٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
53
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى وصف اليهود في الآية المتقدمة بالجهل الشديد، وهو اعتقادهم أن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى، ووصفهم في هذه الآية بالبخل والحسد، فالبخل هو أن لا يدفع لأحد شيئاً مما آتاه الله من النعمة، والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي الله غيره شيئاً من النعم، فالبخل والحسد يشتركان في أن صاحبه يريد منع النعمة من الغير، فأما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن الغير، وأما الحاسد فيريد أن يمنع نعمة الله من عبادة، وإنما قدم تلك الآية على هذه الآية لأن النفس الانسانية لها قوتان: القوة العالمة والقوة العاملة، فكمال القوة العالمة العلم، ونقصانها الجهل، وكمال القوة العاملة: الأخلاق الحميدة، ونقصانها الأخلاق الذميمة، وأشد الأخلاق الذميمة نقصانا البخل والحسد، لأنهما منشآن لعود المضار إلى عباد الله. إذا عرفت هذا فنقول: إنما قدم وصفهم بالجهل على وصفهم بالبخل والحسد لوجهين: الأول: أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية في الشرف والرتبة وأصل لها، فكان شرح حالها يجب أن يكون مقدما على شرح حال القوة العملية. الثاني: أن السبب لحصول البخل والحسد هو الجهل، والسبب مقدم على المسبب، لا جرم قدم تعالى ذكر الجهل على ذكر البخل والحسد. وإنما قلنا: إن الجهل سبب البخل والحسد: أما البخل فلأن بذل المال سبب لطهارة النفس ولحصول السعادة في الآخرة، وحبس المال سبب لحصول مال الدنيا في يده، فالبخل يدعوك إلى الدنيا ويمنعك عن الآخرة، والجود يدعوك إلى الآخرة ويمنعك عن الدنيا، ولا شك أن ترجيح الدنيا على الآخرة لا يكون إلا من محض الجهل. وأما الحسد فلأن الإلهية عبارة عن إيصال النعم والاحسان إلى العبيد، فمن كره ذلك فكأنه أراد عزل الإله عن الإلهية، وذلك محض الجهل. فثبت أن السبب الأصلي للبخل والحسد هو الجهل، فلما ذكر تعالى الجهل أردفه بذكر البخل والحسد ليكون المسبب مذكورا عقيب السبب، فهذا هو الاشارة إلى نظم هذه الآية، وههنا مسائل: المسألة الأولى: «أم» ههنا فيه وجوه: الأول: قال بعضهم: الميم صلة، وتقديره: ألهم لأن حرف «أم» إذا لم يسبقه استفهام كان الميم فيه صلة. الثاني: أن «أم» ههنا متصلة، وقد سبق ههنا استفهام على سبيل المعنى، وذلك لأنه تعالى لما حكى عن هؤلاء الملعونين قولهم للمشركين: انهم أهدى سبيلا من المؤمنين، عطف عليه بقوله: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ } فكأنه تعالى قال: أمن ذلك يتعجب، أم من قولهم: لهم نصيب من الملك، مع أنه لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل. الثالث: أن «أم» ههنا منقطعة وغير متصلة بما قبلها ألبتة، كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل لهم نصيب من الملك، وهذا الاستفهام استفهام بمعنى الانكار، يعني ليس لهم شيء من الملك ألبتة، وهذا الوجه أصح الوجوه. المسألة الثانية: ذكروا في هذا الملك وجوها: الأول اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب؟ فأبطل الله عليهم قولهم في هذه الآية. الثاني: أن اليهود كانوا يزعمون أن الملك يعود اليهم في آخر الزمان، وذلك أنه يخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم ويدعو إلى دينهم، فكذبهم الله في هذه الآية. الثالث: المراد بالملك ههنا التمليك، يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك اليهم، ولو كان التمليك اليهم لبخلوا بالنقير والقطمير، فكيف يقدرون على النفي والاثبات. قال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال، وكانوا في عزة ومنعة ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل، فنزلت هذه الآية. المسألة الثالثة: أنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم، وهذا يدل على أن الملك والبخل لا يجتمعان، وتحقيق الكلام فيه من حيث العقل أن الانقياد للغير أمر مكروه لذاته، والانسان لا يتحمل المكروه إلا إذا وجد في مقابلته أمراً مطلوبا مرغوبا فيه، وجهات الحاجات محيطة بالناس، فاذا صدر من إنسان احسان إلى غيره صارت رغبة المحسن اليه في ذلك المال سببا لصيرورته منقادا مطيعا له، فلهذا قيل: بالبر يستعبد الحر، فاذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا عن المعارض، فلا يحصل الانقياد ألبتة، فثبت أن الملك والبخل لا يجتمعان ثم ان الملك على ثلاثة أقسام: ملك على الظواهر فقط، وهذا هو ملك الملوك، وملك على البواطن فقط، وهذا هو ملك العلماء، وملك على الظواهر والبواطن معاً، وهذا هو ملك الأنبياء صلوات الله عليهم. فاذا كان الجود من لوازم الملك وجب في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا في غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة، ليصير كل واحد من هذه الاخلاق سببا لانقياد الخلق لهم، وامتثالهم لأوامرهم. وكمال هذه الصفات حاصل لمحمد عليه الصلاة والسلام. المسألة الرابعة: قال سيبويه: «إذن» في عوامل الأفعال بمنزلة «أظن» في عوامل الأسماء، وتقريره أن الظن إذا وقع في أول الكلام نصب لا غير، كقولك أظن زيدا قائما، وإن وقع في الوسط جاز إلغاؤه وإعماله، كقوله: زيد أظن قائم، وإن شئت قلت زيداً أظن قائماً، وإن تأخر فالأحسن إلغاؤه، تقول زيد منطلق ظننت، والسبب فيما ذكرناه أن «ظن» وما أشبهه من الأفعال نحو علم وحسب ضعيفة في العمل، لأنها لا تؤثر في معمولاتها، فاذا تقدم دل التقديم في الذكر على شدة العناية فقوي على التأثير، وإذا تأخر دل على عدم العناية فلغا، وإن توسط فحينئذ لا يكون في محل العناية من كل الوجوه، ولا في محل الاهمال من كل الوجوه، بل كانت كالمتوسطة في هاتين الحالتين فلا جرم كان الاعمال والالغاء جائزا. واعلم أن الاعمال في حال التوسط أحسن، والالغاء حال التأخر أحسن. إذا عرفت هذا فنقول: كلمة «إذن» على هذا الترتيب أيضاً، فان تقدمت نصبت الفعل، تقول إذن أكرمك، وإن توسطت أو تأخرت جاز الالغاء، تقول أنا إذن أكرمك، وأنا أكرمك إذن فتلغيه في هاتين الحالتين. إذا عرفت هذه المقدمة فقوله تعالى: {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً } كلمة «إذن» فيها متقدمة وما عملت، فذكروا في العذر وجوها: الأول: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير: لا يؤتون الناس نقيرا إذن. الثاني: أنها لما وقعت بين الفاء والفعل جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما تلغى إذا توسطت أو تأخرت، وهكذا سبيلها مع الواو كقوله تعالى: {أية : وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ } تفسير : [الإسراء: 76] والثالث: قرأ ابن مسعود (فَإِذا لاَّ يُؤْتُواْ) على إعمال «إذن» عملها الذي هو النصب. المسألة الخامسة: قال أهل اللغة: النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة، وأصله أنه فعيل من النقر، ويقال للخشب الذي ينقر فيه نقير لأنه ينقر، والنقر ضرب الحجر وغيره بالمنقار والمنقار حديدة كالفأس تقطع بها الحجارة، والغرض انهم يبخلون بأقل القليل.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: أم لهم نصيب من الملك، وهذا استفهام إنكاري، أي: ليس لهم نصيب من الملك. ثم وصفهم بالبخل، فقال: {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً}، أي: لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف، لما أعطوا أحداً من الناس، ولا سيما محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً، ولا ما يملأ النقير، وهو النقطة التي في النواة، في قول ابن عباس والأكثرين. وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ} تفسير : [الإسراء: 100] أي: خوف أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاده، وإنما هو من بخلكم وشحكم، ولهذا قال تعالى: {أية : وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا} تفسير : [الإسراء: 100] أي: بخيلاً، ثم قال: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يعني بذلك: حسدهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب، وليس من بني إسرائيل. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن الربيع عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} الآية، قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى: {فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل، الذين هم من ذرية إبراهيم، النبوة، وأنزلنا عليهم الكتب، وحكموا فيهم بالسنن، وهي الحكمة، وجعلنا منهم الملوك، ومع هذا {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ}، أي: بهذا الإيتاء، وهذا الإنعام، {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أي: كفر به، وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم، أي: من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ وقال مجاهد: {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ}، أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ}، فالكفرة منهم أشد تكذيباً لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين، ولهذا قال متوعداً لهم: {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم، ومخالفتهم كتب الله ورسله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ } بل أ {لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ ٱلْمُلْكِ } أي ليس لهم شيء منه ولو كان {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً } أي شيئاً تافهاً قدر النقرة في ظهر النواة لفرط بخلهم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبُ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً} وفي النقير ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الذي يكون في ظهر النواة، وهذا قول ابن عباس، وعطاء، والضحاك. والثاني: أنه الذي يكون في وسط النواة، وهو قول مجاهد. والثالث: أنه نقر الرجل الشيء بطرفِ إبهامه، وهو رواية أبي العالية عن ابن عباس. قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَاءاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} يعني اليهود. وفي الناس الذين عناهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم العرب، وهو قول قتادة. والثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وعكرمة. والثالث: أنهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو قول بعض المتأخرين. وفي الفضل المحسود عليه قولان: أحدهما: النبوة، حسدواْ العرب على أن كانت فيهم، وهو قول الحسن، وقتادة. والثاني: أنه إباحته للنبي صلى الله عليه وسلم نكاح من شاء من النساء من غير عدد، وهو قول ابن عباس، والضحاك، والسدي. {فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً} في الملك العظيم أربعة أقاويل: أحدها: أنه ملك سليمان بن داود، وهو قول ابن عباس. والثاني: النبوة، وهو قول مجاهد. والثالث: ما أُيِّدُوا به من الملائكة والجنود، وهو قول همام بن الحارث. والرابع: من أباحه الله لداود وسليمان من النساء من غير عدد، حتى نكح داود تسعاً وتسعين امرأة، ونكح سليمان مائة امرأة، وهذا قول السدي.
ابن عطية
تفسير : عرف {أم} أن تعطف بعد استفهام متقدم، كقولك: أقام زيد أم عمرو، فإذا وردت ولم يتقدمها استفهام، فمذهب سيبويه: أنها مضمنة معنى الإضراب عن الكلام الأول والقطع منه، وهي مضمنة مع ذلك معنى الاستفهام، فهي بمعنى "بل" مع ألف الاستفهام، كقول العرب: إنها لإبل أم شاء، فالتقدير عند سيبويه، أنها لإبل بل أهي شاء. وكذلك هذا الموضع، تقديره: بل ألهم نصيب من الملك؟ وقد حكي عن بعض النحويين، أن {أم} يستفهم بها ابتداء دون تقدم استفهام، حكاه ابن قتيبة في المشكل، وهذا غير مشهور للعرب، وقال بعض المفسرين: {أم} بمعنى بل، ولم يذكروا الألف اللازمة، فأوجبوا على هذا حصول الملك للمذكورين في الآية، والتزموا ذلك وفسروا عليه، فالمعنى عندهم: بل هم ملوك أهل دنيا وعتو وتنعم، لا يبغون غيره، فهم بخلاء به، حريصون على أن لا يكون ظهور لسواهم. قال القاضي أبو محمد: والمعنى على الأرجح الذي هو مذهب سيبويه والحذاق، أنه استفهام على معنى الإنكار، أي ألهم ملك؟ فإذاً لوكان لبخلوا، وقرأ ابن مسعود "فإذاً لا يؤتوا" بغير نون على إعمال "إذاً" والمصحف على إلغائها، والوجهان جائزان، وإن كانت صدراً من أجل دخول الفاء عليها، والنقير، أعرف ما فيه أنها النكتة التي في ظهر النواة من التمرة، ومن هنالك تنبت، وهو قول الجمهور، وقالت فرقة: هي النقطة التي في بطن النواة، وروي عن ابن عباس أنه قال: هو نقر الإنسان بأصبعه، وهذا كله يجمعه أنه كناية عن الغاية في الحقارة والقلة على مجاز العرب واستعارتها، و {إذاً} في هذه الآية ملغاة لدخول فاء العطف عليها، ويجوز إعمالها، والإلغاء أفصح، وذلك أنها إذا تقدمت أعملت قولاً واحداً، وإذا توسطت ألغيت قولاً واحداً، فإذا دخل عليها وهي متقدمة فاء أو واو جاز إعمالها والإلغاء أفصح وهي لغة القرآن وتكتب " إذاً" بالنون وبالألف، فالنون هو الأصل، كعن ومن، وجاز كتبها بالألف لصحة الوقوف عليها فأشبهت نون التنوين، ولا يصح الوقوف على "عن ومن". وقوله تعالى: {أم يحسدون الناس} الآية، {أم} هذه على بابها، لأن الاستفهام الذي في تقديرنا، بل ألهم قد تقدمها، واختلف المتأولون في المراد بـ {الناس} في هذا الموضع، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والضحاك، هو النبي عليه السلام، والفضل النبوة فقط، والمعنى فلمَ يخصونه بالحسد ولا يحسدون آل إبراهيم في جميع ما آتيناهم من هذا وغيره من الملك؟ وقال ابن عباس والسدي أيضاً: هو النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل ما أبيح له من النساء فقط، وسبب الآية عندهم، أن اليهود قالت لكفار العرب: انظروا إلى هذا الذي يقول: إنه بعث بالتواضع، وإنه لا يملأ بطنه طعاماً، ليس همه إلا في النساء، ونحو هذا، فنزلت الآية، والمعنى فلمَ يخصونه بالحسد ولا يحسدون آل إبراهيم؟ صلى الله عليه وسلم يعني سليمان وداود عليهما السلام في أنهما أعطيا النبوة والكتاب، وأعطيا مع ذلك ملكاً عظيماً، في أمر النساء، وهو ما روي أنه كان لسليمان سبعمائة امرأة، وثلاثمائة سرية، ولداود مائة امرأة، ونحو هذا من الأخبارالواردة في ذلك، فالملك في القول إباحة النساء، كأنه المقصود أولاً بالذكر، وقال قتادة: {الناس} في هذا الموضع: العرب، حسدتها بنو إسرائيل في أن كان النبي عليه السلام منها، "والفضل" على هذا التأويل: هو محمد عليه السلام، فالمعنى: لم يحسدون العرب على هذا النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوتي آل إبراهيم صلى الله عليه وسلم - وهم أسلافهم - أنبياء وكتباً، كالتوراة والزبور، {وحكمة} وفي الفهم في الدين وما يكون من الهدى مما لم ينص عليه الكتاب، وروي عن ابن عباس أنه قال: "نحن الناس" يريد قرشاً، {وملكاً عظيماً}: أي ملك سليمان، قاله ابن عباس: وقال مجاهد: الملك العظيم في الآية هو النبوة، وقال همام بن الحارث وأبو مسلمة: هو التأييد بالملائكة. قال القاضي أبو محمد: والأصوب أنه ملك سليمان أو أمر النساء في التأويل المتقدم، وقوله تعالى: {فمنهم من آمن به} الآية، اختلف المتأولون في عود الضمير من {به} فقال الجمهور: هو عائد على القرآن الذي في قوله تعالى: {أية : آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً} تفسير : [النساء:47] فأعلم الله أن منهم من آمن كما أمر، فلذلك ارتفع الوعيد بالطمس ولم يقع، وصد قوم ثبت الوعيد عليهم في الآخرة بقوله: {وكفى بجهنم سعيراً} وقالت فرقة: الضمير عائد على إبراهيم عليه السلام، وحكى مكي في ذلك قصصاً ليست بالثابتة، وقالت فرقة: هو عائد على الفضل الذي آتاه الله النبي عليه السلام، أو العرب على ما تقدم. قال القاضي أبو محمد: قرأت فرقة: " صُد" عنه بضم الصاد على بناء الفعل للمفعول، و {سعيراً} معناه: احتراقاً وتلهباً، والسعير: شدة توقد النار، فهذا كناية عن شدة العذاب والعقوبة.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَقِيراً} الذي في ظهر النواة، أو الخيط الذي يكون في وسط النواة، أو نَقْرُك الشيء بطرف إبهامك.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ...} الآية: عُرْفُ «أَمْ» أنْ تُعْطَفَ بعد استفهامٍ متقدِّم؛ كقولك: أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو؟ فَإذا وردَتْ، ولم يتقدَّمها استفهامٌ؛ كما هي هنا، فمذهب سيبَوَيْهِ؛ أنَّها مضمَّنةٌ معنى الإضراب عن الكلامِ الأوَّلِ، والقَطْع منه، وهي متضمِّنة مع ذلك مَعْنَى الاِستفهام، فهي بمعنى «بَلْ» مع همزةِ استفهامٍ؛ كقول العربِ: «إنها لإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ»، التقدير عند سيبويه: إنَّهَا لإِبِلٌ بَلْ أَهِيَ شَاءٌ؟ وَكَذَلك هذا الموضعُ: بَلْ أَلهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فإذا عرفْتَ هذا، فالمعنى على الأرجَحِ الذي هو مذْهَبُ سيبَوَيْهِ والحُذَّاقِ: أنَّ هذا استفهامٌ على معنى الإِنكار، أي: ألهم مُلْكٌ؛ فإذن لَوْ كان، لَبَخِلُوا به، والنَّقِيرُ: هي النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّوَاة من التَّمْر؛ هذا قول الجمهور، وهَذَا كنايةٌ عن الغايَةِ في الحَقَارة والقِلَّة، وتُكْتَبُ «إذَنْ» بالنُّون وبالألِفِ، فالنُّونُ هو الأصْلُ؛ كـ «عَنْ»، وَ «مِنْ»، وجاز كتبها بالألِفِ؛ لصحَّة الوقوفِ عليها، فأشبهَتْ نونَ التَّنْوينِ، ولا يصحُّ الوقوف علَىٰ عَنْ ومِنْ. وقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ...} الآية: «أمْ» هذه علَىٰ بابها من العطْفِ بعد الاِستفهام. وقال * ص *: {أَمْ يَحْسُدُونَ}: «أَمْ» أيضاً منقطعةٌ تتقدَّر بـ «بَلْ» و «الهمزة». انتهى. قلت: والظاهر ما قاله * ع * واختلف في المراد بـ «الناس» هنا. فقال ابنُ عبَّاس وغيره: هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم، والفَضْلُ: النبوَّة فقط، والمعنَىٰ: فَلِمَ يخصُّونه بالحَسَد، ولا يَحْسُدُونَ آل إبراهيم في جميعِ مَا آتيناهم مِنْ هذا وغيره مِنَ المُلْك، وقال قتادة: «النَّاسُ» هنا: العَرَبُ، حَسَدَتْها بَنُو إسرائيل في أنْ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم منْها، والفَضْلُ على هذا التأويل هو محمَّد صلى الله عليه وسلم، قَالَ أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ: وقد ذَمَّ اللَّه قوماً علَىٰ حَسَدهم، فقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، ثم حدَّث بسنده، عن عمرو بن مَيْمُونٍ، قَالَ: لما رَفَع اللَّه موسَىٰ نَجِيًّا، رأَىٰ رجُلاً متعلِّقاً بالعَرْش، فقال: يا رَبِّ، مَنْ هَذَا، فقالَ: هذا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي، صَالِحٌ، إنْ شئْتَ أخبرتُكَ بعمله، فقال: يا رَبِّ، أخبِرْنِي، فقال: كَانَ لاَ يَحْسُدُ النَّاسَ عَلَىٰ ما آتاهم اللَّه مِنْ فَضْله، ثم حدَّث أبو عمر بسنده، عن أنسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ؛ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ»تفسير : وذكر عبد الرزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن إسماعيل بْنِ أُمَّيَةَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثَلاَثٌ لاَ يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ، والظَّنُّ، وَالحَسَد! قِيلَ: فَمَا المَخْرَجُ مِنْهُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إذَا تَطَيَّرْتَ فَلاَ تَرْجِعْ، وَإذَا ظَنَنْتَ فَلاَ تُحَقِّقْ، وَإذَا حَسَدتَّ فَلاَ تَبْغِ»تفسير : انتهى من «التمهيد». وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ} ٱختلِفَ في الضمير مِنْ «به». فقال الجمهور: هو عائدٌ علَى القرآن الذي في قوله تعالَىٰ: {أية : آمِنُوا بِمَا نزَّلنا مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} تفسير : [النساء:47]؛ فأعلم اللَّه سبحانه أنَّ منهم مَنْ آمَنَ؛ كما أُمِرَ؛ فلذلك ارتفَعَ الوعيدُ بالطَّمْسِ، ولم يَقَعْ، وصَدَّ قومٌ ثبَتَ الوعيدُ عليهم في الآخرة؛ بقوله سبحانه: {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً}. وقيل: هو عائدٌ على إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ. وقيل: هو عائدٌ على الفَضْلِ الذي آتاه اللَّه النبيَّ ـــ عليه السلام ـــ، والعربَ علَىٰ ما تقدَّم.
ابن عادل
تفسير : لمَّا وصف [تعالى] اليهودَ بالجَهْلِ في الآية المتقدمة؛ لتفضيلهم عِبَادَةَ الأوْثَانِ على عبادَةِ الله تعالى، وصفَهُم في هذه الآية بالبُخْلِ والحَسَدِ، وهذا على سَبيلِ الإنْكَارِ. والبخلُ: ألاَّ يدفعَ إلى أحدٍ شَيْئاً مما أوتِيَ مِن النعمةِ، [والحَسَدُ: أنْ يتمنَى ألاَّ يُعْطِي اللَّهُ غيرَهُ شَيْئاً من النِّعَم] فها يَشْترِكَانِ في إرادةِ مَنْعِ النعمَةِ من الغَيْرِ، وإنما قدّم وَصْفَ الجَهْلِ علَى وصفِ البُخْلِ، والحَسَدِ؛ لأن الجهل سَبَبُهَا؛ وذلك لأنَّ البَخِيلَ، والحَاسِدَ يجهلانِ أنَّ الله تعالى هو الذي أعْطَى هذا، ومَنَعَ هذا. واعلمْ أنَّهُ تعَالَى جَعَل بُخْلَهم كالمانع مِنْ حُصُولِ الملْكِ لَهُم، وهذا يدلُّ على أنَّ الملكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعَانِ؛ وذلك لأنَّ الانقيادَ [للغير مكروهٌ لِذَاته، وإنما يُحْمَلُ الإنْسَانُ على الانقيادِ لِلْغَيْر] بالإحسانِ الحسن؛ كما قيل: "بالبر يستعبد الحر"، فمتى لم يُوجد الإحْسانُ، لَمْ يُوجد الانقيادُ، ثُمَّ قدْ يكونُ المُلْكُ على الظَّاهِرِ فَقَطْ؛ وهو مُلْكُ المُلُوكِ، وقد يكونُ الملكُ على البَاطِنِ فقط؛ وهو مُلْكُ العُلَمَاءِ وقد يكون الملكُ عَلَيْهمَا؛ وهو مُلْكُ الأنْبِيَاءِ، فوجب في الأنبياء أنْ يكُونُوا في غَايَةِ الجُودِ، والكَرَمِ، والرَّحْمَةِ، والشَّفَقَةِ؛ حَتَّى يحصلَ الانقيادُ بالبَاطنِ والظَّاهِرِ، وكمالُ هذه الصفاتِ كان حَاصِلاً لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم. و "أم" مُنقطعةٌ؛ لِفواتِ شَرْطِ الاتِّصال، كما تقدم أوَّل البقرةِ فتُقَدر بـ "بَلْ"، والهمزة التي يُرادُ بها الإنْكار، وكذلك هُو في قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} وقال بعضُهم: الميمُ صلة، وتقديره: ألَهُمْ؛ لأنَّ حَرْفَ "أمْ" إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ استفهامٌ، كانتِ الميمُ صِلَةً فيه، وقيل: "أمْ" هنا مُتصلةٌ، وقد سبقه - هاهنا - استفهامٌ على سَبيلِ المعْنَى؛ لأنَّهُ لمَّا حَكَى قَولَهُمْ لِلمشرِكينَ بأنَّهم أهْدَى سَبِيلاً مِنَ المؤمنِينَ عطفَ عليه قوله {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ} فكأنَّهُ قال: أمِنْ ذلك يتعجَّبُ؟ أمْ مِنْ كَوْنِهِم لَهُمْ نَصِيبٌ من الملك؛ مع أنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمْ مُلْكٌ، لَبَخِلُوا بأقلِّ القَلِيلِ؟. فصل في معنى "الملك" اختلفوا في هذا {ٱلْمُلْكِ}، فقيل: إنَّ اليهودَ كانوا يقُولُونَ: نحنُ أوْلَى بالملكِ، والنُّبوةِ؛ فكَيْفَ نَتْبَعُ العَرَبَ؟ فأبطل اللَّهُ ذلك، بهذه الآيةِ. وقيل: كانوا يَزْعُمُونَ أنَّ الملكَ يعودُ إليهم، في آخرِ الزمانِ، فيخرجُ مِنَ اليهودِ مَنْ يُجَدِّدُ مُلْكَهُمْ؛ فَكَذَّبهم الله [تعالى] بهذه الآيةِ. وقيل [المرادُ] بالمُلْكِ - هاهنا - التَّملِيكُ: يَعْنِي: أنَّهم إنَّما يَقْدِرُونَ على دفعِ نُبُوَّتِكَ؛ لو كان التمليكُ إليهم، [و] لو كان التملِيكُ إلَيهمْ؛ لبخلوا بالنَّقِير، والقِطْمِيرِ. فكيفَ يَقْدِرُونَ على النَّفْيِ والإثْبَاتِ. قال أبُو بَكْرٍ الأصَمّ: كَانُوا أصْحَابَ بَسَاتِينَ وأمْوَالٍ، وكانوا في عِزةٍ، ومَنَعَةٍ، وكانوا يَبْخَلُونَ على الفُقَراءِ بأقل القَلِيلِ؛ فنزلت هذه الآيةُ. قوله: "فإذن" حَرْفُ جَوَاب، [وجَزَاء] ونُونُها أصلية، قال مَكي [وحذاق النحويِّين على كتب نونها نوناً] وأجاز الفرَّاءُ أن تُكْتَبَ ألفاً، وما قاله الفرَّاءُ هو قِيَاسُ الخَطِّ؛ لأنه مَبْنيٌّ على الوَقْفِ [والوقف على نُونها بالألف، وهي حرفٌ يَنْصِبُ المضارع بِشُرُوطٍ تقدَّمَتْ]، ولكنْ إذَا وَقَعَتْ بعد عَاطِفٍ، فالأحْسَنُ الإهمالُ وقد قرأ ابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عَبَّاسٍ -هنا- بإعْمَالِهَا، فَحَذَفَ النُّونَ مِنْ قَوْلِه: {لاَّ يُؤْتُونَ}. وقال أبُو البَقَاءِ: ولَمْ يَعملْ - هنا - من أجْلِ حَرْفِ العَطْف وهُوَ الفَاء، ويجوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ، أنْ يَعملَ مع الفَاءِ، وليس المبطل لا؛ لأنَّ "لا" يتخطَّاهَا العامِلُ، فظاهِرُ هذه العبارَةِ: أنَّ المانِعَ حَرْفُ العَطْفِ، وليس كذلك، بل المانِعُ التلاوةُ، ولذلك قال آخراً: ويجوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ. قال سِيبَويْهِ: "إذن" في أصل الأفعالِ بمنزِلَةِ "أظن" في عَوَامِلِ الأسْمَاءِ، وتقريرهُ: أنَّ الظنَّ إذَا وَقَعَ أوَّلَ الكلام - نَصَبَ، لا غَيْرَ؛ كقولِكَ: أظُنُّ زَيْداً قائماً، وإنْ تَوَسَّطَ جَازَ إلْغَاؤه، وإعْمَالهُ تقول: زَيدٌ ظننْتُ مُنْطِلقٌ، ومنطلقاً، وإنْ تأخَّر، ألْغِيَ. والسببُ في ذلك؛ أن "ظن" وأخواتِهَا، نحو: عَلِمَ، وحَسِبَ، ضَعِيفةٌ في العملِ؛ لأنها لا تُؤثِّرُ في مَفْعُولاتِهَا، فإذا تَقَدَّمَتْ دلَّ تقدمُهَا على شِدَّةِ العِنَايَةِ، فَقَوِي على التَّأثِيرِ، وإذا تأخرت، دلَّ على عدم العِنَايَةِ فلغى، [وإنْ توسَّطَتْ، لا يكون في مَحَلِّ العنايةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولا في مَحَلِّ الإهْمَالِ من كل الوجوه، فَلاَ جَرَمَ أوْجَبَ توسُّطُها الإعْمالَ]، والإعْمالُ في حَالِ التوسطِ أحسنُ والإلغاءُ حَالَ التأخُّرِ، أحْسَنُ، وإذا عرفتَ [ذلك] فنقول: "إذن" على هذا الترتيبِ، [فإن تقدمَّتْ نَصَبَتِ الفعلَ، وإنْ توسَّطَتْ، أوْ تأخرتْ جاز الإلْغَاءُ]. والنَّقِيرُ: قال أهلُ اللغةِ: النَّقِيرُ: نُقْطَةٌ في ظَهْرِ النواةِ، ومنها تَنْبُتُ النخلةُ، وقال أبُو العَالِيَة: هو نَقْدُ الرجلِ الشَّيْءَ بِطَرفِ إصْبَعِهِ، كما يُنْقِرُ الدِّرْهَمَ، وأصْلُه: أنَّهُ فِعْلٌ مِنَ النَّقْرِ، يُقالُ للخشبِ الذي يُنْقَرُ فيه: إنَّهُ نَقِيرٌ؛ لأنه يُنْقَرُ، والنَّقْرُ: ضَرْبُ الحَجَرِ وغَيْرِه بالمِنْقِارِ، يُقَالُ: فلانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ، أي: الأصْلِ، والمِنْقِارُ: حَدِيدَةٌ كالفأسِ تُقْطَعُ بها الحِجَارَةُ، ومِنْهُ: مِنْقِارُ الطائِرِ؛ لأنه يَنْقُرُ بِهِ، وذكْرُ النَّقيرِ هُنَا تَمْثِيلٌ، والغَرَضُ منه، أنَّهم يَبْخَلُونَ بأقلِّ القَلِيلِ. قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ}. قال قَتَادَة: المرادُ أنَّ اليهودَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ على النُّبوةِ، وما أكْرَمَهُمُ اللهُ تعالى بِمُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام -. وقال ابنُ عَبَّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجَاهدٌ {وجَمَاعَةٌ]: المراد بـ "الناس" رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَسَدُوهُ على ما أحَلَّ اللهُ له من النِّساءِ، وقالوا: "ما له هم إلا النكاح" وهو المرادُ بقوله: {على ما آتاهم الله من فضله}، وقيلَ حَسَدوهُ على النُّبوةِ، والشَّرفِ في الدينِ والدنيا، وهذا أقْربُ، وأوْلَى. وقيل: المرادُ بـ {ٱلنَّاسَ} محمدٌ وأصحابه، ولمّا بيَّن [اللَّهُ] تعالى أنَّ كثرةَ نِعَمِ اللَّهِ [عليهِ] صَارَ سبباً لحَسَدِ هؤلاءِ اليهودِ، بَيَّنَ ما يدفع ذلك الحَسَدَ، [فقال] {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً}، أيْ أنَّهُ جَعَلَ فِي أوْلادِ [إبرَاهِيمَ] جماعةً كثيرين، جمعُوا بَيْنَ النبوةِ، والملْكِ والحكمة، وأنْتُم لا تَعْجَبُونَ من ذلك، ولا تَحْسُدُونهم، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ من حالِ محمد ولِمَ تَحْسُدُونهُ؟ والمرادُ بـ {آلَ إِبْرَاهِيمَ} دَاوُدُ، وسُلَيْمانُ - عليهما السلام - وبـ {ٱلْكِتَابَ} مَا أنْزَلَ عليهم وبـ {َٱلْحِكْمَةَ} النبوةُ. فمن فَسَّر {ٱلْفَضْلُ}: بِكّثْرةِ النساءِ، والمُلْكِ العَظيمِ، والمعنى: أنَّ دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ أوتيا مُلْكاً عَظِيماً، وكان لسُليمانَ صلوات الله وسلامه عليه ألفُ امرأةٍ: ثلاثُمائَةٍ مُهْريَّة، وسَبْعُمائة سُرِّيَّة، وكان لداود - عليه السلام - مائةُ امْرَأةٍ، ولم يكُنْ لرسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلاَّ تِسْعُ نِسْوةٍ، فلمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، سَكتُوا. وقوله: {فمنهم من آمن به}، الضميرُ في به عَائِدٌ على "إبراهيم" أوْ على "القرآن" أوْ على الرَّسُولِ - عليه الصلاة والسلام -، أوْ عَلَى ما أُوتيه إبراهيم - عليه السلام - فإنْ عَادَ إلى مُحَمدٍ، فالمرادُ بالذين آمنُوا به، الذين أُوتُوا الكتابَ؛ آمن بعضُهم كعبدِ اللَّهِ بنِ سلام، وأصْحَابه، وبَقِيَ بعضهم على الكُفْرِ والإنْكارِ، وكذلك إنْ عادَ إلَى مَا أُوتِيه إبراهيم - علّيه السلام - قال السديُّ: الهاءُ في "بِهِ" و "عنه" رَاجِعَةٌ إلى إبْرَاهِيم، وذلك أنَّهُ زَرَعَ ذَاتَ سَنَة، وزرع الناسُ [فِي تِلْكَ السَّنَةِ] فَهَلَكَ زَرْعُ الناسِ، وَزَكَا زَرْعُ إبْراهيمَ - عليه السلامِ - فاحتاج الناسُ إلَيْه، فكان يقولُ: "من آمن بي أعطيته" فمن آمَنَ، أعْطَاهُ مِنْه، [وَمَنْ لَمْ يُؤمِنْ، منعه مِنْه]، وإنْ عاد إلى القُرْآنِ، فالمعنى: أنَّ الأنبياءَ - عليهم الصلاة والسلام - وأتْباعَهمُ معهم، صَدَّقُوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وقال آخُرون: المرادُ [أنَّ] أولئِكَ الأنبياءَ مع ما خُصُّوا به مِنَ النُّبوةِ، والمُلْكِ، جَرَتْ عادَةُ أممِهمْ: أنْ آمَنَ بعضُهم، وكَفَرَ بعضُهم، فَلاَ تَتَعَجَّب يا محمدُ، مِنْ أمتِكَ، فإنَّ أحْواَلَ جَميعِ الأمَمِ هكذا، وذلك تَسْلِيةٌ له - عليه السلام -. قوله: {ومنهم من صد عنه} قَرَأ الجُمْهُورُ "صَدَّ" بفتح الصَّادِ، وقرأ ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وعكرمةُ: "صُدًّ" بضمها، وقرأ أبُو رَجَاء، وأبو الجَوْزَاءِ: بِكَسْرِهَا، وكلتا القِرَاءتين على البِنَاء للمفعولِ، إلا أنَّ المضاعَفَ الثُّلاثِيَّ، كالمعْتَلِّ العَيْنِ منه، فيجوزُ في أوله ثلاثُ لغاتٍ، إخْلاَصُ الضَّمِّ، وإخلاصُ الكَسْرِ، والإشمامُ. قوله: {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً}، أيْ: كَفَى بجهنَّمَ [في] عذابِ الكُفَّارِ سعيراً والسَّعيرُ: الوقودُ، وهو تَمْيِِيزٌ، فإنْ كان بِمَعْنَى التهابٍ واحْتِرَاقٍ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ، أي: كَفَى بسعيرِ جَهَنَّمَ سَعِيراً؛ لأنَّ تَوَقُّدَهَا، والتِهَابَهَا لَيْسَ إيَّاهَا، وإنْ كان بمعنى: مُسَعَّرِ، فلا يَحْتَاجُ إلى حَذْفٍ.
القشيري
تفسير : مَنْ جُبِلَ على الشُّحِّ لا يزداد بسعة يده إلا تأسفاً على راحةٍ ينالها الخلق، كأنَّ مَنْ شَرِبَ قطرة ماءٍ قد تحسَّى بل رَشَفَ من ماء حياته!. قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ}: بل ينكرون تخصيص الحق سبحانه لأوليائه بما يشاء حسداً من عند أنفسهم فلا يقابلونهم بالإجلال، وسُنَّةُ الله سبحانه مع أوليائه مضت بالتعزيز والتوقير لهم. ودأبُ الكافرين جرى بالارتياب في القدرة؛ فمنهم من آمن بهم، ومنهم من ردَّ ذلك وجحد، وكفى بعقوبة الله منتقماً عنهم. قوله: {وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً}: المُلْك العظيم معرفة المَلِك، ويقال هو المُلْكُ على النَّفس. ويقال الإشراف على أسرار المملكة حتى لا يخفى عليه شيء. ويقال الاطلاع على أسرار الخلق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام لهم نصيب من الملك} ام منقطعة ومعنى الهمزة انكار ان يكون لهم نصيب من الملك وجحد لما زعمت اليهود من ان ملك الدنيا سيصير اليهم {فاذن لا يؤتون الناس نقيرا} اى لو كان لهم نصيب من الملك فاذن لا يؤتون احدا مقدار نقير وهو النقرة فى ظهر النواة يضرب به المثل فى القلة والحقارة وهذا هو البيان الكاشف عن كل حالهم فانهم اذا بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم اذا كانوا اذلاء متفاقدين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أم}: منقطعة، بمعنى بل، والهمزة للإنكار، وهو إنكار وجحدٌ لما زعمت اليهود من أنَّ المُلكَ سيصيرُ لهم، و {إذًا} إن فُصل بينها وبين المضارع، بـ"لا" ففيها الإهمال والإعمال، وقد قرىء: (وإذًا لا يلبثوا)، والنقير: النقرة التي في ظهر النواة، وهو هنا كنابة عن نهاية بخلهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: مُنكِرًا على اليهود: أيحصل لهم {نصيب من المُلك} والرياسة؟ هيهات، لا يكون هذا أبدًا، فكيف يكون لهم الملك وهم أبخل الناس؟. فإذا أُوتوا شيئًا من الملك لا يُعطون الناس نقيرًا، فما بالك بأكثر، والملك والنصر ولا يكونان إلا لأجل الكرم والجود والشجاعة، وإصابة الرأي وحسن التدبير، وهم بعداء من هذه المكارم. الإشارة: لا يُمكن اللهُ من العز والنصر والتصرف الظاهر أو الباطن إلا أهل السخاء والجود، فمن جاد بمالِهِ حتى لا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى، مكّنه الله من العز والتصرف الحسي، ومن جاد بنفسه وجاهه، وبذلهما في مرضاة ربه، مكّنه الله من العز والنصر والتصرف المعنوي؛ يتصرف بهمته في الوجود بأسره، من عرشه إلى فرشه، ويدوم عزه ونصره أبد الأبد. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : النظم والاعراب: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها اتصال الصفة بالبخل، والصفة بالحسد والجهل، لأن قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} يدل على أنهم حسدوا المؤمنين وأنهم يعملون أعمال الجاهلين، إلا أن الكلام خرج مخرج الاستفهام، للتوبيخ، والتقريع بتلك الحال. وجاءت أم ها هنا غير معادلة للالف لتدل على اتصال الثاني بالاول. والمعنى بل ألهم نصيب من الملك؟ وتسمى أم هذه المنقعطة عن الالف لأنها بخلاف المتصلة بها على المعادلة. ومثله {أية : ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه } تفسير : وقال بعضهم: إن الالف محذوفة، لأن أم لا تجيء مبتدأة على تقدير أهم أولى بالنبوة {أم لهم نصيب من الملك} فيلزم الناس طاعتهم. وهذا ضعيف، لأن حذف الالف إنما يجوز في ضرورة الشعر بالاجماع ولا ضرورة في القرآن. "وإذاً" لم تعمل في يؤتون لأنها إذا وقعت بين الفاء، والفعل، جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما تلغى (أرى) إذا توسطت أو تأخرت، لأن النية به التأخير. والتقدير أم لهم نصيب من الملك فلا يؤتون الناس نقيراً اذاً، وكذلك إذا كان معها واو، نحو{أية : وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً } تفسير : ويجوز أن تقدر مستأنفة، فتعمل مع حرف العطف. و (اذن) لا تعمل إلا بشروط أربعة: أن تكون جواباً لكلام، وأن تكون مبتدأة في اللفظ، ولا يكون ما بعدها متعلقاً بما قبلها، ويكون الفعل بعدها مستقبلا. ومتى نقص واحد من هذه الشروط لم تعمل. المعنى واللغة: وقوله: {لا يؤتون الناس نقيراً} اخبار من الله تعالى عن لومهم، وبخلهم أي لا يؤتونهم نقيراً. وقيل في معنى النقير ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، وعطاء، والضحاك، وابن زيد: إنه النقطة التي في ظهر النواة. وقال مجاهد: هو الحبة التي في بطن النواة. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن النقير ما نقر الرجل باصبعه، كما ينقر الدرهم. والنقر: النكت ومنه المنقار، لأنه ينقر به. والناقور: الصور، لأن الملك ينقر فيه بالنفخ المصوت. والنقرة: حفرة في الارض أو غيرها، والنقير: خشبة تنقر وينبذ فيها. والمناقرة: مراجعة الكلام. وانتقر: اختص كما يختص بالنقر واحداً واحداً. والمنقر: القلع عن الشيء، لأنه كما يقلع في النقر، ثم يعود إليه. ومعنى {أم لهم نصيب من الملك} ما يدعيه اليهود أن الملك يعود إليهم. وقوله: {فإذاً لا يؤتون الناس} يعني العرب. وذكر الزجاج في معناه وجهين: أحدهما - بل لهم نصيب، لأنهم كانوا أصحاب بساتين وأموال، وكانوا في غاية البخل. والثاني - أنهم لو أعطوا الملك، ما أعطوا الناس نقيراً من بخلهم اختاره البلخي وبه قال السدي، وابن جريج.
الجنابذي
تفسير : {أَمْ لَهُمْ} اى للمتبوعين {نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ} حتّى يستحقّوا بذلك الاتّباع وان فرض انّ لهم نصيباً من الملك {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ} الّذين هم المتحقّقون بالانسانيّة وهم الاولياء واصلهم علىّ (ع) فكيف بأشباه النّاس والنّسناس {نَقِيراً} والنّقير النّقطة الّتى فى وسط النّواة يمثّل به فى الحقارة والمعنى انّهم ليس لهم نصيب من الملك حتّى يطمعوا فيه فيتّبعوهم وحالهم ان لو كان لهم نصيب من الملك لما اتوا النّاس شيئاً حقيراً منه فكيف بهم وهم نسناس فلا ملكهم يقتضى الاتّباع ولا حالهم ثمّ صرف القول الى الاتباع والمتبوعين جميعاً فقال تعالى {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ}.
اطفيش
تفسير : {أمْ لَهُم نَصِيبٌ مِّنَ المُلكِ فَإِذا لا يُؤتُونَ النَّاسَ نَقيرًا}: أى انقل سمعك وذهنك يا محمد، الى دعوى اليهود الملك، ألهم نصيب منه؟ فأم بمعنى بل الانتقاليه، والاستفهام الانكارى فى جواب أن الشرطية المحذوفة، أى إن جعل لهم نصيب من الملك فاذن لا يؤتون الناس نقيرا. وإذن حرف جزاء أهملت لوقوعها بعد الفاء، ولو أعملت كما أعملها ابن مسعود فقرأ فاذن لا يؤتون بحذف النون، لجاز كما يجوز فى ظن اذا توسطت الاعمال والاهمال. {والنقير} كناية عن القليل الحقير من المال، وأصله النقطة على ظهر النواة، ومنها تخرج النخلة، وقيل: زعموا أنه سيصير الملك اليهم، فأنكر الله عليهم ذلك بالاستفهام الانكارى، الذى تضمنه أم، وعاب عليهم أنهم ان جعل لهم نصيب من الملك، لم يؤتوا الناس نقيرا، مع أنهم حينئذ ملوك لو كانوا ملوكا، فكيف وهم أذلاء، اما فقراء، وإما مظهروا فقر، لم يكن ومن شأن الملوك الجود. وعن أبى بكر الأصم: كانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة، وكانوا فى عزة ومنعة، على ما عليه أحوال الملك، ومع هذا كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل.
اطفيش
تفسير : {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ} إضراب وتهكم، ونفى أن يكون لهم نصيب، أى بل ألهم نصيب {مِّنَ المُلْكِ} ملك الملوك، أو ملك العلم أو النبوة، ادعت اليهود أنه يرجع إليهم الملك آخر الزمان، ويكون الناس على دينهم، وأنهم أولى بالملك والنبوة من العرب، فكذبهم الله عز وجل، بأنه لا ملك ظاهر وباطن وهو ملك الأنبياء {فَإذَا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ} مطلقا أو الفقراء، أو محمداً صلى الله عليه وسلم وأتباعه رضى الله عنهم {نَقِيراً} مقدار نقرة الإبهام، أن نقرة النواة إن كانوا ملوكا، ومن كان هذا حاله وهوملك فيكف حاله إذ كان فقيراً ذليلا، ومن حق من أوتى الملك أن ينعم على الرعية، وبالبر يستعبد الحر والانقياد إلى الغير مكروه طبعاً، فلا ينقاد الناس إلا لمن فيه نفع لهم، وبالنفع يثبت ملكه. شعر : إذَا مَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَاهِبَهْ فَدَعْهُ فَدَوْلَتهُ ذَاهِبَهْ تفسير : أى إذا لم يكن صاحب عطاء فدولته تذهب.
الالوسي
تفسير : {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ ٱلْمُلْكِ} شروع في تفصيل بعض آخر من قبائحهم، و {أَمْ} منقطعة فتقدر ببل، والهمزة أي بل آلهم، والمراد إنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، وجحد لما تدعيه اليهود من أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان. وعن الجبائي أن المراد بالملك ههنا النبوة أي ليس لهم نصيب من النبوة حتى يلزم الناس اتباعهم وإطاعتهم والأول أظهر لقوله تعالى شأنه {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ} أي أحداً أو الفقراء أو محمداً صلى الله عليه وسلم وأتباعه ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {نَقِيراً} أي شيئاً قليلاً، وأصله ما أشرنا إليه آنفاً. وأخرج ابن جرير من طريق أبـي العالية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: هذا النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم نقرها. وحاصل المعنى على ما قيل: إنهم لا نصيب لهم من الملك لعدم استحقاقهم له بل لاستحقاقهم حرمانه بسبب أنهم لو أوتوا نصيباً منه لما أعطوا الناس أقل قليل منه، ومن حق من أوتي الملك الإيتاء وهم ليسوا كذلك، فالفاء في {فَإِذَا} للسببية والجزائية لشرط محذوف هو أن حصل لهم نصيب لا لو كان لهم نصيب كما قدره الزمخشري لأن الفاء لا تقع في جواب لو سيما مع إذا والمضارع، ويجوز أن تكون الفاء عاطفة والهمزة لإنكار المجموع من المعطوف والمعطوف عليه بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون هذا الذي / وقع وهو أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك حيث كانت لهم أموال وبساتين وقصور مشيدة كالملوك ويعقبه منهم البخل بأقل قليل، وفائدة {إِذَا} زيادة الإنكار والتوبيخ حيث يجعلون ثبوت النصيب الذي هو سبب الإعطاء سبباً للمنع، والفرق بين الوجهين أن الإنكار في الأول: متوجه إلى الجملة الأولى وهو بمعنى إنكار الوقوع. وفي الثاني: متوجه لمجموع الأمرين وهو بمعنى إنكار الواقع، و(إذاً) في الوجهين ملغاة، ويجوز إعمالها لأنه قد شرط في إعمالها الصدارة فإذا نظر إلى كونها في صدر جملتها أعملت، وإن نظر إلى العطف وكونها تابعة لغيرها أهملت، ولذا قرأ ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم ـ فإذا لا يؤتوا الناس ـ بالنصب على الإعمال.
ابن عاشور
تفسير : (أم) للإضراب الانتقالي. وهي تؤذن بهمزة استفهام محذوفة بعدها، أي: بل ألَهُم نصيب من الملك فلا يؤتون الناس نقيراً. والاستفهام إنكاري حكمه حكم النفي. والعطف بالفاء على جملة {لهم نصيب} وكذلك (إذن) هي جزاء لجملة {لهم نصيب}، واعتبر الاستفهام داخلاً على مجموع الجملة وجزائها معاً؛ لأنّهم ينتفي إعطاؤهم الناس نقيراً على تقدير ثبوت المُلك لهم لا على انتفائه. وهذا الكلام تهكّم عليهم في انتظارهم هو أن يرجع إليهم ملك إسرائيل، وتسجيل عليهم بالبخل الذي لا يُؤاتي من يَرْجون المُلك. كما قال أبو الفتح البستي:شعر : إذَا مَلِكَ لَمْ يَكُن ذَا هِبَهْ فدَعْه فدولتُه ذَاهِبَهْ تفسير : وشحّهم وبُخلهم معروف مشهور. والنقير: شَكْلَةٌ في النواة كالدائرة، يضرب بها المثَل في القلّة. ولذلك عقّب هذا الكلام بقوله {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}. والاستفهام المقدّر بعد (أم) هذه إنكار على حسدهم، وليس مفيداً لنفي الحسد لأنّه واقع. والمراد بالناس النبي صلى الله عليه وسلم والفضل النبوءة، أو المراد به النبي والمؤمنون، والفضلُ الهُدى بالإيمان. وقوله {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب} عطف على مقدّر من معنى الاستفهام الإنكاري، توجيهاً للإنكار عليهم، أي فلا بدع فيما حسدوه إذ قد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة والملك. وآل إبراهيم: أبناؤه وعقبه ونسله، وهو داخل في هذا الحكم لأنّهم إنّما أعطوه لأجل كرامته عند الله ووعد الله إيّاه بذلك. وتعريف (الكتاب): تعريف الجنس، فيصدق بالمتعدّد، فيشمل صحف إبراهيم، وصحف موسى، وما أنزل بعد ذلك. والحكمة: النبوءة، والملك: هو ما وعد الله به إبراهيم أن يعطيه ذرّيته وما آتى الله داوود وسليمان وملوكَ إسرائيل. وضمير {منهم} يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير {يحسدون}. وضمير {به} يعود إلى الناس المراد منه محمّد ــــ عليه السلام ــــ: أي فمِنَ الذين أوتوا نصيباً من الكتاب مَن آمن بمحمّد، ومنهم من أعرض. والتفريع في قوله: {فمنهم} على هذا التفسير ناشيء على قوله {أم يحسدون الناس}. ويجوز أن يعود ضمير {فمنهم} إلى آل إبراهيم، وضمير {به} إلى إبراهيم، أي فقد آتيناهم ما ذُكر. ومن آله من آمن به، ومنهم من كفر مثل أبيه آزر، وامْرأةِ ابن أخيه لوط، أي فليس تكذيب اليهود محمّدا بأعجب من ذلك، {أية : سُنَّة من قد أرسلنا قبلَك من رُسلنا}تفسير : [الإسراء: 77]، ليَكون قد حصل الاحتجاج عليهم في الأمرين في إبطال مستند تكذيبهم؛ بإثباتِ أنّ إتيان النبوءة ليس ببدع، وأن محمّدا من آل إبراهيم، فليس إرساله بأعجب من إرسال موسى. وفي تذكيرهم بأنّ هذه سنّة الأنبياء حتى لا يَعُدّوا تكذيبهم محمّدا صلى الله عليه وسلم ثلمة في نبوءته، إذ لا يعرف رسولا أجمْعَ أهل دعوته على تصديقه من إبراهيم فَمن بعده. وقوله: {وكفى بجهنم سعيراً} تهديد ووعيد للّذين يؤمنون بالجبت والطاغوت. وتفسير هذا التركيب تقدّم آنفاً في قوله تعالى: {أية : وكفى بالله وليّاً}تفسير : من هذه السورة [النساء: 45].
د. أسعد حومد
تفسير : (53) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاءِ اليَهُودِ أنْ يَكُونَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ وَالتَّصَرُّفِ، بَعْدَ أنْ فَقَدُوهُ بِكُفْرِهِمْ، وَظُلْمِهِمْ، وَطُغْيَانِهِمْ، وَإيمَانِهِمْ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، ثُمَّ يَصِفُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالبُخْلِ وَالأثَرَةِ، وَيَقُولُ: لَوْ أنَّهُمْ كَانَ لَهُمُ المُلْكُ، وَحَقُّ التَّصَرُّفِ، لَمَا أَعْطَوا النَّاسَ شَيئاً، خَوْفاً مِنْ أنْ يَنْفَدَ مَا لَدَيْهِمْ، وَلَحَصَرُوا مَنَافِعَهُ فِي أنْفُسِهِمْ. النَّقِيرُ - نُقْطَةٌ صَغِيرَةٌ فِي نَوَاةِ التَّمْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وما هي حكاية قوله: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} [النساء: 53]؟ إنه - سبحانه - يصفهم بفرط البخل وشدة الشح، أي أنهم - في واقع الأمر - ليس لهم ملك الدنيا وليس لهم - أيضاً - ملك الله؛ فالملك له وحده - جل شأنه - يؤتيه مَنْ يشاء وينزعه ممن يشاء ولكنهم لو أعطوا ملك الدنيا وملك الله لبخلوا وضنُّوا بما في أيديهم. كما جاء في قوله سبحانه: {أية : قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} تفسير : [الإسراء: 100]. أي: أنكم تخشون الإنفاق حتى لا تقل الأموال عندكم، فلو أخذتم خزائن ربنا فستقولون لو أخذنا منها وأعطينا الناس لقلَّت! وفحوى العبارة: أن كل هؤلاء سواء أكانوا كفار قريش أم كبراء اليهود، كانوا يحافظون على مكانتهم وأموالهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليسوي بين الناس، فمَنْ الذي يحزن؟ الذي يحزن هم الذين كانت لهم السيادة لأنهم لا يريدون أن تتساوى الرءوس، وياليتهم عندما أخذوا السيادة جعلوها خيراً للناس، لكنهم لم يفعلوا. فلو كان لهم الملك والأموال لن يُعطوا للناس نقيراً؛ لأن الإنسان بطبيعته لا ينزل عن جبروته؛ لأن هذا الجبروت يعطيه سلطاناً، وما دام الجبروت أعطاه سلطاناً فلا يلتفت إلى حقيقة الإيمان، فإن خير الخير أن يدوم الخير، فليس فقط أن تكون في خير وسلطة لكن اضمن أنه يدوم، وهذا الدوام ستأخذه بعمر الدنيا وأمدها قليل وعمرك فيها غير مضمون، إذن فدوام الخير هناك في الآخرة: {أية : لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} تفسير : [الواقعة: 33]. فأنتم إن كنتم تحرصون على هذا الجاه، وتريدون أن يكون لكم هذا الملك والجاه والعظمة فهل أنتم تعطون الناس من خيركم هذا حتى يكون هناك عذر لكم في الحرص على المال بأن الناس تستفيد منكم؟ فلماذا تريدون أن يديم ربنا عليكم هذه وأنتم في قمة البخل والشح؟ لا يمكن أن يديمها عليكم. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الفجر يوضح هذه العملية: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 15-16]. إذن فالذي عنده نعمة يقول: {أية : رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} تفسير : [الفجر: 15]، والذي ليس عنده نعمة يقول: {أية : رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 16]، فيقول الحق تعقيباً على القضيتين {أية : كَلاَّ ..} تفسير : [الفجر: 17]. وما دام سبحانه يقول تعقيباً على القضيتين: {أية : كَلاَّ ..} تفسير : [الفجر: 17] فمعنى هذا أن كلا الطرفين كاذب؛ فأنت تكذب يا من قلت: إن النعمة التي أخذتها دليل الإكرام، وأنت كذاب أيضاً يا من قلت: عدم المال دليل الإهانة، فلا إعطاء المال دليل الإكرام، ولا سلب المال دليل الإهانة. وهي قضية غير صادقة وخاطئة من أساسها. وقال الحق في حيثيات ذلك: {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ} تفسير : [الفجر: 17]. أي عندكم المال ولا تكرمون اليتيم، إذن فهذا المال هو حجة عليكم، فهو ليس إكراماً لكم بل سيعذبكم به. ويضيف سبحانه: {أية : وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} تفسير : [الفجر: 18]. فكيف يكون المال - إذن - إكراماً وهو سيأتيك بمصيبة؟ فعدمه أفضل؛ فالمال الذي يوجد عند إنسان ولا يرعى حق الضعفاء فيه هو وبال وشرّ؛ لأن الحق يقول: {أية : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ..} تفسير : [آل عمران: 180]. فإن بخلت كثيراً فستطوّق بغُل أشد؛ ولذلك عندما يشتد عليه الغُلّ يقول: يا ليتني خففت هذا الغل، والحق يتساءل في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لماذا يتفقون مع معسكر الشرك، ويتركون النصيب الذي أعطوه من الكتاب، ويذهبون ليقولوا للذين كفروا: أنتم أهدى من محمد سبيلاً مع أنهم يعلمون بحكم ما عندهم من نصيب الكتاب أن محمداً على حق؟ لقد كانوا يحافظون على سيادتهم، ومعسكر الشرك يحافظ على سيادته، ونعلم أن اليهود كانوا في المدينة من أصحاب الثروات، وكانوا يعيشون على الربا، وهم أصحاب الحصون، وأصحاب الزراعات وأصحاب العلم، إذن فقد أخذوا كل عناصر السيادة. وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم تزلزلت كل هذه المسائل من تحت أقدامهم، وحزنوا. وكذلك كفار قريش: كانت لهم السيادة على كل الجزيرة، فلا يستطيع أحد من أي قبيلة في الجزيرة أن يتعرض لقافلة قريش؛ لأن القبائل تخاف من التعرض لهم، ففي موسم الحج تذهب كل القبائل في حضن قريش. والمهابة المأخوذة لهم جاءت لهم من البيت الحرام الذي حفظه الله ورعاه وهزم مَنْ أراده بسوء وردّ كيده ودمره تدميراً تاماً. كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 1-5]. وعلّة هذه العملية تأتي في السورة التالية لها، وهي قوله سبحانه: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} تفسير : [قريش: 1-2]. فلولا أنه سبحانه جعل هذا البيت لعبادته لانتهى وانتهت منهم السيادة فلا يقدرون أن يذهبوا إلى رحلة الشتاء ولا إلى رحلة الصيف؛ ولذلك يقول سبحانه: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} تفسير : [قريش: 3]. فسبحانه الذي جعل لهم السيادة والعزّ. وهو: {أية : ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4]. وجاء لهم بثمرات كل شيء، وآمنهم من خوف حين تسير قوافلهم في الشمال وفي الجنوب. {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ ..} [النساء: 53] فإذا كان لهم هذا النصيب، فلا يأتون الناس نقيرا أي لا يعطونهم الشيء التافه. ويقول الحق بعد ذلك: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "النقير" [الآية: 53]. حبة النواة التي في وسطها. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا / 15و / إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. وهم أَعداءُ الله، اليهود حسدوا محمداً، صلى الله عليه وسلم، يقول الله: {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} وليسوا منهم، {وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} [الآية: 54]. يعني: النبوة {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} بما أَنزل على محمد. يعني من اليهود {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} [الآية: 54]. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله عز وجل: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} [الآية: 59] يعني: أَولى الفقه في الدين والعقل. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: يعني أُولى الفقه والعلم والرأْي والفضل [الآية: 59]. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [الآية: 59]. يعني: أَحسن تبحراً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إمارة أخرى بقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ} [النساء: 53]؛ يعني: إمارة المغرورين بعلم الظاهر الممكورين بمكر النفس والشيطان، بل بمكر الحق إن لو كان لأحدهم من المال والملك نصيب وأفسر، {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} [النساء: 53]، من أهل الحق والعلم الحقير، نقيراً من الحسد والبغض والحقد لأرباب الحقيقة والمنافاة فيما بينهم. ثم أخبر عن إمارة أخرى فيهم وهي الحسد بقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} [النساء: 54]، وهم أرباب الحقيقة {عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 54]؛ أي: من علوم لدنية من غير تعليم، هو أعطاهم وعلمهم فضلاً منه ورحمة، فلا يضرهم حسد الحاسدين، {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} [النساء: 54]، والإشارة في: آل إبراهيم إلى أهل الخلة والمحبة فإنهم آل إبراهيم في الخلة، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم من آلك يا رسول الله؟ فقال: "كل مؤمن"، ويشير بالكتاب والحكمة إلى العلم الظاهر الذي يتعلق بالكتابة والدراسة، والعلم الباطن الذي يتعلق بأحكام الإيقان من شواهد الغيب؛ يعني: فإن أرباب الحقية الذين يقتدى بهم في هذا الشأن من أعطاهم العلم الظاهر من علم الكتاب والسنة، والعلم الباطن الذي هو الحكمة، {وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} [النساء: 54]؛ يعني: معرفة الله تعالى، فإن الملك الحقيقي هو المعرفة العظيمة على الإطلاق. ثم أخبر عن علماء الظاهر المقبول المقبل منهم والمردود والمدبر منهم، بقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} [النساء: 55]، يشير إلى من صدق العلماء المحققين بما أعطاهم الله واستفاد منهم بالصدق والإرادة، وما حسد عليهم، {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} [النساء: 55]، واعترض عليه وأنكره وحسده وآذاه بالقول والفعل مهما قدر عليه، {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ} [النساء: 55]، نفسه المنكرة الملعونة الحاسدة، {سَعِيراً} [النساء: 55]، تسعر على حسناتهم نار الحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، فيحشر يوم القيامة بلا حسنات {أية : وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ}تفسير : [البقرة: 81]، {أية : أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ}تفسير : [الأعراف: 36]، بل يكون هو سعيراً يه تسعر جهنم على أهلها، كقوله تعالى: {أية : نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}تفسير : [التحريم: 6]، فافهم جيداً، وانتبه واعتبر. ثم أخبر عن حال من كفر بهذه الآيات وتوجد فيه هذه الإمارات بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} [النساء: 56]، إشارة في الآية: إن الذين كفروا؛ أي: جحدوا من مدعي العلم بآياتنا؛ يعني: بأوليائنا، وإن الأولياء هم مظهر آيات الحق ومظهرها، وهم بذواتهم مظهر آيات العالمين وحجج من الحق على الخلق، كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} تفسير : [المؤمنون: 50]، {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ} [النساء: 56]؛ يعني: في الدنيا نار الحسد والإنكار، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} [النساء: 56]؛ أي: صفاتهم بنار الحسد، {بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء: 56] من الصفات، وذلك أن للإنسان جلوداً بعضها نوراني وهو الصفات الحميدة الروحانية، وبعضها ظلماني وهي الصفات الذميمة النفسانية، وكن للنوراني جلود وجميعها بالنسبة إلى نور التوحيد والمعرفة وهو نور الله جلود، ولهذا ذكر الله تعالى النور بلفظ الوجدان والظلمات بلفظ الجمع في مواضع من القرآن، كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام: 1]، وقوله تعالى: {أية : يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ}تفسير : [البقرة: 257]، وجمع الصفات النورانية الروحانية والظلمات النفسانية حجاب بين العبد والرب، كما قال تعالى: "حديث : إن لله تعالى سبعين ألف حجاباً من نور وظلمة"تفسير : ، فإذا عمل العبد عملاً على وفق الشرع وخلاف النفس والهوى، يجعل الله تعالى بإكسير الشرع بعض نحاس الصفات الظلمانية النفسانية على قدر العمل فضة الصفات النورانية الروحانية، وبعض صفة الروحانية نير الولاية النورانية الربانية، وهذا سر قوله: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257]؛ يعني: ظلمات الخليقة إلى نور صفات الخالقية، فإن صفات الخلقية بالنسبة إلى نور صفات الخالقية كلها {أية : ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}تفسير : [النور: 40]، وهي جلودات نور الإلهية، فافهم جيداً. فالعبد يتقرب إلى الله بأداء الفرائض والسنن والنوافل، ويجعل صفات نفسه وفضة صفات روحه مستعداً لقبول تصرفات إكسير الشرع، والل تعالى يتقرب إليه بطرح إكسير الفيض الرباني على نحاس صفات نفسه وفضة صفات روحه، فيصير جلود صفات لب صفات الروح وجلود صفات نور الولاية إلى أن تصير الجلود، وقوله: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً ولساناً"تفسير : ، تفهم إن شاء الله. وكذلك إذا عمل العبد على وفق الطبع ومتابعة الهوى ومخالفة الشرع، يصير بإكسير الشقاوة بعض فضية الصفات النورانية الروحانية نحاس الصفات الظلمانية النفسانية على قدر العمل، فيصير اللب جلداً وقشراً إلى أن تصير الألباب النورانية كلها جلوداً ظلمانية، وهذا سر قوله تعالى: {أية : أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ}تفسير : [البقرة: 258]، فالإشارة في قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} [النساء: 56]، إن جلود الصفات الروحانية كلما نضجت بنار الحسد والبخل، والحقد والكبر، والإنكار والجحود وغيره من الأخلاق الذميمة ومخالفات الشريعة، {بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} [النساء: 56]، من الصفات النفسانية الظلمانية، {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} [النساء: 56]، البعد والمحجوبية عن الله تعالى وعذاب المبدلية من الصفات النورانية الروحانية إلى الصفات الظلمانية النفسانية، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً} [النساء: 56]، فلعزته لا يهتدي إليه كل جبار متكبر سفيه النفس، وفي الهمة قصير النظر ركيك العقل عابد الهوى أسير الشهوة، قليل النخوة كثير الحسد والحرص، طالب الدنيا المعجب برأيه الخبيث في ذاته المفسد في صفاته، {حَكِيماً} [النساء: 56]، هدى بحكمته أولياء، وإلى حضرته كل هين سهل قريب متواضع، قانع صابر شاكر، سليم مستسلم، كريم النفس رقيق القلب خفيف الروح على الهمة، دقيق النظر لطيف الطبع دائم السرور، الشريف في ذاته الكريم في أخلاقه وصفاته، فمن جعل لبابة الروحانية هاهنا في الجلود من الصفات النفسانية، فيحشر يوم القيامة وكل وجوده جلود لا لب له، فيصلى النار {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} [النساء: 56]، وهذا النضج والتبديل كان حاصلاً له في الدنيا ولكن لم يذق المسه حتى ينتبه، "فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"، فافهم جيداً، وتنبه يا مسكين لعلك تفلح.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):