Verse. 550 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ سَـنُدْخِلُھُمْ جَنّٰتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِھَا الْاَنْھٰرُ خٰلِدِيْنَ فِيْھَاۗ اَبَدًا۝۰ۭ لَھُمْ فِيْھَاۗ اَزْوَاجٌ مُّطَہَّرَۃٌ۝۰ۡ وَّنُدْخِلُھُمْ ظِلًّا ظَلِيْلًا۝۵۷
Waallatheena amanoo waAAamiloo alssalihati sanudkhiluhum jannatin tajree min tahtiha alanharu khalideena feeha abadan lahum feeha azwajun mutahharatun wanudkhiluhum thillan thaleelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة» من الحيض وكل قذر «وندخلهم ظلا ظليلا» دائما لا تنسخه شمس وهو ظل الجنة,

57

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه قد جرت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم بأن الوعد والوعيد يتلازمان في الذكر على سبيل الأغلب، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن الإيمان غير العمل، لأنه تعالى عطف العمل على الايمان، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه. قال القاضي: متى ذكر لفظ الإيمان وحده دخل فيه العمل، ومتى ذكر معه العمل كان الإيمان هو التصديق، وهذا بعيد لأن الأصل عدم الاشتراك وعدم التغير، ولولا أن الأمر كذلك لخرج القرآن عن كونه مفيدا. فلعل هذه الألفاظ التي نسمعها في القرآن يكون لكل واحد منها معنى سوى ما نعلمه، ويكون مراد الله تعالى منه ذلك المعنى لا هذا الذي تبادرت أفهامنا اليه. هذا على القول بأن احتمال الاشتراك والافراد على السوية، وأما على القول بأن احتمال البقاء على الأصل واحتمال التغيير متساويان فلا، لأن على هذا التقدير يحتمل أن يقال: هذه الألفاظ كانت في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم موضوعة لمعنى آخر غير ما نفهمه الآن، ثم تغيرت إلى هذا الذي نفهمه الآن. فثبت أن على هذين التقديرين يخرج القرآن عن كونه حجة، وإذا ثبت أن الاشتراك والتغيير خلاف الأصل اندفع كلام القاضي. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى ذكر في شرح ثواب المطيعين أمورا: أحدها: أنه تعالى يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وقال الزجاج: المراد تجري من تحتها مياه الأنهار، واعلم أنه إن جعل النهر اسما لمكان الماء كان الأمر مثل ما قاله الزجاج، أما إن جعلناه في المتعارف اسما لذلك الماء فلا حاجة إلى هذا الاضمار، وثانيها: أنه تعالى وصفها بالخلود والتأبيد، وفيه رد على جهم بن صفوان حيث يقول: إن نعيم الجنة وعذاب النار ينقطعان، وأيضا أنه تعالى ذكر مع الخلود التأبيد، ولو كان الخلود عبارة عن التأبيد لزم التكرار وهو غير جائز، فدل هذا أن الخلود ليس عبارة عن التأبيد، بل هو عبارة عن طول المكث من غير بيان أنه منقطع أو غير منقطع، وإذا ثبت هذا الأصل فعند هذا يبطل استدلال المعتزلة بقوله تعالى: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا } تفسير : [النساء: 93] على أن صاحب الكبيرة يبقى في النار على سبيل التأبيد، لأنا بينا بدلالة هذه الآية أن الخلود لطول المكث لا للتأبيد، وثالثها: قوله تعالى: {لَّهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } والمراد طهارتهن من الحيض والنفاس وجميع أقذار الدنيا، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : لَّهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 25] واللطائف اللائقة بهذا الموضع قد ذكرناها في تلك الآية. ورابعها: قوله: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً } قال الواحدي: الظليل ليس ينبىء عن الفعل حتى يقال: إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل، مثل قولهم: ليل أليل. واعلم أن بلاد العرب كانت في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم أعظم أسباب الراحة، ولهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة. قال عليه الصلاة السلام: «حديث : السلطان ظل الله في الأرض» تفسير : فإذا كان الظل عبارة عن الراحة كان الظليل كناية عن المبالغة العظيمة في الراحة، هذا ما يميل اليه خاطري، وبهذا الطريق يندفع سؤال من يقول: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل. وأيضاً نرى في الدنيا أن المواضع التي يدوم الظل فيها ولا يصل نور الشمس اليها يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا فما معنى وصف هواء الجنة بذلك لأن على هذا الوجه الذي لخصناه تندفع هذه الشبهات.

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} قدم ذكر الكفار ووعيدهم على ذكر المؤمنين ووعدهم لأن الكلام فيهم، وذكر المؤمنين بالعرض. {لَّهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} فينانا لا جوب فيه ودائماً لا تنسخه الشمس، وهو إشارة إلى النعمة التامة الدائمة. والظليل صفة مشتقة من الظل لتأكيده كقولهم: شمس شامس وليل أليل ويوم أيوم. {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا} خطاب يعم المكلفين والأمانات، وإن نزلت يوم الفتح في عثمان بن طلحة بن عبد الدار لما أغلق باب الكعبة، وأبى أن يدفع المفتاح ليدخل فيها رسول الله وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي كرم الله وجهه يده وأخذه منه وفتح، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس رضي الله عنه أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة. فنزلت فأمره الله أن يرده إليه، فأمر علياً رضي الله عنه أن يرده ويعتذر إليه، وصار ذلك سبباً لإِسلامه ونزل الوحي بأن السدانة في أولاده أبداً {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} أي وأن تحكموا بالإِنصاف والسوية إذا قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم، أو يرضى بحكمكم ولأن الحكم وظيفة الولاة قيل الخطاب لهم. {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} أي نعم شيئاً يعظكم به، أو نعم الشيء الذي يعظكم به فما منصوبة موصوفة بيعظكم به. أو مرفوعة موصولة به. والمخصوص بالمدح محذوف وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكومات. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} بأقوالكم وأحكامكم وما تفعلون في الأمانات. {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} يريد بهم أمراء المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية. أمر الناس بطاعتهم بعدما أمرهم بالعدل تنبيهاً على أن وجوب طاعتهم ما داموا على الحق. وقيل علماء الشرع لقوله تعالى: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلاْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }تفسير : [النساء: 83] {فَإِن تَنَازَعْتُمْ} أنتم وأولو الأمر منكم. {فِي شَيْءٍ} من أمور الدين، وهو يؤيد الوجه الأول إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس إلا أن يقال الخطاب لأولي الأمر على طريقة الالتفات. {فَرُدُّوهُ} فراجعوا فيه. {إِلَى ٱللَّهِ} إلى كتابه. {وَٱلرَّسُولِ} بالسؤال عنه في زمانه، والمراجعة إلى سنته بعده. واستدل به منكرو القياس وقالوا: إنه تعالى أوجب رد المختلف إلى الكتاب والسنة دون القياس. وأجيب بأن رد المختلف إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو القياس، ويؤيد ذلك الأمر به بعد الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله فإنه يدل على أن الأحكام ثلاثة مثبت بالكتاب ومثبت بالسنة ومثبت بالرد إليهما على وجه القياس. {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فَإِن الإِيمان يوجب ذلك. {ذٰلِكَ} أي الرد. {خَيْرٌ} لكم. {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } عاقبة أو أحسن تأويلاً من تأويلكم بلا رد. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ} عن ابن عباس رضي الله عنهما. (حديث : أن منافقاً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودي فلم يرض المنافق بقضائه وقال: نتحاكم إلى عمر فقال اليهودي لعمر: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه وخاصم إليك، فقال عمر رضي الله تعالى عنه للمنافق: أكذلك. فقال نعم. فقال: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد وقال: هكذا أقضي لمن يرضَ بقضاء الله ورسوله)تفسير : فنزلت. وقال جبريل إن عمر قد فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق، والطاغوت على هذا كعب بن الأشرف وفي معناه من يحكم بالباطل ويؤثر لأجله، سمي بذلك لفرط طغيانه أو لتشبهه بالشيطان، أو لأن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه كما قال. {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} وقرىء أن «يكفروا بها» على أن الطاغوت جمع كقوله تعالى {أية : أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم }تفسير : [البقرة: 257] {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} وقرىء {تَعَالَوْاْ} بضم اللام على أنه حذف لام الفعل اعتباطاً ثم ضم اللام لواو الضمير. {رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} هو مصدر أو اسم للمصدر الذي هو الصد، والفرق بينه وبين السد أنه غير محسوس والسد محسوس ويصدون في موضع الحال. {فَكَيْفَ} يكون حالهم. {إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ} كقتل عمر المنافق أو النقمة من الله تعالى. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من التحاكم إلى غيرك وعدم الرضى بحكمك. {ثُمَّ جَاؤُوكَ} حين يصابون للاعتذار، عطف على أصابتهم. وقيل على يصدون وما بينهما اعتراض. {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} حال. {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} ما أردنا بذلك إلا الفصل بالوجه الأحسن والتوفيق بين الخصمين، ولم نرد مخالفتك. وقيل جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } من الحيض وكلِّ قذر {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً } دائما لا تنسخه شمس وهو ظل الجنة.

الخازن

تفسير : {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم} يعني سوف ندخلهم يوم القيامة {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} يعني باقين فيها {أبداً} يعني ذلك الخلود بغير نهاية ولا انقطاع {لهم فيها} يعني في الجنات {أزواج مطهرة} يعني مطهرات من الحيض والنفاس وسائر أقذار الدنيا {وندخلهم ظلاً ظليلاً} كنيناً ذلك الظل لا تنسخه الشمس ولا يؤذيهم فيه حر ولا برد وذلك الظل هو ظل الجنة. فإن قلت إذا لم يكن في الجنة شمس يؤذي حرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل؟ قلت إنما خاطبهم بما يعقلون ويعرفون وذلك لأن بلاد العرب في غاية الحرارة فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة واللذة فهو كقوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً. قوله عز وجل: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} قال البغوي نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان فطلب منه رسول الله المفتاح فأبى وقال لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وأن يجمع له بين السقايا والسدانة فأنزل الله هذه الآية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه ففعل ذلك فقال له عثمان: أكرهت ثم جئت ترفق فقال علي لقد أنزل الله عز وجل في شأنك قرآناً وقرأ عليه الآية فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فأسلم فكان المفتاح معه إلى أن مات فدفعه إلى أخيه شيبه فالمفتاح والسدانة في أولادهم إلى يوم القيامة. قلت وفيما ذكره البغوي رحمه الله من إسلام عثمان بن طلحة يوم الفتح ومنعه المفتاح وقوله لو أعلم أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح نظر والصحيح ما حكاه أبو عمر بن عبد البر وابن منده وابن الأثير أن عثمان بن طلحة هاجر إلى المدينة في هدنة الحديبية سنة ثمان مع خالد بن الوليد ولقيهما عمرو بن العاص مقبلاً من عند النجاشي فرافقهما وهاجر معهما فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم: قال رمتكم مكة بأفلاذ كبدها يعني أنهم وجوه أهل مكة فأسلموا وسلم عثمان بن طلحة المفتاح للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فرده النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقال "حديث : خذوها يا بني طلحة خالدة مخلدة لا ينزعها منكم إلاّ ظالم ولم يذكروا سؤال العباس السدانة والله أعلم"تفسير : . وثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أقبل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو مردف أسامة على القصواء ومعه بلال وعثمان حتى أناخ عند البيت ثم قال لعثمان ائتنا بالمفتاح فجاءه بالمفتاح ففتح الباب. وذكر الحديث وذكر ابن الجوزي في تفسير هذه الآية من رواية أبي صالح عن ابن عباس قال: حديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة طلب مفتاح البيت من عثمان بن طلحة فذهب ليعطيه إياه فقال العباس بأبي أنت وأمي اجمعه إلي مع السقاية فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه العباس فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هات المفتاح" فأعاد العباس قوله وكف عثمان يده فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هات المفتاح أن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر" فقال هاكه يا رسول الله بأمانة الله فأخذ المفتاح ونزل جبريل بهذه الآيةتفسير : فدعا عثمان ودفعه إليه ففي هذه الرواية أيضاً ما يدل على تقديم إسلام عثمان بن طلحة على فتح مكة. لأن قوله صلى الله عليه وسلم لعثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر يدل على ذلك فعلى هذا القول يكون الخطاب في قوله إن الله يأمركم للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أن الله أمره أن يرد مفتاح البيت إلى عثمان بن طلحة. وقيل الخطاب في قوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها لولاة أمور المسلمين من الأمراء والحكام وغيرهم ويدل على ذلك سياق الآية وهو قوله وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ومعنى الآية إن الله يأمركم يا ولا ة الأمور أن تؤدوا ما ائتمنتم عليه من أمور رعيتكم وأن توفوهم حقوقهم وأن تعدلوا بينهم. وقيل إن الآية عامة في جميع الأمانات ولا يمتنع من خصوص السبب عموم الحكم فيدخل في ذلك جميع الأمانات التي حملها الإنسان ويقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول رعاية الأمانة في عبادة الله عز وجل وهو فعل المأمورات وترك المنيهات قال ابن مسعود الأمانة لازمة في كل شيء حتى في الوضوء والغسل من الجنابة والصلاة والزكاة والصوم وسائر أنواع العبادات. القسم الثاني هو رعاية الأمانة مع نفسه وهو ما أنعم الله به عليه من سائر أعضائه فأمانة اللسان حفظه من الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك وأمانة العين غضها عن المحارم وأمانة السمع أن لا يشغله بسماع شيء من اللهو والفحش والأكاذيب ونحوه ثم سائر الأعضاء على نحو ذلك. القسم الثالث هو رعاية أمانة العبد مع سائر عباد الله فيجب عليه رد الودائع والعواري إلى أربابها الذي ائتمنوه عليها ولا يخونهم فيها عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب ويدخل في ذلك وفاء الكيل والميزان فلا يطفف فيهما ويدخل في ذلك أيضاً عدل الأمراء والملوك في الرعية ونصح العلماء للعامة فكل هذه الأشياء من الأمانة التي أمر الله عز وجل بأدائها إلى أهلها وروى البغوي بسنده عن أنس قال قلما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: "حديث : لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له"تفسير : . وقوله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} يعني وإن الله يأمركم أن تحكموا بين الناس بالعدل فيجب على الحاكم أن يأخذ الحق ممن وجب عليه لمن وجب له وأصل العدل هو المساواة في الأشياء فكل ما خرج عن الظلم والاعتداء سمي عدلاً قال بعض العلماء ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء في الدخول عليه والجلوس بين يديه والإقبال عليهما والاستماع منهما والحكم بالحق فيما لهما وعليهما وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر (م) عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" تفسير : عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم عنده مجلساً إمام عادل وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلساً إمام جائر" تفسير : أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: {إن الله نعما يعظكم به} أي نعم الشيء الذي يعظكم به وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل {إن الله كان سميعاً بصيراً} يعني أنه تعالى سميع لما تقولون وبصير بما تفعلون فإذا حكمتم فهو يسمع حكمكم وإذا أديتم الأمانة فهو يبصر فعلكم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً}. اعلمْ أنَّ الوعْدَ والوعِيدَ مُتلازِمَانِ في الذِّكْرِ غَالِباً، فإنَّ عَادَة القرآنِ إذا ذَكَرَ الوعِيدَ أنْ يذكر مَعَهُ الوَعْدَ. قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أظهرُهَا: أنه مبتدأٌ، وخبرُهُ {سَنُدْخِلُهُمْ}. والثاني: أنَّه في مَحلِّ نَصْبٍ؛ عَطْفاً على اسْمِ "إنَّ" وهُوَ {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، والخَبَرُ أيْضاً: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ} ويصيرُ هذا نَظِير قولِكَ: إنَّ زَيْدَاً قَائِمٌ وعمراً قَاعِدٌ، فعطفتَ المنصُوبَ على المنصُوبِ، والمرفوعَ على المرفوعِ. والثالثُ: أنْ يكونَ في محلِّ رَفْع؛ عطفاً على مَوْضِعِ اسْم "إنَّ"؛ لأن مَحَلَّهُ الرفعُ، قالهُ أبُو البَقَاءِ؛ وفيه نَظَرٌ، مِنْ حَيْثُ الصناعةِ اللَّفْظِيَّةِ، حَيْثُ يُقالُ: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عطفاً على {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، وأتى بجملةِ الوعيدِ مُؤكِّدةً بـ "إن"؛ تنبيهاً على شِدَّةِ ذلك، وبجملةِ الوَعْدِ حَاليَّةً مِنْه؛ لتحققها وأنه لا إنْكَارَ لذلك، وأتَى فيها بحرفِ التَّنْفِيسِ القَريبِ المدَّة تنبيهاً على قُرْبِ الوَعْدِ. فصل في أن الإيمان غير العمل دلت هذه الآيةُ، على أنَّ الإيمانَ غيرُ العَمَلِ؛ لأنه تعالى عَطَفَ العملَ على الإيمانِ، والمعطوفُ مُغَايِرٌ لِلْمَعطُوفِ عليه. قال القَاضِي: مَتَى ذُكِرَ لفظُ الإيمانِ وَحْدَه، دخل فيه العَمَلُ، ومَتى ذُكِرَ مَعَهُ العَمَلُ، كان الإيمانُ هو التَّصْديقَ، وهذا بعيدٌ، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الاشتراك، وعدمُ التغييرِ ولوْلاَ أنَّ الأمْرَ كذلك، لخرج القرآنُ عن كونِهِ مُفيداً، فلَعَلَّ هذه الألفاظَ التي تَسْمَعُها في القرآنِ، يَكُون لِكُلِّ وَاحدٍ منها مَعْنَى سِوَى ما نَعْلَمُ، ويكونُ مرادُ اللَّه [تعالى] ذلِكَ المعْنَى. قوله: "سندخلهم" قَرَأ النَّخعِيُّ: سَيْدخلُهم، وكذلك: "ويدخلهم ظلاً" بِيَاءِ الغَيْبَةِ؛ رَدَّا على قوله: {إن الله كان عزيزاً}، والجمهورُ بالنون رَدَّاً على قوله: "سوف نصليهم"، وتقدَّم الكلامُ على قوله: {جنات تجري من تحتها الأنهار}. وقوله: {خَالِدِينَ} يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُهَا: أنه حالٌ من الضمير المنصُوبِ في {سَنُدْخِلُهُمْ}. والثَّاني: وأجازَهُ أبُو البَقَاءِ: أنْ يكونَ حالاً من {جَنَّاتٍ}. [قال: لأن فيها ضَميراً لكُلِّ واحدٍ منهما، يَعْنِي: أنه يجوزُ أنْ يكونُ حالاً من] مفعول {سَنُدْخِلُهُمْ} كما تقدَّمَ، أوْ "من جنات"؛ لأنَّ في الحَالِ ضميريْنِ: أحدُهُمَا: المستَتِرُ في {خَالِدِينَ} العائِدُ على {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. والآخر: مَجْرُورٌ بـ "في" العائِدِ على {جَنَّاتٍ} فصح أنْ يُجْعَلَ حالاً مِنْ كُلٍّ واحدٍ؛ لوجودِ الرَّابِطِ، وهو الضميرُ، وهذا الذي قالُ فيه نظرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدُهُمَا: أنه يَصِيرُ المعنى: أنَّ الجناتِ خالداتٍ في أنفُسِهَا؛ لأنَّ الضَّميرَ في فيها عائذٌ عليْهَا. فكأنه قِيلَ: جناتٍ خَالِدَاتٍ في الجنَّاتِ أنفُسِهَا. والثَّاني: أنَّ هذا الجمعَ شَرْطُهُ العَقْلُ، ولد أُرِيد ذلك، لقيل: خَالِدَاتٍ. والثالثُ: أنْ يَكُونَ صِفَةً لـ {جَنَّاتٍ} أيضاً. قال أبُو البَقَاءِ: على رَأي الكُوفيِّينَ يعْنِي أنَّهُ جَرَت الصِّفَةُ على غَيْرِ مِنْ هِيَ لَهُ في المعنى، ولم يَبْرُزِ الضَّمِيرُ، وهذا مَذْهَبُ الكوفيِّينَ، وهو أنَّهُ إذَا جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هي له، وأمِنَ اللِّبْسُ، لم يَجبْ بُرُوزُ الضميرِ كهذه الآيةِ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ: وُجُوبُ بروزِهِ مُطْلَقَاً، فكان يَنْبَغِي أنْ يُقَالَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ: {خالدين هم فيها}، ولمّا لَمْ يَقُلْ كذلك، دَلَّ على فَسَادِ القَوْلِ، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذلك. [فإن قُلْتَ:] فَلْتَكُنِ المسْألَةُ الأولَى كذلِكَ، أعني: أنَّكَ إذا جعلت {خَالِدِينَ} حالاً من {جَنَّاتٍ}، فيكون حَالاً مِنْهَا لفظاً، وهي لغيرها مَعْنَى، ولم يَبْرُزْ الضَّميرُ على رَأي الكُوفيِّينَ، ويَصِحُّ قول أبي البَقَاءِ. فالجواب: أنَّ هذا، لو قيلَ به لَكَانَ جيِّداً، ولكن لا يَدْفَعُ الرَّدَّ عن أبِي البَقَاءِ، فإنَّهُ خَصَّصَ مَذْهبَ الكُوفيينَ بوجه الصِّفَةِ، دون الحالِ. فصل ذكر الخُلُودِ والتَّأبِيد: فيه ردٌّ على جَهْم بْنِ صفْوَانَ، حيث يقُولُ: إنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ وعَذَابَ الآخِرَةِ يَنْقَطِعَانِ، وأيضاً فَذِكْرُهُ الخُلُودَ مع التَّأبيد؛ يَدُلُّ على أنَّ الخُلُودَ غَيْر التَّأبْيد وإلا لزم التكرارُ، وهو غير جَائِزٍ؛ فدَلَّ على أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ عِبَارَة عن التَّأبيدِ، بلِ هو عبارَةٌ عن طُولِ المكْثِ مِنْ غيرِ بيان أنَّهُ منقطع، أو غَيْر مُنْقَطِع، وإذا ثَبَتَ هذا بطلَ اسْتِدْلاَلُ المُعْتزِلَةِ بقوله تعالى: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} تفسير : [النساء: 93] على أنَّ صاحب الكَبيِرَةِ يبقى في النَّارِ أبَداً، لأنَّ هذه الآية دَلَّتْ على أنَّ الخُلُودَ طولُ المُكْثِ لا التَّأبيدِ. قوله: {لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ [مُّطَهَّرَةٌ}] مبتدأ وخبر، وَمَحَلُّ هذه الجُمْلَةِ، إمَّا النَّصْب أو الرَّفْعُ. فالنَّصْبُ إمَّا على الحَالِ مِنْ {جَنَّاتٍ}، أو مِنَ الضَّميرِ في {سَنُدْخِلُهُمْ} وإما على كَوْنِهَا صِفَةً لـ {جَنَّاتٍ} بعد صِفَةٍ. والرَّفْعُ على أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. فصل المُرَادُ: طَهَارتُهُنَّ من الحَيْضِ والنّفاسِ، وجميع أقْذَارِ الدُّنْيَا، كما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقوله {وندخلهم ظلاَّ ظليلاً}. قال الوَاحِدِيُّ: الظَّلِيلُ ليس يُنبِئُ عن الفِعْلِ، حتى يُقالَ: إنَّهُ بمعنى: فاعِلٍ، أو مَفْعُولٍ، بل هو مُبَالَغةٌ في نَعْتِ الظِّلِّ، مثل قولهم: "لَيْلٌ ألْيَلٌ". قال المُفَسْرُونَ: الظَّلِيلُ: الكَثيفُ الَّذِي لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، ولا يؤذيهم بَرْدٌ، ولا حَرٌّ. قال ابْنُ الخَطِيبِ: واعْلَمْ أنَّ بلاد العَرَبِ كانت في غَايَةِ الحَرَارَةِ، وكانَ الظِّلُّ عندهم مِنْ أعْظَمِ أسْبَابِ الرَّاحَة، ولها المَعْنَى؛ جَعَلُوه كِنَايَةً عن الرَّاحَةِ. قال عليه الصَّلاة والسلامُ: "حديث : السُّلْطَانُ ظِلُّ الله فِي الأرْضِ ". تفسير : وإذَا كان الظّل عِبَارَةً عن الرَّاحَة؛ كَانَ كِنَايَةً عن المُبَالَغَةِ العَظِيمَةِ في الراحة، وبهذا يَنْدَفِعُ سُؤالُ مَنْ يَقُولُ: إذا لم يَكُنْ في الجَنَّةِ شَمْسٌ تُؤْذِي بحرِّهَا، فما فائِدَةُ وَصْفِهَا بالظِّلِّ الظَّلِيلِ؟ وأيضاً نرى في الدُّنْيَا أنَّ المَوَاضِعَ الَّتِي يَدُومُ الظِّلُّ فيها، ولا يَصِلُ نُورُ الشَّمْسِ إليْهَا، يكُونُ هَوَواؤهَا فَاسِداً مُؤْذِياً فما معنى وَصْفِ الجَنَّةِ بذلك، فعلى هذا الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْنَاهُ تَنْدَفَعُ هذه الشُّبُهَاتِ.

ابو السعود

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} عُقِّب بـيانُ سوءِ حالِ الكفرةِ ببـيان حُسنِ حالِ المؤمنين تكميلاً لِمَساءة الأولين ومسرَّةِ الآخَرين، أي الذين آمنوا بآياتنا وعمِلوا بمقتضياتها، وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} وقرىء سيُدخِلُهم بالياء رداً على الاسم الجليلِ، وفي السين تأكيدٌ للوعد {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} حالٌ مقدّرةٌ من الضمير المنصوبِ في سندخلهم وقوله عز وعلا: {لَّهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي مما في نساء الدنيا من الأحوال المستقذَرةِ البدنية والأدناسِ الطبـيعية، في محل النصبِ على أنه حالٌ من جناتٍ أو حالٌ ثانيةٌ من الضمير المنصوبِ أو على أنه صفةٌ لجناتٍ بعد صفةٍ، أو في محل الرفعِ على أنه خبرٌ للموصول بعد خبرٍ {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} أي فيْناناً لا جَوْبَ فيه دائماً لا تنسَخُه شمسٌ اللهم ارزُقنا ذلك بفضلك وكرمِك يا أرحمَ الراحمين، والظليلُ صفةٌ مشتقةٌ من لفظ الظلِّ للتأكيد كما في ليلٌ ألْيلُ ويومٌ أيومٌ وقرىء يُدخلهم بالياء وهو عطفٌ على سيُدخِلهم لا على أنه غيرُ الإدخالِ الأولِ بالذات بل بالعنوان كما في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [هود، الآية 58] . {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا} في تصدير الكلامِ بكلمة التحقيقِ وإظهارِ الاسمِ الجليلِ وإيرادِ الأمرِ على صورة الإخبارِ ــ من الفخامة وتأكيدِ وجوبِ الامتثال به والدِلالةِ على الاعتناء بشأنه ــ ما لا مزيدَ عليه، وهو خطابٌ يعُمّ حكمُه المكلّفين قاطبة كما أن الأماناتِ تعمُّ جميعَ الحقوقِ المتعلقةِ بذمهم من حقوق الله تعالى وحقوقِ العبادِ سواءٌ كانت فعليةً أو قوليةً إو اعتقاديةً وإن ورد في شأن عثمانَ بنِ طلحةَ بنِ عبدِ الدارِ سادنِ الكعبةِ المعظمةِ وذلك أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكةَ يوم الفتح أغلق عثمانُ رضي الله عنه بابَ الكعبةِ وصعِدَ السطحَ وأبىٰ أن يدفعَ المِفتاحَ إليه وقال: لو علمت أنه رسولُ الله لم أمنعْه فلوى علي بنُ أبـي طالبٍ يدَه وأخذه منه وفتح ودخل النبـيُّ صلى الله عليه وسلم وصلىٰ ركعتين فلما خرج سأله العباسُ أن يُعطِيَه المفتاحَ ويجمعَ له السِقاية والسِدانة فنزلت فأمر علياً أن يُردَّه إلى عثمانَ ويعتذرَ إليه فقال عثمان لعليّ: أكرهتَ وآذيتَ ثم جئت ترفو فقال: لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآناً فقرأ عليه الآية فقال عثمانُ: أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فهبَط جبريلُ عليه الصلاة والسلام وأخبر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن السِّدانةَ في أولاد عثمانَ أبداً. وقرىء الأمانةَ على التوحيد والمرادُ الجنسُ لا المعهودُ، وقيل: هو أمرٌ للولاة بأداء الحقوقِ المتعلقةِ بذمهم من المناصب وغيرِها إلى مستحقيها كما أن قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} أمرٌ لهم بإيصال الحقوقِ المتعلقةِ بذمم الغيرِ إلى أصحابها، وحيث كان المأمورُ به هٰهنا مختصاً بوقت المرافعةِ قُيِّد به بخلاف المأمورِ به أو لا فإنه لما لم يتعلَّقْ بوقت دون وقت أُطلق إطلاقاً فقوله تعالى: {أَن تَحْكُمُواْ} عطفٌ على أن تؤدوا قد فُصِل بـين العاطفِ والمعطوفِ بالظرف المعمولِ له عند الكوفيـين، والمقدرُ يدل هو عليه عند البصريـين لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها عندهم أي وإن تحكموا إذا حكمتم الخ، وقولُه تعالى: {بِٱلْعَدْلِ} متعلقٌ بتحكموا أو بمقدر وقع حالاً من فاعله أي ملتبسين بالعدل والإنصاف {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه} {مَا} إما منصوبةٌ موصوفةٌ بـيعظكم به أو مرفوعةٌ موصولةٌ به كأنه قيل: نعم شيئاً يعظكم به أو نعم الشيءُ الذي يعظكم به والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ أي نِعِمّاً يعظكم به ذلك وهو المأمورُ به من أداء الأماناتِ والعدلِ في الحكومات، وقرىء نَعِمّاً بفتح النون، والجملةُ مستأنفةٌ مقرِّرةٌ لما قبلها متضمنةٌ لمزيد لُطفٍ بالمخاطبـين وحسنِ استدعاءٍ لهم إلى الامتثال بالأمر، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربـية المهابةِ [في القلوب] {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً} لأقوالكم {بَصِيراً} بأفعالكم فهو وعدٌ ووعيدٌ. وإظهارُ الجلالةِ لما ذُكر آنفاً فإن فيه تأكيداً لكلٍّ من الوعد والوعيد.

القشيري

تفسير : هم اليوم في ظل الرعاية، وغداً في ظل الحماية والكفاية، بل هم في الدنيا والعقبى في ظل العناية. والناس في هذه الدنيا متفاوتون: فمنهم من هو في ظل رحمته، ومنهم من هو في ظل رعايته، ومنهم من هو في ظل كرامته، ومنهم من هو في ظل عنايته، ومنهم من هو في ظل قربته.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} اى فى مشاهدة صفات الازلية ورؤية جلال ذاته سحانه وايضا الظل الظليل عنايته الازلية وكفايته الابدية ورعايته السرمدية قال بعضهم التفويض وهو محل الراحة ولا من فى الدارين.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين آمنوا} بالله وبمحمد والقرآن وسائر الآيات والمعجزات {وعملوا الصالحات} التى امر الله بها {سندخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا} اى مقيمين فيها لا يخرجون منها ولا يموتون {لهم فيها ازواج مطهرة} اى مما نساء الدنيا عليه من الاحوال المستقذرة البدنية والادناس الطبيعية كالحيض والنفاس والحقد والحسد وغير ذلك {وندخلهم ظلا ظليلا} فينانا لا جوب فيه ودائما لا تنسخه الشمش اى لا تزيله وسجسجا وهو من الزمان ما لا حر فيه ولا برد ومن المكان ما لا سهولة فيه ولا حزونه. والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه كما يقال ليل أليل ويوم أيوم وما اشبه ذلك. فان قلت اذا لم يكن فى الجنة شمس تؤذى بحرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل وايضا يرى فى الدنيا ان المواضع التى يدوم الظل فيها ولا يصل نور الشمس اليها يكون هواؤها عفنا فاسدا فى الدنيا ان المواضع التى يدوم الظل فيها ولا يصل نور الشمس اليها يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا فما معنى وصف هواء الجنة بذلك قلت ان بلاد العرب كانت فى غاية الحرارة فكان الظل عندهم من اعظم اساب الراحة وهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة قال عليه السلام "حديث : السلطان ظل الله فى الارض " .تفسير : فاذا كان الظل عبارة عن الراحة كان الظل الظليل كناية عن المبالغة العظيمة فى الراحة. قال الامام فى تفسيره هذا ما يميل اليه خاطرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان فى الجنة شجرة يسير الراكب فى ظلها مائة سنة ما يقطعها اقرأوا ان شئتم وظل ممدود وفى الجنة مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اقرأوا ان شئتم فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين فموضع سوط من الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرأوا ان شئتم فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز " .تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اهل الجنة شباب جعد مرد ليس لهم شعر الا فى الرأس والحاجبين واشفار العينين " .تفسير : يعنى ليس لهم شعر عانة ولا شعر ابط "حديث : على طول آدم عليه السلام ستون ذراعا وعلى مولد عيسى عليه السلام ثلاث وثلاثون سنة بيض الالوان خضر الثياب يوضع لأحدهم مائدة بين يديه فيقبل الطائر فيقول يا ولى الله اما انى قد شربت من عين السلسبيل ورعيت من رياض الجنة تحت العرش واكلت من ثمار كذا فاطعم منى فيطعم فيكون احد جانبيه مطبوخا والآخر مشويا فيأكل منهما ما شاء الله وعليه سبعون حلة ليس فيها حلة على لون آخر " .تفسير : قال الفقيه ابو الليث من اراد ان ينال هذه الكرامة فعليه ان يداوم على خمسة اشياء. الاول ان يمنع نفسه من جميع المعاصى شعر : ونهى النفس بفرمود الله بايدت ترك هواى ترك كناه تفسير : والثانى ان يرضى باليسير من الدنيا لان ثمن الجنة ترك الدنيا شعر : اين زن زانيه شوى كش دنيارا كر على وار طلاقش ندهم نامردم تفسير : والثالث ان يكون حريصا على الطاعات فيتعلق بكل طاعة فلعل تلك الطاعة تكون سبب المغفرة ودخول الجنة شعر : عمل بايد اندر طريقت نه دم كه سودى ندارد دم بى قدم تفسير : والرابع ان يحب الصالحين واهل الخير ويخالطهم ويجالسهم شعر : نخست موعظه بير مجلس اين حرفست كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد تفسير : فلزم ان يكون مصاحب الانسان اهل خير لان الصحبة مؤثرة وان واحدا من الصلحاء اذا غفر الله له يشفع لاخوانه واصحاب شعر : اميدست ازانان كه طاعت كنند كه بى طاعتانرا شفاعت كنند تفسير : والخامس ان يكثر الدعاء ويسأل الله تعالى ان يرزقه الجنة وان يجعل خاتمته فى الخير شعر : غنيمت شمارند مردان دعا كه جوشن بود بيش تير بلا

الطوسي

تفسير : المعنى: لما ذكر الله تعالى في الآية الأولى ما توعد به الكفار والجاحدين لآياته تعالى، وعد في هذه الآية المصدقين به تعالى، والعاملين الأعمال الصالحات، وهي الحسنات التي هي طاعات الله، وصالح يجري على وجهين: أحدهما - على من يعمل الطاعة. الثاني - على نفس العمل ويقال: رجل صالح، ومعناه ذو عمل صالح، ويقال: عمل صالح، فيجري عليه الوصف بأنه صالح. وعدهم بأن سيدخلهم جنات وهي جمع جنة وهي البستان التي يجنها الشجر {تجري من تحتها الأنهار} وفيه محذوف، لأن التقدير تجري من تحتها مياه الأنهار، لأن الماء هو الجاري دون الأنهار غير أنه بعرف الاستعمال سقط عنه اسم مجاز، كما سقط في قولهم: هذا شعر امرئ القيس وان كان المراد انه حكاية عنه، فأما قوله: {واسأل القرية} مجار لا محالة، لأنه لا بد فيه من تقدير أهلها، وقوله: {خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة} يعني من النفاس والحيض ومن جميع الأقذار، والادناس. اللغة: والطهارة نقيض النجاسة. والنجاسة في الاصل هي ما كان نتناً نحو الجيف، وغيرها، وشبه بذلك نجاسة الحكم تبعاً للشريعة كما يقال في الخمر: إنها نجسة. وقوله: {ويدخلهم ظلاً ظليلاً} فالظل أصله الستر من الشمس قال رؤبة: كل موضع يكون فيه الشمس، فتزول عنه، فهو ظل وفيء. وما سوى ذلك فظل، لا يقال فيه فيء. والظل: الليل، لأنه كالستر من الشمس. والظلة: السترة، وظل يفعل كذا: إذا فعله نهاراً، لأنه في الوقت الذي يكون للشمس ظل. والاظلال الدنو، لأن الشيء بدنوه، كأنه قد ألقى عليك ظله. والاظل: باطن منسم البعير، لأن المنسم يستره. والظليل: هو الكنين، لأنه لا شمس فيه ولا سموم. قال الحسن: ربما كان ظل ليس بظليل، لأنه يدخله الحر والسموم، فلذلك وصف ظل الجنة بأنه ظليل. ومنه قوله: {أية : وظل ممدود } تفسير : لأنه ليس كل ظل ممدوداً. وروي أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها وهي شجرة الخلد. وقيل: إنما قال {ظلاً ظليلاً} فرقا بينه وبين {أية : ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب } تفسير : وقيل يدخلهم ظلا ظليلا في الموقف حيث لا ظل إلا ظل عرشه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي لا يحضن ولا يلدن ولا يبلن ولا يقضين حاجة ولا يمتخطن؛ ليس فيها قذر. قال: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً}. قال الحسن: أي: دائماً. وقال بعضهم: لذلك الظل ظلال. قوله: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}. "حديث : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة فقال: أرنا المفتاح. فلما أتاه به قال العباس: يا رسول الله أجمعه لي مع السقاية، فكفَّ عثمان يده مخافة أن يدفعه إلى العباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأرنا المفتاح. فقال: هاك في أمانة الله. فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففتح باب الكعبة، فأفسد ما كان فيها من التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم فوضعه حيث وضعه. ثم طاف بالبيت مرة أو مرتين. فنزل عليه جبريل، فأمره برد المفتاح إلى أهله. فدعا عثمان بن طلحة فقال: هاك المفتاح، إن الله يقول: أدوا الأمانات إلى أهلها ". تفسير : قال: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّاً يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}. ذكر بعضهم حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحجبي يومئذ: هاك، ورمى إليه بالمفتاح، خذها فإن الله قد رضيكم لها في الجاهلية والإِسلام ". تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي إلا السدانة والسقاية، فإني قد أمضيتهما لأهلهما .

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدخِلُهُم}: وقرأ ابن مسعود: سيدخلهم بالتحتيه أى الله. {جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحتِهَا الأنْهَارُ خَالدِينَ فِيهَا أبَدًا}: أى مقدرين الخلود، مقدرا لهم الخلود، والأول أولى، لأنهم علموا به، {وأبَدًا} تأكيد للخلود أو ازالة لتوهم المكث الطويل المنقضى، وأخر وعد المؤمنين عن وعيد الكفار، لأن الكلام فيهم، والكلام فى المؤمنين بالفرض. {لَّهُمْ فِيهَا أَزوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}: عن الحيض ووسخ الولادة، والبول والغائط، والمخاط والانكشاف لغير زوجها، والميل بقلبها عن زوجها، ومعصيته وسائر ما يكرم. {وَنُدخِلُهُم ظِلاً ظَلِيلاً}: منبسطا متصلا لا تنسخه الشمس، فالظليل نعت يفيد تعظيم الظل، كقولهم: ليلة ليلاء، وليل أليل، ويوم أيوم، وشمس شامس، وبلاد العرب حارة بالغاية، فالظل عندهم نعمة تامة. قال الله عز وجل للجنة لما خلقها، امتدى، قالت: يا رب كم، والى كم؟ قال لها: امتدى مائة ألف سنة، فامتدت، ثم قال لها: امتدى، فقالت: يا رب كم والى كم؟ فقال لها: امتدى مائة ألف سنة فامتدت، ثم قال لها: امتدى، فقالت: يا رب كم والى كم؟ فقال لها: امتدى مائة سنة فامتدت، ثم قال لها: امتدى، فقالت: يا رب كم والى كم؟ فقال لها: امتدى مقدار رحمتى فامتدت، فهى تمتد أبد الآبدين، فليس للجنة طرف، كما انه ليس لرحمة الله طرف.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعِملُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارِ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيَهآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} من الحيض والنفاس وسائر الأوساخ، وكل ما يكره، وعن كل طبيعة ردية منفردة والمراد مؤمنوا الأمة، أو العموم، فأخرهم لأنهم ذكروا هنا بالعرض ومقابلة للكفرة {وَنُدْخِلْهُمْ ظِلاَّ ظلِيلاً} عظيما لا تنسخه الشمس، عاما لا شمس معه، وهذا أولى مما قيل: إنه لا معنى زائد لظليلا إنما هو كحسن بسن.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} عقب بيان سوء حال الكفرة ببيان حسن حال المؤمنين تكميلاً للمساءة والمسرة، وقدم بيان حال الأولين لأن الكلام فيهم، والمراد بالموصول إما المؤمنون بنبينا صلى الله عليه وسلم، وإما ما يعمهم وسائر من آمن من أمم الأنبياء عليهم السلام أي إن الذين آمنوا بما يجب الإيمان به وعملوا الأعمال الحسنة {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} قرأ عبد الله ـ سيدخلهم ـ بالياء والضمير للاسم الجليل، وفي السين تأكيد للوعد، وفي اختيارها هنا واختيار {سَوْفَ} في آية الكفر ما لا يخفى. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} إعظاماً للمنة وهو حال مقدرة من الضمير المنصوب في {سَنُدْخِلُهُمْ} وقوله تعالى: {لَّهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي من الحيض والنفاس وسائر المعايب والأدناس والأخلاق الدنيئة والطباع الرديئة لا يفعلن ما يوحش أزواجهن ولا يوجد فيهن ما ينفر عنهن، في محل النصب على أنه حال من (جنات)، أو حال ثانية من الضمير المنصوب أو أنه صفة لجنات بعد صفة، أو في محل الرفع على أنه خبر للموصول بعد خبر. والمراد أزواج كثيرة كما تدل عليه الأخبار. {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} أي فيناناً لا جوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس وسجسجاً لا حر فيه ولا قرّ، رزقنا الله تعالى التفيؤ فيه برحمته إنه أرحم الراحمين، والمراد بذلك إما حقيقته ولا يمنع منه عدم الشمس وإما أنه إشارة إلى النعمة التامة الدائمة، والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل للتأكيد كما هو عادتهم في نحو ـ يوم أيوم، وليل أليل ـ وقال الإمام المرزوقي: إنه مجرد لفظ تابع لما اشتق منه وليس له معنى وضعي بل هو ـ كبسن ـ في قولك: حسن بسن، وقرىء {يدخلهم} بالياء عطف على {سَيُدْخِلُهُمُ} لا على أنه غير الإدخال الأول بالذات بل بالعنوان كما في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [هود: 58]. هذا ومن باب الإشارة: في الآيات {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} خطاب لأهل الإيمان العلمي، ونهي لهم أن يناجوا ربهم أو يقربوا مقام الحضور والمناجاة مع الله سبحانه وتعالى في حال كونهم سكارى خمر الهوى ومحبة الدنيا، أو نوم الغفلة حتى يصحوا ولا يشتغلوا بغير مولاهم، والمقصود النهي عن إشغال القلب بسوى الرب، وقيل: إنه خطاب لأهل المحبة والعشق الذين أسكرهم / شراب ليلى ومدام مي، فبقوا حيارى مبهوتين لا يميزون الحي من الليّ ولا يعرفون الأوقات ولا يقدرون على أداء شرائط الصلوات فكأنهم قيل لهم: يا أيها العارفون بـي وبصفاتي وأسمائي السكارى من شراب محبتي وسلسبيل أنسي وتسنيم قدمي وزنجبيل قربـي ومدام عشقي وعقار مشاهدتي إذا كشفت لكم جمالي وآنستكم في مقام ربوبيتي فلا تكلفوا نفوسكم أداء الرسوم الظاهرة لأنكم في جنان مشاهدتي، وليس في الجنان تقييد، وإذا سكنتم من سكركم وصرتم صاحين بنعت التمكين فأدوا ما افترضته عليكم وقوموا لله قانتين وحاصله رفع التكليف عن المجذوبين الغارقين في بحار المشاهدة إلى أن يعقلوا ويصحوا، فالإيمان على هذا محمول على الإيمان العيني والمعنى الأول أولى بالإشارة {وَلاَ جُنُباً} أي ولا تقربوا الصلاة في حال كونكم بعداء عن الحق لشدة الميل إلى النفس ولذاتها {إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ} أي سالكي طريق من طرق تمتعاتها بقدر الضرورة كعبور طريق الاغتذاء بالمأكل والمشرب لسد الرمق أو الاكتساء لدفع ضرورة الحر والقرّ وستر العورة، أو المباشرة لحفظ النسل {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} وتتطهروا بمياه التوبة والاستغفار وحسن التنصل والاعتذار {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ} بأدواء الرذائل {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} في بيداء الجهالة والحيرة لطلب الشهوات {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ} أي الاشتغال بلوث المال ملوثاً بمحبته {أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء} أي لازمتم النفوس وباشرتموها في قضاء وطرها {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء} علماً يهديكم إلى التخلص عن ذلك {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً} أي فاقصدوا صعيد استعدادكم أو ارجعوا إلى المرشدين أرباب الاستعداد {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} أي امسحوا ذواتكم وصفاتكم بما يتصاعد من أنوار استعدادهم وتخلقوا بأخلاقهم واسلكوا مسالكهم حتى تمحى عنكم تلك الهيئات المهلكة وتبقى أنفسكم صافية {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً} يعفو عما صدر منكم بمقتضى تلك الهيئات {أية : غَفُوراً} تفسير : [النساء: 43] يستر الشين بالزين {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا} أي بعضاً {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} وهو اعترافهم بالحق مع احتجابهم برؤية الخلق {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ} ويتركون التوحيد الحقيقي {وَيُرِيدُونَ} مع ذلك {أية : أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} تفسير : [النساء: 44] الحق وهو التوحيد الصرف وعدم رؤية الأغيار فتكونوا مثلهم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} وعنى بهم أولئك الموصوفين بما ذكر، وسبب عداوتهم لهم اختلاف الأسماء الظاهرة فيهم ولهذا ودوا تكفيرهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً} يلي أموركم بالتوفيق لطريق التوحيد {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً} تفسير : [النساء: 45] ينصركم على أعدائكم فلا يستطيعون إيذاءكم وردكم عما أنتم عليه من الحق {مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} رجعوا عن مقتضى الاستعداد من نفي السوى إلى ما سولت لهم أنفسهم واستنتجته أفكارهم وأيدته أنظارهم ودعت إليه علومهم الرسمية {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ} يحتمل أن يراد بالكلم معناها الظاهر أي أنهم يؤولون جميع ما يشعر ظاهره بالوحدة على حسب إرادتهم زاعمين أنه لا يمكن أن يكون غير ذلك مراداً لله تعالى لا قصداً ولا تبعاً لا عبارة ولا إشارة، ويحتمل أن يراد بها هذه الممكنات فإنها كلم الله تعالى بمعنى الدوال عليه، أو كلمه بمعنى آثار كلمه أعني كن المتعددة حسب تعدد تعلقات الإرادة. ومعنى تحريفها عن مواضعها إمالتها عما وضعها الله تعالى فيه من كونها مظاهر أسمائه فيثبتون لها وجوداً غير وجود الله تعالى: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا} ما يشعر بالوحدة أو سمعنا ما يقال في هذه الممكنات {وَعَصَيْنَا} فلا نقول بما تقولون ولا نعتقد ما تعتقدون {و} يقولون أيضاً في أثناء مخاطبتهم للعارف مستخفين مستهزئين به {أَسْمِعْ} ما يعارض ما تدعيه {غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي لا أسمعك الله {وَرٰعِنَا} يعنون رميه بالرعونة وهي الحماقة {أية : لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ} تفسير : [النساء: 46] الذي عليه العارف بربه {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي فهموا عليه الظاهر ولم يفهموا ما أشار إليه / من علم الباطن {ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا} على قلوب أوليائي من العلم اللدني {مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ} من علم الظاهر إذ كل باطن يخالف الظاهر فهو باطل {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} وهي وجوه القلوب بالعمى {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا} ناظرة إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانت في أصل الفطرة متوجهة إلى ما في الميثاق الأول {أية : أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ} تفسير : [النساء: 47] فنمسخ صورهم المعنوية كما مسخنا صور اليهود الحسية، ويحتمل أن يكون هذا خطاباً لمن أوتي كتاب الاستعداد أمرهم بالإيمان الحقيقي وهددهم بإزالة استعدادهم وردهم إلى أسفل سافلين، وإبعادهم بالمسخ {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} إلا بالتوبة عنه لشدة غيرته «لا أحد أغير من الله» {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} أن يغفر له تاب أو لم يتب، وقد ذكروا أن الشرك ثلاث مراتب ولكل مرتبة توبة: فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام كعبدة الأصنام والكواكب مثلاً، وتوبته إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية، وشرك خفي بالأوصاف ـ وهو للخواص وفسر بشوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية ـ وتوبته الالتفات عن ذلك الالتفات ـ وشرك أخفى لخواص الخواص وهو الأنانية ـ وتوبته بالوحدة ـ وهي فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} أيّ شرك كان من هذه المراتب {فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ} وارتكب حسب مرتبته {أية : إِثْماً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 48] لا يقدر قدره {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} كعلماء السوء من أهل الظاهر الذين لم يحصلوا من علومهم سوى العجب والكبر والحسد والحقد وسائر الصفات الرذيلة {أية : بَلِ ٱللَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاء} تفسير : [النساء: 49] كالعارفين به الذين لا يرون لأنفسهم فعلاً، ويحتمل أن يكون هذا تعجيباً ممن يزكي نفسه بنفسه ويسلك في مسالك القوم على رأيه غير معتمد على مرب مرشد له من ولي كامل أو أثارة من علم إلهي كبعض المتفلسفين من أهل الرياضات {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} بادعاء تزكية نفوسهم من صفاتها وما تزكت أو بانتحال صفات الله تعالى إلى أنفسهم مع وجودها {أية : وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 50] ظاهراً لا خفاء فيه {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً} بعضاً {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} الجامع، وأشير به إلى علم الظاهر {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ} أي بجبت النفس {وَٱلطَّـٰغُوتِ} أي طاغوت الهوى فيميلون مع أنفسهم وهواهم {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لأجل الذين ستروا الحق {هَـٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الإيمان الحقيقي {أية : سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 51] {أُوْلَـٰئكَ ٱلَّذِينَ لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي أبعدهم عن معرفته وقربه {وَمَن يَلْعَنِ} أي يبعده {ٱللَّهُ} عن ذلك {أية : فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} تفسير : [النساء: 52] يهديه إلى الحق {أية : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} تفسير : [النساء: 53] ذم لهم بالبخل الذي هو الوصمة الكبرى عند أهل الله تعالى {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} من المعرفة وإعزازهم بين خلقه وإرشادهم لمن استرشدهم {فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ} وهم المتبعون له على ملته من أهل المحبة والخلة {ٱلْكِتَـٰبَ} أي علم الظاهر أو الجامع له ولعلم الباطن {وَٱلْحِكْــمَةَ} علم الباطن أو باطن الباطن {أية : وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 54] وهو الوصول إلى العين وعدم الوقوف عند الأثر {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} أي حجبوا عن تجليات صفاتنا وأفعالنا أو أنكروا على أوليائنا الذين هم مظاهر الآيات {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً} عظيمة وهي نار القهر والحجاب، أو نار الحسد {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} وتقطعت أماني نفوسهم الأمارة ومقتضيات هواها {بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} بتجدد نوع آخر من أنواع تجليات القهر أو بتجدد نعم أخرى تظهر على أوليائنا الذين حسدوهم وأنكروا عليهم {أية : لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النساء: 56] ما داموا منغمسين في أوحال الرذائل {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ} أي الأعمال التي يصلحون بها لقبول التجليات {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشف {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} لبقاء أرواحهم / المفاضة عليها ما يروحها {لَّهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ} من التجليات التي يلتذون بها {مُّطَهَّرَةٌ} من لوث النقص {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} [النساء: 57] وهو ظل الوجود والصفات الإلۤهية وذلك بمحو البشرية عنهم، نسأل الله تعالى من فضله فلا فضل إلا فضله، ثم إنه سبحانه وتعالى أرشد المؤمنين بأبلغ وجه إلى بعض أمهات الأعمال الصالحة فقال عز من قائل: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً}. وصف في هذه الآية الكرمة ظل الجنة بأنه ظليل، ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، وهي قوله: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} تفسير : [الرعد: 35] ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود وهي قوله: {أية : وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} تفسير : [الواقعة: 30] وبين في موضع آخر أنها ظلال متعددة وهو قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ} [المرسلات: 41] الآية. وذكر في موضع آخر أنهم في تلك الظلال متكؤون مع أزواجهم على الأرائك وهو قوله: {أية : هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ} تفسير : [يس: 56] والأرائك: جمع أريكة وهي السرير في الحجلة، والحجلة بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة، وبين أن ظل أهل النار ليس كذلك بقوله: {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ} تفسير : [المرسلات: 29-31] وقوله: {أية : وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} تفسير : [الواقعة: 41-44].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 57- والذين صدَّقوا بما جاءهم من ربهم وعملوا الأعمال الصالحة، سنثيبهم على إيمانهم وعملهم، فندخلهم جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار، لا تنتهى حياتهم فيها أبداً، لهم فيها أزواج مطهرة من العيوب والأدناس، ونحييهم حياة ناعمة فى ظل ظليل من العيش الطيب والنعيم المقيم. 58- إن الله يأمركم - أيها المؤمنون - أن توصِّلوا جميع ما ائتمنتم عليه من الله أو الناس إلى أهله بالعدل، فلا تجوروا فى الحكم. هذه موعظة من ربكم فاحرصوا عليها، فنعمت الموعظة التى يعظكم بها. إن الله دائماً سميع لما يقال، بصير بما يفعل، فيعلم من أدَّى الأمانة ومن خان، ومن حكم بالعدل أو جار فَيُجَازِى كُلاً بعمله. 59- يا أيها الذين صدَّقوا بما جاء به محمد أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، والذين يلون أمركم من المسلمين القائمين بالحق والعدل والمنفذين الشرع، فإن تنازعتم فى شئ فيما بينكم فاعرضوه على كتاب الله وعلى سنة رسوله لتعلموا حكمه، فإنه أنزل عليكم كتابه وبينه رسوله، وفيه الحكم فيما اختلفتم فيه، وهذا مقتضى إيمانكم بالله واليوم الآخر، وهو خير لكم، لأنكم تهتدون به إلى العدل فيما اختلفتم فيه، وهو أحسن عاقبة، لأنه يمنع الخلاف المؤدِّى إلى التنازع والضلال. 60- ألا تعجب - أيها النبى - من الذين يدَّعون أنهم صدَّقوا بما أُنْزِل عليك من الكتاب وما أُنْزِل من قبلك من الكتب، يريدون أن يتحاكموا فى خصوماتهم إلى ما فيه الضلال والفساد وحكم غير الله، وقد أمرهم الله أن يجحدوه ولا يتحاكموا إليه، ويريد الشيطان أن يصدَّهم عن طريق الحق والهدى، فيضلهم عنه ضلالاً بعيداً.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} {أَزْوَاجٌ} (57) - وَالذِينَ صَدَّقُوا بِمَا جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، فَإنَّ اللهَ سَيُثِيبُهُمْ عَلَى إيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمُ الصَّالِحِ، بِإدْخَالِهِمُ الجَنَّةَ التِي تَجْرِي فِي أرْضِها الأنْهَارُ، وَيَبْقُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، لاَ يَحُولُونَ عَنْهَا وَلاَ يَزُولُونَ، وَلَهُمْ فِيهَا أزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ، مِنَ الحَيْضِ وَالدَّنَسِ وَالأذَى، وَالأخْلاَقِ الرَّذِيلَةِ، وَالصِّفَاتِ النَّاقِصَة، وَيُدخِلُهُمْ فِي ظِلٍّ وَارِفٍ كَثِيفٍ لا حَرَّ فِيهِ وَلاَ قَرَّ. ظَلِيلاً - دَائِماً لاَ حَرَّ فِيهِ وَلاَ قَرَّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وفي هذه الآية يصف الحق ثواب الفئة المقابلة للفئة السابقة وهم الذين آمنوا، ونعلم أن آخر موكب من مواكب الرسالة هو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. إذن فأمة سيدنا محمد هي أقرب الأمم إلى لقاء الله. فالأمم من أيام آدم أخذت زمناً طويلاً، لكننا نحن المسلمين قريبون، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين ". تفسير : ولذلك لم يقل الحق في الآية: سوف ندخلهم. بل قال: {سَنُدْخِلُهُمْ} ، أما مع الآخرين فاستخدم سبحانه "سوف" لأنها بعيدة، أو أن هذا كناية وإشارة من الله لإمهال الكفار ليتوبوا، وعندما يقرب لنا سبحانه المسافة فإنه يغرينا بالطاعة، المسألة ليست بعيدة، بل قريبة؛ لذلك يعبر عنها: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. إن كلمة "الجنة" مأخوذة من "الجَن"، والستر، و "الجَنّة" هي البستان الذي به شجرة إذا سار فيه الإنسان يستره، وهو غير البساتين الزهرية التي تخرج زهراً قريباً من الأرض تمثل ترفا للعيون فقط، أما الجنة ففيها أشجار عالية كثيفة بحيث لو سار فيها أحد يُستر، ففيها الاقتيات وفيها كل شيء، فهي تسترك عن أن تلتفت إلى غيرها لأن فيها ما يكفيك، فالذي عنده حاجة لا تكفيه يتطلع إلى ما يكفيه، لكن من عنده حاجة تكفيه فقد انستر عن بقية الوجود، والحق سبحانه وتعالى يعطينا صورة عن شيء هو الآن عنا غيب، وسيصير بإذن الله وبمشيئته مشهداً، ونحن نعرف أن الجنة بها كل ما تتمناه النفس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"تفسير : مصداق ذلك في كتاب الله {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. ونعلم أن الكائنات الوجودية يعرفها الإنسان بما يناسب إدراكه.. فقال: "حديث : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت"تفسير : ، والعين حين ترى تكون محدودة، لكن السمع دائرته أوسع من الرؤية، لأنه سيسمع ممن رأى، إنه سمع فوق ما رأى، إذن فدائرة الإدراكات تأتي أولاً: بأن يرى الإنسان، ثم بأن يسمع، وهو يسمع أكثر مما يرى، وعلى سبيل المثال قد أرى أسوان لكنني أسمع عن أمريكا، فدائرة السماع أوسع. وبعد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولا خطر على قلب بشر" تفسير : أي أن ما في الجنة أكبر من التخيلات، إذن فكم صفة هنا للجنة؟ الأولى قوله: ما لا عين رأت. والعين مهما رأت فدائرتها محدودة، والثانية: قوله: ولا أذن سمعت فدائرتها أوسع قليلاً. والثالثة: قوله: ولا خطر على قلب بشر، وهذا أوسع من التخيلات، فإذا كنت يا حق سبحانك ستعطينا في الجنة: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فبأي الألفاظ يا ربي تؤدي لنا هذه الأشياء، وألفاظ اللغة إنما وضعت لمعانٍ معروفة، وما دمت ستأتي بحاجة لم ترها عين، ولم تسمعها إذن ولم تخطر على قلب بشر، فأي الألفاظ ستؤدي هذه المعاني؟ لقد أوضح صلى الله عليه وسلم: أنّه لا توجد ألفاظ؛ لأن المعنى يُعرف أولاً ثم يوضع له اللفظ، فكل لفظ وضع في اللغة معروف أن له معنى، لكن ما دامت الجنة هذه لم ترها عين، ولم تسمعها أذن، ولم تخطر على قلب بشر، فلا توجد كلمات تعبر عنها، لذلك لم يقل صلى الله عليه وسلم: إن الجنة هكذا بل قال: "مثل الجنة" أما الجنة نفسها، فليس في لغتنا ألفاظ تؤدي هذه المعاني، وحيث إن هذه المعاني لا رأتها عين ولا سمعتها أذن ولا خطرت على قلب بشر؛ لذلك فليس في لغة البشر ما يعطينا صورة عن الجنة، وأوضح الحق سبحانه: سأختار أمراً هو أحسن ما عندكم وأعطيكم به مثلاً فقال: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} تفسير : [محمد: 15]. ونحن نرى الأنهار، والحق يطمئننا هنا بأن أنهار الجنة ستختلف فهو سبحانه سينزع منها الصفة التي قد تعكر نهريتها؛ فقد تقف مياه النهر وتصبح آسنة متغيرة، فيقول: {أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ }، إذن فهو يعطيني اسماً موجودا وهو النهر، وكلنا نعرفه، لكنه يوضح: أنا سأنزع منه الأكدار التي تراها في النهر الحادث في الحياة الدنيا، وأيضاً فأنهار الدنيا تسير وتجري في شق بين شاطئين، لكن أنهار الجنة سترى الماء فيها وليس لها شطوط تحجز الماء لأنها محجوزة بالقدرة.. وستجد أيضاً أنهاراً من لبن لم يتغير طعمه. إن العربي كان يأخذ اللبن من الإبل ويخزنه في القِرَب، وبعد ذلك ترحل الإبل بعيداً إلى المراعي وإلى حيث تسافر، وعندما كان الأعرابي يحتاج إلى اللبن فلم يكن أمامه غير اللبن المخزن في القرب، ويجده متغير الطعم لكنْ لا يجد غيره؛ لذلك يوضح الحق: سأعطيكم أنهاراً من لبن من الجنة لم يتغير طعمه، ثم يقول: "وأنهار من خمر" وهم يعرفون الخمر ولنفهم أنها ليست كخمر الدنيا؛ لأنه يقول "مثل".. ولم يقل الحقيقة فقال: أنهار من خمر لكنها خمر "لذة للشاربين"، وخمر الدنيا لا يشربها الناس بلذة، بدليل أنك عندما ترى من يشرب كأس خمر.. فهو يسكبه في فمه مرة واحدة! ليس كما تشرب أنت كوباً من مانجو وتتلذذ به، إنه يأخذه دفعة واحدة ليقلل سرعة مروره على مذاقاته لأنه لاذع ومحمض؛ وتغتال العقول وتفسدها. لكن خمر الآخرة لا اغتيال فيها للعقول. إذن فحين يعطيني الحق مثلاً للجنة.. فهو ينفي عن المثل الشوائب، ولذلك نجد الأمثال تتنوع في هذا المجال؛ فالعربي عندما كان يمشي في الهاجرة، ويجد شجرة "نبق" ويقال لها: "سدر" كان يعتبرها واحة يستريح عندها، ويجد عليها النبق الجميل، فهو يمد يده ليأكل منها لكنّه قد يجد شوكاً فيتفادى الشوك، وفي بعض الأحيان تشكه شوكة، وعندما لا يجد في هذا الشجر شوكا يقول: هنا "سدر مخضوض" أي شجرة نبق لا شوك فيها، والحق يأتي بكل الآفات التي في الدنيا وينفيها عن جنة الآخرة. {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } وكان العرب يأخذون العسل من الجبال فالنحل يصنع خلاياه داخل شقوق الجبال، وعندما كانوا يخرجون العسل من الجبال يجدون فيه رملاً وحصى، فأوضح الحق: ما يعكر عليك العسل هنا في الدنيا أنا أصفيه لك هناك، ومع أنه مثل لكنه يصفيه أيضاً، ولماذا مثَّل؟.. لأنه ما دام نعيم الجنة "حديث : لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"تفسير : .. فتكون لغة البشر كلها لا تؤدي ما فيها.. لكنه - سبحانه - يعطينا صورة مقربة، ويضرب الله المثل بالصورة المقربة للأشياء التي تتعالى عن الفهم ليقربها من العقل، ومثال ذلك عندما أراد سبحانه أن يعطينا صورة لتنوير الله للكون، وليس لنور الله الذاتي، بل لتنوير الله للكون، فيقول: {أية : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} تفسير : [النور: 35]. إنه يعطينا مثلاً مقرباً لأن لغتك ليس فيها الألفاظ التي تؤدي الحقيقة، ولذلك يقول: {أية : وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [التوبة: 100]. وما دامت جنات ففيها شجر ملتف وعالٍ، ونحن نعرف أن الشجر لا بد أن يكون في منطقة فيها مياه؛ لذلك قال: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} لأن ما يجري تحتها قد يكون آتيا من مكان آخر، ويكون منبعها من مكان بعيد وتجري الأنهار تحت جنّتك، وقد تظن أن بإمكان صاحب النبع أن يسدّها على جنتك، فيشرح الحق: لا هي جاءت من تحتها مباشرة. ويقول الحق عن أهل الجنة: {خَالِدِينَ فِيهَآ} وهو سبحانه وتعالى يخاطب قوماً شهدوا بعض النعيم في دنياهم من آثار نعمة عليهم، لكنهم شهدوا أيضاً أن النعمة تزول عن الناس، أو شهدوا أناساً يزولون عن النعمة، فقال سبحانه عن جنة الآخرة: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} فلا هي تزول عنهم ولا هم يزحزحون عنها. ويعطينا سبحانه أيضاً صورة من النعيم الذي يوجد عندنا في الدنيا لكنه يزول أيضاً أن نزول نحن عنه: {لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} وأزواج جمع "زوج"، وعندما يصف الحق سبحانه وتعالى جمعاً فهو يأتي في الصفة بجمع أيضاً مثل قوله: {أية : وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} تفسير : [سبأ: 13]. لأن "قدور" جمع "قِدر" ولم يقل هنا: وأزواج مطهرات وجاء بها مفردة لأن الرجل في الدنيا قد يتزوج بأكثر من واحدة فينشأ بين الزوجات المتعددات ظلال الشقاق فكأنهن متنافرات، فقال: إنهن كلهن سيكنَّ أزواجاً على صورة واحدة من الطهر، وليس في أي منهن ما يعكر صفو الأزواج كما يكون الأمر في الدنيا، ولا يقولن واحد: "كيف تقبل المرأة أن يكون لها ضرَة في الآخرة؟" لأن الحق سبحانه نزع من الصدور كل ما كان يكدر صفو النفوس في الدنيا فقال: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} تفسير : [الأعراف: 43]. إذن فكأنهن - وإن تعددن - في سياق واحد من الطهر مما لا يعكر صفو الزوج، إنّه يعجبك شكلها، ستعجبك، أخلاقها ليس فيها عيب ولا نقص مما كان يوجد في الدنيا إنها مطهرة من ذلك كله. إذن فهو يعطيني خلاصة ما يمكن أن يتصور من النعيم في الأزواج. ويكمل الحق: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً}. ولغة العرب إذا أرادت أن تؤكد معنى فهي تأتي بالتوكيد من اللفظ نفسه، فيقول العربي مثلاً: "هذا ليل أليل" أي ليل حالك، وعندما يبالغ في "الظل" يقول: "ظليل". وما هو "الظل"؟. "الظل" هو: انحسار الشمس عن مكان كانت فيه أو لم تدخله الشمس أصلاً كأن يكون الإنسان داخل كهف أو غار مثلاً. إن كلمة ظل ظليل يعرفها الذين يعيشون في الصحراء، فساعة يرى الإنسان هناك شجرة فهو يجلس تحتها ويتمتع بظلها، والظل نفسه قد يكون ظليلاً، مثال ذلك "الخيام المكيفة" التي يصنعونها الآن، وتكون من طبقتين: الطبقة الأولى تتعرض للشمس فتتحمل السخونة، والطبقة الثانية تحجز السخونة، ويسمون هذا السقف "السقف المزدوج". ويوجد خاصة في الأماكن العالية؛ لأن الشقة على سبيل المثال التي تعلوها أدوار تكون محمية، لكن الشقق الموجودة في آخر دور خصوصاً في البلاد الحارة تكون السخونة فيها صعبة وشديدة؛ لذلك يصنعون سقفاً فوق السقف، وبذلك يكون الظل نفسه في ظل. ولماذا الإنسان يسعد بالظل تحت شجرة أكثر من سعادته بالظل في جدار؟ لأن الظل في جدار مكون من طبقة واحدة، صحيح أنه يمنع عنا الشمس لكنه أيضاً يحجب الهواء، لكن الجلوس في ظل الشجرة يتميز بأن كل ورقة من أوراق الشجرة فوقها ورقة، وأوراقها بعضها فوق بعض، وكل ورقة في ظل الورقة الأعلى. ولأن كل ورقة خفيفة لذلك يداعبها الهواء، فتحجب عن الجالس تحت الشجرة حرارة الشمس، وتعطيه هواء أيضاً، هذا هو معنى قوله: { ظِـلاًّ ظَلِيلاً}. ولذلك فعندما أراد الشاعر أن يصف الروضة قال: شعر : وقانا لفحةَ الرمضاءِ وادٍ سقاه مضاعف الغيث العميم نزلنا دوحه فحنا علينا حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالاً ألذ من المدامة للنديم يصد الشمس أنىّ واجهتنا فيحجبها ويأذن للنسيم تفسير : والشاعر هنا يصف الموقف حين يسير الإنسان في صحراء ثم ينزل في وادٍ به دوح وهذا الدوح يَحنو على الإنسان حنو الأم على طفلها في سن الفطام. وأنه قد سقاهم من مائة ما يلذ. وتصد الشمس عنهم الأشجار الكثيفة ولكن النسيم يمر بين أوراق الشجر. وهكذا نفهم أن كلمة "ظل ظليل"، أي أن الظل في ذاته مظلل. وبعد أن تكلم الحق عن الغايات التي تنتظر الصنفين من خلقه: الصنف الذي يتأبى على منهج الله، والصنف الذي يتطامن لمنهج الله: الصنف الأول أعد له الله النار التي تشوي جلوده ويبدله جلوداً غيرها ليذوق العذاب، والصنف المؤمن الذي أعد الله له الجنة ذات المواصفات المذكورة. وبعدما يجعل الغاية واضحة في ذهننا من الكلام عن النار والكلام عن الجنة يلفتنا إلى حكم جديد؛ لأن النفس تكون كارهة للنار ومحبة للجنة، وعندما يأتي حكم جديد تتعلق النفس به وتنفذه؛ لأنها قريبة العهد، بالترهيب من النار والترغيب في الجنة، فيجعل الحق هذا الأمر مرة تذييلاً لما تقدم، ومرة أخرى يجعله تمهيداً لما يأتي؛ كي تستقبل الأحكام الجديدة في ذهنك وتتضح لك الغاية التي تنتظر مَن التزم، والغاية التي تنتظر من انحرف. وعندما يأتي الحكم والغاية متضحة في الذهن ومهيئة للإنسان فالتكليف يوضع في بؤرة الشعور؛ لأن هناك حاجات كثيرة تعلمها النفس البشرية، ورحمة الله بالخلق أن هذا الرأس الذي فيه حافظة، وفيه ذاكرة، وفيه مخيلة، لا يقدر أن يستوعب كل المعلومات في بؤرة الشعور مرة واحدة، ولا يمكن أن يجيء لك معنى جديد إلا إذا تزحزح المعنى الذي كنت مشغولاً به في ذهنك قليلاً عن بؤرة الشعور وذهب إلى حاشية الشعور، فإن بقي المعنى في مكان فلن يأتي لك خاطر جديد. إذن فبؤرة الشعور هي التي فيها ما أنت الآن بصدده فلا يمكن أن تتداخل الأفكار في البؤرة الشعورية، ولذلك عندما تريد أن تستدعي حاجة في بؤرة الشعور. فالمعاني تتداعى كي تأتي بما في حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور. وساعة يأتي ما تريده في بؤرة الشعور يذهب الخاطر الأول. إياك أن تظن أن العقل البشري يستطيع أن يواجه في بؤرة الشعور كل المعلومات، لا. فمن رحمة الله أنه وضع لشعورك نظاما تخزن فيه معلوماتك، ولذلك فأنت قد تتذكر حاجة من عشر سنوات، فإذا كانت قد ذهبت من فكرك فكيف تذكرتها؟. إذن فهي موجودة لكنها موجودة في الحواشي البعيدة للشعور.. وعندما تداعت المعاني خرجت الخاطرة أو الحادثة إلى بورة الشعور؛ ثم تؤدي مهمتها وتذهب؛ وتأتي أخرى في بؤرة الشعور. إن هذا البشري فيه قوة وطاقة يختزن فيها الأحداث، وعلى الرغم من ذلك تختلف قدرات الناس، فهناك من يحفظ قصيدة من عشر مرات، وهناك ذهن يحفظ من مرتين، وهناك من يحفظ من ثلاث مرات. إن الذهن كآلة التصوير "الفوتوجرافي" يلتقط من مرة واحدة، والمهم فقط أن تكون بؤرة شعورك خالية ساعة الالتقاط. فإن كانت بؤرة شعورك خالية من غيرها تلتقطها. أنت تكرر القصيدة أو الآية أو الكلمة كي تحفظها؛ لأنك لو قدرت أن تجعل بؤرة شعورك مع النص لحفظت النص مباشرة، لكنك لا تحفظ النص؛ لأن هناك خواطر تأتيك فتخطف التركيز، وتكون بؤرة الشعور مشغولة بسواها فلا تستطيع أن تحفظ المعلومة الجديدة، فتكرر الحفظ إلى أن تصادف كل جزئية من جزئيات الشعر أو القصيدة أو الآية خلو بؤرة الشعور؛ لذلك يقولون: هناك طالب يحفظ ببطء، وآخر يحفظ بسرعة، إن الذي يقدر أن يركز ذاكرته لما هو بصدده، فذهنه يلتقط ما يقرأ من مرة واحدة أما الذي لا يركز فإن حفظه يكون بطيئا. وأضرب هذا المثل، وقد يكون أغلبنا مر به، وخصوصاً من تعرض للعلم وللامتحانات: هب أنك طالب في امتحان، وبعد ذلك دق الجرس لتدخل مكان الأمتحان، ثم جاء زميل لك وقال لك: القطعة الفلانية سيأتي منها سؤال، وأنت لم تكن قد ذاكرتها، هنا تخطف أي كتاب وتقرؤها بإمعان، فهل وأنت في هذه الحالة تفكر في ماذا ستأكل على الغداء؟ أو تفكر في من كان معك بالأمس؟ لا؛ لأن الوقت ضيق ولن يتركز فكرك إلا في هذه القطعة التي تقرؤها ثم تدخل الامتحان فتجد سؤالاً في القطعة التي ذاكرتها من دقائق ولمدة قصيرة فتضع الإجابة الصحيحة، وقد لا يعرفها مَن ذاكرها لمدة شهر؛ لأنه ذاكرها وباله مشغول، أما أنت فتضع إجابة السؤال كما يجب لأنك ذاكرتها وليس في ذهنك غيرها؛ لأن الوقت ضيق وكانت بؤرة شعورك محصورة فيها. ومثال آخر: نجد تلميذاً من التلاميذ يشكو من عدم فهمه من أستاذه لكن هناك تلميذ آخر يفهم، والتلميذ الذي لا يفهم هو من انصرف ذهنه عنه في أثناء الشرح في مسألة بعيدة عن العلم الذي يدرسه، وعندما يجيء درس جديد، فهو يفاجأ بمعلومات لا بد أن تستقر وتبني على معلومات سابقة كان ذهنه مشغولاً عنها، فلما شرح المدرس الدرس الجديد، قال التلميذ الذي لا يفهم: ماذا يقول هذا المدرس؟. لكن التلميذ المنتبه له والذي يربط المعلومات بعضها ببعض؛ يفهم ما يقوله المدرس، ولذلك فالأستاذ الجيد لا بد أن يثير الانتباهات دائماً لطلابه، بمعنى أن يفاجئهم، يقول مثلاً كم جملة ثم يقول للتلميذ: قم، ماذا قلت الآن؟ فيجلس كل تلميذ وَهو عُرضة أن يُسأل، فيخاف أن يُحرجه الأستاذ، فينتبه للدرس ويجعل بؤرة شعوره مع المدرس دائماً. فالحق سبحانه وتعالى بعدما تكلم عن النار وعن الجنة وجعل هذا الأمر مستقراً في بؤرة شعورهم ينزل الأحكام بعد ذلك، ولذلك تجد دائماً بعد أن يذكر سبحانه الجنة والنار يأتي بعدها بأمهات الأحكام التي إذا نفذوها نالوا الجنة وابتعدوا عن النار. فبعدما شحنت بؤرة الشعور بالجنة والنار بالغاية المنفرة والغاية المرغبة، هنا يأتي الحكم، فيقول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الذين انتبهوا بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [النساء: 57]، إشارة في الآيتين: إن قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 57]، معطوف على ما قبله من ذكر علماء السوء المنكرين؛ يعني: والذين صدقوا منهم أولياء الله عليهم من المواهب الربانية والعلوم اللدنية، وأصغوا إلى كلامهم وأقبلوا على صحبتهم وتابعوهم في السير إلى الله تعالى، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [النساء: 57]؛ يعني: بإشاراتهم أعمالاً صالحة لسلوك سبيل الله والوصول، {سَنُدْخِلُهُمْ} [النساء: 57]؛ يعني: سنجزيهم بجذبات العناية إلى {جَنَّاتٍ} [النساء: 57] القربة والوصلة، {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [النساء: 57]، من ماء الحكمة، ولبن الفطرة، وخمر الشهود، وعسل الكشوف، {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [النساء: 57]، مخلدين في الوصلة مؤيدين {أَبَداً} [النساء: 57] من غير الفرقة، {لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ} [النساء: 57]، من تجلي صفات الجلال والجمال، {مُّطَهَّرَةٌ} [النساء: 57] من الوهم والخيال، {وَنُدْخِلُهُمْ} [النساء: 57] بالجذبة من ظل الوجود المجازي، {ظِـلاًّ ظَلِيلاً} [النساء: 57] من الوجود الحقيقي الذي لا مجاز بعده، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ". تفسير : والإشارة في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} [النساء: 58]، عقيب قوله: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} [النساء: 57] أن الوجود المجازي كان عندكم أمانة من الله تعالى، كما أن وجود الظل مجازي بالنسبة إلى الشمس، وهذا أمانة من الشمس عند الظل، فإذا انجلت الشمس للظل تقول بلسان الجلال للظلال: إن الشمس تأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، فتلاشت الظلال واضمحلت وانمحت الآثار، وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ}تفسير : [الرعد: 15]. ثم قال تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} [النساء: 58]؛ يعني: يأمركم بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي أن تحكموا بالعدل بين الروح والقلب والبدن؛ كيلا يظلم بعضهم على بعض، ويواظب البدن على وظائف الشريعة، وتتأدب النفس بآداب الطريقة، ويراقب القلب بشواهد اللقاء، ويلازم الروح عتبة الفناء بواردات سلطان البقاء، {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} [النساء: 58]؛ أي: نعماً يعظكم بطلبه، فيه تعظيم قدر المطلوب وتعظيم قدر طريق الطلب، ورعاية المطلوب بعد وجدانه، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ} [النساء: 58] في الأزل، {سَمِيعاً} [النساء: 58] بمقالات أصحاب الحوائج عند استدعاء الحاجات من ربهم قبل وجودهم، فأعطاهم إياهم قبل السؤال، {بَصِيراً} [النساء: 58] بمعاملاتهم فيما أعطاهم وصرفه في الحق والباطل فيجازيهم بها إلى الأبد. ثم أخبر عن طريق صرف ما لا يحق في الحق بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. والإشارة فيها: إن الخطاب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 59] مع القلب والروح والسر، فإنهم آمنوا على الحقيقة لوهم استعداد قبولهم للإيمان ونوره وهم المخاطبون بقوله تعالى: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} [النساء: 59]، فطاعة القلب: لله في أن يحب الله وحده لا يحب معه أحداً له، وطاعة الروح: ألاَّ يلتفت إلى غير الله في الطلب ولا يطلب منه إلا هو، وطاعة السر: في ألاَّ يرى غير الله في الوجود، كما قال بعضهم: ما في الوجود سوى الله {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [النساء: 59]؛ يعني: كونوا بحكم وارد الوقت، فكما أن طاعة الرسول الظاهر هي قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]، وكذلك طاعة الرسول، وأراد الحق في الباطن هو أن يأخذوا ما أتاهم، وأراد الحق بحكم الوقت مراً كان أو حلواً أن لا يعترضوا عليه ولا يعرضوا عنه، ويصبروا عليه صبر الرجال، وينتهوا عما نهاهم بالشواهد والإشارات، وأما بالأحوال أو وقوع الواقعات يدل على هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد: "حديث : استفت قلبك يا وابصة، ولو أفتاك المفتون"تفسير : {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]؛ يعني: مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم، فإن أولي الأمر المريد شيخه في التربية، فينبغي للمريد أن يكل وارد حق يدق باب قلبه، وإشارة وإلهام، وواقعة تنبئ وتخبر عن أعمال وأحوال في حقه تضرب على محك نظر شيخه فيما يرى فيه الشيخ، فأولي الأمر الكتاب والسنة، فينبغي له أن ما سنح له من الغيب بوارد الحق من الكشوف والشواهد والأسرار والحقائق أن يضرب على محك الكتاب والسنة فيما صدقاه، ويحكمان عليه فقبله يكون بحكمه، { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} [النساء: 59]، يحتمل معنيين: أحدهما: منازعة النفس مع القلب والروح والسر فيما يرد عليهم من الحق، أو فيما يحكم به الشيخ {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} [النساء: 59]؛ يعني: إلى الكتاب والسنة. والثاني: منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنة، نزاعاً من قصور الفهم والدراية وإدراك دقائقها والكشف عن حقائقها، {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ} [النساء: 59] بمراقبة القلوب بشواهد الغيوب، وإلى رسول وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية عن كدورات البشرية، {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} [النساء: 59]؛ أي: بنور آمنتم الذي شرح الله صدوركم للإسلام، وبرسول وارد الحق إلى قلوبكم للإيمان {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [النساء: 59] شاهدتم بنور الله اليوم الذي بعد يوم الدنيا وآمنتم به، {ذٰلِكَ خَيْرٌ} [النساء: 59]؛ يعني: ذلك الإيمان الإيقاني بشهود نور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق، {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59]، عاقبة وجزاء في الحال والمال.