Verse. 547 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اَمْ يَحْسُدُوْنَ النَّاسَ عَلٰي مَاۗ اٰتٰىھُمُ اللہُ مِنْ فَضْلِہٖ۝۰ۚ فَقَدْ اٰتَيْنَاۗ اٰلَ اِبْرٰہِيْمَ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَۃَ وَاٰتَيْنٰھُمْ مُّلْكًا عَظِيْمًا۝۵۴
Am yahsudoona alnnasa AAala ma atahumu Allahu min fadlihi faqad atayna ala ibraheema alkitaba waalhikmata waataynahum mulkan AAatheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم» بل «يحسدون الناس» أي النبي صلى الله عليه وسلم «على ما آتاهم الله من فضله» من النبوة وكثرة النساء، أي يتمنون زواله عنه ويقولون لو كان نبيا لاشتغل عن النساء «فقد آتينا آل إبراهيم» جده كموسى وداود وسليمان «الكتاب والحكمة» والنبوة «وآتيناهم ملكا عظيما» فكان لداود تسع وتسعون امرأة ولسليمان ألف ما بين حُرَّةِ وسرية.

54

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: أم: منقطعة، والتقدير بل يحسدون الناس. المسألة الثانية: في المراد بلفظ «الناس» قولان: الأول: وهو قول ابن عباس والأكثرين انه محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم، ومن هذا يقال: فلان أمة وحده، أي يقوم مقام أمة، قال تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا } تفسير : [النحل: 120]. والقول الثاني: المراد ههنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين، وقال من ذهب إلى هذا القول: ان لفظ الناس جمع، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد. واعلم أنه إنما حسن ذكر الناس لارادة طائفة معينة من الناس، لأن المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية، كما قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] فلما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن كان على دينه كان وهو وأصحابه كأنهم كل الناس، فلهذا حسن إطلاق لفظ الناس وإرادتهم على التعيين: المسألة الثالثة: اختلفوا في تفسير الفضل الذي لأجله صاروا محسودين على قولين: فالقول الأول: انه هو النبوة والكرامة الحاصلة بسببها في الدين والدنيا. والقول الثاني: انهم حسدوه على انه كان له من الزوجات تسع. واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة، فكلما كانت فضيلة الانسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين، ثم انه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم، وضم اليها انه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصاراً وأعواناً وكل ذلك مما يوجب الحسد العظيم. فاما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما ذكرناه، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به، بل ان جعل الفضل اسما لجميع ما أنعم الله تعالى به عليه دخل هذا أيضا تحته، فأما على سبيل القصر عليه فبعيد. واعلم أنه تعالى لما بين أن كثرة نعم الله عليه صارت سببا لحسد هؤلاء اليهود بين ما يدفع ذلك فقال: {أية : فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } تفسير : [النساء: 54] والمعنى أنه حصل في أولاد ابراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونه، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه؟ واعلم أن {ٱلْكِتَـٰبِ } إشارة إلى ظواهر الشريعة {وَٱلْحِكْــمَةِ } إشارة إلى أسرار الحقيقة، وذلك هو كمال العلم، وأما الملك العظيم فهو كمال القدرة. وقد ثبت أن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة، فهذا الكلام تنبيه على أنه سبحانه آتاهم أقصى ما يليق بالانسان من الكمالات، ولما لم يكن ذلك مستبعدا فيهم لا يكون مستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنهم لما استكثروا نساءه قيل لهم: كيف استكثرتهم له التسع، وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة بالمهر وسبعمائة سرية؟ ثم قال تعالى: {مِنْهُمْ مّنْ آمن بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} واختلفوا في معنى «به» فقال بعضهم: بمحمد عليه الصلاة والسلام، والمراد أن هؤلاء القوم الذين أوتوا نصيبا من الكتاب آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والانكار. وقال آخرون: المراد من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والمعنى أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم، فان أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت، وذلك تسلية من الله ليكون أشد صبرا على ما ينال من قبلهم. ثم قال: {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً } أي كفى بجهنم في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين. سعيرا، والسعير الوقود، يقال أوقدت النار وأسعرتها بمعنى واحد.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ} يعني اليهود. {ٱلنَّاسَ} يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّةً، عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. حسدوه على النبوّة وأصحابَه على الإيمان به. وقال قتادة: «الناس» العرب، حسدتهم اليهود على النبوّة. الضحاك: حسدت اليهود قريشاً؛ لأن النبوّة فيهم. والحسد مذموم وصاحبه مغموم. وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب؛ رواه أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد؛ نَفَس دائم، وحزن لازم، وعَبرة لا تنفد. وقال عبد الله بن مسعود: لا تُعادُوا نِعم الله. قيل له: ومَن يعادي نِعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، يقول الله تعالى في بعض الكتب: الحسود عدوّ نعمتي متسخط لقضائي غيرُ راضٍ بقسمتي. ولمنصور الفقيه: شعر : ألاَ قُلْ لمن ظَلّ لي حاسدا أتدرِي على مَن أسأتَ الأدَبْ أسأتَ على اللَّه في حكمه إذا أنتَ لم ترض لي ما وَهَبْ تفسير : ويقال: الحسد أوّل ذنب عُصي الله به في السماء، وأوّل ذنب عُصي به في الأرض؛ فأما في السماء فحسَدُ إبليس لآدم، وأما في الأرض فحسدُ قابِيلَ لهابيلَ. ولأبي العتاهية في الناس: شعر : فيا ربِّ إن الناس لا ينصفونَنِي فكيف ولو أنصفتُهم ظلَمونِي وإن كان لي شيءٌ تصدَّوْا لأخذه وإن شئتُ أبغِي شيئَهم منعوني وإن نالهم بذْلي فلا شُكرَ عندهم وإن أنا لم أبذُلْ لهم شتمُونِي وإنْ طَرقَتْنِي نكبةٌ فكِهُوا بها وإن صَحِبتني نعمةٌ حسدوني سأمنع قلبي أن يَحنّ إليهمو وأحجب عنهم ناظري وجُفونِي تفسير : وقيل: إذا سَرّك أن تسلم من الحاسد فغَمَ عليه أمرك. ولرجل من قريش: شعر : حسدوا النعمةَ لما ظهرتْ فرموها بأباطيل الكَلِمْ وإذا ما ٱللَّه أسدَى نعمة لم يَضِرْها قولُ أعداء النِّعَمْ تفسير : ولقد أحسن من قال: شعر : ٱصبِرْ على حسدِ الحسو د فإن صبرك قاتلُه فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكُله تفسير : وقال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى: { أية : رَبَّنَآ أَرِنَا ٱللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ } تفسير : [فصلت: 29]. إنه إنما أراد بالذي من الجنّ إبليس والذي من الإنس قابيل؛ وذلك أن إبليس كان أوّل من سنّ الكفر، وقابيل كان أوّل من سنّ القتل، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد. وقال الشاعر: شعر : إن الغُرابَ وكان يمشي مشيةً فيما مضى من سالف الأحوالِ حسد القَطاةَ فَرَامَ يمشِي مشيَها فأصابه ضربٌ من التّعقالِ تفسير : الثانية ـ قوله تعالى: {فَقَدْ آتَيْنَآ} ثم أخبر تعالى أنه آتى آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكا عظيماً. قال همام بن الحارث: أُيِّدوا بالملائكة. وقيل: يعني ملك سليمان؛ عن ابن عباس. وعنه أيضاً: المعنى أم يحسدون محمداً على ما أحلّ الله له من النساء فيكون المُلْك العظيم على هذا أنه أحل لداود تسعا وتسعين امرأة ولسليمان أكثر من ذلك. واختار الطّبرِي أن يكون المراد ما أوتيه سليمان من الملك وتحليل النساء. والمراد تكذيب اليهود والردّ عليهم في قولهم: لو كان نبياً ما رغب في كثرة النساء ولشغلته النبوّة عن ذلك؛ فأخبر الله تعالى بما كان لداود وسليمان يوبّخهم، حديث : فأقرّت اليهود أنه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألف امرأة»؟ ٰ قالوا: نعم ثلاثمائة مَهْرية، وسبعمائة سَرِيَة، وعند داود مائة امرأة. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألف عند رجل ومائة عند رجل أكثر أوتسع نسوة» تفسير : ؟ فسكتوا. وكان له يومئذ تسع نسوة. الثالثة ـ يقال: إن سليمان عليه السلام كان أكثر الأنبياء نساء. والفائدة في كثرة تزوّجه أنه كان له قوة أربعين نبِياً، وكل من كان أقوى فهو أكثر نكاحا. ويقال: إنه أراد بالنكاح كثرة العشيرة؛ لأن لكل امرأة قبيلتين قبيلة من جهة الأب وقبيلة من جهة الأم؛ فكلما تزوج امرأة صرف وجوه القبيلتين إلى نفسه فتكون عَونا له على أعدائه. ويقال: إن كل من كان أتقى فشهوته أشدّ؛ لأن الذي لا يكون تقياً فإنما يتفرّج بالنظر والمس، ألا ترى ما رُوي في الخبر: « حديث : العينان تزنيان واليدان تزنيان » تفسير : . فإذا كان في النظر والمس نوع من قضاء الشهوة قل الجماع، والمُتَّقي لا ينظر ولا يمس فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه فيكون أكثَر جماعا. وقال أبو بكر الورّاق: كلّ شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفي القلب؛ ولهذا كان الأنبياء يفعلون ذلك. الرابعة ـ قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} يعني بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه تقدّم ذكره وهو المحسود. {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أعرض فلم يؤمن به. وقيل: الضمير في «بِهِ» راجع إلى إبراهيم. والمعنى: فمن آل إبراهيم مَن آمن به ومنهم من صدّ عنه. وقيل: يرجع إلى الكتاب. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو العرب، أو الناس جميعاً لأن من حسد على النبوة فكأنما حسد الناس كلهم كمالهم. ورشدهم وبخعهم وأنكر عليهم الحسد كما ذمهم على البخل وهما شر الرذائل وكأن بينهما تلازماً وتجاذباً. {عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يعني النبوة والكتاب والنصرة والإِعزاز وجعل النبي الموعود منهم. {فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ} الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم وأبناء عمه. {ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } النبوة. {وَآتَيْنَاهُمْ مُلكاً عَظِيماً} فلا يبعد أن يؤتيه الله مثل ما آتاهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمْ } بل {يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ } أي النبي صلى الله عليه وسلم {عَلَىٰ مَا ءَاتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } النبوّة وكثرة النساء، أي يتمنون زواله عنه ويقولون لو كان نبيا لاشتغل عن النساء {فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرٰهِيمَ } جدّه كموسى وداود وسليمان {ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } والنبوّة {وَءَاتَيْنَٰهُم مُلْكاً عَظيماً } فكان لداود تسع وتسعون امرأة ولسليمان ألف ما بين حُرَّةٍ وسُرِّية

ابن عبد السلام

تفسير : {يَحْسُدُونَ النَّاسَ} اليهود حسدت العرب، أو محمداً صلى الله عليه وسلم عبر عنه بالناس، أو محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ أجمعين. {فَضْلِهِ} النبوة كيف جعلت في العرب، أو ما أبيح للرسول صلى الله عليه وسلم من النكاح بغير حصر ولا عد قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ. {مًّلْكاً عَظِيماً} ملك سليمان عليه الصلاة والسلام، أو النبوة، أو ما أيدوا به من الملائكة. أما ما أبيح لداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام من النكاح، فنكح سليمان مائة، وداود تسعاً وتسعين.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏أم يحسدون الناس‏} ‏ قال‏:‏ هم يهود‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ قال أهل الكتاب‏:‏ زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة وليس همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا‏.‏ فأنزل الله هذه الآية ‏ {‏أم يحسدون الناس‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏ملكاً عظيماً‏}‏ يعني ملك سليمان‏. وأخرج ابن المنذر عن عطية قال‏:‏ قالت اليهود للمسلمين‏:‏ تزعمون أن محمداً أوتي الدين في تواضع وعنده تسع نسوة، أي ملك أعظم من هذا‏؟‏ فأنزل الله ‏{‏أم يحسدون الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك‏.‏ نحوه‏.‏ وأخرج ابن المنذر والطبراني من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله ‏ {‏أم يحسدون الناس‏}‏ قال‏:‏ نحن الناس دون الناس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ‏ {‏أم يحسدون الناس‏} ‏ قال‏:‏ الناس في هذا الموضع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد ‏ {‏أم يحسدون الناس‏} ‏ قال‏:‏ محمد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال‏:‏ أعطى النبي صلى الله عليه وسلم بضع وسبعين شاباً، فحسدته اليهود فقال الله ‏ {‏أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في الآية قال‏:‏ يحسدون محمداً حين لم يكن منهم وكفروا به‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية ‏ {‏أم يحسدون الناس‏} ‏ قال‏:‏ أولئك اليهود، حسدوا هذا الحي من العرب ‏ {‏على ما آتاهم الله من فضله‏} ‏ بعث الله منهم نبياً فحسدوهم على ذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ‏ {‏على ما آتاهم الله من فضله‏}‏ قال‏:‏ النبوة‏.‏ وأخرج أبو داود والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏فقد آتينا آل إبراهيم‏}‏ سليمان وداود ‏ {‏الكتاب والحكمة‏} ‏ يعني النبوة ‏ {‏وآتيناهم ملكاً عظيماً‏} ‏ في النساء، فما باله حل لأولئك الأنبياء وهم أنبياء أن ينكح داود تسعاً وتسعين امرأة وينكح سليمان مائة امرأة لا يحل لمحمد أن ينكح كما نكحوا‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ كان في ظهر سليمان مئة رجل، وكان له ثلثمائة امرأة وثلثمائة سرية‏.‏ وأخرج الحاكم في المستدرك عن محمد بن كعب قال‏:‏ بلغني أنه كان لسليمان ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن همام بن الحارث ‏ {‏وآتيناهم ملكاً عظيماً‏} ‏ قال‏:‏ ايدوا بالملائكة والجنود‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏وآتيناهم ملكاً عظيماً‏} ‏ قال‏:‏ النبوة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن. مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد فمنهم من آمن به قال بما أنزل على محمد من يهود‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏فمنهم من آمن به‏} ‏ اتبعه ‏ {‏ومنهم من صد عنه‏} ‏ يقول‏:‏ تركه فلم يتبعه‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ زرع إبراهيم خليل الرحمن وزرع الناس في تلك السنة، فهلك زرع الناس وزكا زرع إبراهيم، واحتاج الناس إليه فكان الناس يأتون إبراهيم فيسألونه منه فقال لهم‏:‏ من آمن أعطيته ومن أبى منعته‏.‏ فمنهم من آمن به فأعطاه من الزرع ومنهم من أبى فلم يأخذ منه‏.‏ فذلك قوله ‏{‏فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيراً‏} ‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة‏} ‏ ومحمد من آل إبراهيم‏.‏ وأخرج ابن الزبير بن بكار في الموقفيات عن ابن عباس أن معاوية قال‏:‏ يا بني هاشم إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة كما استحقيتم النبوة، ولا يجتمعان لأحد، وتزعمون أن لكم ملكا‏ً.‏ فقال له ابن عباس‏:‏ أما قولك أنا نستحق الخلافة بالنبوّة، فإن لم نستحقها بالنبوّة فبم نستحقها‏؟‏‏!‏ وأما قولك أن النبوة والخلافة لا يجتمعان لأحد فأين قول الله ‏{‏فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيما‏ً}‏‏؟‏ فالكتاب النبوّة، والحكمة السنة، والملك الخلافة، نحن آل إبراهيم أمر الله فينا وفيهم واحد، والسنة لنا ولهم جارية، وأما قولك زعمنا أن لنا ملكاً فالزعم في كتاب الله شك، وكل يشهد أن لنا ملكاً لا تملكون يوماً إلا ملكنا يومين، ولا شهراً إلا ملكنا شهرين، ولا حولاً إلا ملكنا حولين‏.‏ والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} منقطعةٌ أيضاً مفيدةٌ للانتقال من توبـيخهم بما سبق إلى توبـيخهم بالحسد الذي هو شرُّ الرذائلِ وأقبحُها لا سيما على ما هم بمعزل من استحقاقه، واللام في الناس للعهد والإشارةِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وحملُه على الجنس ــ إيذاناً بحيازتهم للكمالات البشريةِ قاطبةً فكأنهم هم الناسُ لا غيرُ لا يلائمه ذكرُ حديثِ آلِ إبراهيمَ فإن ذلك لتذكير ما بـين الفريقين من العلاقة الموجبةِ لاشتراكهما في استحقاق الفضلِ، والهمزةُ لإنكار الواقعِ واستقباحِه فإنهم كانوا يطمعون أن يكون النبـيُّ الموعودُ منهم فلما خصَّ الله تعالى بتلك الكرامةِ غيرَهم حسدوهم أي بل أيحسُدونهم {عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يعني النبوةَ والكتابَ وازديادَ العزِّ والنصرِ يوماً فيوماً، وقولُه تعالى: {فَقَدْ ءاتَيْنَا} تعليلٌ للإنكار والاستقباحِ وإلزامٌ لهم بما هو مُسلَّمٌ عندهم وحسمٌ لمادة حسَدِهم واستبعادِهم المبنيَّـيْن على توهّم عدمِ استحقاقِ المحسودِ لِما أوتيَ من الفضل ببـيان استحقاقِه له بطريق الوراثةِ كابراً عن كابر، وإجراءُ الكلامِ على سَنن الكبرياءِ بطريق الالتفاتِ لإظهار كمالِ العنايةِ بالأمر، والمعنى أن حسدَهم المذكورَ في غاية القبحِ والبُطلانِ فإنا قد آتينا من قبلِ هذا {آلَ إِبْرٰهِيمَ} الذين هم أسلافُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام أو أبناءُ أعمامِه {ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي النبوة {وَءاتَيْنَـٰهُمْ} مع ذلك {مُّلْكاً عَظِيماً} لا يقادَر قدرُه فكيف يستبعدون نبوتَه عليه الصلاة والسلام ويحسُدونه على إيتائها، وتكريرُ الإيتاءِ لما يقتضيه مقامُ التفضيلِ مع الإشعار بما بـين النبوةِ والمُلكِ من المغايرة، فإن أريد به الإيتاءُ بالذات فالمرادُ بآل إبراهيمَ أنبـياؤهم خاصة، والضميرُ المنصوبُ في الفعل الثاني لبعضهم إما بحذف المضافِ أو بطريق الاستخدامِ لما أن المُلكَ لم يُؤتَ كلَّهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: الملكُ في آل إبراهيمَ مُلكُ يوسفَ وداودَ وسليمانَ عليهم السلام إن أريد به ما يعُمّه وغيرَه من الإيتاء بالواسطةِ وهو اللائقُ بالمقام والأوفقُ لما قبله من نسبة إيتاءِ الفضلِ إلى الناس، فالمرادُ بآل إبراهيمَ كلُّهم فإن تشريفَ البعضِ بما ذُكر من إيتاء النبوةِ والمُلكِ تشريفٌ للكل لاعتنائهم بآثاره واقتباسِهم من أنواره، وفي تفصيل ما أُوتوه وتكريرِ الفعلِ ووصفِ المُلكِ بالعِظَم وتنكيرِه التفخيميِّ ــ مع تأكيد الإلزامِ وتشديدِ الإنكارِ ــ ما لا يخفى. هذا هو المتبادرُ من النظم الكريمِ وإليه جنحَ جمهورُ أئمةِ التفسيرِ لكن الظاهرَ حينئذ أن يكون قولُه تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} حكايةً لما صدر عن أسلافهم عَقيبَ وقوعِ المحكيِّ من غير أن يكون له دخْلٌ في الإلزام الذي سيق له الكلامُ أي فمن جنس هؤلاءِ الحاسدين وآبائِهم مَن آمن بما أوتي آلُ إبراهيمَ ومنهم من أعرضَ عنه، وأما جعلُ الضميرين لما ذُكر من حديث آلِ إبراهيمَ فيستدعي تراخيَ الآيةِ الكريمةِ عما قبلها نزولاً، كيف لا وحكايةُ إيمانِهم لاحديث المذكورِ وإعراضِهم عنه بصيغة الماضي إنما يُتصوّر بعد وقوع الإيمانِ والإعراضِ المتأخِّرَين عن سماع الحديثِ المتأخرِ عن نزوله، وكذا جعلُهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذِ الظاهرُ بـيانُ حالِهم بعد هذا الإلزامِ. وحملُه على حكاية حالِهم السابقةِ لا تساعده الفاءُ المرتبةُ لما بعدها على ما قبلها، ولا يبعُد كلَّ البعدِ أن تكون الهمزةُ لتقرير حسدِهم وتوبـيخِهم بذلك ويكونَ قولُه تعالى: {فَقَدْ ءاتَيْنَا} [النساء، الآية: 54] الآية، تعليلاً له بدِلالته على إعراضهم عما أوتي آلُ إبراهيم وإن لم يُذكرْ كونُه بطريق الحسدِ كأنه قيل: بل أيحسُدون الناسَ على ما آتاهم الله من فضله ولا يؤمنون به؟ وذلك دِيدنُهم المستمرُّ فإنا قد آتينا آلَ إبراهيمَ ما آتينا، فمنهم أي من جنسهم مَنْ آمن بما آتيناهم ومنهم من أعرض عنه ولم يؤمن به والله سبحانه أعلمُ، وفيه تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} ناراً مسعرةً يعذّبون بها، والجملةُ تذيـيلٌ لما قبلها.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [الآية: 54]. من الكرامات والولايات والمشاهدات ويكذبون صاحبها ولا يعظمونه، كذلك كانت الأولياء والصديقون قبل ذلك، فمن بين مكذب ومصدق قال الله عز وجل {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} [الآية: 55]. قوله عز وجل: {وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً}. قال: إشرافًا على الأسرار. وقيل: فراسة صادقة، فمنهم من آمن به أى صدقهم بذلك، ومنهم من صدَّ عنه اتهمهم فى ذلك.

البقلي

تفسير : {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} اخبر عن حسدة الاولياء الذين يرون الناس الهيبة والوقار على الصديقين وهم معظمون به فى عيون الخلق وهم يحسدون بهم وبكراماتهم وولايتهم افذا ذكر الخلق وضافهم يدفعونه بانكار عليهم وفضل الله معرفة الله وكراماته قال بعضهم الفضل ههنا الكرامات والولايات والمشاهدات يكذبون صاحبها ولا يعظونه قوله تعالى {وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} الملك العظيم النبوة والولاية التى يشتمل على فنون الحقائق من الفراسات والكرامات ورؤية الغيب وكشف الاسرار وقيل اشرافا على الاسرار وقيل فراسة صادقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام يحسدون} منقعطة ايضا {الناس} بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه {على ما آتاهم الله من فضله} يعنى انبوة والكتاب وازدياد العز والنصر يوما فيوما {فقد آتينا} يعنى ان حسدهم المذكور فى غاية القبح والبطلان فانا قد آتينا من قبل هذا {آل ابراهيم} الذين هم اسلاف محمد صلى الله عليه وسلم وابناء اعمامه {الكتاب} المنزل من السماء {والحكمة} اى النبوة والعلم {وآتيناهم} مع ذلك {ملكا عظيما} لا يقادر قدره فكيف يستبعدون نبوته صلى الله عليه وسلم ويحسدونه على ايتائها قال ابن عباس رضى الله عنهما الملك فى آل ابراهيم ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أم} بمعنى بل، و {سعيرًا} تمييز. يقول الحقّ جلّ جلاله: توبيخًا لليهود على الحسد: {أم يحسدون الناس}، أي: العرب حيث انتقلت النبوة إليهم، وقد كانت في أسلافهم، {على ما آتاهم الله من فضله}، وهو ظهور النبوة فيهم، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه اجتمع فيه ما افترق في سائر الناس، حسدوه على ما آتاه الله من فضله، من النبوة وغيرها، وقالوا ـ لعنهم الله ـ: ما له همٌّ إلا النساء ولو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء. فكَّذبهم الله ـ تعالى ـ وردَّ عليهم بقوله: {فقد آتينا آل إبراهيم} وهم: يوسف وداود وسليمان، {الكتاب والحكمة} أي: النبوّة، {وآتيناهم مُلكّاً عظيمًا}. فقد اجتمع لداود عليه السلام مائة امرأة. ولسليمان ـ عليه السلام ـ ألف امرأة: ثلاثمائة مهيرة، ـ أي بالمهرـ وسبعمائة سرية، فقال لهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين نزلت الآية: ألف امرأة عن رجل، ومائة امرأة عند آخر، أكثر من تسع نسوة، فسكتوا. {فمنهم} أي: اليهود، {من آمن به} أي: بمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ كعبد الله بن سلام وأصحابة، {ومنهم من صدّ عنه} أي: أعرض عنه، أو: من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، {ومنهم من صدّ عنه}، ولم يكن في ذلك توهين لقدر إبراهيم، فكذلك لا يُوهن كفرُ هؤلاء أمرَك، أو: من أسلافهم من آمن بما أُوتي آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والمُلك، {ومنهم مَن صدّ عنه}، كما فعلوا مع سليمان وغيره. {وكفى بجهنم سعيرًا} لمن كفر بما جاء به أحد من الرسل، أي: فإن لم يُعاجَلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم. ثم بيَّن مآل من كفر، فقال: {إن الذين كفروا بآياتنا} المنزلة على رسلنا، أو الدالة على وحدانيتنا، {سوف نصليهم نارًا} أي: نحرقهم بها ونشويهم، {كلما نضجت جلودهم} أي: لانت واحترقت {بدّلناهم جلودًا غيرها}، قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : تُبدَّلُ في ساعةٍ مائةَ مَرَّة" تفسير : . وقال الحسن: ( تأكلهم النارُ في كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودوان كما كانوا). وقال مجاهد: ( ما بين جلده ولحمه دود، لها جلبة ـ أي حركة ـ وهرير كجلبة حمر الوحش). رَوى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : غلظٌ جِلدِ الكَافِرِ اثنَانٍ وأربعَونَ ذرَاعًا، وضِرسه مِثلُ أحُد ". تفسير : وإنما بدلت جلودهم {ليذوقوا} ألم {العذاب}، أي: يدوم لهم ذلك بخلق جلد آخر مكانه، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية لا لآلة إدراكها، فلا محذور، {إن الله كان عزيزًا} لا يمتنع عليه ما يريد، {حكيمًا} يعاقب على قدر حكمته. ثم ذكر مقابل هؤلاء فقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا لهم فيها أزواج مطهرة} مما يستقذر {وندخلهم ظلاً ظليلاً} أي دائمًا لا تنسخه شمس، ولا يصحبه برد، قدَّم وعيد الكفار على وعد المؤمنين، لأن الكلام فيهم، وذكر المؤمنين بالعرض. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحسد خلق مذموم، لا يتطهر منه إلا الصديقون، وكل من بقي فيه بقية من الحسد لا يشم رائحة المعرفة، إذ لو عرف الله لم يجد من يحسد، وقد قيل: الحسود لا يسود. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أن قال: " حديث : الحَسدُ يأكُلُ الحسنَاتِ كما تأكلُ النَّارُ الحَطَبَ" تفسير : . وقال سفيان: ( بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول: الحاسدُ عدو نعمتي، غيرُ راضٍ بقسمتي التي قسمت بين عبادي). وأنشدوا: شعر : ألاَ قُل لمَن كانَ لي حَاسِدًا أتدري على مَن أسَأتَ الأدَب أسَأتَ على اللهِ في فِعلِه إذا أنتَ لم تَرضَ لي مَا وَهَب جَزَاؤُكَ منه الزيادةُ لي وألاَّ تَنَالَ الذِي تَطَّلِب تفسير : وقال آخر: شعر : إن تحسُدُوني فإني غيرُ لائمكم قَبَلى من الناسِ أهل الفضلِ قّد حُسِدُوا فَدَامَ لي وَلَهُم ما كَانَ بي وبهم وماتَ أكثَرُنا غيظًا بما يَجِدُ تفسير : ثم إن الحسود لا تزول عداواته، ولا تنفع مداواته، وهو ظالم يشتكي كأنه مظلوم. ولقد صدق القائل: شعر : كلُ العَدَاوةِ قد تُرجىَ إزالتُها إلا عداوة مَن عَادَاكَ مِن حَسَدٍ تفسير : وقال حكيم الشعراء: شعر : وأظلمُ خَلقِ اللهِ مَن بَاتَ حَاسِدًا لِمَن بَاتَ في نَعمَائِه يَتَقَلَّبُ تفسير : وقال آخر: شعر : أني لأرحمُ حاسِدِيَّ لفرطِ ما ضَمَّت صُدُوُرُهُم مِن الأوغَارِ نَظَرُوا صنيعَ اللهِ في فَعُيُونهُم في جَنَّةٍ وقَلوبُهُم في نارِ تفسير : قال بعض الحكماء: ( الحاسدُ يضرُّ نفسه ثلاث مضرات: إحداها: اكتساب الذنوب؛ لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله ـ تعالى ـ فإنَّ حقيقة الحسد: كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله. الثالثة: تألم قلبه وكثرة همه وغمه). عافانا الله من ذلك كله، فالحاسد لا ينفك عن نار الحجاب وغم الحساب، والمتطهر منه يدخل جنة الرضى والتسليم في جوار الحبيب، وهو محل الراحة والأمن في الدارين، وهو الظل الظليل. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: المعني بقوله: {أم يحسدون الناس} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وعكرمة: إنه النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهو قول أبي جعفر (ع)، وزاد فيه وآله. الثاني - قال قتادة: هم العرب: محمد (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، لأنه قد جرى ذكرهم في قوله: {يقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} ذكره الجبائي. والفضل المذكور في الآية قيل فيه قولان: أحدهما - قال الحسن، وقتادة، وابن جريج: النبوة. وهو قول أبي جعفر (ع) قال وفي آله الامامة. الثاني - قال ابن عباس: والضحاك والسدي ما أباحه الله للنبي من نكاح تسعة. اللغة: والحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها لما يلحق من المشقة في نيله لها، والغبطة: تمني مثل النعمة، لأجل السرور بها لصاحبها، ولهذا كان الحسد مذموماً والغبطة غير مذمومة. وقيل: إن الحسد من افراط البخل، لأن البخل مع النعمة، لمشقة بذلها. والحسد تمني زوالها لمشقة نيل صاحبها لها بالعمل فيها على المشقة بنيل النعمة. ثم قال {فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً} فما حسدوهم على ذلك فكيف حسدوا محمداً وآله ما أعطاهم الله إياه. المعنى: والملك المذكور في الآية ها هنا قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس: هو ملك سليمان، وبه قال عطية العوفي. الثاني - قال السدي: هو ما أحل لداود من النساء تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مئة لأن اليهود عابت النبي (صلى الله عليه وسلم) بكثرة النساء فبين الله ان ذلك وأكثر منه كان في آل ابراهيم. الثالث - قال مجاهد، والحسن: إنه النبوة. وقال أبو جعفر (ع): انه الخلافة، من أطاعهم، أطاع الله ومن عصاهم عصى الله.

الجنابذي

تفسير : {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} يعنى هؤلاء الاتباع فى اتّباعهم لغير النّاس الّذين هم رؤساء الضّلالة والمتبوعون فى ترك اتّباعهم للاولياء والاصل فيهم علىّ (ع) وادّعاء المتبوعيّة لانفسهم يريدون زوال فضل الله عن النّاس والمقصود تقرير حسدهم والاصل فى النّاس بعد محمّد (ص) علىّ (ع) وخلفاؤه {عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} من الامامة والخلافة {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ} على رغم انوفهم وعمى عيونهم، وآل ابراهيم (ع) محمّد (ص) وعلىّ (ع) وخلفاؤه صلوات الله وسلامه عليهم واضافهم الى ابراهيم (ع) للاشارة الى منقبة اخرى لهم حتّى يزدادوا غيظاً {ٱلْكِتَابَ} اى النّبوّة فانّ مرتبة النّبوّة من جهة انّها لنقوش الاحكام الآلهيّة من مرتبة الولاية يعبّر عنها بالكتاب كما انّ مرتبة الرّسالة ايضاً كذلك، لكن سيأتى انّها المرادة بالملك العظيم وقد سبق فى اوّل الكتاب تعميم اطلاق الكتاب فيراد منه فى كلّ مقام معنى بحسب اقتضاء ذلك المقام. تحقيق معنى الحكمة {وَٱلْحِكْمَةَ} الحكمة قوّة بها يقتدر الانسان على ادراك دقائق الامور وخفايا المصنوع وعلى الاتيان بالمصنوع المشتمل على دقائق الصّنع فهى باعتبار متعلّقه مركّبة من جزئين جزء علمىّ ويسمّى حكمة نظريّة وجزء عملىّ ويسمّى حكمة عمليّة ويعبّر عنهما بلسان الفرس "بخرده بينى وخرده كارى" وقد يعبّر عن الحكمة بالاتقان فى العمل للاشارة الى احد جزئيها وقد يعبّر عنها بالكمال فى العلم والاتقان فيه للاشارة الى الجزء الآخر، وقد تفسّر بالاتقان فى العلم والعمل للاشارة الى كلا جزئيها والحكمة الّتى تذكر فى مقابلة الجربزة هى القوام فى تدبير المعيشة علماً وعملاً والجربزة افراطه، وهذه الحكمة هى من نتائج مرتبة الولاية فانّ الولىّ بتجرّده يقتدر على معرفة دقائق الاشياء لعدم احتجاب شيء منه اذا اراد معرفته وعلى صنع دقائق المصنوعات لعدم تأبّى شيء منه، والحكيم المطلق هو الله تعالى ثمّ الانبياء (ع) والرّسل (ع) بجهة ولايتهم ثمّ خلفاؤهم ثمّ الامثل فالامثل. واوّل مراتب الحكمة ان تدرك دقائق صنع الله فى نفسك وبدنك وانّك خلقت برزخاً بين العالمين السّفلىّ والعلوىّ وانّ نفسك خلقت قابلة صرفة لتصرّف الملكوتين لا تأبّى لها من تصرّفهما، وان تصرّف السّفلىّ يؤدّيها الى السّجن والسّجّين، وتصرّف العلوىّ يجذبها الى قرب الملأ الاعلى، كلّ ذلك على سبيل المعرفة لا على طريق العلم، والمظنّة كما هو طريق حكماء الاخلاق فانّهم يقنعون بالعلم الكلّىّ غافلين عن نفوسهم الجزئيّة فلا ينتفعون بعلمهم ثمّ تقدر على دقائق العمل لسدّ طرق تصرّف الملكوت السّفلىّ وفتح طرق تصرّف الملكوت العلوىّ كقدرة علىّ عليه السّلام فى الغزاة على ترك الضّرب حين ظفر بالعدوّ ورفع السّيف للضّرب فتفل فى وجه علىّ (ع) فترك الضّرب لهيجان النّفس للضّرب. فاذا عرف الانسان بما ذكر وقدر وعمل ارتقى لا محالة الى مقام العبوديّة وهو مقام الفناء ومقام الولاية ثمّ اذا علم الله فيه استعداد اصلاح الغير ردّه الى بشريّته بخلعة النّبوّة والرّسالة او الخلافة وبصّره دقائق الصّنع فى الملك والملكوت واقدره على دقائق التّصرّف فى الاشياء وأخدمه جميع الموجودات وهو آخر مراتب الحكمة. والمراد بالحكمة ههنا الولاية لانّها من نتائجها وهذا بيان الحكمة، وتحقيقها والتّفسيرات المختلفة الّتى وقعت فى كلماتهم راجعة اليه مثل ان قيل: هى معرفة حقائق الاشياء كما هى، او: هى العلم الحسن والعمل الصّالح، او: هى الاتيان بالفعل الّذى له عاقبة محمودة، او: هى الاقتداء بالخالق بقدر الطّاقة البشريّة، او: هى التّشبّه بالإلٰه فى العلم والعمل بقدر الطّاقة البشرية {وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} الملك اسم مصدر بمعنى ما يملك، ويطلق على كلّ مملكوك وعلى عالم الطّبع خاصّة لانّه لا جهة فيه الاّ المملوكيّة بخلاف الملكوت الّتى هى مبالغة فى المالكيّة فانّها وان كانت مملوكة من وجه لكن لها مالكيّة للملك كمالكيّة الجبروت لما دونها والّلاهوت لما سواها، والمراد بالملك العظيم ههنا مقابلاً للكتاب والحكمة هو الرّسالة وخلافة الرّسالة فانّها لجمعها بين الوحدة والكثرة بنحو الكمال ملك لا اعظم منها وقد فسّر فى الخبر بالطّاعة المفروضة الّلازمة لها، وبطاعة جميع الموجودات تكويناً اللازمة للولاية، وبملك القلوب. وتكرار آتينا للاشارة الى استقلاله بالامتنان والانعام.

الحبري

تفسير : وَقَوْلُهُ: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} إلى آخِرِ الآيةِ. نَزَلَتْ في رَسُوْلِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] (وفي عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ) بِما أَعْطَاهُ الله مِنَ الفَضْلِ.

فرات الكوفي

تفسير : {أمْ يَحْسُدونَ الناسَ عَلى ما أتاهُمُ الله مِنْ فَضْلِه فَقَدْ أتيْنا آلَ إبْراهيمَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وأتَيْناهُمْ مُلْكاً عظيماً 54-55} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي [قال: حدثنا الحسن بن الحسين العرني، عن يحيى بن يعلى الربعي!، عن أبان بن تغلب. ش]: عن جعفر بن محمد عليهما السلام في قوله: {أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله} قال: نحن المحسودون. فرات قال: حدثني جعفر بن أحمد معنعناً: عن بريد قال: كنت عند أبي جعفر [عليه السلام. أ] فسألته عن قول الله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله} قال: فنحن الناس ونحن المحسودون على ما أتانا الله من الإمامة دون خلق الله جميعاً {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً} جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة [عليهم الصلاة والسلام. ر] فكيف يقرّون بها في آل إبراهيم ويكذبون بها في آل محمد عليهم الصلاة والسلام {فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه وكفى بجهنّم سعيراً}. فرات قال: حدثني علي بن محمد بن علي بن عمر الزهري معنعناً: عن إبراهيم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما تقول في هذه الآية: {أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فقد أتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وأتيناهم ملكاً عظيماً} قال: نحن الناس الذين قال الله ونحن المحسودون ونحن أهل الملك ونحن ورثنا النبيين وعندنا عصى موسى، وإنا لخزان الله في الأرض لا بخزان [على. ب، أ] ذهب ولا فضة، وإن منا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسن والحسين عليهم السلام [والتحية والإكرام. أ]. فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام: قوله في آل إبراهيم {وأتيناهم ملكاً عظيماً} قال: الملك العظيم أن جعل منهم أئمة من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصا الله فهذا الملك العظيم.

الهواري

تفسير : قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} قال الحسن: هم اليهود يحسدون محمداً وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله في الدين. قال الكلبي: الناس في هذه الآية محمد عليه السلام. قالت اليهود: انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام. ولا والله ما له همٌّ إلا النساء؛ حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك، وقالوا: لو كان نبياً ما رغب في كثرة النساء. فأكذبهم الله فقال: {فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} يعني النبوة {وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً} فسليمان بن داود من آل إبراهيم؛ وقد كان عند سليمان ألف امرأة، وعند داود مائة، فكيف يحسدونك يا محمد على تسع نسوة. وقال الحسن: {وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً}، ملك النبوّة. قوله: {فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ} أي بما أتاهم الله من النبوة والإِسلام. {وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ} قال مجاهد: فمنهم من آمن به، أي: بما أنزل على محمد، ومنهم من صدَّ عنه. قال: {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} أي لمن صدَّ عنه. وتأويل صدّ عنه: جحدوه. قوله: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} أي: كلما احترقت جلودهم جدد الله لهم جلوداً أخرى. قال: {لِيَذُوقُوا العَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً}. أي عزيزاً في نقمته، حكيماً في أمره. قال بعضهم: تأكل كل شيء حتى تنتهي إلى الفؤاد، فينضج الفؤاد، فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم؛ فإذا لم تجد شيئاً تتعلق به منهم خبت، وخبّوها: سكونها. ثم يعادون خلقاً جديداً؛ فتأكلهم كلما أعيد خلقهم.

اطفيش

تفسير : {أم}: أى بل {يَحسِدُونَ النَّاسَ} أم للانتقال والانكار والتوبيخ. قال الكلبى: {النَّاسَ}: رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمى الناس تعظيما له، لأنه اجتمع ما تفرق في الناس من خصال الخير، ولأنه كان أمة، أعنى منفردا بالاسلام فى أول أمره، ولأن الناس وغيرهم خلفوا لأجله. لولاه لم تخرج الدنيا من العدم، ولأنه قدوة لأمته، وقد أخذ العهد على كل نبى وأمته أن يؤمن به، ويتبعه أن بعث فى زمانه. وقال الحسن: {النَّاسَ}: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقيل العرب كلهم، لأنهم كرهوا خروج النبوة من بنى اسرائيل، وقيل: حسدوا الناس جميعا، لأن رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفع للناس، وكمال لهم، ورشد، ذم الله اليهود على البخل والحسد، وهم أشر آل ذائل، وهما متلازمان ما كان منهما ترتب عليه الآخر. {عَلَى مَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضلِهِ}: أى الرسالة والقرآن والنصر والاعزاز، أو جعل النبى الموعود به صلى الله عليه وسلم منهم، اذا فسرنا الناس، وضمير النصب بالعرب، والفضل فى الدين. قال الكلبى: {الفضل}: التوسعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بنكاح تسع نسوة. قالت اليهود لعنهم الله: انظروا الى هذا الذى لا يشبع من الطعام، ولا والله ماله هم إلا النساء، حسدوه لكثرة نسائه، وعابوه بذلك، فقالوا: لو كان نبيا ما رغب فى كثرة النساء. وعن ابن عباس: {النَّاسَ} محمد صلى الله عليه وسلم، {ومَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضلِهِ}: النبوة. وقال قتادة: {النَّاسَ} العرب،(وما آتاهم من فضله) هو محمد عليه الصلاة والسلام، ومن للتبعيض أو للابتداء، وقيل: للبيان، ولما رفع الله موسى نجيا، رأى رجلا متعلقا بالعرش فقال: يا رب من هذا؟ قال: هذا عبد من عبادى صالح ان شئت أخبرتك بعمله، قال: يا رب أخبرنى قال: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله. {فَقَد آتَينَا آل إبرَاهِيم}: الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم، وأبناء عمه، فانه صلى الله عليه وسلم من ذرية اسماعيل عليه السلام، واسماعيل أخو اسحاق، فاسحاق عليه السلام عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذرية اسحاق بنو عمه. {الكِتَابَ}: جنس الكتاب فشمل التوراة والانجيل والزبور وغيرهما. {وَالحِكمَةَ}: النبوة. {وَآتَينَاهُم مُّلكًا عَظِيمًا}: فلا يبعد أن يؤتى الله الرحمن الرحيم محمدا والعرب، أو الناس مثل هؤلاء، وكيف حسدوه صلى الله عليه وسلم، أو حسدوا العرب، أو الناس، ولم يحسدوا ابراهيم؟ قال ابن عباس: الملك فى آل ابراهيم، ملك يوسف وداود وسليمان. وقال مجاهد: الملك العظيم النبوة، لأن الملك لمن له الأمر والطاعة، والأنبياء لهم الملك والطاعة. والجمهور: أن الملك غير النبوة كالمال والنساء، كان لداود مائة امرأة، ولسليمان ألف امرأة ثلاثمائة حرة، وسبعمائة سرية، ولم يكن لمحمد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسع نسوة.

اطفيش

تفسير : {أَمْ يَحْسُدُونَ} بل أيحسدون {النَّاسَ} رسول الله صلىالله عليه وسلم وأصحابه والعرب والناس، لأن ما أوتى من النبوة وتوابعها لهم كلهم، إلا من أبى، أو الناس محمد صلى الله عليه وسلم وقد حسدوه على تسع نسوة، وقالوا لو كان نبيَّاً لما كان له تنعم بالتسع وعموا هما أوتى داود من النساء ومن الملك وكذا سليمان {عَلَى مَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} من النبوة و الكتابة والإعزاز وقد جمعوا الجهل المانع من الملك على الباطن والبخل والحسد المانعين من الملك على الظاهر، لأن الناس لا ينقادون للبخيل لعدم نفعه، أو الحسود لعدم نفعه؛ ولأنه ينتزع منهم ما عناهم فهو أقبح من البخيل قال أبو بكر الأصم كانوا أصحاب بساتين وأموال وقصور مشيدة وفى عزة ومنعة على ما عليه أحوال الملك، ومع هذا كانوا يبخلون على الفقراء بأقل قليل ولو من اليهود {فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إبْرَاهِيمَ} أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم وأبناء عمه، إذ هم من ذرية إسحاق أخى إسماعيل جده صلى الله وسلم عليهم {الْكِتَابَ} جنس الكتاب، كصحف إبراهيم، وصحف موسى والتوراة، والزبور والإنجيل، وما أوتى نبى فقد أوتى آله {وَالحِكْمَةَ} النبوة {وَءَاتَيْنَاهُم مُّلكاً عَظِيماً} فلا يبعد أن يؤتى الله العرب مثل ما أوتى أبناء عمهم، قال ابن عباس رضى الله عنه وقال مجاهد، الحكمة الفهم والعمل، والملك العظيم النبوة، لأن الملك من له الأمر والطاعة، والأنبياء لهم الأمر والطاعة، ولداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة، ومثلها سرية وقيل سبعمائة سرية: {فَمِنْهُم} من اليهود وغيرهم {مَّن ءَامَنَ بِهِ} بإبراهيم أو محمد صلى الله عليهما وسلم، أو بحديث آل إبراهيم {وَمِنْهُم مَّن صَدَّعَنْهُ} أعرض عنه ولم يؤمن به فلم يوهن أمره وأمر آله كفاهم به، فكذلك لا يوهن أمرك كفر هؤلاء اليهود وغيرهم بأمرك {وَكفَى بِجَهَنَّمْ سَعِيراً} تمييز، ولو كان وصفا، لأن المراد ناراً سعيراً، ولم يقل سعيره لأن سعيرا فعيل بمعنى مفعول، كامرأة كحيل، أى مسعورة، أى موقدة يعذبون بها، فإن لم يعاجلوا بعقاب فى الدنيا ثم بها فى الآخرة فكفى بها فى الآخرة.

الالوسي

تفسير : {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} انتقال من توبيخهم بالبخل إلى توبيخهم بالحسد الذي هو من أقبح الرذائل المهلكة من اتصف بها دنيا وأخرى، وذكره بعده من باب الترقي، و {أَمْ} منقطعة والهمزة المقدرة بعدها لإنكار الواقع، والمراد من الناس سيدهم بل سيد الخليقة على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والضحاك وأبو مالك وعطية، وقد أخرج ابن أبـي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «قال أهل الكتاب: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة وليس همه إلا النكاح فأي ملك أفضل من هذا فأنزل الله تعالى هذه الآية». وذهب قتادة والحسن وابن جريج إلى أن المراد بهم العرب، وعن أبـي جعفر وأبـي عبد الله أنهم النبـي وآله عليه وعليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام، وقيل: المراد بهم جميع الناس الذين بعث إليهم النبـي صلى الله عليه وسلم من الأسود والأحمر أي بل أيحسدونهم {عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يعني النبوة وإباحة تسع نسوة أو بعثة النبـي صلى الله عليه وسلم منهم ونزول القرآن بلسانهم أو جمعهم كمالات تقصر عنها الأماني، أو تهيئة سبب رشادهم ببعثة النبـي صلى الله عليه وسلم إليهم، والحسد على هذا مجاز لأن اليهود لما نازعوه في نبوته صلى الله عليه وسلم التي هي إرشاد لجميع الناس فكأنما حسدوهم جمع {فَقَدْ ءاتَيْنَا} تعليل للإنكار والاستقباح وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر، والفاء كما قيل: فصيحة أي أن يحسدوا الناس على ما أوتوا فقد أخطأوا إذ ليس الإيتاء ببدع منا لأنا قد آتينا من قبل هذا {ءالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبِ} أي جنسه والمراد به التوراة والإنجيل أو هما والزبور {وَٱلْحِكْــمَةِ} أي النبوة، أو إتقان العلم والعمل، أو الأسرار المودعة في الكتاب أقوال {وَءاتَيْنَـٰهُمْ} مع ذلك {مُّلْكاً عَظِيماً} لا يقادر قدره، وجوز أن يكون المعنى أنهم لا ينتفعون بهذا الحسد فإنا قد آتينا هؤلاء ما آتينا مع كثرة الحساد الجبابرة من نمروذ. وفرعون. وغيرهما فلم ينتفع الحاسد ولم يتضرر المحسود، وأن يراد أن حسدهم هذا في غاية القبح والبطلان فإنا قد آتينا من قبل أسلاف هذا النبـي المحسود صلى الله عليه وسلم وأبناء عمه ما آتيناهم فكيف يستبعدون نبوته عليه الصلاة والسلام ويحسدونه على إيتائها وتكرير الإيتاء لما يقتضيه مقام التفصيل مع الإشعار بما بين الملك وما قبله من المغايرة، والمراد من الإيتاء إما الإيتاء بالذات وإما ما هو أعم منه ومن الإيتاء بالواسطة، وعلى الأول: فالمراد من آل إبراهيم أنبياء ذريته، ومن الضمير الراجع إليهم من {ءاتَيْنَـٰهُمُ} بعضهم، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، وخصه السدي بما أحل لداود. وسليمان من النساء فقد كان للأول تسع وتسعون امرأة / ولولده ثلثمائة امرأة ومثلها سرية» وعن محمد بن كعب قال: «بلغني أنه كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية»، وعلى الثاني: فالمراد بهم ذريته كلها فإن تشريف البعض بما ذكر تشريف للكل (لاغتنامهم بآثار ذلك واقتباسهم من أنوار). ومن الناس من فسر الحكمة بالعلم والملك العظيم بالنبوة، ونسب ذلك إلى الحسن ومجاهد، ولا يخفى أن إطلاق الملك العظيم على النبوة في غاية البعد والحمل على المتبادر أولى.

القطان

تفسير : صد عن الشيء: أعرض عنه. إنهم من جرّاء حسدهم للغير واغترارهم بأنفسهم يريدون ان يَضيقَ فضل الله بعباده، لذلك يستكثرون على العرب ان يبعث الله منهم رسولا، مع انه آتى ابراهيم وآله الكتابَ والنبوّة والمُلك، وهو أبوكم وابو العرب. فمِنَ الذين بُعث فيهم إبراهيم وآله مَن آمن بالكتاب ودين ابراهيم، ومنهم من اعرض عنه، وحَسْبُ هؤلاء المعرضين جهنم في الدار الآخرة وبئس القرار.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَاهُمُ} {آتَيْنَآ} {آلَ} {إِبْرَاهِيمَ} {ٱلْكِتَابَ} {وَآتَيْنَاهُمْ} (54) - إنَّ هَؤُلاَءِ يُرِيدُونَ أنْ يَضِيقَ فَضْلُ اللهِ بِعِبَادِهِ، وَلاَ يُحِبُّونَ أنْ يَكُونَ لأمَّةٍ فَضْلٌ أكْثَرُ مِمَّا لَهُمْ أوْ مِثْلُهُمْ، لِمَا اسْتَحْوذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الغُرُورِ بِنَسَبِهِمْ، وَتَقَالِيدِهِمْ، مَعَ سُوءِ حَالِهِمْ. وَإنَّ حَسَدَهُمْ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، عَلَى مَا رَزَقَهُ اللهُ مِنَ النُّبُوَّةِ العَظِيمَةِ، هُوَ الذِي مَنَعَهُمْ مِنَ التَّصْدِيقِ وَالإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، لأنَّهُ مِنَ العَرَبِ، وَلَيْسَ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ. وَإنْ يَحْسُدُوا مُحَمَّداً عَلَى مَا أوتِيَ، فَقَدْ أخْطَؤُوا إذْ أنَّ مَا آتَى اللهُ مُحَمَّداً لَيْس بِدْعاً مِنَ اللهِ، فَقَدْ آتَى اللهُ هَذا آلَ إِبْرَاهِيمَ، وَالعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ، فَلِمَاذَا يَعْجَبُونَ مِمَّا آتَى اللهُ مُحَمَّداً، وَلَمْ يَعْجَبُوا مِمَّا آتَى آلَ إِبْرَاهِيمَ؟

الثعلبي

تفسير : {أَمْ يَحْسُدُونَ} يعني اليهود {ٱلنَّاسَ}: قال قتادة: يعني العرب حسدوهم على النبّوة وبما أكرمهم الله تعالى به محمد صلى الله عليه وسلم عن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت علياً (عليه السلام) على المنبر في قوله { أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} قال: هو رسول الله وأبو بكر وعمر (عليهم السلام). وقال آخرون: المراد بالناس هنا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسدوه على ما أحل الله له من النساء؛ وذلك ما روى علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي في قوله {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} يعني بالناس في هذه الآية نبيّ الله، قالت اليهود: انظروا إلى هذا النبي، والله ما يشبع من طعام، لا والله ماله همّ إلاّ النساء، لو كان نبي لشغله أمر النبوة عن النساء، فحسدوه على كثرة نسائه وعيّروه بذلك فقالوا: لو كان نبيّاً ما رغب في كثرة النساء، فأكذبهم الله تعالى فقال: {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}، يعني بالحكمة النبوّة. {وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} فأخبرهم بما كان لداود وسليمان من النساء، فوبّخهم لذلك، فأقرت اليهود لنبي الله (عليه السلام) أنّه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، ثلثمائة مهرية وسبعمائة سرية، وعند داود مائة امرأة. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف امرأة عند رجل، ومائة امرأة عند رجل أكثر أو تسع نسوة؟ وكان يومئذ تسع نسوة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكتوا. قال الله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم يعني عبد الله بن سلام وأصحابه {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أعرض عنه فلم يؤمن به {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} وقوداً. قال السدي: [الآيتان] راجعتان الى إبراهيم (عليه السلام)؛ وذلك أنه زرع ذات سنة وزرع الناس، فهلكت زروع الناس وزكا زرع إبراهيم، واحتاج الناس إليه، وكانوا يأتون إبراهيم (عليه السلام) يسألونه، فقال لهم: من آمن بالله أعطيته، ومن أبى منعته، فمن آمن به أتاه الزرع ومن أبى لم يعطهِ. عن عمرو بن ميمون الأودي قال: لمّا تعجل موسى (عليه السلام) إلى ربّه عزَّ وجل، مرّ برجل غبطه لقربه من العرش، فسأل عنه، فقال: يا ربّ من هذا؟ فقيل له: لن يخبرك اسمه، وسيخبرك بعمله، كان لا يمشي بالنميمة، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعقّ والديه. أبو زياد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ". تفسير : وعن يوسف بن الحسين الرازي قال: سمعت ذا النون يقول: الحسود لا يسود. الأصمعي قال: قال سفيان لمغني: إنَّ الله يقول: "حديث : الحاسد عدوّ نعمتي غير راض بقسمتي بين عبادي ". تفسير : قال الثعلبي: وأنشدت لمنصور الفقيه في معناه: شعر : آلا قل لمن كان لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدبْ أسأت على الله في فعله إذا أنت لم ترضَ لي ما ذهبْ جزاؤك منه الزيادات لي وأن لا تنال الذي تطلب تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} ندخلهم ناراً، وقرأ حميد بن قيس: نصليهم بفتح النون: أي نسوّيهم، وقيل: معناه نَصليهم. فنصب ناراً على هذه القراءة بنزع الخافض تقديره بنار. {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} غير الجلود المحترقة. قال ابن عبّاس: يُبدّلون جلوداً بيضاً كأصناف القراطيس. نافع عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} قال عمر: أعدْها، فأعادها، قال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: بدّلت في ساعة مائة مرّة؟، قال عمر: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. هشام عن الحسن في قوله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} قال: تأكلهم كل يوم سبعين ألف مرّة كلّما أكلتهم فأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا. المسيّب عن الأعمش عن مجاهد قال: ما بين جلده ولحمه ودمه دود فأجلدت كجلدة حمر الوحش. الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً وضرسهُ مثل أُحد ". تفسير : فإن قيل: كيف جاز أن يعذّب جلد لم يعصه قلنا: إنّ المعاصي والألم واقع على نفس الإنسان لا الجلد، لأن الجلود إنما تألم بالأرواح، والدليل على من يقصد تعذيب الأبدان لا يعذّب] الجلود [قوله: {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} [النساء: 56]، لم يقل ليذوق العذاب. وقيل: معناه: يبدّل جلوداً هي تلك الجلود المحترقة، وذلك أنّ غير على ضربين: غير تضاد، وغير تناف، وغير تبديل، فغير تضاد مثل قولك: للصّائغ صغ لي من هذا الخاتم خاتماً غيره فيكسره ويصوغ لك خاتماً، فالخاتم المصوغ هو الأول ولكن الصياغة تغيّرت والفضّة واحد. وهذا كعهدك بأخٍ لك صحيحاً ثم تراه بعد ذلك سقيماً مدنفاً فتقول: فكيف أنت؟ فيقول: أنا على غير ما عهدت، فهو هو، ولكن حالهُ تغيّرت، ونظير هذا قوله تعالى {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [إبراهيم: 48] وهي تلك الأرض بعينها إلاّ أنها قد بُدّلت جبالها وآكامها وأنهارها وأشجارها، وأنشد: شعر : فما الناس بالنّاس الذين عهدتهم ولا الدّار بالدّار التي كنت أعرف تفسير : قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا نصير محمد بن محمد بن مزاحم يقول: سمعت مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي يقول: سمعت جابر بن زيد يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: سمعت إسرائيل يقول: سمعت الشعبي يقول: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألا ترى ما صنعت عائشة ذمَّت دهرها وذلك (أنها) أَنشدت بيتي لبيد: شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب يتلذّذون مجانة ومذلّة ويعاب قائلهم وإن لم يشغب تفسير : فقالت: رحم الله لبيد وكيف لو أدرك زماننا هذا. فقال له ابن عباس: لئن ذمّت [عائشة] دهرها لقد ذمت عاد دهرها، وذلك إنه وجد في خزانة عاد بعدما هلكت سهم كأطول ما يكون من رماحنا عليه مكتوب: شعر : وليس لي أحناطي بذي اللوى لوى الرمل من قبل النفوس معاد بلاد بها كنا ونحن من أهلها إذ الناس ناس والبلاد بلاد تفسير : البلاد باقية كما هي إلاّ أن أحوالها وأحوال أهلِها تنكرت وتغيرت. وقالت الحكماء: كما إن الجلد يلي قبل البعث فأنشىء كذلك تبدل (ورجع). وقال: (السدّيّ): إنما تبدل الجلود جلوداً غيرها من لحم الكافر، يعيد الجلد لحماً ويخرج من اللحم جلداً آخر لم يبدّل بجلد لم يعمل خطيئة. وقيل: أراد بالجلود سرابيلهم من قطران سمّيت بها للزومها جلودِهم على (المجاورة) كما يقال للشيء (الخاص) بالانسان هو جلدة مابين (عضمه) ووجهه فكلما احترقت السرابيل عذّب. قال الشاعر: شعر : كسا اللؤم تيماً خضرة في جلودها فويل لتيم من سرابيلها الخضر تفسير : فكنّى عن جلودهم بالسرابيل. قال عبد العزيز بن يحيى: إن الله تعالى أبدل أهل النار جلوداً لاتألم ويكون (رماده) عذاب عليهم فكلّما أُحرق جلدهم أبدلهم الله تعالى جلداً غيره. يكون هذا عذاباً عليهم كما قال: {أية : سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} تفسير : [إبراهيم: 50] فتكون السرابيل تؤلمهم ولا يألم. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} إلى قوله {ظِـلاًّ ظَلِيلاً}. كثيف لا يسخنه الشمس. {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا}. نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح، فقيل: إنّه مع عثمان، فطلب منه علي (رضي الله عنه) فأجاب: لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) يده، فأخذ منه المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وجمع له بين السقاية والسدانة فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يردّ المفتاح إلى عثمان، فأوعز إليه ففعل ذلك علي (رضي الله عنه). فقال له عثمان: يا علي [كرهت] وآذيت ثم جئت ترفق، فقال له: بما أنزل الله تعالى في شأنك؟ وقرأ عليه هذه الآية. فقال عثمان: أشهد أن لا اله إلاّ الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله، وأسلم، فجاء جبرائيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه مادام هذا البيت أول لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وهو اليوم في أيديهم. {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا}أي نعم الشيء أي {يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ}. اختلفوا فيهم، فقال عكرمة: أولي الأمر منكم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ويدلّ عليه ما روى مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض أما في السماء جبرئيل وميكائيل، وفي الأرض أبو بكر وعمر" تفسير : وهما عندي بمنزلة الرأس من الجسد ومثلهما في الدنيا بالرأفة فمثل أبي بكر كمثل ابراهيم وعيسى، قال إبراهيم: {أية : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} تفسير : [إبراهيم: 36]. وقال عيسى: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} تفسير : [المائدة: 118] الآية. ومثل عمر كمثل موسى ونوح قال موسى: {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} تفسير : [يونس: 88]. وقال نوح: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} تفسير : [نوح: 26]. وقال أبو بكر [الورّاق]: هُم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (عليهم السلام)، ويدلّ عليه ما روى [هشيم] عن ابن بشير عن أبي [الزبير عن] جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخلافة بعدي في أُمتي في أربع في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ". تفسير : وروي سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه فقال: هؤلاء ولاة الأمر من بعدي . تفسير : عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون بالإحسان، دليل قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} تفسير : [التوبة: 100] الآية. بكر بن عبد الله المزني: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلّ عليه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ". تفسير : وعن الحسن: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثل أصحابي في الناس مثل الملح في الطعام فلما ذهب فسد الطعام ". تفسير : جابر بن عبد الله والحسن والضحاك ومجاهد والمبارك بن فضالة واسماعيل بن أبي خالد: هم الفقهاء والعلماء أهل الدين والفضل الذين يعلّمون الناس معالم دينهم ويأمرونكم بالمعروف وينهونكم عن المنكر، وأوجب الله طاعتهم على العباد. هذه رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو دليل هذا التأويل. قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} الآية. فقال أبو الاسود الدؤلي: ليس شيء أعزّ من العلم الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك. إبن كيسان: أُولو العقل والرأي الذين [يهتمّون] بامور الناس. قال ابن عباس: أساس الدين بني على العقل وفرضت الفرائض على العقل، وربُّنا يُعرف بالعقل ويتوسل إليه بالعقل، والعاقل أقرب إلى ربه من جميع المجتهدين بغير عقل، ولمثقال ذرّة من [بر] العاقل أفضل من جهاد الجاهل ألف عام. وعن إسماعيل بن عبد الملك قال: قال: [الثوري] أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: إذا رأيت عاقلاً فكن له خادماً. ميمون بن مهران ومقاتل والسدي [والشعبي]: أمراء السرايا. [سعيد بن جبير]عن ابن عباس قال: حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية إلى حي من أحياء العرب وكان معه عمار بن ياسر فسار خالد حتى إذا دنا من القوم عرّس لكي ينصحهم فأتاهم (النذير) وهربوا غير رجل كان قد أسلم فأمر أصحابه تهيّأوا للمسير فثم انطلق حتى اتى عسكر خالد فدخل على عمار فقال: يا أبا اليقظان إني مسلم وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا وأقمت كلامي ونافعي ذلك أو أهرب كما هرب قومي. فقال: أقم فإنّ ذلك نافعك، فانصرف الرجل إلى أهله وأمرهم بالمقام، فاصبح خالد وقام على القوم فلم يجد غير ذلك الرجل فأخذه وأخذ ماله فأتاه عمار فقال: خلِّ سبيل الرجل فإنه مسلم وقد كنت آمنته وأمرته بالمقام. فقال خالد: إنك تجير عليَّ وأنا الأمير، فقال: نعم. أجير عليك وأنا الأمير، وكان في ذلك منهما كلام، فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبر الرجل فآمنه النبي صلى الله عليه وسلم وأجاز أمان عمار ونهاه بعد ذلك على أمير بغير إذنه. قال: فاستبّ عمار وخالد أمام النبي صلى الله عليه وسلم فأغلظ عمار لخالد وغضب خالد وقال: يا رسول الله اتدع هذا العبد يسبني فوالله لولا أنت ما سبّني عمار. وكان عمار مولى لهاشم بن المغيرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا خالد كف عن عمار فإنه من يسبّ عماراً يسبّه الله ومن يبغض عماراً يبغضه الله"، فقام عمار وتبعه خالد فأخذ بثوبه وسأله أن يرضى عنه فرضي عنه . تفسير : وأنزل الله هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر. وقال أبو هريرة وابن زيد: هم الأمراء والسلاطين لما أُمروا بأداء الأمانة في الرعيّة، لقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} [أمرت الرعية] بحسن الطاعة لهم. وقال عليّ كرم الله وجهه: "حديث : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك حق على الرعية أن يسمعوا له ويطيعوا ويجيبوا إذا دعوا ". تفسير : قال الشافعي (رضي الله عنه): إن من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف أمارة وكانت تأنف أن يعطي بعضها بعضاً طاعة الأمارة، فلما دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالطاعة لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُمروا أن يطيعوا أولي الأمر. وقال عكرمة: أمهات الأولاد أحرار بالقرآن. قيل له: أي القرآن قال: اعتقهن عمر بن الخطاب. ألم تسمع قول الله تعالى {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} وأن عمر من أولي الأمر وأنه قال: اعتقها ولدها وإن كان سقطاً. عبد الرحمن بن الاعرج وهمام بن منبه وأبو صالح كلهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني ". تفسير : وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن بني اسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء فإذا مات نبي قام نبي وانه ليس بعدي نبي". فقال رجل: فما يكون بعدك؟ قال يكون خلفاء [ويكثر]. قالوا: وكيف نصنع؟ قال: "[أدوا] بيعة الأول فالأول، وأدّوا إليهم مالهم فإن الله سائلهم عن الذي لكم ". تفسير : علقمة بن وائل عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يسأله: حديث : أرايت إن كان علينا أُمراء يمنعوننا حقّنا ويسألوننا حقّهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إسمعوا وأطيعوا فإنّ عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم" . تفسير : وعن أبي إمامة قال: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في حجة الوداع: "وهو على [الجدعاء] يعني ناقته فدعا في الركاب يتطاول". قال: ليسمع الناس فقال: ألا تسمعون؟ يطول بها صوته فقال قائل من طوائف الناس: ما تعهد إلينا يا رسول الله؟ فقال: "إعبدوا ربكم وصلّوا خَمْسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة أموالكم وأطيعوا أُولي الأمر تدخلوا جنة ربكم ". تفسير : مكحول عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معاذ أطع كل أمير وصل خلف كل إمام ولا تسبّنّ أحداً من أصحابي ". تفسير : هشام عن أبي صالح عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببرّه والفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كلّ ما وافق الحقّ وصلّوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم ". تفسير : {فَإِن تَنَازَعْتُمْ} اختلفتم {فِي شَيْءٍ} من أمر دينكم اختلاف الآراء فيتعاطى كلّ واحد مايرى خلاف رأي صاحبه وأصله من النزع كان المتنازعين يتحازبان ويتحالفان، ومنه قال: مناوأة: منازعة. قال الأعشى: شعر : نازعتم قضب الريحان متكئاً وقهوة مرّة راووقها خضل تفسير : {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ} يعني إلى كتاب الله والرسول مادام حيّاً، فإذا مات فإلى سنّته، وقوله: {ذٰلِكَ خَيْرٌ} أي ذلك الردّ خير لكم {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} جزاء وعاقبة، والتأويل ما يؤول للأمر. أبو المليح الهذلي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إعملوا القرآن، أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه وآمنوا به ولا تكفروا بشيء منه، وما اشتبه عليكم، فردّوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كيما يخبروكم، وآمنوا به وآمنوا بالتوراة والانجيل والزبور وما أنزل إليكم من ربكم وليسعكم القرآن وما فيه من البيان فإنّه شافع مشفّع وكامل مصدّق وله بكلّ حرف نور يوم القيامة ". تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ} الآية. قال الحسن: انطلق رجل يحاكم آخر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الآخر لابل إنطلق إلى وثن بيت فلان [فأنزل] الله هذه الآية. قال الشعبي: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي: أحاكمك إلى محمّد، وقال المنافق: لا، فجعل اليهودي يدعو إلى المسلمين لأنّه علم أنهم لايقبلون الرشوة ولا يجورون في الحكم، وجعل المنافق يدعو إلى اليهود لأنّه علم أنّهم يقبلون الرشوة ويميلون في الحكم فاختلفا. ثم اتّفقا على أن يأتيا كاهناً في جهينة فيتحاكما إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: حديث : نزلت في رجل من المنافقين يقال له بسر، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال: إنطلق بنا إلى محمّد وقال المنافق بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلاّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا رأى المنافق ذلك أتى معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختصما إليه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر (رضي الله عنه) فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمّد فقضى لي عليه فلم يرضَ بقضائه وزعم أنه يخاصم إليكم وأنه تعلق بي فجئت معه فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال لهما: رويدكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وقال. هكذا أقضي بين من لم يرضَ بقضاء الله وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهرب اليهودي ونزلت هذه الآية . تفسير : وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق. وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا وأبى بعضهم وكانت قريضة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريضة رجلاً من بني النضير قتل به وأخذ ديته مائة وسق تمر وإذا قتل رجل من بني النضير رجلاً من قريضة لم يقتل به وأعطى ديته ستّين وسقاً من تمر وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج. فلما جاء الله بالإسلام وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. حديث : قتل رجل من بني النضير رجلاً من قريضة فاختصموا في ذلك. فقالت بنو النضير: قد كنا وأنتم اصطلحنا في الجاهلية على أن نقتل منكم ولا تقتلون منا، وعلى أن ديتكم ستون وسقاً والوسق ستون صاعاً وديتنا مئة وسق فنحن نعطيكم ذلك. وقالت الخزرج: هذا شيء كنتم قلتموه في الجاهلية لأنكم كثرتم وقللنا، فقهرتمونا ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد وليس لكم علينا فضل، وقالت بنو النضير: لا بل نحن على ما كنا. فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ومالك بن خزيمة، وقال المسلمون من الفريقين: لا بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم. فقال: أعظموا اللقمة يعني الرشوة فقالوا: لك عشرة أوسق قال: لا. بل مائة وسق ديتي فاني أخاف إن نصرت النضيري قتلتني قريظة أو أنصر قريظة قتلتني النضير، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} [البقرة: 178] وقوله {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} [المائدة: 45] الآية فدعا النبي صلى الله عليه وسلم كاهن] اسلم [إلى الإسلام فأتى وانصرف فقال النبي صلى الله عليه وسلم لإبنيه: "أدركا أباكما فإنّه إن جاوز عقبة كذا لم يسلم أبداً" فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي ذلك الكاهن أسلم قد أسلمتفسير : ، فذلك قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ} يعني الصنم، وقيل: الكاهن، وقيل: كعب بن الأشرف، وقيل: حيي بن أخطب. {وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} إلى قوله: {يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} إعراضاً فكل الفعل بمصدره كقوله: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} وقوله: {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ} يعني فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} يعني عقوبة صدودهم، هذا وعيد وتهديد وتم الكلام. ثم أبتدأ الخبر عن فعلهم يعني يتحاكمون إلى الطاغوت وهم يكفرون بالله ومعنى قوله {ثُمَّ جَآءُوكَ} أي يحيوك. وقيل: أراد بالمصيبة قتل صاحبهم وذلك أنّ عمر (رضي الله عنه) لما قتل المنافق جاءوا قومه يطلبون الدية ويحلفون "إن أردنا" ما أردنا بكون إن بمعنى إذ وبمعنى ما، أي ما أردنا بالترافع إلى عمر. {إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً }. قال الكلبي: إلاّ إحساناً في القول وتوفيقاً صواباً. ابن كيسان: حقاً وعدلاً نظيرها {أية : وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَى} تفسير : [التوبة: 107] {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النفاق {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ} في الملأ {وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} وقيل: فأعرض عنهم وعظهم باللسان ولاتعاقبهم، وقيل: توعّدهم بالقتل إن لم يتوبوا من الشرك أعرض عنهم وعظهم يعني في الملأ. {وَقُل لَّهُمْ ...قَوْلاً بَلِيغاً} في السر والملأ، وقيل: هذا منسوخ بآية القتال.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحسد هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ربنا قد اصطفاه واختاره للرسالة، ولذلك قال بعض منهم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: فالقرآن مقبول في نظرهم، لكن الذي يحزنهم أنه نزل على محمد، وهذا من تغفيلهم، وهو مثل تغفيل مَنْ قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. لقد تمنوا الموت والقتل رمياً بالحجارة من السماء ولم يتمنوا اتباع الحق، وهذا قمة التغفيل الدال على أنها عصبية مجنونة، ولذلك يقول الحق: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ ..} تفسير : [الزخرف: 32]. وسبحانه يؤكد لنا أنه يختص برحمته مَنْ يشاء، فلماذا الحسد إذن؟ إنهم يحسدون الناس أن جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولو أنهم استقبلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم استقبالاً عادلاً بعين الإنصاف لوجدوا أن كل ما جاء به هو كلام جميل. من يتبعه تتجمل به حياته. وكان مقتضى من آتاهم الله من فضله علماً من الكتاب أن يبشروا برسول الله صلى الله عليه وسلم كما دعاهم إلى ذلك نزل عليهم في كتابهم وأن يكونوا أول المصدِّقين به، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل كذبوا وصدوا عن سبيله وَفَضَّلوا عليه الكافرين الوثنيين. فقالوا إنهم أهدى من محمد سبيلاً. والحق سبحانه وتعالى حين يتفضل على بعض خلقه بخصوصيات يحب سبحانه أن تتعدى الخصوصيات إلى خلق الله؛ لأننا نعرف أن في كل خلق من خلق الله خصوصية مواهب، فإذا ما تفضل المتفضل بموهبته على الخلق تفضل بقية الخلق عليه بمواهبهم، إذن: فقد أخذ مواهب الجميع حين يعطي الجميع. وهؤلاء قوم آتاهم الله نصيباً فبخلوا وضنّوا، وليتهم ضنّوا على أمر يتعلق بهم، بل على الأمر الذي وصلهم بالإله، وهو أنهم أصحاب كتاب عرفوا عن الله منهجه، وعرفوا عن الله ترتيب مواكب رسله، فيريد الحق سبحانه أن يقول لهم: أنتم أوتيتم نصيباً من الكتاب فلم تؤدوا حقه، وأيضاً أنكم لو ملكتم الملك فإنكم لن تؤدوا حقه، ولن تعطوا أحداً مقدار نقير وهو النقرة على ظهر النواة، ولذلك قال: {أية : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} تفسير : [النساء: 53]. إذن: فلا هم في المعنويات والقيم معطون، ولا هم في الماديات معطون، فإذا كانوا قد بخلوا بما عندهم من القيم فهم أولى أن يبلخوا بما عندهم من المادة، وبذلك صاروا قوماً لا خير فيهم أبداً. ثم يوضح الحق: إذا كان هؤلاء قد أوتوا نصيباً من الكتاب يعرِّفهم سمات الرسول المقبل الخاتم فما الذي منعهم أن يؤمنوا به أولاً ويؤيدوه؟. لا شك أنه الحسد، على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم جاء مصدِّقاً لما معهم، إنهم لا شك حسدوا الرسول صلى الله عليه وسلم، والحسد لا يتأتى إلا عن قلب حاقد، قلب متمرد على قسمة الله في خلقه؛ لأن الحسد كما قالوا: هو أن تتمنى زوال نعمة غيرك، ويقابله "الغبطة" وهي أن تتمنى مثل ما لغيرك، فغيرك يظل بنعمة الله عليه، ولكنك تريد مثلها. وأنت إن أردت مثلها من الله فلا بد أن تغبطه، والحق يقول: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ..} تفسير : [النحل: 96]. ولذلك يجب أن يكون الناس في عطاء الله غير حاسدين وغير حاقدين، لكن بعض الناس ربما حسدوا غيرهم من الذين يعطيهم الأغنياء رغبة في أن يكون ذلك لهم وحدهم، فإنك إن كان عندك كَمٌّ من المال ثم اتصل بك قوم في حاجة فأعطيتهم منه، ربما قال الآخرون ممن يرغبون في عطائك ويأملون في خيرك: إنك ستنقص مما عندك بقدر ما تُعطي هؤلاء؛ لأن ما عندك محدود، ولكن هنا العطاء ممن لا ينفد ما عنده، إذن: فيعطيك ويعطي الآخرين ولا ينقص مما عنده شيء. إذن: فالغبطة أمر بديهي عند المؤمن؛ لأنه يعلم أن عطاء الله لواحد لا يمنع أن يعطي الآخر، ولو أعطى سبحانه كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخْيط إذا غُمِس في البحر، وذلك كما جاء في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخْيط إذا أُدخل البحر ". تفسير : {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ..} [النساء: 54]، فالحسد - كما عرفنا - هو: أن يتمنى إنسان زوال نعمة غيره، هذا التمني معناه أنك تكره أن تكون عند غيرك نعمة، ولا تكره أن يكون عند غيرك نعمة إلا إذا كنت متمرداً على مَنْ يعطي النعم. إن أول خطأ يقع فيه الحاسد هو: ردّه لقدر الله في خلق الله، وثاني ما يصيبه أنه قبل أن ينال المحسود بشرّ منه؛ فقلبه يحترق حقداً. ولذلك قالوا: الحسد هو الذنب أو الجريمة التي تسبقها عقوبتها؛ لأن كل جريمة تتأخر عقوبتها عنها إلا الحسد، فقبل أن يرتكب الحاسد الحسد تناله العقوبة؛ لأن الحقد يحرق قلبه وربما قال قائل: وما ذنب المحسود؟ ونقول: إن الله جعل في بعض خلقه داء يصيب الناس، والحسد يصيبهم في نعمهم وفي عافيتهم. وما ذنب المقتول حين يوجه القاتل مسدسه ليقتله به؟ هذه مثل تلك. فالمسدس نعمة من نعم الله عند إنسان ليحمي نفسه به، وليس له أن يستعمله في باطل. وهَبْ أن الله سبحانه وتعالى خلق في الإنسان شيئاً يكره النعمة عند غيره، فلماذا لا يتذكر الإنسان حين يستقبل نعمة عند غيرك أن يقرنها بقوله: (ما شاء الله لا قوة إلا الله). فلو قارنت كل نعمة عند غيرك بما شاء الله الذي لا قوة إلا به لرددت عن قلبك سم حقدك. إنك ساعة ترى نعمة عند غيرك وتقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فأنت تتذكر أن الإنسان لم يعط نفسه أي نعمة. إنما ربنا هو الذي أعطاه، وسبحانه قادر على كل عطاء، ومن الممكن أن يحسد الإنسان. لكن الذي يجد الحسد في نفسه ويريد أن يطفئه، عليه أن يردّ كل شيء إلى الله، وما دام قد ردّ كل شيء إلى الله فقد عمل وقاية لنفسه من أن يكون حاسداً. ووقاية للنعمة عند غيره من أن تكون محسودة، والحق سبحانه وتعالى بين لنا ذلك في قوله سبحانه: {أية : وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} تفسير : [الفلق: 5]. إذن: فمن الممكن أن يمتلئ قلب أي واحد منا بالحقد على نعمة وبعد ذلك يحدث منها حسد، وعلى كل واحد منا أن يمنع نفسه من أن يدخل تيار الحقد على قلبه؛ لأن تيار الحقد يحدث تغييراً كيماوياً في تكوين الإنسان، وهذا التغيُّر الكيماوي هو الذي يسبب التعب للإنسان، وما يدرينا أن هذا التوتر الكيماوي من عند غيره تجعل في نفس الإنسان وفي مادته تفاعلات، وهذه التفاعلات يخرج منها إشعاع يذهب للمحسود فيقتله؟ لأن الحق سبحاه وتعالى يقول: {أية : وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} تفسير : [الفلق: 5]. وعندما تستعيذ بالله من شر الحاسد ألاّ يصيبك، قد يصيبك، ولكن استعاذتك من شره تعني أنه إن أصابك فعليك أن تسترجع، فتقول: {أية : إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} تفسير : [البقرة: 156] وتعلم أن ذلك خير لك؛ فإن أصابك في نعمة فاعلم أن هذه المصيبة فيها خير، فالحاسد إذا أصابك في شيء من نعم الله عليك، فالشر هو أن تُحرم الثواب عليها!! فالمصاب هو مَنْ حُرِمَ الثواب، فإذا جاءت مصيبة لأي واحد وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم إنك ربي وإنك لا تحب لي إلاّ الخير لأني صنعتك ولم تجر عليّ إلاّ الخير، لكنني قد لا أستطيع أن أفهم ذلك الخير. إن المسلم إذا صنع ذلك فالله سبحانه وتعالى يبين له فيما بعد أنها كانت خيراً له، فإن أصابه في ولده وقال: مَنْ يدريني لعل ولدي الذي أماته الله كان سيفتنني فأكفر أو أسرق له وآخذ رشوة من أجله. لكن الله أخذه مني ومنع عني ذلك الشرّ، أو أن النعمة قد تطغيني، وقد تجعلني أتجبر على الناس، وقد تجعلني أتطاول وأعتدي على الخلق، فيقول لي ربنا: امرض قليلاً واهدأ. وهكذا نرى أن المصاب لا بد أن يتوقع الخير وأن يسترجع وأن يقول: لا بد أنه سيأتيني من الابتلاء خير، وقد يقول قائل: نحن نقول: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} تفسير : [الفلق: 1-5]. نقرأ ونكرر هذه السورة ولم يعذنا الله من شرّ الحاسدين، ويحسدنا الحاسدون أيضاً! نقول له: أنت لم تفهم معنى قوله: {أية : وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} تفسير : [الفلق: 5]. إنك تفهمه على أساس ألا يصيبك حسده، لا، إن حسده قد يصيبك، لكن عليك أن تعرف قدر الله في تلك الإصابة وتقول: يا رب إنك أجريتها عليّ لخير عندك لي. فإن فعلتَ ذلك فقد كفيت شرّاً. ونحن نعيش في عالم نرى فيه أنه كلما ارتقت الدنيا في العلم بيّن لنا ربنا آيات في كونه وفي أسرار الوجود تُقرب لنا كثيراً من المعاني؛ فالذين يصنعون الآن أسلحة الفتك والتدمير، كلما يلطف السلاح ويدق ولا يكون داخلاً تحت مرائي البصر كان عنيفاً، ويختلف عن أسلحة الأزمنة القديمة حيث كان الإنسان يرمي آخر بحجر، ثم آخر يرمي بمسدس، ثم صار في قدرة دولة أن تصنع قنبلة ذرية لا ينوب أي فرد منها إلا قدر رأس مسمار لكنها تقتل، إذن: فأسلحة الفتك كلما لطفت - أي دقت - عنفت. ونرى الآن أن الأسلحة كلها بالإشعاع، والإشعاع ليس جِرْماً، وعمل الإشعاع نافذ لكن لا يوجد له جرم، وكما يقول الأطباء: نجري العملية من غير أن نسيل دماً بوساطة الأشعة، ومثال ذلك أشعة الليزر، إذن: فكلما دقّ السلاح كان عنيفاً وفتاكاً. وهذا مثال يوضح ذلك: لنفرض أنك أردت أن تبني لك قصراً في خلاء، ثم مرّ عليك صديق فقال: لماذا لم تضع لنوافذ الدور الأول حديداً؟ تقول له: لماذا؟. فيقول لك: هنا سباع وذئاب. فتضع الحديد ليمنع الذئاب، وآخر يمرّ على قصرك فيقول: إن فتحات الحديد واسعة وهنا توجد ثعابين كثيرة، فتُضيق الحديد. وثالث يقول: هناك بعوض يلسع ويحمل الميكروبات، فتضع سلكاً على النوافذ. إذن: فكلما دقّ العدو كان عنيفاً فيحتاج احتياطاً أكبر. ونحن نعلم أن الميكروب الذي لا يُرى يأتي فيفتك بالناس، فالآفة التي تصيب الناس كلما لطفت، - أي دقَّت وصغرت - عنفت، فلو كانت ضخمة فمن الممكن أن يدفعها الإنسان قليلاً قليلاً، لكن عندما تصل إلى مرتبة من الدقة والصغر، هنا لا يستطيع الإنسان أن يدفعها. وأفتك الميكروبات هي التي تدِق لدرجة أن الأطباء يقولون عن بعض الأمراض: لا نعرف لها فيروساً؛ بمعنى أن هذا الفيروس المسبِّب للمرض صار دقيقاً جداً حتى عن معايير المجاهر. إذن: فما الذي يجعلنا نضيق ذرعاً بأن نقدر أن هناك شرارة من ميكروب تخرج من كيماوية الإنسان الحاقد الحاسد الذي تشقيه النعمة عند غيره، وشرارة الميكروب هذه مثل أشعة الليزر تتجه لشيء فتفتك به!! ما المانع من هذا؟! إننا نفعل ذلك الآن ونسلط الأشعة على أي شيء، والأشعة هي من أفتك الأسلحة في زماننا، ولماذا لا نصدق أن كيماوية الحاسد عندما تهيج يتكون منها إشعاع يذهب إلى المحسود فيفتك به؟ ومثلها مثل أي نعمة ينعمها ربنا عليك، وبعد ذلك تستعملها في الضرر. ومثال ذلك الرجل الذي عنده بعض من المال؛ ومع ذلك يغلي حقداً على خصومه. فيشتري مسدساً أو بندقية ليقتلهم؛ إنه يأخذ النعمة ويجعلها وسائل انتقام، وهذا يأتي من هيجان الغريزة الداخلية المدبرة لانفعالات الإنسان. إذن: فهؤلاء القوم عندما جاء رسول الله مصدِّقاً بما عندهم، ما الذي منعهم أن يصدقوه؟ لا شك أنهم حسدوه في أن يأخذ هذه النعمة، ونظروا إلى نعمة الرسالة على أنها مزية للرسل، وهل كان ذلك صحيحاً؟ حقاً إنها مزية للرسل ولكنها مع ذلك عملية شاقة عليهم، والناس في كل الأمم - ما عدا الأنبياء - يورثون أولادهم مالهم، أما الأنبياء فلا يورثون أولادهم. إنهم لم يأتوا ليأخذوا جاهاً، أو ليستعلوا على الناس، بل كلِّفوا بمتاعب جمة. إذن: فأنتم تنظرون إلى السلطة التي أعطاكم الله إياها في مسألة علم الدين. وتجعلونها أداة للترف والرفاهية وللعنجهية وللعظمة، وحين يجيء رسول لكي ينفض عنكم ويخلصكم من هذه السيطرة، ماذا تفعلون؟ أنتم تحزنون؛ لأنكم أقمتم لأنفسكم سلطة زمنية ولم تجعلوا أنفسكم في خدمة القيم، وأخذتم عظمة السيطرة فقط، فلما جاء رسول الله يريد أن يزيل عنكم هذه السيطرة قلتم: لا. لا نتبعه. فإذا كنتم تحسدون النبي عليه الصلاة والسلام على الرسالة وجعلتموها مسألة يُدَلِّله الله بها أو أنها تعطية سيطرة، فلماذا الحسد على سيدنا محمد وقد أعطى الله سيدنا إبراهيم الملك، وأعطى لداود الملك، وأعطى لسليمان الملك، وأعطى ليوسف الملك، فلماذا الحسد إذن عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يكرم الفرع الثاني من إبراهيم وهو إسماعيل عليه السلام؟ لقد كرم الله سبحانه الفرع الأول في إسحاق وجاء من إسحاق يعقوب، ومن يعقوب يوسف، ثم جاء موسى وهارون ثم داود وسليمان، كل هؤلاء قد كُرِّموا، وعندما يكرم سبحانه الفرع الثاني لإبراهيم وهو ذرية إسماعيل ويرسل منهم رسولاً، تحزنون وتقفون هذا الموقف؟ لماذا لا تنظرون إلى أن إسماعيل وفرعه أتى من ذرية إبراهيم، ولماذا اعتبرتم الرسالة والنبوة نعمة مدللة، ولم تنتبهوا إلى أنها عملية قاسية على الرسول؟ لأن عليه أن يكون النموذج التطبيقي على نفسه وعلى آله، ولا أحد من أهله يتمتع بذلك بل العكس؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنا معشر الأنبياء لا نورث ". تفسير : ويَحْرِم صلى الله عليه وسلم آل بيته من الزكاة. ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً: "حديث : إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس ". تفسير : وهكذا نرى أنه لم يكن يعمل لنفسه ولا لأولاده. ويتابع الحق: {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} [النساء: 54] و "الكتاب" هو المنهج الذي ينزل من السماء، و "الحكمة" هي الكلام الذي يقوله الرسول مفسراً به منهج الله، ومع ذلك آتاهم الله الملك أيضاً. فسيدنا يوسف صار أميناً على خزائن الأرض، وأصبح عزيز مصر، وسيدنا داود، وسيدنا سليمان آتاهما الله الملك مع النبوة. إذن: ففيه نبوة وفيه ملك، ومحمد صلى الله عليه وسلم أعطاه ربنا النبوة ولم يعطه الملك، فما وجه الحسد منكم له؟!. ثم ماذا كان موقفكم من أنبيائكم الذين أعطاهم الله النبوة والملك؟ يجيب الحق: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 607- عبد الرزاق، قال: أخبرني الثَّوري، عن أبي إسحاق، عن عَمْرو بن ميمون الأودي، قال: رأى مُوسَى رجُلاً متعلقاً بالعرش فَغَبَطه بمكانِهِ فسأل عنه، فقال: أخبرك بعمله؟ كان لا يَحْسُدُ الناسَ عَلَى ما آتاهم الله من فَضْلِهِ، ولا يمشي بالنَّميمة، ولا يعقّ والديه، قال: يا ربّ، ومن يعقّ والديه؟ قال: الذي يَسْتَسِبُّ لهما، فيسبَّان ولا {يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}: [الآية: 54].