Verse. 5458 (AR)

٧٢ - ٱلْجِنّ

72 - Al-Jinn (AR)

وَّاَنَّا مِنَّا الصّٰلِحُوْنَ وَمِنَّا دُوْنَ ذٰلِكَ۝۰ۭ كُنَّا طَرَاۗىِٕقَ قِدَدًا۝۱۱ۙ
Waanna minna alssalihoona waminna doona thalika kunna taraiqa qidadan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأنا منا الصالحون» بعد استماع القرآن «ومنا دون ذلك» أي قوم غير صالحين «كنا طرائق قددا» فرقا مختلفين مسلمين وكافرين.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : أي منا الصالحون المتقون أي ومنا قوم دون ذلك فحذف الموصوف كقوله: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] ثم المراد بالذين هم دون الصالحين من؟ فيه قولان: الأول: أنهم المقتصدون الذين يكونون في الصلاح غير كاملين والثاني: أن المراد من لا يكون كاملاً في الصلاح، فيدخل فيه المقتصدون والكافرون، والقدة من قدد، كالقطعة من قطع. ووصفت الطرائق بالقدد لدلالتها على معنى التقطع والتفرق، وفي تفسير الآية وجوه أحدها: المراد كنا ذوي طرائق قدداً أي ذوي مذاهب مختلفة. قال السدي: الجن أمثالكم، فيهم مرجئة وقدرية وروافض وخوارج وثانيها: كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة وثالثها: كانت طرائقنا طرائق قدداً على حذف المضاف الذي هو الطرائق، وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه. النوع الحادي عشر: قوله تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} هذا من قول الجنّ، أي قال بعضهم لبعض لما دَعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنا كنا قبل ٱستماع القرآن منّا الصالحون ومنّا الكافرون. وقيل: «وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ» أي ومن دون الصالحين في الصلاح، وهو أشبه من حمله على الإيمان والشرك. {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} أي فِرقاً شتّى؛ قاله السُّديّ. الضحاك: أدياناً مختلفة. قتادة: أهواءً متباينة؛ ومنه قول الشاعر: شعر : القَابِضُ الباسِطُ الْهادِي بِطاعتِهِ في فِتْنَةِ الناسِ إِذْ أَهْوَاؤُهُمْ قِدَدُ تفسير : والمعنى: أي لم يكن كل الجنّ كفاراً بل كانوا مختلفين: منهم كفّار، ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء. وقال المسيّب: كنا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس. وقال السّدّي في قوله تعالى: {طَرَآئِقَ قِدَداً} قال: في الجنّ مثَلكم قَدَرية، ومُرْجئة، وخوارج، ورافضة، وشيعة، وسُنّية. وقال قوم: أي وإِنا بعد ٱستماع القرآن مختلفون: منّا المؤمنون ومنّا الكافرون. أي ومنّا الصالحون، ومنّا مؤمنون لم يتناهوا في الصلاح. والأوّل أحسن؛ لأنه كان في الجنّ من آمن بموسى وعيسى، وقد أخبر الله عنهم أنهم قالوا: { أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } تفسير : [الأحقاف: 30] وهذا يدلّ على إيمان قوم منهم بالتوراة، وكان هذا مبالغة منهم في دعاء من دعوهم إلى الإيمان. وأيضاً لا فائدة في قولهم: نحن الآن منقسمون إلى مؤمن وإلى كافر. والطرائق: جمع الطريقة وهي مذهب الرجل، أي كنا فرقاً مختلفة. ويقال: القوم طرائق أي على مذاهب شتّى. والقِدد: نحوٌ من الطرائق وهو توكيد لها، واحدها: قِدّة. يقال: لكل طريق قِدّة، وأصلها من قَدّ السيور، وهو قطعها؛ قال لبيد يرثي أخاه أَرْبَد: شعر : لم تَبْلُغِ العينُ كلَّ نَهْمَتِها ليلةَ تُمْسِي الجِيادُ كالقِددِ تفسير : وقال آخر: شعر : ولَقَدْ قُلْتُ وزَيدٌ حاسِرٌ يومَ وَلَّتْ خيلُ عَمْرو قِدَدَا تفسير : والقِدّ بالكسر: سير يُقَدّ من جلد غير مدبوغ؛ ويقال: ماله قِدٌّ ولا قِحْف؛ فالقِدُّ: إناء من جلد، والقِحف: من خشب. قوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ} الظنّ هنا بمعنى العلم واليقين، وهو خلاف الظنّ في قوله تعالى: { أية : وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ } تفسير : [الجن: 5]، { أية : وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } تفسير : [الجن: 7] أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات الله: أنَّا في قبضته وسلطانه، لن نفوته بهرب ولا غيره. و{هَرَباً} مصدر في موضع الحال أي هاربين.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الجن: أنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} أي: غير ذلك {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} أي: طرائق متعددة مختلفة، وآراء متفرقة، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} أي: منّا المؤمن، ومنا الكافر. وقال أحمد بن سليمان النجاد في أماليه: حدثنا أسلم بن سهل بحشل، حدثنا علي بن الحسن بن سليمان، وهو أبو الشعثاء الحضرمي شيخ مسلم، حدثنا أبو معاوية قال: سمعت الأعمش يقول: تروح إلينا جني، فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال: الأرز، قال: فأتيناهم به، فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحداً، فقلت: فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم، فقلت: فما الرافضة فيكم؟ قال: شرنا. عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزِّي فقال: هذا إسناد صحيح إلى الأعمش. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن أحمد الدمشقي قال: سمعت بعض الجن وأنا في منزل لي بالليل ينشد:شعر : قُلوبٌ بَراها الحُبُّ حَتَّى تَعَلَّقَتْ مَذاهِبُها في كُل غَرْبٍ وشارِقِ تَهيمُ بِحُب اللّهِ واللّهُ رَبُّها مُعَلَّقَةً بِاللّهِ دُونَ الخَلائِقِ تفسير : وقوله تعالى: { وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِى ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} أي: نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا، وأنا لا نعجزه في الأرض، ولو أمعنّا في الهرب، فإنه علينا قادر، لا يعجزه أحد منّا، {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ ءَامَنَّا بِهِ} يفتخرون بذلك، وهو مفخر لهم وشرف رفيع وصفة حسنة، وقولهم: {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: فلا يخاف أن ينقص من حسناته، أو يحمل عليه غير سيئاته؛ كما قال تعالى: {أية : فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً} تفسير : [طه: 112] {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ} أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو الجائر عن الحق، الناكب عنه، بخلاف المقسط؛ فإنه العادل، {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} أي: طلبوا لأنفسهم النجاة، { وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} أي: وقوداً تسعر بهم. وقوله تعالى: { وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّآءً غَدَقاً لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين: [أحدهما] وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام، وعدلوا إليها، واستمروا عليها، {لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّآءً غَدَقاً} أي: كثيراً، والمراد بذلك سعة الرزق، كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} تفسير : [المائدة: 66] وكقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96] وعلى هذا يكون معنى قوله: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي: لنختبرهم، كما قال مالك عن زيد بن أسلم: لنفتنهم: لنبتليهم من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية. [ذكر من قال بهذا القول] قال العوفي عن ابن عباس: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ} يعني بالاستقامة: الطاعة، وقال مجاهد: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} قال: الإسلام. وكذا قال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء والسدي ومحمد بن كعب القرظي، وقال قتادة: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ} يقول: لو آمنوا كلهم، لأوسعنا عليهم من الدنيا. وقال مجاهد: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} أي: طريقة الحق، وكذا قال الضحاك، واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي: لنبتليهم به. وقال مقاتل: نزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين. [والقول الثاني] {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ}: الضلال {لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّآءً غَدَقاً} أي: لأوسعنا عليهم الرزق استدراجاً؛ كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 44] وكقوله: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 55 ــــ 56] وهذا قول أبي مجلز لاحق بن حميد، فإنه قال في قوله تعالى: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} أي: طريقة الضلالة، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وحكاه البغوي عن الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان، وله اتجاه، ويتأيّد بقوله: لنفتنهم فيه. وقوله: {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} أي: عذاباً مشقاً شديداً موجعاً مؤلماً، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن زيد: {عَذَاباً صَعَداً} أي: مشقة لا راحة معها، وعن ابن عباس: جبل في جهنم، وعن سعيد بن جبير: بئر فيها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ } بعد استماع القرآن {وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ } أي قوم غير صالحين {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً } فرقاً مختلفين مسلمين وكافرين.

الماوردي

تفسير : {وأنّا مِنّا الصّالحونَ} يعني المؤمنين. {ومنّا دون ذلك} يعني المشركين. ويحتمل أن يريد بالصالحين أهل الخير، وبـ " دون ذلك" أهل الشر ومن بين الطرفين على تدريج، وهو أشبه في حمله على الإيمان والشرك لأنه إخبار منهم عن تقدم حالهم قبل إيمانهم. {كُنّا طَرائقِ قِدَداً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني فِرقاً شتى، قاله السدي. الثاني: أدياناً مختلفة، قاله الضحاك. الثالث: أهواء متباينة، ومنه قول الراعي: شعر : القابض الباسط الهادي بطاعته في فتنة الناس إذ أهواؤهم قِدَدُ تفسير : {وأنّا لّما سَمِعْنا الهُدَى آمَنّا به} يعني القرآن سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به وصدقوه على رسالته، وقد كان رسول الله مبعوثاً إلى الجن والإنس. قال الحسن: بعث اللَّه محمداً إلى الإنس والجن ولم يبعث الله تعالى رسولاً من الجن ولا من أهل البادية ولا من النساء، وذلك قوله تعالى: {وما أرسَلْنا مِن قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى}. {فمن يؤمن بربّه فلا يخافُ بخساً ولا رَهقاً} قال ابن عباس: لا يخاف نقصاً في حسناته، ولا زيادة في سيئاته، لأن البخس النقصان، والرهق: العدوان، وهذا قول حكاه الله عن الجن لقوة إيمانهم وصحة إسلامهم، وقد روى عمار بن عبد الرحمن عن محمد بن كعب قال: بينما عمر بن الخطاب جالساً ذات يوم إذ مرّ به رجل، فقيل له: أتعرف المارّ يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن هو؟ قالوا: سواد بن قارب رجل من أهل اليمن له شرف، وكان له رئيّ من الجن، فأرسل إليه عمر فقال له: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وأنت الذي أتاك رئيّ من الجن يظهر لك؟ قال: نعم بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني رئي من الجن فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالي واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: شعر : عجبْتُ للجنّ وتطلابها وشدِّها العِيسَ بأذْنابها. تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى ما صادقُ الجن ككذّابها. فارْحَلْ إلى الصفوةِ من هاشمٍ فليس قد أتاها كاذباً بها. تفسير : فقلت دعني أنام فإني أمسيت ناعساً، ولم أرفع بما قاله رأساً، فلما كان الليلة الثانية أتاني فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى اللَّه وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: شعر : عجبْتُ للجنّ وتخيارها وشدِّها العيس بأكوارها. تهوي إلى مكة تبغي الهدي ما مؤمن الجن ككفّارِها فارحلْ إلى الصفوةِ من هاشمٍ ما بين رابيها وأحجارها. تفسير : فقلت له دعني فإني أمسيت ناعساً، ولم أرفع بما قال رأساً، فلما كان الليلة الثالثة أتاني وضربني برجله، وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: شعر : عجبت للجن وتحساسها وشدِّها العيسَ بأحْلاسها. تهوي إلى مكة تبغي الهُدي ما خَيِّرُ الجنّ كأنجاسها. فارحلْ إلى الصفوة من هاشم واسم بيديْك إلى رأسها. تفسير : قال: فأصبحت قد امتحن الله قلبي بالإسلام، فرحلتُ ناقتي فأتيت المدينة، فإذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقلت اسمع مقالتي يا رسول اللَّه، قال: هات، فأنشأت أقول: شعر : أتاني نجيّ بين هدءٍ ورقْدةٍ ولم يك فيما قد تلوْتُ بكاذبِ ثلاث ليال قوله كل ليلةٍ أتاك رسولٌ من لؤيّ بن غالب فشمّرتُ من ذيلي الإزار ووسطت بي الذملُ الوجنــاء بين السباسِب فــأشهَدُ أن اللَّه لا شيءَ غيرهُ وأنك مأمولٌ على كل غالبِ. وأنك أدني المرسلين وسيلةً إلى اللَّه يا بن الأكرمين الأطايب. فمُرنْا بما يأتيك يا خيرَ من مشى وإن كانَ فيما جاءَ شيبُ الذوائب. وكن لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ سِواك بمغنٍ عن سوادِ بن قارب. تفسير : ففرح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه فرحاً شديداً، حتى رئي الفرح في وجوههم، قال: فوثب عمر فالتزمه وقال: قد كنت أشتهي أن أسمع منك هذا الحديث، فهل يأتيك رئيك من الجن اليوم؟ قال: [أما] وقد قرأت القرآن فلا، ونعم العوض كتاب اللَّه عن الجن. {وأنّا مِنّا المسْلِمونَ ومِنّا القاسِطونَ} وهذا إخبار عن قول الجن بحال من فيهم من مؤمن وكافر، والقاسط: الجائر، لأنه عادل عن الحق، ونظيره الترِب والمُتْرِب، فالترِب الفقير، لأن ذهاب ماله أقعده على التراب، والمترب الغني لأن كثرة ماله قد صار كالتراب. وفي المراد بالقاسطين ثلاثة أوجه: أحدها: الخاسرون، قاله قتادة. الثاني: الفاجرون، قاله ابن زيد. الثالث: الناكثون، قاله الضحاك. {وأن لو استقاموا على الطريقة} ذكر ابن بحر أن كل ما في هذه السورة من " إن " المكسورة المثقلة فهو حكاية لقول الجن الذين استمعوا القرآن فرجعوا إلى قومهم منذرين، وكل ما فيها من " أن " المفتوحة المخففة أو المثقلة فهو من وحي الرسول. وفي هذه الاستقامة قولان: أحدهما: أنها الإقامة على طريق الكفر والضلالة، قاله محمد بن كعب وأبو مجلز وغيرهما. الثاني: الاستقامة على الهدى والطاعة، قاله ابن عباس والسدي وقتادة ومجاهد فمن ذهب إلى أن المراد الإقامة على الكفر والضلال فلهم في قوله {لأَسْقَيْناهم ماءً غَدَقاً} وجهان: أحدهما: بلوناهم بكثرة الماء الغدق حتى يهلكوا كما هلك قوم نوح بالغرق، وهذا قول محمد بن كعب. الثاني: لأسقيناهم ماء غدق ينبت به زرعهم ويكثر مالهم. {لِنَفْتِنَهم فيه} فيكون زيادة في البلوى، حكى السدي عن عمر في قوله " لأسقيناهم ماء غدقاً" أنه قال: حيثما كان الماء كان المال، وحيثما كان المال كانت الفتنة، فاحتملت الفتنة ها هنا وجهين: أحدهما: افتننان أنفسهم. الثاني: وقوع الفتنة والشر من أجله. وأما من ذهب إلى أن المراد الاستقامة على الهدى والطاعة فلهم في تأويل قوله " لأسقيناهم ماءً غدقاً" أربعة أوجه: أحدها: معناه لهديناهم الصراط المستقيم، قاله ابن عباس. الثاني: لأوسعنا عليهم في الدنيا، قاله قتادة. الثالث: لأعطيناهم عيشاً رغداً، قاله أبو العالية. الرابع: أنه المال الواسع، لما فيه من النعم عليهم بحياة النفوس وخصب الزروع، قاله أبو مالك والضحاك وابن زيد. وفي الغدق وجهان: أحدهما: أنه العذب المعين، قاله ابن عباس، قاله أمية بن أبي الصلت: شعر : مِزاجُها سلسبيلٌ ماؤها غَدَقٌ عَذْبُ المذاقةِ لا مِلْحٌ ولا كدرٌ تفسير : الثاني: أنه الواسع الكثير، قاله مجاهد، ومنه قول كثير: شعر : وهبتُ لسُعْدَى ماءه ونباته فما كل ذي وُدٍّ لمن وَدَّ واهبُ. لتروى به سُعدى ويروى محلّها وتغْدقَ أعداد به ومشارب تفسير : فعلى هذا فيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار عن حالهم في الدنيا. الثاني: أنه إخبار عن حالهم في الآخرة لنفتنهم فيه. فإن قيل إن هذا وارد في أهل الكفر والضلال كان في تأويله ثلاثة أوجه: أحدها: افتتان أنفسهم بزينة الدنيا. الثاني: وقوع الفتنة والاختلاف بينهم بكثرة المال. الثالث: وقوع العذاب بهم كما قال تعالى: "أية : يوم هم على النار يُفْتًنون" تفسير : [الذاريات: 13] أي يعذبون. وإن قيل إنه وارد في أهل الهدى والطاعة فهو على ما قدمنا من الوجهين. وهل هو اختبارهم في الدنيا ففي تأويله ثلاثة أوجه: أحدها: لنختبرهم به،قاله ابن زيد. الثاني: لنطهرهم من دنس الكفر. الثالث: لنخرجهم به من الشدة والجدب إلى السعة والخصب. فإن قيل إنه إخبار عمّا لهم في الآخرة ففي تأويله وجهان: أحدهما: لنخلصهم وننجيهم، مأخوذ من فَتَن الذهب إذا خلّصه مِن غشه بالنار كما قال تعالى لموسى عليه السلام: {أية : وفَتَنّاك فُتوناً} تفسير : [طه:40] أي خلصناك من فرعون. الثاني: معناه لنصرفنهم عن النار، كما قال تعالى {أية : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أَوْحَينْا إليك لتفْتري علينا غيره} تفسير : [الإسراء:73] أي ليصرفونك {ومَنْ يُعْرِضْ عن ذِكْرِ ربِّه} قال ابن زيد: يعني القرآن وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما: عن القبول، إن قيل إنها من أهل الكفر. الثاني: عن العمل، إن قيل إنها من المؤمنين. {يَسْلُكْهُ عذاباً صَعَداً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جب في النار، قاله أبو سعيد. الثاني: جبل في النار إذا وضع يده عليه ذابت، وإذا رفعها عادت، وهو مأثور، وهذان الوجهان من عذاب أهل الضلال. والوجه الثالث: أنه مشقة من العذاب يتصعد، قاله مجاهد.

ابن عطية

تفسير : وقولهم {ومنا دون ذلك}، أي غير الصالحين كأنه قال: ومنا قوم أو فرقة دون صالحين، وهي لفظة تقع أحياناً موقع غير. والطرائق: السير المختلفة، والقدد كذلك هي الأشياء المخالفة، كأنه قد قدّ بعضها من بعض وفصل. قال ابن عباس وعكرمة وقتادة: {طرائق قدداً} أهواء مختلفة. قال غيره فرق مختلفون. قال الكميت: [البسيط] شعر : جمعت بالرأي منهم كل رافضة إذ هم طرائق في أهوائهم قدد تفسير : وقولهم {وأنّا ظننا أن لن نعجز} الظن هنا بمعنى العلم. وهذا إخبار منهم عن حالهم بعد إيمانهم بما سمعوا من محمد صلى الله عليه وسلم، و {الهدى}، يريد القرآن، سموه هدى من حيث هو سبب الهدى، والبخس: النقص، والرهق: تحميل ما لا يطاق وما يثقل من الأنكاد ويقرح. قال ابن عباس: البخس: نقص الحسنات، والرهق: الزيادة في السيئات. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب "فلا يخف" بالجزم دون ألف، وقسم الله تعالى بعد ذلك حال الناس في الآخرة على نحو ما قسم قائل الجن، فقوله: {وأنّا منا المسلمون ومنا القاسطون} والقاسط: الظالم، قاله مجاهد وقتادة والناس، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : قوم همُ قتلوا ابن هند عنوة عمراً وهم قسطوا على النعمان تفسير : والمقسط: العادل، وإنما هذا التقسيم ليذكر حال الطريقين من النجاة والهلكة، ويرغب في الإسلام من لم يدخل فيه، فالوجه أن يكون {فمن أسلم}، مخاطبة من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات، و {تحروا}: معناه طلبوا باجتهادهم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ". تفسير : وقوله تعالى: {لجهنم حطباً} نظير قوله تعالى: {أية : وقودها الناس والحجارة} تفسير : [البقرة: 24، التحريم: 6].

ابن عبد السلام

تفسير : {الصَّالِحُونَ} المؤمنون {دُونَ ذَلِكَ} المشركون {طَرَآئِقَ قِدَداً} فرقاً شتى أو أدياناً مختلفة أو أهواء متباينة.

الثعالبي

تفسير : وقولهم: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّـٰلِحُونَ} إلى آخرِ قولهم: {وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ} هُوَ من قولِ الجِنّ، وقولهم: {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} أي: غَيْرُ صالحين، * ص *: {دُونَ ذَلِكَ} قِيل: بمعنى غَيْرُ ذلك، وقيلَ: دُونَ ذلكَ في الصلاحِ، فـــ«دون» في موضِع الصِّفَةِ لمحذوفٍ، أي: ومنَّا قومٌ دونَ ذلك، انتهى، والطرائقُ: السِّيَرُ المختلفَة، والقِدَدُ كذلكَ هي الأشْياء المختلفة كأنه قَدْ قُدَّ بعضُها من بعضٍ وفُصِلَ، قال ابن عباس وغيره: {طَرَائِقَ قِدَداً} أهواء مختلفةً. وقولهم: {وَأَنَّا ظَنَنَّا} أي: تَيَقَّنَّا، فالظِّنّ هنا بمعنى الْعِلْمِ {أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِى ٱلأَرْضِ...} الآية، وهذا إخبارٌ منهم عَنْ حَالِهِمْ بَعْدِ إيمانِهم بما سمعوا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، و{ٱلْهُدَىٰ} يريدونَ به القرآنَ، والبَخْسُ النَّقْصُ، والرَّهَقُ تَحْمِيلُ مَا لاَ يطاقُ، وما يَثْقُل، قال ابن عباس: البَخْسُ نَقْصُ الحسناتِ، والرَّهَقُ الزيادةُ في السيئات. وقوله تعالى: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} الوجْهُ فيه أنْ يكونَ مخاطَبَةً من اللَّه تعالى لنبيه محمد ـــ عليه السلام ـــ ويُؤيِّدُه ما بَعْدَه من الآياتِ، و{تَحَرَّوْاْ} معناه: طَلَبُوا باجتهادهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك‏}‏ يقول‏:‏ منا المسلم ومنا المشرك ‏ {‏كنا طرائق قددا‏ً}‏ قال‏:‏ أهواء شتى‏. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى‏:‏ {‏طرائق قددا‏ً} ‏ قال‏:‏ المنقطعة في كل وجه‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت الشاعر وهو يقول‏: شعر : ولقد قلت وزيد حاسر يوم ولت خيل زيد قدداً تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏كنا طرائق قددا‏ً}‏ قال‏:‏ أهواء مختلفة‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏كنا طرائق قددا‏ً} ‏ قال‏:‏ مسلمين وكافرين‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏كنا طرائق قددا‏ً}‏ يعني الجن هم مثلكم قدرية ومرجئة ورافضة وشيعة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض‏} ‏ الآية، قالوا‏:‏ لن نمتنع منه في الأرض ولا هربا‏ً.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فلا يخاف بخساً ولا رهقا‏ً}‏ قال‏:‏ لا يخاف نقصاً من حسناته ‏{‏ولا رهقا‏ً} ‏ ولا أن يحمل عليه ذنب غيره‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ومنا القاسطون‏}‏ قال‏:‏ العادلون عن الحق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ {‏ومنا القاسطون‏}‏ قال‏:‏ هم الظالمون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ومنا القاسطون‏}‏ قال‏:‏ هم الجائرون، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا‏ً} ‏ قال‏:‏ لو آمنوا كلهم ‏{‏لأسقيناهم‏} ‏ لأوسعنا لهم من الدنيا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة‏} ‏ قال‏:‏ أقاموا ما أمروا به ‏{‏لأسقيناهم ماء غدقا‏ً}‏ قال‏:‏ معيناً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم‏} ‏ الآية، قال‏:‏ يقول لو استقاموا على طاعة الله وما أمروا به لأكثر الله لهم من الأموال حتى يغتنوا بها، ثم يقول الحسن‏:‏ والله إن كان أصحاب محمد لكذلك، كانوا سامعين لله مطيعين له، فتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر، فتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة‏} ‏ قال‏:‏ طريقة الإِسلام ‏{‏لأسقيناهم ماء غدقاً‏} ‏ قال‏:‏ لأعطيناهم مالاً كثيرا‏ً.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏ {‏ماء غدقا‏ً} ‏ قال‏:‏ كثيراً جارياً‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت الشاعر يقول‏:‏ شعر : تدني كراديس ملتفاً حدائقها كالنبت جادت به أنهارها غدقاً تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السري قال‏:‏ قال عمر ‏ {‏‏وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا‏ً}‏ قال‏:‏ لأعطيناهم مالاً كثيرا‏ً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ‏ {‏لأسقيناهم ماء غدقا‏ً} ‏ قال‏:‏ كثيراً، والماء المال‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله‏:‏ ‏{‏ماء غدقاً} ‏ قال‏:‏ عيشاً رغدا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لنفتنهم فيه‏} ‏ قال‏:‏ لنبتليهم به‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعدا‏ً} ‏ قال‏:‏ مشقة من العذاب يصعد فيها‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏لنفتنهم فيه‏}‏ قال‏:‏ لنبتليهم حتى يرجعوا إلى ما كتب عليهم وفي قوله‏:‏ ‏ {‏عذاباً صعداً‏} قال‏:‏ مشقة من العذاب‏.‏ وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏يسلكه عذاباً صعدا‏ً}‏ قال‏:‏ جبلاً في جهنم‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏عذاباً صعدا‏ً} ‏ قال‏:‏ صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏عذاباً صعدا‏ً} ‏ قال‏:‏ صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه‏.‏ وأخرج هناد عن مجاهد وعكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏عذاباً صعدا‏ً} ‏ قال‏:‏ مشقة من العذاب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏"‏يسلكه‏"‏ بالياء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وأن المساجد لله‏} ‏ قال‏:‏ لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا بيت المقدس‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال‏:‏ قالت الجن‏:‏ يا رسول الله ائذن لنا فنشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله ‏ {‏وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا‏ً}‏ يقول‏:‏ صلوا لا تخالطوا الناس‏. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال‏:‏ قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناؤون عنك‏؟‏ أو كيف نشهد الصلاة ونحن ناؤون عنك‏؟‏ فنزلت ‏{‏وأن المساجد لله‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏وأن المساجد لله‏}‏ الآية، قال‏:‏ إن اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بربهم، فأمرهم أن يوحدوه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا‏ً} ‏ قال‏:‏ كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخلص الدعوة لله إذا دخل المسجد‏.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانا منا الصالحون} اى الموصوفون بصلاح الحال فى شأن أنفسهم وفى معاملتهم مع غيرهم او ما يكون الى الخير والصلاح حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا الى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة والقصر ادعائى كأنهم لم يعتدوا بصلاح غير ذلك البعض فالصالحون مبتدأ وما خبره المقدم والجملة خبر ان ويجوز أن يكون الصالحون فاعل الجاروالمجرور الجارى مجرى الظرف لاعتماده على المبتدأ {ومنا دون ذلك} اى قوم دون ذلك فى الصلاح فحذف الموصوف لانه يجوز حذف هذا الموصوف فى التفصيل بمن حتى قالوا منا ظعن ومنا اقام يريدون منا فريق ظعن ومنا فريق أقام ودون ظرف وهم المقتصدون فى صلاح الحال على الوجه المذكور غير الكاملين فيه لا فى الايمان والتقوى كما توهم فان هذا بيان لحالهم قبل استماع القرءآن كمايعرب به عنه قوله تعالى {كنا طرآئق قددا} واما حالهم بعد استماعه فسيحكى بقوله وانا لما سمعنا الهدى الى قوله وانا منا المسلمون اى كنا قبل هذا طرآئق فى اختلاف الاحوال فهو بيان للقسمة المذكورة وقدر المضاف لامتناع كون الذوات طرآئق قالوا فى الجن قدرية ومرجئة وخوارج وروافض وشيعية وسنية قال فى المفردات جمع الطريق طرق وجمع الطرق طرآئق والظاهر أن الطرآئق جمع طريقة كقصائد جمع قصيدة ثم قال وقوله تعالى كنا طرآئق قددا اشارة الى اختلافهم فى درجاته كقوله هم درجات والطريق الذى يطرق بالارجل اى يضرب ومنه استعير كل مسلك يسلكه الانسان فى فعل محمودا كان او مذموما وقيل طرقة من النخل تشبيها بالطريق فى الامتداد والقد قطع الشئ طولا والقد المقدود ومنه قيل لقامة الانسان قد كقولك تقطيعه والقدرة كالقطعة يعنى انها من القد كالقطعة من القطع وصفت الطرآئق بالقدد دلالتها على معنى التقطع والتفرق وفى القاموس القدة الفرقة من الناس هوى كل واحد على حدة ومنه كنا طرآئق قددا اى فرقا مختلفة اهوآؤها وقد تعددوا قال القاشانى وانا منا الصالحون كالقوى المدبرة لنظام المعاش وصلاح البدن ومنادون ذلك من المفسدات كالوهم والغضب والشهوة والمعاملة بمقتضى هوى النفس والمتوسطات كالقوى النباتية الطبيعية كنا ذوى مذاهب مختلفة لكل طريق ووجهة مما عينه الله ووكله به قال بعض المفسرين المراد بالصالحين السابقون بالخيرات وبما دون ذلك اى أدنى مكان منهم المقتصدون الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا واما الظالمون لانفسهم فمندرج فى قوله تعالى {كنا طرآئق قددا} فيكون تعميما بعد تخصيص على الاستئناف ويحتمل أن يكون دون بمعنى غير فيندرج القسمان الاخيران فيه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله، في مقالة الجن: {وأنَّا منا الصالحون} أي: الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، {ومنا دونَ ذلك} أي: ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يُعرب عنه قوله تعالى: {كنا طرائِقَ قِدداً} أي: مذاهب متفرقة، وأدياناً مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى: {وأنا لَمَّا سمعنا الهدى...} الخ، أي: كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي: مذاهب {قِدَداً} أي: متفرقة مختلفة، جمع قِدّة، من: قَدَّ إذا شقّ، كقِطعة من قطع. قاله أبو السعود. وقال الثعلبي: {وأنَّا منا الصالحون} السبعة الذين استمعوا القرآن، {ومنا دون ذلك} دون الصالحين، {كنا طرائق قددا} أهواء مختلفة، وفِرقاً شتى، كأهواء الإنس، قيل: وقوله: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك}، يعنون بعد استماع القرآن، أي: منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، وقيل: معناه: مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب: كانوا مسلمين ويهوداً ونصارى، وقال السدي: {طرائق قددا} قال: في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. هـ. والحاصل: أن "دون" صفة لمحذوف، وهي إمّا أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى "غير" فيكون المعنى: منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة؛ نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر: أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله: {وأنَّا لمَّا سمعنا الهُدى...} الخ. {وأنَّا ظننا} أي: تيقَّنَّا {أن لن نُّعْجِزَ اللهَ} أي: أن الشأن لن نفوت الله ونسبقه، و {في الأرض}: حال، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، {ولن نُّعجِزَه هَرَباً}: مصدر في موضع الحال، هاربين منها إلى السماء، أي: فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا، لا في أرضه ولا في سمائه. {وأنَّا لمَّا سمعنا الهُدى}؛ القرآن {آمنا به}؛ بالقرآن، أو بالله تعالى، {فمَن يؤمن بربه فلا يخافُ} أي: فهو لا يخاف {بَخْساً}؛ نقصاً {ولا رَهَقَا} أي: ولا ترهقه ذلة، كقوله: {أية : وَلآ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلآ ذِلَّةُ } تفسير : [يونس:26]، وفيه دليل على أنَّ العمل ليس من الإيمان، وأنَّ المؤمن لا يخلد في النار. {وأنَّا منا المسلمون}؛ المؤمنون، {ومنّا القاسِطون}؛ الجائرون عن طريق الحق، الذي هو الإيمان والطاعة، وهم الكفرة {فمَن أسلم فأولئك تَحَروا رَشَداً}؛ طلبوا هدى. والتحرّي: طلب الأحرى، أي الأَولى، وجمع الإشارة باعتبار معنى "مَن"، {وأمَّا القاسطون}؛ الحائدون عن الإسلام، {فكانوا} في علم الله {لِجهنم حَطَباً}؛ وقوداً، وفيه دليل على أنَّ الجنِّي الكافر يُعذّب في النار وإن كان منها، والله أعلم بكيفية عذابه، وقد تقدّم أنّ المشهور أنهم يُثابون على طاعتهم بالجنة، قال ابن عطية: في قوله تعالى: {فمَن أسلم..} الخ، الوجه فيه: أن تكون مخاطبة مِن الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات. هـ. {وأن لو استقاموا} أي: القاسطون {على الطريقة}؛ طريقة الإسلام {لأسْقيناهم} المطر {ماءً غَدَقاً} أي: كثيراً، والمعنى: لوسّعنا عليهم الرزق. وذكر الماء الغَدَق؛ لأنه سبب سعة الرزق، {لِنفتنَهم فيه}؛ لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خُوِّلوا منه. وفي الحديث القدسي يقول الله عزّ وجل: " حديث : لَوْ أنَّ عِبادِي أطاعوني لأسْقَيتُهم المطرَ باللَّيْل، وأَطْلَعتُ عليهمُ الشمس بالنهار، ولم أًسمِعهم صوت الرعد " تفسير : ، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أّنَّ أّهْلَ ٱلْقُرَى ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف:96]، وقيل: المعنى: وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماءً غدقاً، استدراجاً، {لِنفتنَهم فيه} فإذا لم يشكروا أهلكناهم، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَلَوْلآ أّن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةَ وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا...} تفسير : [الزخرف:33] الخ. والأول أظهر، بدليل قوله: {ومَن يُعرض عن ذكر ربه}؛ القرآن أو التوحيد أو العبادة، {نسلكه}؛ ندخله, أو يدخله الله {عذاباً صعداً}؛ شاقًّا صعباً، يعلو المعذّب ويغلبه ويصعد عليه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصَعَّدني شيءٌ ما تصعّدتني خِطبة النكاح، أي: ما شقَّ عليّ. وهو مصدر وصف به، مبالغة، فعلى قول ابن عطية أنَّ قوله تعالى: {فمَن أسلم} من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام، فيكون قوله: {وأن لو استقاموا} من تتمة الخطاب، فلا تقدير، وإذا قلنا: هو من قول الجن، فالتقدير: وأوحي إليَّ أن لو استقاموا... الخ. الإشارة: تقدّم أنَّ الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلاّ أنَّ معرفة الآدمي أكمل؛ لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلاّ من الإنس؛ لشرفهم. قوله تعالى: {وأنا ظننا ألن نُعجز اللهَ في الأرض...} الخ، أي: تيقَّنا ألاّ مهرب منه، فرجعنا إليه اختباراً، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، {وأنَّا لمّا سمعنا الهُدى آمنا} أي: أجبنا الداعي بلا تلَعْثم ولا تردد، وكذا في كل داعٍ بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابِقو الجن ومقربوهم، فمَن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصاً ولا ذُلاًّ، بل كمالاً وعِزًّا، من أي فريق كان، وأنّا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمَن استسلم ورَضِي فقد تحرّى رشداً، ومَن قنط وسخط كان لجهنم حطباً، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار؛ لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماءً غدقاً، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعّمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري: الاستقامة تقتضي إكمالَ النعمةِ, وإكساب الراحة، والإعراضُ عن الله يُجب تَنَقُّصَ النعمة ودوام العقوبة. هـ. وقوله: {لِنفتنهم}؛ لنختبرهم، مَن يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فيُنكر، فيُسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم. ومن جملة ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة ويعقوب وسهل {يسلكه} بالياء بمعنى يسلكه الله. الباقون بالنون على وجه الاخبار منه تعالى عن نفسه بنون العظمة. وقرأ ابو جعفر وعاصم وحمزة {قل إنما أدعوا ربي} بلفظ الامر. الباقون {قال} على فعل ماض. وقرأ هشام بن عماد عن ابن عامر {لبداً} بضم اللام. الباقون بكسر اللام. واللبد واللبد بمعنى واحد، وجمع اللبدة لبد، مثل ظلمة وظلم. ويقال: لا بد ولبد، مثل رَاكع وركِع. يقول الله تعالى في تمام الحكاية عما قالته الجن الذين آمنوا عند سماع القرآن فانهم قالوا {وإنا منا الصالحون} وهم الذين عملوا الصالحات وسمي صالحاً، لأنه عمل ما يصلح به حاله في دينه. وأما المصلح فهو فاعل الصلاح الذي يقوم به أمر من الأمور، ولهذا وصف تعالى بأنه مصلح، ولم يجز وصفه بأنه صالح. والصلاح يتعاظم استحقاق المدح عليه والثواب كما يختلف استحقاق الشكر بالنعم، ففي النعم ما يستحق به العبادة وفيها ما لا يستحق به ذلك وإن استحق به الشكر، فلذلك قال {ومنادون ذلك} والمعنى ان منا الصالحين في مراتب عالية ومنادون ذلك في الرتبة. وقوله {كنا طرائق قدداً} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني على مذاهب مختلفة: مسلم، وكافر، وصالح، ودون الصالح. والطرائق جمع طريقة وهي الجهة المستمرة مرتبة بعد مرتبة. والمعنى فيها إنا كنا في طرق مختلفة. والقدد جمع قدة. وهي المستمرة بالقد في جهة واحدة. والقدد مضمن بجعل جاعل، وهو القادّ، وليس كذلك الطريقة في تضمن الصفة، وإنما هي كالمذهب الذي يمكن فيه على استمرار الى حيث انتهى اليه. والمعنى إنا كنا على طرائق متباينة كل فرقة يتباين صاحبها كما بين المقدود بعضه من بعض. وقوله {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض} فالظن - ها هنا - بمعنى العلم والمعنى اعترافهم بأن علموا أنه لا يفوت الله شيء يذهب في الارض، ولا إذا هرب منه بسائر ضروب الهرب، واعترفوا ايضاً فقالوا {وإنا لما سمعنا الهدى} يعنون القرآن الذي فيه هدى كل حي {آمنا به} أي صدقناه. ثم قالوا {فمن يؤمن بربه} أي من يصدق بتوحيد الله وعرفه على صفاته {فلا يخاف بخساً} أي نقصاناً فيما يستحقه من الثواب {ولا رهقاً} أي ولا يخاف ظلماً، فالرهق لحاق السرف فى الامر، وكأنه قال لا يخاف نقصاً قليلا ولا كثيراً، وذلك أن اجره وثوابه موفر على أتم ما يكون فيه. وقال ابن عباس: معناه لا يخاف نقصاً من حسناته ولا زيادة فى سيئاته، وهو قول الحسن وقتادة وابن زيد، والتقدير فمن يؤمن بربه فانه لا يخاف ثم قالوا ايضاً {وإنا منا المسلمون} يعني الذين استسلموا لما أمرهم الله به، وانقادوا له {ومنا القاسطون} يعني الجائرون عن طريق الحق. والقاسط الجائر عن طريق الحق {فمن أسلم} أي استسلم لأمر الله {فأولئك تحروا رشداً} أي طلبوا الهدى إلى الحق، {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً} أي استحقوا بذلك أن يكونوا وقود النار يوم القيامة يحرقون بها. وقوله {وأن لو استقاموا على الطريقة} اخبار من الله تعالى عن نفسه. وقيل (ان) يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، فيكون محمولا على الوحي، فكانه قال {أوحي إلي أن لو استقاموا} وفصل لو بينها وبين الفعل، كما فصل (السين) و (لا) فى قوله {أية : علم أن سيكون منكم مرضى}تفسير : قوله {أية : أن لا يرجع إليهم}تفسير : ويحتمل أن تكون (لو) بمنزلة اللام في قوله {أية : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم} تفسير : فيسقط مرة ويلحق أخرى، لان (لو) بمنزلة فعل الشرط، فكما لحقت اللام زائدة قبل (إن) الداخلة على الشرط قبل فعل الشرط، كذلك لحقت (أن) هذه قبل (لو) ومعنى {وأن لو استقاموا} أحد أمرين: احدهما - لو استقاموا على طريقة الهدى بدلالة قوله {أية : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم}تفسير : وقوله {أية : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا}، تفسير : الثاني - لو استقاموا على طريقة الكفر بدلالة قوله {أية : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة}تفسير : وقيل: انه دخلت (ان) في {وأن لو استقاموا} لانه جواب القسم. ويجوز أن يحذف، كما قال الشاعر: شعر : فأقسم لوَ شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا تفسير : وقال آخر: شعر : اما والله إن لو كنت حراً وما بالحر انت ولا العتيق تفسير : والاستقامة الاستمرار في جهة العلو. والمستقيم من الكلام المستمر على طريقة الصواب. وهو نقيض المحال. والاستقامة على طريق الحق التي يدعو اليها العقل طاعة الله. والمعنى - ههنا - في قول أكثر المفسرين: إنه لو استقام العقلاء على طريقة الهدى استمروا عليها وعملوا بموجبها لجازاهم على ذلك بأن اسقاهم ماء غدقاً، يعني كثيراً. والغدق بفتح الدال المصدر، وبكسرها اسم الفاعل، وفي ذلك ترغيب فى الهدى. قال الفراء: معناه وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لفعلنا بهم ما ذكرناه تغليظَا للمحنة فى التكليف، ولذلك قال {لنفتنهم فيه} أي نختبرهم بذلك ونبلوهم به. وغدق المكان يغدق غدقاً إذا كثر فيه الماء والندى، وهو غدق - فى قول الزجاج - وقوله {لنفتنهم فيه} معناه لنختبرهم ونعاملهم معاملة المختبر فى شدة التعبد بتكليف الانصراف عما تدعو شهواتهم اليه، على ما تقتضيه الحكمة فى ذلك والفتنة المحنة الشديدة، والمثوبة على قدر المشقة فى الصبر عما تدعوا اليه الشهوة. ثم قال تعالى مهدداً لهم ومتوعداً {ومن يعرض عن ذكر ربه} والمعنى من يعدل عن الفكر فيما يؤديه الى معرفة الله وتوحيده واخلاص عبادته، فالذكر حضور المعنى الدال على المذكور للنفس، وضده السهو، ومثله حضور المعنى بالقلب. والفكر في وجوه السؤال عن المعنى طلب للذكر له. والفكر فى البرهان طلب للعلم بصحة المعنى المذكور وأنه حق ونقيضه باطل. وقوله {يسلكه عذباً صعداً} اى متصعداً في العظم. وقيل: متصعداً قد غمره وأطبق عليه. ومعناه عذباً أشهد العذاب من قوله {أية : سأرهقه صعوداً}تفسير : فاما قول العرب: تنفس الصعداء على وزن (فعلاء) أكثر كلامهم، ومنه قيل تنفس صعداً على وزن غرب والصعود العقبة الشاقة. وقال الفراء: الصعود صخرة ملساء في النار ويكلف الصعود عليها، فكلما بلغ رأسها أحد هوى الى أسفلها وقوعاً. وقوله {وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً} عطف عند جميع المفسرين على قوله {أوحي} كأنه قال: أوحي الي أن المساجد لله، وقال الخليل: التقدير، ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً مثل قوله {وإن هذه أمتكم} وتقديره: ولأن هذه أمتكم {أية : أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}تفسير : والمعنى الاخبار منه تعالى بأن لا يذكر مع الله في المساجد - وهي المواضع التي وضعت للصلاة - أحد على وجه الاشتراك في عبادته، كما يدعوا النصارى في بيعهم والمشركون في الكعبة. وقال الحسن: من السنة إذا دخل المسجد أن يقول: لا إله الا الله، لا أدعو مع الله أحداً. وقيل: معناه إنه يجب أن يدعوه بالوحدانية. وقال الفراء والزجاج: المساجد مواضع السجود من الانسان: الجبهة، واليدان، والرجلان وزاد أصحابنا عيني الركبتين. والمعنى إنه لا ينبغي أن يسجد بهذه الاعضاء لأحد سوى الله تعالى. وقوله {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً} معناه إنه لما قام محمد صلى الله عليه وآله يدعو الله، فيقول: لا إله الا الله كادوا يكونون عليه جماعات متكاثفات بعضها فوق بعض ليزيلوه بذلك عن دعوته باخلاص الالهية. وقال ابن عباس والضحاك: معناه إن الجن كادوا يركبونه حرصاً على سماع القرآن منه. وقال الحسن وقتادة: معناه تلبدت الانس والجن على هذ الامر ليطفئوه فابي الله الا أن ينصره ويظهره على من ناواه، كما قال {أية : يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون}تفسير : وقال ابن عباس: هذا من قول الجن، لما رجعوا الى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله وإئتمامهم به في الركوع والسجود، وهو قول سعيد بن جبير: واللبد القطع المتكاثفة على الشيء واحدها لبد، ومنه اللبد لتكاثف صفوفه بعضه على بعض. ولبد رأسه إذا ألصق بعض شعره ببعض قال عبد مناف بن ربع: شعر : صابوا بستة أبيات واربعة حتى كأن عليهم جابياً لبدا تفسير : فالجابي الجراد الذي يجبي كل شيء يأكله. ثم حكى ان النبي صلى الله عليه وآله قال {إنما أدعوا ربي} ومن قرأ {قل} فمعناه إن الله أمره بأن يقول: إنما أدعو ربي وحده ولا أشرك به أحداً من الاصنام والاوثان. والمعنيان متقاربات، لأن الله تعالى إذا أمره بأن يقول فانه يقول لا محالة فقد حصل الامران.

الجنابذي

تفسير : {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا} قوم {دُونَ ذَلِكَ} فى الصّلاح او دون ذلك بانّ بعضهم فى غاية الشّرارة وبعضهم لا يكون فى غاية الشّرارة يعنى منّا غير صالحين {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} اى ذوى طرائق مختلفةٍ متفرّقة، او كنّا بانفسنا طرائق متفرّقة، او الطّرائق بمعنى الاماثل.

اطفيش

تفسير : {وَأَنَا مِنَّا الصَّالِحُونَ} المؤمنون الأبرار بعد سماع القرآن. *{ومُنَّادونَ ذَلِكَ} أي ومنا قوم دونهم في الصلاح غير كاملين فيه أو غير صالحين بل منافقون وكفار وقيل غير هؤلاء الصالحين فيشتمل من هو صالح دون صلاحهم ومن هو غير صالح وبين هذه القسمة بقوله *{كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} ذوي مذاهب مختلفة أو كانت مذاهبنا مذاهب مختلفة فحذف المضاف من الثاني أو من الأول أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة أو النصب على نزع الخافض أي في طريق إن قلنا بجوازه في السعة وقددا نعت مؤكد لطرائق أو خبر مؤكد بعد خبر لأن كلا من الطرائق والقدد الأشياء المختلفة جمعا طريقة وقدة من قده إذا قطعه وكانت طرائف فصل بعضها عن بعض والمراد أن منهم مؤمنين ويهوداً ونصارى وصابين ومجوساً وعبدة الأوثان وعن ابن عباس ذوي أهواء مختلفة وقيل إن فيهم رافضة وقدرية ومرجئة وخوارج وغيرها. ونقول أما بعد ظهور هذه المذاهب في الإنس فالأمر ظاهر فإن جميع المذاهب الإسلامية وغيرها فيهم وأما في زمان الوحي فشكل الا أن كانت فيهم قبل كونها في الأنس نعم الرافضة والقدرية موجودتان في ذلك الزمان.

الالوسي

تفسير : {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّـٰلِحُونَ } أي الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم، المائلون إلى الخير والصلاح حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } أي قوم دون ذلك المذكور، ويطرد حذف الموصوف إذا كان بعض اسم مجرور بمن مقدم عليه. والصفة ظرف كما هنا أو جملة كما في قوله منا أقام ومنا ظعن. وأرادوا بهؤلاء القوم المقتصدين في صلاح الحال على الوجه السابق لا في الإيمان والتقوى كما قيل فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن كما يعرب عنه قوله تعالى: {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً} وأما حالهم بعد استماعه فستحكى بقوله تعالى {أية : وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [الجن: 13] إلى قوله تعالى: {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ}تفسير : [الجن: 14]. وجوز بعضهم كون {دُونَ} بمعنى غير فيكون {دُونَ ذَلِكَ} شاملاً للشرير المحض وأياً ما كان فجملة {كُنَّا } الخ تفسير للقسمة المتقدمة لكن قيل الأنسب عليه كون {دُونَ} بمعنى غير والكلام على حذف مضاف أي كنا ذوي طرائق أي مذاهب أو مثل طرائق في اختلاف الأحوال أو كانت طرائقنا طرائق قدداً وكون هذا من تلقي الركبان لا يلتفت إليه وعدم اعتبار التشبيه البليغ ليستغنى عن تقدير مثل قيل لأن المحل ليس محل المبالغة. وجوز الزمخشري كون (طرائق) منصوباً على الظرفية بتقدير في أي كنا في طرائق. وتعقب بأن الطريق اسم خاص لموضع يستطرق فيه فلا يقال للبيت أو المسجد طريق على الإطلاق وإنما يقال جعلت للمسجد طريقاً فلا ينتصب مثله على الظرفية إلا في الضرورة، وقد نص سيبويه على أن قوله: شعر : كما عسل الطريق الثعلب تفسير : شاذ فلا يخرج القرآن الكريم على ذلك. وقال بعض النحاة هو ظرف عام لأن كل موضع يستطرق طريق. والقدد المتفرقة المختلفة قال الشاعر: شعر : القابض الباسط الهادي بطاعته في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد تفسير : جمع قدة من قد إذا قطع كأن كل طريق لامتيازها مقطوعة من غيرها.

ابن عاشور

تفسير : قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها وهو من قول الجن. وقراءة فتح الهمزة عطف على المجرور بالباء، أي آمنا بأنا منّا الصالحون، أي أيقنَّا بذلك وكنا في جهالة عن ذلك. ظهرت عليهم آثار التوفيق فعلموا أنهم أصبحوا فريقين فريق صالحون وفريق ليسوا بصالحين، وهم يعنون بالصالحين أنفسهم وبمن دون الصلاح بقية نوعهم، فلما قاموا مقام دعوة إخوانهم إلى اتباع طريق الخير لم يصارحوهم بنسبتهم إلى الإِفساد بل ألهموا وقالوا منا الصالحون، ثم تلطفوا فقالوا: ومنا دون ذلك، الصادق بمراتب متفاوتة في الشر والفساد ليتطلب المخاطبون دلائل التمييز بين الفريقين، على أنهم تركوا لهم احتمال أن يُعنَى بالصالحين الكاملون في الصلاح فيكون المعني بمن دون ذلك من هم دون مرتبة الكمال في الصلاح، وهذا من بليغ العبارات في الدعوة والإِرشاد إلى الخير. و {دونَ}: اسم بمعنى (تحت)، وهو ضد فوق ولذلك كثر نصبه على الظرفية المكانية، أي في مكان منحط عن الصالحين. والتقدير: ومنا فريق في مرتبة دونهم. وظرفية {دون} مجازية. ووقع الظرف هنا ظرفاً مستقراً في محل الصفة لموصوف محذوف تقديره: فريق، كقوله تعالى: {أية : وما منا إلاّ له مقام معلوم}تفسير : [الصافات: 164] ويطَّرد حذف الموصوف إذا كان بعضَ اسم مجرور بحرف (مِن) مقدمٍ عليه وكانت الصفة ظرفاً كما هنا، أو جملة كقول العرب: مِنَّا ظَعَن ومِنَّا أقام. وقوله: {كنا طرائق قِدَداً} تشبيه بليغ، شبه تخالف الأحوال والعقائد بالطرائق تفضي كل واحدة منها إلى مكان لا تفضي إليه الأخرى. و {طرائق}: جمع طريقة، والطريقة هي الطريق، ولعلها تختص بالطريق الواسع الواضح لأنّ التاء للتأكيد مثل دار ودَارة، ومثل مَقام ومقَامة، ولذلك شبه بها أفلاك الكواكب في قوله تعالى {أية : ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق}تفسير : [المؤمنون: 17] ووصفت بالمثلى في قوله: {أية : ويَذْهبَا بطريقتكم المُثلى}تفسير : [طه: 63]. ووصف {طرائق} بـ {قِدداً}، وهو اسم جمع قِدَّة بكسر القاف وتشديد الدال والقدة: القطعة من جلد ونحوه المقطوعة طولاً كالسير، شبهت الطرائق في كثرتها بالقِدد المقتطعة من الجلد يقطعها صانع حبال القِدّ كانوا يقيدون بها الأسرى. والمعنى: أنهم يدعون إخوتهم إلى وحدة الاعتقاد باقتفاء هدى الإِسلام، فالخبر مستعمل في التعريض بذم الاختلاف بين القوم وأن على القوم أن يتحدوا ويتطلبوا الحق ليكون اتحادهم على الحق. وليس المقصود منه فائدة الخبر لأن المخاطبين يعلمون ذلك، والتوكيد بـ (إنّ) متوجه إلى المعنى التعريضي.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّالِحُونَ} {طَرَآئِقَ} (11) - وَأَنَّا مِنّا الأَبْرَارُ المُتَّقُونَ، العَامِلُونَ بِطَاعَةِ اللهِ، وَمِنَّا قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ وَأَنَّا كُنَّا مَذَاهِبَ وَأَهْوَاءً مُخْتَلِفَةً، وَفِرَقاً شَتَّى: فَمِنَّا المُؤْمِنُونَ وَمِنَّا الفَاسِقُونَ وَمِنَّا الكَافِرُونَ. قِدَداً - جَمَاعَاتٍ مُتَفَرّقَةَ المَذَاهِبِ. وَالقِدَّةُ - القِطْعَةُ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} معناه أهواءٌ وضروبٌ مختلفةٌ.

همام الصنعاني

تفسير : 3351- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {طَرَآئِقَ قِدَداً}: [الآية: 11]، قال: أهواء مختلفة.