Verse. 5453 (AR)

٧٢ - ٱلْجِنّ

72 - Al-Jinn (AR)

وَّاَنَّہٗ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْاِنْسِ يَعُوْذُوْنَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوْہُمْ رَہَقًا۝۶ۙ
Waannahu kana rijalun mina alinsi yaAAoothoona birijalin mina aljinni fazadoohum rahaqan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأنه كان رجال من الإنس يعوذون» يستعيذون «برجال من الجن» حين ينزلون في سفرهم بمخوف فيقول كل رجل أعوذ بسيد هذا المكان من شر سفهائه «فزادوهم» بعوذهم بهم «رهقا» فقالوا سدنا الجن والإنس.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه قولان: الأول: وهو قول جمهور المفسرين أن الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي أو بعزيز هذا المكان من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح، وقال آخرون: كان أهل الجاهلية إذا قحطوا بعثوا رائدهم، فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فيناديهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي من أن يصيبنا آفة يعنون الجن، فإن لم يفزعهم أحد نزلوا، وربما تفزعهم الجن فيهربون القول الثاني: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً، لكن من شر الجن، مثل أن يقول الرجل: أعوذ برسول الله من شر جن هذا الوادي، وأصحاب هذا التأويل إنما ذهبوا إليه، لأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وهذا ضعيف، فإنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلاً، أما قوله: {فَزَادوهُمْ رَهَقاً } قال المفسرون: معناه زادوهم إثماً وجرأة وطغياناً وخطيئة وغياً وشراً، كل هذا من ألفاظهم، قال الواحدي: الرهق غشيان الشيء، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ } تفسير : [يونس: 26] وقوله: {أية : تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } تفسير : [عبس: 41] ورجل مرهق أي يغشاه السائلون. ويقال رهقتنا الشمس إذا قربت، والمعنى أن رجال الإنس إنما استعاذوا بالجن خوفاً من أن يغشاهم الجن، ثم إنهم زادوا في ذلك الغشيان، فإنهم لما تعوذوا بهم، ولم يتعوذوا بالله استذلوهم واجترؤا عليهم فزادوهم ظلماً، وهذا معنى قول عطاء خبطوهم وخنقوهم، وعلى هذا القول زادوا من فعل الجن وفي الآية قول آخر وهو أن زادوا من فعل الإنس وذلك لأن الإنس لما استعاذوا بالجن فالجن يزدادون بسبب ذلك التعوذ طغياناً فيقولون: سدنا الجن والإنس، والقول الأول هو اللائق بمساق الآية والموافق لنظمها. النوع السادس: قوله تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ } يستعيذون {بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ } حين ينزلون في سفرهم بمخوف فيقول كل رجل أعوذ بسيد هذا المكان من شر سفهائه {فَزَادوهُمْ } بعوذهم بهم {رَهَقاً } طغياناً فقالوا سدنا الجنّ والإِنس.

ابن عطية

تفسير : هذه الألف من {أنه} كان مما اختلف في فتحها وكسرها والكسر أوجه. والمعنى في الآية ما كانت العرب تفعله في أسفارها وتعزبها في الرعي وغيره، فإن جمهور المفسرين رووا أن الرجل كان إذا أراد المبيت أو الحلول في واد، صاح بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي، إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك فيعتقد بذلك أن الجني الذي بالوادي يمنعه ويحميه، فروي أن الجن كانت عند ذلك تقول: ما نملك لكم ولأنفسنا من الله شيئاً. قال مقاتل: أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا ذلك في العرب. وروي عن قتادة أن الجن لذلك كانت تحتقر بني آدم وتزدريهم لما ترى من جهلهم، فكانوا يزيدونهم مخافة ويتعرضون للتخيل لهم بمنتهى طاقاتهم ويغوونهم في إرادتهم لما رأوا رقة أحلامهم، فهذا هو الرهق الذي زادته الجن ببني آدم. وقال مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير: بنو آدم زادوا الجن {رهقاً} وهي الجرأة والانتخاء عليهم والطغيان وغشيان المحارم والإعجاب، لأنهم قالوا سدنا الجن والإنس، وقد فسر قوم الرهق بالإثم وأنشد الطبري في ذلك بيت الأعشى: [البسيط] شعر : لا شيء ينفعني من دون رؤيتها لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقا تفسير : قال معناه ما لم يغش محرماً فالمعنى زادت الإنس والجن مأثماً لأنهم عظموهم فزادوهم استحلالاً لمحارم الله. وقوله {وأنهم ظنوا كما ظننتم} يريد به بني آدم الكفار. وقوله {كما ظننتم}، مخاطبة لقومهم من الجن. وقولهم {أن لن يبعث الله أحداً}، يحتمل معنيين أحدهما: بعث الحشر من القبور والآخر بعث آدمي رسولاً. و {أن} في قوله {أن لن} مخففة من "أن" الثقيلة وهي تسد مسد المفعولين. وذكر المهدوي تأويلاً أن المعنى وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الإنس فهي مخاطبة من الله تعالى. وقولهم {وأنا لمسنا} قال معناه التمسنا ويظهر بمقتضى كلام العرب أنها استعارة لتجربتهم أمرها وتعرضهم لها فسمي ذلك لمساً إذ كان اللمس غاية غرضهم ونحو هذا قول المتنبي: [الطويل] شعر : تعد القرى والمس بنا الجيش لمسة نبادرْ إلى ما تشتهي يدك اليمنى تفسير : فعبر عن صدم الجيش بالجيش وحربه باللمس، وهذا كما تقول المس فلاناً في أمر كذا، أي جرب مذهبه فيه، و {ملئت} إما أن يكون في موضع المفعول الثاني لـ "وجدنا"، وإما أن يقصر الفعل على مفعول واحد ويكون {ملئت} في موضع الحال، وكان الأعرج يقرأ "مليت" لا يهمز، والشهب: كواكب الرجم، والحرس: يحتمل أن يريد الرمي بالشهب. وكرر المعنى بلفظ مختلف، ويحتمل أن يريد الملائكة، و {مقاعد} جمع مقعد، وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة قعود الجن أنهم كانوا واحداً فوق واحد، فمتى أحرق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها ثم يزيد الكهان بالكلمة مائة كذبة، وقوله: {فمن يستمع الآن} الآية قطع على أن كل من استمع الآن أحرقه شهاب. فليس هنا بعد سمع، إنما الإحراق عند الاستماع، وهذا يقتضي أن الرجم كان في الجاهلية. ولكنه لم يكن يستأصل وكان الحرس ولكنه لم يكن شديداً، فلما جاء الإسلام اشتد الأمر حتى لم يكن فيه ولا يسير سماحة، ويدل على ذلك حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد رأى كوكباً راجماً: "ماذا كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟" قالوا كنا نقول: ولد ملك، مات ملك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الأمر كذلك،" ثم وصف صورة قعود الجنتفسير : . وقد قال عوف بن الجزع وهو جاهلي: [الكامل] شعر : فانقض كالدري يتبعه نقع يثورُ تخاله طنبا تفسير : وهذا في أشعارهم كثير، و {رصداً} نعت لشهاب ووصفه بالمصدر، وقوله: {وأنّا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض} الآية، معناه لا ندري أيؤمن الناس بهذا النبي فيرشدون، أم يكفرون به فينزل بهم الشر.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَعُوذُونَ} كانوا في الجاهلية إذا نزل أحدهم بواد قال أعوذ بكبير هذا الوادي من سفهاء قومه فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم {رَهَقاً} طغياناً أو إثماً "ع" أو خوفاً أو كفراً أو أذى أو غياً أو عظمة أو سفهاً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ...} الآية، منَ القُرَّاءِ مَنْ كَسَرَ الهمزةَ مِنْ «إنَّهُ»، ومنهمْ من فَتَحَها، والكسْرُ أوْجَهُ، والمعنَىٰ في الآيةِ: ما كَانَتِ العربُ تفعله في أسْفَارِها من أنَّ الرَّجُلَ إذا أرادَ المَبِيتَ بِوَادٍ، صاحَ بأعْلَىٰ صوتِه: يا عزيزَ هٰذَا الوَادِي؛ إني أعوذُ بكَ مِنَ السُّفَهَاءِ الذين في طاعتِكَ، ويعتقدُ بذلكَ أنَّ الجِنِّيَّ يحميه ويمنعَه، قال قتادة: فكانت الجنُّ تحتقرُ بني آدمَ وتَزْدَرِيهم لِمَا تَرَى مِنْ جَهلِهِم، فكانوا يَزِيدُونَهمْ مخافةً، ويتعرضُون للتَّخَيُّلِ لهم، ويُغْوُونَهم، في إرادَتِهم، فهذا هو الرَّهَقُ الذي زادته الجنُّ بني آدم، وقال مجاهد وغيره: بنو آدمَ همُ الذينَ زَادُوا الجنّ رَهَقاً وهي الجَرَاءَةُ والطُّغْيان وقَدْ فَسَّر قوم الرَّهَقَ بالإثْم. وقوله: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ} يريدُ به بني آدم. وقوله: {كَمَا ظَنَنتُمْ} مخاطبةٌ لقومِهم من الجنِّ وقولهم: {أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً} يحتملُ معنيين: أحَدُهُما بَعْثُ الحَشْرِ من القبورِ، والآخرُ بَعْثُ آدَمِيٍّ رَسُولاً، وذكر المَهدوي تأويلاً ثالثاً، أنَّ المعنى: وأنَّ الجنَّ ظَنُّوا كما ظَنَنْتُمْ أيها الإنْسُ، فهِي مخاطَبَةٌ من اللَّهِ تعالى، قال الثعلبيُّ: وقيل: إن قَولَه: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ...} الآية، ابتداء إخْبارٍ مِنَ اللَّه تعالى، ليسَ هو من كلامِ الجنِّ، انتهى، فهو وِفَاقٌ لما ذكره المهدوي، وقولهم: {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَاءَ} قال جمهورُ المتأولينَ: معناه الْتَمَسْنَا، والشُّهُبُ كواكبُ الرجْمِ والحَرَسُ يحتملُ أن يريدَ الرَّمْيَ بالشُّهُبِ، وكرَّرَ المعْنَى بلفظٍ مختلف، ويحتملُ أن يريدَ الملائكةَ، و{مَقَـٰعِدَ}: جَمْع مَقْعَدِ وقَدْ تَقَدَّمَ بيانُ ذلِكَ في سورةِ الحِجْرِ، وقولهم: {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلأَنَ...} الآية، قَطْعٌ على أنَّ كلَّ مَنِ استمع الآنَ أحْرَقَه شهابٌ [فليسَ هنا بَعْدُ سَمْعٌ إنَّما الإحراقُ عِنْدَ الاِستماعِ]، وهذا يقتضي أنَّ الرَّجْمَ كَانَ في الجاهليةِ، ولكنَّه لم يكنْ بمُسْتأصِلٍ، فَلَمَّا جاءَ الإسْلاَمُ، اشْتَدَّ الأَمْرُ؛ حَتَّىٰ لم يكُنْ فِيه وَلاَ يَسِيرُ سَمَاحَةً، و{رَّصَداً}: نعتٌ لـ«شِهَاب» ووصفَه بالمصْدَرِ، وقولهم: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلأَرْضِ...} الآية، معناه: لاَ نَدْرِي أَيُؤْمِنُ الناسُ بهذا النبيِّ فَيَرْشُدُوا، أمْ يَكْفُرُونَ بهِ فَيَنْزِلَ بهِمُ الشَّرُّ، وعبارة الثعلبي: «وأَنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض» حينَ حُرِسَتِ السماءُ ومُنِعْنَا السَّمْعَ، {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}، انتهى.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانه} اى وان الشان {كان} فى الجاهلية {رجال} كائنون {من الانس} خبر كان قوله {يعوذون} العوذ الالتجاء الى الغير والتعلق به {برجال من الجن} فيه دلالة ان للجن نساء كالانس لان لهم رجالا ولذا قيل فى حقهم انهم يتوالدون لكنهم ليسوا بمنظرين كابليس وذريته قال اهل التفسير كان الرجل من العرب اذا امسى فى واد قفر فى بعض مسايره وخاف على نفسه يقول اعوذ بسيد هذا الوادى من شر سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت فى امن وجوار حتى يصبح فاذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا سدنا الانس والجن وذلك قوله تعالى {فزادوهم}عطف على يعوذون والماضى للتحقق اى فزاد الرجال العائذون الانسيون الجن {رهقا} مفعول ثان لزاد اى تكبرا وعتوا وسفها فان الرهق محركة يجيئ على معان منها السفه وركوب الشر والظلم قال فى آكام المرجان وبهذا يجيبون المعزم والراقى باسمائهم واسماء ملوكهم فانه يقسم عليهم باسماء من يعظمونه فيحصل لهم بذلك من الرياسة والشرف على الانس ما يحملهم على ان يعطوهم بعض سؤالهم وهم يعلمون ان الانس أشرف منهم واعظم قدرا فاذا خضعت الانس لهم واستعاذت بهم كان بمنزلة اكابر الناس اذا خضع لهم أصغرهم يقضون لهم حاجاتهم او المعنى فزاد الجن العائذين غيا بأن اضلوهم حتى استعاذوا بهم واذا استعاذوا بهم فأمنوا ظنوا ان ذلك من الجن فازدادوا رغبة فى طاعة الشياطين وقبول وساوسهم والفاء حينئذ لترتيب الاخبار واسناد الزيادة الى الانس والجن باعتبار السببية (وروى) عن كردم بن ابى السائب الانصارى رضى الله عنه انه قال خرجت مع أبى الى المدينة فى حاجة وذلك اول ما ذكر النبى عليه السلام بمكة فأدانى المبيت الى راعى غنم فلما انتصف الليل جاء الذئب فحمل حملا من الغنم فقال الراعى يا عامر الوادى جارك فنادى مناد لا نراه يقول يا سرحان ارسله فأتى الحمل يشتد حتى دخل فى الغنم ولم تصبه كدمة فأنزل الله على رسوله بمكة وانه كان رجال الخ قال مقاتل كان اول من تعوذ بالجن قوم من اهل اليمن ثم من حنيفة ثم فشا ذلك فى العرب فلما جاء الاسلام عوذوا بالله وتركوهم وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه انه قال اذا كنت بواد تخاف فيه السبع فقل اعوذ بدانيال وبالجب من شر الأسد انتهى أشار بذلك الى ما رواه البيهقى فى الشعب ان دانيال طرح فى الجب وألقيت عليه السباع فجعلت السباع تلحسه وتبصبص اليه فأتاه رسول فقال يا دانيال فقال من انت قال أنا رسول ربك اليك أرسلنى اليك بطعام فقال الحمد لله الذى لا ينسى من ذكره (وروى) ابن ابى الدنيا ان بخت نصر ضرى اسدين وألقاهما فى جب وجاء بدانيان فألقاه عليهما فلم يضراه وذكر قصته فلما ابتلى دانيال بالسباع جعل الله الاستعاذة به فى ذلك تمنع الشر الذى لا يستطاع كما فى حياة الحيوان فعلم من ذلك ان الاستعاذة بغير الله مشروعة فى الجملة لكن بشرط التوحيد واعتقاد التأثير من الله تعالى قال القاشانى فى الآية اى تستند القوى الظاهرة الى القوى الباطنة وتتقوى بها فزاوهم غشيان المحارم واتيان المناهى بالدواعى الوهمية والنوازع الشهوية والغضبية والخواطر النفسانية.

الجنابذي

تفسير : {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ} من فى من الجنّ تبعيضيّة، او تعليليّة، روى عن الباقر (ع) فى هذه الآية: انّه كان الرّجل ينطلق الى الكاهن الّذى يوحى اليه الشّيطان فيقول: قل لشيطانك: فلان قد عاذ بك، وقيل: كان الرّجل من العرب اذا نزل وادياً فى سفره ليلاً قال: اعوذ بعزيز هذا الوادى من شرّ سفهاء قومه، وقيل: كان رجال من الانس يعوذون برجالٍ من الانس من اجل شرّ الجنّ {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} الرّهق محرّكةً السّفه والخفّة وركوب الشّرّ والظّلم، وغشيان المحارم، وحمل الانسان على ما لا يطيقه، والكذب، والعجلة، وضمير فاعل زادوهم للرّجال من الانس، او للرّجال من الجنّ، والمفعول بعكس ذلك، او هو للرّجال العائذين او للمعوّذ بهم او للجنّ، والمفعول ايضاً يحتمل الكلّ.

الهواري

تفسير : قال: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ} هذا قول الله عز وجل في تفسير الحسن. قال: يقلبون عليهم وسوستهم في الضلال {فَزَادُوهُمْ} بإقبالهم عليهم {رَهَقاً} أي: ضلالاً إلى ضلالهم. وتفسير الكلبي أن رجالاً من الإِنس كان أحدهم في الجاهلية إذا كان مسافراً، فإذا أمسى في الأرض القفر الموحشة نادى: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيمسي في جواره وفي منعته حتى يصبح، {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً}، أي إن الإِنس زادت الجن لتعوّذهم بهم، رهقاً، أي: إثماً. قال مجاهد: فهم الجن الكفار. {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ} يعني المشركين من الجن {كَمَا ظَنَنتُمْ} يعني المشركين من الإِنس {أَن لَّن يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً} أي: يجحدون البعث. قوله: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} هذا قول الجن، يعنون من كان يفعل ذلك منهم، وهم المردة من الجن. {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا} أي: من السماء {مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} [اي: حفظة تمنع من الاستماع] وقوله: (لِلسَّمْعِ) أي للاستماعِ من الملائكة خبراً من أخبار السماء؛ فأما الوحي فلم يكونوا يقدرون على أن يستمعوه. ذكروا عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا قبل أن يبعث النبي عليه السلام ما نرى نجماً يرمى به. فبينما نحن ذات ليلة إذا النجوم قد رمي بها. فقلنا ما هذا؟ إن هذا إلا أمر حدث. فجاءنا أن النبي عليه السلام قد بعث. فأنزل الله تعالى هذه الآية في سورة الجن: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً}.

اطفيش

تفسير : {وَإِنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّن الْجِنِّ} كان الرجال من العرب إذا نزل في مسيره في واد وخاف على نفسه قال أعوذ بسيل هذا الوادي من سفهاء قومه يريد كبير الجن فيحميه ويمنعه فيما قالوا وفي رواية صاح بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك وغير ذلك من الالفاظ، وإذا سمع الجن بذلك استكبروا وقالوا سدنا الانس وهذا هو الرهق في قوله *{فَزَادُوهُمْ} اي زادوا الجن بتعوذهم {رَهَقاً} كبرا وعتوا وهو قولهم سدنا الانس والرهق الكبر والكفر والعتو وغشيان المحارم قال ابن عباس الرهق الاثم وقيل الطغيان وقيل الغي وقيل الشر وقيل العظمة وهي التكبر، وخرج ابن ابي السائب الانصاري وأبى إلى المدينة في حاجة أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قال فاوانا المبيت الى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء ذيب فأخذ جملا من الغنم فوثب الراعي وقال يا عامر الوادي جارك فنادى مناد ولم نره يا رصان ارسله فجاء الجمل يشتد حتى دخل الغنم فأنزل الله على رسوله بمكة، وإنه كان رجال من الإنس يعوذوون برجال من الجن فزادوهم رهقا وعن سعيد بن جبير أن رجلا من بني تميم يقال له رافع بن عمير قال إني لأسير برمل عالخ ذات يوم إذ فجأني النوم فقلت بعظيم هذا الوادي من أذى الجن فرأيت في منامي رجلا شابا بيده حربة يريد أن يضعها في نحرنا فتى فانتبهت مذعورا ونظرت فلم أر شيئا ثم غفوت فرأيت مثل رؤياي الأولى فانتبهت مذعوراً ورأيت ناقتي تضطرب وإذا برجل شاب كالذي رأيت في المنام بيده حربة ورجل شيخ يمسك يده يردعه عنها وهو يقول: شعر : يا مالك بن مهلل بن دثار مهلا فذلك ميزري وإزاري عن ناقة الانس لا تعرض لها واختر بها ما شئت من أثواري فلقد بدا لي منك مالم احتسب ألا رعيت قرابتي وذماري تسموا اليها بحربة مسمومة تبعا لفعلك يا ابا العيار تفسير : فقال الشاب شعر : اردت ان تسموا وتحفظ قدرنا في غر موجبة ابا الغيزاري ما كان منكم سيد فيما مضى إن الخيار هم بنوا الأخيار تفسير : قال فبينما هم كذلك إذ طلعت أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى خذ يا ابن أخي ايها شئت فداء لناقة الانس فأخذ ثورا فانصرف ثم التفت إلى الشيخ وقال يا هذا إذا نزلت واديا فخفت هوله فقل أعوذ بالله رب محمد صلى الله عليه وسلم من هول هذا الوادي ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها قلت مَنْ محمد؟ قال نبي عربي لا شرقي ولا غربي بعث يوم الاثنين قلت أين مسكنه؟ قال يثرب ذات النخل فركبت راحلتي حتى لحقت بالمدينة فرأني النبي صلّى الله عليه وسلم فحدثني بحديثي قبل أن أحدثه فأسلمت قال ابن جبير كنا نرى أنه الذي نزل فيه وإنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا، ويجوز عود الواو للجن والهاء للإنس اي فزاد الجن الإنس غيا بان أضلوهم حتى استعاذوا بهم وعن قتادة كانت الجن تحتقر بني آدم لما ترى من جهلهم فكانوا يزيدونهم مخافة ويتعرضون للتخيل لهم ويغوونهم في إرادتهم فهذا هو الرهق فأعاد الواو للجن والأول لمجاهد وغيره.

اطفيش

تفسير : {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّن الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ} يعتصمون بهم ويلتجئون إِليهم فى دفع الآفات إِذا أمسى الرجل من العرب فى واد وخاف على نفسه نادى بأَعلى صوته يا عزيز هذا الوادى أعوذ بك من السفهاء الذين فى طاعتك، يريد بالسفهاء سفهاء الجن وبالعزيز كبيرهم فى الرياسة، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدله حديث : إِذا أصاب أحداً منكم وحشة أو نزل بأَرض مجنة فليقل أعوذ بكلمات الله التامات اللاتى لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما يلج فى الأَرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج إِليها ومن فتن النهار ومن طوارق الليل إِلا طارقاً يطرق بخيرتفسير : . وعن كردم ابن أبى السائب الأَنصارى خرجت مع أبى إِلى المدينة فى حاجة أول ما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة فأَوانا المبيت إِلى راعى غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فأَخذ حملاً من الغنم فوثب الراعى فقال يا عامر الوادى جارك فنادى مناد لا نراه يا سرحان أرسله فأَتى الحمل يشتد حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمته، فأَنل الله تعالى بمكة {وأنه كان رجال من الإِنس يعوذون برجال من الجن} وفى الآية إِطلاق الرجل على الجن وهو وارد فى الحديث وسائر كلام العرب حقيقة لا مجازاً فلا حاجة إِلى تأَويل بعضهم الاية بتعليق من الجن بيعوذون وأن المعنى أنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجن برجال من الإِنس، يقول الرجل مثلاً أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادى فإِن هذا تكلف مناف للظاهر الذى عليه الجمهور دعاه إِلى هذا التكلف أن لا يطلق الرجل على الجن ثم نقول أنه سمع كلام العرب، والأَصل أن إِطلاقه عليهم حقيقة ومن نفى أنه حقيقة أجازه على التجوز والصواب، أنه حقيقة كما يطلق المرأة عليهم والطفل والشيخ والذكر والأُنثى. {فَزَادُوهُمْ} الواو للرجال العائدين لأَنهم المحدث عنهم وهم من الإنِس والهاء للجن {رَهَقاً} تكبراً وعتواً، تقول الجن المتعوذ بهم سدنا الجن والإِنس وبذلك قال مجاهد وقال قتادة وأبو العالية الرهق الإِثم، فالمعنى أن الإنس زادوا الجن إِثماً لأَنهم عظموهم فزادوا استحلالاً لمحارم الله تعالى، ويجوز عود الواو لرجال الجن والهاء لرجال الإنس العائدين بمعنى أن الجن زادوا الإِنس إِثماً بأَن أضلوهم حتى استعاذوا بهم وقدر بعض فاتبعوهم فزادوهم رهقاً، ومن العياذة بالجن إِلقاء الملح والرماد حيث عثر الإِنسان أو أُصيب بضر ظناً أن ذلك من الجن، ومن العياذة بهم ذبح شاة فى نفس الموضع الذى يريدون حفر البئر فيه أو فى دار أُريد الحفر فيها للبئر وكل ذلك حرام لأَن قصدهم التملق إِلى الجن بإِلقاء الملح والرماد فهو كالذبح لهم وكذا إِلقاء القصبر أو نحوه لهم بنار أو بلا نار.

الالوسي

تفسير : كان الرجل من العرب إذا أمسى في واد قفر وخاف على نفسه نادى بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك يريد الجن وكبيرهم فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا سدنا الجن والإنس وذلك قوله تعالى: {فَزَادُوهُمْ } أي زاد الرجال العائذون الجن {رَهَقاً } أي تكبراً وعتواً فالضمير المرفوع لرجال الإنس إذ هم المحدث عنهم والمنصوب لرجال الجن وهو قول مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير وجماعة إلا أن منهم من فسر الرهق بالإثم وأنشد الطبري لذلك قول الأعشى: شعر : لا شيء ينفعني من دون رؤيتها لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقاً تفسير : فإنه أراد ما لم يغش محرماً فالمعنى هنا فزادت الإنس الجن مأثماً لأنهم عظموهم فزادوهم استحلالاً لمحارم الله تعالى أو فزاد الجن العائذين غياً بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم، فالضميران على عكس ما تقدم وهو قول قتادة وأبـي العالية والربيع وابن زيد. والفاء على الأول للتعقيب وعلى هذا قيل للترتيب الإخباري. وذهب الفراء إلا أن ما بعد الفاء قد يتقدم إذا دل عليه الدليل كقوله تعالى{أية : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا}تفسير : [الأعراف: 4] وجمهور النحاة على خلافه. وقيل في الكلام حذف أي فاتبعوهم فزادوهم. والآية ظاهرة في أن لفظ الرجال يطلق على ذكور الجن كما يطلق على ذكور الإنس، وقيل لا يطلق على ذكور الجن / و{مِّنَ ٱلْجِنِّ} في الآية متعلق بيعوذون ومعناها أنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجن برجال من الإنس وكان الرجل يقول مثلاً أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي، وهو قول غريب مخالف لما عليه الجمهور المؤيد بالآثار. ولعل تعلق الإيمان بهذا باعتبار ما يشعر به من كون ذلك ضلالاً موجباً لزيادة الرهق. وقد جاء في بعض الأخبار ما يقال بدل هذه الاستعاذة ففي حديث طويل أخرجه أبو نصر السجزي في «الإبانة» من طريق مجاهد عن ابن عباس وقال غريب جداً أنه صلى الله عليه وسلم قال:((حديث : إذا أصاب أحداً منكم وحشة أو نزل بأرض مجنة فليقل أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر من شر ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن فتن النهار ومن طوارق الليل إلا طارقاً يطرق بخير)).

ابن عاشور

تفسير : قرأ الجمهور همزة {وإنه} بالكسر. وقرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر وخلف بفتح الهمزة عطفاً على المجرور بالباء، والمقصود منه هو قوله: {فزادوهم رهقاً} وأما قوله: {كان رجال من الإِنس} الخ، فهو تمهيد لما بعده. وإطلاق الرجال على الجن على طريق التشبيه والمشاكلة لوقوعه مع رجال من الإِنس فإن الرجل اسم للذكر البالغ من بني آدم. والتأكيد بـ (إن) مكسورة أو مفتوحة راجع إلى ما تفرع على خبرها من قولهم {فزادوهم رَهَقاً}. والعوذ: الالتجاء إلى ما ينجي من شيء يضر، قال تعالى: {أية : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين}تفسير : [المؤمنون: 97]، فإذا حمل العوذ على حقيقته كان المعنى أنه كان رجال يلتجئون إلى الجن ليدفع الجن عنهم بعض الأضرار فوقع تفسير ذلك بما كان يفعله المشركون في الجاهلية إذا سار أحدهم في مكان قفر ووحش أو تعَزب في الرعي كانوا يتوهمون أن الجن تسكن القفر ويخافون تعرض الجن والغيلان لهم وعبثَها بهم في الليل فكان الخائف يصيح بأعلى صوته: يا عَزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك، فيخال أن الجني الذي بالوادي يمنعه، قالوا: وأول من سن ذلك لهم قوم من أهل اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا ذلك في العرب وهي أوهام وتخيلات. وزعم أهل هذا التفسير أن معنى {فزادوهم رهقاً} أن الجن كانوا يحتقرون الإِنس بهذا الخوف فكانوا يكثرون من التعرض لهم والتخيل إليهم فيزدادون بذلك مخافة. والرهق: الذل. والذي أختاره في معنى الآية أن العوذ هنا هو الالتجاء إلى الشيء والالتفاف حوله. وأن المراد أنه كان قوم من المشركين يعبدون الجن اتقاء شرها. ومعنى {فزادوهم رهقاً} فزادتهم عبادتهم إياهم ضلالاً. والرهق: يطلق على الإثم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 6- وأنه كان رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن، فزاد رجال الإنس رجال الإنس الجن طُغياناً وسفهاً وجرأة. 7- وأن الجن ظنوا كما ظننتم - معشر الإنس - أن لن يبعث الله أحداً بعد الموت، ولا رسولاً من البشر إليهم. 8- وأنا طلبنا بلوغ السماء فوجدناها مُلئت حرساً قوياً من الملائكة وشهباً محرقة من جهتها. 9- وأنا كنا - قبل اليوم - نقعد من السماء مقاعد لاستراق أخبار السماء، فمَن يرد الاستماع الآن يجد له شهاباً مترصداً ينقَضُّ عليه فيهلكه. 10- وأنا لا نعلم أعذاب أريد بمَن فى الأرض - من حراسة السماء لمنع الاستماع - أم أراد بهم ربهم خيراً وهدى؟. 11- وأنا منا الأبرار المتقون ومنَّا دون ذلك، وهم قوم مقتصدون فى الصلاح، كنا ذوى مذاهب متفرقة. 12- وأنا أيقنا أن لن نعجز الله - أينما كنا فى الأرض - ولن نعجزه هاربين من قضائه نحو السماء. 13- وأنا لما سمعنا القرآن آمنا به، فمن يؤمن بربه فلا يخاف نقصاً من حسنة، ولا ظلماً يلحقه بزيادة فى سيئاته.

د. أسعد حومد

تفسير : (6) - وَأَنَّ رِجَالاً مِنَ الإِنْسِ كَانُوا يَسْتَعِيذُونَ، وَهُمْ فِي القِفَارِ، بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ، فَزَادُوا الجِنَّ بِذَلِكَ طُغْيَاناً وَغَيّاً، بِأَنْ أَضَلُّوهُمْ حَتَّى اسْتَعَاذُوا بِهِمْ. (كَانَ مِنْ عَادَةِ العَرَبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَزَلُو بِمَكَانٍ فِي القَفْرِ يَسْتَعِيذُونَ بِعَظِيمِ ذَلِكَ المَكَانِ مِنَ الجِنِّ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِمَا يَسُوؤُهُمْ، فَلَمَّا رَأَتِ الجِنُّ أَنَّ الإِنْسَ يَسْتَعِيذُونَ بِهِمْ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْهُمْ، ازْدَادَتِ الجِنُّ طُغْيَاناً وَسَفَهاً، وَأَصْبَحَتِ الجِنُّ أَكْثَرَ جُرْأَةً عَلَى الإِنْسِ). يَعُوذُونَ - يَسْتَجِيرُونَ وَيَسْتَعِيذُونَ. رَهَقاً - جُرْأَةً وَطُغْيَاناً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: كان الإنس يعبدون الجن ويستعيذون بهم عند المخاوف والأفزاع، فزاد الإنس الجن رهقا أي: طغيانا وتكبرا لما رأوا الإنس يعبدونهم، ويستعيذون بهم، ويحتمل أن الضمير في زادوهم يرجع إلى الجن ضمير الواو أي: زاد الجن الإنس ذعرا وتخويفا لما رأوهم يستعيذون بهم ليلجئوهم إلى الاستعاذة بهم، فكان الإنسي إذا نزل بواد مخوف، قال: " أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ". { وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا } أي: فلما أنكروا البعث أقدموا على الشرك والطغيان. { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ } أي: أتيناها واختبرناها، { فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا } عن الوصول إلى أرجائها [والدنو منها]، { وَشُهُبًا } يرمى بها من استرق السمع، وهذا بخلاف عادتنا الأولى، فإنا كنا نتمكن من الوصول إلى خبر السماء. { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْع } فنتلقف من أخبار السماء ما شاء الله. { فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } أي: مرصدا له، معدا لإتلافه وإحراقه، أي: وهذا له شأن عظيم، ونبأ جسيم، وجزموا أن الله تعالى أراد أن يحدث في الأرض حادثا كبيرا، من خير أو شر، فلهذا قالوا: { وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } أي: لا بد من هذا أو هذا، لأنهم رأوا الأمر تغير عليهم تغيرا أنكروه، فعرفوا بفطنتهم أن هذا الأمر يريده الله، ويحدثه في الأرض، وفي هذا بيان لأدبهم، إذ أضافوا الخير إلى الله تعالى، والشر حذفوا فاعله تأدبا مع الله. { وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } أي: فساق وفجار وكفار، { كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا } أي: فرقا متنوعة، وأهواء متفرقة، كل حزب بما لديهم فرحون. { وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا } أي: وأنا في وقتنا الآن تبين لنا كمال قدرة الله وكمال عجزنا، وأن نواصينا بيد الله فلن نعجزه في الأرض ولن نعجزه إن هربنا وسعينا بأسباب الفرار والخروج عن قدرته، لا ملجأ منه إلا إليه. { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى } وهو القرآن الكريم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وعرفنا هدايته وإرشاده، أثر في قلوبنا فـ { آمَنَّا بِهِ } . ثم ذكروا ما يرغب المؤمن فقالوا: { فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ } إيمانا صادقا { فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا } أي: لا نقصا ولا طغيانا ولا أذى يلحقه، وإذا سلم من الشر حصل له الخير، فالإيمان سبب داع إلى حصول كل خير وانتفاء كل شر. { وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ } أي: الجائرون العادلون عن الصراط المستقيم. { فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا } أي:: أصابوا طريق الرشد، الموصل لهم إلى الجنة ونعيمها، { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } وذلك جزاء على أعمالهم، لا ظلم من الله لهم، فإنهم { لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ } المثلى { لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا } أي: هنيئا مريئا، ولم يمنعهم ذلك إلا ظلمهم وعدوانهم. { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } أي: لنختبرهم فيه ونمتحنهم ليظهر الصادق من الكاذب. { وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا } أي: من أعرض عن ذكر الله، الذي هو كتابه، فلم يتبعه وينقد له، بل غفل عنه ولهى، يسلكه عذابا صعدا أي: شديدا بليغا. { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } أي: لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة، فإن المساجد التي هي أعظم محال العبادة مبنية على الإخلاص لله، والخضوع لعظمته، والاستكانة لعزته، { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } أي: يسأله ويتعبد له ويقرأ القرآن كَاد الجن من تكاثرهم عليه أن يكونوا عليه لبدا، أي: متلبدين متراكمين حرصا على سماع ما جاء به من الهدى. { قُلْ } لهم يا أيها الرسول، مبينا حقيقة ما تدعو إليه: { إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } أي: أوحده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونه من الأنداد والأوثان، وكل ما يتخذه المشركون من دونه. { قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا } فإني عبد ليس لي من الأمر ولا من التصرف شيء.

همام الصنعاني

تفسير : 3349- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ}: [الآية: 6]، قَالَ: كانوا في الجاهِلِيَّةِ إذا نزلوا منزلاً قالوا: نعوذ بأعز هذا المكان، {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً}: [الآية: 6]، قال: يقول: خطيئةً وإثماً.