Verse. 5455 (AR)

٧٢ - ٱلْجِنّ

72 - Al-Jinn (AR)

وَّاَنَّا لَمَسْـنَا السَّمَاۗءَ فَوَجَدْنٰہَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيْدًا وَّشُہُبًا۝۸ۙ
Waanna lamasna alssamaa fawajadnaha muliat harasan shadeedan washuhuban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال الجن «وأنا لمسنا السماء» رمنا استراق السمع «فوجدناها ملئت حرسا» من الملائكة «شديدا وشهبا» نجوما محرقة وذلك لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : اللمس: المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف يقال: لمسه والتمسه، ومثله الجس يقال: جسوه بأعينهم وتجسسوه، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها، والحرس اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى الخدام ولذلك وصف بشديد ولو ذهب إلى معناه لقيل شداداً. النوع الثامن: قوله تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ} هذا من قول الجنّ؛ أي طلبنا خبرها كما جرت عادتنا {فَوَجَدْنَاهَا} قد {مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً} أي حَفَظة، يعني الملائكة. والحَرَس: جمع حارس {وَشُهُباً} جمع شهاب، وهو ٱنقضاض الكواكب المحرقة لهم عن ٱستراق السمع. وقد مضى القول فيه في سورة «الحجر» و«الصافات». و«وَجَدَ» يجوز أن يقدّر متعدّياً إلى مفعولين، فالأوّل الهاء والألف، و«مُلِئَتْ» في موضع المفعول الثاني. ويجوز أن يتعدّى إلى مفعول واحد ويكون «مُلِئَتْ» في موضع الحال على إضمار قد. و«حَرَساً» نصب على المفعول الثاني بـ«ـمُلِئَتْ». و«شَدِيداً» من نعت الحرس، أي ملئت ملائكة شدادا. ووحد الشَّديد على لفظ الحرس؛ وهو كما يقال: السَّلَف الصالح بمعنى الصالحين، وجمع السَّلَف أسلاف وجمع الحرس أحراس؛ قال: شعر : «تجـاوزتُ أحراساً وأهـوالَ مَعْشَرٍ» تفسير : ويجوز أن يكون «حَرَساً» مصدراً على معنى حُرِست حراسةً شديدة. قوله تعالى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً}. «مِنْهَا» أي من السماء، و«مَقَاعِدَ»: مواضع يُقْعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء؛ يعني أن مَرَدة الجنّ كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهِنة على ما تقدّم بيانه، فحرسها الله تعالى حين بعث رسوله بالشُّهب المحرقة، فقالت الجنّ حينئذ: {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} يعني بالشهاب: الكوكب المحرِق؛ وقد تقدّم بيان ذلك. ويقال: لم يكن انقضاض الكواكب إلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو آية من آياته. وٱختلف السَّلَف هل كانت الشياطين تُقذَف قبل المبعث، أو كان ذلك أمراً حدث لمبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ فقال الكلبي وقال قوم: لم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه: خمسِمائة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها، وحُرست بالملائكة والشهب. قلت: ورواه عطية العوفي عن ٱبن عباس؛ ذكره البيهقي. وقال عبد الله بن عمر: لما كان اليوم الذي نُبِّىء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُنعت الشياطين ورُموا بالشُّهب. وقال عبد الملك بن سابور: لم تكن السماء تُحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فلما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم حُرست السماء، ورُميت الشياطين بالشُّهب، ومُنعت عن الدنوّ من السماء. وقال نافع بن جُبير: كانت الشياطين في الفترة تَسمع فلا تُرمَى، فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رُميت بالشُّهب. ونحوه عن أبيّ بن كعب قال: لم يُرمَ بنجم منذ رُفع عيسى حتى نُبِّىءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُمِيَ بها. وقيل كان ذلك قبل المبعث، وإنما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنذاراً بحاله؛ وهو معنى قوله تعالى: «مُلِئَتْ» أي زيد في حَرَسها؛ وقال أَوْس بن حَجَر وهو جاهليّ: شعر : فٱنقَضّ كالدُّرِّي يَتْبَعُه نَقْعٌ يَثورُ تخَالُه طُنُبَا تفسير : وهذا قول الأكثرين. وقد أنكر الجاحظ هذا البيت وقال: كل شعر رُوِي فيه فهو مصنوع، وأن الرمي لم يكن قبل المبعث. والقول بالرمي أصح؛ لقوله تعالى، {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً}. وهذا إخبار عن الجنّ، أنه زِيد في حرس السماء حتى ٱمتلأت منها ومنهم؛ ولما رُوي عن ٱبن عباس قال: « حديث : بينما النبيّ صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذا رُمِي بنجم، فقال: «ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟» قالوا: كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تُرْمَى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربّنا سبحانه وتعالى إذا قضى أمراً في السماء سبّح حملة العرش ثم سبّح أهل كل سماء، حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء ويستخبرُ أهلُ السماء حملةَ العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ويخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه، فتتخَطَّف الجنُّ فيُرْمون فما جاءوا به فهو حقّ ولكنهم يزيدون فيه» » تفسير : . وهذا يدل على أن الرجم كان قبل المبعث. ورَوَى الزهريّ نحوه عن عليّ بن الحسين عن عليّ بن أبي طالب عن ٱبن عباس. وفي آخره قيل للزهريّ: أكان يُرمَى في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت قوله سبحانه: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} قال: غُلظت وشُدِّد أمرُها حين بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم. ونحوه قال القتبيّ: كان ولكن ٱشتدّت الحراسة بعد المبعث؛ وكانوا من قبلُ يسترقون ويُرمَون في بعض الأحوال، فلما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم مُنعت من ذلك أصلاً. وقد تقدم بيان هذا في سورة «والصافات» عند قوله: « أية : وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ » تفسير : [الصافات: 8-9] قال الحافظ: فلو قال قائل: كيف تتعرض الجنّ لإحراق نفسها بسبب ٱستماع خبر، بعد أن صار ذلك معلوماً لهم؟ فالجواب: أن الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة، كما ينسَى إبليس في كل وقت أنه لا يسلم، وأن الله تعالى قال له: { أية : وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ } تفسير : [الحجر: 35] ولولا هذا لما تحقق التكليف. والرَّصَد: قيل من الملائكة؛ أي ورصداً من الملائكة. والرَّصَدُ: الحافظ للشيء والجمع أرصاد، وفي غير هذا الموضع يجوز أن يكون جمعاً كالحرس، والواحد: راصد. وقيل: الرصد هو الشهاب، أي شهاباً قد أرصد له، ليرجم به؛ فهو فَعَلٌ بمعنى مفعول كالخَبَط والنَّفَض. قوله تعالى: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي هذا الحرس الذي حرست بهم السماء {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} أي خيراً. قال ٱبن زيد: قال إبليس لا ندري هل أراد الله بهذا المنع أن يُنزل على أهل الأرض عذاباً أو يُرسل إليهم رسولاً. وقيل: هو من قول الجنّ فيما بينهم قبل أن يسمعوا قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم. أي لا ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بمن في الأرض بإرسال محمد إليهم، فإنهم يكذبونه ويهلِكون بتكذيبه كما هلك من كذَّب من الأمم، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا؛ فالشرّ والرشد على هذا الكفر والإيمان، وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولما سمعوا قراءته علموا أنهم مُنعوا من السماء حراسة للوحي. وقيل: لا؛ بل هذا قول قالوه لقومهم بعد أن ٱنصرفوا إليهم منذرين؛ أي لما آمنوا أشفقوا ألاّ يؤمن كثير من أهل الأرض فقالوا: إنا لا ندري أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أمْ يؤمنون؟

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرساً شديداً، وحفت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك لئلا يسترقوا شيئاً من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط، ولا يدرى من الصادق، وهذا من لطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قال الجن: { وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } أي: من يروم أن يسترق السمع، يجد له شهاباً مرصداً له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه. { وَأَنَّا لاَ نَدْرِىۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} أي: ما ندري هذا الأمر الذي قد حدث في السماء، لا ندري أشر أريد بمن في الأرض، أم أراد بهم ربهم رشداً؟ وهذا من أدبهم في العبارة، حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى الله عزّ وجل. وقد ورد في الصحيح: «حديث : والشر ليس إليك» تفسير : وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير، بل في الأحيان بعد الأحيان، كما في حديث ابن عباس: بينما نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: «حديث : ما كنتم تقولون في هذا؟» تفسير : فقلنا: كنا نقول: يولد عظيم، يموت عظيم، فقال: «حديث : ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء» تفسير : وذكر تمام الحديث، وقد أوردناه في سورة سبأ بتمامه، وهذا هو السبب الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حفظت من أجله السماء، فآمن من آمن منهم، وتمرّد في طغيانه من بقي؛ كما تقدم حديث ابن عباس في ذلك عند قوله في سورة الأحقاف: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ} تفسير : الآية [الأحقاف: 29]. ولا شك أنه لما حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها، هال ذلك الإنس والجن، وانزعجوا له، وارتاعوا لذلك، وظنوا أن ذلك لخراب العالم، كما قال السدي: لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي، أو دين لله ظاهر، فكانت الشياطين قبل محمد صلى الله عليه وسلم قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نبياً رسولاً، رجموا ليلة من الليالي، ففزع لذلك أهل الطائف، فقالوا: هلك أهل السماء؛ لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب، فجعلوا يعتقون أرقاءهم، ويسيبون مواشيهم، فقال لهم عبد ياليل بن عمرو بن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم، وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها، فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، وإن نظرتم فلم تروها، فقد هلك أهل السماء، فنظروا فرأوها، فكفوا عن أقوالهم، ففزعت الشياطين في تلك الليلة، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم، فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها، فأتوه فشم، فقال: صاحبكم بمكة، فبعث سبعة نفر من جن نصيبين، فقدموا مكة، فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصاً على القرآن، حتى كادت كلاكلهم تصيبه، ثم أسلموا، فأنزل الله تعالى أمرهم على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول البعث من (كتاب السيرة) المطول، والله أعلم، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال الجنّ {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ } رُمنا استراق السمع {فَوَجَدْنَٰهَا مُلِئَتْ حَرَساً } من الملائكة {شَدِيداً وَشُهُباً } نجوماً محرقة وذلك لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم.

الماوردي

تفسير : {وأنا لَمسْنا السّماءَ} فيه وجهان: أحدهما: طلبنا السماءَ، والعرب تعبر عن الطلب باللمس تقول جئت ألمس الرزق وألتمس الرزق. الثاني: قاربنا السماء، فإن الملموس مقارَب. {فوَجدْناها} أي طرقها. {مُلئتْ حَرَساً شديداً} هم الملائكة الغلاظ الشداد. {وشُهُباً} جمع شهاب وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عند استراق السمع، واختلف في انقضاضها في الجاهلية قبل مبعث الرسول الله صلى الله عليه وسلم على قولين: أحدهما: أنها كانت تنقض في الجاهلية، وإنما زادت بمبعث الرسول إنذاراً بحاله، قال أوس بن حجر، وهو جاهلي: شعر : فانقضّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعهُ نقعٌ يثورُ تخالُهُ طُنُباً تفسير : وهذا قول الأكثرين. الثاني: أن الانقضاض لم يكن قبل المبعث وإنما أحدثه الله بعده، قال الجاحظ: وكل شعر روي فيه فهو مصنوع. {وأنّا كُنّا نَقْعُدُ منها مَقَاعِدَ للسّمْعِ} يعني أن مردة الجن كانوا يقعدون من السماء الدنيا مقاعد للسمع يستمعون من الملائكة أخبار السماء حتى يُلقوها إلى الكهنة فتجري على ألسنتهم، فحرسها اللَّه حين بعث رسوله بالشهب المحرقة، فقالت الجن حينئذٍ: {فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رَصَداً} يعني بالشهاب الكوكب المحرق، والرصد من الملائكة. أما الوحي فلم تكن الجن تقدر على سماعه، لأنهم كانوا مصروفين عنه من قبل. {وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌ أُريدَ بمن في الأرضِ أمْ أرادَ بهم ربُّهم رَشَداً} فيه وجهان: أحدهما: أنهم لا يدرون هل بعث الله محمداً ليؤمنوا به ويكون ذلك منهم رشداً ولهم ثواباً، أم يكفروا به فيكون ذلك منهم شراً وعليهم عقاباً، وهذا معنى قول السدي وابن جريج. الثاني: أنهم لا يدرون حراسة السماء بالشهب هل شر وعذاب أم رشد وثواب، قاله ابن زيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَمَسْنَا} طلبنا التمست الرزق ولمسته أو قاربناها لأن الملموس مقارب فوجدنا أبوابها أو طرقها {حَرَساً شَدِيداً} الملائكة الغلاظ الشداد {وَشُهُباً} جمع شهاب وهو انقضاض الكواكب المحترقة وكان انقضاضها قبل البعث وإنما زيد بالبعث إنذاراً بحال الرسول صلى الله عليه وسلم قاله الأكثر وقال الجاحظ لم يكن الانقضاض إلا بعد المبعث.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانا لمسنا السماء} اى طلبنا بلوغ السماء لاستماع ما يقول الملائكة من الحدوث او خبرها للافشاء بين الكهنة واللمس مستعار من المس للطلب شبه الطلب بالمس واللمس باليد فى كون كل واحد منهما وسيلة الى تعرف حالةالشئ فعبر عنه بالمس واللمس قال الراغب اللمس ادراك بظاهر البشرة كالمس ويعبر به عن الطلب قال فى كشف الاسرار ومنه الحديث الذى ورد ان رجلا قال لرسول الله عليه السلام ان امرأتى لا تدع عنها يدلامس اى لا ترد يد طالب حاجة صفرا يشكوا تضييعها ماله {فوجدناها ملئت حرسا} اى حراسا وحفظه وهم الملائكة يمنعونهم عنها اسم جمع لحارس بمعنى حافظ كخدم لخادم مفرد اللفظ ولذلك قيل {شديدا} اى قويا ولو كان جمعا لقيل شدادا وقوله ملئت حرسا حال من مفعول وجدناها ان كان وجدنا بمعنى اصبنا وصادفنا ومفعول ثان ان كان من افعال القلوب اى فعلمناها مملوءة وحرسا تمييز {وشهبا} عطف على حرسا وحكمه فى الاعراب حكمه جمع شهاب وهى الشعلة المقتبسة من نار الكواكب هكذا قالوا وقد مر تحقيقه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله، حاكياً عن الجن: {وأنَّا لمسنا السماءَ} أي: طلبنا بلوغ السماء, واستماع كلام أهلها، واللمس،: المسُ، استعير للطلب لأن الماسّ طالب متعرّف، {فوجدناها مُلِئتْ حَرَساً} أي: حُراساً، اسم جمع، كخدم، مفرد اللفظ، ولذلك قيل: {شديداً} أي: قوياً، أي: وجدنا جمعاً أقوياء من الملائكة يحرسونها، {و} ملئت أيضاً {شُهباً}: جمع شهاب، وهي الشعلة المقتبسة من نار الكواكب، {وأنَّا كنا نقعُدُ منه} أي: من السماء، قبل هذا الوقت، {مقاعِدَ للسمعِ}، لاستماع أخبار السماء، يعني: كنَّا نجد بعض السماء خالية من الحرس والشُهب قبل المبعث، فنقعد نسترق، وقد فسّر في الحديث صفة قعود الجن، وأنهم كانوا واحداً فوق واحد، فمتى احترق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة، فيُلقونها إلى الكُهان، ويزيدون معها، ثم يزيد الكُهانُ للكلمة مائة كذبة. هذا قبل المبعث، وأمّا بعده فأشار إليه بقوله: {فمَن يستمعِ}؛ يريد الاستماع {الآنَ} بعد المبعث {يجدْ له شِهَاباً رصداً} أي: شهاباً راصداً له ولأجله، يصده عن الاستماع، أو هو اسم جمع لراصد، على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشُهب، ويمنعونهم من الاستماع، والجمهور على أن ذلك لم يكون قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان الرجم في الجاهلية، ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأوقات، فمُنعوا من الاستراق أصلاً بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وهذا هو الظاهر، وأنّ الرمي كان موجوداً قبل البعثة، إلاَّ أنه قليل، وأشعار الجاهلية محشوة بذلك. انظر الثعلبي. ورُوي في بعض الأخبار: أنّ إبليس كان يسترق السمع من السموات، فلما وُلد عيسى عليه السلام وبُعث، حُجبت الشياطين عن ثلاث سموات، فلما وُلد محمد صلى الله عليه وسلم حُجبت عن السموات كلها، وقُذفت بالنجوم، هـ. وذكر أبو جعفر العقيلي، بإسناد له إلى لهب بن مالك، قال: حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة، فقلت: بأبي أنت وأمي؛ نحن أول مَن عرف حراسة السماء، ورصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا جئنا إلى كاهن لنا، يُقال له "خطل"، وكان شيخاً كبيراً، قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سننة، فقلنا: يا خطل؛ هل عندك علم بهذا النجوم التي يُرمى بها، فإنّا قد فزعنا منها، وخفنا سوءَ عاقبتها، فقال: ائتوني بسَحَر أُخبركم الخبر، ألِخَيْر أم ضرر، أم لأمن أو حذر، فأتيناه غداً عند السحَر، فإذا هو قائم على قدميه، شَاخص إلى السماء بعينيه، فناديناه: يا خطل، فأومأ إلينا: أن أمسكوا، فأنقضّ نجم عظيم من السماء، وصرخ الكاهن رافعاً صوته: أصابه إصابة، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، ثم قال: يا معشر قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أُقسم بالكعبة والأركان، لمُنع السمع عُتَاةٌ الجان، لِمولود عظيم الشأن، يُبعث بالتنزيل والقرآن، وبالهدى وفاصل الفرقان، يَمنع من عبادة الأوثان. فقلنا: ما ترى لقومك؟ فقال: أرى لقومي ما أرى لنفسي، أن يتبعوا خير نبي الإنس، برهانه مثل شعاع الشمس، يُبعث من مكة دارَ الحُمْس، يحكم بالتنزيل غير اللبس، فقلنا: وممَّن هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما في حلمه طيش، ولا في خَلقه هيش، يكون في جيش، وأيّ جيش!! فقلنا: بَيِّن لنا مِن أي قريش هو؟ فقال: والبيت ذي الدعائم، والديار والحمائم، إنه لمن نجل هاشم، من معشرٍ أكارم، يُبعث بالملاحم، وقتلِ كل ظالم، هذا البيان، أخبرني به رئيس الجان، ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر. هـ. {وأنَّا لا ندري أَشَرٌّ أُريد بمَن في الأرض} بحراسة السماء، {أم أراد بهم ربُّهم رشداً}؛ خيراً ورحمة، ونسبة الخير إلى الله تعالى دون الشر من الآداب الشريفة القرآنية، كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}تفسير : [الشعراء:80] وقوله: { أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } تفسير : [النساء:79] بعد أن ذكر ما في نفس الأمر بقوله: {أية : قُلْ كُلٌ مِنْ عِندِ اللهِ }تفسير : [النساء:78]. الإشارة: إذا كان اللهُ تعالى قد حفظ السماء من استراق السمع، فقلوب أوليائه أولى بأن يحفظها من خواطر السوء، فإذا تَوَلَّى عبداً حَفِظ قلبه من طوارق الشك، وخواطر التدبير، وسوء الأدب مع الربوبية، فيملؤه باليقين والطمأنينة، ويهبُّ عليه برد الرضا ونسيم التسليم، فيخرج عن مراد نفسه إلى مراد مولاه، في كل وجهة وعلى كل حال. جعلنا الله مِن أهل هذا القبيل، بمنِّه وكرمه. ثم قالوا: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ}.

الجنابذي

تفسير : {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ} اى قربناها، او صعدنا اليها، او طلبنا الصّعود اليها {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً} الحرس جمع الحارس وتذكير الشّديد لاجراء الفعيل بمعنى الفاعل مجرى الفعيل بمعنى المفعول فى استواء التّذكير والتّأنيث فيه اى حفظة اقوياء لا يمكن الاستراق معهم {وَشُهُباً} جمع الشّهاب.

اطفيش

تفسير : {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ} طلبنا بلوغها واستماع كلام أهلها لمسه، والتمسه وتلمسه بمعنى كطلبه وأطلبه بتشديد الطاء إبدلا لتاء افتعل طاء إدغام الطاء فيها وتطلبه *{فَوَجَدْنَهَا مُلِئِتْ حَرَسَاً} أي حراسا وهم الملائكة جمع حارس وقيل اسم جمع وهو الصحيح بدليل قوله *{شَدِيداً} بالافراد مراعاة للفظ ولو كان جمعا لقال شدادا كذا قيل ويجاب بأن شديدا فعيل بمعنى فاعل فيوصف به الواحد وغيره والشدة القوة والملائكة أقوياء يمنعونهم من الاستراق وحرسا تمييز غير محول عن شيء مع أنه تمييز نسبة وبسطت ذلك في النحو قيل أو مصدر تمييز وقيل حرساً مفعول لأجله أو مصدر أي ملئت بالملائكة لأجل حفظها ويرده قوله {وَشُهُباً} فإن الشهب لا يصح كونه مفعولا لأجله ويصح كونه تمييز جمع شهاب وهو ما يقتطع من النجم كالقبس أو قطع نار خلقت كذلك ترمي بها الشياطين لما بعث صلى الله عليه وسلم.

اطفيش

تفسير : {وَأنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} طلبنا خبرها أو سماع كلام أهلها، واللمس المس للاختبار استعير للطلب لجامع التوصل بكل إِلى المطلوب، وقيل عبر به عن الطلب على التجوز الإِرسالى استعمالاً للفظ فى لازم معناه والطلب لازم للمس للاختبار كذا قيل وفيه أن المس للاختبار هو نفس الطلب وليسوا يصلون إِلى السماء لأَن بينها وبين الأَرض خمسمائة عام وهب أنهم وصلوها لكن غلظها كذلك فكيف يسمعون والله عز وجل قادر، لكن الظاهر أن مرادهم طلب معرفة ما ذكر إِلا أنه أتى من السماء إِلى ما تحتها قريباً من الأَرض ولما أتى منها نسب إِليها وعبر بلمسها أو السماء ما فوق من الجو أو الجهة أو يقدر مضاف أى جهة السماء {فَوَجَدْنَاها} لقيناها فقوله: {مُلِئَتْ} حال على تقدير قد لأَن الفعل ماض مثبت وأُجيز بلا تقدير، أو معنى وجدناها علمناها، فملئت مفعول ثان، ومن قبل بعثه -صلى الله عليه وسلم- لم تملأَ بل فيها مواضع للسمع حالية عن الرصد، {حَرَساً} اسمع جمع لا جمع لأَنه بوزن المفرد كفرح، وقيل جمع حارس كخادم وخدم، والصحيح الأَول ويدل له وصفه بالمفرد وهو قوله عز وجل: {شَدِيداً} وعلى أنه جمع فإِنما وصف به لأَنه بوزن المصدر كصهيل وذلك كقوله تعالى "أية : والملائكة بعد ذلك ظهير" تفسير : [التحريم: 4] وقوله "أية : الكلم الطيب" تفسير : [فاطر: 10] إِذا قيل أنه جمع كلمة لا اسم جمع وحرساً تمييز محول عن الفاعل بمعنى أن الحرس والشهب مالئان للسماء. {وَشُهُباً} جمع شهاب، وهو ما قبس من النار ولا مدخل للمس السماء ووجودها مملوءة حرساً شديداً وشهباً فى الإِيمان، فكيف يساق ذلك فى جملة ما سيق للإِيمان الجواب أن المراد أنا نخبركم بذلك وأن ذلك دلالة على قدرة الله عز وجل وأنه حفظ للوحى الحادث الآن أو يفسر أمنا بما ينسحب على ذلك ونحوه مما لا يدخل فى الإِيمان.

الالوسي

تفسير : {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَاء } أي طلبنا بلوغها لاستماع كلام أهلها أو طلبنا خبرها. واللمس قيل مستعار من المس للطلب كالجس يقال لمسه والتمسه وتلمسه كطلبه وأطلبه وتطلبه، والظاهر أن الاستعارة هنا لغوية لأنه مجاز مرسل لاستعماله في لازم معناه والسماع على ظاهرها {فَوَجَدْنَـٰهَا } أي صادفناها وأصبناها فوجد متعد لواحد وقوله تعالى: {مُلِئَتْ } في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه وإن كانت وجد من أفعال القلوب فهذه الجملة في موضع المفعول الثاني. وقرأ الأعرج (مليت) بالياء دون همز {حَرَساً } أي حراساً اسم جمع كخدم كما ذهب إليه جمع لأنه على وزن يغلب في المفردات كبصر وقمر ولذا نسب إليه فقيل حرسي، وذهب بعض إلى أنه جمع والصحيح الأول ولذا وصف بالمفرد فقيل {شَدِيداً } أي قوياً نحوه قوله: شعر : بنيته بعصبة من ماليا أخشى رجيلاً وركيباً عادياً تفسير : ولو روعي معناه جمع بأن يقال شداداً إلا أن ينظر لظاهر وزن فعيل فإنه يستوي فيه الواحد والجمع. والمراد بالحرس الملائكة عليهم السلام الذين يمنعونهم عن قرب السماء {وَشُهُباً } جمع شهاب وقد مر الكلام فيه. وجوز بعضهم أن يكون المراد بالحرس الشهب والعطف مثله في قوله: شعر : وهند أتى من دونها النأي والبعد تفسير : وهو خلاف الظاهر ودخول {أَنَّا لَمَسْنَا} الخ في حيز الإيمان وكذا أكثر الجمل الآتية في غاية الخفاء. والظاهر تقدير / نحو نخبركم فيما لا يظهر دخوله في ذلك أو تأويل {أية : آمَنَّا}تفسير : [الجن: 2] من أول الأمر بما ينسحب على الجميع.

ابن عاشور

تفسير : قرأ الجمهور ووافقهم أبو جعفر بكسر الهمزة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتح الهمزة عطفاً على المجرور بالباء فيكون من عطفه على المجرور بالباء هو قوله: {فمن يستمع الآن يجدْ له شهاباً رصداً} والتأكيد بـ (إنَّ) في قولهم: {وإنّا لمسنا السماء} لغرابة الخبر باعتبار ما يليه من قوله: {وإنّا كنا نقعد منها مقاعد للسمع} الخ. واللمس: حقيقته الجس باليد، ويطلق مجازاً على اختبار أمر لأن إحساس اليد أقوى إحساس، فشبه به الاختيار على طريق الاستعارة كما أطلق مُرادفه وهو المس على الاختبار في قول يزيد بن الحكم الكلابي: شعر : مَسسنا من الآباءِ شَيئاً فكلُّنا إلى نَسب في قَومه غير واضع تفسير : أي اختبرنا نسب آبائنا وآبائكم فكنا جميعاً كرامَ الآباء. و {ملئت}: مستعمل في معنى كثُر فيها. وحقيقة الملء عَمْر فراغ المكان أو الإِناء بما يحل فيه، فأطلق هنا على كثرة الشهب والحُراس على وجه الاستعارة. والحَرس: اسم جمع للحُرَّاس ولا واحد له من لفظه مثل خدَم، وإنما يعرف الواحد منه بالحَرَسِيِّ. ووصف بشديد وهو مفرد نظراً إلى لفظ حرس كما يقال: السلف الصالح، ولو نُظر إلى ما يتضمنه من الآحاد لجاز أن يقال: شِداد. والطوائف من الحَرس أحراس. والشهب: جمع شهاب وهو القطعة التي تنفصل عن بعض النجوم فتسقط في الجو أو في الأرض أو البحر وتكون مُضاءة عند انفصالها ثم يزول ضوؤها ببعدها عن مقابلة شعاع الشمس وتسمى الواحد منها عند علماء الهيئة نَيْزَكاً باسم الرمح القصير، وقد تقدم الكلام عليها في أول سورة الصافات. والمعنى: إننا اختبرنا حال السماء لاستراق السمع فوجدناها كثيرة الحراس من الملائكة وكثيرة الشهب للرَّجم، فليس في الآية ما يؤخذ منه أن الشهب لم تكن قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم كما ظنه الجاحظ فإن العرب ذكروا تساقط الشهب في بعض شعرهم في الجاهلية. كما قال في «الكشاف» وذكر شواهده من الشعر الجاهلي. نعم يؤخذ منها أن الشهب تكاثرت في مدة الرسالة المحمدية حفظاً للقرآن من دسائس الشياطين كما دل عليه قوله عقبه {وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً} وسيأتي بيان ذلك. وهذا الكلام توطئة وتمهيد لقولهم بعده: {وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع} إلى آخره، إذ المقصود أن يخبروا من لا خبر عنده من نوعهم بأنهم قد تبينوا سبب شدة حراسة السماء وكثرة الشهب، وأما نفس الحراسة وكثرة الشهب فإن المخبرين (بفتح الباء) يشاهدونه. وقوله: {وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع} الخ قرأه بكسر الهمزة الذين قرأوا بالكسر قوله: {وإنّا لمسنا السماء} وبفتح الهمزة الذين قرأوا بالفتح وهذا من تمام قولهم: {وإنّا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً}. وإنما أعيد معه كلمة {وإنا} للدلالة على أن الخبر الذي تضمنه هو المقصود وأن ما قبله كالتوطئة له فإعادة {وإنا} توكيد لفظي. وحقيقة القعود الجلوس وهو ضد القيام، أي هو جعل النصف الأسفل مباشراً للأرض مستقراً عليها وانتصاب النصف الأعلى. وهو هنا مجاز في ملازمة المكان زمناً طويلاً لأن ملازمة المكان من لوازم القعود ومنه قوله تعالى: {أية : واقْعدوا لهم كل مرصد}تفسير : [التوبة: 5]. والمقاعد: جمع مقعد وهو مفعل للمكان الذي يقع فيه القعود، وأطلق هنا على مكان الملازمة فإن القعود يطلق على ملازمة الحصول كما في قول امرىء القيس:شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعداً تفسير : واللام في قوله: {للسمع} لام العلة أي لأجل السمع، أي لأن نسمع ما يجري في العالم العلوي من تصاريف الملائكة بالتكوين والتصريف، ولعل الجن منساقون إلى ذلك بالجبلة كما تنساق الشياطين إلى الوسوسة، وضمير {منها} للسماء. و (من) تبعيضية، أي من ساحاتها وهو متعلق بـ {نقعد}، وليس المجرور حالاً من {مَقاعَد} مقدَّماً على صاحبه لأن السياق في الكلام على حالهم في السماء فالعناية بمتعلِّق فعل القعود أولى، ونظيره قول كعب: شعر : يمشي القراد عليها ثم يزلقه مِنْها لبان وأقرب زهاليل تفسير : فقوله (منها) متعلق بفعل (يُزلقه) وليس حالاً من (لَبان). وأعلم أنه قد جرى على قوله تعالى: {مقاعد للسمع} مبحث في مَباحِث فصاحة الكلمات نسبه ابن الأثير في «المثل السائر» إلى ابن سنان الخفاجي فقال: إنه قد يجيء من الكلام ما معه قرينُهُ فأوجبَ قبحه كقول الرضي في رثاء الصابي:شعر : أعزِزْ عليَّ بأن أراك وقد خَلا عن جانبيْكَ مَقَاعِدُ العُوَّاد تفسير : فإن إيراد هذه اللفظة (أي مقاعد) في هذا الموضع صحيح إلاّ أنه يوافق ما يُكره ذكره لا سيما وقد أضافه إلى من يُحتمل إضافته (أي ما يكره) إليه وهم العُواد. ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلاً. قال ابن الأثير: هذه اللفظة المعيبة في شعر الرضي قد جاءت في القرآن فجاءت حسنة مرضية في قوله تعالى: {أية : تُبوِّىء المؤمنين مقاعد للقتال}تفسير : [آل عمران: 121] وقوله: {وأنَّا كنا نقعد منها مقاعد للسمع}، ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافتها إليه ولو قال الشاعر بدلاً من مقاعد العُواد مقاعد الزيارة لزالت تلك الهجنة اهـ. وأقول: إن لمصطلحات الناس في استعمال الكلمات أثراً في وقع الكلمات عند الأفهام. والفاء التي فرعت {من يستمع الآن يَجِدْ له شهاباً رصداً} تفريع على محذوف دل عليه فعل {كنا} وترتب الشرط وجزائه عليه وتقديرُه: كنا نقعد منها (أي من السماء) مقاعد للسمع فنستمع أشياء فمن يستمعْ الآن لا يتمكَّن من السماع. وكلمة {الآن} مقابل كلمة {كنا}، أي كان ذلك ثم انقضى. وجيء بصيغة الشرط وجوابه في التفريع لأن الغرض تحذير إخوانهم من التعرض للاستماع لأن المستمع يتعرض لأذى الشهب. والجنُّ لا تنكف عن ذلك لأنهم منساقون إليه بالطبع مع ما ينالهم من أذى الرجم والاحتراق، شأنَ انسياق المخلوقات إلى ما خُلقت له مثل تهافت الفَراش على النار، لاحتمال ضعف القوة المفكرة في الجن بحيث يغلب عليها الشهوة، ونحن نرى البشر يقتحمون الأخطار والمهالك تبعاً للهوى مثل مغامرات الهُواة في البحار والجبال والثلوج. ووقوع {شهاباً} في سياق الشرط يفيد العموم لأن سياق الشرط بمنزلة سياق النفي في إفادة عموم النكرة. والرصدَ: اسم جمع راصد وهو الحافظ للشيء وهو وصف لـ {شهاباً}، أي شهباً راصدة، ووصفها بالرصْد استعارة شبهت بالحراس الراصدين. وهذا إشارة إلى انقراض الكهانة إذ الكاهن يتلقى من الجني أنباء مجملة بما يتلقفه الجنيّ من خبر الغيب تلقف اختطاف ناقصاً فيكمله الكاهن بحدْسه بما يناسب مجاري أحوال قومه وبلده. وفي الحديث «فيزيد على تلك الكلمة مائة كَذْبة». وأما اتصال نفوس الكهان بالنفوس الشيطانية فيجوز أن يكون من تناسببٍ بين النفوس، ومعظمُه أوهام. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال: «ليسوا بشيء». أخرج البخاري عن ابن عباس قال «كان الجن يستمعون الوحي» (أي وحي الله إلى الملائكة بتصاريف الأمور) فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنعوا، فقالوا: ما هذا إلاّ لأمر حدث فضربوا في الأرض يتحسسون السبب فلما وجدوا رسول الله قائماً يصلي بمكة قالوا: هذا الذي حدث في الأرض فقالوا لقومهم: {أية : إنا سمعنا قرآنا عجباً}تفسير : [الجن: 1] الآية وأنزل على نبيه {أية : قُل أوحي إليه أنه استمع نفر من الجن}تفسير : [الجن: 1] وإنما أوحي إليه قول الجن اهـ. ولعل كيفية حدوث رجم الجن بالشهب كان بطريقة تصريف الوحي إلى الملائكة في مجارٍ تمُرّ على مواقع انقضاض الشهب حتى إذا اتصلت قوى الوحي بموقع أحد الشهب انفصل الشهاب بقوَّة ما يغطه من الوحي فسقط مع مجرى الوحي ليحرسه من اقتراب المستَرِق حتى يبلغ إلى المَلك الموحى إليه فلا يجد في طريقه قوة شيطانية أو جنية إلاّ أحرقَها وبَخرها فهلكت أو استطيرت وبذلك بطلت الكهانة وكان ذلك من خصائص الرسالة المحمدية.

الشنقيطي

تفسير : بين تعالى المراد بتلك الحراسة بأنه لحفظها عن استراق السمع، كما في قوله: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً}تفسير : [الصافات: 6-7]، وبين تعالى حالهم قبل ذلك بأنهم كانوا يقعدون منها مقاعد للسمع فيسترقون الكلمة وينزلون بها إلى الكاهن فيكذب معها مائة كذبة، كما بين تعالى أن الشهب تأتيهم من النجوم. كما في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ}تفسير : [الملك: 5].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وأنا لمسنا السماء: أي طلبنا خبرها كما جرت بذلك عادتنا. حرساً شديداً: أي حراسا وحفظة من الملائكة يحفظونها بشدة وقوة. وشهباً: أي نجوما يرمى بها الشياطين أو يؤخذ منها شهاب فيرمى به. مقاعد للسمع: أي من أجل أن نسمع ما يحدث وما يكون في الكون. شهابا رصداً: أي أرصد وأعد لرمي الشياطين وإبعادهم عن السمع. رشدا: أي خيراً وصلاحاً. كنا طرائق قددا: أي مذاهب مختلفة إذا الطرائق جمع طريقة، والقدد جمع قدة وهي الضروب والأجناس المختلفة. ولن نعجزه هربا: أي لا نفوته هاربين في الأرض أو في السماء. لما سمعنا الهدى: أي القرآن الداعي إلى الهدى المخالف للضلال. بخسا ولا رهقا: أي نقصا من حسناته ولا إثماً يحال عليه ويحاسب به. ومنا القاسطون: أي الجائرون عن قصد السبيل وهو الإِسلام. تحروا رشدا: أي تعمدوا الرشد فطلبوه بعناية فحصلوا عليه. فكانوا لجهنم حطبا: أي وقوداً تتقد بهم يوم القيامة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ما قالته الجن بعد سماعها القرآن الكريم. وهو ما أخبر تعالى به عنهم في قوله {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ} اي طلبناها كعادتنا {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} أي ملائكة أقوياء يحرسونها وشهبا نارية يرمى بها كل مسترق للسمع منا. وقالوا: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا} أي من السماء {مَقَاعِدَ} أي أماكن معينة لهم {لِلسَّمْعِ} أي لأجل الاستماع من ملائكة السماء. {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} أي أرصد له خاصة فيرمى به فيحرقه أو يخبله، وقالوا {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} أقول عجبا لهؤلاء المؤمنين من الجن كيف تأدبّوا مع الله فلم ينسبوا إليه الشر ونسبوا إليه الخير فقالوا {أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ} ولو أساءوا الأدب مثلنا لقالوا أشر أراده الله بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا أي خيرا وصلاحا قالوا هذا لما وجدوا السماء قد ملئت حرسا شديدا وشهبا وهو تفكير سديد ناتج عن وعي وإدراك سليم. وهذا التغير في السماء الذي وجدوه سببه أن الله تعالى لما نبأ رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وأخذ يوحي إليه حمى السماء حتى لا يسترق الشياطين السمع ويشوشوا على الناس فيصرفوهم عن الإِيمان والدخول في الإِسلام وهو الرشد الذي أراد الله لعباده وقالوا {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ} أي المؤمنون المستقيمون على الإِيمان والطاعة {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} ضعف إيمان وقلة طاعة، {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} أي مذاهب وأهواء مختلفة. {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ} أي إن أراد بنا سوءا ومكروها ولن نعجزه هربا إن طلبنا في الأرض أو في السماء. {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ} أي بالقرآن الذي هو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً} أي نقصا من حسناته يوم القيامة {وَلاَ رَهَقاً} أي إثما يضاف إلى سيئآته ويعاقب به وهو لم يرتكبه في الدنيا. وقالوا {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} أي الجائرون عن قصد السبيل وهو الإِسلام. فمن أسلم أي انقاد لله تعالى بطاعته وخلص من الشرك به فهؤلاء تحروا الرشد وفازوا به، {وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} توقد بهم وتستعر عليهم وعلى الكافرين الجائرين أمثالهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجود تجانس بين الجن والملائكة لقرب مادّتي الخلق من بعضها إذ الملائكة خلقوا من مادة النور، والجن من مادة النار، ولذا يرونهم ويسمعون كلامهم ويفهمونه. 2- من الجن أدباء صالحون مؤمنون مسلمون أصحاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. 3- ذم الطرق والأهواء والاختلافات. 4- الاشادة بالعدل وتحري الحق والخير.

القطان

تفسير : لقد أراد الجن ان يستمعوا خبر السماء فوجدوها {مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} تنقضّ عليهم، وقالوا: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} يهلكه ويحرقه. وان الجن قالوا: نحن لا نعلم، أعذابٌ أُريد بمن في الأرضِ من هذه الحِراسَة الشديدة على السّماء لمنعِ الاستماع، أم أرادَ بهم ربُّهم خيراً وهدى. وان الجن منهم الأبرارُ الصالحون، ومنهم دون ذلك {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} وفرقاً شتّى وأهواءَ مختلفة. وأنا أيقنّا أنا لن نُعجز اللهَ أينما كنّا في الأرض، ولن نُعجِزَه هَرَباً من قضائه، فإنّ الله قادرٌ علينا حيث كنّا. وأما لما سَمِعْنا القرآن آمنّا به، فمن يؤمن بربِّه فلا يخافُ نَقْصاً من حَسَناته، ولا ظُلماً يلحقه أبدا. وأنا فريقان: مسلمون مُقرون بالحق، وقاسِطون جائرون عادِلون عن الحق، فمن أسلمَ {فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} وقصَدوا سبيلَ الحق، {وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} يوم القيامة. الى هنا انتهى كلام الجن. ثم عاد الحديث الى ذِكر ما أُوحيَ الى الرسول الكريم فقال تعالى: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً}. أوحى الله إلى الرسولِ الكريم صلى الله عليه وسلم أنه لو استقام الانسُ والجنُّ على الحقّ والعملِ بشريعة العدل، ولم يَحِيدوا عنها - لأسقيناهم ماءً غزيرا، ولرزقناهم سَعة في الرزق ورخاءً في العيش. يقال سقاه و أسقاه. والفعلان وردا في القرآن الكريم. ولنختبرهم، كيف يشكرون لله نِعمه عليهم. {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً}. أي عذاباً شديداً. ومن يغيّر او يبدّل، ولا يتّبع أوامرَ الله ونواهيَه يُدْخِله اللهُ عذاباً شاقاً لا يطيقُ له حملا. قراءات: قرأ اهل الكوفة ويعقوب: يسلكه بالياء. والباقون نسلكه بالنون.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَوَجَدْنَاهَا} (8) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ حِينَ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم رَسُولاً، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ، حَفِظَ اللهُ القُرْآنَ مِنَ الجِنِّ إِذْ مُلِئَتِ السَّمَاءُ حَرَساً شَدِيداً، وَحُفِظَتْ مِنْ جَمِيعِ أَرْجَائِهَا، وَطُرِدَتِ الشَّيَاطِينُ مِنْ مَقَاعِدِهَا لِئَلاَّ يَسْتَرِقُوا سَمْعَ شَيءٍ مِنَ القُرْآنِ، فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الجِنَّ قَالُوا: لَقَدْ طَلَبنَا خَبَرَ السَّمَاءِ (لَمَسْنَا السَّمَاءَ) كَمَا جَرَتْ عَادَتُنَا بِذَلِكَ فَوَجَدْنَاهَا قَدْ مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً، وَشُهُباً تَحْرُسُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَتَمْنَعُنَا مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ. لَمَسْنَا - طَلَبْنَا خَبَراً. حَرَساً - حُرّاساً مِنَ المَلاَئِكَةِ.

الجيلاني

تفسير : {وَأَنَّا} كنا قبل نزول القرآن {لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ} أي: طلبنا البلوغ إليها، والصعود نحوها؛ لنسترق من أخبار الملائكة، ونخبر بها الكهنة، ونوقع الفتنة في العالم السفلي {فَوَجَدْنَاهَا} أي: السماء اليوم {مُلِئَتْ} وامتلأت {حَرَساً} أي: حراساً حافظين {شَدِيداً} أقوياء على الحفظ والحراسة {وَشُهُباً} [الجن: 8] جمع شهاب، وهو المضيء المتراكم من النار، نرجم بها ونطرد من حواليها. {وَ} بالجملة: {أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا} أي: من السماء {مَقَاعِدَ} صالحة {لِلسَّمْعِ} والاستماع {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ} بعد نزول القرآن في تلك المقاعد {يَجِدْ لَهُ} وعنده {شِهَاباً رَّصَداً} [الجن: 9] راصداً قاصداً له، يرجمه ويمنعه من الاستماع. {وَأَنَّا} اليوم {لاَ نَدْرِيۤ} ونعلم {أَشَرٌّ} وفتنة {أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي: بالساكنين عليها بحراسة السماء، ومنع أخبارها عنهم {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} [الجن: 10] يهديهم إلى التوكل والتسليم، وكمال تفويض أمورهم إلى العليم الحكيم، بحيث لا يحترزون عمَّا جرى عليهم من قضائه بأخبار السماويين؟. {وَأَنَّا} أي: نحن المخبورون {مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ} الأبرار المؤمنون، الآمنون الأمينون لا يختلط بالأخبار المسموعة من الأكاذيب {وَمِنَّا} قوم {دُونَ ذَلِكَ} لا أمانة لهم حتى يؤدوا الأخبار على وجهها، بل يوقعون الفتن والمحن بين الناس؛ إذ {كُنَّا طَرَآئِقَ} أي: طرائق ومذاهب {قِدَداً} [الجن: 11] مفترقة مختلفة؛ لذلك منعنا بأجمعنا عن استراق الأخبار السماوية، وانحصر الأمر بالوحي الإلهي؛ حتى لا يختل أمر النظام الموضوع على القسط والعدالة الإلهية. {وَأَنَّا} بعدما كوشفنا بهداية القرآن، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم تركنا ما كنا علين من الضرر والإضرار لعباد الله؛ إذ {ظَنَنَّآ} بل علمنا يقيناً {أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على أنواع الانتقام كائنين {فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ} أيضاً {هَرَباً} [الجن: 12] منه سبحانه إلى السماء، أو إلى أيّ مكان شئنا. {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ} أي: القرآن الموضح لطريق التوحيد {آمَنَّا بِهِ} واهتدينا بهدايته {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ} ويوقن بوحدانيته {فَلاَ يَخَافُ} أي: فهو لا يخاف {بَخْساً} نقصاً في الجزاء والثواب {وَلاَ رَهَقاً} [الجن: 13] ذلة تذله في الدارين؛ لأن من آمن اعتدل، ولم يبخص حق أحد، ولم يذله بظلم، فكذلك لا يبخص ولا يظلم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} [الجن: 8]؛ يعني: خواطر الحق يحرسون بماء الصدر حراسة شديدة وشبهاً؛ يعني: من نجوم خواطر السر والخفى، {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} [الجن: 9]؛ فمن يرد منا أن يستمع يصل إليه من رجم الشهاب. {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ} [الجن: 10]؛ يعني: يرجم الشهاب؛ لئلا يسمع من أمر السماء شيئاً ليستفيد بها لا تدري أن الله أراد بمن في الأرض البشرية شراً {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} [الجن: 10] بحراسة السماء فحظك أيها السالك من هذه السورة أن يبقى وقت ورود الوارد؛ لئلا تسرق منه القوى النفسية، وتلبس فيها المعاني الخبيثة، ويلقي بها إليك بعد فتور الوارد ظن أنه الوارد بما فيه من معاني الوارد لمسترقة، وتلتفت إليه ويسد عليك باب الوارد الأعلى بالتفاتك إلى معاني القوى النفسية، وأكثر من هلك من أهل السلوك من اليونانية والنصرانية الشكمانية بهذه المعاني الملتبسة بالوارد. لأنهم إذا اشتغلوا بالسلوك، اشتغلوا بربهم غير متشبثين بعروة نبي من الأنبياء ليرشدهم في الغيب، ويطلعهم على الحق والباطل، ويهديهم إلى القوى المستخلصة، ويعرفهم خاصة القوى الملوثة؛ فإذا أصغوا وجودهم بالرياضة قويت القوى النفسية، وصعدت إلى سماء الصدر، واسترقت من المعارف الربانية، ونزلت إلى عالمها، وكملت مع صاحبها فظن صاحبها أنها وارد غيبي ترده من عالم الرب على قلبه واطمأن بها، واستدرج منها حتى صار إماماً في ملة الشيطان راعياً للأمم إليه، وهو خليفة خاص الشيطان والحكماء القديمة اليونانية والرهابين المرتاضة بالنصرانية وحكماء الهند الذين أنهم ظنوا الوصول إلى المأمون حين قالوا: إنا ناصر برخاناً، والبرخان بلغتهم: الواصل إلى الرحمن، وهم يقولون في أثناء السلوك، وفي الوصول بالاتحاد. وها جئنا معهم وألزمناهم بلطف الله وحسن توفيقه ومعونيته حتى أسلموا وآمنوا، ثم بعضهم ارتدوا وماتوا على الكفر بأنهم أقروا بأن الاتحاد باطل؛ فأما الأئمة المهدية الذين اعتصموا بحبل نبي من الأنبياء واشتغلوا بالسلوك، أمنوا من هذه الورطة الوعيرة بأن استحكمت عقدة إرادتهم، ذلك بولاية ذلك النبي حتى دخلت نوبة النبوة المحمدية الناسخة لجميع الأديان لكمال أدرج الله في نبوته، أغلق المسرفون باب سمعهم بالشهاب الثاقب من أوج ولاية رسالته؛ فمن دخل في زمرة متبعيه، واشتغل بالسلوك على وفق إشارته سلم من القوى الخبيثة النفسية وأمن من إلقائها، وينبغي للسالك ألاَّ يغتر بأنه يقول على اللسان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، بأنه ممن يجوز له السلوك؛ لئلا يغتر بجبة الغرور في شبكة المغرور؛ لأن التشكيك أمر يختص بولاية الرسالة وينبغي أن يكون المسلك حياً في عالم البشرية؛ ليهديك إلى الصراط المستقيم، ويقرئك الخواطر ومنشأها، والمسلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو إلى الذي كان وصاه بالأسرار، وعلمه كيفية الوصول إلى عالم الأنوار وأصله إلى حضرة الله الواحد القهار، وهو أرشد مريده ووصاه كما وصاه نبيه وعلمه وأوصله إلى الآن معنعناً متصلاً؛ لتمكن الاستفادة من قلبه وقالبه صورة ومعنى، ويدفع عن نفسه كيد قطاع الطريق، ويسهل عليه العبور على مكامنهم بقوته وهمته وذكره. {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} [الجن: 11]؛ يعني: منا القوى الصالحة المصدقة، ومنا القوى الفاسدة المكذبة لقوانا المتفرقة طرائق مختلفة باختلاف الطبائع المتضادة التي ركزت فينا، {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} [الجن: 12]؛ يعني: علمنا يقيناً بعد استماع القرآن من اللطيفة التالية أن لن تفوته إن أراد ربنا الحق أمراً في أرض البشرية، ولا نطيق أن نهرب منه إن طلبنا. {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ} [الجن: 13]؛ يعني: الوارد والهدى الذي فيه {آمَنَّا بِهِ} [الجن: 13]، وصدقنا اللطيفة التالية فيما تلت علينا؛ {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} [الجن: 13]؛ يعني: من يصدق الرب، ويؤمن به فلا يخاف بخساً ورهقاً؛ أي: نقصاً من المعرفة ولا نكرة وظلمة تغشاه بحيث يدين على قلبه.