Verse. 551 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِنَّ اللہَ يَاْمُرُكُمْ اَنْ تُؤَدُّوا الْاَمٰنٰتِ اِلٰۗى اَھْلِھَا۝۰ۙ وَاِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ اَنْ تَحْكُمُوْا بِالْعَدْلِ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِہٖ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ كَانَ سَمِيْعًۢا بَصِيْرًا۝۵۸
Inna Allaha yamurukum an tuaddoo alamanati ila ahliha waitha hakamtum bayna alnnasi an tahkumoo bialAAadli inna Allaha niAAimma yaAAithukum bihi inna Allaha kana sameeAAan baseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات» أي ما اؤتمن عليه من الحقوق «إلى أهلها» نزلت لما أخذ عليّ رضي الله عنه مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة الحجبي سادنها قسرا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح ومنعه وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برده إليه وقال هاك خالدة تالدة فعجب من ذلك فقرأ له عليُّ الآية، فأسلم وأعطاه عند موته لأخيه شيبة فبقي في ولده والآيةُ وإن وردت على سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع «وإذا حكمتم بين الناس» يأمركم «أن تحكموا بالعدل إن الله نعمَّا» فيه إدغام ميم نعم في ما النكرة الموصولة أي نعم شيئا «يعظكم به» تأدية الأمانة والحكم بالعدل «إن الله كان سميعا» لما يقال «بصيرا» بما يفعل.

58

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم انه سبحانه لما شرح بعض أحوال الكفار وشرح وعيده عاد إلى ذكر التكاليف مرة أخرى، وأيضا لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات، أو من باب الدنيا والمعاملات، وأيضا لما ذكر في الآية السابقة الثواب العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكان من أجل الأعمال الصالحة الأمانة لا جرم أمر بها في هذه الآية. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار- وكان سادن الكعبة -باب الكعبة، وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح اليه، وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بين أبي طالب رضي الله عنه يده وأخذه منه وفتح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية، فأمر علياً أن يرده إلى عثمان ويعتذر اليه، فقال عثمان لعلي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهبط جبريل عليه السلام وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدا. فهذا قول سعيد بن المسيب ومحمد بن اسحق. وقال أبو روق: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: أعطني المفتاح فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضم يده، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك مرة ثانية: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأعطني المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضم يده، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك مرة ثالثة، فقال عثمان في الثالثة: هاك بامانة الله ودفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يطوف ومعه المفتاح وأراد أن يدفعه إلى العباس، ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس نصيبا معك، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: «حديث : هاك خالدة تالدة لا ينزعها منك إلا ظالم» تفسير : ثم إن عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده اليوم. المسألة الثانية: اعلم أن نزول هذه الآية عند هذه القصة لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القضية، بل يدخل فيه جميع أنواع الأمانات، واعلم أن معاملة الإنسان إما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد، أو مع نفسه، ولا بد من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة. أما رعاية الأمانة مع الرب: فهي في فعل المأمورات وترك المنهيات، وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود: الأمانة في كل شيء لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إنه تعالى خلق فرج الانسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها، واعلم أن هذا باب واسع، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعملها في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي، وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها، وكذا القول في جميع الأعضاء. وأما القسم الثاني: وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع، ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن، ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة، بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ونهيهم عن قولهم للكفار: إن ما أنتم عليه أفضل من دين محمد صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في حفظ فرجها، وفي أن لا تلحق بالزوج ولدا يولد من غيره. وفي إخبارها عن انقضاء عدتها. وأما القسم الثالث: وهو أمانة الانسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والاصلح له في الدين والدنيا، وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» تفسير : فقوله: { يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأمانات إلى أهلها} يدخل فيه الكل، وقد عظم الله أمر الامانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَوَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ } تفسير : [الأحزاب: 72] وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 8] وقال: {أية : وَلاَ تَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } تفسير : [الأنفال: 27] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا أيمان لمن لا أمانة له» تفسير : وقال ميمون بن مهران: ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر: الامانة والعهد وصلة الرحم. وقال القاضي: لفظ الامانة وان كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمانَـاتِ إِلَى أَهْلِهَا } فوجب أن يكون المراد بهذه الامانة ما يجري مجرى المال؛ لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير. المسألة الثالثة: الامانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جمع فانه جعل اسما خالصا. قال صاحب «الكشاف»: قرىء (الأَمانة)على التوحيد. المسألة الرابعة: قال أبو بكر الرازي: من الامانات الودائع، ويجب ردها عند الطلب والأكثرون على أنها غير مضمونة. وعن بعض السلف أنها مضمونة، روى الشعبي عن أنس قال: استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي، فضمنني عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وعن أنس قال: كان لانسان عندي وديعة ستة آلاف درهم فذهبت، فقال عمر: ذهب لك معها شيء؟ قلت لا، فألزمني الضمان، وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ضمان على راع ولا على مؤتمن» تفسير : وأما فعل عمر فهو محمول على أن المودع اعترف بفعل يوجب الضمان. المسألة الخامسة: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: العارية مضمونة بعد الهلاك، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: غير مضمونة. حجة الشافعي قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا } وظاهر الأمر للوجوب، وبعد هلاكها تعذر ردها بصورتها، ورد ضمانها ردها بمعناها، فكانت الآية دالة على وجوب التضمين. ونظير هذه الآية قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : على اليد ما أخذت حتى تؤديه» تفسير : أقصى ما في الباب أن الآية مخصوصة في الوديعة، لكن العام بعد التخصيص حجة، وأيضاً فلأنا أجمعنا على أن المستام مضمون، وأن المودع غير مضمون، والعارية وقعت في البين، فنقول: المشابهة بين العارية وبين المستام أكثر، لأن كل واحد منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه، بخلاف المودع، فانه أخذ الوديعة لغرض المالك، فكانت المشابهة بين المستعار وبين المستام أتم، فظهر الفرق بين المستعار وبين المودع. حجة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا ضمان على مؤتمن».تفسير : قلنا: إنه مخصوص في المستام، فكذا في العارية، ولأن دليلنا ظاهر القرآن وهو أقوى. قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الامانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فأديت ذلك الحق اليه فهذا هو الأمانة، والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب لانسان على غيره حق فأمرت من وجب عليه ذلك الحق بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الانسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بغيره، لا جرم أنه تعالى ذكر الأمر بالامانة أولا، ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق، فما أحسن هذا الترتيب، لأن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط. المسألة الثانية: أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل قال تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ } والتقدير: إن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ } تفسير : [النحل: 90] وقال: {أية : وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ } تفسير : [الأنعام: 152] وقال: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } تفسير : [صۤ: 26] وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت» تفسير : وعن الحسن قال: ان الله أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا. ثم قرأ {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ } إلى قوله: {أية : وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [صۤ: 26] وقرأ {تفسير : إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ } تفسير : إلى قوله:{أية : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً }تفسير : [المائدة: 44] ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم قال تعالى: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ } تفسير : [الصافات: 22] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ينادي منادي يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة، فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار»تفسير : وقال أيضا: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [إبراهيم: 42] وقال: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ } تفسير : [النمل: 52]. فإن قيل: الغرض من الظلم منفعة الدنيا. فأجاب الله عن السؤال بقوله: {أية : لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوٰرِثِينَ } تفسير : [القصص: 58]. المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء: في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والاقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم عليهما قال: والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب، فان كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه. قال: ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته، ولا شاهدا شهادته لأن ذلك يضر بأحد الخصمين، ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف، ولا يلقن المدعي عليه الانكار والاقرار، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا، ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يضيف الخصم الا وخصمه معه. وتمام الكلام فيه مذكور في كتب الفقه، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر، وذلك هو المراد بقوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ }. المسألة الرابعة: قوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ } كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم، بل ذلك لبعضهم، ثم بقيت الآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما ولما دلت سائر الدلائل على أنه لا بد للأمة من الإمام الأعظم، وأنه هو الذي ينصب القضاة والولاة في البلاد، صارت تلك الدلائل كالبيان لما في هذه الآية من الاجمال. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعِظُكُمْ بِهِ } أي نعم شيء يعظكم به، أو نعم الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، أي نعم شيء يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً } أي اعملوا بأمر الله ووعظه فانه أعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم، وفيه دقيقة أخرى، وهي أنه تعالى لما أمر في هذه الآيات بالحكم على سبيل العدل وبأداء الأمانة قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً } أي إذا حكمت بالعدل فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك، ولا شك أن هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي، وإليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : اعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك» تفسير : وفيه دقيقة أخرى، وهي أن كلما كان احتياج العبد أشد كانت عناية الله أكمل، والقضاة والولاة قد فوض الله إلى أحكامهم مصالح العباد، فكان الاهتمام بحكمهم وقضائهم أشد، فهو سبحانه منزه عن الغفلة والسهو والتفاوت في ابصار المبصرات وسماع المسموعات، ولكن لو فرضنا أن هذا التفاوت كان ممكنا لكان أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان هو وقت حكم الولاة والقضاة، فلما كان هذا الموضع مخصوصا بمزيد العناية لا جرم قال في خاتمة هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً } فما أحسن هذه المقاطع الموافقة لهذه المطالع.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى؛ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ} هذه الآية من أمّهات الأحكام تضمنّت جميع الدَّين والشرع. وقد اختُلِف مَن المخاطب بها؛ فقال علي بن أبي طالب وزيد بن أسلم وشَهْر بن حَوْشَب وابن زيد: هذا خطاب لولاة المسلمين خاصَّة، فهي للنبي صلى الله عليه وسلم وأُمَرائه، ثم تتناول من بعدهم. وقال ابن جريج وغيره: ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن أبي طلحة الحَجَبي العَبْدَري من بني عبد الدّار ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وكانا كافرين وقت فتح مكة، فطلبه العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السِّدانة إلى السِّقاية؛ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام إبراهيم ونزل عليه جبريل بهذه الآية. قال عمر بن الخطاب: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبلُ منه، فدعا عثمان وشيبة فقال: « حديث : خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم » تفسير : . وحكى مَكِّي: أن شيبة أراد ألاّ يدفع المفتاح، ثم دفعه، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: خذه بأمانة الله. وقال ابن عباس: الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردُوهن إلى الأزواج. والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات. وهذا اختيار الطبري. وتتناول مَن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرّز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة مّا ونحوه؛ والصلاةُ والزكاةُ وسائرُ العبادات أمانة الله تعالى. ورُوي هذا المعنى مرفوعاً من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلّها » تفسير : أو قال: « حديث : كلّ شيء إلا الأمانة ـ والأمانة في الصلاة ـ والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشدّ ذلك الودائع » تفسير : . ذكره أبو نعيم الحافظ في الحلية. وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب قالوا: الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس: لم يرخّص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة. قلت: وهذا إجماع. وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرارِ منهم والفجار؛ قاله ابن المنذر. والأمانة مصدر بمعنى المفعول فلذلك جُمع. ووجه النظم بما تقدّم أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقولهم: إن المشركين أهْدَى سبيلاً، فكان ذلك خيانة منهم فانجرّ الكلام إلى ذكر جميع الأمانات؛ فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي أعداد كثيرة كما ذكرنا. وأمهاتها في الأحكام: الوَدِيعة واللُّقَطَة والرهن والعارِيّة. وروى أُبَى بن كعب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تَخُن من خانك » تفسير : . أخرجه الدَّارَقُطْني. ورواه أنس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدّم في «البقرة» معناه. وروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حِجَة الوداع: « حديث : العارِيّة مؤدّاة والمِنْحة مردودة والدَّين مُقْضى والزّعِيم غارم » تفسير : . صحيح أخرجه الترمذي وغيره. وزاد الدّارَقُطْني. حديث : فقال رجل: فَعَهْدُ الله؟ قال: «عهد الله أحقُّ ما أُدّى» تفسير : . وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في ردّ الوديعة وأنها مضمونة ـ على كل حال كانت مما يغاب عليها أو لا يغاب تُعدّى فيها أو لم يُتعدّ ـ عطاءٌ والشافعي وأحمد وأشهب. ورُوي أن ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما ضمنا الوديعة. وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانا أو غيره مما لا يغاب عليه فتلِف عنده فهو مصدَّق في تَلفه ولا يضمنه إلا بالتّعدي. وهذا قول الحسن البصري والنَّخَعي، وهو قول الكوفيين والأوزاعي قالوا: ومعنى قوله عليه السلام: « حديث : العارِيَةُ مؤَدّاة » تفسير : هو كمعنى قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا}. فإذا تَلِفَت الأمانة لم يلزم المؤتمن غرمها لأنه مصدق؛ فكذلك العارية إذا تلفت من غير تَعدٍّ؛ لأنه لم يأخذها على الضمان، فإذا تلِفَت بتعدّيه عليها لزمه قيمتها لجنايته عليها. وروي عن علي وعمر وابن مسعود أنه لا ضمان في العارِيّة. وروى الدّارقُطْني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا ضمان على مؤتَمن » تفسير : . واحتج الشافعي فيما استدلّ به حديث : بقول صَفْوان للنبي صلى الله عليه وسلم لما استعار منه الأدراع: أعارِيّة مضمونة أو عارِيّة مؤدّاة؟ فقال: «بل عارية مؤدّاة».تفسير : الثانية ـ قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} قال الضحاك: بالبيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر. وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميعُ الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات. قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن المُقْسِطين يوم القيامة على منابَر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلوُا » تفسير : . وقال: « حديث : كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راعٍ على أهله وهو مسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه والعبد راعٍ على مال سيّده وهو مسؤول عنه ألاَ فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » تفسير : فجعل في هذه الأحاديث الصحيحة كلَّ هؤلاء رعاة وحكاماً على مراتبهم، وكذلك العالم الحاكم؛ لأنه إذا أفتى حكم وقضى وفصَل بين الحلال والحرام، والفرض والندب، والصحة والفساد، فجميع ذلك أمانة تؤدَّى وحكم يُقضَى. وقد تقدّم في «البقرة» القول في «نِعماً». {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} وصف الله تعالى نفسه بأنه سميع بصير يسمع ويرى؛ كما قال تعالى؛ { أية : إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } تفسير : [طه: 46] فهذا طريق السمع. والعقل يدل على ذلك؛ فإن انتفاء السمع والبصر يدل على نقيضهما من العَمى والصمم، إذ المحل القابل للضدّين لا يخلو من أحدهما، وهو تعالى مقدّس عن النقائص ويستحيل صدور الأفعال الكاملة من المتّصف بالنقائص؛ كخلق السمع والبصر ممن ليس له سمع ولا بصر. وأجمعت الأمة على تنزيهه تعالى عن النقائص. وهو أيضاً دليل سمعي يُكتفَى به مع نص القرآن في مناظرة من تجمعهم كلمة الإسلام. جَلَّ الرب تبارك وتعالى عما يتوهمه المتوهمون ويختلقه المفترون الكاذبون { أية : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } تفسير : [الصافات: 180].

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها. وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» تفسير : رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان؛ من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلوات والزكاة والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه، ولا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض؛ كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك، فأمر الله عز وجل بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا، أخذ منه ذلك يوم القيامة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك، فيقول: فأنى أؤديها، وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم، فيهوي إليها، فيحملها على عاتقه، قال: فتنزل عن عاتقه، فيهوي على أثرها أبد الآبدين. قال زاذان: فأتيت البراء فحدثته، فقال: صدق أخي، {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا}. وقال سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى، عن رجل عن ابن عباس في الآية، قال: هي مبهمة للبر والفاجر، وقال محمد بن الحنفية: هي مُسْجَلة للبر والفاجر. وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه. وقال ابن أبي حاتم. حدثنا أبو سعيد، حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها. وقال الربيع بن أنس: هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا}، قال: يدخل فيه وعظ السلطان النساء، يعني: يوم العيد، وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية، وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، فكان معه لواء المشركين يوم أحد، وقتل يومئذ كافراً، وإنما نبهنا على هذا النسب؛ لأن كثيراً من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح، ثم رده عليه. وقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة، واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعاً على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكنَّ له الناس في المسجد، قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة، فقال: «حديث : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج» تفسير : وذكر بقية الحديث في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ، إلى أن قال: ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب، ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أين عثمان بن طلحة؟» تفسير : فدعي له، فقال له: «حديث : هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر» تفسير : قال ابن جرير: حدثني القاسم، حدثنا الحسين عن حجاج، عن ابن جريج في الآية، قال: نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة، فدخل في البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} الآية، فدعا عثمان إليه، فدفع إليه المفتاح، قال: وقال عمر بن الخطاب، لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة، وهو يتلو هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا}: فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك. حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الزنجي بن خالد عن الزهري قال: دفعه إليه، وقال: «حديث : أعينوه» تفسير : وروى ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، دعا عثمان بن طلحة، فلما أتاه، قال: «حديث : أرني المفتاح»تفسير : ، فأتاه به، فلما بسط يده إليه، قام إليه العباس، فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أرني المفتاح يا عثمان» تفسير : فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فهاتني المفتاح» تفسير : فقال: هاك بأمانة الله، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، معه قداح يستقسم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما للمشركين قاتلهم الله، وما شأن إبراهيم وشأن القداح»تفسير : ؟ ثم دعا بجفنة فيها ماء، فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة، فألزقه في حائط الكعبة، ثم قال: «حديث : يا أيها الناس هذه القبلة»تفسير : ، قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف في البيت شوطاً أو شوطين، ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} حتى فرغ من الآية، وهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا، فحكمها عام، ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر، أي: هي أمر لكل أحد، وقوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب: إن هذه الآية إنما نزلت في الأمراء، يعني: الحكام بين الناس، وفي الحديث: «حديث : إن الله مع الحاكم ما لم يجر، فإذا جار، وكله الله إلى نفسه»تفسير : ، وفي الأثر: «حديث : عدل يوم كعبادة أربعين سنة»تفسير : ، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} أي: يأمركم به؛ من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس، وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} أي: سميعاً لأقوالكم، بصيراً بأفعالكم، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقْرأ هذه الآية: {سَمِيعاً بَصِيراً} يقول: «حديث : بكل شيء بصير» تفسير : وقد قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يحيى بن عبدك القزويني، أنبأنا المقرىء يعني: أبا عبد الرحمن عبد الله ابن يزيد، حدثنا حرملة، يعني: ابن عمران التجيبي المصري، حدثني أبو يونس، سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه، ويقول: هكذا سمعت رسول الله يقرؤها، ويضع إصبعيه. قال أبو زكريا: وصفه لنا المقرىء، ووضع أبو زكريا إبهامه اليمنى على عينه اليمنى، والتي تليها على الأذن اليمنى، وأرانا، فقال: هكذا وهكذا، رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وابن مردويه في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن المقرىء بإسناده نحوه. وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة، واسمه سليم بن جبير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَٰنَٰتِ } أي ما اؤتمَن عليه من الحقوق {إِلَى أَهْلِهَا } نزلت لما أخذ عليّ رضي الله عنه مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة الحجبي سادنها قسراً لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح ومنعه وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بردِّه إليه وقال(هاك خالدة تَالدة) فعجب من ذلك فقرأ له علي الآية فأسلم وأعطاه عند موته لأخيه (شيبة) فبقي في ولده، والآية وإن وردت على سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } يأمركم {أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا } فيه إدغام ميم «نِعْمَ» في «ما» النكرة الموصوفة أي (نعم شيئاً) {يَعِظُكُمْ بِهِ } تأدية الأمانة والحكم بالعدل {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً } لما يقال {بَصِيراً } بما يفعل.

الشوكاني

تفسير : هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع؛ لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات، وقد روي عن علي، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين، والأوّل أظهر، وورودها على سبب، كما سيأتي، لا ينافي ما فيها من العموم، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما تقرر في الأصول، وتدخل الولاة في هذا الخطاب دخولاً أوّليا، فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات، وردّ الظلامات، وتحرّي العدل في أحكامهم، ويدخل غيرهم من الناس في الخطاب، فيجب عليهم ردّ ما لديهم من الأمانات، والتحري في الشهادات والأخبار. وممن قال بعموم هذا الخطاب: البراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، واختاره جمهور المفسرين، ومنهم ابن جرير، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر. والأمانات جمع أمانة، وهي: مصدر بمعنى المفعول. قوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ } أي: وإن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. والعدل: هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء، إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل؛ لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلاً عن أن يحكم بها بين عباد الله. قوله: {نِعِمَّا } "ما" موصوفة أو موصولة، وقد قدّمنا البحث في مثل ذلك. وقد أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، وقبض مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، فنزل جبريل عليه السلام بردّ المفتاح، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة، وردّه إليه، وقرأ هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن عساكر، عن ابن جريج: أن هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة لما قبض منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة، فدعاه، ودفعه إليه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة، عن علي قال: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، فحقّ على الناس أن يسمعوا له، وأن يطيعوا، وأن يجيبوا إذا دعوا. وأخرج أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أدّ الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك»تفسير : وقد ثبت في الصحيح أن من خان إذا اؤتمن، ففيه خصلة من خصال النفاق.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} في المعني بذلك أربعة أقاويل: أحدها: أنه عَنَى وُلاَةَ أمور المسلمين، وهذا قول شهر بن حَوْشَبٍ، ومكحول، وزيد بن أسلم. والثاني: أنه أمر السلطان أن يعظ النساء، وهذا قول ابن عباس. والثالث: أنه خُوْطِبَ بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في عثمان بن أبي طلحة، أن يرد عليه مفاتيح الكعبة، وهذا قول ابن جريج. والرابع: أنه في كل مَؤْتَمنٍ على شيء، وهذا قول أُبَيّ بن كعب، والحسن، وقتادة. وقد روى قتادة عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أَدِّ الأَمَانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَك ".

ابن عطية

تفسير : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب، وابن زيد: هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة. قال القاضي أبو محمد: فهو للنبي عليه السلام وأمرائه، ثم يتناول من بعدهم، وقال ابن جريج وغيره: ذلك خطاب للنبي عليه السلام في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فطلبه العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية، فدخل رسول الله الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام إبراهيم، ونزل عليه جبريل بهذه الآية، قال عمر بن الخطاب: وخرج رسول الله وهو يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبل منه. فدعا عثمان وشيبة، فقال لهما: خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، وحكى مكي أن شيبة أراد أن لا يدفع المفتاح، ثم دفعه وقال للنبي عليه السلام: خذه بأمانة الله. قال القاضي أبو محمد: واختلف الرواة في بعض ألفاظ هذا الخبر، زيادة ونقصاناً، إلا أنه المعنى بعينه، وقال ابن عباس: الآية في الولاة بأن يعظوا النساء في النشوز ونحوه، ويردوهن إلى الأزواج، والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس، ومع أن سببها ما ذكرناه تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات وعدل الحكومات وغيره، وتتناولهم ومن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة والصيام وسائر العبادات أمانات لله تعالى، وقال ابن عباس: لم يرخص الله لموسرٍ ولا معسر أن يمسك الأمانة، و {نعما} أصله نعم ما، سكنت الأولى وأدغمت في الثانية وحركت العين لالتقاء الساكنين، وخصت بالكسر اتباعاً للنون، و "ما" المردفة على "نعم" إنما هي مهيئة لاتصال الفعل بها كما هي في "ربما ومما" في قوله: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يحرك شفتيه، وكقول الشاعر: [الطويل] شعر : وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ تفسير : ونحوه، وفي هذا هي بمنزلة "ربما" وهي لها مخالفة في المعنى، لأن " ربما" معناها: التقليل، و"مما" معناها التكثير، ومع أن "ما" موطئة فهي بمعنى "الذي" وما وطأت إلا وهي اسم، ولكن القصد إنما هو لما يليها من المعنى الذي في الفعل، وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالسمع والبصر، لأنها في الشاهد محصلات ما يفعل المأمور فيما أمر به. وقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله} لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة، تقدم في هذه إلى الرعية، فأمر بطاعته عز وجل، وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله، وطاعة الأمراء على قول الجمهور: أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم، فالأمر على هذا التأويل إشارة إلى القرآن والشريعة، أي: أولي هذا الأمر، وعن عبد الله ومجاهد وجماعة: أولو الأمر: أهل القرآن والعلم، فالأمرعلى هذا التأويل أشار إلى القرآن والشريعة، أي: أولي هذا الأمر وهذا الشأن وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال: الإشارة هنا بـ {أولي الأمر} إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وحكي عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر خاصة، وفي هذا التخصيص بعد، وحكى بعض من قال: إنهم الأمراء أنها نزلت في أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عمار بن ياسر، وأميرها خالد بن الوليد، فقصدوا قوماً من العرب، فأتاهم نذير فهربوا تحت الليل. وجاء منهم رجل إلى عسكر خالد، فدخل إلى عمار فقال: يا أبا اليقظان، إن قومي قد فروا، وإني قد أسلمت، فإن كان ينفعني إسلامي بقيت، وإلا فررت، فقال له عمار: هو ينفعك، فأقم، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد سوى الرجل المذكور فأخده وأخذ ماله، فجاء عمار فقال: خل عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني، فقال خالد: وأنت تجير؟ فاستبّا وارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير، واستبّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد: يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : يا خالد لا تسب عماراً، فإنه من سب عماراً سبه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله، ومن لعن عماراً لعنه الله، تفسير : فغضب عمار، فقام فذهب، فتبعه خالد حتى اعتذر إليه فتراضيا، فأنزل الله عز وجل قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وطاعة الرسول هي اتباع سنته، قاله عطاء وغيره، وقال ابن زيد: معنى الآية {وأطعيوا الرسول}. قال القاضي أبو محمد: يريد "وسنته" بعد موته، المعنى: {فإن تنازعتم} فيما بينكم أو أنتم وأمراؤكم، ومعنى التنازع أن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها، والرد إلى الله: هو النظر في كتابه العزيز، والرد إلى الرسول: هو سؤاله في حياته والنظر في سنته بعد وفاته عليه السلام، هذا قول مجاهد والأعمش وقتادة والسدي، وهو الصحيح، وقال قوم: معناه قولوا: الله ورسوله أعلم، فهذا هو الرد، وفي قوله: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} بعض وعيد، لأن فيه جزاء المسيء العاتي، وخاطبهم بـ {إن كنتم تؤمنون} وهم قد كانوا آمنوا، على جهة التقرير، ليتأكد الإلزام، و {تأويلاً} معناه: مآلاً على قول جماعة، وقال مجاهد: أحسن جزاء، قال قتادة والسدي وابن زيد: المعنى أحسن عاقبة، وقالت فرقة: المعنى أن الله ورسوله أحسن نظراً وتأولاً منكم إذا انفردتم بتأولكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} في ولاة أمور المسلمين، أو السلطان أن يعظ النساء أو للرسول صلى الله عليه وسلم أن يرد مفاتيح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، أو لكل مؤتمن على شيء.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أن اقتلوا} بكسر النون لالتقاء الساكنين: أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ويعقوب. الباقون: بالضم نقلاً لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها {أو اخرجوا} بكسر الواو للساكنين: عاصم وسهل وحمزة. الباقون: بالضم {إلاّ قليلاً} بالنصب: ابن عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلاّ فعلاً أو أبوا إلاّ قليلاً. الباقون: بالرفع على البدل وهو أكثر. الوقوف: {إلى أهلها} لا لأن التقدير يأمركم أن تؤدوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس. {بالعدل} ط {يعظكم به} ط {بصيراً} ه {منكم} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب {واليوم الآخر} ط {تأويلاً} ه {أن يكفروا به} ج {بعيداً} ه {صدوداً} ه ج للآية مع فاء التعقيب {يحلفون} قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون. {وتوفيقاً} ه {بليغاً} 5 {بإذن الله} ط {رحيماً} 5 {تسليماً} 5 {قليل منهم} ط {تثبيتاً} 5 لا {عظيماً} لا لأن ما بعده من تتمة جواب "لو". {مستقيماً} ه {والصالحين} ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى {رفيقاً} ه {من الله} ط {عليماً} ه. التفسير: لما شرح بعض أحوال الكفار عاد إلى ذكر التكاليف. وأيضاً لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق وقالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات. وأيضاً قد وعد في الآية السابقة الثواب العظيم على الأعمال الصالحات وكان من أجلها الأمانة فقال: {إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} روي حديث : أن عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان. فطلب منه فأبى فقال: لو علمت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أمنعه. فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى ركعتين. فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له مع السقاية السدانة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفعه إلى العباس ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس معك نصيباً فأنزل الله هذه الآية. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي رضي الله عنه فقال له عثمان: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك فقرأ عليه هذه الآية. فقال عثمان: أشهد / أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأسلم. فجاء جبريل عليه لاسلام وقال: ما دام هذا البيت كان المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وقال: خذوها يا بني طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلاّ ظالمتفسير : . ثم إنّ عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة وهو اليوم في أيديهم. ثم نزول الآية عند هذه القصة لا يوجب خصوصها بها ولكنها تعم جميع أنواع الأمانات. فأولها الأمانة مع الرب تعالى في كل ما أمر به ونهى عنه. قال ابن مسعود: الأمانة في الكل لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم. وعن ابن عمر أنه تعالى خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلاّ بحقها وهذا باب واسع. فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء. ثم الأمانة مع سائر الخلق ويدخل فيه رد الودائع وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم في دنياهم ودينهم ويمنعوهم عن العقائد الباطلة والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب للصاحب، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد والأمانة مع نفسه بأن لا يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب اللذات الفانية، في التبعات الدائمة. وقد عظم الله تعالى أمر الأمانة في مواضع من كتابه {أية : إنا عرضنا الأمانة} تفسير : [الأحزاب:72] {أية : والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} تفسير : [المؤمنون:8] وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : ألا لا إيمان لمن لا أمانة له " تفسير : والأمانة مصدر سمي به المفعول ولذلك جمع. ثم لما أمر بأداء ما وجب لغيرك عليك أمر باستيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض إذا كنت بصدد الحكم فقال: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} وفي قوله: {وإذا حكمتم} تصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم والقضاء. وقد عدّ العلماء من شروط النيابة العامة: الإسلام والعقل والبلوغ والذكورة والحرية والعدالة والكفاية وأهلية الاجتهاد بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام من كتاب الله وسنة رسوله. ويعرف منهما العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد والمسند والمرسل وحال الرواة، ويعرف أقاويل الصحابة ومن بعدهم إجماعاً وخلافاً، وجلي القياس وخفية وصحيحه وفاسده، ويعرف لسان العرب لغة وإعراباً خصوصاً وعموماً إلى غير ذلك مما له مدخل في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها ومظانها. وكفى بما في هذا المنصب من الخطر أنه منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين / من بعده، فعلى المتصدي لذلك أن يتأدب بآدابهم ويتخلق بأخلاقهم وإلا فالويل له. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجاء بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين قط "تفسير : وإذا كان حال العادل هكذا فما ظنك بالجائر؟ وعنه "حديث : ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة؟ فيجتمعون كلهم حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجمعون ويلقون في النار"تفسير : {إن الله نعماً يعظكم به} المخصوص بالمدح محذوف و "ما" موصولة أو مبهمة موصوفة والتقدير: نعم الذي أو نعم شيئاً يعظكم به ذلك المأمور من أداء الأمانات والحكم بالعدل {إنّ الله كان سميعاً بصيراً} يسمع كيف تحكمون ويبصر كيف تؤدون، وفيه أعظم أسباب الوعد للمطيع وأشد أصناف الوعيد للعاصي. ثم إنه سبحانه أمر الرعاة بطاعة الولاة كما أمر الولاة في الآية المتقدمة بالشفقة على الرعاة فقال: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله} الآية. عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا. قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة. وقالت الأشاعرة: الطاعة موافقة الأمر. ولا نزاع أن موافقة الأمر طاعة إنما النزاع في أن المأمور به كإيمان أبي لهب هل يكون مراداً أم لا. فعند الأشاعرة الأمر قد يوجد بدون الإرادة لئلا يلزم الجمع بين الضدين في تكليف أبي لهب مثلاً بالإيمان. وعند المعتزلة لا يأمر إلا بما يريد والخلاف بين الفريقين مشهور. قال في التفسير الكبير: هذه آية مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن أصول الشريعة أربعة: الكتاب والسنة وأشار إليهما بقوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} وليس العطف للمغايرة الكلية، ولكن الكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا محالة. والسنة تدل على أمر الرسول ثم يعلم منه أمر الله. والإجماع والقياس. وأشير إلى الإجماع بقوله: {وأولي الأمر} لأنه تعالى أمر بطاعتهم على سبيل الجزم. ووجب أن يكون معصوماً لأن لو احتمل إقدامه على الخطا والخطأ منهي عنه لزم اعتبار اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد وإنه محال. ثم ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعضها على ما يقوله الشيعة من أن المراد بهم الأئمة المعصومون، أو على ما زعم بعضهم أنهم الخلفاء الراشدون، أو على ما روي عن سعيد بن جبير وابن عباس أنهم أمراء السرايا كعبدالله بن حذافة السهمي أو كخالد بن الوليد إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وكان معه عمار بن ياسر فوقع بينهما خلاف فنزلت الآية. أو على ما روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك أنهم العلماء الذين يفتون بالأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم لكنه لا سبيل إلى الثاني. أما ما زعمه الشيعة فلأنا نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة / الإمام المعصوم والاستفادة منه، فلو وجب علينا طاعته على الإطلاق لزم تكليف ما لا يطاق ولو وجب علينا طاعته إذا صرنا عارفين به وبمذهبه صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق على أن طاعة الله وطاعة رسوله مطلقة. فلو كانت هذه الطاعة مشروطة لزم أن تكون اللفظة الواحدة مطلقة ومشروطة معاً وهو باطل. وأيضاً الإمام المعصوم عندهم في كل زمان واحد، ولفظ أولي الأمر جمع. أيضاً إنه قال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} وعلى هذا ينبغي أن يقال: فردوه إلى الأمام. وأما سائر الأقوال فلا نزاع في وجوه طاعتهم، لكنه إذا علم بالدليل أن طاعتهم حق وصواب. وذلك الدليل ليس الكتاب والسنة فلا يكون هذا قسماً منفصلاً كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول. أما إذا حملناه على إجماع أهل الحل والعقد لم يكن هذا داخلاً فيما تقدم إذ الإجماع قد يدل على حكم لا يوجد في الكتاب والسنة. وأيضاً قوله: {فإن تنازعتم في شيءٍ} مشعر بإجماع تقدم يخالف حكمه حكم التنازع. وأيضاً طاعة الأمراء والخلفاء مشروطة بما إذا كانوا على الحق، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق. وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء. فالمراد بقوله: {وأولي الأمر} ما اجتمعت الأمة عليه وهو المدعى. وأما القياس فذلك قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} إذ ليس المراد من رده إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة والإجماع وإلا كان تكراراً لما تقدم، ولا تفويض علمه إلى الله ورسوله والسكوت عنه لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل الإهمال وتفتقر إلى قطع مادة الشغب ولاخصومة فيها بنفي أو إثبات، ولا الإحالة على البراءة الأصلية فإنها معلومة بحكم العقل، فالرد إليها لا يكون رداً إلى الله والرسول فإذاً المراد ردها إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة لها وهذا معنى القياس، فحاصل الآية الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول، ثم لما سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجهاً من نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب. ثم في إطلاق الآية دلالة على أن الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً، وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس. وقد اعتبر هذا الترتيب أيضاً في قصة معاذ واستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف لا والقرآن مقطوع في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان. وقد أجمع العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: {أية : إذ قلنا / للملائكة اسجدوا} تفسير : [البقرة:34] بقياس هو قوله: {أية : خلقتني من نار وخلقته من طين} تفسير : {ص:76] فاستحق اللعن إلى يوم الدين. والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على النص وفيه ما فيه. ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: {أطيعوا} يدل على وجوب الطاعة وإن كان للندب، فههنا يدل على الوجوب ظاهراً لأنه ختم الأوامر بقوله: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع الأوامر لا في قوله:{فردوه} وحده. وأيضاً مجرد الندبية وهو أولوية الفعل معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة، فيحمل على المنع من الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب. ثم هذا الوجوب يكون دائماً إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكور. فلو حملناه على العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة، والمبين أولى من المجمل. وأيضاً تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلهاً والإلهية دائمة فالوجوب دائم. وإنما كرر لفظ {أطيعوا} للفصل بين اسم الله تعالى وبين المخلوقين، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر. ومن إطلاق قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه} أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضاً. والمراد بالتنازع قال الزجاج:هو الاختلاف وقول كل فريق القول قولي كأن كل واحد منهما ينزع الحق إلى جانبه {ذلك} الرد أو المأمور به في الآية {خير وأحسن تأويلاً} أي عاقبة من آل الشيء إذا رجع. وقيل: الرد إلى الكتاب والسنة خير مما تأولون أنتم. ثم إنه تعالى لما أوجب على المكلفين طاعته وطاعة رسوله، وذكر أن المنافقين الذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ولا يرضون بحكمه فقال: {ألم تر إلى الذين يزعمون} الآية. قال الليث: قولهم زعم فلان معناه لا نعرف أنه صدق أو كذب ومنه زعموا مطية الكذب. وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية الكذب بالاتفاق. قال أبو مسلم: ظاهرالآية يدل على أن الزاعم كان منافقاً من أهل الكتاب مثل أن يكون يهودياً أظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله تعالى: {يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} إنما يليق بمثل هذا المنافق. أما سبب النزول ففيه وجوه. والذي عليه أكثر المفسرين ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس حديث : أن رجلاً من المنافقين يسمى بشراً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وذلك أن اليهودي كان محقاً وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقضي إلا بالحق لجلالة منصبه عن قبول الرشوة، وكان كعب يبطل الحقوق بالرشا، فما زال اليهودي بالمنافق حتى ذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي. فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب. فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال لهما: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله وهرب اليهودي فنزلت الآية. وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت الفاروقتفسير : . وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف. وقال السدي: حديث : كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيرياً قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا كان بالعكس لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً من تمر. وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج. فقتل نضيري قرظياً واختصموا في ذلك. فقال بنو النضير: لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقاً من تمر على ما اصطلحنا عليه. وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا. فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي. وقال المسلمون: لا بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي برزة ليحكم بينهم فقال: أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا: لك عشرة أوسق. فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف إن نفرت النضيري قتلتني قريضة، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير. فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله هذه الآية. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابنيه: أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبداً فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى: ألا إن كاهن أسلم قد أسلمتفسير : . وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن. وقال الحسن: إنّ رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالطاغوت ذلك الرجل. وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون القداح بحضرته، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن. ثم إن الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه تعالى جعل التحاكم إليه مقابلاً للكفر به، لكن الكفر به إيمان بالله وبرسوله فيكون نصاً في تكفير من لم يرض بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم تشككاً أو تمرداً ويؤكده قوله بعد ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك} الآية. ومن هنا ذهب كثير من الصحابة إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم. ثم قال: {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً} / فاحتجت المعتزلة به على أن كفر الكافر ليس بخلق الله وإلا لم يتوجه الذم على الشيطان ولم يحصل التعجب والتعجيب فإن لقائل أن يقول: إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم بل التعجب من هذا التعجب أولى وقد عرفت الجواب مراراً. قوله: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم} فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الحسن واختاره الواحدي - أنه جملة معترضة وأصل النظم {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً} {ثم جاؤك} يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ثم بعد ذلك يجيؤونك ويحلفون كذباً على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق. ووجه الاعتراض أنه حكى عنهم التحاكم إلى الطاغوت وأنهم يصدون، ثم أتبعها ما يدل على شدة أحوالهم بسبب أعمالهم القبيحة في الدنيا والآخرة. والثاني أنه متصل بما قبله لا على وجه الاعتراض والمعنى أنه إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا فكيف تكون نفرتهم إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ثم جاؤك كراهاً يحلفون بالله على سبيل الكذب ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة؟ أما المصيبة فقيل: إنها قتل عمر صاحبهم فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح وهو اختيار الزجاج. وقال الجبائي: هي ما أمر الله رسوله بها من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ويخصهم بمزيد الإذلال، والمعنى ثم جاؤك في وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون ما أردنا بما كان منا من مواساة الكفار إلا إصلاح الحال. وقال أبو مسلم: إنه تعالى بشر رسوله أن المنافقين سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا الأيمان. ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا. ومعنى الإحسان والتوفيق ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحساناً بين الخصوم وائتلافاً بينهم فإنهم لا يقدرون عند الرسول أن يرفعوا أصواتهم ويبينوا حججهم، أو ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به، وعلى هذا لا يبقى للحلف مناسبة ظاهرة. أو ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق المرّ وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل بينهم الموافقة. ثم أخبر الله سبحانه بما في ضمائرهم من الدغل والنفاق فقال: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} وذلك أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا يعلمه إلا الله يعني أنه لكثرته وعظم حاله لا يقدر أحد على معرفته إلا هو. ثم علّم نبيه كيف يعاملهم فأمره بثلاثة / أشياء: الأول الإعراض عنهم والمراد به أنه لا يقبل منهم ذلك العذر ويستمر على السخط، أو أنه لا يهتك سترهم ولا يظهر لهم أنه عالم بكنه ما في بواطنهم من النفاق لما فيه من حسن العشرة والحذر من آثار الفتنة. الثاني أن يعظهم فيزجرهم عن النفاق بالتخويف من عذاب الدارين. الثالث قوله: {وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} وفيه وجوه: أحدها أن في الآية تقديماً وتأخيراً. والمعنى قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف. الثاني وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً هو أن الله يعلم ما في قلوبكم فلن يغني عنكم الإخفاء، فطهروا قلوبكم عن دنس النفاق وإلا فسينزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ. الثالث قل لهم في أنفسهم خالياً بهم مساراً لهم بالنصيحة فإن النصح بين الملأ تقريع وفي السر أنفع وأنجع، قولاً يؤثر فيهم. وقيل: القول البليغ يتعلق بالوعظ وهو أن يكون كلاماً حسناً وجيز المباني غزير المعاني يدخل الأذن بلا إذن، مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار. ثم رغب مرة أخرة في طاعة الرسول فقال: {وما أرسلنا من رسول} أكثر النحاة على أن "من" صلة تفيد تأكيد النفي والتقدير: وما أرسلنا رسولاً. وقيل: المفعول محذوف والتقيدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحداً. قال الجبائي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان مذهب المجبرة لكونها صريحة في أن معصية الناس غير مرادة لله تعالى. والجواب أن إرسال الرسل لأجل الطاعة لا ينافي كون المعصية مرادة لله تعالى، على أن قوله: {بإذن الله} أي بتيسيره وتوفيقه وإعانته يدل على أن الكل بقضائه وقدره، وكذا لو كان المراد بسبب إذن الله في طاعة الرسول. قيل: في الآية دلالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة فإنه لو دعا إلى شرع من قبله لكان المطاع هو ذلك المتقدم،وفيها دلالة على أن الرسل معصومون عن المعاصي وإلا لم يجب اتباعهم في جميع أقوالهم وأفعالهم {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} بالتحاكم إلى الطاغوت {جاؤك} تائبين عن النفاق متنصلين عما ارتكبوا {فاستغفروا الله} من رد قضاء رسوله {واستغفر لهم الرسول} انتصب شفيعاً لهم إلى الله بعد اعتذارهم إليه من إيذائه برد قضائه {لوجدوا الله} لعلموه {تواباً رحيماً} ولم يقل: "واستغفرت لهم" لما في الالتفات عن الخطاب إلى ذكر الرسول تنبيه على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان، فالآية على هذا التفسير من تمام ما قبلها. وقال أبو بكر الأصم: حديث : نزلت في قوم من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا عليه لذلك الغرض فأتاه جبريل فأخبره به فقال صلى الله عليه وسلم: إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه فليقوموا فليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا. فقال: ألا يقومون فلم يفعلوا فقال صلى الله عليه وسلم: قم يا فلان حتى عدّ اثني عشر رجلاً منهم فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت / ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا. فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة. اخرجوا عنيتفسير : . {فلا وربك لا يؤمنون} عن عطاء ومجاهد والشعبي أنها من تمام قصة اليهودي والمنافق. وعن الزهري عن عروة بن الزبير حديث : أنها نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة، والشرج مسيل الماء كانا يسقيان بها النخل فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب حاطب. وقال: إن كان ابن عمتك؟ وذلك أن أم الزبير صفية بنت عبد المطلب. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر تفسير : يعني الجدار الذي يحيط بالمزرعة وهو أصغر من الجدار حديث : واستوف حقك ثم أرسله إلى جاركتفسير : . واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي. والرسول صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمره به الرسول صلى الله عليه وسلم من المسامحة لأجله أمره باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق. وفي قوله: {فلا وربك} قولان: أحدهما أن "لا" صلة لتأكيد معنى القسم والتقدير فوربك. والثاني أنها مفيدة وعلى هذا ففيه وجهان: الأول أنه يفيد نفي أمر سبق والتقدير ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم بقوله: {وربك لا يؤمنون}. الثاني أنها لتوكيد النفي الذي جاء في الجواب، وهذا الوجه لا يتمشى فيما إذا كان الجواب مثبتاً. ومعنى شجر اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه، والتشاجر التنازع لاختلاط كلام بعضهم ببعض، والحرج الضيق أو الشك لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين {ويسلموا} وينقادوا. يقال: سلم لأمر الله أي سلم نفسه له وجعلها خالصة لحكمه ومن التعليمية من تمسك بالآية في أنه لا يحصل الإيمان إلا بإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم وهدايته والنزول على حكمه وقضائه في كل أمر ديني، ومنع بأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور فإذن الحكم غير كلي والتقليد في جميع الأحكام غير مرضي. واعلم أن الرضا بتحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون رضا في الظاهر دون القلب فلهذا قال: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت} وهو الجزم بأن ما حكم به الرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق والصدق، ثم من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقاً وصدقاً فقد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول فعدم الحرج إشارة إلى الانقياد في الباطن والتسليم إشارة إلى الانقياد في الظاهر. وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عن الخطأ في الفتاوى والأحكام، وعلى أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس وإلاّ كان في النفس حرج. قالت المعتزلة: لو كانت المعاصي بقضاء الله تعالى لزم التناقض لأن الرضا بقضائه واجب فالرضا بالمعاصي واجب، / لكن الرسول قد نهى عنها فيجب أن يحصل الرضا في تركها ويلزم الرضا بالفعل والترك معاً وهو محال. وأجيب بأن المراد من قضاء الله التكوين والإيجاد. فالرضا بقضائه أن يعتقد كون الكل بإيجاده، والمراد من الرضا بقضاء الرسول أن يلتزم ما حكم به ويتلقى بالبشر والقبول فأين ذاك من هذا. قوله: {ولو أنا كتبنا عليهم} حديث : روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟ فقال حاطب: قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا. فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسيتفسير : . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية. فالضمير في قوله: {عليهم} يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم. عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} من الانقياد والطاعة لله ولرسوله. وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب {لكان خيراً لهم} أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن {خيراً} يستعمل بالوجهين جميعاً. {وأشد تثبيتاً} أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل. وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه. ثم بين أن ما يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضاً مستعقب للخير فقال: {وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً} وثواباً جزيلاً. "وإذاً" جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما يكون لهم بعد الخير والتثبيت؟ فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً. وفي إيراد صيغة التعظيم في {آتينا} و {لدنا} وفي قوله: {من لدنا} وفي وصف الأجر بالعظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى. والصراط المستقيم الدين الحق أو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة وهذا أولى لأنه مذكور بعد استحقاق الأجر. ثم أكد أمر / الطاعة بقوله: {ومن يطع الله والرسول} ولا شك أن الآية عامة في جميع المكلفين إلاّ أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها وجوهاً. قال الكلبي: حديث : نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن. فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حريّ أن لا أراك أبداًتفسير : . وقال مقاتل: حديث : نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة فأنزل الله هذه الآية. فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أتى الأنصاري ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده فعمي مكانهتفسير : . وقال السدي: حديث : إن ناساً من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع تفسير : فنزلت. وليس المراد من كون المطيعين مع المذكورين في الاية أن كلهم في درجة واحدة فإن ذلك يقتضي التسوية بين الفاضل والمفضول وإنه محال، ولكن المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، أو إذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا على ذلك. والتحقيق فيه أن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع بل ينعكس بعضها على بعض ويتقوى بعضها ببعض كالمرايا المجلوة المتقابلة. {أية : إخواناً على سرر متقابلين} تفسير : [الحجر:47]. ثم إنه تعالى ذكر أصنافاً أربعة: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك في تغايرها متداخلة كانت أو متباينة. والمراد بالتداخل أن لا يمتنع كون كل مقام متقدم موصوفاً بما يتلوه كأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صديقاً وشهيداً وصالحاً، أو الصديق شهيداً وصالحاً، وقد مر تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل البقرة، وأما الصديق فمبالغة الصادق وهو من غلب على أقواله الصدق وإنه لخصلة مرضية في جميع الأديان ومحققة للنطق الذي هو من مقومات الإنسان، وكفى به منقبة أن الإيمان ليس إلا التصديق، وكفى بنقيضه مذمة أن الكفر ليس سوى التكذيب. وذكر المفسرون أكثرهم أن الصديقين في الآية كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك لقوله تعالى: {أية : والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} تفسير : [الحديد:19] وقال قوم: هم أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخصصه بعضهم بمن سبق إلى تصديق الرسول فصار في ذلك قدوة الناس كأبي بكر وعلي وأمثالهما، ولا واسطة بين الصديق والنبي ولذلك قال في هذه الآية: {مع النبيين / والصديقين} وفي صفة إبراهيم {أية : إنه كان صديقاً نبياً} تفسير : [مريم:41] يعني أنك إن ترقيت من الصديقين وصلت إلى النبوة وإن نزلت من النبوة وصلت إليهم. وأما الشهداء فالمراد ههنا أعم من المقتولين بسيف الكفار من المسلمين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول من قتل في سبيل الله. قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل. من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات بالبطن فهو شهيدتفسير : . وفي رواية "حديث : ومن مات بجمع فهو شهيد"تفسير : وقيل: هو الذي يشهد لصحة دين الله تارة بالحجة واليان وأخرى بالسيف والسنان. وأقول: لا يبعد أيضاً أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس} تفسير : [البقرة:143]. وأما الصالحون فالصالح هو الذي صلح في اعتقاده وفي عمله وهذه مرتبة لا ينبغي أن تنحط عنها مرتبة المؤمن. ثم قال في معرض التعجب {وحسن أولئك رفيقاً} كأنه قيل: وما أحسن أولئك. والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه وانتصابه على الحال، ويجوز أن يكون مفرداً بيّن به الجنس في باب التمييز. وقيل: معناه حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال {أية : يخرجكم طفلاً} تفسير : [الحج:5] والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل فسمي الصاحب رفيقاً لارتفاقك به وتصحيبه، ومن الرفقة في السفر لارتفاق بعضهم ببعض. وقد يكون الإنسان مع غيره ولا يكون رفيقاً له فبيّن الله تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون كالرفقاء للمطيع من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته. {ذلك} مبتدأ و{الفضل} صفته و{من الله} خبره، أو {ذلك} مبتدأ و{الفضل من الله} خبره. قالت المعتزلة: ذلك إشارة إلى الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الأنبياء وهذا شيء تفضل الله به عليهم تبعاً لثوابهم الواجب على الله. أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ولولا أنه أعطى العقل والقدرة وأزاح الأحذار والموانع لم يتمكن المكلف من فعل الطاعة فصار ذلك بمنزلة من وهب غيره ثوباً لينتفع به فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب. وقال أهل السنة: ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم ولا يجب على الله شيء ألبتة بل الثواب كله فضل من الله، وكيف يجب عليه شيء وإنه هو الذي خلق القدرة والداعية؟ وأيضاً الوجوب عبارة عن استحقاق الذم عند الترك وأنه ينافي الإلهية. وأيضاً كل ما فرض من الطاعات فإنه في مقابلة النعم السالفة التي لا تعدّ ولا تحصى فيمتنع كونها موجبة الثواب في المستقبل. معنى الآية أن ذلك الثواب بكمال درجته كأنه هو الفضل وما عداه غير معتمد / عليه وذلك الثواب المذكور هو من الله لا من غيره. {وكفى بالله عليماً} بالطاعة وكيفية الثواب عليها، وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه. التأويل: الوجود المجازي أمانة من الله تعالى كما أنّ وجود الظل أمانة من الشمس فلا جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان العزة: {إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى اهلها} فتلاشت الظلال واضمحلّت الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله: {أية : ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال} تفسير : [الرعد:15]. {وإذا حكمتم} بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء {يا أيها الذين آمنوا} الخطاب مع القلب والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، وطاعة الروح أن لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود. أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما قال صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد: حديث : استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك المفتون. تفسير : {وأولي الأمر منكم} يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم. {فإن تنازعتم في شيء} يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنّة نزاعاً من قصور الفهم والدراية {فردوه إلى الله} لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب {وإلى رسول} وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق. ثم يخبر عن حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال بقوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون} الآية. أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو سياسة من السلطان. {فلا وربك لا يؤمنون} فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت آراؤهم وتحيّرت عقولهم {ثم لا يجدوا} {في} مرآة {أنفسهم} صورة كراهة من القضاء الأزلي والأحكام الإلهية. والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، والصالحين الذين لهم صلوح الولاية {وحسن أولئك رفيقاً} في سلوك طريق الحق والله المستعان.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا...} الآية: قال ابنُ جُرَيْج وغيره: الآيةُ خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في أمر مِفْتَاحِ الكَعْبَةِ حين أخذه من عُثْمَانَ بْنِ طَلْحة، ومن ٱبْنِ عَمِّه شَيْبَة، فطلبه العَبَّاس بْنُ عَبْدِ المطَّلب؛ لِيُضِيفَ السَّدَانَةَ إلى السِّقاية، فدخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكعبةَ، وكَسَرَ ما كَانَ فيها من الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقَامَ إبراهيمَ، وَنَزَلَ عليه جِبْرِيلُ بهذه الآية، قال عمر ابنُ الخَطَّاب: فخرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأُ هذه الآيةَ، وما كُنْتُ سَمْعْتُهَا قَبْلُ مِنْهُ، فَدَعَا عُثْمَانَ وشَيْبَةَ، فَقَالَ لَهُمَا: خُذَاهَا خَالِدَةً تَالِدَةً، لاَ يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلاَّ ظَالِمٌ، ثم الآيةُ بَعْدُ تتناوَلُ الوُلاَةَ فِيمَا لَدَيْهم مِنَ الأماناتِ في قِسْمة الأموال، وَردِّ الظُّلاَمَاتِ، وعَدْلِ الحكوماتِ، وتتناول مَنْ دونهم مِنَ النَّاس؛ في حفظِ الودائِعِ، والتحرُّز في الشهاداتِ، وغيرِ ذلك؛ كالرجُلِ يُحَكَّمُ في نازلةٍ مَّا ونحوه، والصَّلاةُ والزكاةُ والصِّيامُ وسائرُ العباداتِ أماناتٌ للَّه تعالَىٰ، قال ابنُ العَرَبَيِّ في «أحكامه»: هذه الآيةُ في أداء الأمَانَةِ، والحكْم بين الناس ـــ عامَّة في الوُلاَة والخَلْق؛ لأنَّ كُلَّ مسلمٍ عَالِمٌ، بل كلُّ مسلمٍ حاكمٌ، ووالٍ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : المُقْسِطُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَىٰ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي أنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالٍ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»تفسير : ، فهذه الأحاديثُ الصحيحةُ تدلُّ علَىٰ ما قلناه. انتهى. وَ {نِعِمَّا}: أصله: «نَعْمَ مَا»؛ سُكِّنت الميمُ الأولَىٰ، وأدغمتْ في الثانية، وحُرِّكَتِ العينُ؛ لإلتقاء الساكنَيْنِ، وخُصَّتْ بالكَسْر؛ إتباعاً للنُّون، و «ما» المردوفةُ علَىٰ «نِعْمَ» إنما هي مهيِّئة لاِتصالِ الفعْلِ بها، ومع أنها موطِّئة، فهي بمعنى «الذي».

ابن عادل

تفسير : لما شَرَحَ أحوالَ الكُفَّارِ، وشرحَ وعِيدَهُم؛ عاد إلى التَّكْلِيف، وأيضاً لمّا حكى عن أهْل الْكِتَابِ أنَّهُم كَتَمُوا الحَقَّ، حيث قالُوا للذين كَفرُوا {أية : هَؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 51] أمَرَ المُؤمنينَ في هذه الآيةِ بأداء الأمَانَاتِ في جميع الأمور، سواء كانَتْ دِينيَّةٌ، أو دُنْيَويَّة. قوله: {أَن تُؤدُّواْ} مَنْصُوبُ المحلّ، إمَّا على إسْقَاطِ حَرْفِ الجَرّ؛ لأن حذفه يطَّرِدُ مع "أنْ"، إذَا أمِنَ اللَّبْس؛ لطولهما بالصِّلَةِ، وإما لأنَّ "أمر" يتعدى إلى الثَّاني بنفسه، نحو: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، فعلى الأوَّل يَجْري [الخلاف في مَحَلِّها، أهي في مَحَلّ نصب، أم جر، وعلى الثَّاني هي في محلِّ نصب فقط، وقرئ "الأمانة"]. فصل: فيمن نزلت الآية؟ نزلت في عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ الحجبي مِنْ بَني عبْدِ الدَّارِ، وكان سادِنَ الكَعْبَةِ، فلمَّا دَخَلَ النبي صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ أغْلَقَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بَابَ الكَعْبَةِ، وصَعَدَ السَّطْحَ، فطلبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيلَ: إنَّه مع عثمان، فَطَلَبَهُ منه فأبى، وقال: لو عَلِمْتُ أنَّهُ رسولُ اللَّهِ [صلى الله عليه وسلم] لمْ أمْنَعْهُ المِفْتَاحَ، فَلَوَى عليُّ بن أبي طالب يده، وأخذ منه المفتاح، وفَتَح البَابَ، ودخل رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم البيت، وصلّى فيه ركعتين، فلمّا خَرَجَ سألَهُ العَبَّاسُ [المفتاحَ] أن يعطيه، ويجمع له بين السِّقَايَةِ، والسِّدَانة، فأنزل اللَّهُ - تعالى - هذه الآية، فأمَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليّاً أنْ يردَّ المِفْتَاحَ إلى عُثْمَانَ، وَيَعْتَذِرَ إليه، ففعل ذلك عليٌّ، فقال عثمان: أكْرَهْتَ، وآذَيْتَ، ثم جئْتَ تَرْفُق، فقال: لقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في شأنِكَ، وَقَرَأ عليه الآية، فقال عُثْمَانُ: "أشْهَدُ [ألا إله إلاّ اللَّه و] أنَّ مُحَمّداً رسُولُ اللَّهِ، وأسْلَمَ، وكانَ المِفْتَاحُ معه، فلما مَاتَ دفعه إلى أخيه شَيْبَةَ، فالمِفْتَاحُ والسِّدَانَةُ في أولادهم إلى يَوْمِ القِيَامَةِ. وقيل: المرادُ من الآية جميعُ الأمَانَاتِ. واعْلمْ أنَّ معاملة الإنْسَانِ إما أنْ تكُونَ مع رَبِّه، أو مع العِبَادِ، أوْ مع نفسه. فمعاملة الرَّبِّ فهو: فعل المأمُورَات، وترك المَنْهيَّاتِ. قال ابْنُ مَسْعُودٍ: الأمَانَةُ في كُلِّ شَيءٍ لازمةٌ؛ في الوُضُوءِ، والجَنَابَةِ، والصَّلاةِ، والزَّكَاةِ، والصَّوْم. [قال أبُو نُعَيْم الحَافِظُ في "الحِلْيَةِ": ومِمَّنْ قال إنَّ الآية عامّة في الجميع: البَرَاءُ ابْنُ عَازِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبَّاسٍ، وأبيُّ بْنُ كَعبٍ. قالوا: الأمَانَةُ في كُلِّ شَيءٍ لازمةٌ، في الوضوء، والجنابة، والصّلاة، والزكاةِ، والصّوم، والكيل، والوزن، والودائع. قال ابْنُ عبَّاسٍ: لم يرخص اللَّهُ لمُعْسِرِ، ولا لمُؤمِنٍ أن يُمْسِكَ الأمَانَة]. وقال ابْنُ عُمَرَ: "إنَّهُ - تعالى - خَلَقَ فَرْجَ الإنسان، قال: "هذَا أمانةٌ [خَبَّأتُهَا] عِنْدَكَ، فاحْفَظْهَا إلاَّ بِحَقِّهَا". فأمانة اللِّسَانِ ألاّ يستعمله في الكذِبِ، والغيبةِ، والنَّميمَةِ، والكُفْرِ، والبدعةِ، والفُحْشِ، وغيرها. وأمانة العَيْنِ ألاّ يَسْتَعْمِلَهَا في النَّظَرِ الحَرَامِ، وأمَانَةَ السَّمْعِ ألاّ يَسْتَعْمِلَهُ في سَمَاعِ المَلاَهِي، والمَنَاهِي، وسماع الفُحْشِ، والأكاذيبِ، وغيرها. وكذا جميع الأعْضَاءِ، وأمَّا الأمَانَةُ مع سَائِرِ الخَلْقِ فلردِّ الوَدَائِعِ، وتركِ التَّطفيفِ في الكَيْلِ، والوزْنِ، وعدْلِ الأمرَاءِ في الرَّعِيَّةِ، وعدلِ العُلَمَاءِ في العَوَامِ: بأن يُرْشِدُوهم إلى الاعتِقَاداتِ، والأعْمَالِ الَّتي تنفعهم في دُنْيَاهُم وأخْرَاهُم، ولا يحملوهم عَلَى التَّعصُّبَات البَاطِلَةِ، وأمَانَةُ الزَّوْجَةِ للزَّوْجِ في حفظ فَرْجِهَا، وألا تُلْحِقَ به وَلَداً من غَيْرِهِ، وفي إخبارِها عن انْقِضَاءِ عدَّتها، ونهي اليهود عن كِتْمَانِ أمر محمد - عليه الصَّلاة والسلام - وأما أمَانته مع نفسه، فهو ألا يَخْتَارُ [لِنَفْسِهِ] إلاّ الأنْفَعَ، والأصْلَحَ، في الدِّين والدُّنْيَا، وألا يقدم بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، والغَضَبِ على مَا يَضُرُّهُ في الآخِرَةِ قال أنَسٌ - رضي الله عنه -: قلَّ ما خَطَبَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلا قال "حديث : لا إيْمَانَ لَمنْ لا أمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لمَنْ لا عَهْدَ لَهُ"تفسير : وقال تعالى {أية : لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ} تفسير : [الأنفال: 27]، وقد عظَّم الله أمْرَ الأمَانَةِ فقال: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} تفسير : [الأحزاب: 72]. [ويروي أنَّ اللَّه - تعالى - خَلَقَ الدُّنْيَا كالبُسْتَانِ، وزينها بخمسة أشْيَاء: عِلْمَ العُلمَاءِ، وعَدْلِ الأمَرَاءِ، وعِبَادَةِ العُلَمَاءِ، ونَصِيحَةِ المُسْتَشَارِ، ودفع الخيانة]. فصل في الخلاف في ضمان الوديعة الأكْثَرُونَ على أنَّ الوديعةَ غير مضمونةٍ عند عَدَمِ التَّفْرِيطِ، وعن بعض السَّلَفِ أنَّهَا مَضْمُونَةٌ. روى الشَّعْبِيُّ عن أنَسٍ قال: اسْتَحْمَلَنِي رَجُلٌ بضاعةً، فضاعت من بين ثيابي. فضمنني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وعن أنسٍ قال: كان لإنسان عندي وديعَةٌ سِتَّةُ ألاف درهَمٍ، فذهبت فقال عُمَرُ: "ذهب لك معها شيء"؟ [قلت: لاَ] فألزمني الضَّمَان. وحجة الجُمْهُورِ ما رَوَى عمرو بنُ شُعَيْبٍ عن أبيه قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا ضَمَانَ عَلَى دَاع، ولا [على] مُؤتمَنٍ"تفسير : وأما فِعْلُ عمر - رضي الله عنه - [فهو] محمولٌ على أنَّ المودع اعترف بفعل يوجب الضمان. فصل في الخلاف في ضمان العارية قال الشافعيُّ وأحمدُ: العاريةُ مَضْمُونَةٌ بعد الهَلاَكِ لقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ [إِلَىۤ أَهْلِهَا}] والأمر لِلوُجُوبِ، وقوله - عليه الصلاة والسلام: "حديث : على اليَد مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤديهُ" تفسير : وخصت منه الوديعَةُ، فيبقى العامُّ بَعْدَ التَّخْصيصِ حجة، وأيضاً فإنَّا أجمعْنَا على أنَّ المستام مَضْمُونٌ، وأنَّ المودع غيره مَضْمُونٍ والعَارِيَة وقعت في البين، ومشابهتها لِلْمُسْتَام أكثر؛ لأنَّ كلاّ منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه، والوديعة أخذها لِغَرَضِ المالِكِ، فظهر الفَرْقُ بيْنَ العاريَةِ والوديعة. وقال أبُو حنيفَة: [العارية] ليست مضمونة كقوله عليه السلامُ "حديث : لاَ ضَمَانَ عَلَى مُؤتَمنٍ" تفسير : وجوابه أنَّهُ مَخصوصٌ بالمستام، فكذا في العَارِيَةِ، ودليلنا ظاهِرُ الْقُرآنِ. قوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} [فيكون] قوله {أَن تَحْكُمُواْ} معطوف على {أَن تُؤدُّواْ} أي: يأمرُكُمْ بتَأديَةِ الأمَانَاتِ والحكم بالعَدْلِ، فيكونُ قد فصل بَيْنَ حرف العَطْفِ، والمعطوف بالظَّرْفِ. وهي مسألة خلاف ذَهَبَ الفَارِسِيُّ إلى منعها إلاّ في الشِّعْرِ. وذهب غَيرُهُ إلى جَوازِهَا مُطْلَقاً، ولنصحّح مَحَلّ الخلافِ أولاً: فنقولُ: إن حرف العطف إذا كان على حَرْفٍ واحدٍ كالواو، والفاء هل يجوزُ أن يفصل بينه، وبين ما عطفه بالظَّرف وشبهه أم لا؟ فَذَهَبَ الفَارسِيُّ إلى منعه مُسْتَدِلاً بأنَّهُ إذا كانَ على حَرْفٍ واحدٍ، فقد ضَعُفَ، فلا يتوسّط بينه، وبين ما عطفه إلاّ في ضَرُورةٍ كقوله: [المنسرح] شعر : 1810- يَوْماً تَرَاهَا كَشِبْهِ أرْدِيَةِ الـْ ـعَصْبِ وَيَوْماً أديمَهَا نَغِلاَ تفسير : تقديره: وترى أديمها نغلاً يوماً، [ففَصَل بـ "يَوْماً"]، وذَهَبَ غَيْرَهُ إلى جَوَازِهِ مُسْتَدِلاً بقوله: {أية : رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} تفسير : [البقرة: 201]، {أية : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود: 71]، {أية : وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ} تفسير : [يس: 9] {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 12]. {أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ} [الآية]، وقالَ صَاحِبُ هذا القول: إنَّ المَعْطُوفَ عليه إذَا كانَ مَجْرُوراً بِحَرفٍ، أُعيدَ ذلك الحَرْفُ المعطوف نحو: امرر بزيدٍ وغداً بِعَمْرو، وهذه الشَّواهدُ لا دَليلَ فيها. أمَّا {أية : فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} تفسير : [البقرة: 201]، وقوله {أية : وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [يس: 9]، فلأنه عطف شيئين على شَيْئَيْنِ: عطف الآخرة على الدُّنْيَا بإعَادَةِ الخافض وعطف حسنة الثانية على حَسَنة الأولى، وكذلك عطف "من خلفهم" على {من بين أيديهم} و "سدَّا" على "سدَّا"، وكذلك البيت عطف فيه "أديمها" على المفعول الأوَّل لـ "تَرَاها"، و "نَغلاً" على الثاني وهو كشبه و "يوماً" الثَّاني على "يَوْماً" الأوَّلِ، فلا فصل فيه حينئذٍ، [وحينئذ] يقال: [ينبغي] لأبي عَلِيٍّ أنْ يمنعَ مطلقاً، ولا يستثنى الضَّرُورَةَ، فإن ما استشهده به مُؤوَّل على ما ذكرناه. فإن قيل: إنَّما لم يجعله أبُو عَلِيّ من ذلك؛ لأنَّهُ يُؤدِّي إلى تخصيص الظَّرْفِ الثَّاني بما وقع في الأوَّلِ، وهو أنَّه تراها كشبه أردية العصب في اليوم الأوَّلِ والثاني؛ لأنَّ حُكْمَ [المعطُوف حكم] المعطوف عليه، فهو نَظِيرُ قولك: ضَرَبْتُ زَيْداً يَوْمَ الجُمْعَةِ، ويوم السَّبْت، فـ "يَوْمَ" السَّبْت مُقيّدٌ بضرب [زيد كما يُقَيَّدُ به يَوْمَ الجُمعة، لكن الغَرَضَ أنَّ اليومَ الثَّانِي في البيت مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ آخر] وهو رُؤيَةُ أديمها نغلاً. فالجوابُ: أنه لو تركنا [و] الظَّاهر من غير تَقْييدِ الظّرف الثَّاني بمعنى آخر كان الحكم كما ذكرت [لأن الظاهر كما ذكرت] في مثالك: ضربت زيداً يوم الجُمعَةِ [وعَمراً] يَوْمَ السَّبْتِ [أما إذا قيَّدته بشيءِ آخر، فقد تركت ذلِكَ الظَّاهِرَ لهذا النص، ألا تَرَاكَ تَقُولُ: ضربتُ زيداً يَوْمَ الجُمْعَة، وعمراً يوم السَّبت]، فكذلك هَذَا، وهو مَوْضعٌ يحتاجُ لِتَأمُّلِ. وأما "فبشرناها بإسحاق"، فيعقوب ليس مجروراً عَطْفاً على إسْحَاق، بل منصوباً بإضْمَارِ فعل أي: ووهبنا لها يعقوبَ، وَيَدُلُّ عليه قراءةُ الرَّفْع، فإنَّهَا مؤذنة بانْقطَاعِهِ من البِشَارَة [به]، كيف وقد تَقدَّم أنَّ هذا القائل يَقُولُ: إنَّهُ متى كان المَعْطُوفُ عليه مجروراً، أُعيدَ مع المَعْطُوفِ الجار. [و] أما {أن يؤدوا الأمانات}، فلا دلالة فيها أيضاً؛ لأن "إذَا" ظرف لا بُدَّ من عامل، وعامله إما {أَن تَحْكُمُواْ} وهو الظَّاهِرُ من حيث المعنى، وإما {يَأْمُرُكُمْ} فالأوَّلُ ممتنع، وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّ ما في حيز الموصول لا يتقدَّمُ عليه عند البصريين، وأمّا الكُوفِيُّون فيجوِّزونَ ذلك، ومنه الآية عِنْدَهُم، واستَدَلُّوا بقوله: [الرجز] شعر : 1811-............................ كَانَ جَزَائِي بالْعَصَا أنْ أجْلَدَا تفسير : وقد جاء ذلِكَ في المفعول الصَّريح في قوله: [الكامل] شعر : 1812-............................ وَشِفَاءُ غَيِّكِ خَابِراً أنْ تَسْألِي تفسير : فكيف بالظرف وشبهه. والثاني ممتنعٌ أيضاً؛ لأنَّ الأمْرَ ليس واقعاً وَقْتَ الحكم، كذا قاله أبُو حَيَّان وفيه نَظَرٌ وإذا بَطَلَ هذا فالعامِلُ فيه مُقَدَّرٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ تَقْدِيره: "وأن تحكموا إذا حكمتم"، و "أن تحكموا" الأخيرة دالة على الأولى. قوله "بالعدل" يجوزُ فيه وجهان: أحَدُهُمَا: أنْ يتعلَّقَ بـ "تحكموا"، فتكونُ البَاء للتَّعدية، والثانية: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من فاعل تحكموا، فتكونُ الباء للمصاحبة، أي: ملتبسين بالعَدْلِ مصاحبين له. والمعنيان مُتَقَارِبَان. فصل اعْلَمْ أن الأمانة عبارة عن أداء ما وَجَبَ عليك لِغَيْرِكَ، والحكم بالحق عما إذا وجب لإنْسَانٍ على غيره حق، فأمر من وَجَبَ عليه ذلك الحقّ بأن يدفعه إلى مَنْ له ذلك الحق. ولما كان التَّرْتيبُ الصَّحيحُ أن يبدأ الإنسان بِنَفْسِهِ في جلب المَنَافِعِ، ودفع المضار، ثم يشتغل بغيره، لا جَرَمَ أمر تعالى بِأدَاءِ الأمَانَةِ أوّلاً، ثم ذكر بعد الأمر الحكم بالحَقّ، وهذا من اللَّطَائِف المودعة في ترتيب القرآن. فصل في وجوب حكم الإمام بالعدل أجّمعُوا على أنَّهُ يَجِبُ على الحَاكِمِ أنْ يَحْكُم بالعَدْلِ، لهذه الآية، ولقوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} تفسير : [النحل: 90] وقوله {أية : وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} تفسير : [الأنعام: 152] وقوله {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [ص: 26]، وقال - عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تَزَالُ هذه الأمَّةُ بخَيْرٍ ما إذَا قَالَتْ صَدَقَتْ، وإذَا حَكَمَتْ عَدَلَتْ وإذَا اسْترْحَمتْ رَحِمَتْ" تفسير : وقال عليه الصَّلاةُ والسلامُ "حديث : المُقْسِطُونَ عِند اللَّهِ علَى منابر مِنْ نُورٍ عن يمينِ الرَّحْمان، وكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ؛ هُمُ الذين يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأهْلِيهِمْ ما وُلُّوا"تفسير : . وقال عليه الصَّلاةُ والسلامُ "حديث : إنَّ أحَبَّ النَّاس إلى اللَّهِ يومَ الْقِيَامَةِ، وأقْرَبَهَمْ مِنْهُ مَجْلِساً إمامٌ عادِلٌ وإنَّ أبْغَضَ النَّاسِ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وأشَدّهُمْ عَذَاباً إمامٌ جَائِرٌ"تفسير : . وقال عليه الصَّلاةُ والسلامُ "حديث : يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ أيْنَ الظَّلَمَةُ، فَيُجْمَعُونَ عَلَيْهِ فَيُلْقَونَ في النَّارِ ". تفسير : يحقق ذلك قوله تعالى {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} تفسير : [الصافات: 22] وقوله {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [إبراهيم: 42]. فصل فيما يجب على القاضي نحو الخصمين يجب على القاضي أن يسوِّي بَيْنَ الخصمين في الدُّخُول عليه، والجُلُوس بَيْنَ يَدَيْهِ، والإقبال عَلَيْهِمَا، والاستماعِ منهما، والحكم بَيْنهُمَا، وينبغي إلا يلقِّنَ أحدهُمَا حُجَّةً، ولا شاهداً شهادته، ولا يلقّن المدّعي الدَّعْوَى، والاستخلافَ، ولا يلقنَ المُدَّعى عليه الإقْرَارَ، ولا الإنْكَارَ، ولا يُضِيفَ أحَد الخَصْمَيْنِ دُونَ الآخر، ولا يُجِيبَ هو إضَافَةَ أحدهِمَا، ولا إلى إضافتهما مَا دَاما مُتَخَاصِمَيْنِ، وعليه التَّسْوِيَة بينهما في الأفْعَالِ دون القلب؛ لأنَّهُ لا يمكنُ أنْ يتحرَّز من ميل قلبه. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} قد تقدَّمَ الكلامُ على ما المتصلة بـ "نعم"، و "بئس" إلا أنَّ ابْن عَطِيَّة نقل هنا نَقْلاً لا يَبْعُدُ مِنْ وَهْمٍ!. قال: و "ما" المُرْدَفَةُ على نعم، وبئس إنَّمَا هي المُهيئَةُ لاتّصَالِ الفِعْلِ كما هي في رُبَّمَا، ومما في قوله: وكان رَسُولُ اللَّه مما يحرك شَفَتَيْه وكقول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 1813- وإنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً عَلَى رَأسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ تفسير : وفي هذا بمنزِلَةِ رُبَّمَا، ومنزلتها مخالفة في المَعْنَى؛ لأنَّ رُبَّمَا للتَّعْلِيلِ، ومما للتَّكْثِيرِ ومع إنما هي موطّئةَ، فهي بمعنى الَّذي، وما وَطَّأتْ إلاّ وهي اسمٌ. ولكن المقصد إنما هو لا يليها من المَعْنَى الذي في الفِعْل. قال أبُو حَيَّان وهذا متهافتٌ؛ لأنه من حَيْثُ جعلها مُوَطِّئَةً مُهَيَّئَةً، لا تكونُ أسماء، ومن حَيْثُ جعلها بمعنى الَّذِي يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اسْماً، فتدافعا. فصل: في معنى قوله "نعما يعظكم" المعنى: نِعْمَ شَيئاً يعظكم به، أو نِعْمَ الشَّيْء الذي يعظكُم بِه. والمخصوص بالمدح مَحْذُوفٌ، أي: نِعْمَ ما يَعِظُكُم بِهِ ذلك، وهو المأمور به: من أدَاءِ الأمَانَاتِ والحُكْمِ بالعَدْلِ، أي: بالقسط، ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}، أي: إذا حكمت بالعدل، فهو يَسْمَعُ ذلِكَ، لأنَّهُ سميعٌ لِكُلّ المَسْمُوعاتِ، وإنْ أدَّيْتَ الأمَانَةَ، فهو بَصِيرٌ بكُلِّ المبصرات يبصر ذلك، وهذا أعْظَمُ أسْبَابِ الوَعْدِ للمطيع، وأعظم أسْبَابِ الوعيدِ للعاصي. وإليه الإشارة بقوله - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - "حديث : اعْبُد اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏} ‏ قال‏:‏ ‏"‏حديث : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن أبي طلحة، فلما أتاه قال‏:‏ أرني المفتاح‏.‏ فأتاه به، فلما بسط يده إليه قدم العباس فقال‏:‏ يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجعله لي مع السقاية‏.‏ فكف عثمان يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أرني المفتاح يا عثمان‏.‏ فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى‏.‏ فكف عثمان يده ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح‏.‏ فقال‏:‏ هناك بأمانة الله‏.‏ فقام ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم معه قداح يستقسم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما للمشركين - قاتلهم الله - وما شأن إبراهيم وشأن القداح‏؟‏‏!‏ ثم دعا بجفنة فيها ماء، فأخذ ماء فغمسه ثم غمس بها تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم وكان في الكعبة، ثم قال‏:‏ يا أيها الناس هذه القبلة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح، فدعا عثمان بن طلحة فأعطاه المفتاح، ثم قال ‏ {‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏} ‏ ‏[‏النساء: 58‏]‏ حتى فرغ من الآية ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة ودخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح قال‏:‏ وقال عمر بن الخطاب‏:‏ لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية - فداؤه أبي وأمي - ما سمعته يتلوها قبل ذلك‏"‏‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم‏.‏ يعني حجابة الكعبة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله ‏ {‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ أنزلت هذه الآية في ولاة الأمر، وفيمن ولي من أمور الناس شيئاً‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب قال‏:‏ نزلت في الأمراء خاصة ‏ {‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏} ‏‏. ‏ وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا، وأن يجيبوا إذا دعوا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏} ‏ قال‏:‏ يعني السلطان يعطون الناس‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏} ‏ قال‏:‏ يعني السلطان يعطون الناس‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} قال: هي مسجلة للبر والفاجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال‏:‏ هذه الأمانات فيما بينك وبين الناس، في المال وغيره‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال‏:‏ إن القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، يجاء بالرجل يوم القيامة وإن كان قتل في سبيل الله فيقال له‏:‏ ادّ أمانتك‏.‏ فيقول‏:‏ من أين وقد ذهبت الدينا‏!‏ فيقال‏:‏ انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق فتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه في قعر جهنم، فيحملها فيصعد بها حتى إذا ظن أنه خارج بها، فهزلت من عاتقه فهوت وهوى معها أبد الآبدين‏.‏ قال زاذان‏:‏ فأتيت البراء بن عازب فقلت‏:‏ أما سمعت ما قال أخوك ابن مسعود‏؟‏ قال‏:‏ صدق، إن الله يقول ‏ {‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏} ‏ والأمانة في الصلاة، والأمانة في الغسل من الجنابة، والأمانة في الحديث، والأمانة في الكيل والوزن، والأمانة في الدين، وأشد ذلك في الودائع‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏} ‏ قال‏:‏ إنه لم يرخص لموسر ولا لمعسر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية عن الحسن. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي صالح عن أبي هريرة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم‏:‏ من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن ثوبان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا‏:‏ حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة، ورب مصل لا خير فيه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إن أول ما يرفع من هذه الأمة الحياء والأمانة، فسلوهما الله عز وجل ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ لا تنظروا إلى صلاة أحد ولا صيامه، وانظروا إلى صدق حديثه إذا حدث، وإلى أمانته إذا ائتمن، وإلى ورعه إذا أشفى‏.‏ وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج عن ميمون بن مهران قال‏:‏ ثلاثة تؤدين إلى البر والفاجر‏:‏ الرحم توصل كانت برة أو فاجرة، والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر، والعهد يوفى به للبر والفاجر‏.‏ وأخرج عن سفيان بن عيينة قال‏:‏ من لم يكن له رأس مال فليتخذ الأمانة رأس ماله‏. ‏ وأخرج عن أنس قال‏:‏ البيت الذي تكون فيه خيانة لا تكون فيه البركة‏. ‏ وأخرج أبو داود وابن حبان وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي يونس قال‏:‏ ‏"‏سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية ‏{‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏كان سميعاً بصيرا‏ً} ‏ ويضع إبهاميه على أذنيه والتي تليها على عينه ويقول‏:‏ هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها، ويضع أصبعيه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقترئ هذه الآية ‏{‏سميعاً بصيرا‏ً}‏ يقول‏:‏ بكل شيء بصير‏.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} [الآية: 58]. قال الجريري رحمه الله: أفضل الأمانات الأسرار فلا تظهرها ولا تكشفها إلا لأهلها، لأنهم أهل الأمانات العظماء. وقال سهل رحمه الله: عندك أمانة فى سمعك وبصرك وعلى لسانك وعلى فرجك وظاهرك وباطنك. عرض الله عليك الأمانة فحملتها وجعلك محلاً لها، فإن لم تحفظها خنت نفسك والله لا يحب الخائنين. وقيل الأمانة هى: أسرار الله عز وجل وأهل الأمانة هم العارفون بالله والعالمون بأسراره، وهم الناظرون إلى القلوب بأنوار الغيوب، فيحكمون عليها ويحقق الله تعالى أحكامهم وهو الذى قال: { أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً } تفسير : [الكهف: 65].

القشيري

تفسير : ردُّ الأمانات إلى أهلها تسليم أموال الخلق لهم بعد إشرافك عليها بحيث لا تفسد عليهم. ويقال لله - سبحانه وتعالى - أماناتٌ وَضَعَها عِنْدَك؛ فردُّ الأمانة إلى أهلها تسليمها إلى الله - سبحانه - سالمةً مِنْ خيانتِكَ فيها؛ فالخيانة في أمانة القلب ادعاؤك فيها، والخيانة في أمانة السِّرِّ ملاحظتك إياها. والحُكْمُ بين الناس بالعدل تسويةُ القريب والبعيد في العطاء والبذل، وألا تحملك مخامرةُ حقدٍ على انتقامٍ لنفسٍ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} الامانة عهد الله الازل الذى عاهد به ارواح اهل القرب فى مشاهدة جماله حيث قبلت الارواح من الربوبية سمات العبودية ومن المشاهدة لطائف المحبة ومجدت اسرار الملك والملكوت عند سرادق الجبروت فكتمتها عن الاغيار فلما تلبست بالاشباح كادت ان تفشيها من الضعف عن حلمها فامرهم الله بكتمانها عن الخلق حتى يودونها الى الحق سبحانه عن كشف جماله فى الاخرة لانه تعالى اهل تلك الامانة وذلك قوله انا عرضنا الامانة لانه ايضا امرهم الله باظهار ما كوشف لهم من احكام الغيب عند العارفين وكتمانها عن الجاهلين وقال بعضهم الامانة اسرار الله واهل الامانة هم العارفون بالله والعالمون باسراره وهم الناظرون الى القلوب بانور الغيوب فيحكمون عليهم حقق الله احكامهم وهم الذى قال الله فوجد اعبدا من عبادنا اتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها} نزلت فى عثمان بن عبد الدار الحجبى وكان سادن الكعبة وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة يوم الفتح اغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح وابى ان يدفع المفتاح اليه وقال لو علمت انه رسول الله لم امنعه فلوى على بن ابى طالب كرم الله وجهه يده واخذه منه وفتح ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس ان يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت فامر عليا ان يرده الى عثمان ويعتذر اليه فقال عثمان لعلى اكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال لقد انزل الله تعالى فى شأنك قرآنا وقرأ عليه فقال عثمان اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فهبط جبريل فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان السدانة فى اولاد عثمان ابدا ثم ان عثمان هاجر ودفع المفتاح الى ابنه شيبة فهو فى ولده الى اليوم {واذا حكمتم} اى ويأمركم اذا قضيتم {بين الناس ان تحكموا بالعدل} والانصاف والتسوية {ان الله نعما يعظكم به} اى نعم شيئاً ينصحكم به تأدية الامانة والحكم بالعدل فما نكرة بمعنى شىء ويعظكم به صفته والمخصوص بالمدح محذوف {ان الله كان سميعا} لما يقوله الخزنة {بصيرا} بما تعمله الامناء اى اعملوا بأمر الله ووعظه فانه اعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم. اعلم ان الامانة عبارة عما اذا وجب لغيرك عليك حق فاديت ذلك الحق اليه. والحكم بالحق عبارة عما اذا وجب للانسان على غيره حق فامرت من وجب عليه ذلك الحق بان يدفع الى من له ذلك الحق ولما كان الترتيب الصحيح ان يبذل الانسان نفسه فى جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بحال غيره لا جرم انه تعالى ذكر الامر بالامانة اولا ثم بعده ذكر الامر بالحكم بالحق ونزول هذه الآية عند القصة المذكورة لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القصة بل يدخل فيه جميع انواع الامانات. فاعلم ان معاملة الانسان اما ان تكون مع ربه او مع سائر العباد او مع نفسه ولا بد من رعاية الامانة فى جميع هذه الاقسام الثلاثة. اما رعاية الامانة مع الرب فهى فعل المأمورات وترك المنهيات وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود الامانة فى كل شىء لازمة فى الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم وغير ذلك. مثلا ان امانة اللسان ان لا يستعمله فى الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها. وامانة العينين ان لا يستعملها فى النظر الى الحرام. وامانة السمع ان لا يستعمله فى سماع الملاهى والمناهى واستماع الفحش والاكاذيب وغيرها وكذا القول فى جميع الاعضاء: قال السعدى قدس سره شعر : زبان ازبهر شكر وسباش بغيبت نكرداندش حق شناس كذركاه قرآن وبندست كوش به بهتان وباطل شنيدن مكوش دوجشم ازبى صنع بارى نكوست نه عيب برادر بود كيردوست تفسير : واما القسم الثانى وهو رعاية الامانة مع سائر الخلق فيدخل فيه رد الودائع ويدخل فيه ترك التطفيف فى الكيل والوزن ويدخل فيه ان لا يفشى على الناس عيوبهم ويدخل فيه عدل الامراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بان يرشدوهم الى اعتقادات واعمال تنفعهم فى دنياهم واخراهم ويدخل فيه امانة الزوجة للزوج فى حفظ فرجها وفى ان لا تلحق بالزوج ولدا تولد من غيره وفى اخبارها عن انقضاء عدتها. واما القسم الثالث وهو امانة الانسان مع نفسه وهو ان لا يفعل الا ما هو الانفع والاصلح له فى الدين والدنيا وان لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره فى الآخرة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " .تفسير : قال عليه السلام "حديث : لا ايمان لمن لا امانة له ولا دين لمن لا عهد له " .تفسير : فعلى العبد المؤمن ان يؤدى الامانات كلها ما استطاع ويتعظ بمواعظ الحق فى كل زمان فان الوعظ نافع جدا شعر : امروز قدر بند عزيزان شناختم يارب روان ناصح ما ازتوشاد باد تفسير : قاله الحافظ: وقال فى موضع شعر : بند حكيم محض صوابست ومحض خير فروخنده بخت آنكه بسمع رضا شنيد تفسير : ثم ان من كان حاكما وجب عليه ان يحكم بالعدل ويؤدى الامانات الى اهلها قال الحسن ان الله اخذ على الحكام ثلاثا ان لا يتبعوا الهوى وان يخشوه ولا يخشوا الناس وان لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ينادى مناد يوم القيامة اين الظلمة واين اعوان الظلمة فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما او لاق لهم دواة فيجمعون ويلقون فى النار ".تفسير : : قال السعدى قدس سره شعر : جهان نماند وآثار معدلت ماند بخيركوش وصلاح وبعدل كوش وكرم كه ملك ودولت ضحاك مردمان آزار نماند وتا بقيامت برو بماند رقم تفسير : قال عليه السلام "حديث : من دل سلطانا على الجور كان مع هامان وكان هو والسلطان من اشد اهل النار عذابا " .تفسير : فمقتضى الايمان هو العدل والسببية للصلاح ونظام العالم واجراء الشرع والاحتراز عن الرشوة فان من اخذها لا يسامح فى الشرع وغضب الاسكندر يوما على بعض شعرائه فاقضاه وفرق ماله فى اصحابه فقيل له فى ذلك فقال اما اقضائى له فلجرمه واما تفريقى ماله فى اصحابه فلئلا يشفعوا فيه فانظر كيف كان اخذ المال سببا لعدم الشفاعة لانهم لو استشفعوا فى حقه فشفعوا لزم الاسترداد فلما طمعوا تركوا الشفاعة شعر : ازتوكر انصاف آيد در وجود به كه عمرى در ركوع ودر سجود

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "ما" في {نِعِمَّا} تمميز أو فاعل، والمخصوص محذوف، أي نعم شيئًا شيء يعظكم به، أو نعم الذي يعظكم به ذلك الأمر، وهو رد الأمانات والعدل في الحكومات. قال زيد بن أسلم وشهر بن حوشب: نزلت الآية في شأن الأمراء. هـ. قلت: وأن نزلت في شأن عثمان بن طلحة ـ سَادِن الكَعبَةِ فهي عامة. والمخاطب بذلك أولاً الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد الأمراء، أمره الحق ـ تعالى ـ أن يرد المفاتح إلى عثمان، وذلك أن عثمان أغلق باب الكعبة يوم فتح مكة, وأبى أن يدفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل الكعبة، وقال: لو عَلمِتُ أنه رَسُول الله ما منعتُهُ، فَلَوى عَلِيَّ يده، وأخذّها مِنهُ، فدخل رسول الله صلى عليه وسلم وصَلّى رَكعَتينِ، فلما خَرَجَ سألُه العباس أن يُعطيه المفتَاح، وَيَجمَعَ له السِّدَانَةَ والسِّقَايةَ، فأمره اللهُ ـ تعالى ـ أن يرده إليه، فأمر عَلِيًّا بأن يَرُدَّه وَيَعتَذِر إليه، وكان ذلك سببًا لإسلام عثمان، ونزل الأمر بأن السِّدَانَة في أولاده أبدًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الله يأمركم}، يا معشر الأمراء، أن تردوا {الأمانات إلى أهلها} من أنفسكم، أو من رعيتكم فتُنصفوا المظلوم من الظالم، حتى يؤدي ما ائتُمن عليه من دَينٍ، أو وديعة، أو غصب، أو سرقة، أو غير ذلك من حقوق العباد، بعضهم من بعض، وأن تؤدوا الزكاة إلى من يستحقها، وتصرفوا بيت المال فيمن يستحقه، لا تظلموا أهلها، ولا تضيعوا منها شيئاً في غير مستحقها. {و} يأمركم {إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} في من يَنفُذُ عليه حكمُكُم، {إن الله نعمًا يعظكم به} أي: إن الله يعظكم بأمر نعم ما هو، {إن الله كان سميعًا بصيرًا} لا يخفى عليه أحكامكم، ولا ما أخفيتم من أمانات غيركم. الإشارة: أمر الحقّ ـ جلّ جلاله ـ شيوخ التربية أن يؤدوا السر إلى من يستحقه من الفقراء، إذا تحققوا أهليتهم له، بحيث تخلوا عن الرذائل، كالحسد والكبر وغيرهما، وتحلوا بالفضائل، كسلامة الصدر وسخاوة النفوس وحسن الخلق، وغير ذلك من أوصاف الكمال، فإن تحققوا بالتخلية والتحلية، استحقوا الاطلاع على أسرار الربوبية، التي هي أمانات عند أهل الخصوصية، وأمرهم أن يحكموا بين الفقراء بالعدل، فيمدوا كلاً على قدر صِدقِه وخِدمَتِه، والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في المعني بهذه الآية ثلاثة أقوال: أولها - ما قال ابن عباس، وأبي بن كعب، والحسن، وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، وأبي عبد الله (ع): إن كل مؤتمن على شيء يلزمه رده. الثاني - قال زيد بن أسلم، ومكحول، وشهر بن حوشب: إن المراد به ولاة الأمر وهو اختيار الجبائي، وروي ذلك عن أبي جعفر أيضاً وأبي عبد الله (ع) وقالوا: أمر الله الأئمة كل واحد منهم أن يسلم الأمر إلى من بعده، وعلى الوجه الأول يدخل هذا فيه، لأن ذلك من جملة ما ائتمنه الله عليه. ولذلك قال أبو جعفر (ع): إن اداء الصلا ة والزكاة والصوم والحج من الأمانة، ويكون الأمر للآمر بأداء الأمانة من الغنائم والصدقات، وغير ذلك مما يتعلق به حق الرعية. الثالث - قال ابن جريج: نزلت في عثمان بن طلحة. أمر الله تعالى نبيه أن يرد إليه مفاتيح الكعبة، والمعتمد هو الأول، وإن كان الاخير روي أنه سبب نزول الآية، غير أنه لا يقصر عليه. اللغة والمعنى: تقول: أديت الشيء أؤديه تأدية، وهو المصدر الحقيقي، ولو قلت: أديت أداء كان جائزاً يقام الاسم مقام المصدر. ويقال: أدوت للصيد آدو له ادواً: إذا ختلته، لتصيده. وأدى اللبن يأدي: إذا حمض. وقوله: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} أمر الله تعالى الحكام بين الناس أن يحكموا بالعدل لا بالجور {إن الله نعماً يعظكم به} معناه نعم الشيء شيئاً يعظكم الله به من أداء الامانة وكتبت (ما) في (نعما) موصولة، لأنها بمنزلة الكافة في (إنما)، و (ربما)، غير انها في نعما اسم يعود إليه الضمير في (به) فتقديره نعم شيئاً يعظكم به أو نعم وعظاً يعظكم به، ولا يجوز إسكان العين مع الميم في نعما لأنه جمع بين ساكنين، ولكن يجوز اختلاس الحركة من غير اشباع الكسرة، كالاختلاس في {يأمركم} و "بارئكم" وعلى هذا تحمل قراءة أبي عمر. وقال الزجاج: اجتماع الساكنين فيه ينكره جميع البصريين. والسميع: هو من كان على صفة يجب لاجلها أن يسمع المسموعات إذا وجدت والبصير من كان على صفة يجب لاجلها أن يبصر المبصرات إذا وجدت. والسامع هو المدرك للمسوعات. والمبصر هو المدرك للمبصرات. ولذلك يوصف تعالى فيما لم يزل بأنه سميع بصير، ولا يوصف بأنه سامع مبصر إلا بعد وجود المبصرات والمسموعات. وقوله: {إن الله سميعاً بصيراً} اخبار بأنه كان سميعاً بصيراً فيما مضى. وذلك يرجع إلى كونه حياً لا آفة به فاذا كان لا يجوز خروجه عن كونه حياً، فلا يجوز خروجه عن كونه سميعاً بصيراً.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} ايّها النّاس المحسودون الّذين اتاكم الله من فضله واتاكم الكتاب والحكمة والملك العظيم {أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} شكراً لما انعم به عليكم اى: لا تعطوها غير اهلها فتظلموها، ولا تمنعوها اهلها فتظلموهم، والخطاب خاصّ بهم لكن يعمّ الامر غيرهم ايضاً لكونهم مأمورين بالتّأسّى بهم ولذلك عمّموا الآية فى الاخبار. تحقيق معنى الامانات والامانة ما يودع عند الامين قصداً الى حفظه ونمائه ان كان له نماءٌ، وامانات الله عند الانسان كثيرة منها الامانة الّتى عرضها الله على السّماوات والارض وهى اصلها واساسها واشرفها وانماها وهى اللّطيفة السّيّارة الانسانيّة الّتى لا جوهر اشرف منها فى خزائنه تعالى، ولمّا اراد اخراجها من خزائنه وكان لها لنفاستها اعداء كثيرة طلب لها مأمناً من سماوات الارواح فلم يكن فيها مأمن لايداعها، ثمّ عرضها على اراضى الاشباح من الملكوتين وجملة عالم الطّبع فلم يجد لها مأمناً، ثمّ عرضها على المواليد الجماد والنّبات والحيوان فلم تكن لها باهلٍ، ثمّ عرضها على عالم الانسان فوجده اهلاً لها فاودعها فيه وقبلها الانسان؛ فلمّا اودعها الانسان وكانت لشرافتها ونفاستها كثيرة الطّلاب والسّراق من اهل العالم السّفلىّ ولم يمكنه المدافعة من دون امداد من صاحب الامانة جعل الله تعالى له جنوداً من اهل العالم العلوىّ وامره بحفظها وانمائها حتّى اذا طالبها سلّمها سالماً نامياً زاكياً، فمن امتثل امره تعالى وجاهد مع طّلابها وسرّاقها وحفظها عن ايدى السّراق وانماها وزكّاها صار مستحقّاً للخلع الفاخرة البهيّة والمنصب العالى الولاية والنّبوة والرّسالة والخلافة والجلوس فى مقعد الصّدق عند المليك المقتدر، ومن اهمل رعايتها حتّى اختطفها سرّاقها صار مستحقّاً للسّجن والعقوبات، ثم بعد تلك الامانة الامانات الّتى اودعها الله الانسان لحفظ تلك الامانة سوى الجنود العلويّة الّتى عدّها لامداد الانسان فى حفظها وهى المدارك والقوى والاعضاء الظّاهرة والباطنة وامره بحفظها لانّ لها ايضاً طلاّبا وسرّاقا من العالم السّفلّى، وامره بان يؤدّيها الى اهلها الّذى هو العقل ثمّ قوّة قبول التّكاليف وامره ان يؤدّيها الى اهلها الّذى هو العقل فى مظاهره البشريّة بان عرضها عليه وسلّمها لامره ونهيه ثمّ التّكاليف القالبيّة النّبويّة الحاصلة له بالبيعة العامّة، وامره ان يؤدّيها بعد حفظها واستنمائها الى اهلها الّذى هو صاحب التّكاليف القلبيّة بان عرضها عليه سالمة نامية، ثمّ التّكاليف القلبيّة الباطنة الّتى اخذها من صاحب الدّعوة الباطنة بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الخاصّة، وامره ان يؤدّيها الى اهلها الّذى هو صاحب الدّعوة التّامّة والولاية المطلقة اعنى عليّاً (ع) فاذا استكمل له هذه الامانات وحفظها انماها وسلّمها الى اهلها وارتضاها منه ورضى عنه اودعها امانات شريفة نفيسة هى ودائع الخلافة الآلهيّة فى العالم الكبير فى لباس النّبوّة او الرّسالة او الخلافة او الامامة وتلك اشرف الامانات بعد الامانة الاولى؛ وهى مختلفة فمنها ما هى من قبيل التّكاليف ولها اهل وهم المستعدّون لقبولها والعمل بها، وبعضها من قبيل الخلافة ولها اهل وهم المستعدّون لاصلاح الخلق والتّبليغ لهم كالمشايخ والنوّاب الّذين كانوا خلفاء الانبياء (ع) والاولياء (ع)، وبعضها هو اصل الخلافة الآلهيّة ولها اهل وهم الّذين يقومون مقام الانبياء (ع) والاولياء (ع) بعد رحلتهم ويصدق على امانات النّاس الّتى هى من الاعراض الدّنيويّة ايضاً انّها امانات ولها اهل وهم صاحبو الامانات {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} يعنى لم يكن الحكومة حتماً عليكم وانتم فيها بالخيار لكن اذا حكمتم يأمركم ان تحكموا بالعدل اى بسبب العدل الذّى فى ايديكم ممّا نزل على محمّد (ص) من السّياسات، او بآلة العدل الّتى هو السّياسات الآلهيّة او ملتبّسين بالعدل والتّسوية بين الخصمين او بالعدل والاستقامة خارجين عن الاعوجاج الّذى هو من مداخلة الشّيطان او حالكون حكمكم متلبّساً بالعدل والتّسوية، والعدل بين الخصمين هو التّسوية بينهما فى المجلس والتّخاطب والشّروع فى الخطاب والتّوجّه والبشر بل فى ميل القلب، فانّ التّسوية فى ذلك خروج عن الاعوجاج اذا كانا مسلمين فانّهما ان كانا مسلمين وما سوّيت بينهما كنت جائراً، وكذا اذا لم تسوّ بينهما فى الميل القلبىّ من جهة الحكومة كنت معوّجاً بتصرّف الشّيطان {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} فتقبّلوا عظته، هذه جملة معترضة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} تعليل لاداء الامانة الى اهلها والحكم بالعدل وتحذير عن المخالفة.

فرات الكوفي

تفسير : {إنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهْلِها58} فرات قال: حدثنا عبيد بن كثير معنعناً: عن الشعبي عن قول الله [تعالى. ر]: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} قال: أقولها ولا أخاف إلا الله، هي والله ولاية علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر].

اطفيش

تفسير : {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}: عام فى كل أمانة يحل تبليغها حتى السلام، أو الكلام يقول لك الانسان بلغه الى فلان، فقلت فى قلبك أو لسانك وقلبك: نعم، وأما ما يحرم تناوله فلا يجوز تبليغه، ولو سمى لغة أمانة كأمانة نميمة أو خمرة أو دلالة على عورة مسلم، ومال حرام، طلب منك تبليغ ذلك الى من أراد الطالب تبليغه اليه، وهو أهله فى زعم الطالب، وليس بأهله، فلا يجوز. ومجمع الأمانة أن كل ما فرض عليك الله، أو حرمه من حقوقه أو حقوق عباده، فهو أمانة تمتثل شأنها، وإن شئت فابسطها الى ثلاث: حق الله كالصلاة والصوم، وحق العباد كقضاء ديونهم وانفاق من لزمت نفقته، وحق الله والعباد، وهو ما لم يتعين صاحبه كالزكاة وأنواع الكفارات، أو الى ثلاث هكذا: اعمال القلب والجوارح فى عبادة الله، وكفها عن معصية الله، وأداء حقوق العباد. وأما ما يستحب أو يكره فأمانة أذن الله لنا فى أدائها، وهو فعل المستحب، وترك المكروه، وفى تركها وهى مأمور بها أمر ندب، والذى فى الآية ما وجب أداؤه، ولك أن تعم الآية لهما على استعمال الكلمة فى معنييها أو مجازها وحقيقتها، أو على استعمال الأمر فى مطلق الطلب، وتناولت الآية العامة والخاصة كولاة الأمر، وعثمان بن طلحة، الذى نزلت الآية فى شأنه. قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالرجل راع فى أهل بيته وهو مسئول عنهم والعبد راع فى مال سيده وهو مسئول عنه "تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : أد الأمانة الى من أئتمنك ولا تخن من خانك "تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ". تفسير : وعن أنس: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: "حديث : لا ايمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له " تفسير : والآية نزلت فى عثمان بن طلحة الجحبسى من بنى عبد الدار، وليس عبد الدار أبا متصلا به، بل من أجداده، ولو قيل عثمان بن طلحة بن عبد الدار، وكان سادن الكعبة، أعنى خادمها. قال ابن عباس: حديث : لما فتح النبى صلى الله عليه وسلم مكة، طلب مفتاح البيت من عثمان بن طلحة، فذهب ليعطيه إياه، فقال العباس: بأبى أنت وأمى اجمعه لى مع السقاية، فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه العباس، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "هات المفتاح"، فأعاد العباس قوله، وكف عثمان فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "هات المفتاح ان كنت تؤمن بالله واليوم الآخر" فقال هاكه يا رسول الله بأمانة الله، فأخذ المفتاح ففتح الباب ونزل جبريل بهذه الآية: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُم} الآية فأعطاه أياه . تفسير : وقوله: يا رسول الله ظاهره أنه آمن قبل نزول الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ان كنت تؤمن" الخ زجر عن منع المفتاح، كما تقول لمن آمن: ان كنت قد آمنت فافعل كذا، والمراد تحقق ايمانك، ويدل لذلك ما رواه محدث الأندلس أبو عمرو بن عبد البر، وابن مندة، وابن الأثير: حديث : أن عثمان بن طلحة هاجر الى المدينة فى هدنة الحديبية سنة ثمان مع خالد بن الوليد، ولقيهما عمرو بن العاص مقبلا من عند النجاشى، فرافقهما وهاجر معهما، فلما رآهم النبى صلى الله عليه وسلم قال: "رمتكم مكة بأفلاذ كبدها" تفسير : والمعنى أنهم وجوه مكة، فأسلموا، ولما كان فتح مكة أسلم عثمان المفتاح الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رده اليه وقال: خذوها يا بنى طلحة خالدة مخلدة لا ينزعها منكم إلا ظالم. وفي رواية جاء جبريل عليه السلام فقال: ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة فان المفتاح والسدانة فى أولاد طلحة، فكان المفتاح مع عثمان، ولما مات دفعه لأخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة فى أولادهم الى يوم القيامة. ومن حديث ابن عمر: أقبل النبى صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو مردف أسامة على القصواء، ومعه بلال وعثمان، حتى أناخ عند البيت ثم قال لعثمان: "ائتنا بالمفتاح" فجاءه بالمفتاح، ففتح الباب. ودل الحديث الذى يذكر فيه أن عليا لوى يده فنزع منه المفتاح أنه لم يؤمن إلا بعد الفتح، ولعله أسلم كما مر ثم ارتد أو داخله الشك، ثم تحقق ايمانه والحمد لله بعد الفتح، وذلك أنه روى أنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح، أغلق عثمان الكعبة، وصعد السطح فطلب صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيل: انه مع عثمان فطلب منه فأبى وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى على بن أبى طالب يده وأخذ منه المفتاح، وفتح الباب، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى البيت، وأفسد ما كان فى البيت من التماثيل، وصلى ركعتين، وأخرج مقام ابراهيم ووضعه فى موضعه. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السقاية والسدانة، فنزلت هذه الآية، فأمر عليا أن يرده الى عثمان، ويعتذر اليه ففعل، فقال عثمان: أكرهتنى وآذتنى، ثم جئت ترفق، فقال: لقد أنزل الله فى شأنك قرآنا وقرأ الآية عليه، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فهبط جبريل عليه السلام، وأخبر النبى صلى الله عليه سلم أن السدانة فى أولاد عثمان أبدا، ثم أن عثمان هاجر، ودفع المفتاح الى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة فى أولادهم الى يوم القيامة، وهذه الهجرة غير واجبة عندنا، لأنها بعد الفتح، ثم رأيت فى المواهب: أن ابن ظفر قال قوله: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، وهم لأنه كان ممن أسلم فلو قال هذا كان مرتدا وانتهى. وما تأولت به أولى من التوهم. قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة، وهو يقرأ هذه الآية، وما سمعتها قبل فأعطى عثمان المفتاح، وروى أنه رد المفتاح الى عثمان، ورماه اليه فقال: إن الله قد رضيكم له فى الجاهلية والاسلام، وقال صلى الله عليه وسلم عام الفتح: "حديث : كل مأثرة كانت فى الجاهلية تحت قدمى إلا السدانة والسقاية فإِنى قد أمضيتهما لأهلهما "تفسير : وقرىء: الأمانة بالافراد، وفتح التاء والأمانة مصدر سمى به الشىء المأمون عليه، وقيل: الخطاب فى الآية للولاة بأداء الأمانة والحكم بالعدل كما يناسبه قوله تعالى: {وَإِذا حَكَمْتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالعَدلِ}: اذا: معطوف على اذا محذوفة، وكلتاهما خارجة عن المصدر، {وَأَنْ تَحكُمُوا} معطوف على {أَن تُؤَدُّوا} واذا: المحذوفة متعلقة بيأمر، والعطف من العطف على معمولى عامل، أى إن الله يأمركم اذا ائتمنتم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها، واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، فلك أن تقدر يأمركم محذوفا بعد الواو، تتعلق به معطوفا على يأمركم المذكور بلا حاجة الى تقدير اذا، أى ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها، ويأمركم اذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، وعلى هذا يتعلق: أن تحكموا بيأمر المحذوف، فانه على تقدير الباء، كما فى أن تؤدوا أو بأن تحكموا، ولا يصح تعليق اذ بيأمر المذكور بلا واسطة العطف على اذا محذوفة، إذ لا يحسن أن يقال: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها إذا حكمتم بين الناس، وأن تحموا بالعدل. اللهم أن يقدر مؤخرا عن بالعدل، فيتعلق بحصة أن تحكموا من يأمر المذكور، فان لقوله: أن تحكموا حصة فى يأمر، ولقوله: أن تؤدوا حصة فيه، فيتعلق بحصة أن تحكموا فيه. والحاصل أنه يتعلق بيأمر باعتبار تسلط يأمر على أن تحكموا دون اعتبار تسلط على أن تؤدوا، ويتعلق بتحكموا، لأن معمول صلة أن لا يتقدم عليها خلافا للكوفيين، وسواء فى وجوب العدل فى الحكم أن يكون الحاكم من قبل الامام أو السطان، أو أن يكون حكمه الخصمان على الحكم المأتى يوما اذا قضى قضيته أن لا يجور ويعدل. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين وهم الذين يعدلون فى أنفسهم وأهلهم وما ولوا " تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أحب الناس إِلى الله يوم القيامة وأدناهم عنده مجلساً إِمام عادل، وأبغض الناس عند الله وأبعدهم منه مجلسا إِمام جائر ". تفسير : {إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ}: كسرت عين نعما تبعا للنون، وأصلها الكسر، ولكن كثر اسكانها جدا فكان الأصل فصار كسرها بعد اعتبار الاسكان تبعا للنون، مع أن كسر النون نقل من العين، فسكن العين، وأتبعت النون العين فى الكسر، ثم سكنت العين تخفيفا، أو أدغمت ميم نعم فى ميم ما، وفاعل نعم مستتر عائد الى مبهم يفسره التمييز الذى هو ما، وجملة يعظكم به نعت لما فهى نكرة موصوفة، أو ما فاعل نكره موصوفة أو معرفة موصولة بالجملة بعدها، والمخصوص بالمدح محذوف، أى تأدية الأمانة والحكم بالعدل. {إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا}: عالما بأقوالكم. {بَصِيراً}: عالما بحكامكم وما تفعلون فى الأمانات.

اطفيش

تفسير : {إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} أمانات الله من أوامره ونواهيه، وأمانات الأزواج والأولاد والعبيد، وسائر رعية الإنسان، وأمانات سائر الخلق فلا يخون الإنسان بإفشاء سر، ولا تضييع مال أو إفساده، وسبب نزول الآية خاص، نزلت بمكة، لما فتحت مكة أغلق عثمان بن طلحة ابن عبد الدار البيت وصعد السطح فطلب صلى الله عليه وسلم المفتاح، فقيل إنه مع عثمان، فطلب منه، فأبى وقال: لو علمت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أمنعه المفتاح، فلوى على بن أبى طالب يده وأخذه منه المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت، وصلى ركعتين، وأخرج منه تمثال إبراهيم وقداحا يستقسمون بها، والمقام وكان داخل البيت، وقال: قبحهم الله، ما شأن إبراهيم والقداح، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة، فنزلت الآية، فأمر عليَّا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل، فقال عثمان: أكرهتنى وآذيتنى، ثم جئت برفق إلىَّ، فقال: لقد أنزل الله فى شأنك قرآنا، فقرأها، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهبط جبريل فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن السدانة فى أولاد عثمان أبداً، لا ينزعها منهم إلا ظالم وشهد أن عثمان بن طلحة أسلم فى هدنة الحديبية مع خالد وعمرو بن العاص كما رأيت فى استيعاب أبى عمر يوسف بن عبد البر، وهاجر عثمان بعد، ودفع المفتاح لأخيه شيبة وشهد أنه لم يمتنع، لكن كلما أراد إعطاءه إياه صلى الله عليه وسلم سأل العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيه إياه فيأبى عثمان، حتى قال صلى الله عليه وسلم بعد الامتناع الثانى إن كنت تؤمن بالله فأعطنيه، فأعطاه، فقال خذه على أمانة الله، وعلى كل حال هو أمانة فى يد عثمان ممن قبله، وهكذا حقق، والتحقيق أن الخطاب عام، وقيل لولاة الأمر ويناسبه قوله تعالى {وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} الواو داخلة على تحكموا، عاطفة له على تؤدوا، وإذا خارج عن الشرط متعلق بتحكموا على أنه لا صدر لأَن المصدرية وذلك قول الكوفيين، أى أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بالعدل إذا أردتم الحكم بين الناس، والبصريون يعطفون إذا على محذوف أى إن الله يأمركم فى كل وقت بأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وفى وقت الحكم بين الناس بأن تحكموا بالعدل، أو يعلق بيأمر، مقدرا أى ويأمركم إذا حكمتم الخ والأمر من الله سابق لكن اعتبر تعلقه بالحكام، والخطاب لكل من يصلح للحكم ممن عينه الإمام أو السلطان فينفذ أمره، أو لم يعينه فلا ينفذ إلا برضى الخصمين، ولو نفذ فيما بيهما وبين الله، روى أن صبيين تحاكما إلى الحسن بن على، أيهما أجود خطا، فقال على: يا بنى انظر كيف تحكم، فإن الله تعالى سائلك عما تحكم به يوم القيامة، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا على سوٍّ بين الخصمين فى لفظك ولحظك" تفسير : {إنَّ اللهَ نِعَمَّا يَعْظُكُم بِهِ} من أداء الأمانات والحكم بالعدل {إنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} بكم وبأحوالكم، ومنها حالكم فى الأمانات والحكم، ما واقعة على الشىء موصولة، أى نعم الشىء الذى يعظكم به تأدية الأمانة والحكم بالعدل.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا} أخرج ابن مردويه من طريق الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن أبـي طلحة فلما أتاه قال: أرني المفتاح فأتاه به فلما بسط يده إليه قام العباس فقال: يا رسول الله بأبـي أنت وأمي اجعله لي مع السقاية فكف عثمان يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرني المفتاح يا عثمان فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى فكف عثمان يده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله تعالى فقام ففتح الكعبة فوجد فيها تمثال إبراهيم عليه السلام معه قداح يستقسم بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما للمشركين قاتلهم الله تعالى وما شأن إبراهيم عليه السلام وشأن القداح وأزال ذلك، وأخرج مقام إبراهيم عليه السلام وكان في الكعبة؛ ثم قال: أيها الناس هذه القبلة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل عليه السلام ـ فيما ذكر لنا ـ برد المفتاح فدعا عثمان بن أبـي طلحة فأعطاه المفتاح ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ}» الآية. تفسير : وفي رواية الطبراني «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أعطى المفتاح: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم»تفسير : يعني سدانة الكعبة، وفي «تفسير ابن كثير» «أن عثمان دفع المفتاح بعد ذلك إلى أخيه شيبة بن أبـي طلحة فهو في يد ولده إلى اليوم»، وذكر الثعلبـي والبغوي والواحدي «أن عثمان امتنع عن إعطاء المفتاح للنبـي صلى الله عليه وسلم وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي كرم الله تعالى وجهه يده وأخذه منه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يجمع له السدانة والسقاية فنزلت فأمر علياً كرم الله تعالى وجهه أن يرد ويعتذر إليه وصار ذلك سبباً لإسلامه ونزول الوحي بأن السدانة في أولاده أبداً» وما ذكرناه أولى بالاعتبار. أما أولاً: فلما قال الأشموني: إن المعروف عند أهل السير أن عثمان بن طلحة أسلم قبل ذلك في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ـ كما ذكره ابن إسحق وغيره وجزم به ابن عبد البر في «الاستيعاب». والنووي في «تهذيبه». والذهبـي وغيرهم، وأما ثانياً: فلما فيه من المخالفة لما ذكره ابن كثير، وقد نصوا على أنه هو الصحيح، وأما ثالثاً: فلأن المفتاح على هذا لا يعد أمانة لأن علياً كرم الله تعالى وجهه أخذه منه قهراً وما هذا شأنه هو الغصب لا الأمانة، والقول ـ بأن تسمية ذلك أمانة لأن الله تعالى لم يرد نزعه منه، أو للإشارة إلى أن الغاصب يجب أن يكون كالمؤتمن في قصد الرد، أو إلى أن علياً كرم الله تعالى وجهه لما قصد بأخذه الخير وكان أيضاً بأمر النبـي صلى الله عليه وسلم جعل كالمؤتمن في أنه لا ذنب عليه لا يخلو عن بعد، وأياً مّا كان فالخطاب يعم كل أحد ـ كما أن الأمانات، وهي جمع أمانة مصدر سمي به المفعول ـ تعم الحقوق المتعلقة بذممهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية، وعموم الحكم لا ينافي خصوص السبب، وقد روي ما يدل على العموم عن ابن عباس. وأبي. وابن مسعود. والبراء بن عازب وأبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وإليه ذهب الأكثرون، وعن زيد بن أسلم ـ واختاره الجبائي وغيره / أن هذا خطاب لولاة الأمر أن يقوموا برعاية الرعية وحملهم على موجب الدين والشريعة، وعدوا من ذلك تولية المناصب مستحقيها، وجعلوا الخطاب الآتي لهم أيضاً، وفي تصدير الكلام ـ بإن ـ الدالة على التحقيق وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، ولهذا ورد من حديث ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا إيمان لمن لا أمانة له»تفسير : . وأخرج البيهقي في «الشعب» عن ابن عمر عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أربع إذا كن فيك فلا عليك فيما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خليقة وعفة طعمة»تفسير : . وأخرج عن ميمون بن مهران «ثلاث تؤدين إلى البر والفاجر: الرحم توصل برة كانت أو فاجرة والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر والعهد يوفى به للبر والفاجر»، وأخرج مسلم عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان»تفسير : والأخبار في ذلك كثيرة، وقرىء ـ الأمانة ـ بالإفراد والمراد الجنس لا المعهود أي يأمركم بأداء أيّ أمانة كانت. {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} أمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذممهم، فالواو للعطف، والظرف متعلق بما بعد أن وهو معطوف على {أَن تُؤدُّواْ} والجار متعلق به أو بمقدر وقع حالاً من فاعله أي: ويأمركم أن تحكموا بالإنصاف والسوية، أو متلبسين بذلك إذا قضيتم بين الناس ممن ينفذ عليه أمركم أو يرضى بحكمكم، وهذا مبني على مذهب من يرى جواز تقدم الظرف المعمول لما في حيز الموصول الحرفي عليه، والفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وفي «التسهيل» الفصل بين العاطف والمعطوف إذا لم يكن فعلاً بالظرف والجار والمجرور جائز وليس ضرورة خلافاً لأبـي علي، ولقيام الخلاف في المسألة ذهب أبو حيان إلى أن الظرف متعلق بمقدر يفسره المذكور أي ـ وأن تحكموا إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ـ ليسلم مما تقدم، ولا يجوز تعلقه بما قبله لعدم استقامة المعنى لأن تأدية الأمانة ليست وقت الحكومة، والمراد بالحكم ما كان عن ولاية عامة أو خاصة، وأدخلوا في ذلك ما كان عن تحكيم. وفي بعض الآثار أن صبيين ارتفعا إلى الحسن رضي الله تعالى عنه ابن علي كرم الله تعالى وجهه في خط كتباه وحكماه في ذلك ليحكم أي الخطين أجود فبصر به علي كرم الله تعالى وجهه فقال: يا بني أنظر كيف تحكم فإن هذا حكم والله تعالى سائلك عنه يقوم القيامة. {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال وإظهار الاسم الأعظم لتربية المهابة وهو اسم {أِنَّ} وجملة {نِعِمَّا يَعِظُكُمْ} خبرها، و (ما) إما بمعنى الشيء معرفة تامة، و{يَعِظُكُمْ} صفة موصوف محذوف وهو المخصوص بالمدح، أي نعم الشيء شيء يعظكم به، ويجوز ـ نعم هو أي الشيء شيئاً يعظكم به ـ والمخصوص بالمدح محذوف، وإما بمعنى الذي وما بعدها صلتها وهو فاعل ـ نعم ـ والمخصوص محذوف أيضاً، أي نعم الذي يعظكم به تأدية الأمانة والحكم بالعدل ـ قاله أبو البقاء ـ ونظر فيه بأنه قد تقرر أن فاعل ـ نعم ـ إذا كان مظهراً لزم أن / يكون محلى بلام الجنس أو مضافاً إليه كما في «المفصل»، وأجيب بأن سيبويه جوز قيام (ما) إذا كانت معرفة تامة مقامه، وابن السراج أيضاً جوز قيام الموصولة لأنها في معنى المعرف باللام، واعترض القول بوقوع (ما) تمييزاً بأنها مساوية للمضمر في الإبهام فلا تميزه لأن التمييز لبيان جنس المميز، وأجيب بمنع كونها مساوية له لأن المراد بها شيء عظيم، والضمير لا يدل على ذلك، ومن الغريب ما قيل: إن (ما) كافة فتدبر، وقد تقدم الكلام فيما في {نِعِمَّا} من القراءات {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً} بجميع المسموعات ومنها أقوالكم {بَصِيراً} بكل شيء ومن ذلك أفعالكم، ففي الجملة وعد ووعيد، وقد روي أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لعلي كرم الله تعالى وجهه: حديث : سوّ بين الخصمين في لحظك ولفظك.

سيد قطب

تفسير : هذا الدرس يتناول موضوعاً خطيراً.. الموضوع الأساسي في حياة الأمة المسلمة. إنه يتناول بيان شرط الإيمان وحدّه؛ متمثلاً في النظام الأساسي لهذه الأمة.. ومن الموضوع في ذاته، ومن طريقة ارتباطه وامتزاجه بالنظام الأساسي للأمة، يستمد خطورته وخطره.. إن القرآن وهو - ينشىء هذه الأمة وينشئها - وهو يخرجها إلى الوجود إخراجاً. كما قال الله تعالى في التعبير القرآني الدقيق: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس } تفسير : إن القرآن وهو ينشىء هذه الأمة من حيث لم تكن؛ وينشئها لتصبح أمة فريدة في تاريخ البشر: {أية : خير أمة أخرجت للناس}تفسير : .. ويجب أن نؤكد هذه الحقيقة ونوضحها قبل المضي في الحديث: حقيقة إنشاء القرآن لهذه الأمة وتنشئتها معاً.. فقد كانت - على التحقيق - إنشاء وتنشئة، كانت ميلاداً جديداً للأمة؛ بل ميلاداًَ جديداً "للإنسان" في صورة جديدة! ولم تكن مرحلة في طريق النشأة؛ ولا خطوة في سبيل التطور، ولا حتى وثبة من وثبات النهضة! إنما كانت - على وجه التحديد - "نشأة"! و"ميلاداً" للأمة العربية وللإنسان كله! وحين ننظر إلى الشعر الجاهلي - والنتف الأخرى من المأثورات الجاهلية - وهو ديوان العرب، الذي تضمن أعلى وأخلد ما كان للعرب من نظرة للحياة والوجود, والكون والإنسان والخلق والسلوك؛ كما تضمن معالم حياتهم، ومكنون مشاعرهم، ومجموع تصوراتهم؛ ولباب ثقافتهم وحضارتهم؛ وكينونتهم كلها بالاختصار.. حين ننظر إلى مجموعة الثقافات والتصورات والقيم التي يتضمنها هذا الديوان؛ في ظل القرآن؛ وما تضمنه من نظرة للوجود والحياة، وللكون والإنسان؛ ومن قيم في الحياة الإنسانية ; ومن نظام للمجتمع؛ ومن تصور لغاية الوجود الإنساني. ومن تنظيم واقعي يقوم على أساس هذا التصور.. ثم ننظر إلى واقع العرب قبل الإسلام وبعده.. في ظل تلك التصورات الجاهلية التي تتمثل في ديوانها. ثم في ظل هذه التصورات القرآنية التي تمثل المنهج الرباني.. حين ننظر إلى الديوان المأثور والحياة الواقعية.. في ظل القرآن وواقع الحياة الإسلامية: يتبين لنا على وجه التأكيد والتحديد.. أنها كانت نشأة ولم تكن خطوة ولا مرحلة ولا وثبة! كانت "إخراجاً" من صنع الله؛ كتعبير القرآن الدقيق.. وكانت أعجب نشأة؛ وأغرب إخراج.. فيهي المرة الأولى والأخيرة - فيما نعلم - التي تنبثق فيها أمة من بين دفتي كتاب! و "تخرج" فيها حياة من خلال الكلمات! ولكن لا عجب.. فهذه الكلمات.. كلمات الله.. ومن أراد المجادلة والمماحلة، فليقل لنا أين كانت هذه الأمة قبل أن" يخرجها" الله بكلماته؛ وقيل أن ينشئها الله بقرآنه؟ إننا نعرف أنها كانت في الجزيرة العربية! ولكن أين كانت في الوجود "الإنساني"؟ أين كانت في سجل الحضارة البشرية؟ أين كانت في التاريخ العالمي؟ أين كانت تجلس على المائدة العالمية الإنسانية؟ وماذا كانت تقدم على هذه المائدة، فيعرف باسمها ويحمل طابعها؟ لقد" نشأت" هذه الأمة نشأتها بهذا الدين؛ ونُشئت تنشئتها بهذا المنهج القويم؛ وقادت نفسها وقادت البشرية بعد ذلك بكتاب الله الذي في يدها، وبمنهجه الذي طبع حياتها.. لا بشيء آخر.. وأمامنا التاريخ! وقد صدقها الله وعده وهو يقول للعرب: {أية : لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم.. أفلا تعقلون }. تفسير : فبسبب من هذا الكتاب ذكرت هذه الأمة في الأرض؛ وكان لها دورها في التاريخ؛ وكان لها "وجود إنساني" ابتداء، وحضارة عالمية ثانياً.. ذلك بينما يريد جماعة من الحمقى أن يرفضوا نعمة الله هذه على الأمة العربية؛ ويجحدوا فضل الله في أن جعل كلمته الأخيرة لأهل الأرض قاطبة في العرب وبلسانهم.. ومن ثم جعل لهم وجوداً وذكراً وتاريخاً وحضارة - يريدون أن يخلعوا هذا الرداء الذي ألبسهم الله إياه؛ وأن يمزقوا هذه الراية التي قادتهم إلى الذكر والمجد.. بل إلى الوجود يوم أخرج الله منهم الأمة المسلمة! نقول.. إن القرآن حين كان"ينشىء" هذه الأمة و "ينشئها".. ويخطط ويثبت ملامح الإسلام الجديدة، في الجماعة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - ويطمس ويمحو ملامح الجاهلية في حياتها ونفوسها ورواسبها.. وينظم مجتمعها - أو يقيمه ابتداء - على أساس الميلاد الجديد.. وحين كان يخوض بالجماعة المسلمة المعركة؛ في مواجهة الجاهلية الراسبة في نفوسها وأوضاعها من مخلفات البيئة التي التقطها المنهج الرباني منها؛ وفي مواجهة الجاهلية الرابضة فيها ومن حولها - ممثلة في يهود المدينة ومنافقيها ومشركي مكة وما حولها - والمعركتان موصولتان في الزمان والمكان! حين كان القرآن يصنع ذلك كله.. كان يبدأ فيقيم للجماعة المسلمة تصورها الصحيح، ببيان شرط الإيمان وحدّ الإسلام؛ ويربط بهذا التصور - في هذه النقطة بالذات - نظامها الأساسي، الذي يميز وجودها من وجود الجاهلية حولها؛ ويفردها بخصائص الأمة التي أخرجت للناس، لتبين للناس، وتقودهم إلى الله.. نظامها الرباني.. وهذا الدرس يتولى بيان هذا النظام الأساسي، قائماً ومنبثقاً من التصور الإسلامي لشرط الإيمان وحدّ الإسلام! إنه يتولى تحديد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها؛ والطريقة التي تتلقى بها؛ والمنهج الذي تفهم به ما تتلقى، وترد إليه ما يجدّ من مشكلات وأقضية لم يرد فيها نص وتختلف الأفهام فيها؛ والسلطة التي تطيعها وعلة طاعتها ومصدر سلطانها.. ويقول: إن هذا هو شرط الإيمان وحدّه الإسلام.. وعندئذ يلتقي "النظام الأساسي" لهذه الأمة؛ بالعقيدة التي تؤمن بها.. في وحدة لا تتجزأ؛ ولا تفترق عناصرها.. وهذا هو الموضوع الخطير الذي يجلوه هذا الدرس جلاء دقيقاً كاملاً.. وهذه هي القضية التي تبدو، بعد مطالعة هذا الدرس، بديهية يعجب الإنسان كيف يجادل "مسلم" فيها! إنه يقول للأمة المسلمة: إن الرسل أرسلت لتطاع - بإذن الله - لا لمجرد الإبلاغ والإقناع: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}.. ويقول لها: إن الناس لا يؤمنون - ابتداء - إلا أن يتحاكموا إلى منهج الله؛ ممثلاً - في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم - في أحكام الرسول. وباقياً بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة؛ ولا يكفي أن يتحاكموا - إليه ليحسبوا مؤمنين - بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين: {فلا وربك.. لا يومنون.. حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}.. فهذا هو شرط الإيمان وحد الإسلام. ويقول لها: إن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - أي إلى غير شريعة الله - لا يقبل منهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله. فهو زعم كاذب. يكذبه أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً}. ويقول لها: إن علامة النفاق أن يصدوا عن التحاكم إلى ما أنزل الله والتحاكم إلى رسول الله: {وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً}. ويقول لها: إن منهجها الإيماني ونظامها الأساسي، أن تطيع الله - عز وجل - في هذا القرآن - وأن تطيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سنته - وأولي الأمر من المؤمنين الداخلين في شرط الإيمان وحد الإسلام معكم: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول. وأولي الأمر منكم}.. ويقول لها: إن المرجع، فيما تختلف فيه وجهات النظر في المسائل الطارئة المتجددة، والأقضية التي لم ترد فيها أحكام نصية.. إن المرجع هو الله ورسوله.. أي شريعة الله وسنة رسوله: {فإن تنازعتم في شيء، فردوه إلى الله والرسول}.. وبهذا يبقى المنهج الرباني مهيمناً على ما يطرأ على الحياة من مشكلات وأقضية كذلك، أبد الدهر، في حياة الأمة المسلمة.. وتمثل هذه القاعدة نظامها الأساسي، الذي لا تكون مؤمنة إلا به، ولا تكون مسلمة إلا بتحقيقه.. إذ هو يجعل الطاعة بشروطها تلك، ورد المسائل التي تجد وتختلف فيها وجهات النظر إلى الله ورسوله.. شرط الإيمان وحد الإسلام.. شرطاً واضحاً ونصاً صريحاً: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}.. ولا ننسَ ما سبق بيانه عند قوله تعالى: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : من أن اليهود وصموا بالشرك بالله، لأنهم كانوا يتخذون أحبارهم أرباباً من دون الله - لا لأنهم عبدوهم - ولكن لأنهم قبلوا منهم التحليل والتحريم؛ ومنحوهم حق الحاكمية والتشريع - ابتداء من عند أنفسهم - فجعلوا بذلك مشركين.. الشرك الذي يغفر الله كل ما عداه. حتى الكبائر.. "وإن زنى وإن سرق. وإن شرب الخمر".. فرد الأمر كله إلى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية. ومن ثم إفراده بالحاكمية. فهي أخص خصائص الألوهية. وداخل هذا النطاق يبقى المسلم مسلماً ويبقى المؤمن مؤمناً. ويطمع أن يغفر له ذنوبه ومنها كبائره.. أما خارج هذا النطاق فهو الشرك الذي لا يغفره الله أبداً.. إذ هو شرط الإيمان وحد الإسلام. {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر..} هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس. بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض. من إقرار مبادىء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. إن الله نعما يعظكم به.. إن الله كان سميعاً بصيراً}.. وقد ألممنا به إجمالاً. فنأخذ في مواجهة النصوص تفصيلاً.. {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها؛ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. إن الله نعما يعظكم به. إن الله كان سميعاً بصيراً}.. هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة؛ وهذا هو خلقها: أداء الأمانات إلى أهلها. والحكم بين "الناس" بالعدل. على منهج الله وتعليمه. والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى.. الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان؛ والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها "الإنسان".. أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه. فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة. فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به، والاهتداء إليه، ومعرفته، وعبادته، وطاعته. وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه. والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته، وإلى عقله، وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله، بعون من الله: {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} تفسير : وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات. ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات، التي يأمر الله أن تؤدى: ومن هذه الأمانات: أمانة الشهادة لهذا الدين.. الشهادة له في النفس أولاً بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له. ترجمة حية في شعورها وسلوكها. حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس. فيقولوا: ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون.. والشهادة له بدعوة الناس إليه، وبيان فضله ومزيته - بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية - فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان. وهي إحدى الأمانات.. ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض؛ منهجاً للجماعة المؤمنة؛ ومنهجاً للبشرية جميعاً.. المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات؛ بعد الإيمان الذاتي. ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة.. ومن ثم فـ "الجهاد ماض إلى يوم القيامة" على هذا الأساس.. أداء لإحدى الأمانات.. ومن هذه الأمانات - الداخلة في ثنايا ما سبق - أمانة التعامل مع الناس؛ ورد أماناتهم إليهم: أمانة المعاملات والودائع المادية. وأمانة النصيحة للراعي وللرعية. وأمانة القيام على الأطفال الناشئة. وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها... وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال.. فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى؛ ويجملها النص هذا الإجمال.. فأما الحكم بالعدل بين "الناس" فالنص يطلقه هكذا عدلاً شاملاً "بين الناس" جميعاً. لا عدلاً بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب. ولا عدلاً مع أهل الكتاب، دون سائر الناس.. وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه "إنساناً". فهذه الصفة - صفة الناس - هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني. وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعاً: مؤمنين وكفاراً. أصدقاء وأعداء. سوداً وبيضاً. عرباً وعجماً. والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل - متى حكمت في أمرهم - هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط - في هذه الصورة - إلا على يد الإسلام، وإلا في حكم المسلمين، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية.. والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة؛ فلم تذق له طعماً قط، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعاً. لأنهم "ناس"! لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه "الناس"! وذلك هو أساس الحكم في الإسلام؛ كما أن الأمانة - بكل مدلولاتها - هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي. والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها؛ والحكم بين الناس بالعدل؛ هو التذكير بأنه من وعظ الله - سبحانه - وتوجيهه. ونعم ما يعظ الله به ويوجه: {إن الله نعما يعظكم به}.. ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه. فالأصل في تركيب الجملة: إنه نعم ما يعظكم الله به.. ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة، فيجعله "اسم إن" ويجعل نعم ما "نعما" ومتعلقاتها، في مكان "خبر إن" بعد حذف الخبر.. ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله - سبحانه - وهذا الذي يعظهم به.. ثم إنها لم تكن "عظة" إنما كانت "أمراً".. ولكن التعبير يسميه عظة. لأن العظة أبلغ إلى القلب، وأسرع إلى الوجدان، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء! ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية؛ يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه: {إن الله كان سميعاً بصيراً}.. والتناسق بين المأمور به من التكاليف؛ وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس؛ وبين كون الله سبحانه "سميعاً بصيراً" مناسبة واضحة ولطيفة معاً.. فالله يسمع ويبصر، قضايا العدل وقضايا الأمانة. والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر، وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر. وأخيراً فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور. وبعد فالأمانة والعدل.. ما مقياسهما؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما؟ في كل مجال في الحياة، وفي كل نشاط للحياة؟ أنترك مدلول الأمانة والعدل؛ ووسائل تطبيقها وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم؟ وإلى ما تحكم به عقولهم - أو أهواؤهم؟ إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان: هذا حق.. ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات، متأثراً بشتى المؤثرات.. ليس هناك ما يسمى "العقل البشري" كمدلول مطلق! إنما هناك عقلي وعقلك، وعقل فلان وعلان، وعقول هذه المجموعة من البشر، في مكان ما وفي زمان ما.. وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى؛ تميل بها من هنا، وتميل بها من هناك.. ولا بد من ميزان ثابت، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة؛ فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها. ومدى الشطط والغلو، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات. وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان.. الميزان الثابت، الذي لا يميل مع الهوى، ولا يتأثر بشتى المؤثرات.. ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين.. فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها. فتختل جميع القيم.. ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم. والله يضع هذا الميزان للبشر، للأمانة والعدل، ولسائر القيم، وسائر الأحكام، وسائر أوجه النشاط، في كل حقل من حقول الحياة: {يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله؛ وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر.. منكم.. فإن تنازعتم في شيء، فردوه إلى الله والرسول. إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير وأحسن تأويلاً}.. وفي هذا النص القصير يبين الله - سبحانه - شرط الإيمان وحد الإسلام. في الوقت الذي يبين فيه قاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة؛ وقاعدة الحكم، ومصدر السلطان.. وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده؛ والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصاً، من جزيئات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال؛ مما تختلف فيه العقول والآراء والأفهام.. ليكون هنالك الميزان الثابت، الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام! إن "الحاكمية" لله وحده في حياة البشر - ما جل منها وما دق، وما كبر منها وما صغر - والله قد سن شريعة أودعها قرآنه. وأرسل بها رسولاً يبينها للناس. ولا ينطق عن الهوى. فسنته - صلى الله عليه وسلم - من ثم شريعة من شريعة الله. والله واجب الطاعة. ومن خصائص ألوهيته أن يسن الشريعة. فشريعته واجبة التنفيذ. وعلى الذين آمنوا أن يطيعوا الله - ابتداء - وأن يطيعوا الرسول - بما له من هذه الصفة. صفة الرسالة من الله - فطاعته إذن من طاعة الله، الذي أرسله بهذه الشريعة، وببيانها للناس في سنته.. وسنته وقضاؤه - على هذا - جزء من الشريعة واجب النفاذ.. والإيمان يتعلق - وجوداً وعدماً - بهذه الطاعة وهذا التنفيذ - بنص القرآن: {إن كنم تؤمنون بالله واليوم الآخر}.. فأما أولو الأمر؛ فالنص يعين من هم. {وأولي الأمر.. منكم..} أي من المؤمنين.. الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية.. من طاعة الله وطاعة الرسول؛ وإفراد الله - سبحانه - بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء؛ والتلقي منه وحده - فيما نص عليه - والرجوع إليه أيضاً فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء، مما لم يرد فيه نص؛ لتطبيق المبادىء العامة في النصوص عليه. والنص يجعل طاعة الله أصلاً؛ وطاعة رسوله أصلاً كذلك - بما أنه مرسل منه - ويجعل طاعة أولي الأمر.. منكم.. تبعاً لطاعة الله وطاعة رسوله. فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم، كما كررها عند ذكر الرسول- صلى الله عليه وسلم - ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله - بعد أن قرر أنهم "منكم" بقيد الإيمان وشرطه.. وطاعة أولي الأمر.. منكم.. بعد هذه التقريرات كلها، في حدود المعروف المشروع من الله، والذي لم يرد نص بحرمته؛ ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مبادىء شريعته، عند الاختلاف فيه.. والسنة تقرر حدود هذه الطاعة، على وجه الجزم واليقين: في الصحيحين من "حديث : حديث الأعمش: إنما الطاعة في المعروف ". تفسير : وفيهما من "حديث : حديث يحيى القطان: السمع والطاعة على المرء المسلم. فيما أحب أو كره. ما لم يؤمر بمعصية. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". تفسير : وأخرج مسلم من "حديث : حديث أم الحصين: ولو استعمل عليكم عبد. يقودكم بكتاب الله. اسمعوا له وأطيعوا ". تفسير : بهذا يجعل الإسلام كل فرد أميناً على شريعة الله وسنة رسوله. أميناً على إيمانه وهو ودينه. أميناً على نفسه وعقله. أميناً على مصيره في الدنيا والآخرة.. ولا يجعله بهيمة في القطيع؛ تزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع! فالمنهج واضح، وحدود الطاعة واضحة. والشريعة التي تطاع والسنة التي تتبع واحدة لا تتعدد، ولا تتفرق، ولا يتوه فيها الفرد بين الظنون! ذلك فيما ورد فيه نص صريح. فأما الذي لم يرد فيه نص. وأما الذي يعرض من المشكلات والأقضية، على مدى الزمان وتطور الحاجات واختلاف البيئات - ولا يكون فيه نص قاطع، أو لا يكون فيه نص على الإطلاق.. مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام - فإنه لم يترك كذلك تيهاً. ولم يترك بلا ميزان. ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع.. ووضع هذا النص القصير، منهج الاجتهاد كله، وحدده بحدوده؛ وأقام "الأصل" الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضاً. {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}.. ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمناً. فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو، فردوه إلى المبادىء الكلية العامة في منهج الله وشريعته.. وهذه ليست عائمة، ولا فوضى، ولا هي من المجهلات التي تتيه فيها العقول كما يحاول بعض المخادعين أن يقول. وهناك - في هذا الدين - مبادىء أساسية واضحة كل الوضوح، تغطي كل جوانب الحياة الأساسية، وتضع لها سياجاً خرقه لا يخفى على الضمير المسلم المضبوط بميزان هذا الدين. {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}.. تلك الطاعة لله والطاعة للرسول، ولأولي الأمر المؤمنين القائمين على شريعة الله وسنة الرسول.. ورد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول.. هذه وتلك شرط الإيمان بالله واليوم الآخر. كما أنها مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر.. فلا يوجد الإيمان ابتداء وهذا الشرط مفقود.. ولا يوجد الإيمان، ثم يتخلف عنه أثره الأكيد. وبعد أن يضع النص المسألة في هذا الوضع الشرطي، يقدمها مرة أخرى في صورة "العظة" والترغيب والتحبيب؛ على نحو ما صنع في الأمر بالأمانة والعدل ثم التحبيب فيها والترغيب: {ذلك خير وأحسن تأويلاً}.. ذلك خير لكم وأحسن مآلاً. خير في الدنيا وخير في الآخرة. وأحسن مآلاً في الدنيا وأحسن مآلاً في الآخرة كذلك.. فليست المسألة أن اتباع هذا المنهج يؤدي إلى رضاء الله وثواب الآخرة - وهو أمر هائل، عظيم - ولكنه كذلك يحقق خير الدنيا وحسن مآل الفرد والجماعة في هذه الحياة القريبة. إن هذا المنهج معناه: أن يستمتع "الإنسان" بمزايا منهج يضعه له الله.. الله الصانع الحكيم العليم البصير الخبير.. منهج بريء من جهل الإنسان وهوى الإنسان، وضعف الإنسان، وشهوة الإنسان. منهج لا محاباة فيه لفرد، ولا لطبقة، ولا لشعب، ولا لجنس، ولا لجيل من البشر على جيل.. لأن الله رب الجميع، ولا تخالجه - سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - شهوة المحاباة لفرد، أو طبقة، أو شعب، أو جنس، أو جيل. ومنهج من مزاياه، أن صانعه هو صانع هذا الإنسان.. الذي يعلم حقيقة فطرته، والحاجات الحقيقية لهذه الفطرة، كما يعلم منحنيات نفسه ودروبها؛ ووسائل خطابها وإصلاحها، فلا يخبط - سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - في تيه التجارب بحثاً عن منهج يوافق. ولا يكلف البشر ثمن هذه التجارب القاسية، حين يخبطون هم في التيه بلا دليل! وحسبهم أن يجربوا في ميدان الإبداع المادي ما يشاءون، فهو مجال فسيح جد فسيح للعقل البشري. وحسبهم كذلك أن يحاول هذا العقل تطبيق ذلك المنهج؛ ويدرك مواضع القياس والاجتهاد فيما تتنازع فيه العقول. ومنهج من مزاياه أن صانعه هو صانع هذا الكون، الذي يعيش فيه الإنسان. فهو يضمن للإنسان منهجاً تتلاءم قواعده مع نواميس الكون؛ فلا يروح يعارك هذه النواميس. بل يروح يتعرف إليها، ويصادقها، وينتفع بها.. والمنهج يهديه في هذا كله ويحميه. ومنهج من مزاياه أنه - في الوقت الذي يهدي فيه الإنسان ويحميه - يكرمه ويحترمه ويجعل لعقله مكاناً للعمل في المنهج.. مكان الاجتهاد في فهم النصوص الواردة. ثم الاجتهاد في رد ما لم يرد فيه نص إلى النصوص أو إلى المبادىء العامة للدين.. ذلك إلى المجال الأصيل، الذي يحكمه العقل البشري، ويعلن فيه سيادته الكاملة: ميدان البحث العلمي في الكون؛ والإبداع المادي فيه.. {ذلك خير وأحسن تأويلاً}.. وصدق الله العظيم: وحين ينتهي السياق من تقرير هذه القاعدة الكلية، في شرط الإيمان وحد الإسلام، وفي النظام الأساسي للأمة المسلمة، وفي منهج تشريعها وأصوله.. يلتفت إلى الذين ينحرفون عن هذه القاعدة؛ ثم يزعمون - بعد ذلك - أنهم مؤمنون! وهم ينقضون شرط الإيمان وحد الإسلام. إذ يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله.. {إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}.. يلتفت إليهم ليعجب من أمرهم ويستنكر.. وليحذرهم - وأمثالهم - من إرادة الشيطان بهم الضلال. ويصف حالهم حين يدعون إلى ما أنزل الله وإلى الرسول فيصدون. ويعتبر هذا الصدود نفاقاً. كما اعتبر إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت خروجاً من الإيمان - بل وعدم دخول فيه ابتداء - كما يصف معاذيرهم الواهية الكاذبة في اتباع هذه الخطة المستنكرة؛ حين تجر عليهم الوبال والنكال.. ومع هذا كله فهو يوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى النصح لهم وموعظتهم.. ويختم المقطع كله ببيان ما أراده الله - سبحانه - من إرسال الرسل.. وهو أن يطاعوا.. ثم بنص صريح جازم في شرط الإيمان وحد الإسلام مرة أخرى.. {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً. فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، ثم جاءوك، يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً. أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم. فأعرض عنهم، وعظهم، وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً. وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. ولو أنهم - إذ ظلموا أنفسهم - جاءوك، فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً.. فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم. ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت؛ ويسلموا تسليماً}.. إن هذا التصوير لهذه المجموعة التي تصفها النصوص، يوحي بأن هذا كان في أوائل العهد بالهجرة. يوم كان للنفاق صولة؛ وكان لليهود - الذين يتبادلون التعاون مع المنافقين - قوة.. وهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله - إلى الطاغوت - قد يكونون جماعة من المنافقين - كما صرح بوصفهم في الآية الثانية من هذه المجموعة - وقد يكونون جماعة من اليهود الذين كانوا يُدعَوْن - حين تجدّ لهم أقضية مع بعضهم البعض أو أهل المدينة - إلى التحاكم إلى كتاب الله فيها.. التوراة أحياناً، وإلى حكم الرسول أحيانا - كما وقع في بعض الأقضية - فيرفضون ويتحاكمون إلى العرف الجاهلي الذي كان سائداً.. ولكننا نرجح الفرض الأول لقوله فيهم: {يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك}.. واليهود لم يكونوا يسلمون أو يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول. إنما كان المنافقون هم الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله (كما هو مقتضى العقيدة الإسلامية من الإيمان بالرسل كلهم). وهذا لم يكن يقع إلا في السنوات الأولى للهجرة. قبل أن تخضد شوكة اليهود في بني قريظة وفي خيبر. وقبل أن يتضاءل شأن المنافقين بانتهاء شأن اليهود في المدينة! على أية حال نحن نجد في هذه المجموعة من الآيات، تحديداً كاملاً دقيقاً حاسماً لشرط الإيمان وحد الإسلام، ونجد شهادة من الله بعدم إيمان الذين {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} {وقد أمروا أن يكفروا به} كما نجد قسماً من الله سبحانه - بذاته العلية - أنهم لا يدخلون في الإيمان؛ ولا يحسبون مؤمنين حتى يحكموا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أقضيتهم. ثم يطيعوا حكمه، وينفذوا قضاءه. طاعة الرضى، وتنفيذ الارتياح القلبي؛ الذي هو التسليم، لا عجزاً واضطراراً. ولكن طمأنينة وارتضاء.. {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً}.. ألم تر إلى هذا العجب العاجب.. قوم.. يزعمون.. الإيمان. ثم يهدمون هذا الزعم في آن؟! قوم {يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك}. ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك؟ إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر، وإلى منهج آخر، وإلى حكم آخر.. يريدون أن يتحاكموا إلى.. الطاغوت.. الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. ولا ضابط له ولا ميزان، مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.. ومن ثم فهو.. طاغوت.. طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية. وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضاً! وهم لا يفعلون هذا عن جهل، ولا عن ظن.. إنما هم يعلمون يقيناً ويعرفون تماماً، أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه: {وقد أمروا أن يكفروا به}.. فليس في الأمر جهالة ولا ظن. بل هو العمد والقصد. ومن ثم لا يستقيم ذلك الزعم. زعم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك! إنما هو الشيطان الذي يريد بهم الضلال الذي لا يرجى منه مآب.. {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً}.. فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت. وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت! هذا هو الدافع يكشفه لهم. لعلهم يتنبهون فيرجعوا. ويكشفه للجماعة المسلمة، لتعرف من يحرك هؤلاء ويقف وراءهم كذلك. ويمضي السياق في وصف حالهم إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول وما أنزل من قبله.. ذلك الذي يزعمون أنهم آمنوا به: {وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً}. يا سبحان الله! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف نفسه! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق الفطري.. وإلا ما كان نفاقاً.. إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان، أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به، وإلى من آمن به. فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه. ثم دعي إلى هذا الذي آمن، به ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه؛ كانت التلبية الكاملة هي البديهية الفطرية. فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية. ويكشف عن النفاق. وينبئ عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان! وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله - سبحانه - أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله. ثم لا يتحاكمون إلى منهج الله ورسوله. بل يصدون عن ذلك المنهج حين يدعون إليه صدوداً! ثم يعرض مظهراً من مظاهر النفاق في سلوكهم؛ حين يقعون في ورطة أو كارثة بسبب عدم تلبيتهم للدعوة إلى ما أنزل الله وإلى الرسول؛ أو بسبب ميلهم إلى التحاكم إلى الطاغوت. ومعاذيرهم عند ذلك. وهي معاذير النفاق: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة - بما قدمت أيديهم - ثم جاءوك يحلفون بالله: إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً}.. وهذه المصيبة قد تصيبهم بسبب انكشاف أمرهم في وسط الجماعة المسلمة - يومذاك - حيث يصبحون معرضين للنبذ والمقاطعة والازدراء في الوسط المسلم. فما يطيق المجتمع المسلم أن يرى من بينه ناساً يزعمون أنهم آمنوا بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه؛ ثم يميلون إلى التحاكم لغير شريعة الله؛ أو يصدون حين يدعون إلى التحاكم إليها.. إنما يقبل مثل هذا في مجتمع لا إسلام له ولا إيمان. وكل ما له من الإيمان زعم كزعم هؤلاء؛ وكل ما له من الإسلام دعوى وأسماء! أو قد تصيبهم المصيبة من ظلم يقع بهم؛ نتيجة التحاكم إلى غير نظام الله العادل؛ ويعودون بالخيبة والندامة من الاحتكام إلى الطاغوت؛ في قضية من قضاياهم. أو قد تصيبهم المصيبة ابتلاء من الله لهم. لعلهم يتفكرون ويهتدون.. وأياً ما كان سبب المصيبة؛ فالنص القرآني، يسأل مستنكراً: فكيف يكون الحال حينئذ! كيف يعودون إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -: {يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً}.. إنها حال مخزية.. حين يعودون شاعرين بما فعلوا..غير قادرين على مواجهة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحقيقة دوافعهم. وفي الوقت ذاته يحلفون كاذبين: أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت - وقد يكون هنا هو عرف الجاهلية - إلا رغبة في الإحسان والتوفيق! وهي دائماً دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته: أنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب، التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة.. إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين.. هي هي دائماً وفي كل حين! والله - سبحانه - يكشف عنهم هذا الرداء المستعار. ويخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه يعلم حقيقة ما تنطوي عليه جوانحهم. ومع هذا يوجهه إلى أخذهم بالرفق، والنصح لهم بالكف عن هذا الالتواء: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم. فأعرض عنهم وعظهم، وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً}.. أولئك الذين يخفون حقيقة نواياهم وبواعثهم؛ ويحتجون بهذه الحجج، ويعتذرون بهذه المعاذير. والله يعلم خبايا الضمائر ومكنونات الصدور.. ولكن السياسة التي كانت متبعة - في ذلك الوقت - مع المنافقين كانت هي الإغضاء عنهم، وأخذهم بالرفق، واطراد الموعظة والتعليم.. والتعبير العجيب: {وقل لهم.. في أنفسهم.. قولاً بليغاً}. تعبير مصور.. كأنما القول يودع مباشرة في الأنفس، ويستقر مباشرة في القلوب. وهو يرغبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كنف الله وكنف رسوله.. بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الاحتكام إلى الطاغوت؛ ومن الصدود عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين يدعون إلى التحاكم إلى الله والرسول.. فالتوبة بابها مفتوح، والعودة إلى الله لم يفت أوانها بعد؛ واستغفارهم الله من الذنب، واستغفار الرسول لهم، فيه القبول! ولكنه قبل هذا كله يقرر القاعدة الأساسية: وهي أن الله قد أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه - لا ليخالف عن أمرهم. ولا ليكونوا مجرد وعاظ! ومجرد مرشدين! {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك، فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً}. وهذه حقيقة لها وزنها.. إن الرسول ليس مجرد "واعظ" يلقي كلمته ويمضي. لتذهب في الهواء - بلا سلطان - كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل؛ أو كما يفهم الذين لا يفهمون مدلول "الدين". إن الدين منهج حياة. منهج حياة واقعية. بتشكيلاتها وتنظيماتها، وأوضاعها، وقيمها، وأخلاقها وآدابها. وعباداتها وشعائرها كذلك. وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان. سلطان يحقق المنهج، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ.. والله أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه وفي حدود شرعه - في تحقيق منهج الدين. منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة. وما من رسول إلا أرسله الله، ليطاع، بإذن الله. فتكون طاعته طاعة لله.. ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني، والشعائر التعبدية.. فهذا وهم في فهم الدين؛ لا يستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل. وهي إقامة منهج معين للحياة، في واقع الحياة.. وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظاً. لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي. يستهتر بها المستهترون، ويبتذلها المبتذلون!!! ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان.. كان دعوة وبلاغاً. ونظاماً وحكماً. وخلافة بعد ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقوم بقوة الشريعة والنظام، على تنفيذ الشريعة والنظام. لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول. وتحقيق إرادة الله من إرسال الرسول. وليست هنالك صورة أخرى يقال لها: الإسلام. أو يقال لها: الدين. إلا أن تكون طاعة للرسول، محققة في وضع وفي تنظيم. ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف؛ ويبقى أصلها الثابت. وحقيقتها التي لا توجد بغيرها.. استسلام لمنهج الله، وتحقيق لمنهج رسول الله. وتحاكم إلى شريعة الله. وطاعة للرسول فيما بلغ عن الله، وإفراد لله - سبحانه - بالألوهية (شهادة أن لا إله إلا الله) ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقاً لله، لا يشاركه فيه سواه. وعدم احتكام إلى الطاغوت. في كثير ولا قليل. والرجوع إلى الله والرسول، فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة، والأحوال الطارئه؛ حين تختلف فيه العقول.. وأمام الذين {ظلموا أنفسهم} بميلهم عن هذا المنهج، الفرصة التي دعا الله المنافقين إليها على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم - ورغبهم فيها.. {ولو أنهم - إذ ظلموا أنفسهم - جاءوك، فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً}.. والله تواب في كل وقت على من يتوب. والله رحيم في كل وقت على من يؤوب. وهو - سبحانه - يصف نفسه بصفته. ويعد العائدين إليه، المستغفرين من الذنب، قبول التوبة وإفاضة الرحمة.. والذين يتناولهم هذا النص ابتداء، كان لديهم فرصة استغفار الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد انقضت فرصتها. وبقي باب الله مفتوحاً لا يغلق. ووعده قائماً لا ينقض. فمن أراد فليقدم. ومن عزم فليتقدم.. وأخيراً يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم. إذ يقسم الله - سبحانه - بذاته العلية، أنه لا يؤمن مؤمن، حتى يحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره كله. ثم يمضي راضياً بحكمه، مسلماً بقضائه. ليس في صدره حرج منه، ولا في نفسه تلجلج في قبوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم. ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلموا تسليماً}.. ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحدّ الإسلام. يقرره الله سبحانه بنفسه. ويقسم عليه بذاته. فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحد الإسلام، ولا تأويل لمؤول. اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام.. وهي أن هذا القول مرهون بزمان، وموقوف على طائفة من الناس! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئاً؛ ولا يفقه من التعبير القرآني قليلاً ولا كثيراً. فهذه حقيقة كلية من حقائق الإسلام؛ جاءت في صورة قسم مؤكد؛ مطلقة من كل قيد.. وليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو تحكيم شخصه. إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه. وإلا لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - وذلك قول أشد المرتدين ارتداداً على عهد أبي بكر - رضي الله عنه - وهو الذي قاتلهم عليه قتال المرتدين. بل قاتلهم على ما هو دونه بكثير. وهو مجرد عدم الطاعة لله ورسوله، في حكم الزكاة؛ وعدم قبول حكم رسول الله فيها، بعد الوفاة! وإذا كان يكفي لإثبات "الإسلام" أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله.. فانه لا يكفي في "الإيمان" هذا، ما لم يصحبه الرضى النفسي، والقبول القلبي، وإسلام القلب والجنان، في اطمئنان! هذا هو الإسلام.. وهذا هو الإيمان.. فلتنظر نفس أين هي من الإسلام؛ وأين هي من الإيمان! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان! وبعد أن يقرر أن لا إيمان قبل تحكيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبل الرضى والتسليم بقضائه، يعود ليقول: إن هذا المنهج الذي يدعون إليه؛ وهذه الشريعة التي يقال لهم: تحاكموا إليها - لا لسواها - وهذا القضاء الذي يتحتم عليهم قبوله والرضاء به... إنه منهج ميسر، وشريعة سمحة، وقضاء رحيم.. إنه لا يكلفهم شيئاً فوق طاقتهم؛ ولا يكلفهم عنتاً يشق عليهم؛ ولا يكلفهم التضحية بعزيز عليهم.. فالله يعلم ضعف الإنسان؛ ويرحم هذا الضعف. والله يعلم أنهم لو كلفوا تكاليف شاقة، ما أداها إلا قليل منهم.. وهو لا يريد لهم العنت، ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية.. ومن ثم لم يكتب عليهم ما يشق، وما يدعو الكثيرين منهم للتقصير والمعصية. ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم؛ واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها؛ لنالوا خيراً عظيماً في الدنيا والآخرة؛ ولأعانهم الله بالهدى، كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة، في حدود الطاقة: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه - إلا قليل منهم - ولو أنهم فعلوا ما يوعظون، به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتا؛ وإذن لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً؛ ولهديناهم صراطاً مستقيماً}.. إن هذا المنهج ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية. إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة، التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر. وهذا الدين لم يجىء لهذه القلة القليلة. إنه جاء للناس جميعاً. والناس معادن، وألوان، وطبقات. من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف. وهذا الدين ييسر لهم جميعاً أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه، وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها. وقتل النفس، والخروج من الديار.. مثلان للتكاليف الشاقة، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم. وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس؛ وأن ينكل عنها عامة الناس. بل المراد أن يؤديها الجميع، وأن يقدر عليها الجميع، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية؛ وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس، وطبقات الهمم، وطبقات الاستعدادات؛ وأن ينميها جميعاً ويرقيها، في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض! قال ابن جريج: حدثنا المثنى إسحاق أبو الأزهر، عن إسماعيل، "حديث : عن أبي إسحاق السبيعي قال: لما نزلت: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم}... الآية: قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا.. فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ". تفسير : وروى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن مصعب بن ثابت. عن عمه "حديث : عامر بن عبدالله بن الزبير. قال: لما نزلت {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم ". تفسير : وفي رواية له - بإسناده - "حديث : عن شريح بن عبيد: قال: لما تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم...} الآية، أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى عبدالله ابن رواحة، فقال: لو أن الله كتب هذا، لكان هذا من أولئك القليل ". تفسير : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرف رجاله معرفة وثيقة عميقة دقيقة؛ ويعرف من خصائص كل منهم ما لا يعرفه كل منهم عن نفسه! وفي السيرة من هذا الكثير من الشواهد على خبرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكل واحد من رجاله؛ وخبرته كذلك بالرجال والقبائل التي كانت تحاربه.. خبرة القائد البصير بكل ما حوله ومن حوله.. في دقة عجيبة.. لم تدرس بعد الدراسة الواجبة. وليس هذا موضوعنا. ولكن موضوعنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم. ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجىء لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها. وكان الله - سبحانه - يعلم طبيعة هذا "الإنسان" الذي خلقه؛ وحدود طاقته؛ فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين، إلا ما هو ميسر للجميع؛ حين تصح العزيمة، وتعتدل الفطرة، وينوي العبد الطاعة، ولا يستهتر ولا يستهين. وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة؛ في مواجهة الدعوات الهدامة؛ التي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية، والتلبط في الوحل كالدود! بحجة أن هذا هو "واقع" الإنسان، وطبيعته وفطرته وحدود طاقته! وأن الدين دعوة "مثالية" لم تجىء لتحقق في واقع الأرض؛ وإذا نهض بتكاليفها فرد، فإن مائة لا يطيقون! هذه دعوى كاذبة أولاً؛ وخادعة ثانياً؛ وجاهلة ثالثاً.. لأنها لا تفهم "الإنسان" ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه، الذي فرض عليه تكاليف الدين؛ وهو يعلم - سبحانه - أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي. لأن الدين لم يجىء للقلائل الممتازين! وإن هي إلا العزيمة - عزيمة الفرد العادي - وإخلاص النية. والبدء في الطريق. وعندئذ يكون ما يعد الله به العاملين: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً. وإذا لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً. ولهديناهم صراطاً مستقيماً}.. فمجرد البدء، يتبعه العون من الله. ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق. ويتبعه الأجر العظيم. وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم.. وصدق الله العظيم.. فما يخدع الله - سبحانه وتعالى - عباده؛ ولا يعدهم وعداً لا يفي لهم به؛ ولا يحدثهم إلا حديث الصدق.. {أية : ومن أصدق من الله حديثاً } تفسير : في الوقت ذاته ليس اليسر - في هذا المنهج - هو الترخص. ليس هو تجميع الرخص كلها في هذا الدين وجعلها منهج الحياة. فهذا الدين عزائم ورخص. والعزائم هي الأصل والرخص للملابسات الطارئة.. وبعض المخلصين حسني النية، الذين يريدون دعوة الناس إلى هذا الدين، يعمدون إلى "الرخص" فيجمعونها ويقدمونها للناس، على أنها هي هذا الدين. ويقولون لهم: انظروا كم هو ميسر هذا الدين! وبعض الذين يتملقون شهوات السلطان أو شهوات الجماهير، يبحثون عن "منافذ" لهذه الشهوات من خلال الأحكام والنصوص؛ ويجعلون هذه المنافذ هي الدين! وهذا الدين ليس هذا وليس ذاك. إنما هو بجملته. برخصه وعزائمه. ميسر للناس يقدر عليه الفرد العادي، حين يعزم. ويبلغ فيه تمام كماله الذاتي - في حدود بشريته - كما يبلغ تمام كماله الذاتي في الحديقة الواحدة: العنب والخوخ والكمثرى والتوت والتين والقثاء.. ولا تكون كلها ذات طعم واحد.. ولا يقال عن أحدها: إنه غير ناضج - حين يبلغ نضجه الذاتي - إذا كان طعمه أقل مرتبة من النوع الآخر! في حديقة هذا الدين ينبت البقل والقثاء؛ وينبت الزيتون والرمان، وينبت التفاح والبرقوق، وينبت العنب والتين... وينضج كله؛ مختلفة طعومه ورتبه... ولكنه كله ينضج. ويبلغ كماله المقدر له.. إنها زرعة الله.. في حقل الله.. برعاية الله.. وتيسير الله.. وفي نهاية هذه الجولة، ونهاية هذا الدرس، يعود السياق إلى الترغيب؛ واستجاشة القلوب؛ والتلويح للأرواح بالمتاع الحبيب.. متاع الصحبة في الآخرة للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين. {ومن يطع الله والرسول، فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً! ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليماً}.. إنها اللمسة التي تستجيش مشاعر كل قلب، فيه ذرة من خير؛ وفيه بذرة من صلاح وفيه أثارة من التطلع إلى مقام كريم في صحبة كريمة، في جوار الله الكريم.. وهذه الصحبة لهذا الرهط العلوي.. إنما هي من فضل الله. فما يبلغ إنسان بعمله وحده وطاعته وحدها أن ينالها.. إنما هو الفضل الواسع الغامر الفائض العميم. ويحسن هنا أن نعيش لحظات مع صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يتشوقون إلى صحبته في الآخرة؛ وفيهم من يبلغ به الوجد ألا يمسك نفسه عند تصور فراقه.. وهو - صلى الله عليه وسلم - بين ظهرانيهم. فتنزل هذه الآية: فتندي هذا الوجد؛ وتبل هذه اللهفة.. الوجد النبيل. واللهفة الشفيفة: قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب السقمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، "حديث : عن سعيد بن جبير. قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محزون فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم -: "يا فلان. ما لي أراك محزوناً؟" فقال: يا نبي الله. شيء فكرت فيه. فقال: "ما هو؟" قال: نحن نغدو عليك ونروح. ننظر إلى وجهك، ونجالسك. وغداً ترفع مع النبيين، فلا نصل إليك.. فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً. فأتاه جبريل بهذه الآية: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين}.. الآية، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فبشره ". "حديث : وقد رواه أبو بكر بن مردويه مرفوعاً - بإسناده - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله. إنك أحب إليّ من نفسي، وأحب إليّ من أهلي، وأحب إليّ من ولدي، وإني لأكون في البيت، فأذكرك، فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك. وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلتُ الجنة خشيت ألا أراك. فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلت: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً}.. " تفسير : وفي صحيح مسلم من حديث عقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن كثير، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، "حديث : عن ربيعة بن كعب الأسلمي، أنه قال: كنت أبيت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيته بوضوئه وحاجته. فقال لي: "سل". فقلت يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: "أو غير ذلك". قلت: هو ذاك. قال: فأعنّي على نفسك بكثرة السجود ". "حديث : وفي صحيح البخاري من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال: "المرء مع من أحب".. قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث ".. تفسير : لقد كان الأمر يشغل قلوبهم وأرواحهم.. أمر الصحبة في الآخرة.. وقد ذاقوا طعم الصحبة في الدنيا! وإنه لأمر يشغل كل قلب ذاق محبة هذا الرسول الكريم.. وفي الحديث الأخير أمل وطمأنينة ونور...

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي قصد منه الإفاضة في بيان شرائع العدل والحكم، ونظام الطاعة، وذلك من الأغراض التشريعية الكبرى التي تضمّنتها هذه السورة، ولا يتعيّن تطلّب المناسبة بينه وبين ما سبقه، فالمناسبة هي الانتقال من أحكام تشريعية إلى أحكام أخرى في أغراض أخرى. وهنا مناسبة، وهي أنّ ما استطرد من ذكر أحوال أهل الكتاب في تحريفهم الكلم عن مواضعه، وليّهم ألسنتهم بكلمات فيها توجيه من السبّ، وافترائهم على الله الكذب، وحسدهم بإنكار فضل الله إذ آتاه الرسول والمؤمنين، كلّ ذلك يشتمل على خيانة أمانة الدين، والعلم، والحقّ، والنعمة، وهي أمانات معنويّة، فناسب أن يعقب ذلك بالأمر بأداء الأمانة الحسيّة إلى أهلها ويتخلّص إلى هذا التشريع. وجملة {إنّ الله يأمركم} صريحة في الأمر والوجوب، مثل صراحة النهي في قوله في الحديث «حديث : إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»تفسير : . (وإنّ) فيها لمجرد الاهتمام بالخبَر لظهور أنّ مثل هذا الخبر لا يقبل الشكّ حتّى يؤكّد لأنّه إخبار عن إيجاد شيء لا عن وجوده، فهو والإنشاء سواء. والخطاب لكلّ من يصلح لتلقّي هذا الخطاب والعمل به من كلّ مؤتمن على شيء، ومن كلّ من تولّى الحكم بين الناس في الحقوق. والأداء حقيقة في تسليم ذات لمن يستحقّها، يقال: أدّى إليْه كذا، أي دفعه وسلّمه، ومنه أداء الدَّين. وتقدّم في قوله تعالى: {أية : من إن تأمنّه بقنطار يؤدّه إليك}تفسير : في سورة آل عمران (75). وأصل أدَّى أن يكون مضاعفَ أدَى بالتخفيف بمعنى أوصل، لكنّهم أهمْلوا أدى المخفّف واستغنوا عنه بالمضاعف. ويطلق الأداء مجازاً على الاعتراف والوفاء بشيء. وعلى هذا فيطلق أداء الأمانة على قَول الحقّ والاعتراف به وتبليغ العلم والشريعة على حقّها، والمراد هنا هو الأوّل من المعنيين، ويعرف حكم غيره منهما أو من أحدهما بالقياس عليه قياس الأدْوَن. والأمانة: الشيء الذي يجعله صاحبه عند شخص ليحفظه إلى أن يطلبه منه، وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى {أية : فليؤدّ الذي ائتمن أمانَتهُ} تفسير : في سورة البقرة (283). وتطلق الأمانة مجازاً على ما يجب على المكلّف إبلاغه إلى أربابه ومُستحقيه من الخاصّة والعامّة كالدّين والعلم والعهود والجوار والنصيحة ونحوها، وضدّها الخيانة في الإطلاقين. والأمر للوجوب. والأمانات من صيغ العموم، فلذلك قال جمهور العلماء فيمن ائتمنه رجل على شيء وكان للأمين حقّ عند المؤتَمَن جحدهُ إيّاه: إنّه لا يجوز له أخذ الأمانة عوض حقّه لأنّ ذلك خيانة، ومنعه مالك في المدوّنة، وعن ابن عبد الحكم: أنه يجوز له أن يجحده بمقدار ما عليه له، وهو قول الشافعي. قال الطبري عن ابن عباس، وزيد بن أسلم، وشَهْر بن حَوشب، ومكحول: أنّ المخاطب ولاة الأمور، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها. وقيل: نزلت في أمر عثمان بن طلحة بن أبي طلحة. وأهل الأمانة هم مستحقّوها، يقال: أهل الدار، أي أصحابها. وذكر الواحدي في أسباب النزول، بسند ضعيف: حديث : أنّ الآية نزلت يوم فتح مكة إذ سَلَّم عثمان بن طلحة ابنِ أبي طلحة العبدري الحَجَبي مفتاحَ الكعبة للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت سدانة الكعبة بيده، وهو من بني عبد الدار وكانت السدانةُ فيهم، فسأل العباس بن عبد المطلب من رسول الله أن يجعل له سدانة الكعبة يضمها مع السقاية وكانت السقاية بيده، وهي في بني هاشم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة وابنَ عمّه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فدفع لهما مفتاح الكعبة وتلا هذه الآية، قال عمر بن الخطاب: وما كنت سمعتُها منه قبلَ ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن طلحة «خذوها خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلاّ ظالم»»تفسير : ، ولم يكن أخْذ النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة أخذَ انتزاع، ولكنّه أخذه ينتظر الوحي في شأنه، لأنّ كون المفتاح بيد عثمان بن طلحة مستصحَب من قبل الإسلام، ولم يغيّر الإسلامُ حوزه إيّاه، فلمّا نزلت الآية تقرّر حقّ بني عبد الدار فيه بحكم الإسلام، فبقيت سدانة الكعبة في بني عبد الدار، ونزل عثمان بن طلحة عنها لابن عمّه شيبةَ بنِ عثمان، وكانت السدانة من مناصب قريش في الجاهلية فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم بعضها في خطبة يومِ الفتح أو حجّةِ الوداع، ما عدا السقاية والسدانة. فإطلاق اسم الأمانة في الآية حقيقة، لأنّ عثمان سلّم مفتاح الكعبة للنبي عليه الصلاة والسلام دون أن يُسقط حقّه. والأداء حينئذٍ مستعمل في معناه الحقيقي، لأنّ الحقّ هنا ذات يمكن إيصالها بالفعل لمستحقّها، فتكون الآية آمرة بجميع أنواع الإيصال والوفاءات، ومن جملة ذلك دفع الأمانات الحقيقية، فلا مجاز في لفظ (تؤدّوا). وقوله: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} عطف {أن تحكموا} على {أن تؤدّوا} وفصل بين العاطف والمعطوف الظرف، وهو جائز، مثل قوله: {أية : وفي الآخرة حسنة}تفسير : [البقرة: 201] وكذلك في عطف الأفعال على الصحيح: مثل {أية : وتتّخذون مصانع لعلّكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبّارين}تفسير : [الشعراء: 129، 130]. والحكم مصدر حكم بين المتنازعين، أي اعتنى بإظهار المحقّ منهما من المبطل، أو إظهار الحقّ لأحدهما وصرَّح بذلك، وهو مشتقّ من الحُكْم ــــ بفتح الحاء ــــ وهو الردْع عن فعلِ ما لا ينبغي، ومنه سميّت حَكَمَة اللِّجام، وهي الحديدة التي تجعل في فم الفرس، ويقال: أحْكِمْ فُلاناً، أي أمْسِكْه. والعدل: ضدّ الجور، فهو في اللغة التسوية، يقال: عَدَل كذا بكذا، أي سوّاه به ووازنه عدلاً {أية : ثمّ الذين كفروا بربّهم يعدلون}تفسير : [الأنعام: 1]، ثمّ شاع إطلاقه على إيصال الحقّ إلى أهله، ودفع المعتدي على الحقّ عن مستحقّه، إطلاقاً ناشئاً عمّا اعتاده الناس أنّ الجور يصدر من الطغاة الذين لا يَعدّون أنفسهم سواء مع عموم الناس، فهم إن شاءوا عدلوا وأنصفوا، وإن شاءوا جاروا وظلموا، قال لبيد:شعر : ومقسم يعطي العشيرة حقّها ومُغذمر لحقوقها هَضَّامها تفسير : فأطلق لفظ العدل ــــ الذي هو التسوية ــــ على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن، وذلك فك الشيء من يد المعتدي، لأنّه تظهر فيه التسوية بين المتنازعين، فهو كناية غالبة. ومَظهر ذلك هو الحكم لصاحب الحقّ بأخذ حقّه ممّن اعتدى عليه، ولذلك قال تعالى هنا: {إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}، ثم توسّعوا في هذا الإطلاق حتّى صار يطلق على إبلاغ الحقّ إلى ربّه ولو لم يحصل اعتداء ولا نزاع. والعدل: مساواة بين الناس أو بين أفراد أمّة: في تعيين الأشياء لمستحقّها، وفي تمكين كلّ ذي حقّ من حقّه، بدون تأخير، فهو مساواة في استحقاق الأشياء وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها، فالأوّل هو العدل في تعيين الحقوق، والثاني هو العدل في التنفيذ، وليس العدل في توزيع الأشياء بين الناس سواء بدون استحقاق. فالعدل وسط بين طرفين، هما: الإفراط في تخويل ذي الحقّ حقّه، أي بإعطائه أكثر من حقّه، والتفريط في ذلك، أي بالإجحاف له من حقّه، وكلا الطرفين يسمّى جوراً، وكذلك الإفراط والتفريط في تنفيذ الإعطاء بتقديمه على وقته، كإعطاء المال بيد السفيه، أو تأخيره كإبقاء المال بيد الوصي بعد الرشد، ولذلك قال تعالى: {أية : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} تفسير : [النساء: 5] إلى قوله: {أية : فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم}تفسير : [النساء: 6]؛ فالعدل يدخل في جميع المعاملات. وهو حسن في الفطرة لأنّه كما يصدُّ المعتدي عن اعتدائه، كذلك يصدّ غيره عن الاعتداء عليه، كما قال تعالى: {أية : لا تَظْلِمُون ولا تُظلمون}تفسير : [البقرة: 279]. وإذ قد كان العدل بهذه الاعتبارات تجول في تحديده أفهام مخطئة تعيّن أن تسَنّ الشرائع لضبطه على حسب مدارك المشرّعين ومصطلحات المشَرَّع لهم، على أنّها معظمها لم يسلم من تحريف لحقيقة العدل في بعض الأحوال، فإنّ بعض القوانين أسّست بدافعة الغضب والأنانية، فتضمّنت أخطاء فاحشة مثل القوانين التي يمليها الثوار بدافع الغضب على من كانوا متَولين الأمور قبلهم، وبعض القوانين المتفرّعة عن تخيّلات وأوهام، كقوانين أهل الجاهلية والأمم العريقة في الوثنية. ونجد القوانين التي سنّها الحكماء أمكن في تحقيق منافع العدل مثل قوانين أثينة وإسبَرطة، وأعلى القوانين هي الشرائع الألهية لمناسبتها لحال من شرعت لأجلهم، وأعظمها شريعةُ الإسلام لابتنائها على أساس المصالح الخالصة أو الراجحة، وإعراضها عن أهواء الأمم والعوائد الضالّة، فإنّها لا تعبأ بالأنانية والهوى، ولا بعوائد الفساد، ولأنّها لا تبنى على مصالح قبيلة خاصّة، أو بلد خاصّ، بل تبتنى على مصالح النوع البشري وتقويمه وهديه إلى سواء السبيل، ومن أجل هذا لم يزل الصالحون من القادة يدوّنون بيان الحقوق حفظاً للعدل بقدر الإمكان وخاصّة الشرائع الإلهية، قال تعالى: {أية : لقد أرسلنا رُسُلَنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتابَ والميزان ليقوم الناس بالقسط}تفسير : [الحديد: 25] أي العدل. فمنها المنصوص عليه على لسان رسول البشرية ومنها ما استنبطه علماء تلك الشريعة فهو مدرج فيها وملحق بها. وإنّما قيّد الأمر بالعدل بحالة التصدّي للحكم بين الناس، وأُطلق الأمر بردّ الأمانات إلى أهلها عن التقييد: لأنّ كلّ أحد لا يخلو من أن تقع بيده أمانة لغيره لا سيما على اعتبار تعميم المراد بالأمانات الشامل لما يجب على المرء إبلاغه لمستحقّه كما تقدّم، بخلاف العدل فإنّما يؤمر به ولاة الحكم بين الناس، وليس كلّ أحد أهلاً لتولّي ذلك. فتلك نكتة قوله: {وإذا حكمتم بين الناس}. قال الفخر: قوله: {وإذا حكمتم} هو كالتصريح بأنّه ليس لجميع الناس أن يشرّعوا في الحكم بل ذلك لبعضهم، فالآية مجملة في أنّه بأي طريق يصير حاكماً ولمّا دلّت الدلائل على أنّه لا بد للأمّة من إمام وأنّه ينصب القضاة والولاة صارت تلك الدلائل كالبيان لهذه الآية. وجملة {إنّ الله نعمّا يعظكم به} واقعة موقع التحريض على امتثال الأمر، فكانت بمنزلة التعليل، وأغنت (إنَّ) في صدر الجملة عن ذكر فَاء التعقيب، كما هو الشأن إذا جاءت (إنَّ) للاهتمام بالخبر دون التأكيد. و(نعمّا) أصله (نعْمَ ما) رُكّبت (نعم) مع (ما) بعد طرحِ حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة، وأدغم الميمان وحرّكت العين الساكنة بالكسر للتخلّص من التقاء الساكنين. و(ما) جَوّز النحاة أن تكون اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو نكرة تامّة والجملة التي بعد (ما) تجري على ما يناسب معنى (مَا)، وقيل: إنّ (ما) زائدة كافّةٌ (نعمَ) عن العمل. والوعظ: التذكير والنصح، وقد يكون فيه زجر وتخويف. وجملة {إنّ الله كان سميعاً بصيراً} أي عليماً بما تفعلون وما تقولون، وهذه بشارة ونذارة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أن تؤدوا الأمانات: أداء الأمانة: تسليمها إلى المؤتمن، والأمانات جمع أمانة وهي ما يؤتمن عليه المرء من قول أو عمل أو متاع. العدل: ضد الجور والانحراف بنقص أو زيادة. نعما يعظكم: نعم شيء يعظكم أي يأمركم به أداء الأمانات والحكم بالعدل. وأولي الأمر منكم: أولوا الأمر: هم الأمراء والعلماء من المسلمين. تنازعتم في شيء: اختلفتم فيه كل فريق يريد أن ينتزع الشيء من يد الفريق الآخر. ردوه إلى الله والرسول: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأحسن تأويلا: أحسن عاقبة، لأن تأول الشيء ما يؤول إليه في آخر الأمر. معنى الآيتين: روي أن الآية الأولى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ} نزلت في شأن عثمان بن طلحة الحجبي حيث كان مفتاح الكعبة عنده بوصفه سادناً فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه صبيحة يوم الفتح فصلى في البيت ركعتين وخرج فقال العباس رضي الله عنه اعطينيه يا رسول الله ليجمع بين السقاية والسدانة فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية على الناس ودعا عثمان بن طلحة وأعطاه المفتاح. غير أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولذا فالآية في كل أمانة فعلى كل مؤتمن على شيء أن يحفظه ويرعاه حتى يؤديه إلى صاحبه والآية تتناول حكام المسلمين أولا بقرينة {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} الذي هو القسط وضد الجور ومعناه إيصال الحقوق إلى مستحقيها من أفراد الرعايا. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} يريد أن أمره تعالى أمة الإِسلام حكاما ومحكومين بأداء الأمانات والحكم بالعدل هو شيء حسن، وهو كذلك إذ قوام الحياة الكريمة هو النهوض بأداء الأمانات والحكم بالعدل وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} فيه الحث على المأمور به بإيجاد ملكة مراقبة الله تعالى في النفس، فإن من ذكر أن الله تعالى يسمع أقواله ويبصر أعماله استقام في قوله فلم يكذب وفي عمله فلم يفرط. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [58]. أما الثانية [59]، فإن الله تعالى لما أمر ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانات التي هي حقوق الرعية، وبالحكم بينهم بالعدل أمر المؤمنين المولي عليهم بطاعته وطاعة رسوله أولاً ثم بطاعة ولاة الأمور ثانيا فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ}، والطاعة لأولي الأمر مُقَيدة بما كان معروفاً للشرع أما في غير المعروف فلا طاعة في الاختيار لحديث: "حديث : إنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". تفسير : وقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} فهو خطاب عام للولاة، والرعية فمتى حصل خلاف في أمر من أمور الدين والدنيا وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فِبمَا حكما فيه وجب قبوله حلواً كان أو مراً، وقوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فيه أن الإِيمان يستلزم الإِذعان لقضاء الله ورسوله، وهو يفيد أن رد الأمور المتنازع فيها إلى غير الشرع قادح في إيمان المؤمن وقوله: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، يريد ذلك الرد والرجوع بالمسائل والقضايا المختلف فيها إلى الكتاب والسنة هو خير حالاً ومآلا، لما فيه من قطع النزاع والسير بالأمة متحدة متحابة متعاونة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- وجوب رد الأمانات بعد المحافظة عليها. 2- وجوب العدل في الحكم وحرمة الحيف والجور فيه. 3- وجوب طاعة الله وطاعة الرسول وولاة المسلمين من حكام وعلماء فقهاء، لأن طاعة الرسول من طاعة الله، وطاعة الوالي من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث: "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقط أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أمري فقد عصاني ". تفسير : 4- وجوب رد المتنازع فيه عقيدة أو عبادة أو قضاء إلى الكتاب والسنة ووجوب الرضا بقضائهما. 5- العاقبة الحميدة والحال الحسنة السعيدة في رد أمة الإِسلام ما تتنازع فيه إلى كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم.

القطان

تفسير : الأمانة: الشيء الذي يُحفظ بنيّةِ أن يؤدَّى الى صاحبه، والأمانات، كل ما يؤتمن عليه المرء من مال، أو عهد، أو عقد، او سر، أو ما أشبه ذلك. العدل: ايصال الحق الى صاحبه. بعد ان بيّن الله سبحانه الإرشادات الحكيمة التي يجب على الأمة ان تتخذها أساساً للحياة فيها ـ ذكر هنا ما يجب أن يؤسَّس عليه شأن الجماعة الاسلامية، فقرر أمرين لهما خطرهما في ذلك. وهما: أداء الامانات الى أهلها، والحكم بالعدل بين الناس، وكأنه يشير بهذا الى أن الانتفاع بالارشادات المتقدمة في الأُسرة والأموال لا يتحقق الا على "أداء الامانة" و"العدل". والأماناتُ كلمة عامة تشمل جميع الحقوق من مالية, وعملية، وعلمية، والحُكم بالعدل فيها هو القضاء بتلك الأمانات عند تعرضها للضياع. اما الحكم بالعدل عامة فيشمل ما كان عن طريق التولية، وما كان عن طريق التحكيم، كما يشمل ما بين المسلمين أنفسهم، وما بينهم وبين غيرهم. وقد كثُر الحثّ في القرآن على العدل لأنه أساس الحياة. وعناصر العدل في الحكم هي فهمُ الحادثة من جميع جوانبها، ثم معرفة الحكم من مصدره التشريعي ثم تحرّي انطباق الحكْم على الحادثة. كل ذلك مع التسوية بين الخصوم في مجلس القضاء. {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} خطاب عام لجميع الناس وفي مقدّمتهم المؤمنون. وقد وردت عدة أحاديث في نزول هذه الآية منها قضية عثمان بن طلحة ووجوب ردِّ مفتاح الكعبة إليه. لكن، العبرةُ بعموم اللفظ. والمعنى: أيها المؤمنون، ان الله يأمركم ان توصلوا جميع ما أنتم مؤتمنون من الله عليه، وهو نفوسكم أولاً، وذلك بأن تؤمنوا به إيمانا حقيقيا، تطيعوا أوامره وتتجنبوا نواهيه، وتعملوا عملاً صالحا يرضاه. هذه هي الأمانة الكبرى التي كُلّف الانسان بحملها وتقاعست عن ذلك الجبال.. ومنها تنبثقُ سائر الأمانات التي يأمر الله بها أن تؤدَّى. ثم امانةُ العبد مع الناس. ومن ذلك ردُّ الودائع الى أربابها، وعدم الغش، وحِفظ السر ونحو ذلك مما يجب للأهل والأقربين وعامة الناس والحكام. يدخل في ذلك عدل الحاكمين مع الرعية، بألاّ يستأثروا بثرواتها، ولا يتحكموا في رقابها، وان يختاروا خير الناس لتولّي شئونهم. كما يدخل عدلُ العلماء مع الناس بأن يرشدوهم الى دينهم الصحيح، ويعلّموهم الأعمال التي تنفعهم في دنياهم وأخراهم من أمور التربية وكسب الحلال، لا أن يتخذوا الدينَ تجارة يبيعون منه القراريط لقاء رضا الحكام وملء جيوبهم هم. ويدخل فيها كذلك أمانة الرجل مع زوجته في النفقة والعشرة، ومع أولاده وسائر أهل بيته المسئول عنهم. ثمّ يدخل عدل الانسان مع نفسه بأن يختار لها ما هو الأصلح فلا يُقدم على عمل يضرّه في دنياه أو آخرته، ويتجنب تعاطي الأشياء التي تضر بصحته ويبتعد ما أمكن عن جميع المغريات. {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ}. هذا نص مطلق شامل، فإنه سبحانه يطلب منا إقامة العدل بين الناس جميعاً على اختلاف أديانهم وطبقاتهم، لا بين المسلمين فحسب.. لأن العدل هو أساس انتظام الحياة، وعلى ذلك فهو حق لكل إنسان من أي دينٍ او جنس او لون. هذا هو دستور الاسلام العظيم لا التستر على التمييز العنصري ولا تسخير الدين في خِدمة الحكام. {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} هذه موعظة من ربكم فاحرصوا عليها لأنه لا يوجد أحسن منها، ان الله دائماً سميع لما يقال، بصير بما يُفعل، وهو يعلم من أدّى الامانة ومن خانها، ومن حكَم بالعدل أو جار، فيجازي كلاًّ بعمله. وفي هذا وعد للطائعين، ووعيد للعاصين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَمَانَاتِ} (58) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِأدَاءِ الأَمَانَاتِ إلى أهْلِهَا. وَأدَاءُ الأمَانَاتِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الأمَانَاتِ الوَاجِبَةِ عَلى الإِنْسَانِ: مِنْ حُقُوقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ (مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ...) وَمِنْ حُقُوقِ العِبَادِ (كَالوَدَائِعِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْتَمَنُ الإِنْسَانُ عَلَيهِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بِيَدِ أَصْحَابِهَا وَثَائِقُ وَبَيِّنَاتٌ عَلَيهَا). هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَقَدْ كَانَتْ لَهُ حِجَابَةُ الكَعْبَةِ. وَلَمَّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم طَافَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بِالكَعْبَةِ، ثُمَّ دَعَا بِعُثْمَانَ بْنِ أبي طَلْحَةَ، وَأخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الكَعْبَةِ وَدَخَلَها. فَجَاءَهُ العَبَّاسُ (وَقِيلَ بَلْ جَاءَهُ عَلِيُّ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْمَعْ لَنَا حَجَابَةَ الكَعْبَةِ مَعَ السِّقَايَةِ. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ بِعُثْمَانَ بْنِ أبي طَلْحَةَ وَدَفَعَ إليهِ المِفْتَاحَ، وَخَرَجَ يَقْرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنينَ بِأنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ النَّاسِ بِالعَدْلِ، وَأنْ يَكُونَ العَدْلُ عَاماً لِلْبَرِّ وَالفَاجِرِ، وَلِكُلِّ أحَدٍ، وَأنْ لاَ يَمْنَعَهُمْ مِنْ إِقَامَةِ العَدْلِ حِقْدٌ أوْ كَرَاهِيَةٌ أو عَدَاوةٌ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى إنَّ مَا يَأْمُرُ بِهِ، وَيَعِظُ بِهِ المُؤْمِنينَ، هُوَ الشَّرْعُ الكَامِلُ، وَفيه خَيْرُهُمْ، وَاللهُ سَمِيعٌ لأقْوَالِ العِبَادِ، بَصِيرٌ بِأفْعَالِهِمْ، فَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّ. تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ - جَميعَهَا حُقُوقَ اللهِ وَحُقُوقَ النَّاسِ. نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ - نِعْمَ الذِي يَعِظُكُمْ بِهِ مِمَا ذَكَرَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا}، أوجز الله فيها كل تكاليف السماء لأهل الأرض، لأن الأمانات هي: الأمانة العليا وهي الإيمان بالله، والأمانة التي تتعلق ببني الجنس، والأمانة التي على النفس لكل الأجناس. ومعنى الأمانة هو: ما يكون لغيرك عندك من حقوق وأنت أمين عليها، إن شئت فعلتها، وإن شئت لم تفعلها، أنت تقول: أنا أودعت عند فلان أمانة، هذه الأمانة لو كانت بإيصال لما كانت أمانة؛ لأن هناك دليلاً، ولو كان ما أودعته عند ذلك الإنسان عليه شهود لا تكون أمانة. فالأمانة: أن تودع عنده شيئاً، وضميره هو الحكم، إن شاء أقر بما عنده لك حين تطلبه، وإن شاء لم يقر به، قال الحق: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. فما هي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبت أن تحملها ثم حملها الإنسان، وعلة تحمله لها أنه كان ظلوماً جهولاً؟ إن الكون كما نعلم فيه أجناس، أدناها الجماد، وأوسطها النبات، وأعلى من الأوسط الحيوان ثم الإنسان، والإنسان هو سيد هذه الأجناس، لأنها تخدمه جميعها، لكن الجماد والنبات والحيوان لا اختيار لأي منها في أن يفعل أو لا يفعل، وإنما كل جنس منها قد خلق لشيء ليؤديه، ولا اختيار له في أن يمتنع عن الأداء. الأرض والسماوات والجبال لم تقبل أن تكون مختاره أو أن تحمل أمانة وتكون المسألة فيها راجعة إلى اختيارها إن شاءت فعلت وإن شاءت لم تفعل. وأشفقت الأرض والسماوات والجبال من حمل الأمانة لعدم الثقة بحالة النفس وقت أداء الأمانة. فيجوز أن يعقد الكائن العزم عند تحمل الأمانة أن يؤديها، ولكن عند أدائها لا يملك نفسه، فربما خانته نفسه وجعلته لا يقر بها. لقد احتاطت السماوات والأرض والجبال وقالوا: لا نريد هذه الأمانة ولا نريد أن نكون مختارين بين أن نفعل أو نترك، نطيع أو نعصي، وإنما يا رب نريد أن نكون مسخرين لما تحب دون اختيار لنا. فسلمت الأرض والسماوات والجبال، لكن الإنسان بما فيه من فكر يرجع الاختيار بين البديلات قال: أنا أقبلها وإن فكري سيخطط لأدائها. ولم يلتفت الإنسان ساعة تحمله الأمانة إلى حالة أدائه لها. ومثال ذلك: من الجائز أن يعرض عليك إنسان مبلغاً من المال كأمانة عندك، فأخذته وأنت واثق أنك ستؤديه حين يطلبه منك، ولكنك ساعة الأداء قد لا تملك نفسك، فقد تمر بك ظروف فتصرف شيئاً من المال، أو أن تكون - والعياذ بالله - قد خربت ذمتك. إذن فالإنسان لا يملك نفسه وقت الأداء وإن ملك نفسه وقت الأخذ، فالذين يحتاطون يقولون: أبعد عنا تحمل الأمانة، فلا نريد أن نحمل لك شيئاً ولكن الإنسان قبل تحمل الأمانة؛ لأنه "كان ظلوما جهولا" ظلم نفسه وجهل بحالته وقت الأداء، إذن فالأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان هي أمانة الاختيار التي يترتب عليها التكليف من الله.؟ إن التكليف محصور في "افعل" و "لا تفعل"، فإن شئت فعلت في "افعل"، وإن شئت لم تفعل في "لا تفعل". وإن شئت العكس، ومعنى ذلك أن الأمانة في هذا المعنى مقصورة على ما طلبه الله من الإنسان وقت العرض. لكنها لم تتعرض للأمانات التي توجد بيننا، والأمانة كذلك هي ما يتعلق بذمتك بحق غيرك؛ لذلك فحين يعطي إنسان إنساناً شيئاً يصير الآخذ مؤتمناً فإن شاء أدى وإن شاء لم يؤد. لكن هناك أمانات أخرى لم يعطها إنسان لإنسان، وإنما أعطاها رب الإنسان لكل إنسان، فالعلم الذي أعطاه الله للناس أمانة. فهل الذي علمك علماً وأعطاه لك وبعد ذلك قال لك: أدّه لي، كمثل من يكون مأموناً على مال؟ نقول للعالم: العلم ليس من عندك حتى تعطيه لغيرك وبعد ذلك يرده لك ولكن الله يجازيك عليه ثواباً وكذلك في الحلم والشجاعة، ولا تتضح هذه المسائل بين العبد والعبد إلا في المال، لكن في بقية الأشياء؛ نقول لك: أنت أمين عليها أمام خالقك، وقد أمنك ربنا على هذه الأشياء كي تؤديها إلا من لا يعلم، فأمنك على قدرةٍ وأمرك: أعطها لمن لا يقدر، وأمنك على علم وأوضح لك: أعطه لمن لا علم له.. إذن فمن الذي أعطاك هذه الأمانة؟ الله. فليس ضرورياً أن تكون الأمانة من صاحبها الذي أعطاها لك لتردها إليه، فالأمانة: ما تصير مأموناً عليه مِمن خَلَقَ أو من مخلوق، فأدها، والأمانة بهذا المعنى أمرها واسع، فاستحقاق الله للتوحيد أمانة عندك، أهليتك للتكليف من الله حين كلفك أمانة عندك، وأهليتك في المواهب المختلفة أمانة عندك، فكل إنسان عنده موهبة هو أمين عليها ولا بد أن يؤديها وينقل آثارها لم لا توجد عنده هذه الموهبة. فربنا أعطى هذا الإنسان قوة عضل، وأعطى ذلك قوة فكر، وأعطى ثالثاً قوة حلم، وأعطى رابعاً علماً. كل هذه الأشياء أمانات أودعها الله في خلقه ليتكامل الخلق، فحين يؤدي كل إنسان أمانته لكل إنسان يصبح كل إنسان عنده مواهب كل الآخرين. والحق سبحانه وتعالى حينما يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} نتذكر على الفور قمة الأمانة أن تعبده ولا تشرك به أحداً، والأمانة في التكاليف التي كلفك الله بها؛ لأنها أمانة لغيرك عندك، وأمانة عندك لغيرك. فحين يكلفك الله بألا تسرق، يكون قد كلف الناس كلهم ألا يسرقوك. إن كل أمانة عند غيرك تقابلها أمانة عندك، فإن أديت مطلوبات الأمانة عندك أدى المجتمع الذي يحيط بك الأمانة التي عنده، وهكذا تكون الأمانة هي: أداء حق في ذمتك لغيرك. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} قيل نزلت في عثمان ابن طلحة ابن أبي طلحة وكان سادن - خادم - الكعبة وحين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - يده وأخذه منه وفتح ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجتمع له السقاية والسِّدانة فنزلت هذه الآية فأمر أن يرده إلى عثمان - رضي الله عنه - ويعتذر له فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال لقد أنزل الله فيك قرآنا وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان وهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السِّدانة في أولاد عثمان أبداً. وهذا يقابل الأمانة شيء بعد ذلك اسمه العدل، فلو أدى كل واحد ما لغيره عنده من حق لما احتجنا إلى عدل، فالعدل إنما ينشأ من خصومة وتقاضٍ، والتقاضي معناه: أن واحداً أنكر حق غيره. فلو أدى كل واحد منا ما في ذمته من حق لغيره لما وجد تقاضٍ، ولما وجدت خصومة فلا ضرورة إلى العدل حينئذٍ. ولكن الحق الذي خلق الخلق وعلم الأغيار فيهم قدر أن بعض الناس يغفل عن هذه القضية وينشأ منها أن الإنسان قد لا يعطي الحق الذي في ذمته لغيره، فقضي سبحانه بشيء آخر اسمه "العدل". ولو أن المسألة الأولى انتهت لما احتجنا للعدل. إذن فالعدل هو علاج للغفلة التي تصيب البشر من الأغيار التي تطرأ على نفوسهم، فشاء الله أن يقول: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ}، في الأولى لم يقل: إذا أئمنتم فأدوا، لا. بل قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ}. فإذا حدثت منكم غفلة عن هذه فما الذي يحمي هذه المسألة؟ هنا يأتي العدل وهو أن تقضي بحق في ذمة غيرك لغيره، أي ليس في ذمتك أنت؛ لأنك تحكم كي ترجح مسألة وتضع الأمر في نصابه. وبذلك نعرف أن مطلوبات أداء الأمانة تكون في شيء عندك تؤدية لغيرك، لكن مطلوبات العدل: تكون في أشياء في ذمة غيرك لغيرك. ولذلك قال الحق: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ}، وكما أن آية أداء الأمانة عامة، كان لا بد أن تكون آية العدل عامة أيضاً. إن قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} ليست خاصة للحاكم فقط، بل إنّ كل إنسان مطالب بالعدل، فلو كنت مُحَكَّماً من طرف قوم ورضوا بك أن تحكم فاحكم بالعدل حتى ولو كان الحكم في الأمور التي يتعلق بها التكريم والشرف والموهبة؛ فليس ضرورياً أن يكون الحكم بالعدل في أمر له قيمة مادية، مثلاً: سيدنا الإمام علي - رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - يرى غلامين يتحاكمان إلى ابنه الحسن؛ ليحكم بينهما أي الخطين أجمل من الآخر، وهذه المسألة قد ينظر لها الناس على أنها مسألة تافهة لكنها ما دامت شغلت الطفلين وأراد كل واحد منهما أن يكون خطه أجمل، فلا بد أن يكون الحكم بالعدل. فقال الإمام على لابنه الحسن: يا بني انظر كيف تقضي، فإن هذا حكم والله سائلك عنه يوم القيامة. إن هذا يعطينا صورة في دقة العدل حتى ولو كان الأمر صغيراً. وفي مباريات كرة القدم تجد الحكم الذي يقول هذه اللعبة تحتسب هدفاً أو لا تحتسب، هذا الحكم يحتاج إلى مهارة لأنه سيترتب عليها فوز فريق أو هزيمته، بدليل أنك حتى وأنت تراقب الكرة ثم وجدت الحكم لم يحتسب خطأ تثور عليه. وهنا أتساءل: لماذا طبقتم قانون الجد في اللعب، ثم تركتم الجد بدون قانون؟ وهذا ما يحدث. نحن ننقل قوانين الجد إلى اللعب، ونترك الجد في بعض الأحيان بدون قانون، ولو اعتنينا بهذه كما اعتنينا بتلك. لتساوت الأمور، فالعدل إذن هو حق في ذمة غير لغير حتى ولو كانت مباراة في اللعب، وما دام الأمر قد شغل طرفين، وجعل بينهما نزاعاً وخلافا وتسابقاً فعليك أن تنهي هذا الخلاف بالعدل. ويتابع الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} و "نعما" يعني نعم ما يعظكم به الله، أي لا يوجد أفضل من هذه العظة التي هي: أداء الأمانة والحكم بالعدل، فبهذا تستقيم حركة الحياة. فإذا أدى الناس الأمانة فلا نزاع ولا خلاف، وإذا أدوا عدالة الحكم فإن كان هناك خلاف ينتهي. وقال العلماء: إذا علم المجتمع أن عدلا يحرس حقوق الناس عند الناس فلن يجرّيء ذلك ظالماً على أن يظلم بعد ذلك، فيقول الظالم: فلان ظلم ولم يحاكم، فيغري ذلك الظالم أن يزيد في ظلمه، لكن ساعة يرى الناس أحداً يأخذ حق غيره ثم جاء الحاكم فردعه، ورد الحق لصاحبه فلن يظلم أحد أحداً. وسبحانه في أمره هذا لا حاجة له في أن تفعلوا أو لا تفعلوا، فهي أشياء لا تؤثر عنده في شيء، إنما هي في مصالحكم أنتم بعضكم مع بعض، وأحسن ألوان الأمر هو ما لا يعود على الآمر بفائدة، لأن الأمر إذا ما كان فيه عود بالفائدة على الآمر قد يشكك في الأمر. لكن أن تأمر بأمر ليس لك فيه فائدة فهذا قمة العدل. وقد يوجد إنسان يأمر بما لا فائدة له فيه، لكنه قد لا يكون واسع العلم ولا واسع الحكمة، والأمر هنا يختلف لأن الله سبحانه وتعالى ليس له مصلحة في الأمر، هذه واحدة، وأيضاً فهو - سبحانه - واسع العلم والحكمة؛ لذلك كانت هذه العظة مقبولة جداً، وهي نعمة من الله وأما ما عداها فبئست العظة؛ لأن الله لا ينتفع بأمره هذا وهو مأمون على العباد جميعاً، والثانية: أنه قد يوجد غير لا ينتفع بالأمر ولكنه قاصر العلم وقاصر الحكمة فلا نعمت العظة منه، فقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا} يعني: نعم ما يعظكم به الله أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بالعدل. ونلحظ الأداء البياني في القرآن في قوله: "تؤدوا" هذه للجماعة، وهذا يعني أن كل واحد مطالب بهذا الحكم أولا، {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ}، فيكون كل واحد مطالباً بالحكم أيضاً، كأن مهمتكم الأمانية ليست مقصورة على أن تصونوا حقوقكم بينكم وبين أنفسكم، لا، فأنتم مكلفون بأن تصونوا الحقوق بين الناس والناس ولو لم يكونوا مؤمنين. إن قوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ}. يُفهم منها أيضاً حماية حقوق من آمن بالإسلام ومن لم يؤمن بدين الإسلام؛ لأن الحق جل وعلا يريد منا أن نؤدي الأمانة إلى "أهلها"، ولم يقل "أهلها" المؤمنين أو الكافرين. إن كلمة "الناس" هذه تدل على عدالة الأمر من إله هو رب للجميع، فسبحانه هو الذي استدعى الإنسان للدنيا، والإنسن منه مؤمن ومنه كافر. لكن أحداً لا يخرج عن نطاق الربوبية لله، فربنا يُربُّ ويرعى كل إنسان - مؤمناً كان أو كافراً - هو يرزق الجميع ولذلك أمر الكون: يا كون أعط من فَعَلَ الأسبابَ الغاية من المسببات إن كان مؤمناً أو كافراً. وهذا هو عطاء الربوبية، إنه - سبحانه - رزق الإنسان وسخر الأشياء له، فهو لم يسخر الكون للمؤمن فقط وإنما سخره للمؤمن وللكافر، فكذلك طلب منا أن نؤدي الأمانة للمؤن والكافر، وطلب منا أن نعدل بين المؤمن والكافر. ولنا في الرسول صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فقد حدث أن "طعمة ابن أُبيرق" أحد بني ظُفر سرق درعا من جارٍ له اسمه "قتادة بن النعمان"، في جراب دقيق والاثنان مسلمان، إلا أن منافذ الحق لمرتكب الجريمة ضيقة مهما ظن اتساعها، مثلما نقول: "الجريمة لا تفيد"، فوضع الدرع المسروقة في جراب كان فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب وهو يسير من بيت قتادة بن النعمان وخبأ الدرع عند يهودي اسمه "زيد بن السمين"، فلما فطن قتادة بن النعمان لضياع الدرع قال: سرق الدرع. سرق الدرع. فتتبعوا الأثر فوجدوه إلى بيت طعمة ابن أبيرق، فحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه. فتتبعوا الأثر ثانية فوجدوا الدرع عند اليهودي "زيد بن السمين" فقال اليهودي دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود، ورفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء بنو ظفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبريء اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي فأنزل الله عليه حكمه الفصل: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً * وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} تفسير : [النساء: 105-107]. أي لا تكن يا محمد مدافعاً عن الخائنين واستغفر الله إن كان هذا الخاطر قد جال برأسك بأن ترفع رأس مسلم على يهودي؛ لأن الحق أولى من المسلم؛ فما دام هو قبل أن يخون فلا تجادل عنه، ولماذا طلب بنو ظفر التغاضي عن جريمة مسلم وإلصاقها بيهودي؟ أيستخفون من الناس ولا يستخفون من الله؟ وافرض أن هذه برأتهم عند الناس. أتبرئهم عند الله؟ ويقول في آية أخرى: {أية : هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [النساء: 109]. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} لا بد أن نأخذه على أنه مطلب تكليفي من الله للمسلمين حتى يشيع في كل الناس ولا يخص المؤمنين يتعاملون به فيما بينهم، وإنما يشمل أيضا ما بين المؤمنين والكافرين، وما بين الكافرين بعضهم مع بعض إن ارتضوا حكم رسول الله. {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} وحين ترون تذييل آية بصفتين من صفات الحق أو باسمين من أسماء الحق، فلا بد أن تعلموا أن بين الصفتين أو بين الاسمين وبين متعلق الآية علاقة، وهنا يعلمنا الحق أنه سميع وبصير. بعد أداء الأمانة، والحكم بالعدل بين الناس، لأن الرسول شرح ذلك حين أمر من يقضي بين الناس أن يسوي بين الخصمين في لحظى ولفظه أي لا ينظر لواحد دون الثاني، ولا يكرم واحداً دون الآخر، فيسوي بين الاثنين وما دام سيسوي بين الاثنين، فلا بدْ أن تكون النظرة واحدة، والألفاظ واحدة. روى أن يهوديا خاصم سيدنا عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنادى أمير المؤمنين عليا فقال: "قف يا أبا الحسن" فبدا الغضب على عليّ رضي الله عنه، فقال له عمر: "أكرهت أن نسوي بينك وبين خصمك في مجلس القضاء؟ فقال علي رضي الله عنه: "لا. لكني كرهتُ منك أن عظمتني في الخطاب فناديتني بكنيتي ولم تصنع مع خصمي اليهودي ما صنعت معي". إذن فحين يقول عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري: "آسِ بين الناس في مجلسك ووجهك". فلا بد أن يقوم بتلك التسوية كل حاكم أو محكم بين خصمين فلا يميز ولا يرفع خصما على خصمه. و "اللحظ" عمل العين. وهذا يحتاج إلى بصير، واللفظ يحتاج إلى أذن تسمع، أي إلى سميع، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}. لماذا قدم سبحانه هنا سميعاً على بصير؟ لأن ما يُسمع فيه تعبير واضح. أما النظرة فلا يعرفها إلا من يلاحظ أنه ينظر بحنان وإكبار، وهل وجدت له سبحانه صفة السمع بعد أن وجد ما يسمعه، وهل وجدت له صفة البصر بعد أن وجد ما يبصره؟ أو أن صفة السمع أزلية قديمة قبل أن يخلق خلقاً يسمع منه، وأن صفة البصر أزلية قديمة قبل أن يخلق خلقاً ليبصر أفعالهم؟ إنه سبحانه قديم أزلاً، موجود قبل كل موجود. وصفاته قديمة بقدمه. إذن ففيه فرق بين أن تقول: سميع وبصير، وسامع ومبصر، فأنت تكون سامعاً إذا وجد بالفعل من يٌسْمع، إذن فما معنى كلمة "سميع"؟ أن يكون المدرِك على صفة يجب أن تدرك المسموع إن وجد المسموع وإن لم يوجد المسموع فهو ليس سامعاً فقط، إنما هو سميع، وكذلك بصير. وأضرب المثل - ولله المثل الأعلى، وهو منزه عن كل تشبيه - الشاعر الذي يقول القصيدة، إنه قبلما يقول القصيدة كان شاعراً في ذاته وقال القصيدة بوجود ملكه الشعر في ذاته. والحق سبحانه وتعالى "غفَّار" قبل أن يخلق الخلق، أي أنه على صفة تدرك الأمر إن وجد.. وهو غفار قبل أن يوجد الخلق ويرتكبوا ما يغفره، وهو "سميع بصير" أزلاً. أي قبل أن يخلق الخلق الذين سينشأ منهم ما يٌُبْصر وينشأ منهم ما يُسْمع. ويقول الحق بعد ذلك: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال اليهود وما هم عليه من الحسد والعناد والجحود، وذكر ما أعده لهم من العذاب والنكال في الآخرة، أعقبه بتوجيه المؤمنين إِلى طريق السعادة بطاعة الله ورسوله وأداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس، ثم ذكر صفات المنافقين التي ينبغي الحذر منها والبعد عنها. اللغَة: {نِعِمَّا} أصلها نعم ما أي نعم الشيء يعظكم به {تَأْوِيلاً} مآلاً وعاقبة {يَزْعُمُونَ} الزعم: الاعتقاد الظني قال الليث: أهل العربية يقولون: زعم فلان إِذا شكُّوا فيه فلم يعرفوا أَكَذَب أو صدَقَ وقال ابن دريد: أكثر ما يقع على الباطل ومنه قولهم "زعموا مطيّةُ الكذب" {تَوْفِيقاً} تأليفاً والوفاق والوَفْق ضد المخالفة {بَلِيغاً} مؤثراً {شَجَرَ} اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه واختلاط بعضها في بعض {حَرَجاً} ضيقاً وشكاً قال الواحدي: يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إِليه حرج. سَبَبُ النّزول: أ - روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح أغلق "عثمان بن طلحة" باب الكعبة وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لو علمتُ أنه رسول الله لم أمنعه فلوى عليٌّ يده وأخذه منه وفتح بابها فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين فلما خرج أمر علياً أن يردّ المفتاح إِلى عثمان بن طلحة ويعتذر إِليه فقال له عثمان: آذيتَ وأكرهت ثم جئتَ تترفق!! فقال لقد أنزل الله في شأنك قرآناً {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا..} وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إِلا ظالم ". تفسير : ب - عن ابن عباس أن رجلاً من المنافقين يقال له "بِشْر" كان بينه وبين يهودي خصومةٌ فقال اليهودي: تعال نتحاكم إِلى محمد فقال المنافق: بل نتحاكم إِلى "كعب بن الأشرف" - وهو الذي سماه الله الطاغوت - فأبى اليهودي أن يخاصمه إِلا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله لليهودي على المنافق، فلما خرج من عنده لم يرض المنافق وقال: تعالى نتحاكمْ إِلى عمر بن الخطاب فأتيا عمر فقال اليهودي: كان بيني وبين هذا خصومة فتحاكمنا إِلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصمني إِليك فقال عمر للمنافق: أكذلك هو؟ فقال: نعم فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إِليكما فدخل عمر فاشتمل عليه سيفه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد - أي مات - وقال: هكذا أقضي فيمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزلت الآية {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ..} الآية. التفسِير: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} الخطاب عام لجميع المكلفين كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بالذمم سواءً كانت حقوق الله أو العباد قال الزمخشري: الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة، والمعنى يأمركم الله أيها المؤمنون بأداء الأمانات إِلى أربابها قال ابن كثير: يأمر تعالى بأداء الأمانات إِلى أهلها وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإِنسان من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات وغيرها، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغيرها {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} أي ويأمركم أن تعدلوا بين الناس في أحكامكم {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} أي نعم الشيء الذي يعظكم به {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} فيه وعدٌ ووعيد أي سميع لأقوالكم بصير بأفعالكم {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} أي أطيعوا الله وأطيعوا رسوله بالتمسك بالكتاب والسنة، وأطيعوا الحكام إِذا كانوا مسلمين متمسكين بشرع الله إِذ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وفي قوله {مِنْكُمْ} دليل على أن الحكام الذين تجب طاعتهم يجب ان يكونوا مسلمين حسّاً ومعنى، لحماً ودماً، لا أن يكونوا مسلمين صورة وشكلاً {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي فإِن اختلفتم في أمرٍ من الأمور فاحتكموا فيه إِلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي إِن كنتم مؤمنين حقاً وهو شرط حذف جوابه لدلالة ما سبق أي فردوه إِلى الله والرسول والغرض منه الحث على التمسك بالكتاب والسنة كما يقول القائل: إِن كنت ابني فلا تخالفني {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي الرجوع إِلى كتاب الله وسنة رسوله خير لكم وأصلح وأحسن عاقبة ومآلاً.. ثم ذكر تعالى صفات المنافقين الذين يدّعون الإِيمان وقلوبهم خاوية منه فقال {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} تعجيبٌ من أمر من يدّعي الإِيمان ثم لا يرضى بحكم الله أي ألا تعجب من صنيع هؤلاء المنافقين الذين يزعمون الإِيمان بما أنزل إِليك وهو القرآن وما أنزل من قبلك وهو التوراة والإِنجيل {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} أي يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إِلى الطاغوت قال ابن عباس هو "كعب بن الأشرف" أحد طغاة اليهود سمي به لإِفراطه في الطغيان وعداوته للرسول عليه السلام {وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} أي والحال أنهم قد أمروا بالإِيمان بالله والكفر بما سواه كقوله {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} تفسير : [البقرة: 256] {وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} أي ويريد الشيطان بما زيّن لهم أن يحرفهم عن الحق والهدى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} أي وإِذا قيل لأولئك المنافقين تعالوا فتحاكموا إِلى كتاب الله وإِلى الرسول ليفصل بينكم فيما تنازعتم فيه {رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} أي رأيتهم لنفاقهم يعرضون عنك إِعراضاً {فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي كيف يكون حالهم إِذا عاقبهم الله بذنوبهم وبما جنته أيديهم من الكفر والمعاصي أيقدرون أن يدفعوا عنهم العذاب؟ {ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} أي ثم جاءك هؤلاء المنافقون للإِعتذار عما اقترفوه من الأوزار يقسمون بالله ما أردنا بالتحاكم إِلى غيرك إِلا الصلح والتأليف بين الخصمين وما أردنا رفض حكمك قال تعالى تكذيباً لهم {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي هؤلاء المنافقون يكذبون والله يعلم ما في قلوبهم من النفاق والمكر والخديعة وهم يريدون أن يخدعوك بهذا الكلام المعسول {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي فأعرضْ عن معاقبتهم للمصلحة ولا تُظهر لهم علمك بما في بواطنهم ولا تهتك سترهم حتى يبقوا على وجلٍ وحذر {وَعِظْهُمْ} أي ازجرهم عن الكيد والنفاق بقوارع الآيات {وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} أي انصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ مؤثر يصل إِلى سويداء قلوبهم يكون لهم رادعاً ولنفاقهم زاجراً، ثم أخبر تعالى عن بيان وظيفة الرسل فقال {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي لم نرسل رسولاً من الرسل إِلا ليطاع بأمر الله تعالى فطاعته طاعةٌ لله ومعصيته معصيةٌ لله {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} أي لو أن هؤلاء المنافقين حين ظلموا أنفسهم بعدم قبول حكمك جاءوك تائبين من النفاق مستغفرين الله من ذنوبهم معترفين بخطئهم {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} أي واستغفرت لهم يا محمد أي سألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم {لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} أي لعلموا كثرة توبة الله على عباده وسعة رحمته لهم ثم بين تعالى طريق الإِيمان الصادق فقال {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} اللام لتأكيد القسم أي فوربك يا محمد لا يكونون مؤمنين حتى يجعلوك حكماً بينهم ويرضوا بحكمك فيما تنازعوا فيه واختلفوا من الأمور {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقاً من حكمك وينقادوا انقياداً تاماً كاملاً لقضائك، من غير معارضة ولا مدافعة ولا منازعة، فحقيقةُ الإِيمان الخضوع والإِذعان {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ} أي لو فرضنا على هؤلاء المنافقين ما فرضنا على من قبلهم من المشقات وشدّدنا التكليف عليهم فأمرناهم بقتل النفس والخروج من الأوطان كما فرض ذلك على بني إِسرائيل {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} أي ما استجاب ولا انقاد إِلا قليل منهم لضعف إِيمانهم {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} أي ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به من طاعة الله وطاعة رسوله لكان خيراً لهم في عاجلهم وآجلهم وأشد تثبيتاً لإِيمانهم، وأبعد لهم عن الضلال والنفاق {وَإِذاً لأَتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً} أي أعطيناهم ثمرة الطاعة ثوابا كثيرا {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} ثم ذكر تعالى ثمرة الطاعة لله ورسوله فقال {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} أي ومن يعمل بما أمره الله به ورسوله ويجتنب ما نهى الله عنه ورسوله، فإِن الله عز وجل يسكنه دار كرامته في دار الخلد مع المقربين {مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ} أي مع أصحاب المنازل العالية في الآخرة وهم الأنبياء الأطهار والصديقون الأبرار وهم أفاضل أصحاب الأنبياء والشهداء الأخيار وهم الذين استشهدوا في سبيل الله ثم مع بقية عباد الله الصالحين {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} أي ونعمت رفقة هؤلاء وصحبتهم، وحَسُن رفيق أولئك الأبرار، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في شكواه التي قُبض فيها يقول {مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ} فعلمتُ أنه خيِّر {ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ} أي ما أُعطيه المطيعون من الأجر العظيم إِنما هو بمحض فضله تعالى {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} أي وكفى به تعالى مجازياً لمن أطاع عالماً بمن يستحق الفضل والإِحسان. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من ضروب الفصاحة والبديع ما يلي باختصار: 1- الاستفهام المراد به التعجب في {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ}. 2- الالتفات في {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ} تفخيماً لشأن الرسول وتعظيماً لاستغفاره ولو جرى على الأصل لقال {واستغفرت لهم}. 3- إِيراد الأمر بصورة الإِخبار وتصديره بـ "إِنَّ" المفيدة للتحقيق في قوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} للتفخيم وتأكيد وجوب العناية والامتثال. 4- الجناس المغاير في {يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً} وفي {قُل لَّهُمْ.. قَوْلاً} وفي {يُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} وفي {يَصُدُّونَ.. صُدُوداً} وفي {أية : فَأَفُوزَ فَوْزاً} تفسير : [النساء: 73]. 5- الاستعارة في قوله {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} استعار ما اشتبك وتضايق من الشجر للتنازع الذي يدخل به بعض الكلام في بعض استعارة للمعقول بالمحسوس. 6- تكريم الاسم الجليل {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ} {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً} لتربية المهابة في النفوس. 7- الإِطناب في مواضع والحذف في مواضع. فَائِدَة: عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إِنك لأحب إِليَّ من نفسي وأحبُّ إِليَّ من أهلي، وإِني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إِليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك عرفتُ أنك إِذا دخلتَ الجنةُ رفعتَ مع النبيين وإِن دخلتُ الجنة خشيتُ أن لا أراك فلم يردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم..} الآية.

الأندلسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} سبب نزولها ما ذكروا من قصة مضمونها حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ مفتاح الكعبة من سادنيها أو عثمان بن طلحة وابن عمه شيبة بن عثمان بعد تأب من عثمان ولم يكن أسلم فسأل العباس الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجمع له بين السقاية والسدانة فنزلت فرد المفتاح إليهما وأسلم عثمان وقال عليه الصلاة والسلام: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلى ظالم تفسير : . وعن ابن عباس وغيره: نزلت في الأمراء يؤدوا الأمانة فيما ائتمنهم الله من أمر رعيته ومناسبتها لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر وعد المؤمنين وذكر عمل الصالحات نبه على هذين العملين الشريفين اللذين من اتصف بهما كان أحرى أن يتصف بغيرهما من الأعمال الصالحة فأحدهما ما يختص به الانسان فيما بينه وبين غيره وهو أداء الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها والثاني ما يكون بين اثنين من الفصل بينهما بالحكم العدل الخالي عن الهوى وهو من الأعمال العظيمة التي أمر الله بها رسله وأنبياءه والمؤمنين، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الانسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بحال غيره أمر تعالى بأداء الأمانة أولاً ثم بعده بالأمر بالحكم بالحق. و{أَن تَحْكُمُواْ} ظاهره أن يكون معطوفاً على أن تؤدوا، وفصل بين حرف العطف والمعطوف بإِذا وقد ذهب إلى ذلك بعض أصحابنا وجعله كقوله: {أية : رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً}تفسير : [البقرة: 201]. {أية : وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً}تفسير : [يس: 9]. {أية : سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}تفسير : [الطلاق: 12] ففصل في هذه الآيات بين الواو والمعطوف بالمجرور وأبو علي يخص هذا بالشعر وليس هذا بصواب فإِن كان المعطوف مجروراً أعيد الجار نحو أمرر بزيد وغداً بعمرو ولكن قوله: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ليس من هذه الآيات لأن حرف الجر يتعلق في هذه الايات بالعامل في المعطوف، والظرف هنا ظاهره أنه منصوب بأن تحكموا ولا يمكن ذلك لأن الفعل في صلة أن ولا يمكن أن ينتصب بالناصب لأن تحكموا لأن الأمر ليس واقعاً وقت الحكم وقد خرجه على هذا بعضهم والذي يظهر أن إذا معمولة لأن تحكموا مقدرة وأن تحكموا المذكورة مبتدأ مفسرة لتلك المقدرة هذا إذا فرعنا على قول الجمهور، وأما إذا قلنا بمذهب الفراء فإِذا منصوبة بأن تحكموا هذه الملفوظ بها لأنه يجيز يعجبني العسل أن يشرب، فيقدم معمول صلة ان عليها. {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} تقدم الكلام على فنعما هي في البقرة. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً} لأقوالكم الصادرة منكم في الأحكام. {بَصِيراً} برد الأمانات إلى أهلها. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} الآية، قيل: نزلت في أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا قصة طويلة مضمونها ان عماراً أجاز رجلاً قد أسلم وقر أصحابه حين نذروا بالسرية فهربوا، وأقام الرجل وان أميرها خالداً أخذ الرجل وماله فأخبره عمار بإِسلامه وإجارته إياه فقال خالد: وأنت تجير فاسقا وارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير على أمير ومناسبتها لما قبلها أنه لما أمر الولاة أن يحكموا بالعدل أمر الرعية بطاعتهم. {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} هم كل من ولى ولاية صحيحة شرعية. {فَرُدُّوهُ} إلى كتاب الله وسؤال الرسول في حياته وإلى سنته بعد وفاته. {ذٰلِكَ خَيْرٌ} أي الرد إلى الكتاب والسنة وخير وأحسن لا يراد بهما أفعل التفضيل، إذ لا خير ولا حسن في الرد إلى غير الكتاب والسنة، وتأويلاً معناه مالاً ومرجعاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده بأدائها أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولا بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار؛ والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله. وقد ذكر الفقهاء على أن من اؤتمن أمانة وجب عليه حفظها في حرز مثلها. قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها؛ فوجب ذلك. وفي قوله: { إِلَى أَهْلِهَا } دلالة على أنها لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمِن، ووكيلُه بمنزلته؛ فلو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديا لها. { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو. والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام، وهذا يستلزم معرفة العدل ليحكم به. ولما كانت هذه أوامر حسنة عادلة قال: { إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون. ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله وذلك بامتثال أمرهما، الواجب والمستحب، واجتناب نهيهما. وأمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية. ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما؛ أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه، لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما. فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: { إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها { ذَلِكَ } أي: الرد إلى الله ورسوله { خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } فإن حكم الله ورسوله أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم.