٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {فَمِنْهُمْ} من اليهود. {مَنْ ءامَنَ بِهِ} بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بما ذكر من حديث آل إبراهيم. {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أعرض عنه ولم يؤمن به وقيل معناه فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم من كفر ولم يكن في ذلك توهين أمره فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك. {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} ناراً مسعورة يعذبون بها أي إن لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ } بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ } أعرض {عَنْهُ } فلم يؤمن {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً } عذابا لمن لا يؤمن.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} وصف المقبلين والمدبرين مقبلين بنعت ارادة فى حق الاولياء والمدبرين بوصف الانكار عليهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فمنهم} من اليهود {من آمن به} بمحمد عليه السلام {ومنهم من صد عنه} اى اعرض عنه ولم يؤمن به {وكفى بجهنم سعيرا} نارا مسعورة اى موقدة يعذبون بها اى ان لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما اعد لهم من سعير جهنم. واعلم ان الله تعالى وصف اليهود فى الآية المتقدمة بالجهل الشديد وهو اعتقادهم ان عبادة الاوثان افضل من عبادة الله تعالى ثم وصفهم بالبخل والحسد. فالبخل هو ان لا يدفع الى احد شيئاً مما آتاه الله من النعمة. والحسد هو ان يتمنى ان لا يعطى الله غيره شيئاً من النعم فالبخل والحسد يشتركان فى من يريد منع النعمة عن الغير. فاما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن غيره. واما الحاسد فيريد ان يمنع نعمة الله عن عباده فهما شر الرذائل وسببهما الجهل. اما البخل فلأن بذل المال سبب لطهارة النفس ولحصول سعادة الآخرة وحبس المال سبب لحصول مال الدنيا فى يده فالبخل يدعوك الى الدنيا ويمنعك عن الآخرة والجود يدعوك الى الآخرة ويمنعك عن الدنيا ولا شك ان ترجيح الدنيا على الآخرة لا يكون الا من محض الجهل. واما الحسد فلأن الآلهية عبارة عن ايصال النعم والاحسان الى العبيد فمن كره ذلك فكأنه اراد عزل اله عن الالهية وذلك محض الجهل ثم ان الحسد لا يحصل الا عند الفضيلة فكلما كانت فضيلة الانسان اتم واكمل كان حسد الحاسدين عليه اعظم: قال السعدى قدس سره شعر : شور بختان بآروز خواهد مقبلانرا آفتابرا جه كناه كرنبيند روز شبيره جشم جشمه آفتابرا جه كناه راست خواهى هزار جشم جنان كور بهتركه آفتاب سياه تفسير : ولا يسود الحسود والبخيل فى جميع الزمان ألا ترى ان الله تعالى جعل بخل اليهود كالمانع من حصول الملك لهم فهما لا يجتمعان وذلك لان الانقياد للغير امر مكروه لذاته والانسان لا يتحمل المكروه الا اذا وجد فى مقابلته امرا مطلوبا مرغوبا فيه وجهات الحاجات محيطة بالناس فاذا صدر من انسان احسان الى غيره صارت رغبة المحسن اليه فى ذلك المال سببا لصيرورته منقادا مطيعا له فلهذا قيل فى بالبر يستعبد الحر فاما اذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا من المعارض فلا يحصل الانقياد البتة: قال السعدى شعر : خورش ده بكنجشك وكبك وحمام كه يك روزت افتنده يابى بدام زرازبهر خرودن بود اى بسر زبهر نهادن جه سنك وجه زر تفسير : وقد شبه بعض الحكماء ابن آدم فى حرصه على الجمع ووخامة عاقبته بدود القز الذى يكاد ينسج على نفسه بجهله حتى لا يكون له مخلص فيقتل نفسه ويصير القز لغيره فاللائق بشأن المؤمن القناعة بما رزقه الودود وترك الحرص والبذل من الموجود. وقيل "حديث : لما عرج النبى عليه السلام اطلع على النار فرأى حظية فيها رجل لا تمسه النار فقال عليه السلام "ما بال هذا الرجل فى حظيرة لا تمسه النار" فقال جبريل عليه السلام هذا حاتم طى صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده" .تفسير : فالجود صارف عن المرء عذاب الدنيا والعقبى وباعث لوصول الملك فى الاولى والاخرى. ثم ان الملك على ثلاثة اقسام. ملك على الظواهر فقط وهذا هو ملك الملوك. وملك على البواطن فقط فهذا هو ملك العلماء. وملك على الظواهر والبواطن معا وهذا هو ملك الانباء عليهم السلام فاذا كان الجود من لوازم الملك وجب فى الانبياء ان يكونوا فى غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة ليصير كل واحد من هذه الاخلاق سببا لانقياد الخلق لهم وامتثالهم لأوامرهم وكمال هذه الصفات كان حاصلا لمحمد عليه السلام.
الطوسي
تفسير : المعنى: الضمير في قوله: {فمنهم من آمن} يحتمل أن يكون عائداً إلى أحد أمرين: أحدهما - قال مجاهد، والزجاج، والجبائي: إن من أهل الكتاب من آمن بمحمد (صلى الله عليه وسلم) لتقدم الذكر في { أية : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم }. تفسير : الثاني - فمن أمة ابراهيم من آمن بابراهيم، ومنهم من صدّ عنه. كما أنكم في أمر محمد (صلى الله عليه وسلم) كذلك. وليس في ذلك توهين لأمره كما ليس فيه توهين لأمر ابراهيم. واتصال الكلام على هذا الوجه ظاهر وعلى الوجه الأول تقديره وقع هذا كله {فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه} وقال قوم: {فمنهم من آمن} بداود وسليمان {ومنهم من صدّ عنه} وليس في الآية دلالة على أن ما تقدم من الوعيد إنما صرف عنهم لأيمان هذا الفريق، لأنه قال في الآخرة {أية : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } تفسير : وقال بعضهم: فيه دلالة على ذلك، ولذلك قال: {وكفى بجهنم سعيراً} أي ان كان صرف بعض العقاب، فكفى بجهنم استغرافا بالعذاب. اللغة: وسعير بمعنى مسعورة وترك - لأجل الصرف - التأنيث للمبالغة في الصفة كما قالوا: كف خضيب ولحية دهين. وتركت علامة التأنيث، لأنها لما كان دخولها فيما ليست له، للمبالغة نحو رجل علامة كان سقوطها فيما بقي له للمبالغة فحسن هذا التقابل في الدلالة. والسعر: ايقاد النار ومنه قوله: {أية : وإذا الجحيم سعرت}تفسير : واستعرت النار والحرب والشر استعاراً. واسعرتها اسعاراً. وسعرتها تسعيراً. والسعر: سعر المتاع وسعروه تسعيراً وذلك لاستعار السوق بحماها في البيع. والساعور كالتنور في الارض. والمسعور: الذي قد ضربته السموم، والعطش. وزيدت الباء في قوله: {وكفى بجهنم} لتأكيد الاختصاص، لأنه يتعلق به من وجهين: وجه الفعل في كفى جهنم كقولك: كفى الله، ووجه الاضافة في الكفاية بجهنم. وعلى ذلك قيل: كفى بالله للدلالة على أن الكفاية تضاف إليه من أوكد الوجوه، وهو وجه الفعل، ووجه المصدر.
الجنابذي
تفسير : {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} عطف باعتبار المعنى كأنّه تعالى قال بعد ارادة علىّ (ع) من النّاس المحسودين، وذكر اعطائه من فضله تصريحاً والكتاب والحكمة والملك العظيم تعريضاً ينبغى ان يؤمنوا به ولا يخرجوا من طاعته لكنّهم تفرّقوا واختلفوا، او عطف على محذوف جواب لسؤال مقدّر كأنّه قيل: ما فعلوا به؟ - فقال: اختلفوا فيه فمنهم من آمن به كسلمان واقرانه {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} اعرض او منع غيره {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} يعنى ان لم نعاقبهم فى الدّنيا فكفاهم جهنّم فى الآخرة والجملة عطف على منهم من صدّ عنه من قبيل عطف الانشاء على الخبر او باعتبار لازم معناه كأنّه قال: ومنهم من صدّ عنه وهم المعاقبون فى النّار.
اطفيش
تفسير : {فَمِنهُم}: أى من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وهم اليهود. {مَّنْ آمَنَ بِهِ}: أى بمحمد لدلالة المقام عليه، أو لذكره بلفظ الناس، بأن روعى لفظ الناس، فأتى بالضمير جمعا، ثم روعى معناه فأتى به مفردا، وأجيز أن يعود الضمير لحديث آل ابراهيم، وقيل الهاء فى: منهم لآل ابراهيم، وفى: به لابراهيم، وقيل عائد الى{أية : ما آتاهم الله من فضله }تفسير : وقال الجمهور: عائد إلى ما أنزلنا مصدقا، وبه قال مجاهد. {وَمِنهُم مَّن صَدَّ عَنهُ}: أعرض عنه مكذبا، وما كان يحق لهم ذلك، أو كما كذبوك فقد كذبوا ابراهيم، أو حديث آل ابراهيم، ولم يضعف أمره بتكذيب من كذب به، فكذا لا يضعف أمرك يا محمد بتكذيب من يكذبك. {وَكفَى بِجَهَنَّم سَعِيراً}: جهنم دار النار الأخروية، أو طبقة من تلك الدار، والسعير النار المسعورة فيها، أى الموقودة، يعذب فيها من صد عنه ان عوقبوا فى الدنيا، فلهم مع ذلك عقاب الآخرة، وإلا كفى عقابها بالسعير.
الالوسي
تفسير : {فَمِنْهُمْ} أي من جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم {مَنْ ءامَنَ بِهِ} أي بما أوتي آل إبراهيم {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ} أي أعرض {عَنْهُ} ولم يؤمن به وهذا في رأي حكاية لما صدر عن أسلافهم عقيب وقوع المحكي من غير أن يكون له دخل في الإلزام، وقيل: له دخل في ذلك ببيان أن الحسد لو لم يكن قبيحاً لأجمع عليه أسلافهم فلم يؤمن منهم أحد كما أجمعوهم عليه فلم يؤمن أحد منهم، وليس بشيء، وقيل: معناه فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم من كفر، ولم يكن في ذلك توهين أمره فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك فضمير {بِهِ} و {عَنْهُ} على هذا لإبراهيم، وفيه تسلية له عليه الصلاة والسلام ورجوع الضميرين لمحمد صلى الله عليه وسلم وجعل الكلام متفرعاً على قوله تعالى: {أية : يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} تفسير : [النساء: 47] أو على قوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ} الخ في غاية البعد، وكذا جعل الضميرين لما ذكر من حديث آل إبراهيم {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} أي ناراً مسعرة موقدة إيقاداً شديداً أي إن انصرف عنهم بعض العذاب في الدنيا فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم في العقبـى.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَ} (55) - وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنَ فَرِيقٌ، مِنْ أقْوامِ هَؤُلاءِ الأنْبِيَاءِ، بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ، وَكَفَرَ فَرِيقٌ وَسَعَى فِي الأرْضِ يُفْسِدَ فِيهَا، وَيَصُدُّ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَعَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَكَفَى بِالنَّارِ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ كُتُبَ اللهِ وَرُسُلَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ}. والمقصود الإيمان بما جاء في منهج إبراهيم والرسل الذين جاءوا من بعده الذين آتاهم الله النبوة والملك، أو "منهم" أي من أهل الكتاب الذين نتكلم عنه من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار مثلاً، {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أي أن منهم من كفر بمنهج الله؛ لذلك يقول سبحانه بعدها: {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً}فكأن نتيجة الصدّ عن المنهج أنّه لا يأتي بعده إلا العذاب بجهنم ليصلوا بنارها، وتكون مسعرة عليهم جزاءً على ما فعلوا. وبعد أن بين الحق سبحانه وتعالى موكب الرسل حينما أرسله الله على تتابع في كونه، جاء ليذكر الناس بالمنهج، فالمنهج هو الأصل الأصيل في مهمة آدم وذريته؛ لأنه سبحانه وتعالى قد قال: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 123]. وينقل آدم إلى ذريته معلوماته عن حركة الحياة وعن الحق وعن المنهج. إلا أن الله قدّر الغفلة في خلقه عن منهجه؛ فهذه المناهج تأتي دائماً ضد شهوات النفس الحمقاء العاجلة، لكن لو نظرت إلى حقيقة المنهج الإلهي فأنت تجده يعطي النفس شهوات لكنها مُعلاة. مثال ذلك عندما يقول: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} تفسير : [الحشر: 9]. وكل واحد عنده أشياء ويحتاج إليها، لكنه يجد أخاه المؤمن يحتاج إليها أكثر منه فيؤثره على نفسه، أهو يفضله عن نفسه؟ لا؛ لكنه يعطي هذا الشيء القليل في الفانية كي يأخذه في الباقية، فأخذ شهوة نفسه لكن بشهوة معلاة، والذي قلنا له: غض طرفك عن محارم غيرك. ظاهر هذا الأمر أننا نحجبه عن شهوة يشتهيها، لكننا ساعة نحجبك عن شهوة تشتهيها في حرام الفانية، نريد أن نحقق لك شهوة في حلال الخالدة. فأيهما أعشق للجَمَالِ؟ الذي ينظر بتفحص للمرأة الجميلة وهي تسير، أم الذي الذي يغض عينه عنها؟ الأعشق للجمال هو الذي غض بصره. إن الدين لم يأت إلا ضد النفس الحمقاء التي تريد عاجل الأمر وإن كان تافهاً. ويوضح له: كن للآجل ومعه؛ لأنه يبقى فلا يتركك ولا تتركه، أما أي شهوة تأخذها في هذه الدنيا فإما أن تتركها وإما أن تتركك، لكن في الآخرة لا تتركها ولا تتركك. لقد عرف الصالحون الورعون كيف يستفيدون، لكنّ الآخرين هم الحمقى الذين لم يستفيدوا، فالحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الحسرة تكون لمن أراح نفسه بشهوة عاجلة ثم أعقبها العذاب الآجل المقيم، فهذه هي الخيبة الحقة، فالدنيا دار الأغيار، يأتي للإنسان فيها ما يؤلمه وما يسره، وليس فيها دوام حال أبداً؛ لأنها دنيا الأغيار، وما دامت دنيا الأغيار فيكون كل شيء فيها متغيراً.. وما دام كل شيء فيها متغيراً. إذن فالذي في نعمة قد يصيبه شيء من الضر، والذي في قوة قد يصيبه شيء من الضعف، والذي في ضعف قد تأتيه قوة، وإلا لو ظل الضعيف ضعيفاً وظل القوى قوياً لما كانت الدنيا أغياراً. ولذلك يقولون: احذر أن تريد من الله أن يتم عليك نعمته كلها؛ لأنها لو تمت لك النعمة كلها وأنت في دار الأغيار فانتظر الموت؛ فتمام النعمة هو صعود لأعلى منطقة في الجبل وأنت في دار الأغيار، فهل تظل على القمة؟ لا، بل لا بد أن تنزل، فإياك أن تُسرَّ عندما تبلغ المسألة ذروتها؛ لأنه سبحانه وتعالى يوضح: إنكم لا بد أن تأخذوا هذه الدنيا على أنها معبر، والذي يتعب الناس أنهم لا يحددون الغاية البعيدة، بل إنهم يحددون الغايات القريبة. إن من حمق بعض الناس أن يحزن الواحد منهم على فراق حبيب أو قريب له، وخذها بالمنطق: ما غايتنا جميعاً؟ إنها الموت ونعود إلى خالقنا. وهل عندما نعود إلى خالقنا نحزن؟ لا، بل يجب أن نسر؛ لأننا في الدنيا مع الأسباب، أما بعد أن ننتقل إلى الآخرة فنكون مع المسبب. ففي الدنيا تكون مع النعمة وستصبح بعد ذلك مع المنعم، فما يحزنك في هذا؟ إن هذا يحزنك ساعة أن كنت مع النعمة ولم تُراع المنعم، لكن لو كنت مع النعمة وراعيت المنعمَ لسررت أنك ذاهب للمنعم. وإن كانت المسألة هي أن تصل إلى المنعم الحق ونكون في حضانته فلماذا الحزن إذن؟ ومن الحمق أن بعض الناس لا تعامل الحق سبحانه وتعالى كما يعاملون أنفسهم. هب أن إنساناً من غايته أن يخرج من أسوان إلى القاهرة، إذن فالقاهرة هي الغاية. ثم جاء واحد وقال له: سنذهب سيراً على الأقدام، وقال الآخر: أنا سآتي بمطايا حسنة نركبها. وقال ثالث: سآتي بعربة، وقال رابع: سنسافر بطائرة وقال خامس. سنسافر بصاروخ، إذن فكل وسيلة تقرب من الغاية تكون محمودة، وما دامت غايتنا أن نعود إلى الحق فلماذا نحزن عندما يموت واحد منا؟ أنت - إذن - تحزن على نفسك ولا تحزن على من مات، إن الذي يموت بعد أن يرعى حق الله في الدنيا يكون مسروراً لأنه في حضانة الحق ومع المنعم، وأنت مع النعمة الموقوتة إنّه يسخر منك لأنك حزنت، ويقول: انظر إلى الساذج الغافل، كان يريدني أن أبقى مع الأسباب وأترك المسبب! إننا نجد الذين يحزنون على أحبائهم لا يرونهم في المنام أبداً؛ لأن الميت لا تأتي روحه لزيارة من حزن لأنه ذهب إلى المنعم، وعلى الناس أن تدرك الغاية من الوجود بأن تكون مع أسباب الحق في الدنيا ثم تصير مع الحق، والموت هو النقلة التي تنقلك من الأسباب إلى المسبب، فما الذي يحزنك في هذا؟ نحن نقصِّر عليك المسافة.. فبدلاً من أن تقابلك عقبات الطريق، وقد تنجح أو لا تنجح، وبعضهم يقول: مات وهو صغير ولم ير الدنيا، نقول لهم: وهل هذه تكون خيراً له أو لا؟ أنت مثلاً كبرت وقد تكون مقترفاً للمعاصي؛ فلعل الله أخذ الصغير حتى لا يعرضه للتجربة، ضع المسألة أمامك واجعلها حقيقة. حديث : عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا. قال: "انظر ما تقول؛ فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلى، وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغوْن فيها فقال: "يا حارث عرفت فالزم، ثلاثا ". تفسير : ولنا العبرة في سيدنا حذيفة - رضي الله عنه - حينما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: كيف أصبحت؟ أي كيف حالك الإيماني؟ قال حذيفة: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها - أي أن الذهب تساوي مع الحصى، هذه هي مسألة الدنيا - وأضاف حذيفة: وكأني أنظر أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون. وساعة لا تغيب عن بال سيدنا الحارث صورة الآخرة، فهو يسير في الحياة مستقيماً.. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرفت فالزم ". تفسير : الحق سبحانه وتعالى حين يذكر لنا بعض الأحكام يذكر لنا أيضاً خبر بعض الناس الذين يتمردون على الأحكام، ثم يذكرنا بحكاية الجنة والنار؛ ولذلك يقول لنا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} معناهُ وقُودٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):