس مجازاً، وانما جاز من الجن تطلب الصعود مع علمهم بأنهم يرمون بالشهب لتجويزهم أن يصادفوا موضعاً يصعدون منه ليس فيه ملك يرميهم بالشهب، او اعتقدوا أن ذلك غير صحيح، ولم يصدقوا من أخبرهم بأنهم رموا حين أرادوا الصعود {فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً} نصب {حرساً} على التمييز و {شديداً} نعته و {شهباً} عطف على {حرساً} فهو نصب ايضاً على التمييز. وتقديره ملئت من الحرس. والشهب جمع شهاب، وهو نور يمتد من السماء من النجم كَالنار. قال الله تعالى {أية : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين}تفسير : والحرس جمع حارس. وقيل: إن السماء لم تحرس قط إلا لنبوة أو عقوبة عاجلة عامة. ثم حكى أنهم قالوا ايضاً {إنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً} أي لم يكن فيما مضى منع من الصعود فى المواضع التي يسمع منها صوت الملائكة وكلامهم، ويسمع ذلك، فالآن من يستمع منا ذلك يجد له شهاباً يرمى به ويرصد و {شهاباً} نصب على أنه مفعول به و {رصداً} نعته. ثم حكى انهم قالوا {وإنا لا ندري} بما ظهر من هذه الآية العجيبة {أشر أريد بمن في الأرض} من الخلق أي اهلاكاً لهم بكفرهم وعقوبة على معاصيهم {أم أراد بهم ربهم رشداً} وهداية إلى الحق بأن بعث نبياً، فان ذلك خاف عنا وقال قوم: إنا الشهب لم تكن قبل النبي صلى الله عليه وآله وإنما رموا به عند بعثه صلى الله عليه وآله وقال آخرون: الشهب معلوم أنها كانت فيما مضى من الزمان، ولكن كثرت في زمن النبي صلى الله عليه وآله وعمت لا أنها لم تكن أصلا. قال البلخي: الشهب كانت لا محالة غير انه لم تكن تمتنع بها الجن عن صعود السماء، فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله منع الجن من الصعود.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} لاهل مكّة {أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} قد سبق فى سورة الاحقاف نزول الآية وقصّة الجنّ.

الأعقم

تفسير : {قل} يا محمد {أوحي} ذكر على ما لم يسم فاعله تفخيماً وتعظيماً والله تعالى الذي أوحى إليه {أنه استمع نفرٌ من الجن} قيل: كانوا سبعة من جن نصيبين سمعوا قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورجعوا إلى قومهم {فقالوا إنَّا سمعنا قرآناً عجباً} لأن كلام العباد لا تعجب منه، وقيل: أرادوا كلاماً خارجاً عن كلام العباد نظماً وفصاحة ومعنى {يهدي إلى الرشد} أي يدل إلى الهدى ويدعو إليه {فآمنا به} أي صدقنا {ولن نشرك بربنا أحداً} قيل: إنما بدأوا بأنفسهم في الحكاية لأنهم كانوا رأوا العوام وتبعوهم في مذاهبهم، وقيل: قالوا لهم نصيحة، واختلفوا قيل: لم يراهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك قال أوحي إليَّ، وقيل: بل رآهم وكانوا سبعة فأرسلهم إلى سائر الجن {وأنّه تعالى جدّ ربنا} كما قيل: تعالت صفات الله وعظم جلالة ربنا وعظمته، يقال: جد فلان في بني فلان أي عظم، والمعنى جلّ في صفاته فلا تجوز عليه صفات الأجسام والأعراض {ما اتخذ صاحبة} أي زوجة {ولا ولداً} {وإنه كان يقول سفيهنا} قيل: جاهلنا، وقيل: هو ابليس {على الله شططا} يعني قولاً عظيماً وافترى على الله بوصفه بما لا يليق به، شططا أي بعيداً من الصواب وهو الكذب في توحيد الله وعدله {وأنا ظننا أن لن تقول الإِنس والجن على الله كذباً} الكذب في وصفه بالولد والشريك حتى سمعنا القرآن وتبنا إلى الله {وأنه كان رجالٌ من الإِنس} أي من بني آدم، وقيل: أن أول من تعوذ بهم رجال من اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا في العرب، وكان الرجل إذا نزل وادياً في سفره قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه {فزادوهم رهقاً} يعني زاد الجن الإِنس رهقاً استعاذتهم، واختلفوا في قوله: {رهقاً} قيل: إثماً، وقيل: طغياناً، وقيل: جهلاً، وقيل: هلاكاً.

الهواري

تفسير : تفسير سوة الجِنّ، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ} هؤلاء من جنّ نصيبين، من الذين قال الله عزّ وجل عنهم للنبي عليه السلام: (أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ) تفسير : [الأحقاف:29]. {فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} أي: إلى الهدى {فَآمَنَّا بِهِ} أي: فصدّقناه. {وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} أي: آمنوا به، وكانوا قبل ذلك ـ فيما بلغنا ـ على اليهودية. وقد قالوا في سورة الأحقاف: (أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ) تفسير : [الأحقاف:30]. قال الكلبي: كانوا سبعة. قال عز وجل: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} أي: عظمته وكبرياؤه {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَهً وَلاَ وَلَداً}. قال: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} أي: سفيه الجن، وهو المشرك {عَلَى اللهِ شَطَطاً} أي: جوراً وكذباً؛ أي: شركة. {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً}.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ} يا محمدا {أُوحِيَ إلَيَّ} وقرئ وحي من الوحي لا من الايحاء وهو قراءة بن أبي عبلة وقرأ أحي من الوحي قلبت الواو همزة لانضمامها كأعد وأزن في وعد ووزن وهو قيل قلب مطلق جوازه في كل واو مضمومة وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضا كأشاح وإسادة وإعاء في وشاح أو وسادة ووعاء {أَنَّهُ اسْتَمَعَ} في تأويل مصدر نائب أوحى والهاء ضمير الشأن والاستماع للقرآن. {نَفَرٌ} يقال لما بين الثلاثة إلى العشرة بدخولهما والمراد هنا سبعة. {مِّنَ الْجِنِّ} جن نصيبين قيل كانوا من الشيصفان وهم أكثر الجن عددا وعامة جنود إبليس منهم قيل جاءوه في صلاة الصبح ببطن نخلة موضع بين مكة والطائف وهو يقرأ القرآن في الصلاة وكانوا أفضل قومهم في دينهم فلما سمعوا رقوا له وصدقوه. قال سهل رأيت في دار عاد مدينة مبنية من حجر فيها قصر عظيم منقور من حجر تأويه الجن فدخلت القصر معتبرا بما فيه فرأيت شخصا قائما يصلي نحو الكعبة وهو في غاية العظم وعليه جبة صوف بيضاء بها طراوة فتعجبت لطراوة جبته وانتظرت حتى فرغ من صلاته فقلت السلام عليك فقال وعليك السلام يا أبا محمد: عجبت لطراوة جبتي وهي عليّ منذ تسع مائة سنة لقيت فيها عيسى بن مريم عليه السلام ومحمدا صلى الله عليه وسلم وامنت بهما وأعلم يا أبا محمد أن الابدان لا تخلق الثياب وإنما يخلقها مطاعم السحت والاصرار على الذنوب فقلت له ومن أنت قال أنا من الذين قال الله فيهم {قُلْ أُوحِيَ} الاية قيل وفي ذلك دليل أنه صلى الله عليه وسلم ما رءاهم وما قراء عليهم ولكن اتفق حضورهم في وقت فراقه فسمعوا فأخبره الله جل وعلا. وفي الآية ونحوها دليل على وجود الجن واشرك منكرهم وقد أنكرهم جمهور الفلاسفة وأثبتهم جماعة منهم وسموهم بالارواح السفلية وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية هي أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية والهوائية وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل نفوس شريرة مفارقة عن ابدائها وعن بعضهم انها حيوان هوائي يتشكل بأشكال مختلفة وقيل أنها جواهر ليست بأجسام ولا بأعراض وعندنا الجسم والجوهر واحد قال صاحب هذا القول هذه الجواهر بعضها خيرية كريمة محبة للخيرات وبعضها دنية خسيسة شريرة محبة للشرور والافات ولا يعلم عدة أنواعهم إلا الله وقيل أجسام مختلفة الماهية موصوفة بالطول والعرض منهم لطيف وكثيف وعلوي وسفلي قادرة على أفعال عجيبة أو شاقة يعجز عنها البشر متشكلة بأشكال مختلفة بأقدار الله لهم على ذلك وقيل أن الأجسام متساوية في تمام الماهية وليست البنية شرطا للحيات وهو قول الاشعري وجمهور اتباعه وأنكر بعض المعتزلة وجود الجن وقالوا البنية شرط للحياة وأنه لا بد من صلابة البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة وهو قول منكر نسبه بعضهم للمعتزلة لا لبعضهم والظاهر أن قائله إما مشرك أو شذّ وغلا بالتاويل والله أعلم. أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يظهر لاصحابه واقعة الجن وكما أنه مبعوث الى الإنس مبعوث الى الجن لتعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن عرفوا إعجازه فآمنوا به *{فَقَالُوا} لقومهم لما رجعوا اليهم {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْأَنَا عَجَباً} أنكروا القرآن للتعظيم أو لأنه في معنى كتاب من الكتب والعجب البديع المغاير لكلام الناس في حسن تركيبه ودقة معانيه وهو مصدر وصف به مبالغة أو لتأويله بمعجب به أو ذي عجب أي يتعجب سامعه منه.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} لقومك لعلهم يؤمنون بك كما آمن الجن بك وليسوا من جنسك، وكيف لا يؤمنون بك وهم أفضل من الجن وأعقل، قيل الجن حيوان هوائى يتشكل بأَشكال مختلفة، وقيل جواهر لا أجسام ولا أعراض بعضها شريرة كريهة محبة للشرور وبعضها خيرة كريمة محبة للخيور، ولا يعلم عدة أنواعهم إِلا الله عز وجل، وقيل أجسام مختلفة لطيف وكثيف، علوى وسفلى أقدرها الله تعالى شأَنه على أفعال عجيبة. {أُوحِيَ إِلىَّ} إِلخ. صريح فى أنه لم يؤمر بموعد لهم ومعرفة وقصد لأَن يعظمهم بالقرآن بل حضروه وهو لا يدرى بهم بل علم بالوحى. فعن ابن عباس رضى الله عنهما ما قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الجن ولا رآهم وإِنما انطلق بطائفة من أصحابه لسوق عكاظ وقد حيل بين الجن والسماء بالشهب فقالوا ما ذلك إِلا لشئ حدث فأَضربوا مشارق الأَرض ومغاربها فمر من ذهب إِلى تهامة منهم بالنبى - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلى الفجر بأًصحابه بنخلة فاستمعوا له فقالوا هذا الذى حال بيننا وبين السماء ورجعوا إِلى قومهم وقالوا يا قومنا.. إلخ. فأَنزل الله تعالى: قل أُوحى إِلى. الخ. وعكاظ سوق صغيرة معروفة بقرب مكة تقصدها العرب فى الجاهلية فى كل سنة مرة وفى اول الإِسلام وتهامة ما نزل على نجد من بلاد الحجاز سميت تهامة لتغير هوائها ومكة من تهامة ونخلة من أودية مكة قريب منها وليس فى قوله تعالى: "أية : وإِذْ صرفنا إِليك" تفسير : [الأحقاف: 29] إِلخ. ما يصرح بأَنه - صلى الله عليه وسلم - على عهد بهم وعلى قصد القراءة عليهم إِذ يصح أنه صرفهم إِليه بلا علم منه بحضورهم إِذا حضروا، وأنه لم يعلم بصرفهم إِليه إِلا بعد إِخبار الله تعالى بالصرف، ولا دليل فيه على أنه أرسلهم إِلى قومهم نُذُرا بل سمعوا فأَنذروا قومهم، وأما ما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال عن النبى - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أتاني داعي الجن فذهبت معه وقرأت عليهم القرآن، وانطلق بنا وأرانا آثارهم وآثار نيرانهم" تفسير : فهى واقعة أُخرى ووفادة الجن ست مرات والحافظ حجة والمثبت مقدم على النافى كابن مسعود وأبى هريرة إِذ حكيا هذه ولم يعلم ابن عباس بها فنفاها أو نفاها عن أن تفسر بها الآية هذه، وقصة الجن وكلامهم معه - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل كانت سنة إِحدى عشرة من النبوءة وابن عباس صغير وما ناهز الحلم إِلا فى حجة الوداع، وعن ابن مسعود رضى الله عنه حديث : صلى النبى - صلى الله عليه وسلم - العشاء ثم انصرف فأَخذ بيدي حتى أتينا مكان كذا فأَجلسني وخط على خطً وقال لا تبرح وأتاني رجال منهم كالزط وقال ما جاءني إِلى السحر وجعلت أسمع الأَصوات وقلت أين كنت يا رسول الله؟ قال: أُرسلت إِلى الجن. فقلت: ما الأَصوات التي سمعت؟ قال: أصواتهم حين ودعوني وسلموا عليَّ تفسير : وأحاديث القصة كثيرة، وعن ابن عباس كان للجن مقاعد يستمعون من الملائكة فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منعتهم الملائكة منها بالشهب فأَخبروا إِبليس فقال هذا لأَمر حدث فى الأَرض فبعث جنوده فوجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائماً يصلى بين جبلين فى مكة فأَخبروه فقال: لهذا الحدث منعتم. {أنَّهُ اسْتَمَعَ} عالجوا السمع، قال عكرمة سمعوا "أية : اقرأ باسم ربك" تفسير : [العلق: 1] وقيل سورة الرحمن واعلم أنه إِذا ذكر فى حديث أو أثر أول السورة بلا ذكر بسملة فاعلم أنها مرادة ولا تذكر تخفيفاً واختصاراً مع العلم بها بأَنها أول كل سورة سوى سورة التوبة. {نَفَرٌ} ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين التى ياليمن وعن عكرمة اثنا عشر ألفاً، والأَول أظهر وهم من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وعامة جنود إِبليس منهم، والمشهور فى اللغة أن النفر ما بين الثلاثة والعشرة وقد يطلق على ما فوق العشرة كما روى عن الشعبى حدثنى بضعة عشر نفراً وقد يطلق على المفرد كما فى كلام الشعبى هذا ويطلق النفر على الجن كما فى الآية وعلى الإِنس على الرجال والنساء، وقيل يطلق الرهط والنفر إِلى الأَربعين وأن الرهط يرجعون إِلى أب واحد كما يقال رهط من الأَنصار بخلاف النفر فلا يشترط فيه وحدة الأَب وأطلق على القوم فى قوله عز وجل {أية : وأعز نفراً} تفسير : [الكهف: 34] {مِّنَ الْجِنِّ} واحدة جنى وهو مطرد فى مثل ذلك كإِنس وإِنسى وعرب وعربى وبربر وبربرى وترك وتركى، والجن أجسام عاقلة نارية لقوله عز وجل "أية : والجان خلقناه من قبل من نار السموم" تفسير : [الحجر: 27] وقوله عز وجل "أية : وخلق الجان من مارج من نار" تفسير : [الرحمن: 15] والمراد أن النار تغلبت عليهم كما أن آدم من تراب معه ماء، وقيل أجسام نارية تغلب عليها الهواء وكلهم يقبلون التشكل بأَشكال مختلفة، وقيل صنف منهم ومن شأنهم الخفاء ولهم قوة على الأَعمال الشاقة وألفت رسالة فى إِمكان رؤيتهم على صورها الأَصلية بل وبصورها الأَصلية التى خلقت عليها كالملائكة عليهم السلام ومن شاء الله تعالى من خواص عباده عز وجل منها ما إِن حبس انحبس وما لا ينحبس. {فَقَالُوا} أى النفر لما رجعوا إِلى قومهم. {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً} كلاماً يقرأ أو كتاباً يقرأ، ومعنى كلاماً يقرأ يجمع بعضه لبعض يسرد والمقصود كتاب من السماء ونكر تعظيماً. {عَجَباً} بليغ فى العظم كأَنه نفس العجب كما تقول زيد صوم إِذا أكثر الصوم أو بمعنى مفعول أى معجوباً به.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ } وقرأ ابن أبـي عبلة والعتكي عن أبـي عمرو وجوية بن عائذ الأسدي (وحى) بلا همزة وهو بمعنى أوحى بالهمز ومنه قول العجاج: شعر : وحى لها القرار / فاستقرت تفسير : وقرأ زيد بن علي وجوية فيما روى عنه الكسائي وابن أبـي عبلة في رواية (أحي) بإبدال واو وحى همزة كما قالوا في وعد أعد، قال الزمخشري ((وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة، وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضاً كإشاح وإعاء وإسادة)) وهذا أحد قولين للمازني والقول الآخر قصر ذلك على السماع وما ذكره من إطلاق الجواز في المضمومة تعقب بأن المضمومة قد تكون أولاً وحشوا وآخراً ولكل منها أحكام وفي بعضها خلاف وتفصيل مذكور في كتب النحو فليراجع. وزاد بعض الأجلة قلب الواو المضموم ما قبلها فقال إنه أيضاً مقيس مطرد وأنه قد يرد ذلك في المفتوحة كأحد وعلى جميع القراآت الجار متعلق بما عنده ونائب الفاعل {أَنَّهُ } الخ على أنه في تأويل المصدر والضمير للشأن. {ٱسْتَمَعَ } أي القرآن كما ذكر في الاحقاف وقد حذف لدلالة ما بعده عليه {نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } النفر في المشهور ما بين الثلاثة والعشرة. وقال الحريري في «درته» إن النفر إنما يقع على الثلاثة من الرجال إلى العشرة وقد وهم في ذلك فقد يطلق على ما فوق العشرة في الفصيح وقد ذكره غير واحد من أهل اللغة وفي كلام الشعبـي حدثني بضعة عشر نفراً ولا يختص بالرجال بل ولا بالناس لإطلاقه على الجن هنا. وفي «المجمل» الرهط والنفر يستعمل إلى الأربعين والفرق بينهما أن الرهط يرجعون إلى أب واحد بخلاف النفر وقد يطلق على القوم ومنه قوله تعالى {أية : وَأَعَزُّ نَفَراً}تفسير : [الكهف: 34] وقول امرىء القيس: شعر : فهو لا تنمى رميته ماله لا عد من نفره تفسير : وقال الإمام الكرماني للنفر معنى آخر في العرف وهو الرجل، وأراد بالعرف عرف اللغة لأنه فسر به الحديث الصحيح فليحفظ. والجن واحده جني كروم ورومي وهم أجسام عاقلة تغلب عليها النارية كما يشهد له قوله تعالى: {أية : وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}تفسير : [الرحمن: 15] وقيل الهوائية قابلة جميعها أو صنف منها للتشكل بالأشكال المختلفة من شأنها الخفاء وقد ترى بصور غير صورها الأصلية بل وبصورها الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة عليهم السلام وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ومن شاء الله تعالى من خواص عباده عز وجل، ولها قوة على الأعمال الشاقة ولا مانع عقلاً من أن تكون بعض الأجسام اللطيفة النارية مخالفة لسائر أنواع الجسم اللطيف في الماهية ولها قبول لإفاضة الحياة والقدرة على أفعال عجيبة مثلاً، وقد قال أهل الحكمة الجديدة بأجسام لطيفة أثبتوا لها من الخواص ما يبهر العقول فلتكن أجسام الجن على ذلك النحو من الأجسام، وعالم الطبيعة أوسع من أن تحيط بحصر ما أودع فيه الأفهام. وأكثر الفلاسفة على إنكار الجن وفي «رسالة الحدود» لابن سينا الجني حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة، وهذا شرح الاسم وظاهره نفي أن يكون لهذه الحقيقة وجود في الخارج ونفي ذلك كفر صريح كما لا يخفى. واعترف جمع عظيم من قدماء الفلاسفة وأصحاب الروحانيات بوجودهم ويسمونهم بالأرواح السفلية، والمشهور أنهم زعموا أنها جواهر قائمة بأنفسها ليست أجساماً ولا جسمانية، وهي أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض فبعضها خيرة وبعضها شريرة ولا يعرف عدد أنواعها وأصنافها إلا الله عز وجل ولا يبعد على هذا أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة يعجز عنها البشر بل لا يبعد أيضاً على ما قيل أن يكون لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم. ومن الناس من زعم أن الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها ازدادت قوة وكمالاً بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق حدوث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن تعلقت تلك النفس به تعلقاً ما، وتصير كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن، فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة / سمي ذلك المعين ملكاً وتلك الإعانة إلهاماً، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطاناً وتلك الإعانة وسوسة، والكل مخالف لأقوال السلف. وظاهر الآيات والأحاديث وجمهور أرباب الملل معترفون بوجودهم كالمسلمين وإن اختلفوا في حقيقتهم وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من «آكام المرجان» وفي «التفسير الكبير» طرف مما يتعلق بذلك فارجع إليه إن أردته. واختلف في عدد المستمعين فقيل سبعة فعن زر ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين قرية باليمن غير القرية التي بالعراق وعن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل وأين سبعة أو تسعة من اثني عشر ألفاً ولعل النفر عليه القوم وفي «الكشاف» ((كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وعامة جنود إبليس منهم)). والآية ظاهرة في أنه صلى الله عليه وسلم علم استماعهم له بالوحي لا بالمشاهدة وقد وقع في الأحاديث أنه عليه الصلاة والسلام رآهم وجمع ذلك بتعدد القصة قال في «آكام المرجان» ما محصله في «الصحيحين» في حديث ابن عباس «»ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما انطلق بطائفة من الصحابة لسوق عكاظ وقد حيل بين الجن والسماء بالشهب فقالوا ما ذاك إلا لشيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمر من ذهب لتهامة منهم به عليه الصلاة والسلام وهو يصلي الفجر بأصحابه بنخلة فلما استمعوا له قالوا هذا الذي حال بيننا وبين السماء ورجعوا إلى قومهم وقالوا{أية : يٰقَوْمَنَآ}تفسير : [الأحقاف: 30] الخ فأنزل الله تعالى عليه {قُلْ أُوحِيَ} الخ ثم قال ونفي ابن عباس إنما هو في هذه القصة واستماعهم تلاوته صلى الله عليه وسلم في الفجر في هذه القصة لا مطلقاً ويدل عليه قوله تعالى{أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ}تفسير : [الأحقاف: 29] الخ فإنها تدل على أنه عليه الصلاة والسلام كلمهم ودعاهم وجعلهم رسلاً لمن عداهم كما قاله البيهقي. وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال:((حديث : أتاني داعي الجن فذهبت معه وقرأت عليهم القرآن قال وانطلق بنا وأرانا آثارهم وآثار نيرانهم ))تفسير : الخ. وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات وقال ابن تيمية إن ابن عباس علم ما دل عليه القرآن ولم يعلم ما علمه ابن مسعود وأبو هريرة من إتيان الجن له صلى الله عليه وسلم ومكالمتهم إياه عليه الصلاة والسلام. وقصة الجن كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقال الواقدي كانت سنة إحدى عشرة من النبوة وابن عباس ناهز الحلم في حجة الوداع فقد علمت أن قصة الجن وقعت ست مرات وفي «شرح البيهقي» من طرق شتى عن ابن مسعود «أن النبـي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء ثم انصرف فأخذ بيدي حتى أتينا مكان كذا فأجلسني وخط عليّ خطاً ثم قال لا تبرحن خطك فبينما أنا جالس إذ أتاني رجال منهم كأنهم الزط فذكر حديثاً طويلاً وأنه صلى الله عليه وسلم ما جاءه إلى السحر قال وجعلت أسمع الأصوات ثم جاء عليه الصلاة والسلام فقلت أين كنت يا رسول الله فقال أرسلت إلى الجن فقلت ما هذه الأصوات التي سمعت قال هي أصواتهم حين ودعوني وسلموا علي» وقد يجمع الاختلاف في القلة والكثرة بأن ذلك لتعدد القصة أيضاً والله تعالى أعلم. واختلف فيما استمعوه فقال عكرمة{ أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}تفسير : [العلق: 1] وقيل سورة الرحمن. {فَقَالُواْ } أي لقومهم عند رجوعهم إليهم {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً} أي كتاباً مقروءاً على ما فسره به بعض الأجلة وفسر بذلك للإشارة إلى أن ما ذكروه في وصفه مما يأتي وصف له كله دون المقروء منه فقط والمراد أنه من الكتب السماوية، والتنوين للتفخيم أي قرآناً جليل الشأن {عَجَبًا } بديعاً مبايناً لكلام الناس في حسن النظم ودقة المعنى وهو مصدر وصف به للمبالغة.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة تبده الحس ـ قبل أن ينظر إلى المعاني والحقائق الواردة فيها ـ بشيء آخر واضح كل الوضوح فيها.. إنها قطعة موسيقية مطردة الإيقاع، قوية التنغيم، ظاهرة الرنين؛ مع صبغة من الحزن في إيقاعها، ومسحة من الأسى في تنغيمها، وطائف من الشجى في رنينها، يساند هذه الظاهرة ويتناسق معها صور السورة وظلالها ومشاهدها، ثم روح الإيحاء فيها. وبخاصة في الشطر الأخير منها بعد انتهاء حكاية قول الجن، والاتجاه بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الخطاب الذي يثير العطف على شخص الرسول في قلب المستمع لهذه السورة، عطفاً مصحوباً بالحب وهو يؤمر أن يعلن تجرده من كل شيء في أمر هذه الدعوة إلا البلاغ، والرقابة الإلهية المضروبة حوله وهو يقوم بهذا البلاغ: {قل: إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحداً.. قل: إني لا أملك لكم ضَرَّاً ولا رشداً قل: إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً، إلا بلاغاً من الله ورسالاته، ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبداً، حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً.. قل: إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً، عالم الغيب فلا يُظِهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وأحاط بما لديهم، وأحصى كل شيء عدداً}.. وذلك كله إلى جانب الإيقاع النفسي للحقائق التي وردت في حكاية قول الجن، وبيانهم الطويل المديد. وهي حقائق ذات ثقل ووزن في الحس والتصور؛ والاستجابة لها تغشى الحس بحالة من التدبر والتفكير، تناسب مسحة الحزن ورنة الشجى المتمشية في إيقاع السورة الموسيقي! وقراءة هذه السورة بشيء من الترتيل الهادئ، توقع في الحس هذا الذي وصفناه من المسحة الغالبة عليها.. فإذا تجاوزنا هذه الظاهرة التي تبده الحس؛ إلى موضوع السورة ومعانيها واتجاهها فإننا نجدها حافلة بشتى الدلالات والإيحاءات. إنها ابتداء شهادة من عالم آخر بكثير من قضايا العقيدة التي كان المشركون يجحدونها ويجادلون فيها أشد الجدل، ويرجمون في أمرها رجماً لا يستندون فيه إلى حجة، ويزعمون أحياناً أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتلقى من الجن ما يقوله لهم عنها! فتجيء الشهادة من الجن أنفسهم بهذه القضايا التي يجحدونها ويجادلون فيها؛ وبتكذيب دعواهم في استمداد محمد من الجن شيئاً. والجن لم يعلموا بهذا القرآن إلا حين سمعوه من محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهالهم وراعهم ومسهم منه ما يدهش ويذهل، وملأ نفوسهم وفاض حتى ما يملكون السكوت على ما سمعوا، ولا الإجمال فيما عرفوا، ولا الاختصار فيما شعروا. فانطلقوا يحدثون في روعة المأخوذ، ووهلة المشدوه، عن هذا الحادث العظيم، الذي شغل السماء والأرض والإنس والجن والملائكة والكواكب. وترك آثاره ونتائجه في الكون كله!.. وهي شهادة لها قيمتها في النفس البشرية حتماً. ثم إنها تصحيح لأوهام كثيرة عن عالم الجن في نفوس المخاطبين ابتداء بهذه السورة، وفي نفوس الناس جميعاً من قبل ومن بعد؛ ووضع حقيقة هذا الخلق المغيب في موضعها بلا غلو ولا اعتساف. فقد كان العرب المخاطبون بهذا القرآن أول مرة يعتقدون أن للجن سلطاناً في الأرض، فكان الواحد منهم إذا أمسى بواد أو قفر، لجأ إلى الاستعاذة بعظيم الجن الحاكم لما نزل فيه من الأرض، فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.. ثم بات آمناً! كذلك كانوا يعتقدون أن الجن تعلم الغيب وتخبر به الكهان فيتنبأون بما يتنبأون. وفيهم من عبد الجن وجعل بينهم وبين الله نسباً، وزعم له سبحانه وتعالى زوجة منهم تلد له الملائكة! والاعتقاد في الجن على هذا النحو أو شبهه كان فاشياً في كل جاهلية، ولا تزال الأوهام والأساطير من هذا النوع تسود بيئات كثيرة إلى يومنا هذا!!! وبينما كانت الأوهام والأساطير تغمر قلوب الناس ومشاعرهم وتصوراتهم عن الجن في القديم، وما تزال.. نجد في الصف الآخر اليوم منكرين لوجود الجن أصلاً، يصفون أي حديث عن هذا الخلق المغيب بأنه حديث خرافة.. وبين الإغراق في الوهم، والإغراق في الإنكار، يقرر الإسلام حقيقة الجن، ويصحح التصورات العامة عنهم، ويحرر القلوب من خوفها وخضوعها لسلطانهم الموهوم: فالجن لهم حقيقة موجودة فعلاً وهم كما يصفون أنفسهم هنا: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قدداً}.. ومنهم الضالون المضلون ومنهم السذج الأبرياء الذين ينخدعون: {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً، وأنا ظننا أن لن تقول الأنس والجن على الله كذباً}.. وهم قابلون للهداية من الضلال، مستعدون لإدراك القرآن سماعاً وفهماً وتأثراً: {قل: أوحي إليَّ انه استمع نفر من الجن فقالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحداً}.. وأنهم قابلون بخلقتهم لتوقيع الجزاء عليهم وتحقيق نتائج الإيمان والكفر فيهم: {وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به، فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً. وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون، فمن أسلم فأولـئك تحروا رشداً، وأما القاسطون، فكانوا لجهنم حطباً}.. وأنهم لا ينفعون الإنس حين يلوذون بهم بل يرهقونهم: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً}.. وأنهم لا يعلمون الغيب، ولم تعد لهم صلة بالسماء: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً، وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً}.. وأنهم لا صهر بينهم وبين الله ـ سبحانه وتعالى ـ ولا نسب: {وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً}.. وأن الجن لا قوة لهم مع قوة الله ولا حيلة: {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً}.. وهذا الذي ذكر في هذه السورة عن الجن بالإضافة إلى ما جاء في القرآن من صفات أخرى كتسخير طائفة من الشياطين لسليمان ـ وهم من الجن ـ وأنهم لم يعلموا بموته إلا بعد فترة، فدل هذا على أنهم لا يعلمون الغيب: {أية : فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين }.. تفسير : ومثل قوله تعالى عن خصيصة من خصائص إبليس وقبيله ـ وهو من الجن ـ غير أنه تمحض للشر والفساد والإغراء: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم}.. وما يدل عليه من أن كيان الجن غير مرئي للبشر، في حين أن كيان الإنس مرئي للجن. هذا بالإضافة إلى ما قرره في سورة الرحمن عن المادة التي منها كيان الجن والمادة التي منها كيان الإنسان في قوله: {أية : خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار}.. تفسير : يعطي صورة عن ذلك الخلق المغيب، تثبت وجوده، وتحدد الكثير من خصائصه؛ وفي الوقت ذاته تكشف الأوهام والأساطير، العالقة بالأذهان عن ذلك الخلق، وتدع تصور المسلم عنه واضحاً دقيقاً متحرراً من الوهم والخرافة، ومن التعسف في الإنكار الجامح كذلك! وقد تكفلت هذه السورة بتصحيح ما كان مشركو العرب وغيرهم يظنونه عن قدرة الجن ودورهم في هذا الكون. أما الذين ينكرون وجود هذا الخلق إطلاقاً، فلا أدري علام يبنون هذا الإنكار، بصيغة الجزم والقطع، والسخرية من الاعتقاد بوجوده، وتسميته خرافة! ألأنهم عرفوا كل ما في هذا الكون من خلائق فلم يجدوا الجن من بينها؟! إن أحداً من العلماء لا يزعم هذا حتى اليوم. وإن في هذه الأرض وحدها من الخلائق الحية لكثيراً مما يكشف وجوده يوماً بعد يوم، ولم يقل أحد إن سلسلة الكشوف للأحياء في الأرض وقفت أو ستقف في يوم من الأيام! ألأنهم عرفوا كل القوى المكنونة في هذا الكون فلم يجدوا الجن من بينها؟! إن أحداً لا يدعي هذه الدعوى. فهناك قوى مكنونة تكشف كل يوم؛ وهي كانت مجهولة بالأمس. والعلماء جادون في التعرف إلى القوى الكونية، وهم يعلنون في تواضع قادتهم إليه كشوفهم العلمية ذاتها، أنهم يقفون على حافة المجهول في هذا الكون، وأنهم لم يكادوا يبدأون بعد! ألأنهم رأوا كل القوى التي استخدموها، فلم يروا الجن من بينها؟! ولا هذه. فإنهم يتحدثون عن الكهرب بوصفه حقيقة علمية منذ توصلوا إلى تحطيم الذرة. ولكن أحداً منهم لم ير الكهرب قط. وليس في معاملهم من الأجهزة ما يفرزون به كهربا من هذه الكهارب التي يتحدثون عنها! ففيم إذن هذا الجزم بنفي وجود الجن؟ ومعلومات البشر عن هذا الكون وقواه وسكانه من الضآلة بحيث لا تسمح لإنسان يحترم عقله أن يجزم بشيء؟ ألأن هذا الخلق المسمى الجن تعلقت به خرافات شتى وأساطير كثيرة؟ إن طريقنا في هذه الحالة هو إبطال هذه الخرافات والأساطير كما صنع القرآن الكريم، لا التبجح بنفي وجود هذا الخلق من الأساس، بلا حجة ولا دليل! ومثل هذا الغيب ينبغي تلقي نبئه من المصدر الوحيد الموثوق بصحته، وعدم معارضة هذا المصدر بتصورات سابقة لم تستمد منه. فما يقوله هو كلمة الفصل في مثل هذا الموضوع. والسورة التي بين أيدينا ـ بالإضافة إلى ما سبق ـ تساهم مساهمة كبيرة في إنشاء التصور الإسلامي عن حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية، ثم عن هذا الكون وخلائقه، والصلة بين هذه الخلائق المنوعة. وفي مقالة الجن ما يشهد بوحدانية الله، ونفي الصاحبة والولد، وإثبات الجزاء في الآخرة؛ وأن أحداً من خلق الله لا يعجزه في الأرض ولا يفلت من يديه ويفوته، فلا يلاقي جزاءه العادل. وتتكرر بعض هذه الحقائق فيما يوجه للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الخطاب: {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً}... {قل: إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً}.. وذلك بعد شهادة الجن بهذه الحقيقة شهادة كاملة صريحة. كما أن تلك الشهادة تقرر أن الألوهية لله وحده، وأن العبودية هي أسمى درجة يرتفع إليها البشر: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً}.. ويؤكد السياق هذه الحقيقة فيما يوجه للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من خطاب: {قل: إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً}. والغيب موكول لله وحده؛ لا تعرفه الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً}.. ولا تعرفه الرسل إلا ما يطلعهم الله عليه منه لحكمة يعلمها: {قل: إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً. عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً...}.. أما العباد والعبيد في هذا الكون، فقد علمتنا السورة أن بين بعضها والبعض الآخر مشاركات ومنافذ، ولو اختلف تكوينها، كالمشاركات التي بين الجن والإنس، مما حكته السورة وحكاه القرآن في مواضع أخرى. فالإنسان ليس بمعزل ـ حتى في هذه الأرض ـ عن الخلائق الأخرى. وبينه وبينها اتصال وتفاعل في صورة من الصور. وهذه العزلة التي يحسها الإنسان بجنسه ـ بله العزلة الفردية أو القبلية أو القومية ـ لا وجود لها في طبيعة الكون ولا في واقعه. وأحرى بهذا التصور أن يفسح في شعور الإنسان بالكون وما يعمره من أرواح وقوى وأسرار. قد يجهلها الإنسان، ولكنها موجودة بالفعل من حوله، فهو ليس الساكن الوحيد لهذا الكون كما يعن له أحياناً أن يشعر!! ثم إن هناك ارتباطاً بين استقامة الخلائق على الطريقة، وتحركات هذا الكون ونتائجها، وقدر الله في العباد: {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء غدقاً لنفتنهم فيه. ومن يُعرِض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً}.. وهذه الحقيقة تؤلف جانباً من التصور الإسلامي للارتباطات بين الإنسان والكون وقدر الله. وهكذا تمتد إيحاءات السورة إلى مساحات ومسافات وأبعاد وآماد واسعة بعيدة، وهي سورة لا تتجاوز الثماني والعشرين آية، نزلت في حادثة معينة ومناسبة خاصة.. فأما هذا الحادث الذي أشارت إليه السورة. حادث استماع نفر من الجن للقرآن. فتختلف بشأنه الروايات. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه: "دلائل النبوة": أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل القاضي، أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: "ما قرأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الجن ولا رآهم. انطلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، أرسلت عليهم الشهب. فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو بنخلة عامداً إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا إليه، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا: {إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً}.. وانزل الله على نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {قل: أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن}.. وإنما أوحي إليه قول الجن (ورواه البخاري عن مسدد بنحو هذا، وأخرجه مسلم عن شيبان ابن فروخ عن أبي عوانة بهذا النص). فهذه رواية. وهناك رواية أخرى.. قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي هند، عن عامر، قال: "حديث : سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقيل: استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو، جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن". قال: "فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم" وسألوه الزاد فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم". قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم ".. تفسير : وهناك رواية أخرى عن ابن مسعود أنه كان تلك الليلة مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن إسناد الرواية الأولى أوثق. فنضرب عن هذه وأمثالها.. ومن الروايتين الواردتين في الصحيحين يتبين أن ابن عباس يقول: إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يعرف بحضور النفر من الجن، وأن ابن مسعود يقول: إنهم استدعوه. ويوفق البيهقي بين الروايتين بأنهما حادثان لا حادث واحد. وهناك رواية ثالثة لابن اسحق قال: "ولما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل، فخرج إليهم وحده". "قال ابن اسحق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: "حديث : لما انتهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: يا ليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير.. وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح. فجلس إليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه. فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة (أي يمزقها) إن كان الله أرسلك! وقال الآخر: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبداً لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف. وقد قال لهم ـ فيما ذكر لي ـ: "إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني". وكره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يبلغ قومه عنه، فيذئرهم (أي يحرشهم) ذلك عليه" ! تفسير : "فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط (أي بستان) لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ـ وهما فيه ـ ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب (أي طاقة من قضبان الكرم) فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف.. فلما اطمأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ـ فيما ذكر لي ـ: "حديث : اللهم إليك اشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى عبد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.. قال: فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً يقال له: عداس. فقال له: خذ قطفاً من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال له: كل. فلما وضع رسول الله ـ صلى الله وعليه وسلم ـ فيه يده قال: "بسم الله" ثم أكل. فنظر عداس في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟" قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى. فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟" فقال عداس: وما يدريك ما يونس ابن متى؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ذاك اخي. كان نبياً وأنا نبي" فأكب عداس على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقبل رأسه ويديه وقدميه. قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك! فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا. لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. قالا له: ويحك يا عداس! لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه! " تفسير : "قال: ثم إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة، حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي. فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم ـ فيما ذكر لي ـ سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا. فقص الله خبرهم عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال الله عز وجل: {أية : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن} تفسير : إلى قوله: {أية : ويجركم من عذاب أليم}. تفسير : وقال تبارك وتعالى: {قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن} إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة". وقد علق ابن كثير في تفسيره على رواية ابن اسحاق هذه فقال: "هذا صحيح. ولكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر. فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ المذكور. وخروجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الطائف كان بعد موت عمه. وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره. والله أعلم". وإذا صحت رواية ابن إسحاق عن أن الحادث وقع عقب عودة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الطائف، مكسور الخاطر من التصرف اللئيم العنيد الذي واجهه به كبراء ثقيف، وبعد ذلك الدعاء الكسير الودود لربه ومولاه، فإنه ليكون عجيباً حقاً من هذا الجانب. أن يصرف الله إليه ذلك النفر من الجن، وأن يبلغه ما فعلوا وما قالوا لقومهم، وفيه من الدلالات اللطيفة الموحية ما فيه.. وأياً كان زمان هذا الحادث وملابساته فهو أمر ولا شك عظيم. عظيم في دلالاته وفيما انطوى عليه. وفيما أعقبه من مقالة الجن عن هذا القرآن وعن هذا الدين.. فلنمض مع هذا كله كما يعرضه القرآن الكريم. {قل: أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنآ أحداً، وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً، وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً، وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً، وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً. وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً}.. والنفر ما بين الثلاثة والتسعة كالرهط. وقيل كانوا سبعة. وهذا الافتتاح يدل على أن معرفة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأمر استماع الجن له، وما كان منهم بعد أن سمعوا القرآن منه.. كانت بوحي من الله سبحانه إليه، وإخباراً عن أمر وقع ولم يعلم به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن الله أطلعه عليه. وقد تكون هذه هي المرة الأولى، ثم كانت هناك مرة أو مرات أخرى قرأ النبي فيها على الجن عن علم وقصد. ويشهد بهذا ما جاء بشأن قراءته ـ صلى الله عليه وسلم ـ سورة الرحمن "أخرجه الترمذي بإسناده ـ عن جابر رضي الله عنه قال: "حديث : خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن إلى آخرها، فسكتوا. فقال: لقد قرأتها على الجن فكانوا أحسن ردوداً منكم. كنت كلما أتيت على قوله تعالى: {فبأي آلاء ربكما تكذبان؟} قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد"تفسير : .. وهذه الرواية تؤيد رواية ابن مسعود ـ رضي الله عنه التي سبقت الإشارة إليها في المقدمة". ولا بد أن هذه المرة التي تحكيها هذه السورة هي التي تحكيها آيات الأحقاف: {أية : وإذ صرفنآ إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن. فلما حضروه قالوا: أنصتوا. فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين. قالوا: يا قومنآ إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى، مصدقاً لما بين يديه، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. يا قومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أوليآء أولـئك في ضلال مبين }.. تفسير : فإن هذه الآيات ـ كالسورة ـ تنبئ عن وهلة المفاجأة بهذا القرآن للجن؛ مفاجأة تماسكهم، وزلزلت قلوبهم، وهزت مشاعرهم، وأطلقت في كيانهم دفعة عنيفة من التأثر امتلأ بها كيانهم كله وفاض، فانطلقوا إلى قومهم بنفوس محتشدة مملوءة فائضة بما لا تملك له دفعاً، ولا تملك عليه صبراً، قبل أن تفيضه على الآخرين في هذا الأسلوب المتدفق، النابض بالحرارة والانفعال، وبالجد والاحتفال في نفس الأوان، وهي حالة من يفاجأ أول مرة بدفعة قوية ترج كيانه، وتخلخل تماسكه، وتدفعه دفعاً إلى نقل ما يحسه إلى نفوس الآخرين في حماسة واندفاع، وفي جد كذلك واحتفال! {إنا سمعنا قرآناً عجباً}.. فأول ما بدههم منه أنه "عجب" غير مألوف، وأنه يثير الدهش في القلوب، وهذه صفة القرآن عند من يتلقاه بحس واع وقلب مفتوح، ومشاعر مرهفة، وذوق ذواق.. عجب! ذو سلطان متسلط، وذو جاذبية غلابة، وذو إيقاع يلمس المشاعر ويهز أوتار القلوب.. عجب! فعلاً. يدل على أن أولئك النفر من الجن كانوا حقيقة يتذوقون! {يهدي إلى الرشد}.. وهذه هي الصفة الثانية البارزة كذلك في هذا القرآن، والتي أحسها النفر من الجن، حين وجدوا حقيقتها في قلوبهم.. وكلمة الرشد في ذاتها دلالة واسعة المدى. فهو يهدي إلى الهدى والحق والصواب. ولكن كلمة الرشد تلقي ظلاً آخر وراء هذا كله. ظل النضوج والاستواء والمعرفة الرشيدة للهدى والحق والصواب. ظل الإدراك الذاتي البصير لهذه الحقائق والمقومات، فهو ينشئ حالة ذاتية في النفس تهتدي بها إلى الخير والصواب. والقرآن يهدي إلى الرشد بما ينشئه في القلب من تفتح وحساسية، وإدراك ومعرفة، واتصال بمصدر النور والهدى، واتساق مع النواميس الإلهية الكبرى. كما يهدي إلى الرشد بمنهجه التنظيمي للحياة وتصريفها. هذا المنهج الذي لم تبلغ البشرية في تاريخها كله، في ظل حضارة من الحضارات، أو نظام من الأنظمة، ما بلغته في ظله أفراداً وجماعات، قلوباً ومجتمعات، أخلاقاً فردية ومعاملات اجتماعية.. على السواء. {فآمنا به}.. وهي الاستجابة الطبيعية المستقيمة لسماع القرآن، وإدراك طبيعته، والتأثر بحقيقته.. يعرضها الوحي على المشركين الذين كانوا يسمعون هذا القرآن ثم لا يؤمنون. وفي الوقت ذاته ينسبونه إلى الجن، فيقولون: كاهن أو شاعر أو مجنون.. وكلها صفات للجن فيها تأثير. وهؤلاء هم الجن مبهورين بالقرآن مسحورين متأثرين أشد التأثر، منفعلين أشد الانفعال، لا يملكون أنفسهم من الهزة التي ترج كيانهم رجاً.. ثم يعرفون الحق، فيستجيبون له مذعنين معلنين هذا الإذعان: {فآمنا به} غير منكرين لما مس نفوسهم منه ولا معاندين، كما كان المشركون يفعلون! {ولن نشرك بربنا أحداً}.. فهو الإيمان الخالص الصريح الصحيح. غير مشوب بشرك، ولا ملتبس بوهم، ولا ممتزج بخرافة، الإيمان الذي ينبعث من إدراك حقيقة القرآن، والحقيقة التي يدعو إليها القرآن، حقيقة التوحيد لله بلا شريك. {وأنه تعالى جد ربنا، ما اتخذ صاحبة ولا ولداً}.. والجد: الحظ والنصيب. وهو القدر والمقام. وهو العظمة والسلطان.. وكلها إشعاعات من اللفظ تناسب المقام. والمعنى الإجمالي منها في الآية هو التعبير عن الشعور باستعلاء الله ـ سبحانه ـ وبعظمته وجلاله عن أن يتخذ صاحبة ـ أي زوجة ـ وولداً بنين أو بنات! وكانت العرب تزعم أن الملائكة بنات الله، جاءته من صهر مع الجن! فجاءت الجن تكذب هذه الخرافة الأسطورية في تسبيح لله وتنزيه، واستنكاف من هذا التصور أن يكون! وكانت الجن حرية أن تفجر بهذا الصهر الخرافي الأسطوري لو كان يشبه أن يكون! فهي قذيفة ضخمة تطلق على ذلك الزعم الواهي في تصورات المشركين! وكل تصور يشبه هذه التصورات، ممن زعموا أن لله ولداً سبحانه في أية صورة وفي أي تصوير! {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً، وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً}.. وهذه مراجعة من الجن لما كانوا يسمعون من سفائهم من الشرك بالله، وادعاء الصاحبة والولد والشريك، بعدما تبين لهم من سماع القرآن أنه لم يكن حقاً ولا صواباً، وأن قائليه إذن سفهاء فيهم خرق وجهل؛ وهم يعللون تصديقهم لهؤلاء السفهاء من قبل بأنهم كانوا لا يتصورون أن أحداً يمكن أن يكذب على الله من الإنس أو الجن. فهم يستعظمون ويستهولون أن يجرؤ أحد على الكذب على الله. فلما قال لهم سفهاؤهم: إن لله صاحبة وولداً، وإن له شريكاً صدقوهم، لأنهم لم يتصوروا أنهم يكذبون على الله أبداً.. وهذا الشعور من هؤلاء النفر بنكارة الكذب على الله، هو الذي أهلهم للإيمان. فهو دلالة على أن قلوبهم نظيفة مستقيمة؛ إنما جاءها الضلال من الغرارة والبراءة! فلما مسها الحق انتفضت، وأدركت، وتذوقت وعرفت. وكان منهم هذا الهتاف المدوي: {إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنآ أحداً. وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً}.. وهذه الانتفاضة من مس الحق، جديرة بأن تنبه قلوباً كثيرة مخدوعة في كبراء قريش، وزعمهم أن لله شركاء أو صاحبة وولداً. وأن تثير في هذه القلوب الحذر واليقظة، والبحث عن الحقيقة فيما يقوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما يقوله كبراء قريش، وأن تزلزل الثقة العمياء في مقالات السفهاء من الكبراء! وقد كان هذا كله مقصوداً بذكر هذه الحقيقة. وكان جولة من المعركة الطويلة بين القرآن وبين قريش العصية المعاندة؛ وحلقة من حلقات العلاج البطيء لعقابيل الجاهلية وتصوراتها في تلك القلوب. التي كان الكثير منها غراً بريئاً، ولكنه مضلل مقود بالوهم والخرافة وأضاليل المضللين من القادة الجاهليين! {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً}.. وهذه إشارة من الجن إلى ما كان متعارفاً في الجاهلية ـ وما يزال متعارفاً إلى اليوم في بيئات كثيرة ـ من أن للجن سلطاناً على الأرض وعلى الناس، وأن لهم قدرة على النفع والضر، وأنهم محكمون في مناطق من الأرض أو البحر أو الجو.. إلى آخر هذه التصورات. مما كان يقتضي القوم إذا باتوا في فلاة أو مكان موحش، أن يستعيذوا بسيد الوادي من سفهاء قومه، ثم يبيتون بعد ذلك آمنين! والشيطان مسلط على قلوب بني آدم ـ إلا من اعتصم بالله فهو في نجوة منه ـ وأما من يركن إليه فهو لا ينفعه. فهو له عدو. إنما يرهقه ويؤذيه.. وهؤلاء النفر من الجن يحكون ما كان يحدث: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً}.. ولعل هذا الرهق هو الضلال والقلق والحيرة التي تنوش قلوب من يركنون إلى عدوهم، ولا يعتصمون بالله منه ويستعيذون! كما هم مأمورون منذ أبيهم آدم وما كان بينه وبين إبليس من العداء القديم! والقلب البشري حين يلجأ إلى غير الله، طمعاً في نفع، أو دفعاً لضر، لا يناله إلا القلق والحيرة، وقلة الاستقرار والطمأنينة.. وهذا هو الرهق في أسوأ صورة.. الرهق الذي لا يشعر معه القلب بأمن ولا راحة! إن كل شيء ـ سوى الله ـ وكل أحد، متقلب غير ثابت، ذاهب غير دائم، فإذا تعلق به قلب بقي يتأرجح ويتقلب ويتوقع ويتوجس؛ وعاد يغير اتجاهه كلما ذهب هذا الذي عقد به رجاءه. والله وحده هو الباقي الذي لا يزول. الحي الذي لا يموت. الدائم الذي لا يتغير. فمن اتجه إليه اتجه إلى المستقر الثابت الذي لا يزول ولا يحول: {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً}.. يتحدثون إلى قومهم، عن أولئك الرجال من الإنس الذين كانوا يعوذون برجال من الجن، يقولون: إنهم كانوا يظنون ـ كما أنكم تظنون ـ أن الله لن يبعث رسولا. ولكن ها هو ذا قد بعث رسولاً، بهذا القرآن الذي يهدي إلى الرشد.. أو أنهم ظنوا أنه لن يكون هناك بعث ولا حساب ـ كما ظننتم ـ فلم يعملوا للآخرة شيئاً، وكذبوا ما وعدهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أمرها، لأنهم كانوا لا يعتقدون من قبل فيها. وكلا الظنين لا ينطبق على الحقيقة، وفيه جهل وقلة إدراك لحكمة الله في خلق البشر. فقد خلقهم باستعداد مزدوج للخير والشر والهدى والضلال (كما نعرف من هذه السورة أن للجن هذه الطبيعة المزدوجة كذلك إلا من تمحض منهم للشر كإبليس، وطرد من رحمة الله بمعصيته الفاجرة، وانتهى إلى الشر الخالص بلا ازدواج) ومن ثم اقتضت رحمة الله أن يعين أولئك البشر بالرسل، يستجيشون في نفوسهم عنصر الخير، ويستنقذون ما في فطرتهم من استعداد للهدى. فلا مجال للاعتقاد بأنه لن يبعث إليهم أحداً. هذا إذا كان المعنى هو بعث الرسل. فأما بعث الآخرة فهو ضرورة كذلك لهذه النشأة التي لا تستكمل حسابها في الحياة الدنيا، لحكمة أرادها الله، وتتعلق بتنسيق للوجود يعلمه ولا نعلمه؛ فجعل البعث في الآخرة لتستوفي الخلائق حسابها، وتنتهي إلى ما تؤهلها له سيرتها الأولى في الحياة الدنيا. فلا مجال للظن بأنه لن يبعث أحداً من الناس. فهذا الظن مخالف للاعتقاد في حكمة الله وكماله. سبحانه وتعالى.. وهؤلاء النفر من الجن يصححون لقومهم ظنهم، والقرآن في حكايته عنهم يصحح للمشركين أوهامهم. ويمضي الجن في حكاية ما لقوه وما عرفوه من شأن هذه الرسالة في جنبات الكون، وفي أرجاء الوجود، وفي أحوال السماء والأرض، لينفضوا أيديهم من كل محاولة لا تتفق مع إرادة الله بهذه الرسالة، ومن كل ادعاء بمعرفة الغيب، ومن كل قدرة على شيء من هذا الأمر: {وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً. وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً؟}.. وهذه الوقائع التي حكاها القرآن عن الجن من قولهم، توحي بأنهم قبل هذه الرسالة الأخيرة ـ ربما في الفترة بينها وبين الرسالة التي قبلها وهي رسالة عيسى عليه السلام ـ كانوا يحاولون الاتصال بالملأ الأعلى، واستراق شيء مما يدور فيه، بين الملائكة، عن شؤون الخلائق في الأرض، مما يكلفون قضاءه تنفيذاً لمشيئة الله وقدره. ثم يوحون بما التقطوه لأوليائهم من الكهان والعرافين، ليقوم هؤلاء بفتنة الناس وفق خطة إبليس! على أيدي هؤلاء الكهان والعرافين الذين يستغلون القليل من الحق فيمزجونه بالكثير من الباطل، ويروجونه بين جماهير الناس في الفترة بين الرسالتين، وخلو الأرض من رسول.. أما كيفية هذا وصورته فلم يقل لنا عنها شيئاً، ولا ضرورة لتقصيها. إنما هي جملة هذه الحقيقة وفحواها. وهذا النفر من الجن يقول: إن استراق السمع لم يعد ممكناً، وإنهم حين حاولوه الآن ـ وهو ما يعبرون عنه بلمس السماء ـ وجدوا الطريق إليه محروساً بحرس شديد، يرجمهم بالشهب، فتنقض عليهم وتقتل من توجه إليه منهم. ويعلنون أنهم لا يدرون شيئاً عن الغيب المقدر للبشر: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً}.. فهذا الغيب موكول لعلم الله لا يعلمه سواه. فأما نحن فلا نعلم ماذا قدر الله لعباده في الأرض: قدر أن ينزل بهم الشر. فهم متروكون للضلال، أم قدر لهم الرشد ـ وهو الهداية ـ وقد جعلوها مقابلة للشر. فهي الخير، وعاقبتها هي الخير. وإذا كان المصدر الذي يزعم الكهان أنهم يستقون منه معلوماتهم عن الغيب، يقرر أنه هو لا يدري عن ذلك شيئاً، فقد انقطع كل قول، وبطل كل زعم، وانتهى أمر الكهانة والعرافة. وتمحض الغيب لله، لا يجترئ أحد على القول بمعرفته، ولا على التنبؤ به. وأعلن القرآن تحرير العقل البشري من كل وهم وكل زعم من هذا القبيل! وأعلن رشد البشرية منذ ذلك اليوم وتحررها من الخرافات والأساطير! أما أين يقف ذلك الحرس؟ ومن هو؟ وكيف يرجم الشياطين بالشهب؟ فهذا كله مما لم يقل لنا عنه القرآن ولا الأثر شيئاً، وليس لنا مصدر سواهما نستقي منه عن هذا الغيب شيئاً؛ ولو علم الله أن في تفصيله خيراً لنا لفعل. وإذ لم يفعل فمحاولتنا نحن في هذا الاتجاه عبث؛ لا يضيف إلى حياتنا ولا إلى معرفتنا المثمرة شيئاً! ولا مجال كذلك للاعتراض أو الجدل حول الشهب، وأنها تسير وفق نظام كوني، قبل البعثة وبعدها ووفق ناموس يحاول علماء الفلك تفسيره، بنظريات تخطئ وتصيب. وحتى على فرض صحة هذه النظريات فإن هذا لا يدخل في موضوعنا، ولا يمنع أن ترجم الشياطين بهذه الشهب عند انطلاقها. وأن تنطلق هذه الشهب رجوماً وغير رجوم وفق مشيئة الله الذي يجري عليها القانون! فأما الذين يرون في هذا كله مجرد تمثيل وتصوير لحفظ الله للذكر من الالتباس بأي باطل؛ وأنه لا يجوز أن يؤخذ على ظاهره.. فسبب هذا عندهم أنهم يجيئون إلى القرآن بتصورات مقررة سابقة في أذهانهم، أخذوها من مصادر أخرى غير القرآن. ثم يحاولون أن يفسروا القرآن وفق تلك التصورات السابقة المقررة في أذهانهم من قبل.. ومن ثم يرون الملائكة تمثيلاً لقوة الخير والطاعة. والشياطين تمثيلاً لقوة الشر والمعصية. والرجوم تمثيلاً للحفظ والصيانة... الخ لأن في مقرراتهم السابقة ـ قبل أن يواجهوا القرآن ـ أن هذه المسميات: الملائكة والشياطين أو الجن، لا يمكن أن يكون لها وجود مجسم على هذا النحو، وأن تكون لها هذه التحركات الحسية، والتأثيرات الواقعية!!! من أين جاءوا بهذا؟ من أين جاءوا بهذه المقررات التي يحاكمون إليها نصوص القرآن والحديث؟ إن الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره، وفي التصور الإسلامي وتكوينه..أن ينفض الإنسان من ذهنه كل تصور سابق، وأن يواجه القرآن بغير مقررات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة، وأن يبني مقرراته كلها حسما يصور القرآن والحديث حقائق هذا الوجود. ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن، ولا ينفي شيئاً يثبته القرآن ولا يؤوله! ولا يثبت شيئاً ينفيه القرآن أو يبطله. وما عدا المثبت والمنفي في القرآن، فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته.. نقول هذا بطبيعة الحال للمؤمنين بالقرآن.. وهم مع ذلك يؤولون نصوصه هذه لتوائم مقررات سابقة في عقولهم، وتصورات سابقة في أذهانهم لما ينبغي أن تكون عليه حقائق الوجود.. فأما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، ويعتسفون نفي هذه التصورات لمجرد أن العلم لم يصل إلى شيء منها، فهم مضحكون حقاً! فالعلم لا يعلم أسرار الموجودات الظاهرة بين يديه، والتي يستخدمها في تجاربه. وهذا لا ينفي وجودها طبعاً! فضلاً على أن العلماء الحقيقيين أخذت كثرة منهم تؤمن بالمجهول على طريق المتدينين، أو على الأقل لا ينكرون ما لا يعلمون! لأنهم بالتجربة وجدوا أنفسهم ـ عن طريقة العلم ذاته ـ أمام مجاهيل فيما بين أيديهم مما كانوا يحسبون أنهم فرغوا من الإحاطة بعلمه! فتواضعوا تواضعاً علمياً نبيلاً ليست عليه سمة الادعاء، ولا طابع التطاول على المجهول، كما يتطاول مدعو العلم ومدعو التفكير العلمي، ممن ينكرون حقائق الديانات، وحقائق المجهول! إن الكون من حولنا حافل بالأسرار، عامر بالأرواح، حاشد بالقوى. وهذه السورة من القرآن ـ كغيرها ـ تمنحنا جوانب من الحقائق في هذا الوجود، تعين على بناء تصور حقيقي صحيح للوجود وما فيه من قوى وأرواح وحيوات تعج من حولنا، وتتفاعل مع حياتنا وذواتنا. وهذا التصور هو الذي يميز المسلم ويقف به وسطاً بين الوهم والخرافة، وبين الادعاء والتطاول. ومصدره هو القرآن والسنة. وإليهما يحاكم المسلم كل تصور آخر وكل قول وكل تفسير.. وإن هنالك مجالاً للعقل البشري معيناً في ارتياد آفاق المجهول: والإسلام يدفعه إلى هذا دفعاً.. ولكن وراء هذا المجال المعين ما لا قدرة لهذا العقل على ارتياده، لأنه لا حاجة به إلى ارتياده. وما لا حاجة له به في خلافة الأرض فلا مجال له إليه، ولا حكمة في إعانته عليه. لأنه ليس من شأنه، ولا داخلاً في حدود اختصاصه. والقدر الضروري له منه ليعلم مركزه في الكون بالقياس إلى ما حوله ومن حوله، قد تكفل الله سبحانه ببيانه له، لأنه أكبر من طاقته. وبالقدر الذي يدخل في طاقته. ومنه هذا الغيب الخاص بالملائكة والشياطين والروح والمنشأ والمصير.. فأما الذين اهتدوا بهدى الله، فقد وقفوا في هذه الأمور عند القدر الذي كشفه الله لهم في كتبه وعلى لسان رسله. وأفادوا منه الشعور بعظمة الخالق، وحكمته في الخلق، والشعور بموقف الإنسان في الأرض من هذه العوالم والأرواح. وشغلوا طاقاتهم العقلية في الكشف والعلم المهيأ للعقل في حدود هذه الأرض وما حولها من أجرام بالقدر الممكن لهم. واستغلوا ما علموه في العمل والإنتاج وعمران هذه الأرض والقيام بالخلافة فيها، على هدى من الله، متجهين إليه، مرتفعين إلى حيث يدعوهم للارتفاع. وأما الذين لم يهتدوا بهدى الله فانقسموا فرقتين كبيرتين: فرقة ظلت تجاهد بعقولها المحدودة لإدراك غير المحدود من ذاته تعالى، والمعرفة الحقيقية المغيبة عن غير طريق الكتب المنزلة. وكان منهم فلاسفة حاولوا تفسير هذا الوجود وارتباطاته، فظلوا يتعثرون كالأطفال الذين يصعدون جبلاً شاهقاً لا غاية لقمته، أو يحاولون حل لغز الوجود وهم لم يتقنوا بعد أبجدية الهجاء! وكانت لهم تصورات مضحكة ـ وهم كبار فلاسفة ـ مضحكة حقاً حين يقرنها الإنسان إلى التصور الواضح المستقيم الجميل الذي ينشئه القرآن. مضحكة بعثراتها. ومضحكة بمفارقاتها. ومضحكة بتخلخلها. ومضحكة بقزامتها بالقياس إلى عظمة الوجود الذي يفسرونه بها.. لا أستثني من هذا فلاسفة الإغريق الكبار، ولا فلاسفة المسلمين الذين قلدوهم في منهج التفكير. ولا فلاسفة العصر الحديث! وذلك حين يقاس تصورهم إلى التصور الإسلامي للوجود. فهذه فرقة. فأما الفرقة الأخرى، فقد يئست من جدوى هذا الاتجاه في المعرفة. فعدلت عنه إلى حصر نفسها وجهدها في العلم التجريبي والتطبيقي. ضاربة صفحاً عن المجهول، الذي ليس إليه من سبيل. وغير مهتدية فيه بهدى الله. لأنها لا تستطيع أن تدرك الله! وهذه الفرقة كانت في أوج غلوائها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولكنها أخذت منذ مطلع هذا القرن تفيق من الغرور العلمي الجامح، على هروب المادة من بين أيديها وتحولها إلى إشعاع "مجهول الكنه" ويكاد يكون مجهول القانون! وبقي الإسلام ثابتاً على صخرة اليقين. يمنح البشر من المجهول القدر الذي لهم فيه خير. ويوفر طاقتهم العقلية للعمل في خلافة الأرض. ويهيئ لعقولهم المجال الذي تعمل فيه في أمن. ويهديهم للتي هي أقوم في المجهول وغير المجهول! بعد ذلك أخذ الجن يصفون حالهم وموقفهم من هدى الله؛ بما نفهم منه أن لهم طبيعة مزدوجة كطبيعة الإنسان في الاستعداد للهدى والضلال. ويحدثنا هذا النفر عن عقيدتهم في ربهم وقد آمنوا به. وعن ظنهم بعاقبة من يهتدي ومن يضل: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك، كنا طرآئق قدداً. وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً. وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به، فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً. وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون: فمن أسلم فأولـئك تحروا رشداً. وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}.. وهذا التقرير من الجن بأن منهم صالحين وغير صالحين، مسلمين وقاسطين، يفيد ازدواج طبيعة الجن، واستعدادهم للخير والشر كالإنسان ـ إلا من تمحض للشر منهم وهو إبليس وقبيله ـ وهو تقرير ذو أهمية بالغة في تصحيح تصورنا العام عن هذا الخلق. فأغلبنا حتى الدارسين الفاقهين ـ على اعتقاد أن الجن يمثلون الشر، وقد خلصت طبيعتهم له. وأن الإنسان وحده بين الخلائق هو ذو الطبيعة المزدوجة. وهذا ناشئ من مقررات سابقة في تصوراتنا عن حقائق هذا الوجود كما أسلفنا. وقد آن أن نراجعها على مقررات القرآن الصحيحة! وهذا النفر من الجن يقول: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك}.. ويصف حالهم بصفة عامة: {كنا طرائق قدداً}.. أي لكل منا طريقته المنفصلة المقدودة المنقطعة عن طريقة الفريق الآخر. ثم بين النفر معتقدهم الخاص بعد إيمانهم: {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض، ولن نعجزه هرباً}.. فهم يعرفون قدرة الله عليهم في الأرض، ويعرفون عجزهم عن الهرب من سلطانه ـ سبحانه ـ والإفلات من قبضته، والفكاك من قدره. فلا هم يعجزون الله وهم في الأرض، ولا هم يعجزونه بالهرب منها. وهو ضعف العبد أمام الرب، وضعف المخلوق أمام الخالق. والشعور بسلطان الله القاهر الغالب. وهؤلاء الجن هم الذين يعوذ بهم رجال من الإنس! وهم الذين يستعين بهم الإنس في الحوائج! وهم الذين جعل المشركون بين الله ـ سبحانه ـ وبينهم نسباً! وهؤلاء هم يعترفون بعجزهم وقدرة الله. وضعفهم وقوة الله، وانكسارهم وقهر الله، فيصححون، لا لقومهم فحسب بل للمشركين كذلك، حقيقة القوة الواحدة الغالبة على هذا الكون ومن فيه. ثم يصفون حالهم عندما سمعوا الهدى، وقد قرروه من قبل، ولكنهم يكررونه هنا بمناسبة الحديث عن فرقهم وطوائفهم تجاه الإيمان: {وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به}.. كما ينبغي لكل من يسمع الهدى. وهم سمعوا القرآن. ولكنهم يسمونه هدى كما هي حقيقته ونتيجته. ثم يقررون ثقتهم في ربهم، وهي ثقة المؤمن في مولاه: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً}.. وهي ثقة المطمئن إلى عدل الله، وإلى قدرته، ثم إلى طبيعة الإيمان وحقيقته.. فالله ـ سبحانه ـ عادل. ولن يبخس المؤمن حقه، ولن يرهقه بما فوق طاقته. والله ـ سبحانه ـ قادر. فسيحمي عبده المؤمن من البخس وهو نقص الاستحقاق إطلاقاً، ومن الرهق وهو الجهد والمشقة فوق الطاقة. ومن ذا الذي يملك أن يبخس المؤمن أو يرهقه وهو في حماية الله ورعايته؟ ولقد يقع للمؤمن حرمان من بعض أعراض هذه الحياة الدنيا؛ ولكن هذا ليس هو البخس، فالعوض عما يحرمه منها يمنع عنه البخس. وقد يصيبه الأذى من قوى الأرض؛ لكن هذا ليس هو الرهق، لأن ربه يدركه بطاقة تحتمل الألم وتفيد منه وتكبر به! وصلته بربه تهوّن عليه المشقة فتمحضها لخيره في الدنيا والآخرة. المؤمن إذن في أمان نفسي من البخس ومن الرهق: {فلا يخاف بخساً ولا رهقاً}.. وهذا الأمان يولد الطمأنينة والراحة طوال فترة العافية، فلا يعيش في قلق وتوجس. حتى إذا كانت الضراء لم يهلع ولم يجزع، ولم تغلق على نفسه المنافذ.. إنما يعد الضراء ابتلاء من ربه يصبر له فيؤجر. ويرجو فرج الله منها فيؤجر. وهو في الحالين لم يخف بخساً ولا رهقاً. ولم يكابد بخساً ولا رهقاً. وصدق النفر المؤمن من الجن في تصوير هذه الحقيقة المنيرة. ثم يقررون تصورهم لحقيقة الهدى والضلال، والجزاء على الهدى والضلال: {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون. فمن أسلم فأولـئك تحروا رشداً. وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}.. والقاسطون: الجائرون المجانبون للعدل والصلاح. وقد جعلهم هذا النفر من الجن فريقاً يقابل المسلمين. وفي هذا إيماءة لطيفة بليغة المدلول. فالمسلم عادل مصلح، يقابله القاسط: الجائر المفسد: {فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً}.. والتعبير بلفظ {تحروا} يوحي بأن الاهتداء إلى الإسلام معناه الدقة في طلب الرشد والاهتداء ـ ضد الغي والضلال ـ معناه تحري الصواب واختياره عن معرفة وقصد بعد تبين ووضوح. وليس هو خبط عشواء ولا انسياقاً بغير إدراك. ومعناه أنهم وصلوا فعلاً إلى الصواب حين اختاروا الإسلام.. وهو معنى دقيق وجميل.. {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً} أي تقرر أمرهم وانتهى إلى أن يكونوا حطباً لجهنم، تتلظى بهم وتزداد اشتعالاً، كما تتلظى النار بالحطب.. ودل هذا على أن الجن يعذبون بالنار. ومفهومه أنهم كذلك ينعمون بالجنة.. هكذا يوحي النص القرآني. وهو الذي نستمد منه تصورنا. فليس لقائل بعد هذا أن يقول شيئاً يستند فيه إلى تصور غير قرآني، عن طبيعة الجن وطبيعة النار أو طبيعة الجنة.. فسيكون ما قاله حقاً بلا جدال! وما ينطبق على الجن مما بينوه لقومهم، ينطبق على الإنس وقد قاله لهم الوحي بلسان نبيهم.. وإلى هنا كان الوحي يحكي قول الجن بألفاظهم المباشرة عن أنفسهم؛ ثم عدل عن هذا النسق إلى تلخيص مقالة لهم عن فعل الله مع الذين يستقيمون على الطريقة إليه، وذكرها بفحواها لا بألفاظها: {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء غدقاً لنفتنهم فيه، ومن يُعرِض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً}.. يقول الله ـ سبحانه ـ إنه كان من مقالة الجن عنا: ما فحواه أن الناس لو استقاموا على الطريقة، أو أن القاسطين لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم نحن ماء موفوراً نغدقه عليهم، فيفيض عليهم بالرزق والرخاء.. {لنفتنهم فيه} ونبتليهم أيشكرون أم يكفرون. وهذا العدول عن حكاية قول الجن إلى ذكر فحوى قولهم في هذه النقطة، يزيد مدلولها توكيداً بنسبة الإخبار فيها والوعد إلى الله سبحانه. ومثل هذه اللفتات كثير في الأسلوب القرآني، لإحياء المعاني وتقويتها وزيادة الانتباه إليها. وهذه اللفتة تحتوي جملة حقائق، تدخل في تكوين عقيدة المؤمن، وتصوره عن جريان الأمور وارتباطاتها. والحقيقة الأولى: هي الارتباط بين استقامة الأمم والجماعات على الطريقة الواحدة الواصلة إلى الله، وبين إغداق الرخاء وأسبابه؛ وأول أسبابه توافر الماء واغدوداقه. وما تزال الحياة تجري على خطوات الماء في كل بقعة. وما يزال الرخاء يتبع هذه الخطوات المباركة حتى هذا العصر الذي انتشرت فيه الصناعة، ولم تعد الزراعة هي المصدر الوحيد للرزق والرخاء. ولكن الماء هو الماء في أهميته العمرانية.. وهذا الارتباط بين الاستقامة على الطريقة وبين الرخاء والتمكين في الأرض حقيقة قائمة. وقد كان العرب في جوف الصحراء يعيشون في شظف، حتى استقاموا على الطريقة، ففتحت لهم الأرض التي يغدودق فيها الماء، وتتدفق فيها الأرزاق. ثم حادوا عن الطريقة فاستلبت منهم خيراتهم استلاباً. وما يزالون في نكد وشظف، حتى يفيئوا إلى الطريقة، فيتحقق فيهم وعد الله. وإذا كانت هناك أمم لا تستقيم على طريقة الله، ثم تنال الوفر والغنى، فإنها تعذب بآفات أخرى في إنسانيتها أو أمنها أو قيمة الإنسان وكرامته فيها، تسلب عن ذلك الغنى والوفر معنى الرخاء. وتحيل الحياة فيها لعنة مشؤومة على إنسانية الإنسان وخلقه وكرامته وأمنه وطمأنينته (كما سبق بيانه في سورة نوح).. والحقيقة الثانية التي تنبثق من نص هذه الآية: هي أن الرخاء ابتلاء من الله للعباد وفتنة. ونبلوكم بالشر والخير فتنة. والصبر على الرخاء والقيام بواجب الشكر عليه والإحسان فيه أشق وأنذر من الصبر على الشدة! على عكس ما يلوح للنظرة العجلى.. فكثيرون هم الذين يصبرون على الشدة ويتماسكون لها، بحكم ما تثيره في النفس من تجمع ويقظة ومقاومة؛ ومن ذكر لله والتجاء إليه واستعانة به، حين تسقط الأسناد في الشدة فلا يبقى إلا ستره. فأما الرخاء فينسي ويلهي، ويرخي الأعضاء وينيم عناصر المقاومة في النفس، ويهيئ الفرصة للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان! إن الابتلاء بالنعمة في حاجة ملحة إلى يقظة دائمة تعصم من الفتنة.. نعمة المال والرزق كثيراً ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر، مع السرف أو مع البخل، وكلاهما آفة للنفس والحياة.. ونعمة القوة كثيراً ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر مع الطغيان والجور، والتطاول بالقوة على الحق وعلى الناس، والتهجم على حرمات الله.. ونعمة الجمال كثيراً ما تقود إلى فتنة الخيلاء والتيه وتتردى في مدارك الإثم والغواية.. ونعمة الذكاء كثيراً ما تقود إلى فتنة الغرور والاستخفاف بالآخرين وبالقيم والموازين.. وما تكاد تخلو نعمة من الفتنة إلا من ذكر الله فعصمه الله.. والحقيقة الثالثة أن الإعراض عن ذكر الله، الذي قد تنتهي إليه فتنة الابتلاء بالرخاء، مؤد إلى عذاب الله. والنص يذكر صفة للعذاب {يسلكه عذاباً صعداً}.. توحي بالمشقة مذ كان الذي يصعد في المرتفع يجد مشقة في التصعيد كلما تصعد. وقد درج القرآن على الرمز للمشقة بالتصعيد. فجاء في موضع: {أية : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السمآء}. تفسير : وجاء في موضع: {أية : سأرهقه صعوداً}.تفسير : وهي حقيقة مادية معروفة. والتقابل واضح بين الفتنة بالرخاء وبين العذاب الشاق عند الجزاء! والآية الثالثة في السياق يجوز أن تكون حكاية لقول الجن، ويجوز أن تكون من كلام الله ابتداء: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}.. وهي في الحالتين توحي بأن السجود ـ أو مواضع السجود وهي المساجد ـ لا تكون إلا لله، فهناك يكون التوحيد الخالص، ويتوارى كل ظل لكل أحد، ولكل قيمة، ولكل اعتبار. وينفرد الجو ويتمحض للعبودية الخالصة لله. ودعاء غير الله قد يكون بعبادة غيره؛ وقد يكون بالالتجاء إلى سواه؛ وقد يكون باستحضار القلب لأحد غير الله. فإن كانت الآية من مقومات الجن فهي توكيد لما سبق من قولهم: {ولن نشرك بربنا أحداً} في موضع خاص، وهو موضع العبادة والسجود. والسجود. وإن كانت من قول الله ابتداء، فهي توجيه بمناسبة مقالة الجن وتوحيدهم لربهم، يجيء في موضعه على طريقة القرآن: وكذلك الآية التالية: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً}.. أي متجمعين متكتلين عليه، حين قام يصلي ويدعو ربه. والصلاة معناها في الأصل الدعاء. فإذا كانت من مقولات الجن، فهي حكاية منهم عن مشركي العرب، الذين كانوا يتجمعون فئات حول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يصلي أو وهو يتلو القرآن كما قال في "سورة المعارج": {أية : فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين؟}.. تفسير : يتسمعون في دهش ولا يستجيبون. أو وهم يتجمعون لإيقاع الأذى به، ثم يعصمه الله منهم كما وقع ذلك مراراً.. ويكون قول الجن هذا لقومهم للتعجيب من أمر هؤلاء المشركين! وإذا كانت من إخبار الله ابتداء، فقد تكون حكاية عن حال هذا النفر من الجن، حين سمعوا القرآن.. العجب.. فأخذوا ودهشوا، وتكأكأوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعضهم لصق بعض، كما تكون لبدة الصوف المنسوق شعرها، بعضه لصق بعض!.. ولعل هذا هو الأقرب لمدلول الآية لاتساقه مع العجب والدهشة والارتياع والوهلة البادية في مقالة الجن كلها! والله أعلم.. وعندما تنتهي حكاية مقالة الجن عن هذا القرآن، وعن هذا الأمر، الذي فاجأ نفوسهم، وهز مشاعرهم وأطلعهم على انشغال السماء والأرض والملائكة والكواكب بهذا الأمر؛ وعلى ما أحدثه من آثار في نسق الكون كله؛ وعلى الجد الذي يتضمنه، والنواميس التي تصاحبه. عندما ينتهي هذا كله يتوجه الخطاب إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إيقاعات جادة صارمة حاسمة، بالتبليغ، والتجرد من هذا الأمر كله بعد التبليغ، والتجرد كذلك من كل دعوى في الغيب أو في حظوظ الناس ومقادرهم.. وذلك كله في جو عليه مسحة من الحزن والشجى تناسب ما فيه من جد ومن صرامة: {قل: إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحداً. قل: إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً. قل: إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً. إلا بلاغاً من الله ورسالاته. ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبداً. حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً،. قل: إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً. عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً. إلا من ارتضى من رسول. فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً. ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً}.. قل يا محمد للناس: {إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحداً}.. وهذا الإعلان يجيء بعد إعلان الجن لقومهم: {ولن نشرك بربنا أحداً}.. فيكون له طعمه وله إيقاعه. فهي كلمة الإنس والحق، يتعارفان عليها: فمن شذ عنها كالمشركين فهو يشذ عن العالمين. قل: {إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً}.. يؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يتجرد، ويؤمر أن ينفض يديه من كل ادعاء لشيء هو من خصائص الله الواحد الذي يعبده ولا يشرك به أحداً. فهو وحده الذي يملك الضر ويملك الخير. ويجعل مقابل الضر الرشد، وهو الهداية، كما جاء التعبير في مقالة الجن من قبل: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً}.. فيتطابق القولان في اتجاههما وفي ألفاظهما تقريباً، وهو تطابق مقصود في القصة والتعقيب عليها، كما يكثر هذا في الأسلوب القرآني.. وبهذا وذلك يتجرد الجن ـ وهو موضع الشبهة في المقدرة على النفع والضر ـ ويتجرد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتتفرد الذات الإلهية بهذا الأمر. ويستقيم التصور الإيماني على هذا التجرد الكامل الصريح الواضح. {قل: إني لن يجيرني من الله أحداً ولن أجد من دونه ملتحداً. إلا بلاغاً من الله ورسالاته...}.. وهذه هي القولة الرهيبة، التي تملأ القلب بجدية هذا الأمر.. أمر الرسالة والدعوة.. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤمر بإعلان هذه الحقيقة الكبيرة.. إني لن يجيرني من الله أحد، ولن أجد من دونه ملجأ أو حماية، إلا أن أبلغ هذا الأمر، وأؤدي هذه الأمانة، فهذا هو الملجأ الوحيد، وهذه هي الإجارة المأمونة. إن الأمر ليس أمري، وليس لي فيه شيء إلا التبليغ، ولا مفر لي من هذا التبليغ. فأنا مطلوب به من الله ولن يجيرني منه أحد، ولن أجد من دونه ملجأ يعصمني، إلا أن أبلغ وأؤدي! يا للرهبة! ويا للروعة! ويا للجد! إنها ليست تطوعاً يتقدم به صاحب الدعوة. إنما هو التكليف. التكليف الصارم الجازم، الذي لا مفر من أدائه. فالله من ورائه! وإنها ليست اللذة الذاتية في حمل الهدى والخير للناس. إنما هو الأمر العلوي الذي لا يمكن التلفت عنه ولا التردد فيه! وهكذا يتبين أمر الدعوة ويتحدد.. إنها تكليف وواجب. وراءه الهول، ووراءه الجد، ووراءه الكبير المتعال! {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً. حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً}. فهو التهديد الظاهر والملفوف لمن يبلغه هذا الأمر ثم يعصي. بعد التلويح بالجد الصارم في التكليف بذلك البلاغ. وإذا كان المشركون يركنون إلى قوة وإلى عدد، ويقيسون قوتهم إلى قوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين القلائل معه، فسيعلمون حين يرون ما يوعدون ـ إما في الدنيا وإما في الآخرة ـ {من أضعف ناصراً وأقل عدداً}.. وأي الفريقين هو الضعيف المخذول القليل الهزيل! ونعود إلى مقالة الجن فنجدهم يقولون: {وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً} فنجد التعقيب على القصة يتناسق معها. ونجد القصة تمهد للتعقيب فيجيء في أوانه وموعده المطلوب! ثم يؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يتجرد وينفض يديه من أمر الغيب أيضاً: {قل: إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً}... إن الدعوة ليست من أمره، وليس له فيها شيء، إلا أن يبلغها قياماً بالتكليف، والتجاء بنفسه إلى منطقة الأمان ـ الذي لا يبلغه إلا أن يبلغ ويؤدي. وإن ما يوعدونه على العصيان والتكذيب هو كذلك من أمر الله، وليس له فيه يد، ولا يعلم له موعداً. فما يدري أقريب هو أم بعيد يجعل له الله أمداً ممتداً. سوء عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فكله غيب في علم الله؛ وليس للنبي من أمره شيء، ولا حتى علم موعده متى يكون والله ـ سبحانه ـ هو المختص بالغيب دون العالمين: {عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً}.. ويقف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ متجرداً من كل صفة إلا صفة العبودية. فهو عبد الله. وهذا وصفه في أعلى درجاته ومقاماته.. ويتجرد التصور الإسلامي من كل شبهة ومن كل غبش. والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤمر أن يبلغ فيبلغ: {قل: إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً، عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً}.. هناك فقط استثناء واحد.. وهو ما يأذن به الله من الغيب، فيطلع عليه رسله، في حدود ما يعاونهم على تبليغ دعوته إلى الناس. فما كان ما يوحي به إليهم إلا غيباً من غيبه، يكشفه لهم في حينه ويكشفه لهم بقدر، ويرعاهم وهم يبلغونه، ويراقبهم كذلك.. ويؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعلن هذا في صورة جادة رهيبة: {إلا من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وأحاط بما لديهم، وأحصى كل شيء عدداً}.. فالرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته، يطلعهم على جانب من غيبه، هو هذا الوحي: موضوعه، وطريقته، والملائكة الذين يحملونه، ومصدره، وحفظه في اللوح المحفوظ.. إلى آخر ما يتعلق بموضوع رسالتهم مما كان في ضمير الغيب لا يعلمه أحد منهم. وفي الوقت ذاته يحيط هؤلاء الرسل بالأرصاد والحراس من الحفظة، للحفظ وللرقابة. يحمونهم من وسوسة الشيطان ونزغه، ومن وسوسة النفس وتمنيتها، ومن الضعف البشري في أمر الرسالة، ومن النسيان أو الانحراف. ومن سائر ما يعترض البشر من النقص والضعف.. والتعبير الرهيب ـ {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً}.. يصور الرقابة الدائمة الكاملة للرسول، وهو يؤدي هذا الأمر العظيم.. {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم}.. والله يعلم. ولكن المقصود هو أن يقع منهم البلاغ فيتعلق به علمه في عالم الواقع. {وأحاط بما لديهم}.. فما من شيء في نفوسهم وفي حياتهم ومن حولهم، إلا وهو في قبضة العلم لا يند منه شيء.. {وأحصى كل شيء عدداً}.. لا يقتصر على ما لدى الرسل؛ بل يحيط بكل شيء إحصاء وعداً، وهو أدق الإحاطة والعلم! وتصور هذه الحال. والرسول محوط بالحراس والأرصاد. وعلم الله على كل ما لديه. وكل ما حوله. وهو يتلقى التكليف جندياً لا يملك إلا أن يؤدي. ويمضي في طريقه ليس متروكاً لنفسه، ولا متروكاً لضعفه، ولا متروكاً لهواه، ولا متروكاً لما يحبه ويرضاه. إنما هو الجد الصارم والرقابة الدقيقة. وهو يعلم هذا ويستقيم في طريقه لا يتلفت هنا أو هناك. فهو يعلم ماذا حوله من الحرس والرصد، ويعلم ما هو مسلط عليه من علم وكشف! إنه موقف يثير العطف على موقف الرسول، كما يثير الرهبة حول هذا الشأن الخطير. وبهذا الإيقاع الهائل الرهيب تختم السورة، التي بدأت بالروعة والرجفة والانبهار بادية في مقالة الجن الطويلة المفصلة، الحافلة بآثار البهر والرجفة والارتياع! وتقرر السورة التي لا تتجاوز الثماني والعشرين آية، هذا الحشد من الحقائق الأساسية التي تدخل في تكوين عقيدة المسلم، وفي إنشاء تصوره الواضح المتزن المستقيم، الذي لا يغلو ولا يفرط، ولا يغلق على نفسه نوافذ المعرفة، ولا يجري ـ مع هذا ـ خلف الأساطير والأوهام! وصدق النفر الذي آمن حين سمع القرآن، وهو يقول: {إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به}..

ابن عاشور

تفسير : افتتاح السورة بالأمر بالقول يشير إلى أن ما سيذكر بعده حدث غريب وخاصة بالنسبة للمشركين الذين هم مظنة التكذيب به كما يقتضيه قوله: {أية : كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً}تفسير : [الجن: 7] حسبما يأتي. أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يُعلم المسلمين وغيرهم بأن الله أوحَى إليه وقوع حدث عظيم في دعوته أقامه الله تكريماً لنبيه وتنويهاً بالقرآن وهو أن سخر بعضاً من النوع المسمى جنّاً لاستماع القرآن وألهمهم أو علَّمهم فهم ما سمعوه واهتداءهم إلى مقدار إرشاده إلى الحق والتوحيد وتنزيه الله والإِيمان بالبعث والجزاء فكانت دعوة الإسلام في أصولها بالغة إلى عالم من العوالم المغيبة لا علاقة لموجوداته بالتكاليف ولا بالعقائد بل هو عالم مجبول أهله على ما جُبلوا عليه من خير أو شر لا يعدُو أحدُهم في مدة الدنيا جِبلتَه فيكون على معيارها مصيرُه الأبدي في الحياة الآخرة ولذلك لم يَبعث إليهم بشرائع. وقد كشف الله لهذا الفريق منهم حقائق من عقيدة الإِسلام وهديه ففهموه. هذا العالَم هو عالم الجنّ وهو بحسب ما يستخلص من ظواهر القرآن ومن صحاح الأخبار النبوية وحَسَنها نوع من المجردات أعني الموجودات اللطيفة غير الكثيفة،الخفية عن حاسة البصر والسمع، منتشرة في أمكنة مجهولة ليست على سطح الأرض ولا في السماوات بل هي في أجواء غير محصورة وهي من مقولة الجوهر من الجواهر المجردات أي ليست أجساماً ولا جسمانيات بل هي موجودات روحانية مخلوقة من عنصر ناري ولها حياة وإرَادة وإدراك خاص بها لا يُدرى مَداه. وهذه المجردات النارية جنس من أجناس الجواهر تحتوي على الجن وعلى الشياطين فهما نوعان لجنس المجردات النارية لها إدراكات خاصة وتصرفات محدودة وهي مغيبة عن الأنظار ملحقة بعالم الغيب لا تراها الأبصار ولا تدركها أسماع الناس إلاّ إذا أوصل الله الشعور بحركاتها وإراداتها إلى البشر على وجه المعجزة خرقاً للعادة لأمر قضاه الله وأراده. وبتعاضد هذه الدلائل وتناصرها وإن كان كل واحد منها لا يعدو أنه ظني الدلالة وهي ظواهر القرآن، أو ظني المتن والدلالة وهي الأحاديث الصحيحة، حصل ما يقتضي الاعتقاد بوجود موجودات خفية تسمى الجن فتفسَّر بذلك معاني آيات من القرآن وأخبار من السنة. وليس ذلك مما يدخل في أصول عقيدة الإِسلام ولذلك لم نكفر منكري وجود موجودات معيّنة من هذا النوع إذ لم تثبت حقيقتها بأدلة قطعية، بخلاف حال من يقول: إن ذكر الجن لم يذكر في القرآن بعد عِلْمِه بآيات ذكره. وأما ما يروى في الكتب من أخبار جُزئية في ظهورهم للناس وإتيانهم بأعمال عجيبة فذلك من الروايات الخيالية. وإنا لم نلق أحداً من أثبات العلماء الذين لقيناهم من يقول: إنه رأى أشكالهم أو آثارهم وما نجد تلك القصص إلاّ على ألسنة الذين يسرعون إلى التصديق بالأخبار أو تغلب عليهم التخيلات. وإن كان فيهم من لا يتهم بالكذب ولكنه مما يضرب له مثل قول المعري: شعر : ومثلُكِ من تخيل ثم خالا تفسير : فظهور الجن للنبي صلى الله عليه وسلم تارات كما في حديث الجني الذي تفلت ليفسد عليه صلاته هو من معجزاته مثل رؤيته الملائكة ورؤيته الجنة والنار في حائط القبلة وظهور الشيطان لأبي هريرة في حديث زكاة الفطر. وقد مضى ذكر الجن عند قوله: {أية : وجعلوا لله شركاء الجن}تفسير : في سورة الأنعام (100)، وقوله: {أية : ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس }تفسير : في سورة الأعراف (179). والذين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم أنه أوحي إليه بخبر الجن: هم جميع الناس الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يبلغهم القرآن من المسلمين والمشركين أراد الله إبلاغهم هذا الخبر لما له من دلالة على شرف هذا الدين وشرف كتابه وشرف من جاء به، وفيه إدخال مسرة على المسلمين وتعريض بالمشركين إذ كان الجن قد أدركوا شرف القرآن وفهموا مقاصده وهم لا يعرفون لغته ولا يدركون بلاغته فأقبلوا عليه، والذين جاءهم بلسانهم وأدركوا خصائص بلاغته أنكروه وأعرضوا عنه. وفي الإِخبار عن استماع الجن للقرآن بأنه أوحي إليه ذلك إيماء إلى أنه ما علم بذلك إلاّ بإخبار الله إياه بوقوع هذا الاستماع، فالآية تقتضي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم بحضور الجن لاستماع القرآن قبل نزول هذه الآية. وأما آية الأحقاف (29) {أية : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن}تفسير : الآيات فتذكير بما في هذه الآية أو هي إشارة إلى قصة أخرى رواها عبد الله بن مسعود وهي في صحيح مسلم في أحاديث القراءة في الصلوات ولا علاقة لها بهذه الآية. وقوله: {أنه استمع نفر من الجن}في موضع نائب فاعل {أوحي} أي أوحي إلي استماع نفر. وتأكيد الخبر الموحَى بحرف (أن) للاهتمام به لغرابته. وضمير {أنه} ضمير الشأن وخبره جملة {استمع نفر من الجن} وفي ذلك زيادة اهتمام بالخبر الموحى به. ومفعول {استمع} محذوف دل عليه {إنَّا سمعنا قرآنا}، أي استمع القرآن نفر من الجن. والنفَر: الجماعة من واحد إلى عشرة وأصله في اللغة لجماعة من البشر فأطلق على جماعة من الجن على وجه التشبيه إذ ليس في اللغة لفظ آخر كما أطلق رجال في قوله: {أية : يعوذون برجال من الجن}تفسير : [الجن: 6] على شخوص الجن. وقولهم: {إنا سمعنا قرآنا عجباً} قالوه لبعض منهم لم يحضر لاستماع القرآن ألهمهم الله أن ينذروهم ويرشدوهم إلى الصلاح قال تعالى في سورة الأحقاف (29، 30) {أية : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولّوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً }تفسير : الآيات. ومعنى القَول هنا: إبلاغُ مرادهم إلى من يريدون أن يبلِّغوه إليهم من نوعهم بالكيفية التي يتفاهمون بها، إذ ليس للجن ألفاظ تجري على الألسن فيما يظهر، فالقول هنا مستعار للتعبير عما في النفس مثل قوله تعالى:{أية : قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم}تفسير : [النمل: 18] فيكون ذلك تكريماً لهذا الدِّين أن جعل الله له دعاة من الثقلين. ويجوز أن يكون قولاً نفسياً، أي خواطر جالت في مدركاتهم جولان القول الذي ينبعث عن إرادةِ صاحب الإِدراك به إبلاغَ مدركاته لغيره، فإن مثل ذلك يعبر عنه بالقول كما في بيت النابغة يتحدث عن كلب صيد:شعر : قالتْ له النفسُ إني لا أرى طمعاً وإن مولاك لم يَسلم ولم يَصِد تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول}تفسير : [المجادلة: 8]. وتأكيد الخبر بـ (أنَّ) لأنهم أخبروا به فريقاً منهم يشكون في وقوعه فأتوا في كلامهم بما يفيد تحقيق ما قالوه وهو الذي يعبر عن مثله في العربية بحرف (إن). ووصف القرآن بالعجب وصف بالمصدر للمبالغة في قوة المعنى، أي يعجب منه، ومعنى ذلك أنه بديع فائق في مفاده. وقد حصل لهم العلم بمزايا القرآن بانكشاف وهبهم الله إياه. قال المازري في «شرح صحيح مسلم» «لا بد لمن آمن عند سماع القرآن أن يعلم حقيقة الإِعجاز وشروط المعجزة، وبعد ذلك يقع العلم بصدق الرسول؛ فإما أن يكون الجن قد علموا ذلك أو عَلِموا من كتب الرسل المتقدمة ما دلهم على أنه هو النبي الأمّي الصادق المبشر به» اهـ. وأنا أقول: حصل للجن علم جديد بذلك بإلهام من الله لأدلة كانوا لا يشعرون بها إذ لم يكونوا مطالبين بمعرفتها، وأن فهمهم للقرآن من قبيل الإِلهام خلقه الله فيهم على وجه خرق العادة كرامة للرسول صلى الله عليه وسلم وللقرآن. والإِيمان بالقرآن يقتضي الإِيمان بمن جاء به وبمن أنزله ولذلك قالوا {ولن نشرك بربنا أحداً}. وقد حصل لهؤلاء النفر من الجن شرف المعرفة بالله وصفاته وصِدق رسوله صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن وما احتوى عليه مَا سَمعوه منه فصاروا من خيرة المخلوقات، وأُكرموا بالفوز في الحياة الآخرة فلم يكونوا ممن ذَرْأَ الله لجهنم من الجن والإِنس. ومتعلق {استمع} محذوف دل عليه قوله بعده {فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً}. و {الرشْد}: بضم الراء وسكون الشين (أو يقال بفتح الراء وفتح الشين) هو الخير والصواب والهدى. واتفقت القراءات العشر على قراءته بضم فسكون. وقولهم: {ولن نشرك بربنا أحداً}، أي ينتفي ذلك في المستقبل. وهذا يقتضي أنهم كانوا مشركين ولذلك أكدوا نفي الإِشراك بحرف التأبيد فكما أكد خبرهم عن القرآن والثناء عليه بـ (إن) أكد خبرهم عن إقلاعهم عن الإِشراك بـ {لن}.

الشنقيطي

تفسير : فيه إثبات سماع الجن للقرآن وإعاجبهم به، وهدايتهم بهديه وإيمانهم بالله، وتقدمت الإشارة بذلك من كلام الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الأحقاف عند قوله تعالى: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الأحقاف: 29]، وفي آية الأحقاف بيان لما قام به النفر من الجن بعد سماعهم القرآن بأنهم لما قضى سماعهم ولوا إلى قومهم منذرين. وفيها: بيان أنهم عالمون بكتاب موسى وهو التوراة، وقد شهدوا بأن القرآن مصدق لما بين يديه وأنه يهدي إلى صراط مستقيم، كما جاء هنا قوله: {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1، 2- قل يا - محمد - لأمتك: أوحى الله إلىَّ أن جماعة من الجن قد استمعوا إلى قراءتى للقرآن، فقالوا لقومهم: إنا سمعنا قرآناً بديعاً لم نسمع مثله من قبل، يدعو إلى الهدى والصواب، فآمنا - بالقرآن الذى سمعناه - ولن نشرك مع ربنا - الذى خلقنا وربانا - أحداً فى عبادته. 3- وأنه تعالى قدر ربنا وعظمته، ما اتخذ زوجة ولا ولداً. 4- وأنه كان يقول - جاهلنا على الله -: قولاً بعيداً عن الحق والصواب. 5- وأنا ظننا أن لن تنسب الإنس والجن إلى الله ما لم يكن، ويصفوه بما لا يليق به.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أنه استمع: أي إلى قراءتي. نفر من الجن: أي عدد من الجن ما بين الثلاثة والعشرة. قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا: أي لبعضهم بعضاً قرآنا عجبا أي يتعجب منه لفصاحته وغزارة معانيه. يهدي إلى الرشد: أي الصواب في المعتقد والقول والعمل. وأنه تعالى جد ربنا: أي تنزه جلال ربنا وعظمته عما نسب إليه. ما اتخذ صاحبة ولا ولدا: أي لم يتخذ صاحبة ولم يكن له ولد. سفيهنا: أي جاهلنا. شططا: أي غلوا في الكذب بوصفه الله تعالى بالصاحبة والولد. على الله كذبا: حتى تبين لنا أنهم يكذبون على الله بنسبة الزوجة والولد إليه. يعوذون: أي يستعيذون. فزادوهم رهقا: أي إثما وطغيانا. أن لن يبعث الله أحدا: أي لن يبعث رسولا إلى خلقه. معنى الآيات: قوله تعالى {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} يأمر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول معلنا للناس مؤمنهم وكافرهم أنه قد أوحى الله تعالى إليه نبأ مفاده أن نفرا من الجن ما بين الثلاثة إلى العشرة قد استمعوا إلى قراءته القرآن وذلك ببطن نخلة والرسول يصلي بأصحابه صلاة الفجر وكان الرسول صلى الله عليه وسلم عامدا مع أصحابه إلى سوق عكاظ. وكان يومئذ قد حيل بين الشياطين وخبر السماء حيث أرسلت عليهم الشهب فراجع الشياطين بعضهم بعضا فانتهوا إلى أن شيئا حدث لا محالة فانطلقوا يضربون في مشارق الأرض ومغاربها يتعرفون إلى هذا الحدث الجلل الذي مُنِعت الشياطين بسببه من السماء فتوجه نفر منهم إلى تهامة فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح بأصحابه فاستمعوا إلى قراءته في صلاته فرجعوا إلى قومهم من الجن فقالوا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} فأنزل الله تعالى هذه السورة "سورة الجن" مفتتحة بقوله {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} أي أعلن للناس يا رسولنا أن الله قد أوحى إليك خبرا مفاده أن نفرا من الجن قد استمعوا إلى قراءتك فرجعوا إلى قومهم وقالوا لهم {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} أي يتعجب من فصاحته وغزارة معانيه. يهدي إلى الرشد والصواب في العقيدة والقول والعمل {فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} وفي هذا تعريض بسخف البشر الذين عاش الرسول بينهم إحدى عشرة سنة يقرأ عليهم القرآن بمكة وهم مكذبون به كارهون له مصرون على الشرك والجن بمجرد أن سمعوه آمنوا به وحملوا رسالته إلى قومهم وها هم يدعون بدعاية الاسلام ويقولون {فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} أي وآمنا بأنه تعالى أمر ربنا وسلطانه ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وحاشاه وإنما نسب إليه ذلك المفترون. {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً} هذا من قول الجن واصلوا حديثهم قائلين وأنه كان يقول جاهلونا على الله شططا أي غلوا في الكذب بوصفهم الله تعالى بالصاحبة والولد تقليدا للمشركين واليهود والنصارى {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي وقالوا لقومهم وإنا كنا نظن أن الإِنس والجن لا يكذبون على الله ولا يقولون عليه إلا الصدق وقد علمنا الآن أنهم يكذبون على الله ويقولون عليه ما لم يقله وينسبون إليه ما هو منه براء. وقالوا {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} يخبرون بخبر عجيب وهو أنه كان رجال من الناس من العرب وغيرهم إذا نزلوا منزلا مخوفا في واد أو شعب يستعيذون برجال من الجن كأن يقول الرجل أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه فزاد الإِنس الجن بهذا اللجأ إليهم والاحتماء بهم رهقا أي إثما وطغيانا. إذ ما كانوا يطمعون أن الإِنس تعظمهم هذا التعظيم حتى تستجير بهم. وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا أي وقالوا مخبرين قومهم وأنهم أي الإِنس ظنوا كما ظننتم أنتم أيها الجن أن لن يبعث الله أحدا رسولا ينذر الناس عذاب الله ويعلمهم ما يكملهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية وأن محمدا رسول للثقلين الإِنس والجن معاً. 2- بيان علو شأن القرآن وكماله حيث شهدت الجن له بأنه عجب فوق مستوى كلام الخلق. 3- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك. 4- تقرير أن الإِنس كالجن قد يكذبون على الله وما كان لهم ذلك. 5- حرمة الاستعانة بالجن والاستعاذة بهم لأن ذلك كالعبادة لهم.

القطان

تفسير : النفر: ما بين الثلاثة والعشرة. عجبا: عجيبا بديعا لا يشبهه شيء من كلام الناس. الجد: بفتح الجيم العظمة والوقار والقدر. يقال جد يجد جدا: عظم، وفي الحديث"حديث : تبارك اسمك وتعالى جَدّك"تفسير : . السفيه: الجاهل، الطائش. سفه يسفه سفها وسَفاها وسفاهة: خفّ وجهل وطاش. شططا: غلوا، وافراطا. يعوذون: يستجيرون ويلتجئون. كان الرجل في الجاهلية اذا امسى في مكان خالٍ يقول: أعوذُ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، ولا يعوذ بالله. رهقا: إثما، وحَمْلَ المرء على ما لا يطيق. قل يا محمد لأمتك: أوحى اللهُ إليَّ أنه استمعَ إلى تلاوة القرآنِ جماعةٌ من الجنِّ فدُهِشوا من عَظَمتِه وبلاغته فقالوا لقومهم: إنّا سَمِعْنا قرآناً بديعاً لم نسمَعْ مثلَه من قبلُ، فدُهِشوا من عَظَمته وبلاغته فقالوا لقومهم: إنّا سَمِعْنا قرآناً بديعاً لم نسمَعْ مثلَه من قبلُ، يدعو الى الهُدى {فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً}. وقل لهم: إنه جلَّ وعلا ما اتخذَ زوجةً ولا ولدا. وعلى لسان الجنّ أخبرهم يا محمد انه كان يقول سفهاؤنا على الله قولاً بعيداً عن الحقّ والصواب، وأنّا كنا نظنّ أن لن يَكذِب احد على الله تعالى فينسبَ اليه الزوجة والولد، ويصفه بما لا يليق به. وكذلك أخبر قومك يا محمد أن بعض الجن يقولون إن رجالاً من الانس كانوا يستعيذون برجال من الجن ولا يستعيذون بالله فزادهم الجن ضلالا وطغيانا. وأن الجنّ ظنّوا كما ظننتم معشَرَ الانس، ان الله لن يبعثَ أحداً بعد الموت ولن يبعثَ رسولاً من البشَر إليهم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وحفص: وأنه تعالى بفتح الهمزة وكل ما هو معطوف عليها، وذلك في احد عشر موضعا الى قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ...}. وقرأ الباقون بكسر الهمزة في هذه المواضع كلها الا في قوله تعالى {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} تفسير : [الجن: 18] فانهم اتفقوا على الفتح. اما من قرأ بالفتح في هذه المواضع فعلى العطف على قوله "فآمنا به" كأنه قيل فصدقناه وصدّقنا انه تعالى جدّ ربنا الخ... واما من قرأ بالكسر في هذه المواضع فعلى العطف على: {إِنَّا سَمِعْنَا...}.

د. أسعد حومد

تفسير : {قُرْآناً} (1) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الجِنِّ اسْتَمَعُوا إِلَى القُرْآنِ فَآمَنُوا بِهِ، وَصَدَّقُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّنَا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً بَدِيعاً. (أَكْثرُ المُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللهَ صلى الله عليه وسلم عَلِمَ بِاسْتِمَاعِ الجِنِّ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، مِنَ الوَحْيِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِوُجُودِهِمْ قُرْبَهُ). عَجَباً - بَدِيعاً فِي بَلاَغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ.

الثعلبي

تفسير : {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} وكانوا تسعة من جن نصيبين استمعوا قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد مرّ خبرهم. قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنهم من بني الشيطان وهم أكثر الجن عدداً وهم عامة جنود إبليس. {فَقَالُوۤاْ} لما رجعوا إلى قومهم {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً * وَأَنَّهُ} بالفتح قرأه أهل الشام والكوفة إلاّ حفصاً. وفتح أبو جعفر ما كان مردوداً على الوحي، وكسر ما كان حكاية عن الجن، وجرها كلّها الباقون. {تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} حدّثنا عبيد الله بن محمد بن محمد بن مهدي العدل، قال: حدّثنا الأصم، قال: حدّثنا أحمد بن حازم، قال: حدّثنا عبد الله بن سفيان عن السدي في قوله: {جَدُّ رَبِّنَا} قال: أمر ربنا. وبإسناده عن سفيان عن سلمان التيمي عن الحسن، قال: غنى ربنا ومنه قيل: للحظ جد ورجل مجدود. وقال ابن عباس: قدرة ربنا. مجاهد وعكرمة: جلاله. قتادة: عظمته. ابن أبي نجيح عن مجاهد: ذكره. ضحاك: فعله. القرظي: آلاؤه ونعمه على خلقه. الأخفش: علا ملك ربنا. ابن كيسان: علا ظفره على كل كافر بالحجة. والجدّ في اللغة: العظمة، ومنه قول أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ في أعيننا أي عظم. وقال ابن عباس: لو علمت أن في الإنس جدّاً ما قالت تعالى جدّ ربّنا، وقال أبو جعفر الباقر وابنه جعفر والربيع بن أنس: ليس لله جد وإنّما وليه الجدّ بالجهالة فلم توخذوا به. {مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} وقرأ عكرمة: {تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} بكسر الجيم على ضد الهزل، وقرأ ابن السميع: (جدي ربّنا) وهو الجدوى والمنفعة. {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} جاهلنا، وقال مجاهد وقتادة: هو إبليس لعنه الله {عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً} عدواناً وقولا عظيماً {وَأَنَّا ظَنَنَّآ} حسبنا {أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي كنّا نظنّهم صادقين في قولهم: إنَّ لله صاحبة وولداً حتّى سمعنا القرآن {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ} وذلك قول الرجل من العرب إذا أمسى بالأرض القفر: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار حتّى يصبح. قال مقاتل: أوّل مَنْ تعوّذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثمّ بنو حنيفة ثمّ فشا ذلك في العرب. أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أبو القيّم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي، قال: حدّثنا موسى بن سعيد بن النعمان بطرطوس، قال: حدّثنا فروة بن معراء الكندي، قال: حدّثنا القيّم بن مالك عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن كردم بن أبي السائب الأنصاري، قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أوّل ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي، فقال: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه يقول: يا سرحان أرسله، فأتانا الحمل يشتدّ حتّى دخل الغنم، ولم يصبه كدمة، قال، وأنزل الله سبحانه على رسوله بمكة: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ}. {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} يعني: [إن الإنس زادوا الجن طُغياناً باستعاذتهم] فزادتهم رهقاً. قال ابن عباس: أثماً. معمر عن قتادة: خطيئة. سعيد عنه: جرأة. مجاهد: طغياناً. ربيع: فرقاً. ابن زيد: خوفاً. إبراهيم: عظمة، وذلك أنّهم قالوا: [سدنا] الجن والإنس. مقاتل: غيّاً. الحسن: شرّاً. ثعلب: خساراً. والرهق في كلام العرب: الإثمّ وغشيان المحارم، ورجل مرهق: إذا كان كذلك. وقال الأعشى: شعر : لا شيء ينفعني من دون رؤيتها هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقاً تفسير : {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ} يا معشر الكفّار من الإنس { أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً} بعد موته {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً} من الملائكة {وَشُهُباً} من النجوم {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا} من السماء {مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً * وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ} برمي الشهب {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً * وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} أهواء مختلفة وفرقاً شتى، منّا المؤمن ومنّا الكافر. قال سعيد بن جبير: ألواناً شتى. الحسن: قدداً مختلفين، الأخفش: ضروباً، أبو عبيدة: أصنافاً، المؤرّخ: أجناساً، النضر: مللا، ابن كيسان: شيعاً وفرقاً لكلّ فرقة هوى كأهواء الناس، وقال الفراء: تقول العرب: هؤلاء طريقة قومهم أي ساداتهم ورؤساؤهم، المسيّب: كنّا مسلمين ويهوداً ونصارى. أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا محمد بن عمرو بن الخطاب، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن نحتويه، قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن إبراهيم الصوري بأنطاكية، قال: حدّثنا محمد بن المتوكل بن أبي السراي، قال: حدّثنا المطلب بن زياد، قال: سمعت السدي يقول في قول الله سبحانه: {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً}، قال: الجن مثلكم فيهم قدرية ومرجئة ورافضة وشيعة. واحد القدد: قدة، وهي الفرقة وأصلها من القدّ وهو القطع. قال لبيد يرثي أخاه أربد: شعر : لم تبلغ العين كل نهمتها ليلة تمشي الجياد كالقدد تفسير : وقال آخر: شعر : ولقد قلت وزيد جاسر يوم ولّت خيل عمرو قددا تفسير : {وَأَنَّا ظَنَنَّآ} علمنا {أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ} إن أراد بنا أمراً {وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} إن طلبنا {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ} قرأه العامّة بالألف، وقرأ الأعمش فلا يخفف بالجزم {بَخْساً} نقصاً {وَلاَ رَهَقاً} ظلماً، يقول: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزداد في سيّئاته، ولا أن يؤخذ بذنب غيره، ولا أن يعاقب بغير جرم، وقيل: رهقاً: مكروهاً يغشاه، وقيل: ذهاب كله نظيره قوله سبحانه وتعالى: {أية : فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً} تفسير : [طه: 112]. {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} الجائرون العادلون عن الحق. يقال: أقسط الرجل فهو مقسط إذا عدل، قال الله سبحانه: {أية : وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [الحجرات: 9]، وقسط يقسط قسوطاً إذا جاد. قال الشاعر: شعر : قوم هم قتلوا ابن هند عنوة عمراً وهم قسطوا على النعمان تفسير : وأنشد ابن زيد: شعر : قسطنا على الأملاك في عهد تبّع ومن قبل ما أدرى النفوس عقابها تفسير : ونظيره في الكلام المترب: الفقير، والمترب: الغني. {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} أي قصدوا وأعدّوا وتوخّوا ومنه بتحرّى القبلة لمن عميت عليه. وقال امرؤ القيس: شعر : ديمة هطلاء فيها وطف طبق الأرض تحرّى وتدر تفسير : {وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا المسعودي عن قتادة عن ابي المليح بن أُسامة قال: كتبت إِلى أَبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أَسئلة، أَين قرأَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على الجن؟ فكتب إِلي أَنه قرأَ عليهم بشعب يقال له الحجون [الآية: 1]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله: {تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} [الآية: 3]. قال: غني ربنا.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلرُّشْدِ} الحق والصواب {جَدُّ} الجد لغة: العظمة والجلال والسلطان يقال: جد فلان في عيني أي عظم وجل، والجد: الحظُّ، وأبو الأب {حَرَساً} جمع حارس او اسم جمع كخدم يقال: حرس وحُراس، والحارس: الحافظ للشيء يرعاه ويرقبه {قِدَداً} متفرقة مختلفة جمع قدة قال الشاعر: شعر : "إذ هم طرائق في أهوائهم قدد" تفسير : {غَدَقاً} كثيراً واسعاً {ٱلْقَاسِطُونَ} الجائرون عن طريق الحق، يقال قسط الرجل إِذا جار {صَعَداً} شاقاً يعلو الإِنسان ويغلبه فلا يطيقه يقال: فلان في صعد من أمره أي في مشقة {يَسْلُكْهُ} يدخله {لِبَداً} متراكمين بعضهم فوق بعض يقال: تلبد الشيء أي تراكم بعضه فوق بعض {مُلْتَحَداً} ملجأ وحرزاً يتحصن به الإِنسان. التفسِير: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} أي قل يا محمد لقومك: إن ربي أوحى إلي أن جماعة من الجن استمعوا لتلاوتي للقرآن، فآمنوا به وصدقوه وأسلموا {فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} أي فقالوا لقومهم حين رجعوا إِليهم: إنا سمعنا قرآناً عجيباً، مؤثراً في حسن نظمه، وبلاغة أسلوبه، وما حواه من بديع الحِكَم والعظات و{عَجَباً} مصدر وصف به للمبالغة قال المفسرون: استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجر، ولم يشعر بهم ولا باستماعهم، وإنما أخبر به الرسول بواسطة الوحي بدليل قوله {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} ويؤيده ما قصه الله على نبيه في سورة الأحقاف من خبرهم {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ}تفسير : [الأحقاف: 29] والغرض من الإِخبار عن استماع الجن، توبيخ وتقريع قريش والعرب في كونهم تباطئوا عن الإِيمان، إذ كانت الجن خيراً منهم وأسرع إلى الإِيمان، فإنهم من حين ما سمعوا القرآن استعظموه وآمنوا ورجعوا إلى قومهم منذرين، بخلاف العرب الذين نزل بلسانهم، فإنهم كذبوا واستهزءوا وهم يعلمون أنه كلام معجز، وأن محمداً أمي لا يقرأ ولا يكتب، وشتان ما بين موقف الإِنس والجن!! {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} أي يهدي هذا القرآن إلى الحق والرشاد والصواب فصدقنا به {وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك، ولن نجعل لله شريكاً بعد اليوم من خلقه قال الخازن: وفي الآية دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} أي تعالت عظمة ربنا وجلاله {مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} أي ليس له زوجة ولا ولد، لأن الزوجة تتخذ للحاجة، والولد للاستئناس، والله تعالى منزه عن النقائص {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً} أي وأن الأحمق الجاهل فينا كان ينسب إلى الله ما لا يليق بجلاله وقدسيته ويقول قولاً شططاً بعيداً عن الحق وحدِّ الاعتدال قال مجاهد: السفيه هو إبليس دعاهم إلى عبادة غير الله {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي كنا نظن أن أحداً لن يكذب على الله تعالى لا من الإِنس ولا من الجن في نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك قال الطبري: وإنما أنكر هؤلاء النفر من الجن أن تكون علمت أن أحداً يجترىء على الكذب على الله لما سمعت القرآن، لأنهم قبل أن يسمعوه وقبل أن يعلموا تكذيب الله للزاعمين لله الصاحبة والولد كانوا يحسبون أن إِبليس صادق، فلما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في ذلك فسموه سفيهاً {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ} أي كان خلائق من الإِنس يستجيرون برجال من الجن {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} أي فزاد الإِنس الجن باستعاذتهم بهم إِثماً وطغياناً، وعتواً وضلالاً قال أبو السعود: كان الرجل إِذا أمسى في واد قفر وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه - يريد الجن وكبيرهم - فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإِنس والجن، فزاد الرجال الجن تكبراً وعتواً، فذلك قوله {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً} أي وأن كفار الإِنس ظنوا كما ظننتم يا معشر الجن، أن الله لن يبعثُ أحداً بعد الموت، فقد أنكروا البعث كما أنكرتموه أنتم {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} يقول الجن: وأنا طلبنا بلوغ السماء لاستماع كلام أهلها، فوجدناها قد ملئت بالملائكة الكثيرين الذين يحرسونها، وبالشهب المحرقة التي تقذف من يحاول الاقتراب منها {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ} أي كنا قبل بعثة محمد نطرق السماء لنستمع إلى أخبارها ونلقيها إلى الكهان {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} أي فمن يحاول الآن استراق السمع، يجد شهاباً ينتظره بالمرصاد يحرقه ويهلكه {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي لا نعلم نحن معشر الجن ما الله فاعل بسكان الأرض، ولا نعلم هل امتلاء السماء بالحرس والشهب لعذاب يريد الله أن ينزله بأهل الأرض؟ {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} أي أم لخير يريده الله بهم، بأن يبعث فيهم رسولاً مرشداً يرشدهم إلى الحق؟ وهذا من أدب الجن حيث نسبوا الخير إلى الله، ولم ينسبوا الشر إليه فقالوا {أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}؟ قال ابن كثير: وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، وهذا هو الذي حملهم على تطلب السبب، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فرأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حفظت من أجله السماء، فدنوا منه حرصاً على سماع القرآن ثم أسلموا {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} أي منا قوم صالحون أبرار، عاملون بما يرضي الله، ومنا قوم ليسوا صلحاء قال في التسهيل: وأرادوا بقولهم {دُونَ ذَلِكَ} أي الذين ليس صلاحهم كاملاً، أو الذين ليس لهم صلاح {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} أي كنا فرقاً شتى، ومذاهب مختلفة، فمنا الصالح ومنا الطالح، وفينا التقي والشقي {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} أي علمنا وأيقنا أن الله قادر علينا، وأننا في قبضته وسلطانه أينما كنا، لن نعجزه بهرب، ولن نتفلت من عقابه إذا أراد بنا سوءاً قال القرطبي: أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات الله، أنا في قبضته وسلطانه لن نفوته بهرب ولا غيره.. ثم عادوا إلى شكر الله تعالى على نعمة الإِيمان واهتدائهم بسماع آيات القرآن فقالوا {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ} أي لما سمعنا القرآن العظيم آمنا به وبمن أنزله، وصدقنا محمداً صلى الله عليه وسلم في رسالته {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} أي فمن يؤمن بالله تعالى فلا يخشى نقصاناً من حسناته ولا ظلماً بزيادة سيئاته قال ابن عباس: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته، لأن البخس النقصان، والرهق العدوان {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} أي وأنا بعد سماعنا القرآن منا من أسلم، وصدق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنا من جار عن الحق وكفر قال المفسرون: يقال قسط الرجل إذا جار، وأقسط إِذا عدل، واسم الفاعل من الأول قاسط، ومن الثاني مقسط ومنه {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ}تفسير : [البقرة: 222] وأما القاسط فهو الظالم الجائر {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} أي فمن اعتنق الإِسلام واتبع الرسول عليه السلام، فأولئك الذين قصدوا الرشد، واهتدوا إلى طريق السعادة والنجاة {وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} أي وأما الكافرون الجائرون عن طريق الحق والإِيمان، فسيكونون وقوداً لجهنم، توقد بهم كما توقد بكفار الإِنس.. وإلى هنا انتهى كلام الجن، مما يدل على قوة إيمانهم، وصدقهم وإِخلاصهم، ثم قال تعالى مخبراً عن أهل مكة {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} أي لو آمن هؤلاء الكفار، واستقاموا على شريعة الله {لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً} أي لبسطنا لهم في الرزق، ووسعنا عليهم في الدنيا، زيادة على ما يحصل لهم في الآخرة من النعيم الدائم، وبذلك يحوزون عز الدنيا والآخرة قال في التسهيل: الماء الغدق: الكثير، وذلك استعارة في توسيع الرزق، والطريقة هي الإِسلام وطاعة الله والمعنى: لو استقاموا على ذلك لوسع الله أرزاقهم فهو كقوله {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف: 96] {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنختبرهم به أيشركون أم يكفرون؟ {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} أي ومن يعرض عن طاعة الله وعبادته، يدخله ربه عذاباً شديداً شاقاً لا راحة فيه قال قتادة: {صَعَداً} عذاباً لا راحة فيه وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإِذا انتهى إِلى أعلاها حُدِر إلى جهنم {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} هذا من جملة الموحى به للرسول {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} والمعنى وأوحي إلى أن المساجد وبيوت العبادة هي مختصة بالله، فلا تعبدوا فيها غيره وأخلصوا له العبادة فيها قال مجاهد: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله فيها، فأمر الله عز وجل نبيه والمؤمنين أن يخلصوا الدعوة لله إذا دخلوا المساجد كلها {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ} أي وأنه لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يعبد ربه {كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} أي كاد الجن يركب بعضهم بعضاً من شدة الازدحام، حرصاً على سماع القرآن قال ابن عباس: كادوا ينقضون عليه لاستماع القرآن، وإنما وصفه تعالى بالعبودية، ولم يذكره باسمه زيادة في تشريفه وتكريمه عليه السلام {قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين طلبوا منك أن ترجع عن دينك: إنما أعبد ربي وحده، ولا أشرك مع الله غيره بشراً ولا صنماً قال الصاوي: سبب نزولها أن كفار قريش قالوا له: إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا فنحن نجيرك وننصرك فنزلت {قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً} أي قل يا محمد في محاجَّة هؤلاء: إني لا أقدر أن أدفع عنكم ضراً، ولا أجلب لكم نفعاً، وإنما الذي يملك هذا هو الله رب العالمين {قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي قل لهم أيضاً: إنه لن ينقذني من عذاب الله أحد إن عصيته، ولن أجد لي نصيراً ولا ملجأً منه، فكيف أجيبكم إلى ما طلبتم؟ قال قتادة: {مُلْتَحَداً} ملجأً ونصيراً {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ} أي لا أجد ملجأً إلا إذا بلغت رسالة ربي، ونصحتكم وأرشدتكم كما أمرني الله فحينئذ يجيرني ربي من العذاب كقوله تعالى {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}تفسير : [المائدة: 67] قال ابن كثير: أي لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها عليَّ {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي ومن كذب الله ورسوله، ولم يؤمن بلقاء الله، وأعرض عن سماع الآيات وتدبر الرسالات، فإن جزاءه جهنم لا يخرج منها أبداً وإنما جمع {خَالِدِينَ} حملاً على معنى {مَنْ} لأن لفظها مفرد ومعناها جمع {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} أي حتى إذا رأى المشركون ما يوعدون من العذاب {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً} أي فسيعلمون حينئذ من هم أضعف ناصراً ومعيناً، وأقل نفراً وجنداً؟ هل هم؟ أم المؤمنون الموحدون؟ ولا شك أن الله ناصر عباده المؤمنين، فهم الأقوى ناصراً والأكثر عدداً، لأن الله معهم وملائكته الأَبرار {قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ}؟ أي قل لهم يا محمد: ما أدري هل هذا العذاب الذي وعدتم به قريب زمنه {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً} أي أم هو بعيد له مدة طويلة وأجل محدود؟ قال المفسرون: كان صلى الله عليه وسلم كلما خوف المكذبين نار جهنم، وحذرهم أهوال الساعة، أظهروا الاسخفاف بقوله، وسألوه متى هذا العذاب؟ ومتى تقوم هذه الساعة؟ فأمره تعالى أن يقول لهم: لا أدري وقت ذلك، هل هو قريب أم بعيد؟ {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً} أي هو جل وعلا عالم بما غاب عن الأبصار، وخفي عن الأنظار، فلا يطلع على غيبه أحداً من خلقه {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} أي إلا من اختاره الله وارتضاه لرسالته ونبوته، فيظهره الله على ما يشاء من الغيب قال المفسرون: لا يطلع الله على غيبه أحداً إلا بعض الرسل، فإنه يطلعهم على بعض الغيب، ليكون معجزة لهم، فإن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإِخبار عن بعض المغيبات، كما قال عن عيسى {أية : وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}تفسير : [آل عمران: 49] {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} أي فإنه تعالى يرسل من أمام الرسول ومن خلفه، ملائكة وحرساً يحفظونه من الجن، ويحرسونه في ضبط ما يلقيه تعالى إليه من علم الغيب قال الطبري: أي فإنه تعالى يرسل من أمامه ومن خلفه حرساً وحفظةً يحفظونه من الجن {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} أي ليعلم الله - علم ظهور فإنه تعالى عالم بما كان وما يكون - أن رسله الكرام قد بلغوا عنه وحيه كما أوحاه إليهم محفوظاً من الزيادة والنقصان قال ابن كثير: المعنى أن الله يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته، ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، مع العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعاً لا محالة {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} أي أحاط علمه بما عند الرسل، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} أي علم تعالى علم ضبط واستقصاء جميع الأشياء، المنبثَّة في الأرضين والسماوات من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحار، فلا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه أمر، فكيف لا يحيط علماً بما عند رسله من رسالاته ووحيه، التي أمرهم بتبليغها إلى خلقه؟ وكيف يمكن لرسله أن يفرطوا في تلك الرسالات، أو يزيدوا أو ينقصوا أو يحرفوا فيها أو يغيروا، وهو تعالى محيط بها، محص لجميع الأشياء جليلها وحقيرها؟ {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الوصف بالمصدر للمبالغة {قُرْآناً عَجَباً} أي عجيباً في حسن إيجازه، وروعة إعجازه. 2- طباق السلب {فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} لأن الإِيمان نفي للشرك. 3- جناس الاشتقاق {نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ} لما بين اللفظتين من الاشتقاق اللطيف. 4- الأسلوب الرفيع بنسبة الخير إلى الله، دون الشر أدباً مع الخالق {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}؟ وبين لفظ "الشر" و"الرشد" طباقٌ في المعنى. 5- الطباق بين {ٱلإِنسُ.. وَٱلْجِنُّ} وبين {ضَرّاً.. ورَشَداً} وبين {ٱلْمُسْلِمُونَ وٱلْقَاسِطُونَ}. 6- الاستعارة اللطيفة {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} استعارة الطرائق للمذاهب المختلفة، وهو من لطيف الاستعارة. 7- توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات مثل {أَحَداً}، {وَلَداً}، {رَّصَداً}، {رَشَداً}، {صَعَداً}، {عَدَداً} الخ وهو ما يسمى في علم البديع بالسجع المرصع والله أعلم.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها أنه لما حكى تمادي قوم نوح في الكفر وعكوفهم على عبادة الأصنام وكان أول رسول إلى الأرض كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم آخر رسول إلى الأرض والعرب الذي هو منهم كانوا عباد أصنام كقوم نوح حتى أنهم عبدوا أصناماً مثل أصنام أولئك في الأسماء وكان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن هادياً إلى الرشد وقد سمعته العرب وتوقف عن الإِيمان به أكثرهم أنزل الله تعالى سورة الجن إثر سورة نوح تبكيتاً لقريش والعرب في كونهم تباطؤا عن الإِيمان إذ كانت الجن خيراً منهم وأقبل إلى الإِيمان هذا وهم من غير جنس الرسول عليه السلام ومع ذلك فبنفس ما سمعوا القرآن استعظموه وآمنوا به للوقت وعرفوا أنه ليس نمط كلام الناس بخلاف العرب فإِنه نزل بلسانهم وعرفوا كونه معجزاً وهم مع ذلك مكذبون له ولمن جاء به حسداً وبغياً ان ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده وأنه استمع في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله أي استماع نفر من الجن والمشهور أن هذا الاستماع هو المذكور في الاحقاف وهي قصة واحدة وقيل قصتان والجن الذين أتوه بمكة جن نصيبين والذين أتوه بنخلة جن نينوى والسورة التي استمعوها قال عكرمة: سورة اقرأ باسم ربك الأعلى وقيل سورة الرحمٰن ولم تتعرض الآية لا هنا ولا في الأحقاف إلى أنه رآهم وكلمهم عليه السلام ويظهر من الحديث أن ذلك كان مرتين. إحداهما في مبدأ مبعثه عليه السلام وهو في الوقت الذي أخبره فيه عبد الله بن مسعود أنه لم يكن معه ليلة الجن وقد كانوا فقدوه صلى الله عليه وسلم فالتمسوه في الأودية والشعاب فلم يجدوه فلما أصبح إذا هو جاء من قبل حراء وفيه أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن فانطلق بنا وأرانا آثارهم وآثار نارهم والمرة الأخرى كان معه ابن مسعود وقد انتدب الرسول عليه السلام من يقوم معه إلى أن يتلو القرآن على الجن فلم يقم أحد غير عبد الله بن مسعود فذهب معه إلى الحجون عند الشعب فخط عليه خطا وقال لا تجاوزه فانحدر عليه صلى الله عليه وسلم أمثال الحجل يجرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفهم حتى غشوه فلم أره فقمت فأومأ بيده إلى أن أجلس فتلا القرآن فلم يزل صوته يرتفع واختفوا في ارض حتى ما أراهم الحديث ويدل على أنهما قصتان اختلافهم في العود فقيل سبعة وقيل تسعة وقيل غير ذلك. {فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا} أي قالوا لقومهم لما رجعوا إليهم ووصفوا. {قُرْآناً} بقولهم. {عَجَباً} وصفا بالمصدر على سبيل المبالغة أي هو عجب في نفسه لفصاحة كلامه وحسن مبانيه ودقة معانيه وغرابة أسلوبه وبلاغة مواعظه وكونه مبايناً لسائر الكتب والعجب ما خرج عن حد أشكاله ونظائره. {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ} أي يدعو إلى الصواب. {فَآمَنَّا بِهِ} أي بالقرآن ولما كان الإِيمان متضمناً الإِيمان بالله تعالى وبوحدانيته وبراءته من الشرك قالوا: {وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} وقرىء: وانه بكسر الهمزة من قوله تعالى وانه تعالى وما بعده وهي اثنتا عشرة آخرها وانا منا المسلمون وباقي السبعة بالفتح فأما الكسر فواضح لأنها معطوفات على قوله إنا سمعنا فهي داخلة في معمول القول وأما الفتح فقال أبو حاتم هو على أوحى فهو كله في موضع رفع على ما لم يسم فاعله "انتهى". وهذا لا يصح لأن من المعطوف ما لا يصح دخوله تحت أوحى وهو كل ما كان فيه ضمير المتكلم كقوله: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ}. ألا ترى أنه لا يلائم أوحى إلى أنا كنا نقعد منها مقاعد وكذلك باقيها وخرجت قراءة الفتح على أن تلك كلها معطوفة على الضمير المجرور في به من قوله: فآمنا به أي وبأنه وكذلك باقيها وهذا جائز على مذهب الكوفيين وهو الصحيح وقد تقدم احتجاجنا على صحة ذلك في قوله: {أية : وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 217]. {جَدُّ رَبِّنَا} أي عظمته وسفيهاً هو إبليس وقيل هو إسم جنس لكل سفيه وإبليس مقدّم السفهاء والشطط التعدي وتجاوز الحد. {وَأَنَّا ظَنَنَّآ} أي كنا حسنا الظن بالإِنس والجن واعتقدنا أن أحداً لا يجترىء على أن يكذب على الله تعالى فنسب إليه الصاحبة والولد فاعتقدنا صحة ما أغوانا به إبليس ومردته حتى سمعنا القرآن فتبينا كذبهم. {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ} روي الجمهور أن الرجل كان إذا أراد المبيت أو الحلول واد نادى بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك فيعتقد بذلك أن الجن الذي بالوادي يمنعه ويحميه فروي أن الجن كانت تقول عند ذلك لا نملك لكم ولا لأنفسنا من الله شيئاً. {وَأَنَّهُمْ} أي كفار الإِنس. {ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ} أيها الجن يخاطب به بعضهم بعضاً وظنوا وظننتم كل منهما يطلب أن لن يبعث فالمسألة من باب الأعمال وإن هي المخففة من الثقيلة وقيل الضمير في وإنهم يعود على الجن والخطاب في ظننتم لقريش وهذه التي قبلها هنا من الموحى به لا من كلام الجن. {أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً} الظاهر أنه بعثة الرسالة إلى الخلق وهو أنسب لما تقدّم من الآي ولما تأخر. {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ} أصل اللمس المس ثم استعير للتطلب والمعنى طلبنا بلوغ السماء ولاستماع كلام أهلها. {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ} الظاهر أن وجد هنا بمعنى صادف وأصاب وتعدت إلى واحد والجملة من ملئت في موضع الحال وأجيز أن يكون تعدّت إلى اثنين فملئت في موضع المفعول الثاني والظاهر أن المراد بالحرس الملائكة أي حافظين من أن تقربها الشياطين. {وَشُهُباً} جمع شهاب وهو ما يرجم به الشياطين إذا استمع وقوله: فوجدناها يدل على أنها كانت قبل ذلك يطرقون السماء ولا يجدونها قد ملئت. {مَقَاعِدَ} جمع مقعد وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم صورة قعود الجن أنهم كانوا واحداً فوق واحد فمتى احترق الأعلى طلع الذي تحته مكانه فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها ثم يزيد الكهان الكلمة مائة كذبة. {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ} ظرف زمان للحال ويستمع مستقبل فاتسع في الظرف واستعمل للاستقبال. {رَّصَداً} أي يرصده فيخرقه هذا لمن استمع وأما السمع فقد انقطع كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}تفسير : [الشعراء: 212] ولما رأوا ما حدث من كثرة الرجم ومنع الاستراق قالوا: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ} وهو كفرهم بهذا النبي فينزل بهم الشر. {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} فيؤمنون به فيرشدون وحين ذكروا الشر لم يسندوه إلى الله تعالى وحين ذكروا الرشد أسندوه إلى الله تعالى. {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ} أخبروا بما هم عليه من الصلاح وغيره. و{دُونَ ذَلِكَ} أي دون صالح وتقع دون في مواضع موقع غير فكأنه قيل ومنا غير صالحين. {أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ} أي لن نعجزه هرباً أي من الأرض إلى السماء وفي الأرض وهرباً حالان أي فارين أو هاربين. و{ٱلْهُدَىٰ} هو القرآن. {آمَنَّا بِهِ} أي بالقرآن. {فَلاَ يَخَافُ} أي فهو لا يخاف والبخس قال ابن عباس: نقص الحسنات والرهق زيادة في السيئات. و{ٱلْقَاسِطُونَ} أي الكافرون الحائدون عن الحق والظاهر أن. {فَمَنْ أَسْلَمَ} إلى آخر الشرطين من كلام الخبر ومن أسلم مخاطبة من الله تعالى للرسول عليه السلام ويؤيده ما بعده من الآيات. {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً} هذا من جملة الموحى المندرج تحت أوحي إلي وإن مخففة من الثقيلة والضمير في واستقاموا عائد على القاسطين والمعنى على طريقة الإِسلام والحق لأنعمنا عليهم وإن هي المخففة من الثقيلة لأسقيناهم ماء غدقا كناية عن توسعة الرزق لأنه أصل المعاش. {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنختبرهم كيف يشكرون ما أنعم عليهم به. و{صَعَداً} مفعول يسلكه وعذاباً مفعول من أجله المساجد هي البيوت المعدّة للصلاة والعبادة في كل ملة قال ابن جبير نزلت لأن الجن قالت يا رسول الله كيف نشهد الصلاة معك على نأينا عنك فنزلت الآية ليخاطبهم بها على معنى أن عبادتكم حيث كنتم مقبولة، وعبد الله هو محمد صلى الله عليه وسلم. {يَدْعُوهُ} أي يدعو الله. {كَادُواْ} أي كاد الجن ينقضون عليه لاستماع القرآن. {قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي} أي أعبده قال للجن عند ازدحامهم متعجبين: ليس ما ترون من عبادة الله تعالى بأمر يتعجب منه إنما يتعجب ممن يعبد غيره. {قُلْ} أي قل يا محمد لهؤلاء المزدحمين عليك وهم إما الجن وإما المشركون على اختلاف القولين في ضمير كادوا ثم أمره تعالى أن يقول لهم ما يدل على تبرئه من القدرة على إيصال خير أو شر إليهم وجعل الضر مقابلاً للرشد تعبيراً به عن الغنى ثمرته الضر ويمكن أن يكون المعنى ضراً ولا نفعاً ولا غياً ولا رشداً فحذف من كل ما يدل مقابله عليه نفى عليه السلام أن يجيره أحد مما يريد الله به ونفى أن يجد ملقوا أي مرجعاً من دون الله. {إِلاَّ بَلاَغاً} استثناء منقطع أي لكن ان بلغت رحمني بذلك وجمع خالدين حملاً على معنى من وذلك بعد الحمل على اللفظ في قوله يعصي وفان له. {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ} حتى هنا حرف ابتداء يصلح أن تجيء بعدها جملة الابتداء والخبر ومع ذلك فيها معنى الغاية. {مَا يُوعَدُونَ} من يوم بدر وإظهار الله له عليهم وناصراً وعدداً تمييزان. {قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ} قال مكحول: لم ينزل هذا إلا في الجن أسلم في وفق وكفر من خذل كالأنيس قال: وبلغ من بايع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن سبعين ألفاً وفزعوا عند انشقاق الفجر ثم أمره تعالى أن يقول لهم انه لا يدري وقت حلول ما عدوا به أهو قريب أم بعيد وأن نافية وأدري فعل قلبي معلق عن جملة الاستفهام وما بعدها فالجملة في موضع نصب. وأم يجعل وما بعده مقابل لقوله: أقريب لأن معناه أم بعيد يجعل له ربي أمداً. {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ} خبر مبتدأ محذوف تقديره هو عالم. {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ} عام وإلا من ارتضى استثناء منقطع كأنه قال فلا يظهر على غيبه المخصوص أحداً إلا من ارتضى من رسول فله حفظه يحفظونه من شر مردة الجن والإِنس ولأبي عبد الله الرازي كلام في علم الغيب مذكور هو والرد عليه في البحر قال ما نصه واعلم أنه لا بد من القطع بأنه ليس المراد من هذه الآية أنه لا يطلع على شىء من المبيعات إلا الرسل والذي يدل عليه وجوه أحدها أنه ثبت بالاخبار القريبة من التواتر ان شقاً وسطيحاً كانا كاهنين يخبران بظهور محمد صلى الله عليه وسلم قبل زمان ظهوره وكانا في العرب مشهورين بهذا النوع من العلم حتى رجع إليهما كسرى في تعرف أخبار رسولنا صلى الله عليه وسلم ثانيها أطباق الأمم على صحة علم التعبير فيخبر المعبر عن ما يأتي في المستقبل ويكون صادقاً وثالثها أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملكشاه من بغداد إلى خراسان سألها عن أشياء في المستقبل فأخبرت بها ووقعت على وفق كلامها وقد رأيت أناساً محققين في علوم الكلام والحكمة حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة على سبيل التفصيل وجاءت كذلك وبالغ أبو البركات صاحب المعتبر في شرح حالها في كتاب التعبير وقال: فحصت عن حالها من ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات أخباراً مطابقة موافقة. ورابعها انا نشاهد أصحاب الإِلهامات الصادقة وليس هذا مختصاً بالأولياء فقد يوجد في السحرة وفي الأحكام النجومية ما يوافق الصدق وإن كان الكذب يقع فيه كثيراً وإذا كان ذلك مشاهداً محسوساً فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر الطعن إلى القرآن وذلك باطل فعلمنا أن التأويل الصحيح ما ذكرناه "انتهى". وفيه بعض تلخيص وإنما أوردنا كلام هذا الرجل في هذه المسألة لننظر فيما ذكره من تلك الوجوه أما قصة شق وسطيح فليس فيها شىء من الاخبار بالغيب لأنه مما يخبر به رئى الكاهن من الشياطين مسترقة السمع كما جاء في الحديث أنهم يسمعون الكلمة ويكذبون ويلقون إلى الكهنة ويزيد الكهنة للكلمة مائة كذبة وليس هذا من علم الغيب. إذا تكلمت به الملائكة وتلقفها الجن وتلقفها منه الكاهن فالكاهن لم يعلم الغيب وأما تعبير المنامات فالمعبر غير المعصوم لا يعبر بذلك على سبيل البت والقطع بل على سبيل الحزر والتخمين فقد يقع ما يعبر وقد لا يقع وأما الكاهنة البغدادية وما حكى عنها محسبة أن يستدل بأحوال امرأة لم يشاهدها ولو شاهد ذلك لكان في عقله ما يجوز أنه لبس عليه هذا وهو العالم المنصف الذي طبق ذكره الآفاق وهو الذي شكك في دلائل الفلاسفة وسامهم الخسف وأما نقل الملك سنجر الكاهنة إلى خراسان وإشهارها أنها تعلم الغيب وأنه سألها عن أشياء في المستقبل فأخبرت بها فإِن الملوك لهم أذهان لطيفة ومقاصد خفيفة وفكرة دقيقة في تدبير المملكة فاستصحب هذه المرأة ليوهم بذلك أهل مملكته وحاشيته أن عنده من يعلم الغيب وأخبرهم بما رتب معها فيمن عنده من أهل مملكته خائفون دائماً أن يظهر عنهم ما يشوش على الملك ولذلك استخدم عقلاء الملوك المنجمين وضراب الرمل وإن كانوا يعتقدون أنهم ليس لهم إطلاع على شىء من الغيب كل ذلك إيهام منهم لأهل مملكتهم فإِنهم رعاع همج يصدّقون بالمستحيلات وتؤثر فيهم الأوهام وأما حكايته عن صاحب المعتبر فهو يهودي أظهر الإِسلام فهو منتحل طريقة الفلاسفة وأما مشاهدته أصحاب الإِلهامات الصادقة فعلى من العمر نحو من ثمانين سنة أصحب العلماء وأتردد إلى من ينتمي إلى الصلاح فلم أر أحداً منهم صاحب الهام صادق وأما الكرامات فإِني لا أشك في صدور شىء منها لكن على سبيل الندرة وذلك فيمن سلف من صلحاء هذه الأمة وربما قد يكون في أعصارنا من تصدر منه الكرامة ولله تعالى أن يخص من شاء بما شاء. {لِّيَعْلَمَ أَن} الضمير عائد على الرسول عليه السلام إذ قد تقدّم ذكره في قوله وإنه لما قام عبد الله أن الملائكة الحفظة إلى حد النازلين بين يدي جبريل عليه السلام وخلفه قد أبلغوا رسالات ربهم. {وَأَحَاطَ} فيه ضمير فاعل عائد على ربهم وكذلك الضمير في أحصى وعدداً تمييز.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل لمن أنكر رسالتك على الثقلين: {أُوحِيَ إِلَيَّ} من قِبَل الحق {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ} عند قراءتك القرآن {نَفَرٌ} طائفة، وهو يطلق على ما بين الثلاثة إلى العشرة {مِّنَ ٱلْجِنِّ} وهو جنس من جنود الحق ومظاهره، كجنس الملك، لا مناسبة بيننا وبينهم حتى ندركهم ونعرف حقيقتهم، وما لنا إلاَّ الإيمان بوجودهم وبأمثالهم؛ إذ ما يعلم جنود الحق إلاَّ هو، ولا يسع لنا الإنكار، سيما بعد ورود القرآن على وجودهم وتحققهم. وبعدما سمعوا القرآن، ورجعوا إلى أصحابهم {فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا} من إنسان {قُرْآناً} كتاباً {عَجَباً} [الجن: 1] بديعاً نظماً وأسلوباً، غريباً معنى ودلالة، حاوياً للمعارف والحقائق الإلهية، محتوياً على دقائق طريق التوحيد والعرفان، ما هو من جنس كلام البشر، بل هو خارج عن مداركهم، متعالٍ عن مشاعرهم. {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ} والهداية الموصلة إلى مقصد الوحدة الذاتية {فَآمَنَّا بِهِ} واهتدينا بهديته إلى توحيد الحق {وَلَن نُّشرِكَ} أبداً {بِرَبِّنَآ} الذي وفقنا على توحيده {أَحَداً} [الجن: 2] من مظاهره ومصنوعاته؛ إذ المصنوع المربوب لا يصير شريكاً للرب الصانع القديم. {وَ} كيف يكون للرب الواحد الأحد الصمد شريكاً، مع {أَنَّهُ تَعَالَىٰ} تبارك وتقدس {جَدُّ رَبِّنَا} أي: عظمته وكبرياؤه من أن يكون له شريك في ملكه وملكوته، مع أنه الصمد الذي {مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} [الجن: 3] فيكف يتخذ شريكاً، مع أ،ه هو الواحد الأحد الصمد على الإطلاق، لم يكن له شريك في الملك ونظير في الوجود؟! فكبره تكبيراً، ونزه ذاته عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً. {وَ} بعدما آمنا بوحدة الحق وعرفناه وحيداً فريداً بلا شبيه ولا نظير، ولا وزير ولا مشير، عرفنا {أَنَّهُ} ما {كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} إبليس المردود المطرود {عَلَى ٱللَّهِ} المقدس ذاته عن مطلق المماثلة والمشاكلة في الوجود القيومية، وسائر الصفات الذاتية المصححة للألوهية والربوبية قولاً {شَطَطاً} [الجن: 4] باطلاً بعيداً عن الحق بمراحل، مجاوزاً عن الحد في الإفراط، تعالى شأنه عما ينسب إليه المبطلون المفرطون. {وَأَنَّا} كنا قبل انكشافنا بوحدة الحق، وتحققنا بمرتبة الشهود {ظَنَنَّآ أَن} أي: إنه {لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ} أي: جنس الإنس والجن المجبولين على فطرة العبودية والعرفان {عَلَى ٱللَّهِ} المعبود على الإطلاق {كَذِباً} [الجن: 5] قولاً زوراً باطلاً على سبيل الافتراء والمراء؛ لذلك اتبعناهم فيما قالوا ظلماً وعدواناً، وبعدما ظهر الحق، وكوشفنا بحقيقة الأمر تبرأنا عنهم وعن أقوالهم، وتبنا إلى الله، والتجأنا بكنف حفظه وجواره. أعاذنا الله بلطفه من زيغ الزائغين، وإضلال الضالين المضلين. {وَ} كنا من قبل انكشافنا بوحدة الحق {أَنَّهُ} أي: الشأن {كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ} عند مرورهم بقفر، إذا أمسوا فيها كانوا يقولون: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، ومع استعاذتهم واستعانتهم {فَزَادُوهُمْ} أي: الجن والإنس {رَهَقاً} [الجن: 6] كبراً وعتواً، يختطفون عليهم ويخطبونهم. {وَ} ما ذلك الكبر والطغيان منهم بعدما استعاذوا إلاَّ {أَنَّهُمْ} أي: الجن {ظَنُّواْ} وزعموا {كَمَا ظَنَنتُمْ} وزعمتم أيها الناس الموسومون بالجهل والنسيان، والإنكار والطغيان {أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ} القادر المقتدر على الإعادة والإبداء {أَحَداً} [الجن: 7] من الجن والإنس؛ حتى يستوفي عليه حسابه وجزاءه؛ لذلك يجترئون ويزيدون في الإرهاق والطغيان، سيما الاستعاذة والإلجاء.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيتها اللطيفة الخفية التالية كلام الحق؛ إذا استمعت منك القوى النفسية القوى المؤمنة الجنية فمدي في تلاوتك، وأحسني في قراءتك وخبري تخبيراً؛ فافهم إذا رجعوا إلى قومهم يقولون: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن: 1-2] فيمكن أن يؤمن بهم كثير من القوى النفسية. ويدعو أمر اللطيفة الخفية لما تسمع ما يقول تعالى في كتابه الكريم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً * وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} [الجن: 1-3]؛ يعني: إذا استمعوا الوارد يؤمنون بالله وحده، ويتقون عن الشرك وعن شبهة ثالث الثلاثة كما بينا في سورة التوحيد، ويقولون تعالت قدرة ربنا عن أن يحتاج إلى اتخاذ صاحبة؛ لإيجاد الخلق {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً} [الجن: 4]؛ يعني: اللطيفة النفسية الجاهلة الغير المتخلصة عن الظلمات الحظوظية الباطلة ما على الله عدواناً وكذباً. {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [الجن: 5]؛ لأجل ذلك كنا ملنا إلى اللطيفة الجاهلية، {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ} [الجن: 6]؛ أي: من القوى القلبية المشتغلة بالتزكية {يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ} [الجن: 6]؛ أي: بقوى النفس الأمارة {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} [الجن: 6]؛ أي: زاد للقوى الأمارة باستعاذة قوى القالب إليها طغياناً وكفراً؛ فينبغي للسالك أن يحترز في أثناء سلوكه بالإصغاء إلى المعاني الغيبية التي من إلقاء القوى الأمارة، ولا يستمد من تلك القوى البتة حتى ينتمي سلوكه، ويصل حضرة الله تعالى ويصير متصرفاً في جميع القوى بأمر الحق؛ ليستعملها فيما يشاء كما يشاء على وفق الإشارة. {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ} [الجن: 7] أيها القوى الكافرة الجنية الخبيثة، ظنوا بالله ظنوناً ما ظنت أيتها القوى الكافرة الأسنية، وهي القوى القالبية الملوثة بأقذار الطبيعة {أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً} [الجن: 7]؛ يعني: ظننتم أن الله لن يبعث أحداً منا من قبول القالب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { قُلْ } يا أيها الرسول للناس { أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ } صرفهم الله [إلى رسوله] لسماع آياته لتقوم عليهم الحجة [وتتم عليهم النعمة] ويكونوا نذرا لقومهم. وأمر الله رسوله أن يقص نبأهم على الناس، وذلك أنهم لما حضروه، قالوا: أنصتوا، فلما أنصتوا فهموا معانيه، ووصلت حقائقه إلى قلوبهم، { فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } أي: من العجائب الغالية، والمطالب العالية. { يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ } والرشد: اسم جامع لكل ما يرشد الناس إلى مصالح دينهم ودنياهم، { فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا } فجمعوا بين الإيمان الذي يدخل فيه جميع أعمال الخير، وبين التقوى، [المتضمنة لترك الشر] وجعلوا السبب الداعي لهم إلى الإيمان وتوابعه، ما علموه من إرشادات القرآن، وما اشتمل عليه من المصالح والفوائد واجتناب المضار، فإن ذلك آية عظيمة، وحجة قاطعة، لمن استنار به، واهتدى بهديه، وهذا الإيمان النافع، المثمر لكل خير، المبني على هداية القرآن، بخلاف إيمان العوائد، والمربى والإلف ونحو ذلك، فإنه إيمان تقليد تحت خطر الشبهات والعوارض الكثيرة، { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } أي: تعالت عظمته وتقدست أسماؤه، { مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا } فعلموا من جد الله وعظمته، ما دلهم على بطلان من يزعم أن له صاحبة أو ولدا، لأن له العظمة والكمال في كل صفة كمال، واتخاذ الصاحبة والولد ينافي ذلك، لأنه يضاد كمال الغنى. { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا } أي: قولا جائرا عن الصواب، متعديا للحد، وما حمله على ذلك إلا سفهه وضعف عقله، وإلا فلو كان رزينا مطمئنا لعرف كيف يقول.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أُوحِيَ} [1] 643 - أخبرني أحمدُ بن منيعٍ، عن يحيى بن زكريا، ثم ذكر كلمة معناها، أنا داود، عن عامرٍ، عن علقمة، قال: قلنا لعبد اللهِ هل صحبَ النبي صلى الله عليه وسلم منكم أحدٌ ليلة الجنِّ؟ قال: لم يصحبهُ منَّا أحدٌ، إلا أنا بتنا بشرِّ ليلةٍ بات بها قومٌ، إنا افتقدناهُ فقلنا: استُطير أو أو اغتيل، فتفرقنا في الشِّعاب والأودية نطلبهُ، فلقيتهُ مُقبلاً من نحو حِراء، فقلتُ: بأبي وأُمي بتنا بشرِّ ليلةٍ بات بها قومٌ، فقال: "حديث : إنه أتاني داعي الجن فأجبتُهُم أُقرئهم القرآن، وأراني آثارهم وآثار نيرانهم ". تفسير : 644 - أنا أبو داود: سُليمان بن سيفٍ، نا أبو الوليد، نا أبو عوانةَ، وأنا عمرو بن منصورٍ، نا محمدُ بن محبوبٍ، نا أبو عوانهَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: حديث : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفةٍ من أصحابه، عامدين إلى سوق عُكاظٍ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السَّماءِ، وأُرسلت عليهم الشُّهُبُ فرجعتِ الشياطينُ إلى قومهم، فقالوا: حيل بيننا وبين السَّماءِ. وأُرسلت علينا الشُّهُبُ فقال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلاَّ شيءٌ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماءِ، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماءِ، فانصرف أُولئك النَّفرُ الذين توجهوا نحو تهامة/ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بنخلةٍ عامداً إلى سوق عُكاظٍ، وهو يُصلي بأصحابه صلاة الفجرِ، فلما سمعوا القرآن، استمعوا له وقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماءِ، فهُناك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} [1-2] . تفسير : فأنزل اللهُ {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} [1] وإنما أُوحي إليه قول الجنِّ. - اللَّفظُ لعمرو - 645 - أنا أبو داود: سُليمانُ بن سيفٍ، نا أبو الوليد، نا أبو عوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنِّ ولا رَآهم. 646 - أنا أبُو داودَ، نا عُبيدُ اللهِ، أنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: حديث : كانت الجنُّ تصعدُ إلى السماءِ يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً، فأمَّا الكلمةُ فتكون حقَّا، وأما ما زادوا فيكون باطلاً، فلما بُعث رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُنعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكُن النُّجومُ يُرمى بها قبل ذلك. فقال لهم إبليسُ: ما هذا إلاَّ لأمرٍ حدث في الأرضِ، فبعث جُنُودَهُ فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يُصلي فأتوهُ، فأخبروهُ فقال: هذا الحدثُ الذي حدث في الأرضِ .