Verse. 549 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا بِاٰيٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيْہِمْ نَارًا۝۰ۭ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُوْدُھُمْ بَدَّلْنٰھُمْ جُلُوْدًا غَيْرَھَا لِيَذُوْقُوا الْعَذَابَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ كَانَ عَزِيْزًا حَكِــيْمًا۝۵۶
Inna allatheena kafaroo biayatina sawfa nusleehim naran kullama nadijat julooduhum baddalnahum juloodan ghayraha liyathooqoo alAAathaba inna Allaha kana AAazeezan hakeeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم» ندخلهم «نارا» يحترقون فيها «كلما نضجت» احترقت «جلودهم بدَّلناهم جلودا غيرها» بأن تعاد إلى حالها الأول غير محترقة «ليذوقوا العذاب» ليقاسوا شدته «إن الله كان عزيزا» لا يعجزه شيء «حكيما» في خلقه.

56

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى بعدما ذكر الوعيد بالطائفة الخاصة من أهل الكتاب بين ما يعم الكافرين من الوعيد فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: يدخل في الآيات كل ما يدل على ذات الله وأفعاله وصفاته وأسمائه والملائكة والكتب والرسل، وكفرهم بالآيات ليس يكون بالجحد، لكن بوجوه، منها أن ينكروا كونها آيات، ومنها أن يغفلوا عنها فلا ينظروا فيها. ومنها أن يلقوا الشكوك والشبهات فيها. ومنها: أن ينكروها مع العلم بها على سبيل العناد والحسد، وأما حد الكفر وحقيقته فقد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ } تفسير : [البقرة: 6]. المسألة الثانية: قال سيبويه: «سوف» كلمة تذكر للتهديد والوعيد، يقال: سوف أفعل، وينوب عنها حرف السين كقوله: {أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } تفسير : [المدثر: 26] وقد ترد كلمة «سوف» في الوعد أيضا قال تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } تفسير : [الضحى: 5] وقال: {أية : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى } تفسير : [يوسف: 98] قيل أخره إلى وقت السحر تحقيقا للدعاء، وبالجملة فكلمة «السين» و«سوف» مخصوصتان بالاستقبال. المسألة الثالثة: قوله: {نُصْلِيهِمْ } أي ندخلهم النار، لكن قوله: {نُصْلِيهِمْ } فيه زيادة على ذلك فانه بمنزلة شويته بالنار، يقال شاة مصلية أي مشوية. ثم قال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: لما كان تعالى قادرا على ابقائهم أحياء في النار أبد الآباد فلم لم يبق أبدانهم في النار مصونة عن النضج والاحتراق مع أنه يوصل اليها الآلام الشديدة، حتى لا يحتاج إلى تبديل جلودهم بجلود أخرى؟ والجواب: أنه تعالى لا يسأل عما يفعل، بل نقول: انه تعالى قادر على أن يوصل إلى أبدانهم آلاما عظيمة من غير إدخال النار مع انه تعالى أدخلهم النار. السؤال الثاني: الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق الله مكانها جلوداً أخرى وعذبها كان هذا تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز. والجواب عنه من وجوه: الأول: أن يجعل النضج غير النضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة، فاذا كانت الذات واحدة كان العذاب لم يصل إلا إلى العاصي، وعلى هذا التقدير المراد بالغيرية التغاير في الصفة. الثاني: المعذب هو الانسان، وذلك الجلد ما كان جزأ من ماهية الانسان، بل كان كالشيء الملتصق به الزائد على ذاته، فاذا جدد الله الجلد وصار ذلك الجلد الجديد سببا لوصول العذاب اليه لم يكن ذلك تعذيبا الا للعاصي. الثالث: أن المراد بالجلود السرابيل، قال تعالى: {أية : سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } تفسير : [إبراهيم: 50] فتجديد الجلود إنما هو تجديد السرابيلات. طعن القاضي فيه، فقال: انه ترك للظاهر، وأيضا السرابيل من القطران لا توصف بالنضج، وإنما توصف بالاحتراق. الرابع: يمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ، وكلما وصل الى آخره فقد ابتدأ من أوله، فكذا قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } يعني كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه. الخامس: قال السدي: إنه تعالى يبدل الجلود من لحم الكافر فيخرج من لحمه جلدا آخر وهذا بعيد، لأن لحمه متناه، فلا بد وأن ينفد، وعند نفاد لحمه لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد، ولم يكن ذلك الطريق مذكورا أولا والله أعلم. ثم قال تعالى: {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: قوله: {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } أي ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك للمعزوز: أعزك الله، أي أدامك على العز وزادك فيه. وأيضا المراد ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب، وإلا فهم ذائقون مستمرون عليه. السؤال الثاني: أنه إنما يقال: فلان ذاق العذاب إذا أدرك شيئا قليلا منه، والله تعالى قد وصف أنهم كانوا في أشد العذاب، فكيف يحسن أن يذكر بعد ذلك أنهم ذاقوا العذاب؟ والجواب: المقصود من ذكر الذوق الاخبار بأن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كاحساس الذائق المذوق، من حيث أنه لا يدخل فيه نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً } والمراد من العزيز: القادر الغالب، ومن الحكيم: الذي لا يفعل إلا الصواب، وذكرهما في هذا الموضع في غاية الحسن، لأنه يقع في القلب تعجب من أنه كيف يمكن بقاء الانسان في النار الشديدة أبد الآباد! فقيل: هذا ليس بعجيب من الله، لأنه القادر الغالب على جميع الممكنات، يقدر على إزالة طبيعة النار، ويقع في القلب أنه كريم رحيم، فكيف يليق برحمته تعذيب هذا الشخص الضعيف إلى هذا الحد العظيم؟ فقيل: كما أنه رحيم فهو أيضا حكيم، والحكمة تقتضي ذلك. فان نظام العالم لا يبقى إلا بتهديد العصاة، والتهديد الصادر منه لا بد وأن يكون مقرونا بالتحقيق صونا لكلامه عن الكذب، فثبت أن ذكر هاتين الكلمتين ههنا في غاية الحسن.

القرطبي

تفسير : قد تقدم معنى الإصلاء أوّل السورة. وقرأ حُميد بن قيس «نَصليهم» بفتح النون أي نشويهم. يقال: شاة مَصْلِية. ونصب «نَاراً» على هذه القراءة بنزع الخافض تقديره بنار. {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} يقال: نضِج الشيء نُضجاً ونَضْجاً، وفلان نضيج الرأي مُحْكمه. والمعنى في الآية: تبدّل الجلود جلوداً أُخر. فإن قال من يطعن في القرآن من الزنادقة: كيف جاز أن يعذّب جلداً لم يَعصِه؟ قيل له: ليس الجلد بمعذّب ولا معاقب، وإنما الألم واقع على النفوس؛ لأنها هي التي تُحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس. يدل عليه قوله تعالى: {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} وقوله تعالى: { أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً } تفسير : [الإسراء: 97]. فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح. ولو أراد الجلود لقال: ليذقنّ العذاب مقاتل: تأكله النار كل يوم سبع مرات. الحسن: سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم: عودوا فعادوا كما كانوا. ابن عمر: إذا احترقوا بدّلت لهم جلود بيض كالقراطيس. وقيل: عنى بالجلود السرابيل؛ كما قال تعالى: { أية : وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ } تفسير : [إبراهيم:49] { أية : سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ } تفسير : [إبراهيم: 50] سميت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة؛ كما يقال للشيء الخاص بالإنسان؛ هو جِلدة ما بين عينْيه. وأنشد ابن عمر رضي الله عنه: شعر : يلومونني في سالمٍ وألومهم وجِلدةُ بَيْنَ العيْن والأنف سالمُ تفسير : فكلما احترقت السرابيل أُعيدت. قال الشاعر: شعر : كسا اللؤم تَيْماً خضرةً في جلودها فويلٌ لتَيْم مِن سرابيلها الخُضْرِ تفسير : فكنى عن الجلود بالسرابيل. وقيل: المعنى أعدنا الجلد الأوّل جديداً؛ كما تقول للصائغ: صُغ لي من هذا الخاتَم خاتماً غيره؛ فيكسره ويصوغ لك منه خاتماً. فالخاتم المصوغ هو الأوّل إلا أن الصياغة تغيرت والفضة واحدة. وهذا كالنفس إذا صارت ترابا وصارت لا شيء ثم أحياها الله تعالى: وكعهدك بأخ لك صحيح ثم تراه بعد ذلك سقيماً مُدْنِفاً فتقول له: كيف أنت؟ فيقول: أنا غير الذي عهدت. فهو هو، ولكن حاله تغيرت. فقول القائل: أنا غير الذي عهدت، وقوله تعالى: «غيرها» مجاز. ونظيره قوله تعالى: { أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [إبراهيم: 48] وهي تلك الأرض بعينها إلا أنها تغير آكامها وجبالها وأنهارها وأشجارها، ويزاد في سعتها ويسوّى ذلك منها؛ على ما يأتي بيانه في سورة «إبراهيم» عليه السلام. ومن هذا المعنى قول الشاعر: شعر : فما الناسُ بالناس الذين عهدتهم ولا الدار بالدار التي كنتُ أعرفُ تفسير : وقال الشَّعْبي: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألا ترى ما صنعت عائشة! ذمّت دهرها، وأنشدت بيتَيْ لبيد: شعر : ذهب الذين يُعاش في أكنافِهم وبقِيتُ في خَلْفٍ كجلْدِ الأجربِ يتَلذّذون مجانَة ومَذلّة ويُعاب قائلهم وإن لم يَشْغَبِ تفسير : فقالت: رحم الله لَبِيداً فكيف لو أدرك زماننا هذا! فقال ابن عباس: لئن ذمّت عائشة دهرها لقد ذمت «عاد» دهرها؛ لأنه وُجِد في خِزانة «عاد» بعد ما هلكوا بزمن طويل سهم كأطول ما يكون من رماح ذلك الزمن عليه مكتوب: شعر : بلاد بها كُنّا ونحن بأهلها إذِ النّاسُ ناسٌ والبلادُ بِلادُ تفسير : البلاد باقية كما هي إلاّ أَنَّ أحوالها وأحوال أهلها تنكّرت وتغيّرت. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً} أي لا يُعجزه شيء ولا يفوته. {حَكِيماً} في إيعاده عباده. وقوله في صفة أهل الجنة: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} يعني كثيفاً لا شمس فيه. الحسن: وُصِف بأنه ظليل؛ لأنه لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسّموم ونحو ذلك. وقال الضحاك: يعني ظلال الأشجار وظلال قصورها. الكلبي: «ظِلاً ظَلِيلاً» يعني دائماً.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} كالبيان والتقرير لذلك. {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى كقولك: بدلت الخاتم قرطاً، أو بأن يزال عنه أثر الإِحراق ليعود إحساسه للعذاب كما قال: {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أي ليدوم لهم ذوقه. وقيل يخلق لهم مكانه جلد آخر والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدركة لا لآلة إدراكها فلا محذور. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً} لا يمتنع عليه ما يريده. {حَكِيماً} يعاقب على وفق حكمته.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته، وصد عن رسله، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَـٰتِنَا} الآية، أي: ندخلهم ناراً دخولاً يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم، ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم، فقال: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} قال الأعمش عن ابن عمر: إذا احترقت جلودهم، بدلوا جلوداً غيرها بيضاء أمثال القراطيس، رواه ابن أبي حاتم، وقال يحيى ابن يزيد الحضرمي: أنه بلغه في الآية، قال: يجعل للكافر مائة جلد، بين كل جلدين لون من العذاب، ورواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} الآية، قال: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة. قال حسين: وزاد فيه فضيل عن هشام عن الحسن: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} قيل لهم: عودوا، فعادوا. وقال أيضاً: ذكر عن هشام بن عمار، حدثنا سعيد ابن يحيى ـ يعني سعدان ـ حدثنا نافع مولى يوسف السلمي البصري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} فقال عمر: أعدها علي، فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه ابن مردويه عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن عبدان بن محمد المروزي، عن هشام بن عمار، به. ورواه من وجه آخر بلفظ آخر، فقال: حدثنا محمد ابن إسحاق عن عمران، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، حدثنا نافع عن ابن عمر، قال: تلا رجل عند عمر هذه الآية: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} الآية، قال: فقال عمر: أعدها علي، وثم كعب، فقال: يا أمير المؤمنين أنا عندي تفسير هذه الآية قرأتها قبل الإسلام، قال: فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك، وإلا لم ننظر إليها، فقال: إني قرأتها قبل الإسلام: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها، في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأول: أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وسِنُّه تسعون ذراعاً، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم، بدلوا جلوداً غيرها. وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أبو يحيى الطويل عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يعظم أهل النار في النار، حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذرعاً، وإن ضرسه مثل أحد» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقيل: المراد بقوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} أي: سرابيلهم، حكاه ابن جرير، وهو ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر. وقوله: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها وأرجائها، حيث شاؤوا، وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبداً، لايحولون ولا يزولون، ولا يبغون عنها حولاً. وقوله: {لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي: من الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة، كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى. وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي. وقال مجاهد: مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد. وقال قتادة: مطهرة من الأذى والمآثم، ولا حيض ولا كلف. وقوله: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} أي: ظلاً عميقاً كثيراً غزيراً طيباً أنيقاً. قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى، حدثنا ابن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها: شجرة الخلد».

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ } ندخلهم {نَارًا } يحترقون فيها {كُلَّمَا نَضِجَتْ } احترقت {جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } بأن تعاد إلى حالها الأوّل غير محترقة {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } ليقاسموا شدّته {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً } لا يعجزه شيء {حَكِيماً } في خلقه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {بِـئَايَـٰتِنَا } الظاهر عدم تخصيص بعض الآيات دون بعض، و {سَوْفَ } كلمة تذكر للتهديد قاله سيبويه. وينوب عنها السين. وقد تقدّم معنى نصلي في أوّل السورة. والمراد: ندخلهم ناراً عظيمة. وقرأ حميد بن قيس "نَصْلِيهِمْ" بفتح النون. قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } يقال: نضج الشيء نضجاً ونضاجاً، ونضج اللحم، وفلان نضج الرأي، أي: محكمه. والمعنى: أنها كلما احترقت جلودهم بدّلهم الله جلوداً غيرها، أي: أعطاهم مكان كل جلد محترق جلداً آخر غير محترق، فإن ذلك أبلغ في العذاب للشخص؛ لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق أبلغ من إحساسه لعملها في الجلد المحتر. وقيل: المراد بالجلود: السرابيل التي ذكرها في قوله: {أية : سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } تفسير : [إبراهيم: 50] ولا موجب لترك المعنى الحقيقي ها هنا، وإن جاز إطلاق الجلود على السرابيل مجازاً، كما في قول الشاعر:شعر : كسا اللوم تيما خضرة في جلودها فويل لتيم من سرابيلها الخضر تفسير : وقيل: المعنى: أعدنا الجلد الأوّل جديداً، ويأبى ذلك معنى التبديل. قوله: {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } أي: ليحصل لهم الذوق الكامل بذلك التبديل. وقيل: معناه: ليدوم لهم العذاب، ولا ينقطع، ثم أتبع وصف حال الكفار بوصف حال المؤمنين. وقد تقدّم تفسير الجنات التي تجري من تحتها الأنهار. قوله: {لَّهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } أي: من الأدناس التي تكون في نساء الدنيا، والظل الظليل الكثيف الذي لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحرّ، والسموم، ونحو ذلك، وقيل: هو مجموع ظلّ الأشجار، والقصور. وقيل: الظلّ الظليل: هو الدائم الذي لا يزول، واشتقاق الصفة من لفظ الموصوف للمبالغة، كما يقال: ليل أليل. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر في قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } قال: إذا احترقت جلودهم بدّلناهم جلوداً بيضاء أمثال القراطيس. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عنه بسند ضعيف قال: قرىء عند عمر: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } الآية، فقال معاذ: عندي تفسيرها تبدّل في ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وابن مردويه أن القائل كعب، وأنه قال: تبدّل في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود أن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس في قوله: {ظِـلاًّ ظَلِيلاً } قال: هو ظل العرش الذي لا يزول.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بئَايَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِم نَاراً} إلى قوله: {لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} فإن قيل وكيف يجوز أن يُبدّلواْ جلوداً غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا فيعذبوا فيها؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يُبدَّلواْ أجساماً، وأرواحاً، غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت في الدنيا، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار غير الذين وعدهم الله في الدنيا على كفرهم بالعذاب بالنار. وقد أجاب أهل العلمِ عنه بثلاثة أجوبة: أحدها: أن ألم العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب، فأما الجلد واللحم فلا يألمان فسواء أعيد على الكافر جلده الذي كان عليه وجلدٌ غَيْرُهُ. والجواب الثاني: أنه تُعَادُ تلك الجلود الأولى جديدة [غير] محترقة. والجواب الثالث: أن الجلود المُعادَةَ إنما هي سرابيلهم من قبل أن جعلت لهم لباساً، فسماها الله جلوداً، وأنكر قائل هذا القول أن تكون الجلود تحترق وتعاد غير محترقة، لأن في حال احتراقها إلى حال إعادتها فناءَها، وفي فنائها راحتها، وقد أخبر الله تعالى: أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم العذاب.

ابن عطية

تفسير : تقدم في الآيات وصف المردة من بني إسرائيل وذكر أفعالهم وذنوبهم، ثم جاء بالوعيد النص لهم بلفظ جلي عام لهم ولغيرهم ممن فعل فعلهم من الكفر، والقراءة المشهورة {نُصليهم} بضم النون من أصليت ومعناه قربت من النار وألقيت فيها، وهو معنى صليت بتشديد اللام، وقرأ حميد "نَصليهم" بفتح النون من صليت، ومعناه شويت، ومنه الحديث، أتي رسول الله لشاة مصلية، أي مشوية، وكذا وقع تصريف الفعل في العين وغيره، وقرأ سلام ويعقوب " نصليهُم" بضم الهاء، واختلف المتأولون في معنى تبديل الجلود، فقالت فرقة: تبدل عليهم جلود غيرها، إذ نفوسهم هي المعذبة والجلود لا تألم في ذاتها، فإنها تبدل ليذوقوا تجديد العذاب، وقالت فرقة: "تبديل الجلود" هو إعادة ذلك الجلد بعينه الذي كان في الدنيا، تأكله النار ويعيده الله دأباً لتجدد العذاب، وإنما سماه "تبديلاً"، لأن أوصافه تتغير ثم يعاد، كما تقول: بدل من خاتمي هذا خاتماً وهي فضته بعينها، فالبدل إنما وقع في تغيير الصفات، وقال ابن عمر، كلما احترقت جلودهم بدلوا جلوداً بيضاء كالقراطيس، وقال الحسن بن أبي الحسن، تبدل عليهم في اليوم سبعين ألف مرة، وقالت فرقة: الجلود في هذا الموضع سرابيل القطران، سماها جلوداً للزومها فصارت كالجلود، وهي تبدل دأباً عافانا الله من عذابه برحمته، حكاه الطبري، وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالعزة والإحكام، لأن الله لا يغالبه مغالب إلا غلبه الله، ولا يفعل شيئاً إلا بحكمة وإصابة، لا إله إلا هو تبارك وتعالى. ولما ذكر الله وعيد الكفار، عقب بوعد المؤمنين بالجنة على الإيمان والأعمال الصالحة، وقرأ ابن وثاب والنخعي، "سيدخلهم" بالياء وكذلك "يدخلهم" بعد ذلك وقد تقدم القول في معنى {من تحتها} في سورة البقرة و {مطهرة} معناه: من الريب والأقذار التي هي معهودات في الدنيا و {ظليلاً} معناه: عند بعضهم يقي الحر والبرد، ويصح أن يريد أنه ظل لا يتسحيل ولا ينتقل، كما يفعل ظل الدنيا، فأكده بقوله {ظليلاً} لذلك، ويصح أن يصفه بظليل لامتداده، فقد قال عليه السلام: "حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها ".

ابن عبد السلام

تفسير : {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا}، لأَن المقصود إيلام الأرواح بواسطة الجلود واللحم فتحرق الجلود لإيلام الأرواح واللحم والجلد لا يألمان فإذا احترق الجلد فسواء أُعيد بعينه أو أُعيد غيره، أو تعاد تلك الجلود الأول جديدة غير محترقة، أو الجلود المعادة هي سرابيل القطران سميت جلوداً لكونها لباساً لهم، لأنها لو فنيت ثم أُعيدت لكان ذلك تخفيفاً للعذاب فيما بين فنائها وإعادتها، وقد قال [تعالى]: {أية : لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [البقرة: 162، وآل عمران: 88].

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً...} الآية: لما تقدَّم في الآية وصْفُ المَرَدَةِ مِنْ بني إسرائيل وذِكْرُ أفعالهم وذُنُوبِهِمْ، جاءَتْ هذه الآيةُ بالوَعيدِ النَّصِّ لهم بلفظٍ جَلِيٍّ عَامٍّ لهم ولغيرهم؛ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم من الكفرة، واختلف في مَعْنَىٰ تَبْدِيل الجُلُودِ. فقالت فرقةٌ: تُبَدَّلُ عليهم جُلُودٌ أغْيَارٌ؛ إذْ نفوسُهم هي المعذَّبة، والجلودُ لا تَأْلَمُ في ذَاتِها، وقالتْ فرقة: تبديلُ الجُلُودِ هو إعادَةُ ذلك الجِلْدِ بعينِهِ الذي كان في الدُّنيا، وإنما سَمَّاه تبديلاً؛ لأنَّ أوصافه تتغيَّر، قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَن: تُبَدَّلُ علَيْهم في اليومِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ (عافَانا اللَّه مِنْ عذابِهِ برَحْمَتِهِ). ولما ذكر سبحانه وعيدَ الكُفَّار، عَقَّبَ بوَعْد المُؤْمنين بالجَنَّة على الإيمانِ والأعمالِ الصَّالحة، و {ظَلِيلاً}: معناه عند بعضهم: يَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، ويصحُّ أنْ يريدَ أنه ظِلٌّ لا يستحيلُ ولا يتنقَّلُ، وصح وصفه بظَلِيلٍ؛ لامتداده، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادُ المُضَمَّرُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ مَا يَقْطَعُهَا»تفسير : ، وَرَأَيْتُ لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ وذكر الطبريُّ في كتابه، قال: لما خَلَق اللَّهُ عزَّ وجلَّ الجنَّةَ، قالَ لَهَا: ٱمْتَدِّي، فقَالَتْ: يا ربِّ، كَمْ، وإلىٰ كَمْ؟ فَقَالَ لها: ٱمْتَدِّي مِائَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، فٱمتدَّتْ، ثم قالَ لَهَا: ٱمْتَدِّي، فقالَتْ: يا ربِّ: كَمْ، وَالَىٰ كَمْ؟ فقالَ لَهَا: امتدِّي مِائَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، فٱمْتَدَّتْ، ثم قال لَهَا: ٱمْتَدِّي، فقالَتْ: يَا رَبِّ: كَمْ، وَإلَىٰ كَمْ؟ فَقَالَ لَهَا: ٱمْتَدِّي مِقْدَار رَحْمَتِي، فَٱمْتَدَّتْ، فَهِيَ تَمْتَدُّ أَبَدَ الآبِدِينَ، فَلَيْسَ لِلجَنَّةِ طَرَفٌ؛ كَمَا أنَّهُ لَيْسَ لِرَحْمَةِ اللَّهِ طَرَفٌ. انتهى، فهذا لا يُعْلَمُ إلا من جهة السَّمْع، فهو ممَّا ٱطَّلَعَ عليه الطبريُّ، وهو إمامٌ حافظٌ محدِّثٌ ثقةٌ؛ قاله الخطيبُ أحمدُ بْنُ عليِّ بْنِ ثابتٍ.

ابن عادل

تفسير : قرأ الجمهورُ: "نصليهم" بِضَمِّ النونِ مِنْ أصْلَى، وحُمَيْدٌ: بِفَتْحِهَا مِنْ صَلَيْتُ ثُلاثِيَّا. قال القَرْطُبِيُّ: ونَصْبُ: "ناراً" على هذه القراءةِ، بِنَزْعِ الخَافِضِ تقديرهُ: بنارٍ. وقَرأ سَلاَّم، ويَعْقُوبُ: "نصليهُم" بضَمِّ الهَاءِ، وَهِيَ لُغَةُ الحِجَازِ، وقد تَقَدَّمَ تَقْرِيرهُ. وقال سِيبويْهِ: "سوف" [كَلِمَةٌ] تُذكَرُ لِلتَّهديدِ، والوَعِيدِ: يُقَالُ: سَوْفَ أفْعَلُ، وَينوبُ عَنْهَا حرفُ السين؛ كقوله: {أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} تفسير : [المدثر: 26] وقد يردُ "سوف" و "السِّينُ": في الوَعْدِ أيْضاً: قال تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5]، وقال: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} تفسير : [مريم: 47]، وقال: {أية : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} تفسير : [يوسف: 98]، قِيلَ، أخَّرَهُ إلى وقْتِ السَّحر؛ تَحْقِيقاً للدعاءِ، وبالجملةِ، فالسَّينُ، وسَوْفَ: مَخْصُوصَتَانِ بالاسْتِقْبَالِ. فصل في معنى قوله "بآياتنا" يَدْخُلُ في الآيات كُلُّ مَا يَدُلُّ على ذاتِ اللَّهِ تعالى وصفاته، وأفْعالِهِ، [وأسْمَائِه]، والملائكةِ، والكُتُبِ، والرسُلِ؛ وكُفْرُهُم قدْ يكونُ بالجَحْدِ، وقد يكونُ بِعَدَمِ النَّظْرِ فيها، وقد يكونُ بإلقاءِ الشكُوكِ والشُّبُهَاتِ فيها، وقَدْ يكونُ بإنْكَارِهَا؛ عِنَاداً، أو حَسَدَاً. وقوله: "نَصْلِيهم" أيْ: نُدْخِلُهم النارَ، لكن قولُه: {نُصْلِيهِمْ} فيه زِيَادَةٌ على ذلك، فإنَّهُ بمنزلَةِ شَوَيتُهُ بالنارِ، يُقالُ شَاةٌ مَصْليَّةٌ، أيْ: مَشْوِيَّةٌ. قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ}، {كُلَّمَا}: ظَرْفُ زَمَانٍ، والعَامِلُ فيها {بَدَّلْنَاهُمْ}، والجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ على الحَالِ، مِنَ الضميرِ المنْصُوبِ في {نُصْلِيهِمْ}، ويجوزُ أنْ يكونَ صِفَةً لـ "ناراً" والعائِدُ محذوفٌ، ولَيْسَ بالقَوِيِّ، و "ليذوقوا" مُتعلِّقٌ بـ "بدلناهم". قال القُرْطُبِيُّ: يُقالُ: نَضِجَ الشَّيْءُ نُضْجاً ونَضجاً، وفلانٌ نَضِيجُ الرَّأي: أيْ: مُحْكَمُهُ. فصل في معنى قوله {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} {كُلَّمَا نَضِجَتْ [جُلُودُهُمْ}أيْ:] كلما احْترقَتْ جُلودهم، بَدلنَاهُم جُلُوداً غيْرَ الجلودِ المُحْترقَةِ. قال ابنُ عَبَّاسٍ: يُبَدِّلُونَ جُلُوداً بِيضاً، كأمثالِ القَرَاطِيسِ. رُوي أنَّ هذه الآيةَ قُرِئَتْ عند عُمَرَ - رضي الله عنه - فقال عُمرُ للقارئ: أعِدْهَا، فأعَادَهَا، وكان عِنْدَهُ مُعَاذُ ابنُ جَبَلٍ، فقال مُعَاذُ بنُ جَبَل - رضي الله عنه - عِندي تَفْسِيرُها: تُبدَّلُ في الساعَةِ مائةَ مرَّةٍ، فقال عمرُ: هكذا سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. قال الحَسَنُ: تأكُلُهمُ النارُ كُلَّ يومٍ سَبْعِينَ ألْفَ مرَّةٍ، كُلَّما أكَلَتْهُم، قِيلَ لَهُمْ: عُودُوا، فيعُودُونَ كَمَا كَانُوا. رَوَى أبُو هُرَيرَة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما بَيْنَ مَنْكبي الكافِرِ مَسِيرةُ ثلاثَةِ أيَّامٍ، للرّاكِبِ المُسْرِعِ ". تفسير : وعن أبي هُرَيْرة، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ضِرْسُ الكَافِر، أو نابُ الكَافر، مِثْلُ أحُدٍ وغِلَظُ [جِلْدِه] مَسِيرةُ ثلاثَةِ أيَّامٍ ". تفسير : فَإنْ قِيل: إنَّهُ تعالى قادِرٌ على إبْقَائِهِمْ أحْياء في النَّارِ أبَدَ الآبَادِ فَلِمَ لَمْ يُبْقِ أبْدانهمُ في النَّارِ مَصُونةً عن النضْجِ، مع إيصالٍ الألم الشديد إليها، مِنْ غيْرِ تَبْدِيلٍ لَهَا؟ فالجوابُ: أنَّهُ لا يُسْألُ عما يفعلُ، بل نقولُ: إنَّهُ قَادِرٌ على أنْ يُوصِلَ إلى أبْدانِهم آلاماً عظيمةً، من غيرِ إدْخَالِ النَّارِ، مع أنه تعالى أدْخلَهم النَّارِ، فإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعَذِّبُ جُلُوداً لم تكنْ في الدنيا ولم تَعْصِهِ؟ فالجوابُ من وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنه يُعَادُ الأولُ في كُلِّ مَرَّةٍ، وإنَّما قال غيرَها، لتبدل صفتها، كما تقولُ: صَنَعْتُ مِن خَاتَمِي خَاتَماً غيرَهُ، فالخَاتَمُ الثَّانِي هُوَ الأولُ؛ إلاَّ أنَّ الصناعةَ، والصِّفَةَ تبدَّلتْ. الثاني: المعذَّبُ هو الإنسانُ في الجِلْدِ، لا الْجِلْدُ، بل الجِلْدُ كالشَّيءِ الملتَصِقِ به، الزَّائِدِ على ذَاتِهِ، فإذا جُدِّدَ الجِلْدُ، صَارَ ذلك الجلدُ الجديدُ سَبَباً لوصولِ العذاب إلَيْهِ، فالمعذبُ لَيْسَ إلاَّ العَاصِي؛ يدلُّ عليه قولُه تعالى: {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} ولَمْ يَقُلْ: ليَذُوقَ. الثالثُ: قال السُّدِّيُّ: يُبَدَّلُ الجِلْدُ جِلْداً غَيرَهُ مِنْ لَحْمِ الكَافِرِ. الرابعُ: قال عَبْدُ الْعَزِيز بنُ يَحْيَى: إنَّ اللَّهَ - تعالى - يُلبِسُ أهْلَ النَّارِ جُلُوداً لا تألَّمُ، بل هي تُؤلِمُهُم: وَهِيَ السَّرَابِيلُ فكُلَّمَا [احترق] جِلْدٌ بدّلَهُم جِلْدَاً غَيْرَهُ. طعن القَاضِي في هذا فقال: إنه تَرْكٌ للظَّاهِرِ، وأيضاً السَّرَابِيلُ مِنَ القَطرَانِ لا تُوصَفُ بالنُّضْجِ، وإنما تُوصَفُ بالاحْتِراقَ. الخَامِسُ: يمكنُ أنْ يكونَ هذا استعارةً عن الدَّوَامِ، وعَدَمِ الانْقِطَاعِ؛ يُقالُ للموصوفِ بالدَّوام: كُلَّمَا انْتَهى فقد ابْتَدَأ، وكُلَّمَا وَصَلَ [إلى آخره] فقد ابتدَأ من أوله، فكذلك قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} يَعْني: أنهم كُلّما ظَنُّوا أنهم نَضِجُوا واحْتَرقُوا وانتهوا إلى الهلاكِ، أعْطيناهُم قُوَّةً جَديدةً من الحياة؛ بحيثُ ظنُّوا أنَّهم الآنَ وجدُوا، فيكونُ المقصودُ بيانَ دَوَام العَذَابِ. فإن قيل: قوله: "ليذوقوا العذاب" إنما يُقالُ: فلانٌ ذَاقَ الشَّيءَ، إذَا أدْرَكَ شَيْئاً قَلِيلاً منه، والله تعالى قَدْ وَصَفَهُمْ بأنهم كانوا في أشدِّ العذابِ، فكيْفَ يَحْسُنُ أن يذكرَ بعد ذلك أنَّهم ذَاقُوا العذابَ؟. فالجوابُ: المقصودُ مِنْ ذِكْرِ الذَّوْقِ، الإخبارُ بأنَّ إحساسَهُم بذلك العذابِ، في كُلِّ حالٍ، يَكُونُ كإحْسَاسِ الذَّائِقِ بالمذُوق من حيثُ إنه لا يَدْخُلُ فيه نُقْصَانٌ، ولا زَوَالٌ، بِسَبَبِ ذلك الاحتراقِ. ثُمَّ قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً}، فالعزيزُ: القادِرُ الغَالِبُ، والحَكِيمُ: الذي لا يَفْعَلُ إلاَّ الصَّوابَ، وما تَقْتَضِيه الحكمةُ؛ لأنَّهُ قد يَقَعُ في القَلْبِ تَعَجُّبٌ مِنْ كَوْنِ الكريمِ الرَّحيمِ يُعَذِّبُ هذا الشخص الضَّعِيفَ إلى هذا الحدِّ العَظيمِ أبَدَ الآبادِ. فقيل: ليس هذا [بَعِجبٍ]؛ لأنه القادِرُ الغَالِبُ، فكما أنه رحيمٌ فهو أيضاً حَكِيمٌ، والحكمةُ تَقْتَضِي ذلك.

البقاعي

تفسير : ولما أثبت لمن صد عنه النار علله بقوله: {إن الذين كفروا بآياتنا} أي ستروا ما أظهرته عقولهم بسببها {سوف نصليهم} أي بوعيد ثابت وإن طال معه الإمهال {ناراً} ولما كانت النار - على ما نعهده - مفنية ماحقة، استأنف قوله رداً لذلك: {كلما نضجت جلودهم} أي صارت بحرّها إلى حالة اللحم النضيج الذي أدرك أن يؤكل، فصارت كاللحم الميت الذي يكون في الجرح، فلا يحس بالألم {بدَّلناهم} أي جعلنا لهم {جلوداً غيرها} أي غير النضيجة بدلاً منها بأن أعدناها إلى ما كانت عليه قبل تسليط النار عليها، كما إذا صُغتَ من خاتم خاتماً على غير هيئته، فإنه هو الأول لأن الفضة واحدة، وهو غيره لأن الهيئة متغايرة، وهكذا الجلد الثاني مغاير للنضيج في الهيئة {ليذوقوا} أي أصحاب الجلود المقصودون بالعذاب {العذاب} أي ليدوم لهم تجدد ذوقه، فتجدد لهم مشاهده الإعادة بعد البلى كل وقت، كما كانوا يجددون التكذيب بذلك كل وقت، ليكون الجزاء من جنس العمل، فإنه لو لم يُعِدْ منهم ما وهي لأداه وهيه إلى البلى، ولو بلى منهم شيء لبلوا كلهم فانقطع عذابهم. ولما كان هذا أمراً لم يعهد مثله، دل على قدرته عليه بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {كان} ولم يزل {عزيزاً} أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {حكيماً *} ـي يتقن صنعه، فجعل عذابهم على قدر ذنوبهم، لأن عزائمهم كانت على دوامهم على ما استحقوا به ذلك ما بقوا. ولما ذكر الترهيب بعقاب الكافرين أتبعه الترغيب بثواب المؤمنين فقال: {والذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {وعملوا} بياناً لصدقهم فيه {الصالحات سندخلهم} أي بوعد لا خلف فيه، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف - كما في الكافرين - أنهم أقصر الأمم مدة، أو أنهم أقصرهم أعماراً إراحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء، وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف {جنات} أي بساتين، ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال: {تجري من تحتها الأنهار} أي إن أرضها في غاية الريّ، كل موضع منها صالح لأن تجري منه نهر. ولما ذكر قيامها وما به دوامها، أتبعه ما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال: {خالدين فيها أبداً} ولما وصف حسن الدار ذكر حسن الجار فقال: {لهم فيها أزواج} والمطرد في وصف جمع القلة لمن يفضل الألف والتاء، فعدل هنا عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في الطهر كذات واحد فقيل: {مطهرة} أي متكرر طهرها، لا توجد وقتاً ما على غير ذلك. ولما كانت الجنان في الدنيا لا تحسن إلا بتمكن الشمس منها, وكانت الشمس تنسخ الظل فتخرج إلى التحول إلى مكان آخر، وربما آذى حرها، أمّن من ذلك فيها بقوله: {وندخلهم} أي فيها {ظلاً} أي عظيماً، وأكده بقوله {ظليلاً *} أي متصلاً لا فرج فيه، منبسطاً لا ضيق معه دائماً لا تصيبه الشمس يوماً ما، ولا حر فيه ولا برد، بل هو في غاية الاعتدال. ولما تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في النساء واليتامى في الإرث وغيره، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال، وذكر خيانة أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب، وذكر أنه آتى هذه الأمة الملك المقتضي للحكم، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم؛ أقبل عليهم بلذيذ خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه بما ختمه بالظل الموعود على العدل في حديث "سبعة يظلمهم الله في ظله" فقال: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {يأمركم} أي أيتها الأمة {أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} أي من غير خيانة ما، كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم والإخبار بغيره، والأمانة: كل ما وجب لغيرك عليك. ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه، أمر بما يحق له في معاملة غيره، وحقق لهم ما لم يكونوا يرومونه من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفاً شيئين على شيئين: {وإذا حكمتم} وبين عموم ملكهم لسائر الأمم بقوله: {بين الناس} وبين المأمور به بقوله: {أن تحكموا بالعدل} أي السواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له، فإن ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل "تفسير : الحديث. ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله: {إن الله} معبراً أيضاً بالاسم الأعظم {نعمَّا} أي نعم شيئاً عظيماً {يعظكم به} وحثهم على المبادرة إلى حسن الامتثال بقوله: {إن الله} مكرراً لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا في الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم. ولما كان الرقيب في الأمانات لا بد له من أن يكون له من يد سمع وعلم قال: {كان} أي ولم يزل ولا يزال {سميعاً} أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جواباً لأمره وغيره ذلك {بصيراً *} أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من امتثال وغيره. ولما أمر سبحانه بالعدل ورغب فيه، ورهب من تركه؛ أمر بطاعة المتنصبين لذلك الحاملة لهم على الرفق بهم والشفقة عليهم فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال: {أطيعوا} أي بموافقة الأمر تصديقاً لدعواكم الإيمان {الله} أي فيما أمركم به في كتابه مستحضرين ما له من الأسماء الحسنى، وعظم رتبة نبيه صلى الله عليه وسلم بإعادة العامل فقال: {وأطيعوا الرسول} فيما حده لكم في سنته عن الله وبينه من كتابه لأن منصب الرسالة مقتضٍ لذلك، ولهذا عبر به دون النبي {وأولي الأمر منكم} أي الحكام، فإن طاعتهم فيما لم يكن معصية - كما أشير إلى ذلك بعدم إعادة العامل - من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاعته من طاعة الله عز وجل؛ والعلماء من أولي الأمر أيضاً، وهم العاملون فإنهم يأمرون بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ولما أبان هذا الحكم الأصول الثلاثة أتبعها القياس، فسبب عما تقديره: هذا في الأمور البينة من الكتاب والسنة والتي وقع الإجماع عليها، قوله: {فإن تنازعتم في شيء} أي لإلباسه فاختلفت فيه آراؤكم {فردوه إلى الله} أي المحيط علماً وقدرة بالتضرع بين يديه بما شرعه لكم من الدعاء والعبادة، ليفتح لكم ما أغلق منه ويهديكم إلى الحق منه {والرسول} أي الكامل الرسالة بالبحث عن آثار رسالته من نص في ذلك بعينه أو أولى قياس، ودلت الآية على ترتيب الأصول الأربعة على ما هو فيها وعلى إبطال ما سواها، وعلم من إفراده تعالى وجمع النبي صلى الله عليه وسلم مع أعلام أمته أن الأدب توحيد الله حتى في مجرد ذكره، وأكد البيان لدعوى الطاعة بقوله: {إن كنتم تؤمنون} أي دائمين على الإيمان بتجديده في كل أوان {بالله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له {واليوم الآخر} الحامل على الطاعة الحاجز عن المعصية، ثم دل على عظمة هذا الأمر وعميم نفعه بقوله مخصصاً رسوله صلى الله عليه وسلم: {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {خير} أي وغيره شر {وأحسن تأويلاً *} أي عاقبة أو ترجيعاً ورداً من ردكم إلى ما يقتضيه قويم العقل من غير ملاحظة لآثار الرسالة من الكتاب والسنة، فإن في الأحكام ما لا يستقل عنهما قال: "نزلت هذه الآية {أطيعوا الله} في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية" يعني فأمرهم أن يدخلوا في النار.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ثوبر عن ابن عمر في قوله ‏ {‏كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها‏} ‏ قال‏:‏ إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلوداً بيضاء أمثال القراطيس‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف من طريق نافع عن ابن عمر قال‏ ‏"‏قرئ عند عمر ‏ {‏كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب‏}‏ فقال معاذ‏:‏ عندي تفسيرها، تبدل في ساعة مائة مرة‏.‏ فقال عمر‏:‏ هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏تلا رجل عند عمر ‏ {‏كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها‏} ‏ فقال كعب: عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام‏.‏ فقال‏:‏ هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك‏.‏ قال‏:‏ إني قرأتها قبل الإسلام ‏ {‏كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها‏} ‏ في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة‏.‏ فقال عمر‏:‏ هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال‏:‏ بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة ‏ {‏كلما نضجت‏} ‏ وأكلت لحومهم قيل لهم عودوا فعادوا‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال‏:‏ تأخذ النار فتأكل جلودهم حتى تكشطها عن اللحم، حتى تفضي النار إلى العظام ويبدلون جلوداً غيرها، يذيقهم الله شديد العذاب، فذلك دائم لهم أبداً بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يزيد الحضرمي. أنه بلغه في قول الله ‏{‏كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها‏} ‏ قال‏:‏ يجعل للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال‏:‏ سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول‏:‏ أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وسنه سبعون ذراعاً، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار ‏حديث : عن حذيفة بن اليمان قال‏‏"‏أسر إليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏: يا حذيفة إن في جهنم لسباعاً من نار، وكلاباً من نار، وكلاليب من نار، وسيوفاً من نار، وإنه تبعث ملائكة يعلقون أهل النار بتلك الكلاليب بأحناكهم، ويقطعونهم بتلك السيوف عضواً عضواً، ويلقونهم إلى تلك السباع والكلاب، كلما قطعوا عضواً عاد مكانه غضباً جديداً"‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال‏:‏ قال أبو مسعود لأبي هريرة‏:‏ أتدري كم غلظ جلد الكافر‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال‏:‏ غلظ جلد الكافر أربعون ذراعاً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن أهل النار يعظمون في النار حتى يصير أحدهم مسيرة كذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏ وإن ضرس أحدهم لمثل أحد‏ ".‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله ‏ {‏وندخلهم ظلاً ظليلا‏ً} ‏ قال‏:‏ هو ظل العرش الذي لا يزول‏.‏

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} إن أريد بهم الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فالمرادُ بالآيات إما القرآنُ أو ما يعُمّ كلَّه وبعضَه أو ما يعم سائرَ معجزاتِه أيضاً وإن أريد بهم الجنسُ المتناولُ لهم تناولاً أولياً فالمرادُ بالآيات ما يعم المذكوراتِ وسائرَ الشواهدِ التي أوتيَها الأنبـياءُ عليهم السلام {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} قال سيبويهِ: سوف كلمةٌ تُذكر للتهديد والوعيدِ وينوبُ عنها السينُ، وقد يُذكران في الوعد فيفيدانِ التأكيدِ أي نُدخلهم ناراً عظيمةً هائلة {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} أي احترقت، وكلما ظرفُ زمانٍ والعامل فيه {بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} من قَبـيل بدّله بخوفه أمناً، لا من قبـيل يبدل الله سيئاتِهم حسناتٍ أي أعطيناهم مكانَ كلِّ جلدٍ محترقٍ عند احتراقِه جلداً جديداً مغايراً للمحترق صورةً وإن كان عينَه مادةً بأن يُزالَ عنه الاحتراقُ ليعودَ إحساسُه للعذاب، والجملةُ في محل النصبِ على أنها حالٌ من ضمير نُصليهم، وقد جُوِّز كونُها صفةً لناراً على حذف العائدِ أي كلما نضِجت فيها جلودُهم، فمعنى قولِه تعالى: {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} ليدومَ ذَوْقُهم ولا ينقطِعَ، كقولك للعزيز: أعزَّك الله، وقيل: يخلُق مكانَه جلداً آخرَ، والعذابُ للنفس العاصيةِ لا لآلة إدراكِها. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يُبدَّلون جلوداً بـيضاءَ كأمثال القراطيسِ، وروي أن هذه الآيةَ قُرئت عند عمرَ رضي الله تعالى عنه فقال للقارىء: أعِدْها فأعادها وكان عنده معاذُ بنُ جبلٍ، فقال معاذٌ: عندي تفسيرُها: يُبَدّل في ساعةٍ مائةَ مرةٍ، فقال عمر رضي الله عنه: هكذا سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول. وقال الحسنُ: تأكلُهم النارُ كلَّ يومٍ سبعين ألفِ مرةٍ كلما أكلتْهم قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا. وروىٰ أبو هريرةَ عن النبـي صلى الله عليه وسلمحديث : أن بـين منكِبَـي الكافرِ مسيرةَ ثلاثةِ أيامٍ للراكبِ المسرعِتفسير : ، وعن أبـي هريرة أنه قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ضِرْسُ الكافرِ أو نابُ الكافرِ مثلُ أحُدٍ، وغِلَظُ جلدِه مسيرةُ ثلاثةِ أيامٍ»تفسير : . والتعبـيرُ عن إدراك العذابِ بالذوق ليس لبـيان قلّتِه بل لبـيان أن إحساسَهم بالعذاب في كل مرةٍ كإحساس الذائقِ بالمذوق من حيث إنه لا يدخُله نقصانٌ بدوام الملابَسةِ إو للإشعار بمرارة العذابِ مع إيلامه أو للتنبـيه على شدة تأثيرِه من حيث إن القوةَ الذائقةَ أشدُّ الحواسِّ تأثراً أو على سِرايته للباطن، ولعل السرَّ في تبديل الجلودِ ــ مع قدرتِه تعالى على إبقاء إدراكِ العذابِ وذوقِه بحاله مع الاحتراق أو مع إبقاء أبدانِهم على حالها مَصونةً عن الاحتراق ــ أن النفسَ ربما تتوهّم زوالَ الإدراكِ بالاحتراق ولا تستبعد كلَّ الاستبعادِ أن تكون مصونةً عن التألم والعذابِ صيانةَ بدنِها عن الاحتراق. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً} لا يمتنع عليه ما يريده ولا يمانعه أحدٌ {حَكِيماً} يعاقِب مَنْ يعاقبه على وَفق حكمتِه، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها من الإصلاء والتبديلِ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ بطريق الالتفاتِ لتهويل الأمرِ وتربـية المهابةِ وتعليلِ الحكم، فإن عنوانَ الألوهيةِ مناطٌ لجميع صفاتِ كمالِه تعالى.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا} [الآية: 56]. قال بعضهم رحمه الله: بإظهار البيان على الخواص.

القشيري

تفسير : الإشارة منه إلى الجاحدين لآيات الأولياء، يُقيمهم بوصف الصغار ويبقيهم في وحشة الإنكار؛ كلَّما لاح لقلوبهم شيء من هذه القصة جرَّهم إنكارُهم إلى ترك الإيمان بها والإزراء بأهلها على وجه الاستبعاد، فهم مؤبدة عقوبتهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين كفروا بآياتنا} القرآن وسائر المعجزات {سوف} كلمة تذكر للتهديد والوعيد يقال سوف افعل وتذكر للوعد ايضا فتفيد التأكيد {نصليهم نارا} ندخلهم نارا عظيمة هائلة {كلما نضجت جلودهم} اى احترقت {بدلناهم جلودا غيرها} غير يذكر ويراد به الضد تقول الليل غير النهار وايضا يقال للمثل المتبدل تقول للماء الحار اذا برد هذا غيره وهو المراد هنا اى اعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلدا جديدا مغايرا للمحترق صورة وان كان عينه مادة. والحاصل انه يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة اخرى كقولك صغت من خاتمى خاتما غيره فالخاتم الثانى هو الاول وانما الصياغة اختلفت. فان قلت الجلود العاصية اذا احترقت فلو خلق الله تعالى مكانها جلودا اخرى وعذبها كان ذلك تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز قلت العذاب للجلدة الحساسة وهى التى عصت لا للجلد مطلقا والذات واحدة فالعذاب لم يصل الا الى العاصى {ليذوقوا العذاب} اى ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز اعزك الله اى ادامك على عزك وزادك فيه. قال الحسن تأكلهم النار فى كل يوم سبعين مرة كلما اكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا ـ وروى ـ مرفوعا ان جلد الكافر اربعون ذراعا وضرسه مثل احد وشفته العليا تضرب سرته وبين لحمه وجلده ديدان كحمر الوحش تركض بين جلده ولحمه وحيات كأعناق البخت وعقارب كالبغال وهذا ليس بزيادة تحلق وتعذب من غير معصية لكن اذا زيد ذلك ثقلة على العبد ويكون نفس الثقل عقوبة عليه كسائر عقوبات جهنم من السلاسل والاغلال والعقارب والحيات. فان قلت انما يقال فلان ذاق العذاب اذا ادرك شيئاً قليلا منه والله تعالى قد وصف انهم كانوا فى اشد العذاب فكيف يحسن ان يذكر بعد ذلك انهم ذاقوا العذاب قلت المقصود من ذكر الذوق الاخبار بان احساسهم بالعذاب فى كل مرة كاحساس الذائق بالمذوق من حيث انه لا يدخله نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق ودوام الملابسة ولعل السر فى تبديل الجلود مع قدرته تعالى على بقاء ادراك العذاب وذوقه بحاله مع الاحتراق او مع ابقاء ابدانهم على حالها مصونة عن الاحتراق ان النفس ربما تتوهم زوال الادراك بالاحتراق {ان الله كان عزيزا} لا يمتنع عليه شىء مما يريده بالمجرمين {حكيما} يعاقب من يعاقب على حكمته. اعلم ان هذا العذاب والتبديل الذى فى الآخرة كان حاصلا له فى الدنيا ولكن لم يكن يذوقه كالنائم يجرح نفسه بحديدة فى يده فتكون الجراحة حاصلة له فى الدنيا ولكن لم يذق ألمها حتى ينتبه فالناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا. فعلى العبد ان يعمل على وفق الشرع وخلاف النفس والهوى حتى يجعل الله تعالى باكسير الشرع نحاس الصفات الظلمانية النفسانية فضة الصفات النورانية الروحانية فاذا تخلص فى الدنيا من شوب المعصية باصلاح النفس والجريان على وفق الشرع لم يحتج فى الآخرة الى التهذيب والتنقيح بالنار ـ روى ـ ان اصحاب الكبائر من موحدى الامم كلها الذين ماتوا على كبائرهم غير تائبين ولا نادمين منهم من دخل النار فى الباب الاول فى جهنم حتى لا تزرق اعينهم ولا تسود وجوههم ولا يقرنون مع الشياطين ولا يغلون بالسلاسل ولا يجرعون الحميم ولا يلبسون القطران فى النار حرم الله تعالى اجسادهم ووجوههم على النار من اجل السجود فمنهم من تأخذه النار الى قدميه ومنهم من تأخذه النار الى ركبتيه ومنهم من تأخذه الى عنقه قدر ذنوبهم واعمالهم ثم ان منهم من يمكث فيها شهرا ومنها من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها واطولهم فيها مكثا كقدر الدنيا منذ خلقت الى يوم تفنى. وكان ابن السماك يقول فيما يعاتب نفسه يا نفس تقولين قول الزاهدين وتعملين عمل المنافقين وفى الجنة تطمعين ان تدخلين هيهات هيات ان للجنة قوما آخرين ولها اعمال غير ما تعملين ويحكك اخذت بزىّ كسرى وقيصر والفراعنة وتريدين ان ترافقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى دار الجلال فاعرض نفسك على كتاب الله فيما وصف اولياءه واعداءه فانظر من أى الصنفين انت شعر : برادر زكار بدان شرم دار كه در روى نيكان شوى شر مسار نريزد خدا آب روى كسى كه ريزد كناه آب جشمش بسى تفسير : وذكر عن يزيد بن مرثد انه كان لا تنقطع دموع عينيه ساعة ولا يزال باكيا فسئل عن ذلك فقال لو ان الله تعالى اوعدنى بانى لو اذنبت لحبسنى فى الحمام ابدا لكان حقيقا علىّ ان لا تنقطع دموعى فكيف وقد اوعدنى ان يحبسنى فى نار اوقد عليها ثلاثة آلاف سنة اوقد عليها الف سنة حتى احمرت ثم اوقد عليها الف سنة حتى ابيضت ثم اوقد عليها الف سنة حتى اسودت فهى سوداء كالليل المظلم. قال ابو هريرة رضى الله عنه لا تغبطن فاجرا بنعمته فان وراءه طالبا حثيثا وهى جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا: قال الحافظ قدس سره شعر : قلندار حقيقت به نيم جو نخرند قباى اطلس آنكس كه ازهنر عاريست تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كانت همته الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه فى قلبه وأتته الدنيا وهى راغمة ومن كانت همته الدنيا فرق الله عليه امره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما كتب الله له ".تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : آنكس ازدزد بيرسد كه متاعى دارد عارفان جمع نكردند وبريشانى نيست هركرا خيمه بصحراى قناعت زده اند كرجهان لرزه بكيرد غم ويرانى نيست

الطوسي

تفسير : المعنى واللغة: أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من جحد معرفته وكذّب أنبياءه، ودفع الآيات التي تدل على توحيده، وصدق نبيه أنه سوف يصليه ناراً لتدل على أن ذلك يفعله بهم في المستقبل، ولم يكن دخولها للشك، لأنه تعالى عالم بالأشياء لا يخفى عليه أمر من الأمور. ومعنى نصليه ناراً: نلزمه إياها تقول: أصليته النار: إذا القيته فيها، وصليته صلياً: إذا شويته: وشاة مصلية أي مشويه. والصلا الشواء. وصلي فلان بشر فلان. وصلي برجل سوء. وقوله: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال الرماني: إن الله يجدد لهم جلوداً غير الجلود التي احترقت وتعدم المحترقة على ظاهر القرآن من أنها غيرها، لأنها ليست بعض الانسان. قال قوم هذا لا يجوز، لأنه يكون عذب من لا يستحق العذاب. قال الرماني: لا يؤدي إلى ذلك، لأن ما يزاد لا يألم، ولا هو بعض لما يألم، وإنما هو شيء يصل به الألم إلى المستخق له. وقال الجبائي: لا يجوز أن يكون المراد ان يزاد جلداً على جلده، كلما نضجت لأنه لو كان كذلك لوجب أن يملأ جسد كل واحد من الكفار جهنم إذا أدام الله العقاب، لأنه كلما نضجت تلك الجلود زاد الله جلداً آخر، فلا بد أن ينتهي إلى ذلك. والجواب الثاني - اختاره البلخي والجبائي، والزجاج: ان الله تعالى يجددها بان يردها إلى الحالة التي كانت عليها غير محترقة، كما يقال جئتني بغير ذلك الوجه وكذلك، إذا جعل قميصه قباء جاز أن يقال جاء بغير ذلك اللباس أو غير خاتمه فصاغه خاتماً آخر جاز أن يقال هذا غير ذلك الخاتم، وهذا هو المعتمد عليه. والثالث - قال قوم: إن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله في قوله:{أية : سرابيلهم من قطران}تفسير : فأما الجلود فلو عذبت ثم أوجدت، لكان فيه تفتير عنهم، وهذا بعيد، لأنه ترك للظاهر وعدول بالجلود إلى السرابيل، ولا نقول إن الله تعالى يعدم الجلود بل على ما قلناه يجددها ويطريها بما يفعل فيها من المعاني التي تعود إلى حالتها، فأما من قال: إن الانسان غير هذه الجملة، وأنه هو المعذب، فقد تخلص من هذا السؤال. ويقوّي ما قلناه ان أهل اللغة يقولون: أبدلت الشيء بالشيء إذا أزلت عيناً بعين، كما قال الراجز: شعر : عزل الامير بالامير المبدل تفسير : وبدلت - بالتشديد - إذا غيرت هيئة، والعين واحدة. يقولون: بدّلت جبتي قميصاً: إذا جعلنها قميصاً ذكره المغربي، وقال البلخي: ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يخلق الله لهم جلداً آخر فوق جلودهم، فاذا احترق التحناني أعاده الله. وهكذا يتعقب الواحد الآخر قال: ويحتمل أن يخلق الله لهم جلداً لا يألم يعذبهم فيه، كما يعذبهم في سرابيل القطران. فان قيل: كيف قال: {ليذوقوا العذاب} مع أنه دائم لازم؟ قيل: لأن احساسهم في كل حال كاحساس الذائق في تجدد الوجدان من غير نقصان، لأن من استمر على الأكل، لا يجد الطعم، كما يجد الطعم من يذوقه. وقوله: {إن الله كان عزيزاً حكيماً} معناه أنه قادر قاهر لا يمتنع عليه انجاز ما توعد به أو وعد، وحكيم في فعله لا يخلف وعيده، ولا يفعل إلا قدر المستحق به فينبغي للعاقل أن يتدبره، ويكون حذره منه على حسب علمه به ولا يغترّ بطول الامهال، والسلامة من تعجيل العقوبة.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} تفصيل لحال المؤمنين به والصّادّين عنه وتقديم حال الصّادّين لقصد كون الافتتاح والاختتام بحال المؤمنين كأنّه قال: امّا الّذين صدّوا عنه وامّا الّذين آمنوا به؛ لكن ادّاه هكذا اشارة الى تعليل قوله كفى بجهنّم سعيراً والى كونهم كافرين وانّ عليّاً (ع) اعظم الآيات وانّ الكافر به كافر بجميع الآيات {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} اختلف كلمات الحكماء والصّوفيّة فى كيفيّة خلود اهل النّار وعذابهم الدّائمىّ واصحاب الشّرائع مطبقون على خلودهم وانّ المحكوم بكونه اهل السّجّين لا نجاة له من داره وانّ لكلّ دار عمّاراً هم اهلها لا يخرجون منها ابداً، وتبديل جلودهم يكون بحسب ملكاتهم الرّدية وعقائدهم الفاسدة واخلاقهم الكاسدة فانّها من فروع الشّجرة الخبيثة الّتى اجتثّت من فوق الارض ما لها من قرار، والمراد بالجلود امّا جلود الابدان او جلود الارواح وهى ابدانهم الخبيثة، والسّؤال بانّ المعاقب يصير غير المذنب ساقط من اصله لا جواب له {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً} لا مانع له من حكمه وعقوبته {حَكِيماً} لا يعاقب من غير استحقاقٍ {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بعلىّ (ع) {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} حتّى كسبوا فى ايمانهم خيراً {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} ثمّ صرف القول الى النّاس المحسودين بالخطاب لهم فقال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ}.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِنَا سَوفَ نُصلِيهم نَارًا}: فلا بد منها لمن صد عنه، اذا كان كل من كفر بآيات الله، الدالة على وجوده، وتنزهه عن الشبه، وعلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وسائر المشركين، أو أريد كل كافر من أمة ومعنى {نُصلِيهم}: ندخلهم. {كُلمَا}: ظرف متعلق ببدلنا بعده، وما مصدرية، والمصدر من صلتها أضيف اليه كل، فهو مصدر ناب عن ظرف الزمان، أضيف اليه كل، فاكتسب منه الظرفية. {نَضَجَتْ جُلُودُهُم}: احترقت جلودهم، وقيل: أجسادهم. {بَدَّلنَاهُم جُلُودًا غَيرَهَا}: هذه الجملة حال من هاء {نُصلِيهم} ومعنى تبديل الجلود: رد تلك الجلود المحترقة بعينها على حالها قبل أن تحترق، كما يرد الأجسام الفانية بعينها يوم البعث، فيزول أثر الاحراق، أو تعاد على صورة أخرى، وعلى كل حال فتتجدد قوة احساسهم بالاحراق، كما قال: {لِيَذُوقُوا العَذابَ}: أى ليحدث لهم عذاب جديد يحسونه، كمن يذوق طعاما جديدا، أو ليدوم لهم ذوق العذاب، كقولك للعزيز: أعزك الله، إذا أردت ابقاء عزه لا تبديله، ولا الزيادة عليه، وان قلت: كيف تكون الجلود المبدلة عين الأولى، وقد قال الله جل وعلا {غَيرَهَا}؟ قلت: لما كانت صفتها تبدل من الاحتراق الى عدمه، نزل تغير الصفة منزلة تغاير الذات، كما تقول: هذا يسرا أفضل منه رطبا، وكما تقول: جاء زيد العالم والشاعر، تزيد بهما زيدا، وكما تقول: بدلت خاتمى، تريد أنه أذيب أو دق فصنع على كيفية أخرى. وقيل: تجدد لهم جلود أخرى غير الأولى العاصية المحترقة، ولا ظلم فى ذلك للجلود المبدلة، لأن الجلود والأبدان لا تتألم بنفسها، بل يتألم القلب. وقيل: الجلود المبدلة سرابيل القطران، وقيل: يخرج من تحت الجلد جلد صر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تبدل جلودهم كل يوم سبع مرات " تفسير : وعن الحسن: يبدلون كل يوم سبعين جلدا بيضا، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : تبدل جلود الكافر فى كل ساعة مائة مرة، كلما أكلتها النار وأحرقتها قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا "تفسير : وهذا يدل أن التبديل اعادة نفس الأول. وعن الحسن بن أبى الحسن: تبدل عليهم فى اليوم سبعين ألف مرة، وعن ابن عباس: يبدلون جلودا بيضا كأمثال القراطيس، وقرئت هذه الآية عند عمر رضى الله عنه فقال للقارىء: أعدها، فأعادها وكان عند معاذ بن جبل، فقال معاذ: عندى تفسيرها: تبدل فى كل ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبى هريرة: حديث : ما بين منكبى الكافر فى النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع، وعنه أيضا: ضرس الكافر، أو قال ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام تفسير : ، يرفع الحديثين الى رسول الله صلى الله عليه سلم، وذكروا أن النار تأكل أجسادهم حتى تنتهى الى الفؤاد، فينضج الفؤاد فلا تأكل فتخبو، ثم يعادون خلقا جديدا. {إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً}: فى انتقامه، فمن كفر لا يعجزه ما أراد. {حَكِيماً}: فى عقابه، فانه يعاقب على وفق حكمته، ومنها تعذيب الضعيف بالنار الشديدة، وأنه لا يعذب إلا مستحق التعذيب، ولا بد من وقوع وعيده كوعده، صونا لكلامه عن الكذب، وليس من الحكمة تركه لمستوجبه، فأخطأت الأشعرية فى قولهم: انه يتركه لبعض المكلفين الموحدين، والمرجئة قبحهم الله إذ قالوا: كل وعيد فى القرآن تخويف لا يحقق بالوقوع.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأيآتِنَا} المعهودون، والآيات القرآن، أو للكفار مطلقا، والآية كذلك فيدخل المعهودون والقرآن وبالأولى {سَوْفَ نُصْلِيِهمْ نَاراً} ندخلهم إياها، سوف للوعيد والتهديد، كالسين فى قوله تعالى: {أية : سأصليه سقر} تفسير : [المدثر: 26]، ولتأكيد الوعد كقوله تعالى: {أية : ولسوف يعطيك ربك} تفسير : [الضحى: 5] {كُلَّمَا نَضَجَتْ} احترقت وصارت كأنها لحم مطبوخ {جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جَلُوداً غَيْرَهَا} رددناها بنفسها على صورتها الأولى، فسمى ردها إلى الصورة الأولى عن الصورة المغيرة هى إليها تبديلا، أو رددناها بنفسها إلى صورة أخرى غير الأولى وغير الصورة المتغيرة، وهكذا صورة بعد صورة بلا تناه، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبدل جلد الكافر فى كل ساعة مائة مرة" تفسير : ،وعن عمر مرفوعا، "حديث : مائة وعشرين"تفسير : ، وكذا قال كعب، وقال الحسن: سبعين ألف مرة فى اليوم، والجلد فى ذلك واحد هو الأول، كما تقول صغت من خاتمى خاتما غيره، وصغت من خاتمى قرطاً، والجسم واحد، كما روى أن الروح تقول للجسم بك صرت هنا وأنت الفاعل، ويقول الجسم أنت الآمر المتصرف، وإنما تتغير الصفة، ومن ذلك أن يفسر التبديل بإزالة أثر الإحراق، فيعود الإحساس تاما كالأول، وعن ابن عباس، يبدلون جلوداً بيضاء كالقراطيس وتحرق، وهكذا أو يبقى التبديل على ظاهره، ولا ظلم فى ذلك لأن المتألم القلب لا ذلك الجلد المحدث غير الذى هو عليه فى الدنيا على هذا، ويناسب أنه غير الأول لأن من أهل النار من يملأ زاوية من جهنم وأن سن الجهنمى كجبل أحد، وأن طول السعيد ستون ذراعاً، وعرضه سبع، وأجيب بأن ذلك كله هو ما فى الدنيا ينمو {لِيَذُوقُوا العَذابَ} ليدوم ذوقه، ويتجدد حزنهم كلما بدلت، ولو أبقى جلدا واحدا محترقا لم يحس ولله أن يفعل ما شاء، ولو شاء لأوصل العذاب مع بقائه محترقا، أخبرهم الله عز وجل بالتبديل دفعا لما يتوهم من أن احتراق الجلد يمنع الاحتراق لما وراه {إنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً} غالباً على جميع الممكنات {حَكِيماً} لا يفعل إلا الصواب، ومن هذا شأنه لم يبعد مع كرمه ورحمته أن يعذب الضعيف العاصى بهذا العذاب الدائم العظيم، لأن ذلك من حكمته ولا يخلف الوعد ولا الوعيد.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} استئناف وقع كالبيان والتقرير لما قبله، والمراد بالموصول إما الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وإما ما يعمهم وغيرهم ممن كفر بسائر الأنبياء عليهم السلام، ويدخل أولئك دخولاً أولياً، وعلى الأول: فالمراد بالآيات إما القرآن أو ما يعم كله وبعضه، أو ما يعم سائر معجزاته عليه الصلاة والسلام، وعلى الثاني: فالمراد بها ما يعم المذكورات وسائر الشواهد التي أتى بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدعاهم، و {سَوْفَ} كما قال سيبويه: كلمة تذكر للتهديد والوعيد، وتنوب عنها السين كما في قوله تعالى: {أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} تفسير : [المدثر: 26] وقد تذكر للوعد كما في قوله سبحانه: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5] و {أية : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى} تفسير : [يوسف: 98]؛ وكثيراً ما تفيد هي والسين توكيد الوعيد، وتنكير {نَارًا} للتفخيم أي: يدخلون ولا بد ناراً هائلة. {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} أي احترقت وتهرت وتلاشت، من نضج الثمر واللحم نضجاً ونضجاً إذا أدرك، و{كُلَّمَا} ظرف زمان والعامل فيه {بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلداً جديداً مغايراً للمحترق صورة وإن كانت مادته الأصلية موجودة بأن يزال عنه الإحراق فلا يرد أن الجلد الثاني لم يعص فكيف يعذب؟ وذلك لأنه هو العاصي باعتبار أصله فإنه لم يبدل إلا صفته، وعندي أن هذا السؤال مما لا يكاد يسأله عاقل فضلاً عن فاضل، وذلك لأن عصيان الجلد وطاعته وتألمه وتلذذه غير معقول لأنه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشعور وهو أشبه الأشياء بالآلة فَيَدُ قاتل النفس ظلماً مثلاً آلة له كالسيف الذي قتل به ولا فرق بينهما إلا بأن اليد حاملة للروح، والسيف ليس كذلك، وهذا لا يصلح وحده سبباً لإعادة اليد بذاتها وإحراقها دون إعادة السيف وإحراقه لأن ذلك / الحمل غير اختياري، فالحق أن العذاب على النفس الحساسة بأي بدن حلت وفي أي جلد كانت وكذا يقال في النعيم، ويؤيد هذا أن من أهل النار من يملأ زاوية من زوايا جهنم وأن سن الجهنمي كجبل أحد، وأن أهل الجنة يدخلونها على طول آدم عليه السلام ستين ذراعاً في عرض سبعة أذرع، ولا شك أن الفريقين لم يباشروا الشر والخير بتلك الأجسام بل من أنصف رأى أن أجزاء الأبدان في الدنيا لا تبقى على كميتها كهولة وشيوخة وكون الماهية واحدة لا يفيد لأنا لم ندع فيما نحن فيه أن الجلد الثاني يغاير الأول كمغايرة العرض للجوهر أو الإنسان للحجر بل كمغايرة زيد المطيع لعمرو العاصي مثلاً على أنه لو قيل: إن الكافر يعذب أولاً: ببدن من حديد تحله الروح، وثانياً: ببدن من غيره كذلك لم يسغ لأحد أن يقول: إن الحديد لم يعص فكيف أحرق بالنار ولولا ما علم من الدين بالضرورة من المعاد الجسماني بحيث صار إنكاره كفراً لم يبعد عقلاً القول بالنعيم والعذاب الروحانيين فقط. ولما توقف الأمر عقلاً على إثبات الأجسام أصلاً، ولا يتوهم من هذا أني أقول باستحالة إعادة المعدوم معاذ الله تعالى، ولكني أقول بعدم الحاجة إلى إعادته وإن أمكنت، والنصوص في هذا الباب متعارضة، فمنها ما يدل على إعادة الأجسام بعينها بعد إعدامها، ومنها ما يدل على خلق مثلها وفناء الأولى، ولا أرى بأساً بعد القول بالمعاد الجسماني في اعتقاد أي الأمرين كان، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في الآيات التي يدل ظاهرها على إعادة العين مثل قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24] وما في «شرح البخاري» للسفيري ـ من أنه لا تزال الخصومة بين الناس حتى تختصم الروح والجسد يوم القيامة، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت وأني كنت ريحاً ولولاك لم أستطع أن أعمل شيئاً، ويقول الجسد للروح: أنت أمرت وأنت سولت ولولاك لكنت بمنزلة الجذع الملقى لا أحرك يداً ولا رجلاً، فيبعث الله تعالى ملكاً يقضي بينهما فيقول لهما: إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير وآخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير: إني أرى هٰهنا ثماراً لكن لا أصل إليها فقال له الضرير: اركبني فتناولها فأيهما المتعدي؟ فيقولان كلاهما فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما ـ لا أراه صحيحاً لظهور الفرق بين المثال والممثل له فإن الحامل فيما نحن فيه لا اختيار له ولا شعور بوجه من الوجوه اللهم إلا أن يكون هناك شعور لكن لا شعور لنا به» ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لتحقيق هذا المقام، ثم إن هذا التبديل كيفما كان يكون في الساعة الواحدة مرات كثيرة. فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن عمر قال: «قرىء عند عمر هذه الآية فقال كعب: عندي تفسيرها قرأتها قبل الإسلام فقال هاتها يا كعب فإن جئت بها سمعت كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك قال: إني قرأتها قبل (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة) فقال عمر: هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبـي شيبة وغيره عن الحسن قال: «بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة كلما نضجتهم النار وأكلت لحومهم قيل لهم: عودوا فعادوا». {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أي ليدوم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق من حيث إنه لا يدخله نقصان بدوام الملابسة، أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه أو للتنبيه على شدة تأثيره من حيث إن القوة الذائقة أشد الحواس تأثيراً أو على سرايته للباطن، ولعل السر في تبديل الجلود مع قدرته تعالى على إبقاء إدراك العذاب وذوقه بحال مع الاحتراق أو مع بقاء أبدانهم على حالها مصونة عنه أن / النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق ولا تستبعد كل الاستبعاد أن تكون مصونة عن التألم والعذاب صيانة بدنها عن الاحتراق قاله مولانا شيخ الإسلام، وقيل: السر في ذلك أن في النضج والتبديل نوع إياس لهم وتجديد حزن على حزن، وأنكر بعضهم نضج الجلود بالمعنى المتبادر وتبديلها زاعماً أن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله سبحانه بقوله: {أية : سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ} تفسير : [إبراهيم: 50] وسميت السرابيل جلوداً للمجاورة، وفيه أنه ترك للظاهر، ويوشك أن يكون خلاف المعلوم ضرورة، وأن السرابيل لا توصف بالنضج وكأنه ما دعاه إلى هذا الزعم سوى استبعاد القول بالظاهر، وليس هو بالبعيد عن قدرة الله سبحانه وتعالى {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً} أي لم يزل منيعاً لا يدافع ولا يمانع، وقيل: إنه قادر لا يمتنع عليه ما يريده مما تواعد أو وعد به {حَكِيماً} في تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه؛ والجملة تعليل لما قبلها من الإصلاء والتبديل وإظهار الاسم الجليل لتعليل الحكم مع ما مر مراراً.

ابن عاشور

تفسير : تهديد ووعيد لجميع الكافرين، فهي أعمّ ممّا قبلها، فلها حكم التذييل، ولذلك فُصلت. والإصْلاء: مصدر أصلاهُ، ويقال: صلاهُ صَلْيا، ومعناه شيُّ اللحم على النار، وقد تقدّم الكلام على (صلى) عند قوله تعالى: {أية : وسيَصْلون سعيرا}تفسير : [النساء: 10] وقوله: {أية : فسوف نصليه ناراً} تفسير : في هذه السورة [النساء: 30]، وتقدّم أيضاً الكلام على (سوف) في الآية الأخيرة. و{نصليهم} ــــ بضم النون ــــ من الإصلاء. و{نضجت} بلغت نهاية الشيّ، يقال: نضج الشِّواء إذا بلغ حدّ الشيّ، ويقال: نضج الطبيخ إذا بلغ حدّ الطبخ. والمعنى: كلّما احترقت جلودهم، فلم يبق فيها حياة وإحساس. بدّلناهم، أي عوّضناهم جلوداً غيرها، والتبديل يقتضي المغايرة كما تقدّم في قوله في سورة البقرة: {أية : أتستبدلون الذي هو أدنى}تفسير : [البقرة: 61]. فقوله: {غيرها} تأكيد لما دلّ عليه فعل التبديل. وانتصب {ناراً} على أنَّه مفعول ثان لأنّه من باب أعطَى. وقوله: {ليذوقوا العذاب} تعليل لقوله: {بدّلناهم} لأنّ الجِلد هو الذي يوصل إحساس العذاب إلى النفس بحسب عادة خلق الله تعالى، فلو لم يبدّل الجلد بعد احتراقه لما وصل عذاب النار إلى النفس. وتبديل الجلد مع بقاء نفس صاحبه لا ينافي العدل لأنّ الجِلد وسيلة إبلاغ العذاب وليس هو المقصود بالتعذيب، ولأنّه ناشىء عن الجلد الأوّل كما أنّ إعادة الأجسام في الحشر بعد اضمحلالها لا يوجب أن تكون أناساً غير الذين استحقّوا الثواب والعقاب لأنّها لمّا أُودعت النفوسَ التي اكتسبت الخيرَ والشرّ فقد صارت هي هي ولا سيما إذا كانت إعادتها عن إنبات من أعجاب الأذناب، حسبما ورد به الأثر، لأنّ الناشىء عن الشيء هو منه كالنخلة من النواة. وقوله: {إنّ الله كان عزيزاً حكيماً} واقع موقع التعليل لِما قبله، فالعزّة يتأتى بها تمام القدرة في عقوبة المجترىء على الله، والحكمة يتأتّى بها تلك الكيفية في إصلائهم النار. وقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} ذكر هنا للمقابلة وزيادة الغيظ للكافرين. واقتصر من نعيم الآخرة على لذّة الجنّات والأزواج الصالحات، لأنّهما أحبّ اللذّات المتعارفة للسامعين، فالزوجة الصالحة آنس شيء للإنسان، والجنّات مَحّل النعيم وحُسن المنظر. وقوله: {وندخلهم ظِلاّ ظليلا} هو من تمام محاسن الجنّات، لأنّ الظلّ إنّما يكون مع الشمس، وذلك جمال الجنّات ولذّة التنعّم برؤية النور مع انتفاء حرّه. ووصف بالظليل وصفاً مشتقّاً من اسم الموصوف للدلالة على بلوغه الغاية في جنسه، فقد يأتون بمثل هذا الوصف بوزن فعيل: كما هنا، وقولهم: داء دويُّ، ويأتون به بوزن أفْعل: كقولهم: لَيْلٌ ألْيَل ويَوْم أيْوَم، ويأتون بوزن فَاعل: كقولهم: شِعْر شاعر، ونَصَب نَاصِب.

الواحدي

تفسير : {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها} يعني: أنَّ جلودهم إذا نضجت واحترقت جُدِّدت، بأن تُردَّ إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة {ليذوقوا العذاب} ليقاسوه وينالوه {إنَّ الله كان عزيزاً} قوياً لا يغلبه شيء {حكيماً} فيما دبَّر، وقوله: {وندخلهم ظلاً ظليلاً} يعني: ظلَّ هواء الجنَّة، وهو ظليلٌ، أَيْ: دائمٌ لا تنسخه الشَّمس. {إنَّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} نزلت في ردِّ مفتاح الكعبة على عثمان بن طلحة الحجبيِّ حين أُخذ منه قسراً يوم فتح مكة، فأمره الله تعالى بردِّه عليه، ثمَّ هذه الآية عامَّةٌ في ردِّ الأمانات إلى أصحابها كيف ما كانوا {إنَّ الله نِعِمَّا يعظكم به} أَيْ: نِعمَ شيئاً يعظكم به، وهو القرآن {إنَّ الله كان سميعاً} لمقالتكم في الأمانة والحكم {بصيراً} بما تعملون فيها، قال أبو روق: حديث : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعثمان: أعطني المفتاح، فقال: هاكَ بأمانة الله، ودفعه إليه، فأراد عليه السَّلام أن يدفعه إلى العباس، فنزلت هذه الآية، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لعثمان: هاك [بأمانة الله]، خالدةً تالدةً، لا ينزعها عنكم إلاَّ ظالم، ثمَّ إنَّ عثمان هاجر ودفع إلى أخيه شيبة، فهو في ولده إلى اليوم .

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: نصليهم ناراً: ندخلهم ناراً يحترقون بها. نضجت جلودهم: اشتوت فتهرت وتساقطت. ليذوقوا العذاب: ليستمر لهم العذاب مؤلماً. عزيزا حكيما: غالبا، يعذب من يستحق العذاب. تجري من تحتها الأنهار: تجري من خلال أشجارها وقصورها الأنهار. مطهرة: من الأذى والقذى مطلقا. ظلا ظليلا: الظل الظليل، الوارف الدائم لا حر فيه ولا برد فيه. معنى الآيتين: على ذكر الإِيمان والكفر في الآية السابقة ذكر تعالى في هاتين الآيتين الوعيد والوعد الوعيد لأهل الكفر والوعد لأهل الإِيمان فقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} يريد يدخلهم نار جهنم يحترقون فيها ويصطلون بها {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} تهرت وسقطت بدلهم الله تعالى فوراً جلوداً غيرها ليتجدد ذوقهم للعذاب وإحساسهم به، وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} تذييل المقصود منه إنفاذ الوعيد فيهم، لأن العزيز الغالب لا يعجز عن إنفاذ ما توعد به أعداءه، كما أن الحكيم في تدبيره يعذب أهل الكفر به والخروج عن طاعته هذا ما تضمنته الآية الأولى [56] من وعيد لأهل الكفر. وأما الآية الثانية [57] فقد تضمنت البشرى السارة لأهل الإِيمان وصالح الأعمال، مع اجتناب الشرك والمعاصي فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي بعد تركهم الشرك والمعاصي {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} يريد نساء من الحور العين مطهرات من كل ما يؤذي أو يُخل بحسنهن وجمالهن نقيات من البول والغائط ودم الحيض. وقوله تعالى: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} وارفا كنيناً يقيهم الحر والبرد وحدث يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة فقال: "حديث : في الجنة شجرة تسمى شجرة الخلد يسير الراكب في ظلها مائة سنة ما يقطع ظلها ". تفسير : هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- الكفر والمعاصي موجبات للعذاب الأخروي. 2- بيان الحكمة في تبديل الجلود لأهل النار وهي أن يدوم إحساسهم بالعذاب. 3- الإِيمان والعمل الصالح مع ترك الشرك والمعاصي موجبات للنعيم الأخروي. 4- الجنة دار النعيم خالية من كدرات الصفو والسعادة فيها.

القطان

تفسير : آياتنا: أدلّتنا الواضحة. نُصْليهم: نشويهم. نضجت: احترقت. الظل الظليل: ظل وارف لا يصيب صاحبه حر ولا سموم. يعرض سبحانه في هاتين الآيتين صورتين متقابلتين: فريق الذين كذّبوا بآيات الله ومآلهم النار وما يذوقون من العذاب، وفريق المؤمنين العاملين المصدّقين وما يجدونه في الآخرة من النعيم. فقد أعدّ الله لمن جحد بهذه الحجج البينات التي أنزلها على أنبيائه ناراً حامية تشوي جلودهم. حتى اذا احترقت هذه وفقدتْ القدرة على الإحساس بدّلهم الله جلوداً غيرها ليستمر ألم العذاب. وقد نصّ الكتاب بشكل خاص على الجلود لأنها النهاية الخارجة لشبكة الأعصاب في الجسم، فهي التي تستقبل المؤثراتِ الخارجية من ألم وحرارة وبرودة وغيرها. وقد بحث في ذلك الدكتور عبد العزيز اسماعيل باشا في كتابه (الاسلام والطب الحديث) بحثاً قيِّماً. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً}. فهو عزيز قادر لا يمتنع عليه شيء، وحكيم يعاقب من تقتضي الحكمة ان يتم عقابه، ولا يظلم ربك أحدا. هذا فريق. اما الفريق الآخرة فهم الّذين آمنوا بالله وصدّقوا برسوله، وهؤلاء سيدخلون جناتٍ يتمتعون بنعيمها العظيم، ولهم فيها أزواجٌ مطهّرة من العيوب والأدناس، يُدخلن السرور الى نفوسهم، فتكمل سعادتهم، ويقيمون في ظل ظليل من العيش الطيب.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِنَا} {بَدَّلْنَاهُمْ} (56) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: بِأنَّهُ سَيُعَاقِبُ الكَافِرِينَ بِآيَاتِ اللهِ وَبِرُسُلِهِ، بِإحْرَاقِهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَكُلَّمَا احْتَرَقَتْ جُلُودُهُمْ أَبْدَلَهُمْ غَيْرَها لِيَسْتَمِرُّوا فِي تَحَسُّسِ العَذَابِ وَآلامِهِ، وَاللهُ عَزِيزٌ لاَ يَتَحَدَّاهُ أحَدٌ، حَكِيمٌ فِي تَصَرُّفِهِ، يَعْرِفُ مَنْ هُوَ أهْلٌ لِلْعُقُوبَةِ فَيُعَاقِبُهُ، وَمَنْ هُوَ أهْلٌ لِلْثَّوَابِ فَيُثِيبُهُ. نُصْلِيهِمْ نَاراً - نُدْخِلُهُمْ نَاراً هَائِلَةً نَشْويِهِمْ فِيها. نَضِجَتْ - احْتَرَقَتْ وَتَهَرَّأَتْ وَتَلاَشَتْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و "نصليهم" من الاصطلاء، قد يقول قائل: ما دام يصلي النار وكلنا يعرف أن نار الدنيا حين تحرق شيئاً ينتهي إلى عدم، وحين ينتهي إلى عدم إذن فلا يوجد ألم! ونقول: لتنتبه إلى أن الحق سبحانه وتعالى يقول في هذا الأمر {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ}.. إذن فالعذاب ليس كنار الدنيا، لأن نار الدنيا تحرق وتنتهي المسألة، أما نار الآخرة فإنها عذاب سرمدي دائم مكرر {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ}.. فإذا ما حرّقت الجلود فإن جلوداً أخرى ستأتي، أهي عين الأولى أم غيرها؟ وحتى أوضح ذلك: أنت عندما يكون عندك خاتم مثلاً، ثم تقول: أنا صنعت من الخاتم خاتماً آخر، فالمادة واحدة أيضاً، فهل التعذيب للجلود أو للأعضاء؟ إن العذاب دائماً للنفس الواعية، بدليل أن الإنسان قد يصيبه ورم فيه بعض الصديد "دُمّل" يتعبه ولا يقدر على ألمه.. وبعد ذلك يغفل فينام، بمجرد أن ينام فلا ألم. لكن عندما يستيقظ يتألم من جديد. إن فالألم ليس للعضو بل للنفس الواعية، بدليل أننا عندما ارتقينا في الطب، قلنا إن النفس الواعية نستطيع أن نخدرها بحيث يحدث الألم ولا تشعر به، ويفتح "الدُّمل" بالمشرط ولا يحس صاحبه بأي ألم. وهكذا تجد أن الجلود والأعضاء ليس لها شأن بالعذاب، إنما هي موصلة للمعذب، والمعذَّب هي النفس الواعية.. بدليل أنها ستشهد علينا يوم القيامة.. تشهد الجلود والجوارح، وستكون آلة لتوصيل العذاب.. ومسرورة لأنها توصل لهم العذاب. إنه نظام إلهي فلا تتعجبوا من القرآن، فإن العلم كلّما تقدم هدانا إلى شيء من آيات الله في الكون. أنتم - الآن - تخدرون النفس الواعية وتشقُّون الجسد بالمشارط كما يحلو لكم فلا يحدث له ألم، وعرفتم أن الألم ليس للعضو، إنما الألم للنفس الواعية، إذن فكل الجوارح هي آلات توصِّل الألم للنفس الواعية، وتكون مسرورة؛ لأن النفس الواعية تعذب، هذه يشبهونها - مثلا - بواحد عنده "حكة" في جلده، فيهرش، والهرش يسيل دمه فيكون مستلذاً. إذن فقوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أي أن الجلود تبدل وتنشأ جلود أخرى من نفس مادتها توصل العذاب للنفس الواعية، وهكذا. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ}. ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى أنزل كتاباً هو القرآن، وجعله معجزة ومنهجا، وهذه هي الميزة التي امتاز بها الإسلام. فمنهج الإسلام هو عين المعجزة، وكل رسول من الرسل كان منهجه شيئاً ومعجزته كانت شيئا آخر. إن سيدنا موسى منهجه التوارة ومعجزته: العصا، وسيدنا عيسى منهجه: الإنجيل، ومعجزته: إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، لكن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت القرآن؛ لأن دينه سيكون الامتداد النهائي لآخر الدنيا، ولذلك جعل الله منهجه هو عين معجزته، لتكون المعجزة دليلاً على صدق المنهج في أي وقت، ولا يستطيع واحد من أتباع أي نبي سابق على رسول الله أن يقول: إن معجزة الرسول الذي أتبعه هي منهجه؛ لأن معجزات الرسل السابقين على رسول الله كانت عمليات كونية انتهت مثل عود كبريت احترق، فمن رآه رآه وانتهى، لكن المسلم يستطيع أن يقف ويعلن بملء فيه: إنَّ محمداً رسول الله وصادق، وتلك معجزته. فمعجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية بقاءً أبدياً، ومتصلة به أبداً. أما معجزة كل رسول سبق رسول الله فقد آدت مهمتها لمن رآها وانتهت، وانفصلت معجزة كل رسول سابق على رسول الله عن منهجه. والمنهج القرآني فيه أحكام، والأحكام معناها؛ افعل كذا، ولا تفعل كذا. وهي واضحة كل الوضوح منذ أن أنزل الله القرآن على رسوله وحتى تقوم الساعة. ومن فعل مطلوب الأحكام يثاب، ومن لم يفعله يعاقب. وكل الناس سواسية في مطلوب الأحكام إلى أن تقوم الساعة. أما الآيات الله الكونية التي لا تتأثر.. فأي فائدة للإنسان إن عرفها أو لم يعرفها: فقد طمرها الله وسترها في القرآن مع إشارة إليها، لأن العقل المعاصر لنزول الكتاب لم يكن قادرا على استيعابها في زمن الرسالة. ولو أن القرآن جاء بآية واضحة تقول: إن الأرض كروية وتدور، بالله ماذا كان المعاصرون لرسول الله يقولون؟ إن بعضاً من البشر الآن يكذبون ذلك، فما بالنا بالبشر المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لو قال لهم رسول الله ذلك لانصرفوا عن اتباع ما جاء به. لقد كانوا يستفيدون من كروية الأرض، مثلما يستفيد منها الفلاح أو البدوي، ومثلما يستفيد الناس الآن الذين لم يدرسوا الكهرباء برؤية التليفزيون وضوء المصباح الكهربائي وغير ذلك من الاستخدامات، دون معرفة علمية بتفاصيل ذلك، إنّ الشمس تسطع على الدنيا فيتبخر الماء من الأنهار والمحيطات والبحار ليصير سحاباً، ثم ينزل المطر من السحاب. وكل هذه الآيات الكونية لم يعط الله أسرارها إلا بقدر ما تتسع العقول، وترك في كتابه ما يدل على ما يمكن أن تنتهي إليه العقول الطموحة بالبحث العلمي. وعندما نتعرف نحن - المسلمين - على اكتشاف علمي جديد في الكون، نقول: إن القرآن قد أشار له، لكن قبل ذلك لا يصح أن نقول ذلك حتى لا يكذب الناس هذا الكتاب المعجز، فسبحانه القائل: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} تفسير : [يونس: 39]. لو أن القرآن قال: إن كل شيء في الوجود يتكاثر، وفيه موجب وفيه سالب، ذكر وأنثى، أكانوا يصدقون ذلك؟. لا؛ لأنهم كانوا لا يعرفون الذكر والأنثى إلا في الرجل والمرأة، ويعرفون ذلك في الحيوانات؛ وأيضاً في بعض النباتات مثل النخل، لكن هناك نباتات كثيرة لا يعرفون حكاية التكاثر فيها، ومثال ذلك القمح الذي نزرعه ونأكله، وكذلك الذرة، لم يكونوا عارفين بأن عنصر الذكورة يوجد في "الشواشي" العليا في كوز الذرة وأن الهواء يضرب تلك الشواشي فتنزل منها حبوب اللقاح فيخرج الحب، ولذلك نجد الزّارع الذكي هو الذي يفتح "كوز الذرة" من أعلاه قليلاً حتى يتيح لحبوب اللقاح أن تصل إلى موقعها. وقد يفتح الفلاح أحد "كيزان الذرة" فيجد حبة ميتة وسط الحبوب المتراصة ويكشف أنها حبة ليس لها خيط أي لم تتصل بحبوب اللقاح وهو ما يقولون عنه في الريف "سنة عجوز". إذن فكل تكاثر له ذكورة وأنوثة، ولذلك يقول ربنا: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36]. وكنا نعرف الأزواج في الأنفس، ثم عرفناها في النبات، وجاء الحق بـ {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} لِتُدخل كل شيء، وتكشف الموجب والسالب في الكهرباء، وصرنا نعرف أن كل كائن فيه ذكر وأنثى، وكلما تقدم العلم فهو يشرح الآيات الكونية. ومن رحمة الحق سبحانه بعقول الأمة المكلَّفة برسالة محمد لم يشأ أن يجعل نواميسه في الكون واضحة صريحة حتى لا تقف العقول فيها وتعجز عن فهمها، وخاصة أن الكتاب واجه أمّة أمّيَّة؛ ليست لها ثقافة. وهب أنه واجه العالم المعاصر، إن هناك قضايا في الكون لا يعلمها العالم المعاصر، فلو أن القرآن تعرض لها بصراحة لكانت سبباً من الأسباب التي تصرف الناس عن الكتاب. والقرآن جاء كتاب منهج، والمعجزة أمر جاء لتأييد المنهج، فلم يشأ أن يجعل من المعجزة ما يعوق عن المنهج، لكنه ترك في الكون طموحات للعقل المخلوق لله والمادة الكونية المخلوقة لله، وكل يوم يكتشف العقل البشري أشياء، وهذا الاكتشاف لا يأتي من فراغ، بل يأتي من أشياء موجودة. إذن فلو رددت أدق أقضية العلم التي يصل إليها العقل المعاصر، ونسبتها في الكون لرجعت إلى الأمر البديهي. فلا يوجد صاحب عقل ابتكر أو جاء بحاجة جديدة، إنما هو أعمل عقله في موجود فاستنبط من مقدمات الموجود قضية معدومة، ثم أصبحت القضية المعدومة مقدمة معلومة ليستنبط منها من يجيء بعد ذلك. ولذلك فالعلماء عادة قوم يغلبهم طابع التهذيب عندما يقولون: اكتشفنا الأمر الفلاني، يعني كأنه كان موجوداً. إن الحق سبحانه وتعالى يعطي لنا فكرة تقرب لنا الفهم، فنحن عندما كنا نتعلم الهندسة مثلاً؛ عرفنا أن الهندسة مكونة من نظريات، تبدأ من نظرية "واحد"، وتنتهي إلى ما لا نهاية، وحين جاء لنا مدرس ليبرهن لنا على نظرية "مائة"، استخدم في البرهان على ذلك النظرية التسع والتسعين، وعندما كان يبرهن على النظرية "التسع والتسعين" استعمل ما قبلها. إذن فكل برهان على نظرية يستند إلى ما قبلها، والعقل الواعي المفكر المستنبط هو الذي يرتب المقدمات ويستخلص منها النتائج. وكل شيء في الكون يشترك فيه كل الناس. لكن العقل الذي يرتب ويستنبط يخيل إليه وإلى الناس أنه جاء بجديد، وهو لم يأت بجديد. بل ولَّد من الموجود جديداً، مثال ذلك الطفل عندما يولد من أبويه، هل هما جاءا به من عدم؟ لا، بل جاء الولد من تزاوج، وعندما نسلسل الأمر نصل إلى آدم، فمن الذي جاء بآدم؟. إنه الله. إذن فالبديهيات التي في الكون هي خميرة كل علم تقدمي وهي من صنع الله الذي أتقن كل شيء صنعاً، وكل نظرية مهما كانت معقدة في الكون منشؤها من الأمر البديهي، مثال ذلك البخار؛ عندما اكتشفوه وقبل أن يسيروا به الآلات ماذا حدث؟. كان هناك من يجلس فالتفت فوجد الإناء الذي به الماء يغلي ثم وجد غطاء الإناء يرتفع وينخفض، وعندما تعرف على السرّ، اكتشف أن كل بخار يستطيع أن يعطي. قوة دافعة، وبذلك بدأ عصر البخار. إذن فهو ذكي، وقد أخذ اكتشافه من بديهية موجودة في الكون، فإياك أن تغتر وتقول: إن العقل هو الذي اخترع، ولكن العقل عمل بالجهد في مطمورات الله في الوجود، ورتب ورتب ثم أخرج الاكتشاف. لذلك فعندما يبتكر العقل البشري شيئاً جديداً نقول له: أنت لم تبتكر، بل اكتشفت فقط، والحق سبحانه وتعالى يترك هذه العملية في الوجود. ويقول: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. والبشرية عندما تكتشف شيئاً جديداً، نقول لهم: القرآن مسّها وجاء بها، فيقولون: عجباً هل فعل القرآن ذلك منذ أربعة عشر قرناً، على الرغم من أنه نزل ليخاطب أمة أمية، وجاء على لسان رسول أميّ. ونقول: نعم. والآية التي نحن بصددها فيها هذا: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} [النساء: 56]. والجلود والأحاسيس شرحناها من قبل، ونظرية "الحسّ" - كما نعرف - شغلت العلماء الماديين، وأرادوا أن يعرفوا كيف نحسّ؟ منهم من قال: نحن نحسّ بالمخ. نقول لهم: لكن هناك مسائل لا تصل للمخ ونحس بها، بدليل أنه عندما يأتي واحد أمام عيني ويوجه أصبعه ليفتحها ويثقبها يصل أصبعه أغلق عيني أي أن شيئاً لم يصل للمخ حتى أحسّ. وبعض العلماء قال: إن الإحساس يتم عن طريق النخاع الشوكي والحركة العكسية، ثم انتهوا إلى أن الإحساس إنما ينشأ بشعيرات حسية منبطحة مع الجلد؛ بدليل أنك عندما تأخذ حقنة في العضل، فالحقنة فيها إبرة، ويكون الألم مثل لدغة البرغوث يحدث بمجرد ما تنفذ الإبرة من الجلد، وبعد ذلك لا تحس. إذن فمركز الإحساس في الإنسان هو الشعيرات الحسية المنبطحة على الجلد، بدليل أن ربنا أوضح: أنه عندما يحترق الجلد يمتنع الإحساس، فأنا أبدل لهم الجلد ليستمر الإحساس: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} أي صارت محترقة احتراقاً تاما وتعطلت عن الإحساس بالألم، آتيهم بجلد آخر لأديم عليهم العذاب؛ لأنه هو الذي سيوصل للنفس الواعية فتتألم، إذن فالآية مسّت قضية علمية معملية، لو أن القرآن تعرض لها بصراحة وجاء بصورة في الإحساس تقول: يا بني آدم محلّ الإحساس عندكم الجلد، لما فهموا شيئاً. لكنه تركها لتنضج في العقول على مهل. {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ}. فتكون علّة التبديل للجلود التي أحرقت بجلود جديدة كي يدوم العذاب ويذيل الحق الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} والعزيز: هو الذي لا يُغلب ولا تَقدر أن تحتاط من أنه يهزمك أبداً، فقد يقول كافر: لقد تلذذنا بالمعصية مرة لمدة خمس دقائق، ومرة لمدة ساعتين فيما يضيرني أن يحترق جلدي وتنتهي المسألة!! نقول له: لا إن الذي يعذبك لا يُغلب فسوف يديم عليك العذاب بأن يبدل لك الجلد بجلد آخر، وسبحانه حكيم. فالمسألة ليست مسألة جبروت يستعمله، لا. هو يستعمل جبروته بعدالة. وبعد أن جاء بالعذاب أو بالجزاء المناسب لمن رفضوا الإيمان، لم ينس المقابل؛ لكي يكون البيان للغايتين: غاية الملتزم وغاية المنحرف. ولذلك يقول الحق بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} معناهُ نَشوِيهِمْ بالنّارِ ونَنضِجُهُمْ بِهَا.

الجيلاني

تفسير : قل للمؤمنين يا أكمل الرسل نيابة عنا، إخباراً لهم عن وخامة عاقبة هؤلاء المعرضين: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا} كهؤلاء المدبرين {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ} وندخلهم {نَاراً} معدة لجزاء الغواة بحيث {كُلَّمَا نَضِجَتْ} تفانت واضمحلت {جُلُودُهُمْ} بإحراق نار الخذلان {بَدَّلْنَٰهُمْ} من غاية قهرنا وانتقامنا {جُلُوداً غَيْرَهَا} مماثلة لما احترقت منها {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أي: ليدوم لهم ذوقه وخذلانه {إِنَّ ٱللَّهَ} المنتقم منهم {كَانَ عَزِيزاً} غالباً على الانتقام حسب المرام {حَكِيماً} [النساء: 56] عادلاً لا يظلم بالزيادة ولا يهمل بنقصان. ثم قال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بأياتنا {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} امتثلوا بالصالحات المأمورة فيها {سَنُدْخِلُهُمْ} من غاية فضلنا وجودنا {جَنَّاتٍ} منتزهات من العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أنهار اللذات الروحانية المترتبة على التجليات الرحمانية الغير المتناهية، لذلك {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} بلا انقطاع وانصرام، ومع ذلك {لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ} صواحب من الصفات والأسماء يؤانسهم {مُّطَهَّرَةٌ} عن أدناس الطبيعة مطلقاً {وَ} بالجملة: {نُدْخِلُهُمْ} من غاية لطفنا إياهم {ظِـلاًّ} مروحاً لقلوبهم {ظَلِيلاً} [النساء: 57] ممدوداً لا يزول أصلاً. واعلموا أيها المبشرون بهذه البشارة العظمى {إِنَّ ٱللَّهَ} المبشر بأمثاله {يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ} وتدفعوا {ٱلأَمَانَاتِ} من الأحوال والشهادات وسائر حقوق العباد {إِلَىۤ أَهْلِهَا وَ} يأمركم أيضاً {إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} المتخاصمين في الوقائع {أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} بالإنصاف والسوية بلا ميل إلى جانب أحد من المتخاصمين {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوالكم {نِعِمَّا} نعم شيئاً {يَعِظُكُمْ بِهِ} ويأمركم بامتثاله {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على جميع حالاتكم {كَانَ سَمِيعاً} لجميع أقوالكم {بَصِيراً} [النساء: 58] لنياتكم وأفعالكم فيها، لا يعزب عنه مثال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.