Verse. 552 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اَطِيْعُوا اللہَ وَاَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ وَاُولِي الْاَمْرِ مِنْكُمْ۝۰ۚ فَاِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ فَرُدُّوْہُ اِلَى اللہِ وَالرَّسُوْلِ اِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُوْنَ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ۝۰ۭ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَاَحْسَنُ تَاْوِيْلًا۝۵۹ۧ
Ya ayyuha allatheena amanoo ateeAAoo Allaha waateeAAoo alrrasoola waolee alamri minkum fain tanazaAAtum fee shayin faruddoohu ila Allahi waalrrasooli in kuntum tuminoona biAllahi waalyawmi alakhiri thalika khayrun waahsanu taweelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي» وأصحاب «الأمر» أي الولاة «منكم» إذا أمروكم بطاعة الله ورسوله «فإن تنازعتم» اختلفتم «في شيء فردوه إلى الله» أي إلى كتابه «والرسول» مدة حياته وبعده إلى سنته أي اكشفوا عليه منهما «إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك» أي الرد إليهما «خير» لكم من التنازع والقول بالرأي «وأحسن تأويلاً» مآلاً.

59

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر الرعاة والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حق على الامام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فاذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الارادة، وقال أصحابنا: الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الارادة. لنا أنه لا نزاع في أن موافقة الأمر طاعة، إنما النزاع أن المأمور به هل يجب أن يكون مراداً أم لا؟ فاذا دللنا على أن المأمور به قد لا يكون مراداً ثبت حيئنذ أن الطاعة ليست عبارة عن موافقة الارادة، وإنما قلنا إن الله قد يأمر بما لا يريد لأن علم الله وخبره قد تعلقا بأن الايمان لا يوجد من أبي لهب ألبتة، وهذا العلم وهذا الخبر يمتنع زوالهما وانقلابهما جهلا، ووجود الايمان مضاد ومناف لهذا العلم ولهذا الخبر، والجمع بين الضدين محال، فكان صدور الايمان من أبي لهب محالا. والله تعالى عالم بكل هذه الأحوال فيكون عالما بكونه محالا، والعالم بكون الشيء محالا لا يكون مريداً له، فثبت أنه تعالى غير مريد للايمان من أبي لهب وقد أمره بالايمان فثبت أن الأمر قد يوجد بدون الارادة، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن طاعة الله عبارة عن موافقة أمره لا عن موافقة إرادته، وأما المعتزلة فقد احتجوا على أن الطاعة اسم لموافقة الارادة بقول الشاعر:شعر : رب من أنضجت غيظا صدره قد تمنى لي موتاً لم يطع تفسير : رتب الطاعة على التمني وهو من جنس الارادة. والجواب: أن العاقل عالم بأن الدليل القاطع الذي ذكرناه لا يليق معارضته بمثل هذه الحجة الركيكة. المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه، وذلك لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع: الكتاب والسنة والاجماع والقياس، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب. أما الكتاب والسنة فقد وقعت الاشارة إليهما بقوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ }. فان قيل: أليس أن طاعة الرسول هي طاعة الله، فما معنى هذا العطف؟ قلنا: قال القاضي: الفائدة في ذلك بيان الدلالتين، فالكتاب يدل على أمر الله، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة، والسنة تدل على أمر الرسول، ثم نعلم منه أمر الله لا محالة، فثبت بما ذكرنا أن قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة. المسألة الثالثة: اعلم أن قوله: {وَأُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْكُمْ } يدل عندنا على أن إجماع الأمة حجة، والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوما عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وانه محال، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوما، ثم نقول: ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعض الأمة، لا جائز أن يكون بعض الأمة؛ لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعاً، وإيجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم قادرين على الوصول اليهم والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الامام المعصوم، عاجزون عن الوصول اليهم، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، واذا كان الأمر كذلك علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمة، ولا طائفة من طوائفهم. ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله: {وَأُوْلِى ٱلأمْرِ } أهل الحل والعقد من الأمة، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة. فإن قيل: المفسرون ذكروا في {أُوْلِى ٱلأمْرِ } وجوها أخرى سوى ما ذكرتم: أحدها: أن المراد من أولي الأمر الخلفاء الراشدون، والثاني: المراد أمراء السرايا، قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عبدالله بن حذافة السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على سرية. وعن ابن عباس أنها نزلت في خالد بن الوليد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية وفيها عمار بن ياسر، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر. وثالثها: المراد العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم، وهذا رواية الثعلبي عن ابن عباس وقول الحسن ومجاهد والضحاك. ورابعها: نقل عن الروافض أن المراد به الأئمة المعصومون، ولما كانت أقوال الأمة في تفسير هذه الآية محصورة في هذه الوجوه، وكان القول الذي نصرتموه خارجا عنها كان ذلك باجماع الأمة باطلا. السؤال الثاني: أن نقول: حمل أولي الأمر على الأمراء والسلاطين أولى مما ذكرتم. ويدل عليه وجوه: الأول: أن الامراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق، فهم في الحقيقة أولو الأمر أما أهل الاجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى. والثاني: أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل، وأما آخر الآية فهو أنه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وهذا إنما يليق بالأمراء لا بأهل الاجماع. الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء، فقال: «حديث : من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني» تفسير : فهذا ما يمكن ذكره من السؤال على الاستدلال الذي ذكرناه. والجواب: أنه لا نزاع أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله: {وَأُوْلِى ٱلاْمْرِ مِنْكُمْ } على العلماء، فاذا قلنا: المراد منه جميع العلماء من أهل العقد والحل لم يكن هذا قولا خارجا عن أقوال الأمة، بل كان هذا اختياراً لأحد أقوالهم وتصحيحا له بالحجة القاطعة، فاندفع السؤال الأول: وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع، لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة، والذي ذكرناه برهان قاطع، فكان قولنا أولى، على أنا نعارض تلك الوجوه بوجوه أخرى أقوى منها: فأحدها: أن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين إنما يجب طاعتهم فيما علم بالدليل أنه حق وصواب، وذلك الدليل ليس إلا الكتاب والسنة، فحينئذ لا يكون هذا قسما منفصلا عن طاعة الكتاب والسنة، وعن طاعة الله وطاعة رسوله، بل يكون داخلا فيه، كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والولد للوالدين، والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول، أما إذا حملناه على الاجماع لم يكن هذا القسم داخلا تحتها، لأنه ربما دل الاجماع على حكم بحيث لا يكون في الكتاب والسنة دلالة عليه، فحينئذ أمكن جعل هذا القسم منفصلا عن القسمين الأولين، فهذا أولى. وثانيها: أن حمل الآية على طاعة الأمراء يقتضي إدخال الشرط في الآية، لأن طاعة الأمراء إنما تجب إذا كانوا مع الحق، فاذا حملناه على الاجماع لا يدخل الشرط في الآية، فكان هذا أولى. وثالثها: أن قوله من بعد: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ } مشعر باجماع مقدم يخالف حكمه حكم هذا التنازع. ورابعها: أن طاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعا، وعندنا أن طاعة أهل الاجماع واجبة قطعا، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعا، بل الأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم، وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف، فكان حمل الآية على الاجماع أولى، لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ واحد وهو قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ } فكان حمل أولي الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على الفاجر الفاسق. وخامسها: أن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء، والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء، فكان حمل لفظ أولي الأمر عليهم أولى، وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه: أحدها: ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول اليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الايجاب مشروطا، وظاهر قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } يقتضي الاطلاق، وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال، وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة، وهو قوله: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر. الثاني: أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، وأولو الأمر جمع، وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر. وثالثها: أنه قال: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } ولو كان المراد بأولي الأمر الامام المعصوم لوجب أن يقال: فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام، فثبت أن الحق تفسير الآية بما ذكرناه. المسألة الرابعة: اعلم أن قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } يدل عندنا على أن القياس حجة، والذي يدل على ذلك أن قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء } إما أن يكون المراد فان اختلفتم في شيء حكمه منصوص عليه في الكتاب أو السنة أو الاجماع، أو المراد فان اختلفتم في شيء حكمه غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة، والأول باطل لأن على ذلك التقدير وجب عليه طاعته فكان ذلك داخلا تحت قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } وحينئذ يصير قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } إعادة لعين ما مضى، وإنه غير جائز. وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو أن المراد: فان تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والاجماع، واذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة. فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له، وذلك هو القياس، فثبت أن الآية دالة على الأمر بالقياس. فان قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } أي فوضوا علمه إلى الله واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له؟ وأيضاً فلم لا يجوز ان يكون المراد فردوا غير المنصوص إلى المنصوص في أنه لا يحكم فيه إلا بالنص؟ وأيضا لم يجوزلا أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية؟ قلنا: أما الأول فمدفوع، وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين، منها ما يكون حكمها منصوصا عليه، ومنها ما لا يكون كذلك، ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد، وأمر في القسم الثاني بالرد إلى الله وإلى الرسول، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السكوت، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك، بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها بنفي أو إثبات، واذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله على السكوت عن تلك الواقعة، وبهذا الجواب يظهر فساد السؤال الثالث. وأما السؤال الثاني: فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل، فلا يكون رد الواقعة اليها ردا إلى الله بوجه من الوجوه، أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها كان هذا ردا للواقعة على أحكام الله تعالى، فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى. المسألة الخامسة: هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقا، فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس ألبتة، سواء كان القياس جليا أو خفيا، سواء كان ذلك النص مخصوصا قبل ذلك أم لا، ويدل عليه أنا بينا أن قوله تعالى: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } أمر بطاعة الكتاب والسنة، وهذا الأمر مطلق، فثبت أن متابعة الكتاب والسنة سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجبة، ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى: أحدها: أن كلمة «ان» على قول كثير من الناس للاشتراط، وعلى هذا المذهب كان قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } صريح في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول. الثاني: أنه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة، وهذا مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة. الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله: «فإن لم تجد» الرابع: أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم حيث قال: {أية : وَإِذ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } تفسير : [البقرة: 34] ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية، بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس هو قوله: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تفسير : [الأعراف: 12] ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدما على النص وصار بذلك السبب ملعونا، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وانه غير جائز. الخامس: أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر، والقياس ليس كذلك، بل هو مظنون من جميع الجهات، والمقطوع راجح على المظنون. السادس: قوله تعالى {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [المائدة: 45] وإذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم انا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس لزم الدخول تحت هذا العموم. السابع: قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }تفسير : [الحجرات: 1] فاذا كان عموم القرآن حاضر، ثم قدمنا القياس المخصص لزم التقديم بين يدي الله ورسوله. الثامن: قوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الأنعام: 148] إلى قوله: {أية : إِن تَتَّبِعُونَ إِلَىٰ ٱلظَّنّ } تفسير : [الأنعام: 148] جعل اتباع الظن من صفات الكفار، ومن الموجبات القوية في مذمتهم، فهذا يقتضي أن لا يجوز العمل بالقياس ألبتة ترك هذا النص لما بينا أنه يدل على جواز العمل بالقياس، لكنه إنما دل على ذلك عند فقدان النصوص، فوجب عند وجدانها أن يبقى على الأصل. التاسع: أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فلإن وافقه فاقبلوه وإلا ذروه» تفسير : ولا شك أن الحديث أقوى من القياس، فاذا كان الحديث الذي لا يوافقه الكتاب مردوداً فالقياس أولى به. العاشر: أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والقياس يفرق عقل الانسان الضعيف، وكل من له عقل سليم عُلِمَ أن الأول أقوى بالمتابعة وأحرى. المسألة السادسة: هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة: أعني الكتاب والسنة والاجماع والقياس مردود باطل، وذلك لأنه تعالى جعل الوقائع قسمين: أحدهما: ما تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالطاعة وهو قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْكُمْ } والثاني: ما لا تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالاجتهاد وهو قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } فاذا كان لا مزيد على هذين القسمين وقد أمر الله تعالى في كل واحد منهما بتكليف خاص معين دل ذلك على أنه ليس للمكلف أن يتمسك بشيء سوى هذه الأصول الأربعة، وإذا ثبت هذا فنقول: القول بالاستحسان الذي يقول به أبو حنيفة رضي الله عنه، والقول بالاستصلاح الذي يقول به مالك رحمه الله إن كان المراد به أحد هذه الأمور الأربعة فهو تغيير عبارة ولا فائدة فيه، وإن كان مغايراً لهذه الأربعة كان القول به باطلا قطعاً لدلالة هذه الآية على بطلانه كما ذكرنا. المسألة السابعة: زعم كثير من الفقهاء أن قوله تعالى: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } يدل على أن ظاهر الأمر للوجوب، واعترض المتكلمون عليه فقالوا: قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } فهذا لا يدل على الايجاب إلا إذا ثبت أن الأمر للوجوب. وهذا يقتضي افتقار الدليل إلى المدلول وهو باطل، وللفقهاء أن يجيبوا عنه من وجهين: الأول: أن الأوامر الواردة في الوقائع المخصوصة دالة على الندبية فقوله: {أَطِيعُواْ } لو كان معناه أن الاتيان بالمأمورات مندوب فحينئذ لا يبقى لهذه الآية فائدة. لأن مجرد الندبية كان معلوما من تلك الأوامر، فوجب حملها على إفادة الوجوب حتى يقال: ان الأوامر دلت على أن فعل تلك المأمورات أولى من تركها، وهذه الآية دلت على المنع من تركها فحينئذ يبقى لهذه الآية فائدة. والثاني: أنه تعالى ختم الآية بقوله: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ } وهو وعيد، فكما أن احتمال اختصاصه بقوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ } قائم، فكذلك احتمال عوده إلى الجملتين أعني قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } وقوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ } قائم، ولا شك أن الاحتياط فيه، وإذا حكمنا بعود ذلك الوعيد إلى الكل صار قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } موجبا للوجوب، فثبت أن هذه الآية دالة على أن ظاهر الامر للوجوب، ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع. المسألة الثامنة: اعلم أن المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم إما القول وإما الفعل، أما القول فيجب إطاعته لقوله تعالى: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } وأما الفعل فيجب على الأمة الاقتداء به إلا ما خصه الدليل. وذلك لأنا بينا ان قوله: {أَطِيعُواْ } يدل على أن أوامر الله للوجوب ثم انه تعالى قال في آية أخرى في صفة محمد عليه الصلاة والسلام: {فَٱتَّبَعُوهُ } وهذا أمر، فوجب أن يكون للوجوب، فثبت أن متابعته واجبة، والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله، فثبت ان قوله {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } يوجب الاقتداء بالرسول في كل أفعاله، وقوله: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } يوجب الاقتداء به في جميع أقواله، ولا شك أنهما أصلان معتبران في الشريعة. المسألة التاسعة: اعلم أن ظاهر الأمر وإن كان في أصل الوضع لا يفيد التكرار ولا الفور إلا أنه في عرف الشرع يدل عليه، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } يصح منه استثناء أي وقت كان، وحكم الاستثناء اخراج ما لولاه لدخل، فوجب أن يكون قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } متناولا لكل الأوقات، وذلك يقتضي التكرار، والتكرار يقتضي الفور. الثاني: أنه لو لم يفد ذلك لصارت الآية مجملة، لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكورة، أما لو حملناه على العموم كانت الآية مبينة، وحمل كلام الله على الوجه الذي يكون مبينا أولى من حمله على الوجه الذي به يصير مجملا مجهولا، أقصى ما في الباب أنه يدخله التخصيص، والتخصيص خير من الاجمال. الثالث: أن قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } أضاف لفظ الطاعة إلى لفظ الله، فهذا يقتضي أن وجوب الطاعة علينا له إنما كان لكوننا عبيدا له ولكونه إلها، فثبت من هذا الوجه أن المنشأ لوجوب الطاعة هو العبودية والربوبية، وذلك يقتضي دوام وجوب الطاعة على جميع المكلفين إلى قيام القيامة وهذا أصل معتبر في الشرع. المسألة العاشرة: أنه قال: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } فأفرده في الذكر، ثم قال: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } وهذا تعليم من الله سبحانه لهذا الأدب، وهو أن لا يجمعوا في الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره، وأما إذا آل الأمر إلى المخلوقين فيجوز ذلك، بدليل انه قال: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } وهذا تعليم لهذا الأدب، ولذلك روي أن واحدا ذكر عند الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: من أطاع الله والرسول فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : بئس الخطيب أنت هلا قلت من عصى الله وعصى رسوله» تفسير : أو لفظ هذا معناه، وتحقيق القول فيه أن الجمع بين الذكرين في اللفظ يوهم نوع مناسبة ومجانسة، وهو سبحانه متعال عن ذلك. المسألة الحادية عشرة: قد دللنا على أن قوله: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } يدل على أن الاجماع حجة فنقول: كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالاجماع، ونحن نذكر بعضها: الفرع الأول: مذهبنا أن الاجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه نقول: الآية دالة عليه لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه، وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط الأحكام من القرآن والحديث، فدل على ما ذكرناه، فلما دلت الآية على أن اجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أن ينعقد الاجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء. وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر؛ لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر. الفرع الثاني: اختلفوا في أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف هل هو حجة؟ والأصح أنه حجة، والدليل عليه هذه الآية، وذلك لأنا بينا أن قوله: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة، وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف وما لم يكن كذلك، فوجب أن يكون الكل حجة. الفرع الثالث: اختلفوا في أن انقراض أهل العصر هل هو شرط؟ والأصح أنه ليس بشرط، والدليل عليه هذه الآية، وذلك لأنها تدل على وجوب طاعة المجمعين، وذلك يدخل فيه ما إذا انقرض العصر وما إذا لم ينقرض. الفرع الرابع: دلت الآية على أن العبرة باجماع المؤمنين لأنه تعالى قال في أول الآية: {يا أيها ٱلَّذِينَ آمنوا} ثم قال: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } فدل هذا على أن العبرة باجماع المؤمنين، فأما سائر الفرق الذين يشك في إيمانهم فلا عبرة بهم. المسألة الثانية عشرة: ذكرنا أن قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } يدل على صحة العمل بالقياس، فنقول: كما أن هذه الآية دلت على هذا الأصل، فكذلك دلت على مسائل كثيرة من فروع القول بالقياس، ونحن نذكر بعضها: الفرع الأول: قد ذكرنا أن قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ } معناه فردوه إلى واقعة بين الله حكمها، ولا بد وأن يكون المراد فردوها إلى واقعة تشبهها، إذ لو كان المراد بردها ردها إلى واقعة تخالفها في الصورة والصفة، فحينئذ لم يكن ردها إلى بعض الصور أولى من ردها إلى الباقي، وحينئذ يتعذر الرد، فعلمنا أنه لا بد وأن يكون المراد: فردوها إلى واقعة تشبهها في الصورة والصفة. ثم إن هذا المعنى الذي قلناه يؤكد بالخبر والأثر، أما الخبر فانهم لما سألوه صلى الله عليه وسلم عن قبلة الصائم فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أرأيت لو تمضمضت»تفسير : يعني المضمضة مقدمة الأكل، كما أن القبلة مقدمة الجماع، فكما أن تلك المضمضة لم تنقض الصوم، فكذا القبلة. ولما سألته الخثعمية عن الحج فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته هل يجزى» تفسير : فقالت نعم: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : فدين الله أحق بالقضاء » تفسير : وأما الأثر فما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك، فدل مجموع ما ذكرناه من دلالة هذه الآية ودلالة الخبر ودلالة الأثر على أن قوله: {فَرُدُّوهُ } أمر برد الشيء إلى شبيهه، واذا ثبت هذا فقد جعل الله المشابهة في الصورة والصفة دليلا على أن الحكم في غير محل النص مشابه للحكم في محل النص، وهذا هو الذي يسميه الشافعي رحمه الله قياس الأشباه، ويسميه أكثر الفقهاء قياس الطرد، ودلت هذه الآية على صحته لأنه لما ثبت بالدليل أن المراد من قوله: {فَرُدُّوهُ } هو أنه ردوه إلى شبيهه علمنا أن الأصل المعول عليه في باب القياس محض المشابهة، وهذا بحث فيه طول، ومرادنا بيان كيفية استنباط المسائل من الآيات، فأما الاستقصاء فيها فمذكور في سائر الكتب. الفرع الثاني: دلت الآية على أن شرط الاستدلال بالقياس في المسألة أن لا يكون فيها نص من الكتاب والسنة لأن قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ } مشعر بهذا الاشتراط. الفرع الثالث: دلت الآية على أنه اذا لم يوجد في الواقعة نص من الكتاب والسنة والاجماع جاز استعمال القياس فيه كيف كان، وبطل به قول من قال: لا يجوز استعمال القياس في الكفارات والحدود وغيرهما؛ لأن قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء } عام في كل واقعة لا نص فيها. الفرع الرابع: دلت الآية على أن من أثبت الحكم في صورة بالقياس فلا بد وأن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالنص، ولا يجوز أن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالقياس لأن قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } ظاهره مشعر بأنه يجب رده إلى الحكم الذي ثبت بنص الله ونص رسوله. الفرع الخامس: دلت الآية على أن القياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالقرآن، والقياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالسنة إذا تعارضا كان القياس على القرآن مقدما على القياس على الخبر لأنه تعالى قدم الكتاب على السنة في قوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } وفي قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } وكذلك في خبر معاذ. الفرع السادس: دلت الآية على أنه إذا تعارض قياسان أحدهما تأيد بايماء في كتاب الله والآخر تأيد بايماء خبر من أخبار رسول الله، فإن الأول مقدم على الثاني، يعني كما ذكرناه في الفرع الخامس، فهذه المسائل الأصولية استنبطناها من هذه الآية في أقل من ساعتين، ولعل الانسان إذا استعمل الفكر على الاستقصاء أمكنه استنباط أكثر مسائل أصول الفقه من هذه الآية. المسألة الثالثة عشرة: قوله: {وَأُوْلِى ٱلأمْرِ } معناه ذوو الأمر وأولو جمع، وواحده ذو على غير القياس، كالنساء والابل والخيل، كلها أسماء للجمع ولا واحد له في اللفظ. المسألة الرابعة عشرة: قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ } قال الزجاج: اختلفتم وقال كل فريق: القول قولي واشتقاق المنازعة من النزع الذي هو الجذب، والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله، أو محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده. ثم قال تعالى: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الوعيد يحتمل أن يكون عائدا إلى قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } وإلى قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ }، والله أعلم. المسألة الثانية: ظاهر قوله: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ } يقتضي أن من لم يطع الله والرسول لا يكون مؤمنا، وهذا يقتضي أن يخرج المذنب عن الايمان لكنه محمول على التهديد. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } أي ذلك الذي أمرتكم به في هذه الآية خير لكم وأحسن عاقبة لكم لأن التأويل عبارة عما اليه مآل الشيء ومرجعه وعاقبته.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ لما تقدّم إلى الولاة في الآية المتقدّمة وبدأ بهم فأمرهم بأداء الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل، تقدّم في هذه الآية إلى الرعيّة فأمر بطاعته جل وعز أوّلا، وهي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثا؛ على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم. قال سهل بن عبد الله التُّسْتَري: أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد. قال سهل: وإذا نهى السلطان العالِمَ أن يُفتي فَليس له أن يفتَى؛ فإن أفتى فهو عاصٍ وإن كان أميرا جائرا. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية؛ ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غَزَوْا، والحُكْمُ من قبلهم وتولية الإمامة والحسبة، وإقامة ذلك على وجه الشريعة. وإن صلّوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، وإن كانوا مُبتدِعة لم تجز الصلاة معهم إلاّ أن يُخافوا فيصلّى معهم تَقيّة وتعاد الصلاة. قلت: رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: حقٌ على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدّي الأمانة؛ فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه؛ لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته. وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ} أهل القرآن والعلم؛ وهو اختيار مالك رحمه الله، ونحوُه قولُ الضحاك قال: يعني الفقهاء والعلماء في الدين. وحكي عن مُجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصّة. وحكي عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خاصّة. وروى سفيان بن عُيينة عن الحكم بن أَبَان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال: هن حرائر. فقلت بأي شيء؟ قال بالقرآن. قلت: بأي شيء في القرآن؟ قال قال الله تعالى: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} وكان عمر من أولي الأمر؛ قال: عَتقت ولو بسقْط. وسيأتي هذا المعنى مُبَيَّناً في سورة «الحَشْر» عند قوله تعالى: { أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7] وقال ابن كَيْسان: هم أولو العقل والرأي الذين يدبّرون أمر الناس. قلت: وأصح هذه الأقوال الأوّلُ والثاني؛ أما الأوّل فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم. وروى الصحيحان عن ابن عباس قال: نزل {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} في عبدالله بن حُذافة بن قيس بن عَدِي السَّهْمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سَرِيّة. قال أبو عمر: وكان في عبدالله بن حذافة دُعابةٌ معروفة؛ ومن دعابته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّره على سَرِيّة فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا فلما أوقدوها أمرهم بالتقحُّم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي؟! وقال: « حديث : من أطاع أميري فقد أطاعني » تفسير : . فقالوا: ما آمَّنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار! فصوّب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال: « حديث : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) تفسير : قال الله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ } تفسير : . [النساء: 29] وهو حديث صحيح الإسناد مشهور. وروى محمد بن عمرو بن علقمة عن عمر بن الحكم ابن ثَوْبان أن أبا سعيد الخُدْرِي قال: كان عبد الله بن حذافة بن قيس السَّهْمِي من أصحاب بَدْر وكانت فيه دُعابة وذكر الزبير قال: حدّثني عبد الجبار بن سعيد عن عبد الله بن وهب عن الّليث بن سعد قال: بلغني أنه حلّ حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع. قال ابن وهب: فقلت لليث ليُضْحِكه؟ قال: نعم كانت فيه دُعابة. قال ميمون بن مَهران ومقاتل والكلبي: «أُولُو الأَمْرِ» أصحاب السّرايا. وأما القول الثاني فيدّل على صحته قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ}. فأمر تعالى بردّ المتنازَع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الردّ إلى الكتاب والسنة؛ ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا، وامتثال فتواهم لازما. قال سهل بن عبدالله رحمه الله: لا يزال الناس بخير ما عظّموا السلطان والعلماء؛ فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسَد دنياهم وأخراهم. وأما القول الثالث فخاص، وأخص منه القول الرابع. وأما الخامس فيأباه ظاهر اللفظ وإن كان المعنى صحيحاً، فإن العقل لكل فضيلة أُسّ، ولكل أدب ينبوع، وهو الذي جعله الله للدّين أصلا وللدنيا عماداً، فأوجب الله التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدَبَّرة بأحكامه؛ والعاقل أقرب إلى ربه تعالى من جميع المجتهدين بغير عقل. وروي هذا المعنى عن ابن عباس. وزعم قوم أن المراد بأولي الأمر عليّ والأئمة المعصومون. ولو كان كذلك ما كان لقوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} معنىً، بل كان يقول فردّوه إلى الإمام وأولي الأمر، فإن قوله عند هؤلاء هو المحكم على الكتاب والسنة. وهذا قول مهجور مخالف لما عليه الجمهور. وحقيقة الطاعة امتثال الأمر، كما أن المعصية ضدّها وهي مخالفة الأمر. والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عصى إذا اشتدّ. و «أولو» واحدهم «ذو» على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، كلّ واحد اسمُ الجمع ولا واحد له من لفظه. وقد قيل في واحد الخيل: خائل وقد تقدّم. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} أي تجادلتم واختلفتم؛ فكأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويُذهبها. والنزع الجذب. والمنازعة مجاذبة الحجج؛ ومنه الحديث: « حديث : وأنا أقول مالِي ينازعني القرآن » تفسير : . وقال الأعشى: شعر : نازعتهم قُضُبَ الرَّيحان مُتَّكِئاً وقهوةً مُزّةً رَاوُوقها خضل تفسير : الخضل النبات الناعم والخضِيلة الروضة {فِي شَيْءٍ} أي من أمر دينكم. {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي رُدّوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؛ هذا قول مجاهد والأعمش وقَتادة، وهو الصحيح. ومن لم يَرَ هذا ٱختَلّ إيمانه؛ لقوله تعالىٰ {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. وقيل: المعنى قولوا الَّله ورسوله أعلم؛ فهذا هو الردّ. وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الرجوع إلى الحق خير من التّمادِي في الباطل. والقول الأوّل أصح؛ لقول عليّ رضي الله عنه: ما عندنا إلاَّ ما في كتاب الله وما في هذه الصحيفة، أو فَهْمٌ أُعطِيَه رجل مسلم. ولو كان كما قال هذا القائل لبطل الاجتهاد الذي خُصّ به هذه الأُمة والاستنباطُ الذي أعطِيهَا، ولكن تُضرب الأمثال ويطلب المثال حتى يخرج الصواب. قال أبو العالية: وذلك قوله تعالىٰ: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. نعم، ما كان مِمّا استأثر الله بعلمه ولم يُطلِع عليه أحداً من خلقه فذلك الذي يُقال فيه: الله أعلم. وقد ٱستنبط عليّ رضي الله عنه مدّة أقلّ الْحَمْل ـ وهو ستة أشهر ـ من قوله تعالىٰ: { أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } تفسير : [الأحقاف: 15] وقولِه تعالىٰ: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} تفسير : [البقرة: 233] فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهراً بقيت ستة أشهر؛ ومثله كثير. وفي قوله تعالىٰ: {عَلَى ٱلرَّسُولِ} دليل على أن سُنّته صلى الله عليه وسلم يعمل بها ويُمتثل ما فيها. قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما نَهَيْتُكم عنه فٱجتنبوه وما أمرتكم به فٱفعلوا منه ما ٱستطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم وٱختلافُهم على أنبيائهم » تفسير : أخرجه مسلم. ورَوى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا أَلْفِينَّ أحدَكم متّكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نَهَيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله ٱتّبعناه » تفسير : . وعن العِرْبَاض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو يقول: « حديث : أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته قد يَظُنّ أن الله لم يحرّم شيئاً إلاَّ ما في هذا القرآن ألاَ وإني والله قد أمَرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر » تفسير : . وأخرجه الترمذيّ من حديث المِقْدام بن مَعْدِي كَرب بمعناه وقال: حديث حسن غريب. والقاطع قولُه تعالىٰ: { أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } تفسير : [النور: 63] الآية. وسيأتي. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {ذٰلِكَ خَيْرٌ} أي ردّكم ما ٱختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير من التّنازُع. {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي مَرجِعاً؛ من آل يؤول إلى كذا أي صار. وقيل: من ألْتُ الشيء إذا جمعته وأصلحته. فالتأويل جمع معاني ألفاظ أَشكَلت بلفظ لا إشكال فيه؛ يُقال: أوّل الله عليك أمْرَك أي جمعه. ويجوز أن يكون المعنى وأحسن من تأويلكم.

ابن كثير

تفسير : قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من حديث حجاج بن محمد الأعور به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، فلما خرجوا، وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: اجمعوا لي حطباً، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فهمّ القوم أن يدخلوها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، قال: فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال لهم: «حديث : لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف»تفسير : ، أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به. وقال أبو داود: حدثنا مسدَّد، حدثنا يحيى عن عبيد الله، حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة»تفسير : وأخرجاه من حديث يحيى القطان. وعن عبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا. وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: «حديث : إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان»تفسير : ، أخرجاه، وفي الحديث الآخر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اسمعوا وأطيعوا، وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة»تفسير : ، رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً حبشياً مُجَدّع الأطراف، رواه مسلم. وعن أم الحصين: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: «حديث : ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، اسمعوا له وأطيعوا» تفسير : رواه مسلم، وفي لفظ له: «حديث : عبداً حبشياً مجدوعاً» تفسير : وقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة عن هشام بن عروة عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البرّ ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم»تفسير : . وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون» تفسير : قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: «حديث : أوفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم»تفسير : ، أخرجاه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من رأى من أميره شيئاً فكرهه، فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت، إلا مات ميتة جاهلية»تفسير : ، أخرجاه. وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية» تفسير : رواه مسلم. وروى مسلم أيضاً عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: دخلت المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس حوله مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلاً، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إنه لم يكن نبي من قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرفق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر»تفسير : ، قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك بالله، آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله تعالى يقول: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} تفسير : [النساء: 29] قال: فسكت ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله. والأحاديث في هذا كثيرة. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط عن السدي في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريباً منهم، عرّسوا، وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم، فأصبحوا قد هربوا غير رجل، فأمر أهله فجمعوا متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غداً، وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفع فأقم، فأقام، فلما أصبحوا، أغار خالد، فلم يجد أحداً غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عماراً الخبر، فأتى خالداً فقال: خل عن الرجل؛ فإنه قد أسلم، وإنه في أمان مني، فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فاستبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خالد: أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا خالد لا تسب عماراً؛ فإنه من يسب عماراً، يسبه الله، ومن يبغضه، يبغضه الله، ومن يلعن عماراً، يلعنه الله» تفسير : فغضب عمار، فقام فتبعه خالد، فأخذ بثوبه، فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله عز وجل قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدي مرسلاً، ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس، فذكره بنحوه، والله أعلم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} يعني: أهل الفقه والدين، وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} يعني: العلماء. والظاهر، والله أعلم أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم. وقد قال تعالى: {أية : لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} تفسير : [المائدة: 63] وقال تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43] وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن عصاني، فقد عصى الله، ومن أطاع أميري، فقد أطاعني، ومن عصى أميري، فقد عصاني»تفسير : ، فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} أي: اتبعوا كتابه {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} أي: خذوا بسنته {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} أي: فيما أمروكم به من طاعة الله، لا في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله؛ كما تقدم في الحديث الصحيح: «حديث : إنما الطاعة في المعروف»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن أبي مراية، عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا طاعة في معصية الله»تفسير : . وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [الشورى: 10] فما حكم به الكتاب والسنة، وشهدا له بالصحة، فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولهذا قال تعالى: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: {ذٰلِكَ خَيْرٌ} أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي: وأحسن عاقبة ومآلا؛ كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاء، وهو قريب.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى } وأصحاب {ٱلأَمْرُ } أي الولاة {مّنكُمْ } إذا أمروكم بطاعة الله ورسوله {فَإِن تَنَازَعْتُمْ } اختلفتم {فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ } أي إلى كتابه {وَٱلرَّسُولِ } مدة حياته وبعده إلى سنته أي اكشفوا عليه منهما {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ ذٰلِكَ } أي الرد إليهما {خَيْرٌ } لكم من التنازع والقول بالرأي {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } مآلاً.

الشوكاني

تفسير : لما أمر سبحانه القضاة، والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق، أمر الناس بطاعتهم ها هنا، وطاعة الله عزّ وجلّ هي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم هي فيما أمر به ونهى عنه. وأولي الأمر هم: الأئمة، والسلاطين، والقضاة، وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية، والمراد: طاعتهم فيما يأمرون به، وينهون عنه ما لم تكن معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال جابر بن عبد الله، ومجاهد: إن أولي الأمر، هم: أهل القرآن والعلم، وبه قال مالك والضحاك. وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن كيسان: هم أهل العقل والرأي، والراجح القول الأوّل. قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } المنازعة المجاذبة، والنزع: الجذب، كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها، والمراد: الاختلاف، والمجادلة، وظاهر قوله: {فِي شَىْء } يتناول أمور الدين والدنيا، ولكنه لما قال: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والردّ إلى الله: هو الردّ إلى كتابه العزيز، والردّ إلى الرسول: هو الردّ إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته، فالردّ إليه سؤاله، هذا معنى الردّ إليهما. وقيل: معنى الردّ أن يقولوا: الله أعلم، وهو قول ساقط، وتفسير بارد، وليس الردّ في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } تفسير : [النساء: 83]. قوله: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } فيه دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين، وإنه شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الردّ المأمور به {خَيْرٌ } لكم {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } أي: مرجعاً، من الأول آل يؤول إلى كذا، أي: صار إليه؛ والمعنى: أن ذلك الردّ خير لكم، وأحسن مرجعاً ترجعون إليه. ويجوز أن يكون المعنى أن الردّ أحسن تأويلاً من تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدّي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، وقصته معروفة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عطاء في الآية قال: طاعة الله والرسول اتباع الكتاب والسنة {وَأُوْلِى ٱلأمْرِ} قال: أولى الفقه، والعلم. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، قال: {وَأُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْكُمْ } هم: الأمراء، وفي لفظ هم: أمراء السرايا. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن جابر بن عبد الله في قوله: {وَأُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْكُمْ } قال: أهل العلم. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن شيبة، وابن جرير، عن أبي العالية نحوه أيضاً. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } قال: إلى كتاب الله، وسنة رسوله. ثم قرأ: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } تفسير : [النساء: 83]. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ميمون بن مهران في الآية قال: الردّ إلى الله الردّ إلى كتابه، والردّ إلى رسوله ما دام حياً، فإذا قبض فإلى سنته. وأخرج ابن جرير، عن قتادة، والسدي مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } يقول: ذلك أحسن ثواباً وخير عاقبة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } قال: وأحسن جزاءً. وقد وردت أحاديث كثيرة في طاعة الأمراء ثابتة في الصحيحين وغيرهما، مقيدة بأن يكون ذلك في المعروف، وأنه لا طاعة في معصية الله.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الْرَّسُولَ وِأُولي الأَمْرِ مِنكُمْ} يعني أطيعوا الله في أوامره ونواهيه، وأطيعوا الرسول. روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ أَطَاَعنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَا اللهَ، وَمَنْ عَصَا أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي ". تفسير : وفي طاعة الرسول قولان: أحدهما: اتباع سنته، وهو قال عطاء. والثاني: وأطيعوا الرسول إن كان حياً، وهو قول ابن زيد. وفي أولي الأمر أربعة أقاويل: أحدها: هم الأمراء، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، والسدي، وابن زيد. وقد روى هشام عن عروة عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سَيَلِيكُم بَعْدِي وُلاَةٌ، فَيَلِيكُمُ البَرُّ بِبِرِّهِ، وَبَلِيكُمُ الفَاجِرُ بِفجُورِهِ، فَاسْمَعُوا لَهُم وَأَطِيعُوا فِي كُلِّ مَا وَافَقَ الحَقَّ، وَصَلُّوا وَرَاءَهُم، فإِن أَحْسَنٌواْ فَلَكُم وَلَهُم، وإنْ أَساءُوا فَلَكُم وَعَليهُم ". تفسير : واختلف قائلو هذا القول في سبب نزولها في الأمراء، فقال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية. وقال السدي: نزلت في عمار بن ياسر، وخالد بن الوليد حين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية. والقول الثاني: هم العلماء والفقهاء، وهو قول جابر بن عبد الله، والحسن، وعطاء، وأبي العالية. والثالث: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول مجاهد. والرابع: هم أبو بكر وعمر، وهو قول عكرمة. وطاعة وَلاَةِ الأمر تلزم في طاعة الله دون معصيته، وهي طاعة يجوز أن تزول، لجواز معصيتهم، ولا يجوز أن تزول طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لامتناع معصيته. وقد روى نافع عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عَلَى المرَءِ المُسْلِمِ الطَّاعةُ فِيمَا أَحبَّ أو كَرِهَ إلاََّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيةٍ فَلاَ طَاعَةَ ". تفسير : قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} قال مجاهد، وقتادة: يعني إلى كتاب الله وسنة رسوله. {إِن كُنتُم تُؤُمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَومِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأْوِيلاً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أَحْمَدُ عَاقِبَةً، وهذا قول قتادة، والسدي، وابن زيد. والثاني: أَظَهَرُ حَقاً وأَبْيَنُ صَواباً، وهو معنى قول مجاهد. والثالث: أحسن من تأويلكم الذي لا يرجع إلى أصل ولا يفضي إلى حق، وهذا قول الزجاج.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَطِيعُواْ اللَّهَ} في أمره ونهيه. {وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} في حياته، أو باتباع سنته. {وَأُوْلِى الأَمْرِ} نزلت في الأمراء بسبب عبد الله بن حذافة بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في سرية أو في عمار بن ياسر بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في سرية، أو نزلت في العلماء والفقهاء، أو في الصحابة، أو في أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ وإنما طاعة الولاة في المعروف. {إِلَى اللَّهِ} كتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم {تَأْوِيلاً} أحمد عاقبة، أو أبيّن صواباً، وأظهر حقاً، أو أحسن من تأويلكم الذي لا يرجع إلى أصل، ولا يفضي إلى حق.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (ق) عن ابن عباس قال لما نزل قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} الآية قال نزلت في عبدالله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وقال السدي نزلت في خالد بن الوليد وذلك أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية وفيها عمار بن ياسر فلما قربوا من القوم هربوا منهم وجاء رجل إلى عمار قد أسلم فأمنه عمار فرجع الرجل فجاء خالد فأخذ مال الرجل فقال عمار إني قد أمنته وقد أسلم خالد أتجير علي وأنا الأمير فتنازعا وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير فأنزل الله تعالى أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وأصل الطاعة الانقياد وهو امتثال الأمر فطاعة الله عز وجل امتثال أمره فيما أمر والانقياد لذلك الأمر وطاعة الله واجبة على كافة الخلق. وكذا طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم واجبة أيضاً لقوله تعالى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فأوجب طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على الخلق واختلف العلماء في أولي الأمر الذين أوجب طاعتهم بقوله وأولي الأمرم منكم. يعني وأطيعوا أولي الأمر منكم قال ابن عباس وجابرهم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون معالم الناس دينهم وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد وقال أبو هريرة الأمراء والولاة. وهي رواية عن ابن عباس أيضاً قال علي بن أبي طالب حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني قد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني" تفسير : (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره إلاّ إن يؤمر بمعصية الله فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" تفسير : (خ) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله" تفسير : وقال ميمون بن مهران هم أمراء السرايا والبعوث وهي رواية عن ابن العباس أيضاً ووجه هذا القول أن الآية نازلة فيهم. وقال عكرمة: أراد بأولي الأمر. أبا بكر وعمر لما روي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" تفسير : أخرجه الترمذي وقيل هم جميع الصحابة لما روي عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" تفسير : أخرجه رزين في كتابه وروى البغوي بسنده عن الحسن قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام لا يصلح الطعام إلاّ بالملح" تفسير : قال الحسن قد ذهب ملحنا فكيف نصلح قال الطبري وأولى الأقوال بالصواب قول من قال هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله عز وجل طاعة وللمسلمين مصلحة وقال الزّجاج وجملة أولي الأمر من يقوم بشأن المسلمين في أمر دينهم وجميع ما أدى إليه صلاحهم قال العلماء طاعة الإمام واجبة على الرعية ما دام على الطاعة فإذا زال عن الكتاب والسنة فلا طاعة له وإنما تجب طاعته فيما وافق الحق. وقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء} يعني اختلفتم في شيء من أمر دينكم والتنازع اختلاف الآراء وأصله من انتزاع الحجة وهو أن كل واحد من المتنازعين ينزع الحجة لنفسه {فردوه إلى الله والرسول} أي ردوا ذلك الأمر الذي تنازعتم فيه إلى كتاب الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ما دام حياً وبعد وفاته فردوه إلى سنته والرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واجب إن وجد ذلك الحكم في كتاب الله أخذ به فإن لم يوجد في كتاب الله ففي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن لم يوجد في السنة فسبيله الاجتهاد وقيل الرد إلى الله ورسوله أن يقول لما لا يعلم الله ورسوله أعلم {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} يعني افعلوا ذلك الذي أمرتكم به إن كنتم تؤمنون بالله وإن طاعته واجبه عليكم وتؤمنون بالميعاد الذي فيه جزاء الأعمال قال العلماء في الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب طاعة الله وطاعة الرسول ومتابعة السنة والحكم بالأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر {ذلك خير} يعني رد الحكم إلى الله ورسوله خير {وأحسن تأويلاً} يعني وأحمد عاقبة وقيل معناه ذلك أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الله ورسوله أحسن تأويلاً منكم له وأعظم أجراً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ...} الآية: لَمَّا تُقُدِّمَ إلى الولاةِ في الآية المتقدِّمة، تُقُدِّمَ في هذه إلى الرعيَّة، فأَمَرَ بطاعتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعةِ رسولِهِ، وطاعَةِ الأمراءِ؛ علَىٰ قول الجمهور، وهو قولُ ابْنِ عبَّاس وغيره، فالأَمْرُ علَىٰ هذا التأويلِ هو ضدُّ النَّهْيِ؛ ومنْهُ لفظة «الأَمِيرِ»، وقال جابرٌ وجماعةٌ: «أُولُو الأَمْرِ»: أهل القرآن والعِلْمِ. قال عطاءٌ: طاعةُ الرَّسُولِ هي ٱتِّبَاعُ سُنَّته، يعني: بعد موته، ولفظ ابْنِ العَرَبِيِّ في «أحكامه» قال: قوله تعالَىٰ: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ...} فيها قولان: الأوَّل: قال ميمونُ بْنُ مِهْرَانَ: هم أصحاب السَّرَايَا، ورَوَىٰ في ذلك حديثاً، وهو ٱختيارُ البُخَاريِّ، وروي عن ابْنِ عباس أنَّها نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ حُذَافَة، إذْ بعثه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في سرِيَّة. والثاني: هم العلماءُ، وبه قال أكثر التابِعِينَ، وٱختاره مالكٌ والطبريُّ. والصحيحُ عِنْدِي: أنهم الأمراء والعلماء، أمَّا الأمراء؛ فَلأنَّ الأمْرَ منهم، والحُكْمَ إلَيْهم، وأمَّا العلماء؛ فَلأنَّ سؤالهم متعيِّن على الخَلْق، وجوابهم لازمٌ، وامتثال فَتْوَاهم واجبٌ، ويدخُلُ فيه تَأَمُّر الزَّوْج على الزَّوْجَةِ؛ لأنَّه حاكِمٌ عليها. انتهى. وقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء...} الآية: معنى التنَازُعِ أنَّ كلَّ واحدٍ ينتزعُ حُجَّة الآخَرِ ويُذْهِبُهَا، والرَّدُّ إلى اللَّه هو النَّظَرُ في كتابِهِ العزيزِ، والرَّدُّ إلى الرسولِ هو سؤَالُهُ صلى الله عليه وسلم في حياتِهِ، والنَّظَرُ في سُنَّته بعد وفاته، هذا قولُ مجاهد وغيرِهِ، وهو الصحيحُ. وقوله سبحانه: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...} الآية: فيه بعضُ وعيدٍ، و {تَأْوِيلاً}: معناه: مآلاً؛ في قول جماعة، وقال قتادةُ وغيره: المعنَىٰ: أحْسَنُ عاقبةً، وقالتْ فرقة: المعنَىٰ أن اللَّه ورسولَهُ أحْسَنُ نَظَراً وتأوُّلاً منكم، إذا ٱنْفَرَدتُّم بتأوُّلكم.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنَّهُ تعالى لما أمر الولاة بالعَدْلِ، أمر الرعية بطاعة الوُلاَةِ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ وجَابِرٌ: أولو الأمْرِ: [هُمُ] الفُقَهَاءُ، والعلماءُ الَّذِينَ يعلِّمُونَ النَّاسَ دينهم. وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والضَّحاكِ ومُجاهِدٍ. لقوله تعالى {ولو ردوه إلى الرسول [وإلى] أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}. وقال أبُو هُرَيرَة: هم الأمَرَاءُ والوُلاة، وقال عليُّ بْنُ أبي طالبٍ: حقٌّ على الإمام أن يَحْكُمَ بما أنْزَلَ اللَّهُ، ويُؤَدِّي الأمَانَة، فإذا فَعَلَ ذلك؛ حَقَّ علي الرَّعِيَّةِ أنْ يَسْمَعُوا، وَيُطِيعُوا. وروى أبُو هُرَيْرَة قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "حديث : مَنْ أطَاعَنِي؛ فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ، ومَنْ يَعْصِنِي، فَقَدْ عَصَى اللَّه، ومَنْ يُطِعِ الأمِيرَ؛ فَقَدْ أطَاعَنِي ومن يعصي الأميرَ، فَقَدْ عَصَانِي" تفسير : وقال عليه الصَّلاةُ والسلامُ "حديث : السَّمْعُ والطَّاعَةُ على المرءِ المُسْلِمِ فيما أحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ ". تفسير : وروى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قال: بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على السَّمْعِ والطَّاعَةِ في اليُسْر، والعُسْر، والمَنْشَطِ، والمَكْرَه، وألاَّ نُنَازعَ الأمْرَ أهْلَهُ، وأنْ نَقُومَ، أوْ نَقُولَ بالحَقّ، حَيْثُ مَا كُنَّا، لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وعن أنَسٍ: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذرّ: "حديث : اسْمَعْ، وأطِعْ وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيّ كأنَّ رَأسَهُ زَبيبة ". تفسير : وروى أبُو أمَامَةَ قال: حديث : سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطِبُ في حجة الوَدَاعِ فقالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وأدُّوا زَكَاةَ أمْوالِكُمْ، وأطِيعوا إذَا أمَرَكُم؛ تَدْخُلُوا جَنَّةَ ربِّكُم" . تفسير : وقال سعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عن ابن عبَّاسٍ المُرَادُ أمَرَاء السَّرَايَا قال: نزلت هذه الآية في عبيد الله بن أبي حُذَافَةَ بْنِ قَيْس بْن عدِيّ السّهميّ إذ بعثه النّبي صلى الله عليه وسلم [في سرية، وعن ابن عباس أنَّها نزلت في خَالدِ بْنِ الوَلِيدِ بَعَثَهُ] النبي صلى الله عليه وسلم على سَرِيَّةٍ، وفيها عَمَّارُ بْنُ يَاسِر فجرى بَيْنَهُمَا اخْتِلاف في شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ هذه الآية. [و] قال عكْرمَة: أولو الأمْرِ أبُو بَكْر وعُمَر؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - حديث : [اقتدوا] باللذيْنِ من بَعْدِي أبِي بكْرٍ وعُمَرتفسير : وقيلَ: هم الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُون. وقال عَطَاء: هم المُهَاجِرُون والأنْصَار، والتَّابِعُون لهم بإحْسَانٍ؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} تفسير : [التوبة: 100] الآية، ولقوله- عليه السلام -: "حديث : مَثَلُ أصْحَابِي في أمَّتِي كالمِلْحِ في الطَّعَامِ، ولا يَصْلُح الطَّعَامُ إلا بالمِلْحِ"تفسير : وقال الحسَن: قد [ذهب] مِلحُنَا، فكيف نَصْلُحَ. ونُقِلَ عن الرَّوافِضِ أنَّ المُرَاد بأولي الأمْرِ: الأئِمُّة المَعْصُومون. فإن قيل: طَاعَةُ الرَّسُولِ هي طاعَةُ اللَّهِ، فالمعنى العَطْفُ. فالجواب: قال القَاضِي: الفَائِدَةُ في ذَلِكَ بَيَان الدِّلالَتَيْنِ، فلكتاب يَدُلُّ على أمْرِ اللَّه، ثم يُعْلَم مِنْهُ أمر الرَّسُولِ لا مُحَالَة، والسُّنَّة تدلُّ على أمْرِ الرَّسُول، ثم يُعْلَم مِنْهُ أمر اللَّهِ لا محالة، فَدَلّ قوْلُه: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} على وُجُوب مُتَابَعَة الكِتَابِ والسُّنَّةِ. فصل في معنى "الطَّاعَة" قالت المعتزلة: الطَّاعَة موافقَةُ الإرَادة، وقال أهْل السُّنَّة: الطَّاعَةُ مُوافقَةُ الأمْرِ لا مُوافَقَةُ الإرَادَةِ؛ لأنَّ اللَّه قد يَأمُر ولا يُريدُ؛ كما أمر أبَا لَهَبٍ بالإيمَانِ مع أنَّه لم يُرِدْهُ منه، إذ لو أرَادَهُ لا مَحَالَة. فصل استدلُّوا بقوله - تعالى -: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} على أن الأمَر للوُجُوب، [واعترض عليه المُتَكَلِّمُون؛ فقالوا: هذه الآيةُ لا تَدُلُّ على الوُجُوب إلا إذا ثَبَتَ أن الأمْرَ للوُجُوبِ]، وهذا يَقْتَضِي افْتِقَار الدَّليل إلى المَدْلُولِ. وأجيبُ بوَجْهَينِ: الأوَّل: أن الأمْر الوَارِدَ في الوَقَائِع المخصُوصةِ دالٌّ على النَّدْبيَّة، فقوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} لو اقْتَضَى النَّدْبَ، لم يَبْقَ لِهَذِه الآيَةِ فائِدَةٌ. الثاني: أنه خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} وهذا وعيد. قوله: "منكم" في محلِّ نَصْبٍ على الحَالِ من "أولي الأمر" فيتعَلَّقُ بمَحْذُوفٍ، أي: وأُولِي الأمْرِ كائِنِينِ مِنكُم، و "مِنْ" تَبْعِيضية. قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ} [اختلَفْتُم]، {فِي شَيْءٍ} [أيْ:] من أمْرِ دينكُم، والتَّنَازُع: اخْتِلافَ الآرَاءِ. قال الزَّجَّاج: اشْتِقَاق المُنَازَعَة من النَّزْعِ الَّذِي هُوَ الجَذْب، والمُنَازَعَةُ: عبارة عن مُجَاذَبَةِ كُلِّ واحدٍ من الخَصْمَيْن، يَجْذِب بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ. قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} [أي: إلى الكِتَابِ والسُّنَّةِ]. وقيل: الرَّدُّ إلى اللَّه والرَّسُول؛ أن يقُول لما لا يعْلَمُ: "الله ورسوله أعلم". فصل في دلالة الآية على حجية القياس دلت هذه الآيةُ على أنَّ القياس حُجَّة؛ لأن قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ} إمَّا أن يكُون المُرادُ منه "فإن اختلفتم في شيء" أي: حكم مَنْصُوصٍ عليه [في الكِتابِ أو السُّنَّةِ أو الإجْمَاعِ]، [أو يكون المُرادُ: "فإن اختلفتم في شيء" حكمه غير مَنْصُوصٍ عليه في شَيء من هذه الثَّلاثة]. والأوَّل بَاطِلٌ؛ لأنَّ الطَّاعَة واجِبَةٌ، لقوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} فيَصِيرُ قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} إعادة لعين ما مَضَى، وذلِك غيْر جَائِزٍ، فيتَعَيَّن أن يكُون المُرَادُ: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} حكمه غير مَذْكُورٍ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ، فيَجِبُ أن يُرَدّ حُكْمُه إلى الأحْكَامِ المَنْصُوصَةِ المُشَابِهَة له، وذلِك هُوَ القِيَاسُ. فإن قيل: لِمَ لا يَجُوزُ أن يكُون المرادُ بِقَوْله: {فَرُدُّوهُ} أي: فَوَّضُوا حُكْمَه إلى اللَّهِ ولا تَتَعرَّضُوا له، أو يكون المرادُ: رُدُّوا غيْر المَنْصُوصِ إلى المَنْصُوصِ؛ في أنَّه لا يُحْكَمُ فيه إلاَّ بالنَّصِّ، أو فرُدُّوا هذه الأحْكَام إلى البَراءَة الأصْلِيَّة. والجواب عن الأوَّل والثَّاني: أنه - تعالى - جعل الوَقَائِعَ قِسْمَيْن: منها ما هُو مَنْصُوصٌ علَيْه، ومِنْهَا ما لا يكُون كذلك، ثم أمر في القِسْمِ الأوَّلِ بالطَّاعةِ والانْقِيَادِ، وأمر في الثَّانِي بردِّه إلى اللَّه وإلى الرَّسُول، ولا يجوزُ أن يكُونَ المُرادُ بِهَذَا الرَّدِّ السكوت؛ لأن الواقِعَةَ رُبَّمَا كانَت لا يَحِلُّ السُّكُوت فيها، بل لا بُدَّ من قطْعِ الخُصُومَةِ فيها، إما بِنَفْيٍ أو إثْبَاتٍ، فامْتَنَعَ حَمْلُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ على السُّكُوتِ. وأما الثالث: فإنَّ البَرَاءَة الأصْلِيَّة مَعْلُومَةٌ بحكم العَقْلِ، فالرَّدُّ إليها لَيْس رَدَّاً إلى اللَّه، وإذا رَدَدْنا حكْمَ الواقِعَةِ إلى الأحْكامِ المَنْصُوص عليها، كان ذلك رَدّاً إلى أحْكام اللَّه - تعالى -. فصل في تقديم الكتاب والسنة على القياس دَلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ الكِتَاب والسُّنَّة مُقدِّمان على القِياسِ مُطْلقاً، فلا نَتْرُك العَمَل بهما بِسَبَبِ القِيَاسِ، ولا يجوزُ تَخْصِيصُهَا ألْبَتَّة، سَوَاءً كان القِياسُ جَليًّا أو خَفيًّا، وسواءً كان ذلِكَ النَّصُّ مَخْصُوصاً قبل ذَلِك أمْ لاَ؛ لأن الله - تعالى - أمَر بطاعَةِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} سواء حَصَلَ قياسٌ يُعَارِضُهمَا أو يُخَصِّصُهُمَا، أوْ لم يُوجَد؛ ولأن قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ} صريح بأنه لا يجوزُ العُدولُ إلى القياسِ، إلاَّ عند فُقْدان الأصُولِ الثلاثةَ، وأيضاً فإنَّهُ أخّر ذلك القياس عن ذِكْرِ الأصُولِ الثَّلاثَةِ، وذلك يَدُلُّ على أنَّ العمل به مُؤخَّر عن الأصُولِ الثلاثَةِ؛ ولأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَبَرَ هذا التَّرتيبَ في قِصَّةِ مُعَاذٍ، وأخر الاجتهاد عن الكِتَابِ والسُّنَّةِ، وعَلَّقَ جَوازَهُ على عدمِ وُجْدَانِهِمَا، ولمَّا عَارَضَ إبْليسُ عموم الأمْرِ بالسُّجُودِ بِقياسِهِ في قوله: {خلقتني من نار وخلقته من طين} فخصَّ العُمُوم بالقياس، وقدَّمه على النَّصِّ، فصَار بهذا السَّبَبِ مَلعُوناً، وأيضاً فغن القُرْآن مَقْطُوع بِمتْنِهِ، والقِيَاسُ مَظْنُون من جميع الجهاتِ، والمَقْطُوع راجحٌ على المَظْنُون، وأيضاً العَمَلُ بالظَّنِّ من صِفَاتِ الكُفَّارِ في قولهم: {أية : مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} تفسير : [الأنعام: 148]. ثم قال {أية : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} تفسير : [النجم: 23] وقال - عليه السلام -: "حديث : إذَا رُوِي عَنِّي حَدِيثٌ، فاعْرِضُوهُ على كِتَابِ اللَّهِ، فإن وَافَقَهُ فاقْبَلُوهُ، وإلا فَرُدُّوهِ" تفسير : فهذه النٌّصوصُ تَقْتَضِي، أن لا يجُوزُ العَمَلُ بالقِيَاسِ الْبَتَّةَ، وإنما عَمِلْنَا بالقِيَاسِ فيما لا نَصَّ فيه، ولا دلالة دَلَّت على وُجُوبِ العَمَلِ بالقِيَاسِ، جَمْعاً بَيْنَهَا وبين هذه الأدِلَّة. انتهى. فصل في دلالة الآية على أكثر علم الأصول دَلَّت هذه الآيةُ على أكْثَرِ أصُولِ الفِقْه؛ لأن أصُول الشَّريعَة هي الكِتَابُ والسُّنَّةُ والإجْماع والقياسُ، فقوله: [تعالى] {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} إشارة للكِتَابِ والسُّنَّةِ، وقوله: {وأولي الأمر منكم} يدل على الإجماع؛ لأنه - تعالى - أوْجَب طَاعَةَ أولي الأمْر، وذلِك يَسْتَلزمُ عِصْمَتَهُم عن الخَطَأ، وإلاَّ لَوجَبَ طاعَتُهُ عند كَوْنهِ مُخْطِئاً، واتِّبَاع الخَطَأ مَنْهِيٌّ عَنْه، فيجتمع الأمْرُ والنَّهْي [وهو مُحَالٌ]؛ فَثَبتت العِصْمَةُ لأولي الأمْرِ، إمَّا أن يكُونُوا جَمِيع الأمَرَاءِ، أو بَعْضَهُم، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا بعضهُم؛ لأن الأمْرَ بِطَاعَتِهِم مَشْروطٌ بمعْرِفَتِهِم، والقُدْرَةِ على الاسْتِفَادِةِ مِنْهُم، ونحن عَاجِزُونَ قَطْعاً عن مَعْرفَة الإمام المَعْصُوم والوُصُول إليْه؛ فوجَبَ أن يكُونَ المُرَادُ من {َأُوْلِي ٱلأَمْرِ} أولي الحَلِّ والعَقْدِ من هَذِه [الأمَّة] وهو الإجْمَاعُ. فإن قيلَ: المُرَادُ بـ {َأُوْلِي ٱلأَمْرِ} الخُلَفاء الرَّاشِدُون، أو أُمَرَاء السَّرايا أو العُلَماء المُفْتُون في الأحْكَامِ الشَّرعيَّة، أو الأئمَّةُ المعْصُومون عند الرَّوَافِضِ، فالقَوْلُ الذي اخْتَرْتُمُوهُ خارجٌ عن أقْوَالِ الأمَّة فيَكُون بَاطِلاً، أو تُحمَلُ الآيةُ على الأمَرَاءِ والسَّلاطين؛ لنفوذ أمرهم في الخَلْقِ، بخلاف أهل الإجْمَاع؛ ولقوله -عليه السلام -: "حديث : مَنْ أطَاعَنِي فَقَدْ أطَاعَ اللَّه، [ومَنْ أطاعَ أمِيرِي فَقَدْ أطَاعَنِي]، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّه، ومَنْ عَصَى أمِيري فَقَدْ عَصَانِي ". تفسير : فالجواب عن الأوَّل: أنَّ جماعةً من الصَّحابةِ والتَّابعين حَمَلُوا "أولي الأمر" على العلماء، فليْسَ قولُنَا خَارِجاً عَنْهُم. وعن الثَّاني: أنَّ الوُجُوه التي ذكرُوهَا ضَعِيفَةً، لا تعارض بالبُرْهَانِ القَاطِعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مع أنَّهَا مُعَارَضَة بوجوهٍ: الأوّل: أنَّ طاعَة الأمَراءِ إنَّما تَجِبُ فيما عُلِمَ بالدَّلِيلِ أنَّهُ حَقٌّ، وذلِك الدَّلِيلُ هُو الكِتَابُ والسُّنَّةُ؛ ليكُون هذا داخلاً في طَاعَةِ اللَّه [ورسُولِهِ] كما أنَّ الوالِدَيْن والزَّوْج، والأستاذِ داخِلٌ في ذَلِكَ، وإذا حَمَلْنَاهُ على الإجْمَاعِ، لم يَدْخُل في ذلك؛ لأنَّهُ ربما ثبت بالإجْمَاعِ حكم ولا دليل في الكتاب والسُّنَّة عليه فَكَانَ أوْلَى. الثاني: أنَّ طاعَة الأمَرَاءِ إنما تَجِبُ إذا كانُوا على الحّقِّ فطاعتهم مَشْرُوعة بالاسْتِقَامَةِ. الثالث: قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ} يُشْعِر بإجْمَاعٍ تَقَدَّمَ، وحدث بَعْدَه التَّنَازُع. الرابع: أنَّ طاعَةَ [أهْل] الإجْمَاعِ واجبَةٌ قَطْعاً، [وأمَّا طاعَة] الأمَرَاء والسَّلاطين فغير وَاجِبَةٍ قَطْعاً، بل الأكْثَر تكون مُحَرَّمة؛ لأنهم لا يَأمُرون إلاَّ بالظُّلْم، وفي الأقل تكون وَاجِبَةً [لهذا كَانَ حَمْل الآيَةِ على الإجْمَاعِ أولى]. الخامس: أوامِرُ السَّلاطِين مَوْقُوفَة على فَتَاوى العُلَمَاء؛ فالعُلَمَاءُ في الحَقِيقَةِ أمَرَاء، فَحَمْلُ أولي الأمْرِ عَلَيْهِم أوْلى، وأمَّا حَمْل الرَّوَافِض الآية على الإمَامِ المَعْصُوم، فَيُقَيَّد بما ذُكر من أنّ طَاعَتَهُم تتوَقَّفُ على مَعْرفَتهم، والقُدْرَة على الوُصُولِ إلَيْهِم، فَوُجُوبُها قَبْل ذلك تَكْلِيفُ ما لا يُطَاقُ، وأيضاً فَطَاعَتُهُم مَشْرُوطَةٌ وظاهر قوله: {أَطِيعُوا} يقتضي الإطْلاق، وأيضاً فَقَوْلُه: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} لو كان المُرادُ منه الإمام المَعْصُوم، لقيل: فردُّوهُ إلى الإمَام. فصل: من المعتبر في الإجماع؟ إذا ثَبَت أن الإجْماع حُجَّة، فاعلم: أن المُعْتَبَر إجْمَاعُهم هُمُ الذين يُمْكِنُهُم استِنْبَاط الأحْكَام الشَّرعيَّة من الكِتَابِ والسُّنَّة، و [هم] المُسَمَّون بأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ، فهم الَّذين يُمْتَثَلُ أمْرُهُم ونَهْيُهُم بِخلاف المُتَكَلِّم، والمُقْرِئ والمُحْدِّث والعَوَامّ الذين لا يُمْكِنُهم الاسْتِنْبَاط. فصل: لا عبرة في الإجماع بالفرق الضالة دَلَّت الآيةُ على أنّ العِبْرَة بإجْمَاع المُؤمِنِين، فأمَّا من يشكُّ في إيمانِهِ من سائِرِ الفرقِ فلا عِبْرَةِ بِهِم. فصل: حصر الأدلة أربعة دَلَّت [هذه] الآيةُ على أنَّ ما سِوَى هذه الأصُولِ الأرْبَعَة، أعني: الكِتَابَ والسُّنَّة والإجْمَاعِ والقياسَ باطِلٌ؛ لأنه -تعالى - جعل الوَقَائِعِ قِسْمَيْن: أحدهما: مَنْصُوص عليه فأمر فيه بالطَّاعَةِ، بقوله [- تعالى -]: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ}. والثاني: غير مَنْصُوص عليه [وأمر فيه بالاجتهاد بقوله - تعالى -: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ}]، ولم يزد على ذَلِكَ؛ فدلَّ على أنه لَيْسَ للمكَلَّفِ أن يَتَمَسَّك بشَيْءٍ سِوَى هذه الأرْبَعَة، فالقَوْلُ بالاسْتِحْسَانِ الذي تَقُولُ به الحَنَفِيَّةُ، والقول بالاسْتِصْحَابِ الذي تقُولُ به المالِكِيَّة قو بَاطِلٌ لهذه الآية. فصل: في الاقتداء بقول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله المنْقُول عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إن كان قَوْلاً، وَجَبَ طَاعَتُهُ؛ لقوله - تعالى -: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} وإن كان فِعْلاً، وجب الاقْتدَاءُ بِهِ إلاّ ما خصَّه الدَّلِيل؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأعراف: 158]، والمُتَابَعَةُ عِبارَةٌ عن الإتْيَانِ بمثل فِعْل الغَيْرِ؛ لأجْلِ أنَّ ذلك الغَيْر فَعَلَهُ. فصل: الأمر في الشرع يدل على التكرار ظَاهِر الأمْرِ في عُرْفِ الشَّرْع يدل على التِّكْرَارِ لوُجُوه: الأول: أن قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} يَصِحُّ منه اسْتِثْنَاء أيِّ وقْتٍ كان، وحُكْمُ الاسْتِثْنَاء إخْرَاج ما لوْلاَهُ لَدَخَل؛ فوجَبَ أن يكُون قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} مُتَنَاوِلاً لكُلِّ الأوْقَاتِ، وذلِك يَقْتَضِي التَّكْرَار. والقول الثاني: لو لَمْ يفدْ ذَلِك، لصارت الآيةُ مُجْمَلة؛ لأن الوَقْتَ المخصُوصَ والكيْفِيَّة المخْصُوصَة غير مَذْكُورة، فإذا حَمَلْنَاهُ على العُمُوم كانت مُبَيِّنة، وهو أوْلَى من الإجْمَالِ، أقصَى ما في البَابِ أنَّه يدخل التَّخْصيص، والتَّخْصِيص خَيْرٌ من الإجْمَال. الثالث: أنه أضَاف لَفْظَ الطَّاعَةِ إلى لَفْظِ اللَّهِ، [وهذا] يَقْتَضِي أن مَنْشَأ وجوب الطَّاعَةِ هو العُبُودِيَّةُ والرُّبُوبِيَّةِ، وذلك يَقْتَضِي دوامَ وُجوبِ الطَّاعَةِ على المكَلَّفين إلى يَوْمِ القِيَامَة. فصل قال - [تعالى] -: "أطيعوا الله" فأفرَدَهُ بالذِّكْر [ثم] قال: {وأطيعوا الرسول وأولِي الأمر} وهذا تَعليمٌ من الله لنا الأَدب، ولذلك حديث : رُوِيَ أن رجلاً قال بِحَضْرَة الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -: "مَنْ أطَاعَ اللَّهَ والرَّسُولَ فَقَدْ رشَدَ ومَنْ يَعْصِهِمَا فقد غَوَى"، فقال - عليه السلام -: "بِئْس الخَطِيبُ أنْتَ هَلا قُلْتَ: مَنْ عَصَى اللَّهَ وعَصَى رَسُولَهُ"تفسير : . أو لفظ هذا مَعْنَاه؛ وذلك لأنَّ الجَمْعَ بينَهُمَا في اللَّفْظِ يوهِمُ نَوْع مُنَاسَبةٍ ومُجَانَسة، والله - تعالى - مُنَزَّهٌ عن ذلك. فصل: في فروع تتعلق بالإجماع دلَّ قوله - تعالى -: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} على أن الإجْمَاع حُجَّة، وهَهُنا فروعٌ: الأوَّل: أن الإجْماع لا يَنْعَقِدُ إلا بقوْل العُلَمِاء، الذين يمكِنُهُم اسْتِنْبَاطُ أحْكَامِ الله - تعالى - من نُصُوص الكِتَابِ والسُّنَّةِ، وهؤلاء هم المُسَمَّون بأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ. الثاني: اخْتَلَفُوا في الإجماعِ الحَاصِلِ عَقِيب الخلافِ، هل هو حُجَّة أمْ لاَ، وهذه الآيةُ تَدُلُّ على أنَّه حُجَّة، لأنَّه قَوْلُ جميعِ أهْل الحَلِّ والعَقْدِ من الأمَّةِ، فيدخُل في الآيةِ سَواءٌ وجد قَبْلَهُ خِلافٌ، أم لا. الثالث: اختلفُوا في انقِراض أهْل العَصْرِ، هل هو شَرْطٌ أم لا، وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّه لَيْسَ بِشَرْط؛ لأنَّها تَدُلُّ على وُجُوبِ طَاعَةِ المُجْمِعين، سَوَاء انْقَرض [أهْل] العَصْرِ أم لم يَنْقَرِضِ. الرابع: دَلَّت الآيَةُ على أن العِبْرَةِ بإجْمَاعِ المُؤمِنِين؛ لقوله - [تعالى] - {يا أيّها [الذين آمنوا]} ثم قال: {وأولي الأمر منكم}. قوله: "إن كُنتُم" شرط، جوابُه مَحْذُوفٌ عند جُمْهُور البَصْريَّين، أي: فَرُدُّوه إلى اللَّهِ، وهو مُتقدِّم عند غيرهم. وهذا الوعِيدُ يحتمل أن يكُون مَخْصُوصاً بقوله: {فَرُدُّوهُ}، ويُحْتَمل أن يكُون عَائِداً إلى قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}. فصل ظاهر قوله: {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} يَقْتَضِي أنَّ من لم يُطِع اللَّه والرَّسُول لا يَكُونُ مُؤمِناً، فيخرج المُذْنِب عن الإيمانِ، لكِنَّه مَحْمُولٌ على التَّهْديدَ، وقوله: {ذٰلِكَ خَيْرٌ} أي: الَّذي أصْدُقُكم في هذه الآيَاتِ من الأحْكَام، والطَّاعَةِ، والرَّدِّ إلى اللَّهِ والرَّسُول خيرٌ لكم، "وأحسن تأويلاً"، أي: مآلاً؛ لأن التَّأوِيل عِبَارةٌ عن الشَّيْء ومرْجِعِه وعاقِبتهِ و {تَأْوِيلاً} نَصْب على التَّمْيِيز. فصل قال أبو العبَّاس المُقْرِي: ورَدَ التَّأويل في القُرْآنِ على أرْبَعَةِ أوْجُه: الأوَّل: بمعنى العَاقِبَة كَهَذِه الآيَة. الثاني: بمعنى المُنْتَهى؛ قال - تعالى -: {أية : فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 7] أي: ما يَعْلَمُ مُنْتَهَى تأويلِهِ إلا اللَّه. الثالث: بمعنى تَعبير الرُّؤيَا؛ قال - تعالى -: {أية : أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} تفسير : [يوسف: 45] أي: بعبَارتهِ؛ ومثله: {أية : وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} تفسير : [يوسف: 6] أي: تَعْبير الرُّؤيَا. الرابع: بمعنى التَّحقِيق؛ قال - تعالى -: {أية : هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} تفسير : [يوسف: 100] أي: تحقيق رُؤيَايَ؛ ومثل الوجه الأوَّل: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} تفسير : [الأعراف: 53] أي: عاقبته، [ومثله: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} تفسير : [يونس: 39] أي: عَاقبته.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ‏ {‏أطيعوا الله وأطيعوا الرسول‏} ‏ قال‏:‏ طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة ‏ {‏وأولي الأمر منكم‏}‏ قال‏:‏ أولي الفقه والعلم‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ ‏"حديث : ‏بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريباً منهم عرسوا، وأتاهم ذو العبينتين فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا غير رجل، أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد، يسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال‏:‏ يا أبا اليقظان إني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وأني بقيت فهل إسلامي نافعي غدا وإلا هربت‏؟‏ فقال عمار‏:‏ بل هو ينفعك فأقم‏.‏ فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحداً غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله فبلغ عماراً الخبر، فأتى خالداً فقال‏:‏ خل عن الرجل، فإنه قد أسلم وهو في أمان مني‏.‏ قال‏:‏ خالد: وفيم أنت تجير‏؟‏ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير‏.‏ فاستبا عند النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال خالد‏:‏ يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يشتمني‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا خالد لا تسب عماراً فإنه من سب عماراً سبه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله، ومن لعن عماراً لعنه الله‏.‏ فغضب عمار فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي‏.‏ فأنزل الله الآية"تفسير : ، وأخرجه ابن عساكر من طريق السدي عن أبي صالح عن ابن عباس‏‏‏. وأخرج ابن جرير عن ابن ميمون بن مهران في قوله ‏ {‏وأولي الأمر منكم‏} ‏ قال‏:‏ أصحاب السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله ‏{‏وأولي الأمر منكم‏} ‏ قال‏:‏ هم الأمراء منكم‏.‏ وفي لفظ‏:‏ هم أمراء السرايا‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مكحول في قوله ‏ {‏وأولي الأمر منكم‏} ‏ قال‏:‏ هم أهل الآية التي قبلها ‏ {‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى آخر الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏ {‏وأولي الأمر منكم‏} ‏ قال‏:‏ قال أبيّ‏:‏ هم السلاطين قال‏:‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏الطاعة الطاعة، وفي الطاعة بلاء‏"‏‏‏ تفسير : . وقال‏:‏ ‏"حديث : ‏لو شاء الله لجعل الأمر في الأنبياء‏"‏‏ تفسير : . ‏يعني لقد جعل إليهم والأنبياء معهم، ألا ترى حين حكموا في قتل يحيى بن زكريا‏"‏‏.‏ وأخرج البخاري عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم حبشي كان رأسه زبيبة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة ‏ "حديث : ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال‏:‏ اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس في قوله ‏{‏وأولي الأمر منكم‏} ‏ يعني أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني دينهم، ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، فأوجب الله طاعتهم على العباد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله في قوله ‏ {‏وأولي الأمر منكم‏} ‏ قال‏:‏ أولي الفقه وأولي الخير‏.‏ وأخرج ابن عدي في الكامل عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وأولي الأمر منكم‏} ‏ قال‏:‏ أهل العلم‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏وأولي الأمر‏} ‏ قال‏:‏ هم الفقهاء والعلماء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏وأولي الأمر‏} ‏ قال‏:‏ أصحاب محمد، أهل العلم والفقه والدين‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي العالية في قوله ‏ {‏وأولي الأمر‏} ‏ قال‏:‏ هم أهل العلم، ألا ترى أنه يقول ‏{أية : ‏ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 83‏]‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ‏ {‏وأولي الأمر‏} ‏ قال‏:‏ هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الدعاة الرواة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة في قوله ‏ {‏وأولي الأمر‏}‏ قال‏:‏ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي ‏ {‏وأولي الأمر‏} ‏ قال‏:‏ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن عكرمة. أنه سئل عن أمهات الأولاد فقال‏:‏ هن أحرار‏.‏ فقيل له: بأي شيء تقوله‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ بالقرآن‏.‏ قالوا: بماذا من القرآن‏؟‏ قال‏:‏ قول الله ‏ {‏أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم‏} ‏ وكان عمر من أولي الأمر قال‏:‏ أعتقت كانت مسقطاً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فمن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره والفاجر بفجره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم ولكم، وإن أساءوا فلكم وعليهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن أنس ‏ حديث : أن معاذاً قال‏:‏ يا رسول الله أرأيت إن كانت علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: لا طاعة لمن لم يطع الله‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ ‏ ‏"‏حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن بجزر على بعث أنا فيهم، فلما كنا ببعض الطرق أذن لطائفة من الجيش وأمر عليهم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي - وكان من أصحاب بدر، وكان به دعابة - فنزلنا ببعض الطريق، وأوقد القوم ناراً ليصنعوا عليها صنيعاً لهم، فقال لهم‏:‏ أليس لي عليكم السمع والطاعة‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فما أنا آمركم بشيء إلا صنعتموه‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ أعزم بحقي وطاعتي لما تواثبتم في هذه النار‏.‏ فقام ناس فتحجزوا حتى إذا ظن أنهم واثبون قال‏:‏ احبسوا أنفسكم إنما كنت أضحك معهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن الضريس عن الربيع بن أنس قال‏:‏ مكتوب في الكتاب الأول‏:‏ من رأى لأحد عليه طاعة في معصية الله فلن يقبل الله عمله ما دام كذلك، ومن رضي أن يعصي الله فلن يقبل الله عمله ما دام كذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏لا طاعة في معصية الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال‏:‏ كان عمر إذا استعمل رجلاً كتب في عهده‏:‏ اسمعوا له وأطيعوا ما عدل فيكم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال‏:‏ اسمع وأطع وإن أمر عليك عبد حبشي مجدع‏.‏ إن ضرك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن أراد أمراً ينتقص دينك فقل‏:‏ دمي دون ديني‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سفيان قال‏:‏ خطبنا ابن الزبير فقال‏:‏ إنا قد ابتلينا بما قد ترون، فما أمرناكم بأمر لله فيه طاعة فلنا عليكم فيه السمع والطاعة، وما أمرناكم من أمر ليس لله فيه طاعة فليس لنا عليكم فيه طاعة ولا نعمة عين‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن أم الحصين الأحمسية قالت‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب وعليه برد متلفعاً به وهو يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما قادكم بكتاب الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ حق على المسلمين أن يسمعوا ويطيعوا، ويجيبوا إذا دعوا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ لا طاعة لبشر في معصية الله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا طاعة لبشر في معصية الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال‏:‏ ‏‏ "‏حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، فأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا‏.‏ قال‏:‏ فأغضبوه في شيء فقال‏:‏ اجمعوا لي حطباً‏.‏ فجمعوا له حطبا‏ً.‏ قال‏:‏ أوقدوا نارا‏ً.‏ فأوقدوا ناراً‏.‏ قال‏:‏ ألم يأمركم أن تسمعوا له وتطيعوا‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فادخلوها‏.‏‏.‏‏.‏ فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا‏:‏ إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار‏!‏ فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال‏: لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن الحسن، ‏ ‏حديث : أن زياد استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على جيش، فلقيه عمران بن الحصين فقال‏:‏ هل تدري فيم جئتك‏؟‏ أما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه الذي قال له أميره‏:‏ قم فقع في النار، فقام الرجل ليقع فيها فأدلك فأمسك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: ‏"لو وقع فيها لدخل النار، لا طاعة في معصية الله‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فإنما أردت أن أذكرك هذا الحديث‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه والنسائي والبيهقي في الشعب عن الحارث الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : آمركم بخمس أمرني الله بهن‏:‏ الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله‏.‏ فمن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : أطيعوا أمراءكم، فإن أمروكم بما جئتكم به فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون بطاعتهم، وإن أمروكم بما لم آتكم به فهو عليهم وأنتم برآء من ذلك، إذا لقيتم الله قلتم‏:‏ ربنا لا ظلم‏.‏ فيقول‏:‏ لا ظلم‏.‏ فتقولون‏:‏ ربنا أرسلت إلينا رسولاً فأطعناه بإذنك، واستخلفت علينا خلفاء فأطعناهم بإذنك، وأمرت علينا أمراء فأطعناهم بإذنك، فيقول‏:‏ صدقتم هو عليهم، وأنتم منه برآء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يكون عليكم أمراء تطمئن إليهم القلوب وتلين لهم الجلود، ثم يكون عليكم أمراء تشمئز منهم القلوب وتقشعر منهم الجلود‏. فقال رجل‏:‏ أنقاتلهم يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ ما أقاموا الصلاة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها‏. قلنا‏:‏ فما تأمرنا يا رسول الله‏؟‏ قال‏: أدوا الحق الذي عليكم واسألوا الله الذي لكم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد ‏‏حديث : عن أبي ذر قال‏:‏ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: "إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه، فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وليس بمقبول منه حتى يسد ثلمته التي ثلم‏،‏ وليس بفاعل، ثم يعود فيكون فيمن يعزه‏.‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نغلب على ثلاث‏:‏ أن نأمر بالمعروف، وننهي عن المنكر، ونعلم الناس السنن ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : من فارق الجماعة واستذل الإمارة، لقي الله ولا وجه له عنده ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي عبيدة بن الجراح قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تسبوا السلطان فإنهم فيء الله في أرضه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد والبيهقي عن أنس بن مالك قال‏:‏ أمرنا أكابرنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نسب أمراءنا، ولا نغشهم، ولا نعصيهم، وأن نتقي الله ونصبر، فإن الأمر قريب‏.‏ وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ لا يصلح الناس إلا أمير بر أو فاجر‏.‏ قالوا‏:‏ هذا البر فكيف بالفاجر‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ إن الفاجر يؤمن الله به السبل، ويجاهد به العدو، ويجيء به الفيء، ويقام به الحدود، ويحج به البيت، ويعبد الله فيه المسلم آمنا حتى يأتيه أجله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏فإن تنازعتم في شيء‏} ‏ قال‏:‏ فإن تنازع العلماء ‏ {‏فردوه إلى الله والرسول‏}‏ قال‏:‏ يقول‏:‏ فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله‏.‏ ثم قرأ ‏{أية : ‏ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم‏} ‏تفسير : [‏النساء: 83‏]‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ميمون بن مهران في الآية قال‏:‏ الرد إلى الله، الرد إلى كتابه‏.‏ والرد إلى رسوله ما دام حياً، فإذا قبض فإلى سنته‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة والسدي‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏ذلك خير وأحسن تأويلا‏ً} ‏ يقول‏:‏ ذلك أحسن ثواباً وخير عاقبة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏وأحسن تأويلا‏ً} ‏ قال‏:‏ أحسن جزاء‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏ {‏وأحسن تأويلا‏ً} ‏ قال‏:‏ عاقبة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بعد ما أمر الولاةَ بطريق العمومِ أو بطريق الخصوصِ بأداء الأماناتِ والعدلِ في الحكومات أمرَ سائرَ الناسِ بطاعتهم لكن لا مطلقاً بل في ضمن طاعةِ الله تعالى وطاعةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم حيث قيل: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} وهم أمراءُ الحقِّ وولاةُ العدلِ كالخلفاء الراشدين ومَنْ يقتدي بهم من المهتدين، وأما أمراءُ الجَوْرِ فبمعزل من استحقاق العطفِ على الله تعالى والرسولِ عليه الصلاة والسلام في وجوب الطاعةِ لهم وقيل: هم علماءُ الشرعِ لقوله تعالى: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } تفسير : [النساء، الآية 83] ويأباه قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ} إذ ليس للمقلد أن ينازعَ المجتهدَ في حكمه، إلا أن يُجعلَ الخطابُ لأولي الأمر بطريق الالتفاتِ وفيه بُعدٌ، وتصديرُ [إن] الشرطية بالفاء لترتبها على ما قبلها فإن بـيانَ حكمِ طاعةِ أولي الأمرِ عند موافقتِها لطاعة الله تعالى وطاعةِ الرسولِ عليه السلام يستدعي بـيانَ حكمِها عند المخالفةِ أي إن اختلفتم أنتم وأولوا الأمرِ منكم في أمر من أمور الدِّين فراجعوا فيه إلى كتاب الله {وَٱلرَّسُولِ} أي إلى سننه وقد استدل به مُنكِروا القياسِ وهو في الحقيقة دليلٌ على حجيته كيف لا وردُّ المختلَفِ فيه إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناءِ عليه وهو المَعنيُّ بالقياس، ويؤيده الأمرُ به بعد الأمرِ بطاعة الله تعالى وبطاعة رسولِه عليه الصلاة والسلام فإنه يدل على أن الأحكامَ ثلاثةٌ: ثابتٌ بالكتاب وثابتٌ بالسنة وثابتٌ بالرد إليهما بالقياس {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} متعلقٌ بالأمر الأخيرِ الواردِ في محل النزاعِ إذ هو المحتاجُ إلى التحذير من المخالفة، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ عند جمهورِ البصريـين ثقةً بدِلالة المذكورِ عليه أي إن كنتم تؤمنون بالله واليومِ الآخرِ فردوه الخ، فإن الإيمانَ بهما يوجب ذلك أما الإيمانُ بالله تعالى فظاهرٌ، وأما الإيمانُ باليوم الآخرِ فلما فيه من العقاب على المخالفة {ذٰلِكَ} أي الرد المأمورُ به {خَيْرٌ} لكم وأصلح {وَأَحْسَنُ} في نفسه {تَأْوِيلاً} أي عاقبةً ومآلاً، وتقديمُ خيْريّتِه لهم على أحسنيته في نفسه لما مر من تعلق أنظارِهم بما ينفعهم، والمرادُ بـيانُ اتصافِه في نفسه بالخيرية الكاملةِ والحُسْنِ الكاملِ في حد ذاتِه من غير اعتبار فضلِه على شيء يشاركه في أصل الخيريةِ والحسنِ كما ينبىء عنه التحذيرُ السابق.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} [الآية: 59]. قال محمد بن على رحمه الله: أطع الله عز وجل فإن تمَّ لك ذلك وإلا فاستعن بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم على طاعة الله عز وجل، فإن وصلت إلى ذلك فاستعن بطاعة الأئمة والمشايخ على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تسقط عن هذه الدرجة فتهلك. وقال الجنيد رحمه الله فى هذه الآية: قال: العبد مبتلًى بالأمر والنهى، ولله تعالى فى قلبه أسرار تخطر دائمًا، فكلما خطر خطرة عرضه على الكتاب وهو طاعة الله تعالى، فإن وجد له شفاء وإلا عرضه على السُّنة وهو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن وجد له شفاء وإلا عرضه على سنن السلف الصالحين وهو طاعة أولى الأمر. وقال جعفر بن محمد الصادق رحمه الله: لا بدَّ للعبد المؤمن من ثلاث سنن: سنة الله عز وجل، وسنة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وسنة الأولياء. فسنة الله تعالى كتمان السر. قال الله عز وجل: { أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } تفسير : [الجن: 26-27]. وسُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم مداراة الخلق، وسنة الأولياء الوفاء بالعهد والصبر فى البأساء والضراء. قال: سمعت عبد الله بن محمد الدمشقى يقول: سمعت إبراهيم بن المولد يقول: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: العبودية ثلاثة: الوفاء لله عز وجل على الحقيقة ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فى الشريعة والأمر لجميع الأمة بالنصيحة. قوله عز وجل: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ}. قيل: إذا أشكل عليكم شئ من أحوال الكبار والسادة واختلفتم فيه، فاعرضوا ذلك على أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم فردوه إليه، فإن لم يبين ذلك لكم، فردوه إلى الكتاب المنزل من رب العالمين.

القشيري

تفسير : قَرَنَ طاعته بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تفخيماً لشأنه ورفعاً لِقَدْرِه. وأمَّا أولو الأمر - فعلى لسان العلم - السلطان، وعلى بيان المعرفة العارفُ ذو الأمر على المستأنف، والشيخُ أولو الأمر على المريد، وإمامُ كل طائفة ذو الأمر عليهم. ويقال الولي أولى بالمريد (من المريد) للمريد. قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَئٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ} على لسان العلم - إلى الكتاب والسُّنَّة، وعلى بيان التوحيد فوَّض ذلك وَوَكلَ علمَهُ إلى الله سبحانه، وإذا اختلف الخاطران في قلب المؤمن فإن كان له اجتهاد العلماء تأمل ما يسنح لخاطره بإشارة فهمه، ومن كان صاحب قلب وكَلَ ذلك إلى الحق - سبحانه - وراعى ما خوطب به في سرائره، وأُلْقِيَ - بلا واسطة - في قلبه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} جعل الله تعالى الطاعة على ثلث مراتب وهى فى الاصل واحد لانه مرجع الكل وكل طاعة منها مخصوصة بمقام من مقام الولاية فاذا كان اهلا لبساط القربة وفهم خطاب الحق بلا واسطة اطاعة بمراده بلا واسطة واذا لم يبلغ الى تلك الدرجة ولم يفهم حقائق رمز الله يرجع الى بيان نبيه عليه السلام لانه بين غوائص خطاب الله واطاعه فيما امر وذلك طاعة الله بواسطة نبيه وان لم يبلغ الى فهم خطاب النبى صلى الله عليه وسلم واستنباط اشارته يرجع الى بيان اكابر علماء امته من اصحابه وغيرهم من الاولياء والصديقين والعارفين لانهم بينوا خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وايضا هذا طاعة الله بوسيلة اولى الامر والانبياء والملوك فى الدنيا مساقط ظل الله ومن اراد ان يرى بهاء الله واثار عظمته فلينظر اليهم قال عليه السلام السطان ظل الله فى الارض وقال الملك والنبوة توامان ومن التبس بظل الله صار امره امر الله وههنا عين الجمع وفى الاية اشارة اى اذا بلغتم مقام خطاب الخاص من العلوم المجهولة المشكلة اسلكوا مسلكها بغير الواسطة كالخضر كان متابعا للعلم اللدنى الخارج عن امر الظاهر مثل قتل للغلام وكسر الالواح وهذا خاص لمن وقع له سهم الغيب ومن بلغ مقام التوحيد ومرتبة الاستقامة لسلك مسلك الانبياء فى مباشرة التوسع والرخص كالانبياء مثل سليمان وداؤد ويوسف ومحمد صلى الله عليه وسلم وهذا منزل الاقتداء ولا يصلح هذا للمتكلفين ومن فتح له باب بيان علم الحقائق يتكلم باصلاح علماء الله فان سلوك مسالكمهم لمن له فهم الغيب طاعة معروفة واسواة حقيقية وكل ذكر فهو وتفسير قوله تعالى اطيعوا الله واطيعو الرسول وعن جعفر بن محمد قال اطيعوا الله بالرضا بحكمه واطيعوا الرسلو فى المجاهدة فى الوفاء والسر مع الله والظاهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال محمد بن على اطلع الله فان ثم لك ذلك والا فاستعن بطاعة الرسول على طاعة الله فان وصلت الى ذلك والا فاستعن بطاعة الايمة والمشائخ على طاعة رسول الله ولا يسقط عن هذه الدرجة فتهلك قال الجنيد فى تفسير هذه الأية العبد مبتلى بالامر والنهى ولله فى قلبه اسرار خطر خاطر عرضه على الكتاب فهو طاعة الله فان وجد له شفاء والا عرضة على السنة وهو طاعة الرسول فان وجد له شفاء والا عرضه على سر السلف الصالحين وهو طاعة اولى الامر قال ابو سعيد الخزار العبودية ثلاثة الوفاء بالحقيقة ومتابعة الرسول فى الشريعة والنصيحة لجماعة الامة {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} اى اذا وقع عليكم حكم من احكام الغيب المتشابه وتظهر فى اسراركم معارضات الامتحان فارجعوا الى خطاب الله ورسوله فان فيها بحار علوم الحقائق فكل خاطر لا يوافق خطاب الله ورسلوه فهو مردود ولا تعتبر به واذا اكشل عليكم خطاب الله ورسوله من علم الاشارة فقيسوه بظاهر الكتاب والسنة فان فى الظاهر اعلام الباطن قيل فان اشكل عليكم شئ من احوال الكبراء والسادة واختلفتم فيها فاعرضوها ذلك على احوال الرسول وردوه اليه فان لم تبين لكم فردوه الى الكتاب المنزل من رب العالمين قال النصر ابادى ان علمنا لا يصلح الا لمن له علم الكتاب والسنة وله معاملة وارده ومع ذلك يكون له ظرف ونظافة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم} وهم امراء الحق وولاة العدل كالخلفاء الراشدين ومن يقتدى بهم من المهتدين واما امراء الجور فبمعزل من استحقاق العطف على الله والرسول فى وجوب الطاعة فانهم اللصوص المتغلبة لاخذهم اموال الناس بالقهر والغلبة وانما افرد بالذكر طاعة الله ثم جمع طاعة الرسول مع طاعة اولى الامر حيث قال تعالى {أية : وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} تفسير : [النساء: 59]. ولم يقل واطيعوا اولى الامر منكم تعليما للادب وهو ان لا يجمعوا فى الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره واما اذا آل الامر الى المخلوقين فيجوز {فان تنازعتم فى شىء} اصل النزع الجذب لان المتنازعين يجذب كل واحد منهما الى غير جهة صاحبه اى ان اختلفتم انتم واولوا الامر منكم فى امر من امور الدين {فردوه الى الله} فارجعوا فيه الى كتاب الله {والرسول} اى الى سنته صلى الله عليه وسلم. وتعلق اصحاب الظواهر بظاهر هذه الآية فى ان الاجتهاد والقياس لا يجوز لان الله تعالى امر بالرجوع الى الكتاب والسنة ولا يوجد فى كل حادثة نص ظاهر فعلم انه امر بالنظر فى مودوعاته والعمل على مدلولاته ومقتضياته ولكن الآية فى الحقيقة دليل على حجة القياس كيف لا ورد المختلف فيه الى المنصوص عليه انما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو المعنى بالقياس ويؤيده الامر به بعد الامر بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فانه يدل على ان الاحكام ثلاثة ثابت بالكتاب وثابت بالسنة وثابت بالرد اليهما بالقياس {ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} فان الايمان بهما يوجب ذلك اما الايمان بالله فظاهر واما الايمان باليوم الآخر فلما فيه من العقاب على المخالفة {ذلك} اى الرد الى الكتاب والسنة {خير} لكم من التنازع واصلح {واحسن} فى نفسه {تأويلا} اى عاقبة ومآلا. ودلت الآية على ان طاعة الامراء واجبة اذا وافقوا الحق فاذا خالفوه فلا طاعة لهم قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق " .تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : من عامل الناس فلم يظلمهم ومن حدثهم فلم يكذبهم ومن وعدهم فلم يخلفهم فهو من كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت اخوته " .تفسير : ولا بد للامراء من خوف الله وخشيته باجراء الشرائع والاحكام واتباع سنن النبى عليه السلام حتى يملأ الله قلوب الناظرين اليهم رعبا وهيبة فحينئذ لا يحتاجون الى محافظة الصورة والهيئة الظاهرة ـ روى ـ ان كلب الروم ارسل الى عمر رضى الله عنه هدايا من الثياب والجبة فلما دخل الرسول الى المدينة قال اين دار الخليفة وبناؤه فقيل ليس له دار عظيم كما توهمت انما له بيت صغير فدلوه عليه فاتاه فوجد له بيتا صغيرا حقيرا قد اسود بابه لطول الزمان فطلبه فلم يصادفه وقيل انه خرج الى السوق لحاجته وحوائج المسلمين اى للاحتساب فخرج الرسول الى طلبه فوجده نائما تحت ظل حائط قد توسد بالدرة فلما رآه قال عدلت فامنت فنمت حيث شئت وامراؤنا ظلموا فاحتاجوا الى الحصون والجيوش: قال السعدى قدس سره شعر : بادشاهى كه طرح ظلم افكند باى ديوار ملك خويش بكند نكند جور بيشه سلطانى كه نيايد زكرك جوبانى تفسير : ومن كلام اردشير الدين اساس الملك والعدل حارسه فما لم يكن له اس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع ـ وروى ـ اى انو شروان كان له عامل على ناحية فكتب اليه يعلمه بجودة الريع ويستأذنه فى الزيادة على الرسول فامسك عن اجابته فعاوده العامل فى ذلك فكتب اليه قد كان فى ترك اجابتك ما حسبتك تنزجر به عن تكليف ما لم تؤمر به فاذن قد ابيت الا تماديا فى سوء الادب فاقطع احدى اذنيك واكفف عما ليس من شأنك فقطع العامل اذنه وسكت عن ذلك الامر وبالجملة فالظلم عار وجزاؤه نار والاجتناب منه واجب على كل عاقل واذا كان نية المؤمن العدل فليجانب اهل الظلم وليجتنب عن اطاعتهم فان الاطاعة لاهل الحق لا لغيرهم قال عليه السلام "حديث : من اطاعنى فقد اطاع الله ومن عصانى فقد عصى الله ومن يطع الامير العادل فقد اطاعنى ومن يعص الامير فقد عصانى " .تفسير : واعلم ان الولاة انما يكونون على حسب اعمال الرعايا واحوالهم صلاحا وفسادا ـ روى ـ انه قيل للحجاج بن يوسف لم لا تعدل مثل عمر وانت قد ادركت خلافته أفلم تر عدله وصلاحه فقال فى جوابهم تباذروا اى كونوا كأبى ذر فى الزهد والتقوى أتعمر لكم اى اعاملكم معاملة عمر فى العدل والانصاف وفى الحديث "حديث : كما تكونون يولى عليكم احدكم " .تفسير : يعنى ان تكونوا صالحين فيجعل وليكم رجلا صالحا وان تكونوا طالحين فيجعل وليكم رجلا طالحا ـ وروى ـ ان موسى عليه السلام ناجى ربه فقال يا رب ما علامة رضاك من سخطك فاوحى اليه [اذا استعملت على الناس خيارهم فهو علامة رضايى واذا استعملت شرارهم فهو علامة سخطى]. ثم اعلم بان المراد باولى الامر فى الحقيقة المشايخ الواصلون ومن بيده امر التربية فان اولى امر المريد شيخه فى التربية فينبغى للمريد فى كل وارد حق يدق باب قلبه او اشارة او الهام او واقعة تنبئ عن اعمال او احوال فى حقه ان يضرب على محك نضر شيخه فما يرى فيه الشيخ من المصالح ويشير اليه او يحكم عليه يكون منقادا لاوامره ونواهيه لانه اولوا امره. واما الشيخ فاولوا امره الكتاب والسنة فينبغى له ان ما سنح له من الغيب بوارد الحق من الكشوف والشواهد والاسرار والحقائق يضرب على محك الكتاب والسنة فما صدقاه ويحكمان عليه فيقبله والا فلا لان الطريقة مقيدة بالكتاب والسنة كذا ذكره الشيخ الكامل نجم الدين الكبرى فى تأويلاته.

ابن عجيبة

تفسير : أعاد العامل في قوله: {وأطيعوا الرسول}، إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، ولم يُعده في {أولى الأمر} إشارة إلى أنه يوجد منهم من لا تجب طاعته، ثم بيّنه بقوله: {فإن تنازعتم في شيء} كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله. قال الطيبي، وسيأتي تحريرُ ذلك إن شاء الله تعالى. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله} فيما أمركم به ونهاكم عنه، {وأطيعوا الرسول} كذلك. {وأولي الأمر منكم} أي: مَن ولي أمرَكم. من وُلاَةِ العدل كالخلفاء والأمراء بعدهم، تجب طاعتهم فيما أمَروُا به من الطاعة دون المعصية إلا لخوف هرج، قال عليه الصلاة والسلام:" حديث : إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعرُوف"تفسير : ، فأن لم يعدل: وجبت طاعته خوفًا من الفتنة. وهذا هو الأصح. لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " حديث : سَيَليكم ولاة، فيليكم البَرُّ ببره، والفاجر بفجوره، فاستمعوا لهم، وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم"تفسير : . رواه أبو هريرة. وفي حديث آخر:"حديث : إلاَّ أن تَروا كُفرًا بَوَاحًا، لكم عليه من اللهِ بُرهَانٌ"تفسير : . أي: فيجب عزلهم. وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو وائل فقال: يا رسول الله؛ أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقنا ويسألون حقهم؟. فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : اسمَعُوا وأطِيعُوا، فَإنَّ عليهم ما حُمِّلُوا وَعَليكُم ما حُملتم ". تفسير : وقال جابر بن عبد الله والحسن والضحاك ومجاهد: أولو الأمر هم الفقهاء والعلماء، أهل الدين والفضل، يُعلَّمون الناس معالم دينهم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، دليله. قوله تعالى: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَمْرِ مِنْهُمْ...} تفسير : [النساء:83] الآية. قال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حُكَّام على الناس، والعلماء حُكَّام على الملوك. هـ. {فإن تنازعتم} أنتم وأولو الأمر، أو بعضكم مع بعض ـ أي: اختلفتم في حكم شيء من أمر الدين فلم تعلموا حكمه، {فردّوه إلى الله} أي: إلى كتاب الله، {و} إلى {الرسول} في زمانه، أو سنته بعد موته، فإن لم يوجد بالنص فبالقياس. فالأحكام ثلاثة: مثبت بالكتاب، ومثبت بالسنة، ومثبت بالرد إليهما على وجه القياس. وعن إبراهيم بن يسار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعملُوا بالقرآن: أحلُّوا حَلاَلهُ، وحرَّمُوا حرامَهُ، وآمنوا بِه ولا تكفُروا بشيءٍ منهُ، وما اشتبه عليكُم فردُّوه إلى الله تعالى وإلى أولي العِلم من بَعدي، كيما يُخبرُونكم به "تفسير : ، ثم قال: " حديث : وليَسعُكُم القرآن وما فيهِ من البَيَانِ؛ فإنه شافعٌ مشفَّعٌ، وما حِلٌ مُصدَّقَّ"، وأن له بكل حَرفٍ نُورًا يومَ القِيَاَمَة ". تفسير : فردوا الأحكام إليه وإلى الرسول، {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر} فأن الإيمان يُوجِبُ ذلك. {ذلك} الرد {خير} لكم {وأحسن تأويلاً} من تأويلكم بالرأي من غير رد، وأحسن عاقبة ومآلاً، والله تعالى أعلم. الإشارة: أولو الأمر عند الصوفية، هم شيوخ التربية العارفون بالله، فيجب على المريدين طاعتهم في المنشط والمكره، وفي كل ما أمروا به، فمن خالف أو قال: " لِمَ " لَم يفلح أبدًا، ويكفي الإشارة عن التصريح عند الحذاق أهل الاعتناء، فإن تعارض أمر الأمراء وأمر الشيوخ، قدَّم أمر الشيخ إلا لفتنة فادحة، فإن الشيخ يأمر بطاعتهم أيضًا لما يؤدي من الهرج بالفقراء، فإن تنازعتم يا معشر الفقراء، في شيء من علم الشريعة أو الطريقُ، فردوه إلى الكتاب والسنُّة. قال الجنيد رضي الله عنه: طريقتنا هذه مؤيدة بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويتعلم الحديث لا يُقتدى به في هذا الشأن. هـ. ويكفي المهم من ذلك، وهو ما يتوقف عليه أمر عبادته. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يأمرهم أن يطيعوه ويطيعوا رسوله ويطيعوا أولي الأمر منهم، فالطاعة هي امتثال الأمر. فطاعة الله هي امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه. وطاعة الرسول كذلك امتثال أوامره وطاعة الرسول أيضاً هي طاعة الله، لأنه تعالى أمر بطاعة رسوله، فمن أطاع الرسول، فقد أطاع الله كما قال {أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله } تفسير : فأما المعرفة بأنه رسول، فمعرفة بالرسالة ولا يتم ذلك إلا بعد المعرفة بالله، وليست احداهما هي الأخرى، وطاعة الرسول واجبة في حياته وبعد وفاته، لأن بعد وفاته يلزم اتباع سنته، لأنه دعا إليها جميع المكلفين إلى يوم القيامة، كما أنه رسول إليهم أجميعن. فأما أولو الأمر، فللمفسرين فيه تأويلان: أحدهما - قال أبو هريرة، وفي رواية عن ابن عباس، وميمون بن مهران، والسدي، والجبائي، والبلخي، والطبري: إنهم الامراء. الثاني - قال جابر بن عبد الله، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وعطاء، وأبي العالية: انهم العلماء. وروى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أنهم الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وسلم) فلذلك أوجب الله تعالى طاعتهم بالاطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك. ولا يجوز ايجاب طاعة أحد مطلقاً إلا من كان معصوماً مأموناً منه السهو والغلط، وليس ذلك بحاصل في الامراء، ولا العلماء، وإنما هو واجب في الأئمة الذين دلت الأدلة على عصمتهم وطهارتهم، فأما من قال المراد به العلماء، فقوله بعيد، لأن قوله {وأولي الأمر} معناه أطيعوا من له الأمر، وليس ذلك للعلماء، فان قالوا: يجب علينا طاعتهم إذا كانوا محقين، فاذا عدلوا عن الحق فلا طاعة لهم علينا. قلنا: هذا تخصيص لعموم ايجاب الطاعة لم يدل عليه دليل. وحمل الآية على العموم، فيمن يصح ذلك فيه أولى من تخصيص الطاعة بشيء دون شيء كما لا يجوز تخصيص وجوب طاعة الرسول وطاعة الله في شيء دون شيء. وقوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} فمعنى الرد إلى الله هو إلى كتابه والرد إلى رسوله هو الرد إلى سنته. وقول مجاهد، وقتادة، وميمون بن مهران، والسدي: والرد إلى الأئمة يجري مجرى الرد إلى الله والرسول، ولذلك قال في آية أخرى {أية : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }تفسير : ولأنه إذا كان قولهم حجة من حيث كانوا معصومين حافظين للشرع جروا مجرى الرسول في هذا الباب. وقوله: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} أي تصدقون بهما. {ذلك خير وأحسن تأويلاً} ذلك اشارة إلى الرد إلى الله وإلى الرسول {وأحسن تأويلاً} قال قتادة، والسدي، وابن زيد: أحمد عاقبة. وقال مجاهد: معناه أحسن جزاء. وهو من آل يؤول إذا رجع والمآل المرجع والعاقبة مآل، لأنها بمنزلة ما تفرقت عنه الاشياء ثم رجعت إليه. وتقول: إلى هذا يؤول الأمر أي يرجع. وقال الزجاج: أحسن من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله وسنة نبيه، وهذا هو الأقوى، لأن الرد إلى الله والرسول والأئمة المعصومين أحسن من تأويل بغير حجة. واستدل جماعة بهذه الآية على أن الاجماع حجة بأن قالوا: إنما أوجب الله الرد إلى الكتاب والسنة بشرط وجود التنازع، فدل على أنه إذا لم يوجد التنازع، لا يجب الرد، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، وهذا إن استدل به مع فرض أن في الامة معصوماً حافظاً للشرع كان صحيحاً، وإن فرضوا مع عدم المعصوم كان باطلا، لأن ذلك استدلال بدليل خطاب، لأن تعليق الحكم بشرط أو صفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه عند أكثر المحصلين، فكيف يعتمد عليه ها هنا، على أنهم لا يجمعون على شيء إلا عن كتاب أو سنة، فكيف يقال: إذا أجمعوا لا يجب عليهم الرد إلى الكتاب والسنة، وهم قد ردوا إليهما على أن ذلك يلزم في كل جماعة، وإن لم يكونوا جميع الأمة إذا اتفقوا على شيء ألا يجب عليهم الرد إلى الكتاب والسنة، لأن قوله: {فإن تنازعتم} يتناول جماعة ولا يستغرق جميع الأمة، فعلم بذلك فساد الاستدلال بما قالوه. وقد بينا الكلام على ذلك مستوفى في العدة في أصول الفقه.

الجنابذي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} فيما انزل ولا سيّما عمدة ما انزل وهى ما به صلاحكم ورفع نزاعكم وردّ خلافكم وهو تعيين من ترجعون اليه فى جملة اموركم الدّنيويّة والاُخرويّة وفيما اشتبه عليكم وهى قوله {أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [المائدة:55] (الى آخرها) فانّه لا خلاف بينهم انّه فى علىّ (ع) {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} فيما آتاكم وفيما نهاكم عنه {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر:7] ولا سيّما عمدة ما آتاكم وهى قوله بعد ما قال: الست اولى بكم من انفسكم، الا ومن كنت مولاه فهذا علىّ (ع) مولاه؛ ولا خلاف بينهم انّه من الرّسول (ص). تحقيق معنى اولى الامر {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} لم يكرّر اطيعوا اشارةً الى تعيين اولى الامر وانّ اولى الامر من كان شأنه شأن الرّسول وامره امره وطاعته طاعته حتّى لا يكون لكلّ طاعة غير طاعة الآخر، وتفسير اولى الامر بامراء السّرايا والسّلاطين الصّوريّة الاسلاميّة نقض لصدر الآية او التزام نسخ له او التزام اجتماع النّقيضين لانّه لا نزاع فى وجوب طاعتهم فى امر الدّنيا او لمحض التّقيّة؛ انّما النّزاع فى طاعتهم فى امر الدّين من غير تقيّة ويلزم منه ما ذكر، لانّ واو العطف للجمع والسّلاطين بعضهم فسّاق وقد يكون امرهم خلاف امر الله وامر رسوله (ص) فلا يمكن الجمع بين الطّاعات الثّلاث فوجوب طاعتهم امّا ناقض لوجوب طاعة الرّسول (ص) او ناسخ له او التزام لاجتماع النّقيضين، فانّ السّلاطين الجائرة يكون امرهم بقتل النّفس المحرّمة مناقضاً لنهيه تعلى عنه وكذا حال امرهم بشرب الخمر لندمائهم مع نهيه تعالى عنه، وتقريره انّه اذا كان المراد باولى الامر السّلاطين على ما زعموا يلزم وجوب طاعتهم فى جميع ما امروا ونهوا بصريح الآية وعدم ما يخصّصه، لا يقال: المخصّص هو صدر الآية فانّ الامر بطاعة الله والرّسول (ص) مقدّماً على طاعة السّلطان يفيد وجوب طاعة السّلطان فيما لا ينافى طاعتهما، لانّا نقول: يكون الامر بطاعة السّلطان حينئذ لغواً لانّ امره ان كان مطابقاً لامرهما فالامر بطاعة الاوّلين كافٍ عن ذلك الامر، وان كان منافياً فوجوب طاعتهما يفيد عدم وجوب طاعته، وان كان غير معلوم مطابقته وعدمها فامّا ان نكون مأمورين بتشخيص المطابقة وعدمها ثمّ بالطّاعة وعدمها فبعد التّشخيص يأتى الشّقّان، او لم نكن مأمورين بتشخيص المطابقة فامّا ان نلتزم انّ امره مبيّن لأمر الله ورسوله ومطابق له فهو خلاف الفرض والتزام لمذهب الخصم، او لا نلتزم ذلك فيلزم حينئذٍ من الامر بطاعته الاغراء بالحرام من الله والتّوالى باطلة، وكلّما وجب طاعة السّلاطين فى جميع ما امروا ونهوا يلزم وجوب طاعتهم فيما يخالف امر الله ونهيه ويناقضهما؛ فامّا ان يكون وجوب طاعتهم مقدّماً على وجوب طاعة الله مع بقاء وجوبها فيكون نقضاً او رافعاً لوجوب طاعته وبياناً لانتهاء امد وجوبها فيكون نسخاً او نلتزم بقاء الوجوبين فجواز اجتماع النّقيضين، فان تعلّق الامر والنّهى بقضيّةٍ واحدة فى زمان واحد مستلزم لجواز ايجاب تلك القضيّة وسلبها وهو التّناقض. فالحاصل انّ ارادة السّلاطين من اولى الامر مناقضة مع صدر الآية بخلاف ما لو اريد باولى الامر من كان شأنه شأن النّبىّ وامره امره وعلمه علمه وكان معصوماً من الخطاء والزّلل، فانّ امره حينئذٍ يكون موافقاً ومبيّناً لامر الرّسول (ص) ولو لم يكن سوى هذه الآية فى اثبات مدّعى الشّيعة لكفت هذه ولا حاجة لهم الى غيرها مع انّ عليه ادلّة عديدة عقليّه ونقليّه دوّنها القوم فى تداوينهم، وتوسّلهم بالاجماع وحديث لا تجتمع امّتى على خطأ؛ يدفعه آية الخيرة، وحديث الغدير فى مشهد جمّ غفير بحيث ما امكن لهم انكاره على انّ الاجماع محض ادّعاء وافتراء لخروج بعض الصّحابة عن البيعة وعدم حضور كثير فى السّقيفة وردّ جمع على ابى بكر الخلافة وتوسّلهم بصلوته بالامّة فى حال حياة الرّسول (ص) حجّة عليهم، لانّ النّبىّ (ص) بعد ما افاق وعلم انّ ابا بكر امّ بالقوم خرج مع ضعفه وازاله عن مقامه قبل اتمام صلوته وامّ بنفسه، وهو دليل على انّه لم يؤمّ القوم به بأمره وانّه لا ينبغى له الامامة والا كان تقريره عليها فى حال حياته واجباً، وحديث: سيّدا كهول اهل الجنّة؛ يدفعه العقل والنّقل لانّ اهل الجنّة على اشرف الاحوال وهى حال الشّباب كما ورد انّ اهل الجنّة جردٌ مردٌ، وحديث: " حديث : لو لم ابعث لبعث عمر"تفسير : ؛ يكذّبه قول النّبىّ (ص) فى حقّ من تخلّف عن جيش اسامة وردّه عليه فى أمره باحضار القلم والدّواة لرفع النّزاع، وقوله: "حديث : انّ الرّجل ليهجر"تفسير : ؛ وخلافه ابى بكر بلا فصل بزعمهم، ومواخاته (ص) مع علىّ (ع) دونه، ووصايته باداء ديونه انجاز عداته (ص) الى علىّ وانت منّى بمنزلة هارون من موسى (ع) وكون علىّ (ع) بمنزلة نفسه تحت الكساء، والمستحقّ للبعثة اولى بكلّ ذلك، وتأسّى جبرئيل بأبى بكر فى لبس الصّوف واسترضاء الله منه؛ يكذّبه انّ التأسّى بالنّبىّ (ص) اولى واسترضاء النّبىّ (ص) اجدر مع انّه سوّف استرضاء النّبىّ (ص) فقال: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى:5] وفرار الشّيطان من هيبة عمر؛ يكذّبه فراره من الغزاء فى احد، وآية: {أية : إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} تفسير : [آل عمران:155] فى الفارّين فى احد. والحاصل انّ مقدّماتهم الّتى نظموها شاعرين او غير شاعرين مختلّة، فانّهم حالاً وقالاً يقولون، انّ ابا بكر لم يكن معصوماً وكلّ من لم يكن معصوماً يمكن ان يكون خليفة للرّسول (ص)، فأبو بكر يمكن ان يكون خليفة للرّسول، وكلّ من يمكن ان يكون خليفة واجمع الامّة على خلافته فهو خليفة، فابو بكر خليفة؛ نقول: الصّغرى فى القياس الثّانى وهى انّ ابا بكر يمكن ان يكون خليفة واجمع عليه الامّة باطلة بحسب امكان خلافته كما يجيء وبحسب اجماع الامّة كما عرفت، والكبرى فيه ايضاً باطلة بآية الخيرة، والصّغرى فى القياس الاوّل مسلّمة بل نقول: انّ ابا بكر مثل عمر تخلّف عن جيش اسامة فضلاً عن ان لم يكن معصوماً، وامّا الكبرى فيه فهى فاسدة، لانّ الرّسول (ص) كان له الرّسالة والخلافة الآلهيّة وهى تقتضى ان يكون صاحبها كالآله ناظراً الى كلّ فى مقامه ومعطياً لكلّ حقّه بحسب استعداده ولسان استحقاقه حافظاً لكلّ باسباب حفظه، والاّ لم يكن خليفة الله وكان له السّلطنة على كلّ من دخل تحت يده وهذه تقتضى التّسلّط عليهم بحسب الدّنيا والتّصرّف فيهم بأىّ نحو شاء فان كان المراد بخليفته وامكان عدم عصمته هو خليفته فى السّلطنة والغلبة فى الدّنيا، فمسلّم انّه لا يجب عصمته بل يجوز فسقه؛ لكنّ الكلام فى خلافة الرّسالة والسّياسة الالهيّة وهذا الوصف يقتضى كون صاحبه كالرّسول (ص) بصيراً ناقداً عالماً بمرتبة كلّ واستحقاقه ولسان استعداده برزخاً واسطة بين الخلق والحقّ موصلاً كلاًّ الى غايته والاّ كان مفسداً فى الارض ومهلكاً للحرث والنّسل، على انّه ان لم يصدّق الخلق بأنّه بصير من الله عالم بخفيّات الموجودات وجليّاتها قادر على حفظ كلّ فى مرتبته وعلى اعطاء كلّ حقّه لا يقع منهم اطاعته عن صميم القلب فلم ينقادوا له باطناً فلم ينتفعوا منه بحسب الآخرة، فان علموا انّه غير معصوم ويجوز له الخطاء فيما القى اليهم فكيف يسلّمون له وهذا هو الّذى اقتضى النّصّ فى حقّه فانّ العصمة والبصيرة والعلم ببواطن الامور امر ليس فى ظاهر البشرة فيدرك بالابصار حتّى يمكن معرفته للخلق، بل أمر خفىّ لا يدركه الا من كان محيطاً به عالماً بسائره وخفيّاته فمن لم يكن عليه نصّ لا يمكن خلافته وفى آيات توقّف الشّفاعة على اذن الله اشارة الى هذا التّوقّف ولذلك قالت الصّوفيّة: توقّف الرّياسة الآلهيّة على الاذن والاجازة من ضرويّات المذهب او قريب منها وكان سلسلة اجازتهم منضبطة يداً بيد ونفساً بنفسٍ الى المعصوم، والفقهاء رضوان الله عليهم قائلون به وكان سلسلة اجازتهم مضبوطة بل كانوا فى الصّدر الاوّل اذا لم يحصل لاحدٍ منهم الاجازة فى الكلام مع الخصوم والرّواية عن المعصوم لم يتكلّم مع احدٍ فى امر الدّين ولم يرو حديثاً من أحاديث المعصومين، ومشايخ اجازة الرّواية معرفة فمن ادّعى الخلافة ونيابة الرّسالة من غير اذن واجازة لم يكن كالصّدر الاوّل من العذاب بمفازة. ولمّا كان الرّسول (ص) مؤسّساً للاحكام السّياسيّة والعبادات القالبيّة اخذاً للبيعة منهم من هذه الجهة ويسمّى اخذه للبيعة من هذه الجهة اسلاماً، وكان هادياً من جهة القلب ومصلحاً لاحوال الباطن ومبيّناً للآداب القلبيّة اخذاً للبيعة منهم من هذه الجهة ويسمّى ايماناً كان خليفته امّا خليفة له من الجهتين كعلىّ (ع) واولاده المعصومين (ع) وكلّ من كان جامعاً للطّرفين حافظاً للجانبين. وامّا خليفة له من الجهة الاولى وهم الفقهاء وعلماء الشّريعة رضوان الله عليهم الّذين تصدّوا للاحكام الظاهرة وآداب السّياسة، وامّا خليفة له من الجهة الاخرى كالصّوفيّة الصّافية الطّويّة من الشّيعة الّذين كان تمام اهتمامهم بأحوال الباطن وأحكام القلب والنّزاع بين الفريقين بانكار كلّ طريقة الاخرى ناشٍ من الجهل بحقيقة الرّسالة والغفلة عن كيفيّة النّيابة، فانّ كلاًّ اذا حصل له الاذن والاجازة كان نائباً فى مرتبته مأجوراً فى شغله مفروضاً طاعته اماماً فى مرحلته محكوماً على الخلق بالرّجوع اليه والاخذ منه، وكلّ منهما اذا لم يحصل له الاجازة كان نسناساً بل خنّاساً وشيطاناً مردوداً، فالنّزاع ليس فى محلّه بل الحقّ ان يبدل النّفاق بالوفاق ويرجع كلّ الى صاحبه فيما هو من شأنه ويأخذ منه فيتصالحا، فانّ الظّاهر غير غنّىٍ عن الباطن والباطن لا يستكمل بدون الظّاهر، وقصّة اتّباع موسى (ع) للخضر (ع) مع كونه افضل واعلى من الخضر بمراتب عديدة برهان على جواز رجوع الافضل فى جهة الى من كان افضل منه فى جهة اخرى، فلا بدّ ان يرجع صاحب الباطن الى عالم الشّرع فى الاحكام الظّاهرة وصاحب الشّرع الى عالم الطّريقة فى الاحكام الباطنة فاذا تصالحا وتوافقا فالاحسن ان يتظاهرا ويدفعا كلّ منافق كذّاب من مدّعى الفتيا والسّلوك عن ادّعائه ويظهرا بطلانه ويحفظا الدّين عن غوائل الشّياطين من الكذّابين وتلبّس بعض الزّنادقة بلباس الصّوفيّة، وكذا تلبّس المتصوّفة من العامّة بلباسهم وصدور ما ينافى الشّريعة عنهم قولاً وفعلاً لا يصير سبباً لطعن صوفيّة الشّيعة؛ فانّهم مراقبون كمال المراقبة فى ان لا يصدر عنهم ما يخالف الشّريعة قولاً وفعلاً بل يقولون ترك القيد فى ان يتقيّد الانسان بالشّريعة ويراقبون ان لا يجرى على لسانهم غير ما جرى على لسان الشّريعة فكيف بفلعهم واعتقادهم {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} يسير فكيف بالخطير خصوصاً النّبأ العظيم الّّذى هو الخلافة {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} لم يقل والى اولى الامر لانّ المقصود الاصلىّ انّه اذا وقع التّنازع بينكم فى تعيين ولىّ الامر فردّوه اليهما فاذا عيّناه لكم فردّوا جميع اموركم اليه، وفى بعض الاخبار انّ الآية هكذا {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} يعنى ردّوا جميع ما خفتم التّنازع فيه الى قولهما فانّهما بيّنا جميع ما تحتاجون اليه ببيانه فى الكتاب والسّنة وبتعيين من عنده علم الكتاب فانّ قول الله اطيعوا الله (الى اخر الآية) وقوله {أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة:55] (الى آخر الآية) فى علىّ (ع) وقول محمّد (ص): "حديث : من كنت مولاه" تفسير : (الحديث) بيّنا انّ الاولى بكم من انفسكم واحرى بالرّجوع اليه والاخذ منه والتّسليم له هو علىّ (ع) فان رددتم كلّما خفتم التّنازع فيه الى علىّ (ع) بعد ما رددتم النّزاع الكّلىّ الى الكتاب والرّسول (ص) واخذتم بقولهما فيه لم يبق لكم ريب ونزاع فى شيءٍ من الاشياء وان حكّمتم الرّجال دون الكتاب وقول الرّسول (ص) خرجتم من الرّشاد وطريق السّداد الى الحيرة والارتياب؛ هذا فى الكبير، وأمّا فى العالم الصّغير فانّ تنازع النّفس وهواها والطّبيعة وقواها معكم فى شيء من الاشياء فاعرضوه على الرّوح والعقل فكلّما ارتضاه العقل وصدّقه الرّوح فخذوه وكلّما لم يصدّقه العقل وان كان النّفس ارتضته فاتركوه {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} يعنى انّ الايمان بهما يقتضى ردّ كلّ ما اشتبه عليكم الى الكتاب والسّنّة ومن عنده علمهما، وترك الرّجوع الى الكتاب والسّنّة ومبيّنهما دليل عدم الايمان بهما {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} من تحريفكم اولى الامر من معناه الى السّلاطين ووليّكم الى المحبّ ومولاه الى المحبّ حتّى يستقيم لكم رأيكم الباطل.

فرات الكوفي

تفسير : {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنوا أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأولى الأمْرِ مِنْكُمْ59} قال فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: عن زيد بن الحسن الأنماطي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن الحسن وهو يخطبنا بالمدينة ويقول: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن [عمي. أ، ر] الحسين أنه سأل [عن. أ، ر] جعفر بن محمد عليهما السلام [أ (خ ل): أبي جعفر عليه السلام] عن قول الله [تعالى. ر. أ: جلّ ذكره]: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} قال: أولى الفقه والعلم. قلنا: أخاص أم عام؟ قال: بل خاص لنا. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام عن قول الله [تعالى. ر]: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} قال: فأولى الأمر في هذه الآية هم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فرات قال: حدثني أحمد بن القاسم معنعناً: عن أبي مريم قال: سألت [عن. ر، أ] جعفر بن محمد عليه السلام عن قول الله [تعالى. ر]: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} [أ] كانت طاعة علي [عليه السلام. ب] مفترضة [ب: مفروضة]؟ قال: كانت طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة مفترضة لقول الله [تعالى. ر] {أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله}تفسير : [80/ النساء] وكانت طاعة علي بن أبي طالب [عليه السلام. ب، ر] [من. أ، ب] طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن [أبى. ر، أ] عبد الله بن جرير قال: سمعت [عن. ر] محمد بن عمر بن علي وسأله أبان بن تغلب عن قول الله [تعالى. ر]: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} قال: أمرا [ء] سرايا وكان أولهم علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] أو [ب: و] من أولهم. فرات قال: [حدثني. ب] الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام {وأولي الأمر منكم} قال: علي عليه السلام. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن سلمان الفارسي رضي الله عنه [ر: رحمة الله عليه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا علي من برء عن ولايتك [ر، أ: بولايتك] فقد برء من [أ: عن] ولايتي، ومن برء من ولايتي [أ: بولايتي] فقد برء من [أ: عن] ولاية الله. يا علي طاعتك طاعتي وطاعتي طاعة الله، فمن أطاعك [فقد.ب] أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله، والذي بعثني بالحق [نبياً.ب] لحبنا أهل البيت أعزّ من الجوهر ومن الياقوت الأحمر ومن الزمرد، وقد أخذ الله ميثاق محبينا أهل البيت في أم الكتاب لا يزيد فيهم رجل ولا ينقص منهم رجل إلى يوم القيامة وهو قول الله [تعالى.ر،ب]: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} فهو علي بن أبي طالب عليه السلام . تفسير : فرات قال: حدثني إبراهيم بن سليمان معنعناً: عن عيسى بن السري قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن دعائم الاسلام التي عليها لا يسع أحدٌ من الناس التقصير عن [أ: من] معرفة شيء منها التي من قصر عن [معرفة. ب] شيء منها فسدت عليه دينه ولم يقبل منه عمله [أ (خ ل): علمه] [ومن عرفها وعمل بها صلح له دينه وقبل منه عمله. شي] ولم يضيق ما هو فيه بجهل [ب: بحمل] شيءٍ جهله. قال: شهادة أن لا إله إلا الله والإيمان برسوله والإقرار بما جاء من عند الله والزكاة والولاية التي أمر الله بها [وهي] ولاية [آل. ما، خ] محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال [ن: قوله] قلت: هل في الولاية شيء دون شيءٍ [فضلٌ يعرف لمن أخذ به؟ قال: نعم. ب] قول الله [تعالى. ر]: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} فكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام [أ: عليهم السلام والتحية والإكرام [أولى الأمر. ب]. فرات قال: حدثني علي بن محمد بن عمر الزهري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله [تعالى. ر]: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} قال: نزلت في علي [بن أبي طالب] عليه السلام. قلت: إن [ب: فإن] الناس يقولون فما منعه أن يسمى علياً وأهل بيته في كتابه؟ قال أبو جعفر [عليه السلام. ب]: فتقولون لهم إن الله أنزل على رسوله الصلاة ولم يسم ثلاثاً وأربعاً حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسّر ذلك لهم، وأنزل الحج فلم ينزل: طوفوا أسبوعاً. ففسر لهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [أ: الرسول]، وأنزل الله {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [قال. ب]: نزلت في علي بن [أبي طالب. ر] والحسن والحسين عليهم السلام فقال فيه [أ، ب: في علي]: من كنت مولاه فعلي مولاه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [وبارك.ر]: حديث : أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي؛ إني سألت الله أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض؛ فأعطاني ذلك، فلا تعلموهم فهم [ب: فإنهم] أعلم منكم، أنهم لم يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلالة، تفسير : ولو سكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبين أهلها لادعاها آل عباس وآل عقيل وآل فلان وآل فلان، ولكن الله أنزل في كتابه: {أية : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} تفسير : [33/ الأحزاب] فكان علي [بن أبي طالب. ر] والحسن والحسين وفاطمة [عليهم السلام. أ، ر. والتحية والإكرام. ر] تأويل هذه الآية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي وفاطمة والحسن والحسين [عليهم السلام. ب] فأدخلهم تحت الكساء في بيت أم سلمة فقال: حديث : اللهم إن لكل نبي ثقلاً وأهلاً فهؤلاء ثقلي وأهلي. فقالت أم سلمة: ألست من أهلك؟ فقال: إنك إلى [أ: على] خير ولكن هؤلاء ثقلي وأهلي. تفسير : فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عليٌّ أولى الناس بها لكبره ولما بلغ فيه رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم.أ،ب] وأقامه وأخذه بيده.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث خالد بن الوليد في سرية فيهم عثمان فلما دنوا هربوا غير رجل كان قد أسلم فأتى العسكر فاستجار عمَّاراً فأجاره عمار وأمره أن يقيم وإذا بخالد أخذ ذلك الرجل وماله فقال عمَّار: خلِّ سبيله فإنه مسلم وقد أمَّنته، فقال خالد: أنت تجير علي وأنا الأمير وجرى بينهما كلام وانصرفوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبروه القصة فأجاز أمان عمَّار ونهى أن يجير على أمير بغير إذنه فنزلت الآية، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يُطِع أَميري فقد أطاعني" تفسير : وقيل: هم العلماء الذين يعلِّمُون الناس الدين ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء} فإن اختلتفم أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدنيا والدين، قوله تعالى: {فردوه إلى الله} أي ارجعوه إلى الكتاب والسنَّة {ذلك خير} إشارة إلى الرد إلى الكتاب والسنَّة {وأحسن تأويلاً} أحسن عاقبة، وقيل: أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم ولا تلزم الطاعة لأمراء الجور، قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} الآية قيل: نزلت في رجل من المنافقين اسمه بشرٌ كان بينه وبين يهودي خصوميَّة فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: إلى كعب بن الأشرف، وكان يسمَّى الطاغوت، فأبى اليهودي فأتيا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقضى لليهودي، فلما خرجا قال المنافق لليهودي لا أرضاه وأتيا عمر فقصَّا عليه القصَّة فقال عمر للمنافق: كذلك هو، قال: نعم، قال: رويدكما حتى أخرج فدخل بيته وأخذ سيفه وخرج فقتل المنافق، وقال: هكذا أقضي على من لم يرضَ بقضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاجتمع قوم وشكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مما صنع عمر فقال: "لِمَ قتلته؟" فقال: لأنه لم يرض بقضائك فنزلت الآية، قوله تعالى: {وقد أمروا أن يكفروا به} قرأ عباس بن الفضل (رضي الله عنه): أن يكفروا بها ذهاباً بالطاغوت إلى الجمع والله أعلم {فكيف} يكون حالهم فكيف يصنعون يعني أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمراً ولا يوردونه {إذا أصابتهم مُصِيْبَةٌ بما قدَّمَتْ أيديهم} من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم {ثم جاؤوك} حين يصابون فيعتذرون إليك {ويحلفون} ما {أردنا} بتحاكمنا إلى غيرك {إلا إحساناً} لا إساءة {وتوفيقاً} {فأعرض عنهم} لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم ولا ترد على كفرهم بالموعظة ولا النصيحة عما عليه قاله جار الله {وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} يعني أبلغهم أن ما في نفوسهم معلوم عند الله وأن الله يعلم ما في قلوبكم لا يخفى عليه شيء ولا يغني عنكم ابطانه فأصلحوا أنفسكم.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} قال الحسن: أولو الأمر منكم: أهل الفقة والعلم والرأي. غير واحد أنه قال: أولو الأمر منكم: العلماء. ذكروا عن عطاء أنه قال: يا أيها الذين ءَامنوا أطيعوا الله، يعني كتابهُ، وأطيعوا الرسول، يعني ما سَنَّ رسول الله، وأولي الأمر منكم: العلماء من كانوا، وحيثما كانوا. وتفسير مجاهد: أولو الفقه في الدين والعقل. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : السنة سنتان: سنة في فريضة، الأخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة في غير فريضة الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة . تفسير : وكان الكلبي يقول: أولو الأمر منكم أمراء السرايا. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني . تفسير : قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} يعني فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله. قال: {إِن كُنتُمْ تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي أحسن ثواباً وخيرٌ عاقبةً. وقال مجاهد: أحسن ثواباً أي: أحسن جزاءً. قال هو مثل قوله: (أية : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) تفسير : [الأعراف:53] أي ثوابه في الآخرة. وقال الكلبي: فإن تنازعتم في شيء، يعني في السرية وأميرها فردوه إلى الله والرسول. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ}. قال الحسن: إن رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق فدعاه المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى وثن بني فلان الذي كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه، وعند ذلك الوثن رجل يقول للخصمين: قضى بينكما بكذا وكذا. وإنما عبادة الوثن عبادة الشيطان. والأوثان هي الطواغيت. وقال الكلبي: إن رجلاً من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد نختصم إليه. وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي يُسمَّى [هاهنا] الطاغوت في قول الكلبي: وقال بعضهم: أراد أن يحاكمه إلى كاهن بالمدينة فقال الله: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ}. قال تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}. والطاغوت الشيطان. والكاهن من أمر الشيطان. والإِيمان بالشيطان كفر بالله، والإِيمان بالله كفر بالشيطان. قال الله: (أية : فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤمِنُ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى)تفسير : [البقرة:256]. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من أتى عرّافاً فصدّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد . تفسير : ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال: من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد. قال الكلبي: فأبى المنافق أن يخاصمه إلى النبي، وأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى النبي. فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي. فلما خرجا من عنده قال المنافق لليهودي: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب أخاصمك إليه. فأقبل معه اليهودي، فدخلا على عمر، فقال اليهودي: يا عمر، إنا قد اختصمنا أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه، فلم يرض هذا بقضائه، وزعم أنه يخاصمني إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل البيت فاشتمل على سيفه، ثم خرج إلى المنافق فضربه حتى بَرَد. فأنزل الله على نبيه (أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) تفسير : [النساء:64-65]. ذكر بعضهم أنها نزلت في رجل من الأنصار يقال له بشر وفي رجل من اليهود في حق كان بينهما، فتنافرا إلى كاهن كان في المدينة ليحكم بينهما وتركا نبيَّ الله. وذكر لنا أن اليهودي يدعوه إلى النبي ليحكم بينهما، وقد علم أنه لن يجور عليه فجعل الأنصاري يأبى، ويزعم أنه مسلم، فنزلت فيهما هذه الآية.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمرِ مِنكُم}: أصحاب الأمر منكم، أى من ولى أموركم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعده، كأئمة العدل بعده صلى الله عليه وسلم، وأمراء الأجناد على عهده صلى الله عليه وسلم وبعده، والقضاء والحكام والعاملين، وكل من صحت له شرعا ولاية على المؤمنين فى مصلحة الدين أو الدنيا ما لم يدع لمعصية، ثم رأيت هذا العموم للزجاج والحمد لله. قال السدى: نزلت فى خالد بن الوليد، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية وفيها عمار بن ياسر، فلما قربوا من القوم هربوا منهم، وجاء رجل إلى عمار قد أسلم فأمنه عمار، فرجع الرجل فجاء خالد فأخذ مال الرجل، فقال عمار: انى قد أمنته وقد أسلم، فقال خالد، تجير على وأنا الأمير، فتنازعا وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار، ونهاه ان يجير الثانية على أمير، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمرِ مِنكُم}. وانما صح ذلك لخالد، لأنه ما أمن الرجل إلا بعد أن تغلب المسلمون على ماله، وكان ملكا لهم، وقد أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل خالد فى المال، بأن جعله من الغنيمة، وأجاز أمان عمار فى نفس الرجل، قال: "حديث : يجير على المسلمين أدناهم "تفسير : أى يصح اجارة أدناهم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: نزلت فى عبد الله بن حذافة ابن قيس بن عدى السهمى، إذ بعثه النبى صلى الله عليه وسلم فى سرية. وقال ميمون بن مهران والكلبى: ان أولوا الأمر أصحاب السرايا، واختاره البخارى، وروى فى ذلك حديث ابن مهران. وقيل: هم العلماء، وبه قال أكثر التابعين، واختاره مالك والطبرى، وهو قول الحسن وعطاء، ومجاهد والضحاك، وجابر بن زيد، وابن عباس، قال ابن العربى: والصحيح عندى أنهم الأمراء والعلماء، أما الأمراء فلأن الأمر منهم، والحكم إليهم، وأما العلماء فلأن سؤالهم متعين على الخلق، وجوابهم لازم، وامتثال فتواهم واجب، ويدخل فيه تأمر الزوج على الزوجة، لأنه حاكم عليها انتهى. وما مر عن الطبرى نسبه اليه ابن العربى، ونسب اليه الخازن أنه قال: أولى الأقوال بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الولاة، والأئمة فيما كان طاعة لله عز وجل، أو مصلحة للمسلمين، وكذلك قال أبو هريرة: الأمراء، وهو رواية عن ابن عباس، قال على بن أبى طالب: حق على الامام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدى الأمانة، فاذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن أمر عليكم عبد حبشى مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله ". تفسير : وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِسمعوا وأطيعوا وإِن استعمل عليكم عبد حبشى كأنه رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله " تفسير : وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاعنى فقد أطاع الله ومن عصانى فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعنى ومن يعصى الأمير فقد عصانى ". "حديث : ولما أمر أسامة بن زيد بن حارثة الى أهل أبنا قال قوم: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين، فخرج صلى الله عليه سلم وقد عصب رأسه، وعليه قطيفة فى مرض موته فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس ما مقالة بلغتنى عن بعضكم فى تأمير أسامة ولئن طعنتم فى إمارة أسامة لقد طعنتم فى أمارة أبيه من قبله وايم الله ان كان للإِمارة لخليقا وان ابنه من بعده لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس الى فاستوصوا به خيرا فانه من خياركم ". تفسير : وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية فان أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " تفسير : وقال عكرمة: أولى الأمر أبو بكر وعمر لرواية حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : انى لا أدرى ما بقائى فيكم فاقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر "تفسير : رواه الترمذى، وقيد أولى الأمر جميع الصحابة، لما روى عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" تفسير : ، قال الحسن، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : مثل أصحابى فى أمتى كالملح فى الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح ". تفسير : قال الحسن: قد ذهب ملحنا فكيف نصلح، أراد الحسن التلهف والتشبث بالحق، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد أن أصحابى تبقى الى قيام الساعة، به أراد أنها تبقى بعد فتتعلم الأمة منهم العلم والقرآن والسيرة، ويمضون بعد الصحابة على ذلك، أو أراد بقاء ما يروون عنه صلى الله عليه وسلم، فمن خالفه كان أمره كطعام بلا ملح، واختار الفخر الرازى: ان أولى الأمر المجتهدون لقوله تعالى: {أية : ولو ردوه الى الرسول}تفسير : الآية وهم المسلمون بأهل العقد والحل، والأمر واحد الأمور، أو ضد النهى، ومنكم حال من أولى، ومن تبعيضية. {فَإِن تَنَازَعتُم فِى شَىءٍ}: أى اختلفتم فيه، فكان كل ينزعه عن الآخر كما لكل واحد يقول: هو لى، وكالحق يقول: كل واحد الحق معى والخطاب للناس كلهم، أولى الأمر فيما بينهم، أو العامة فيما بينهم، وأولى الأمر والعامة. وقال الكلبى: الخطاب للسرية وأميرها. {فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ}: الى كتاب الله. {وَالرَّسُولِ}: بأن تسألوه فى حياته، او ترجعوا الى ما حفظتم عنه فى حياته أو بعده، ومعنى الرد أن لا يعلم المتنازعون حكم الله ورسوله ومسألتهم موجودة فى الكتاب أو السنة، فيحكم بينهم بها، أو يعلموا بعد التنازع فيرجعوا اليها بلا حكم، أو يعلموا هم أو بعضهم فيكابروا فيتركوا المكابرة، ويذعنوا أو يقهروا على الاذعان، أو تكون مسألتهم غير موجودة فيهما نصا، فيردوها اليهما بان يطلبوا استنباطها منهما فى الآثار، بأن تكون قد استنبطت منهما قبل، أو يطلب المجتهد أن يستنبطها منهما ان لم تستنبط قبل، أو لم يعلم أنها استنبطت، والاستنباط يحصل بالبناء على المنصوص عليه فيهما بالقياس، أو باعتبار المفهوم، فالآية مثبتة للقياس، وأظهر من هذا فى اثبات القياس أن نعتبر أن لا ننازع فى شىء منصوص عليه فى القرآن أو السنة، بل التنازع فى الآية انما هو فى شىء لم ينص عليه فيهما، فيجب رده اليهما بالقياس على المنصوص عليه فيهما، فبطل قول من استدل على نفى القياس، بأن الله جل وعلا أوجب الرد الى الله ورسوله دون القياس، جهلا منه بأن القياس رد اليهما. ويؤيد اثبات القياس بالآية، أن الله جل وعلا أمر بالرد إليهما بعد ما أمر بطاعتهما، فالأمر بطاعتهما فيما نصا عليه، والأمر بالرد فيما لم ينصا عليه، فالأحكام ثلاثة: حكم بالقرآن، وحكم بالسنة، وهما فى قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} وحكم بالقياس وهو فى قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعتُم فِى شَىءٍ} الآية، ولنا حكم رابع وهو حكم الاجماع، لكنه مستند الى الأولين أو الثالث، وداخل فى ذلك وهو مستفاد من قوله تعالى: {وَأُولِى الأَمرِ} على ما قال الفخر: من أن الله أمر بطاعتهم، والمأمور بطاعته لا يخطأ، والمعصوم من الخطأ مجموع الأمة أو بعضها، وليس بعض الأمة، لأن الأمر بطاعتهم مشروط بمعرفتهم، ولا يمكننا معرفتهم، فوجب أن يكون مجموع الأمة أى مجموع أهل الحل والعقد، وهم المجتهدون من الولاة. وحاصل الأربعة اثنان، لأن القياس والاجماع مبنيان على القرآن والسنة، وذلك أن الاجماع عندى اجماع على حكم يستنبطه أهل العصر من القرآن أو السنة، أو من القياس عليهما، ولم يعلم من بعدهم بما استخرجوه منه، أو على حكم بحديث علمه أهل عصر، ولم يعلمه من بعدهم. وأما الحكم بشرع من قبلنا على جوازه فمبنى على القرآن أو السنة، لأنا لا نقول: انه من شرع من قبلنا إلا أن وجدناه عن شرع من قبلنا فى القرآن أو السنة، هذا ما ظهر لى فى المقام، وعن أبى حازم: أن مسلمة بن عبد الملك قال: ألستم أمرتم بطاعتنا فى قوله: {وَأُولِى الأَمرِ مِنكُم} قال: أليس قد نزعت عنكم اذا خالفتم الحق بقوله: {فَإِن تَنَازَعتُم فِى شَىءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولَ} وقيل: معنى الرد الى الله ورسوله أن يقولوا الله أعلم. {إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الأَخِر}: جوابه محذوف دل عليه رده، بل أغنى عنه رده، والرد ولو وجب على من لم يؤمن لكن يعمل به من آمن، وشرط الايمان، لأن الايمان يوجبه، وفى ذلك تهديد من لم يؤمن. {ذَلِكَ}: الرد. {خَيرٌ}: أفضل مما تزعمون أن فيه فضلا، أو ذلك الرد منفعة لكم وصلاح. {وَأَحسَنُ}: مما هو حسن عندكم أو وحسن. {تَأوِيلاً}: عاقبة مصدر أولت الشىء سميت به عاقبته، فهو مصدر بمعنى مفعول، أى أحسن شيئا يصار اليه، أى شيئه الذى يصار اليه أحسن، فافهم كقوله تعالى: {أية : هل ينظرون إلا تأويله} تفسير : أى عاقبته لما يأتهم تأويله أى عاقبته، وذلك من آل يئول، والمآل المرجع، ومعنى أولت الشىء بكذا فسرت مآله بكذا، والمآل والمرجع والعاقبة بمعنى.

اطفيش

تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} أعاد الأمر إعظاما له صلى الله عليه وسلم، ودفعا لتوهم أنه لا يتبع إلا ما جاء به من القرآن، وإيذانا بأن له استقلالا لغيره {وَأُوْلى الأَمْرِ مِنكُمْ} أمراء المسلمين في القرى والعساكر والقضاة، والمفتين، وعلماء الشرع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاعنى فقد أطاع الله ومن عصانى فقد عصى الله، ومن يطع أمرى، فقد أطاعنى ومن يعص أمرى فقد عصانى"تفسير : ، واختار بعض، أن أولى الأمر المجتهدون لقوله تعالى: {أية : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} تفسير : [النساء: 83] ويسمون فى أصول الفقه أهل الحل والعقد {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ} من أمر الدين أيها العامة وأولو الأمر، أو أيها المتولون للأمر فيما بينكم {فَرُدُّوهُ إَلَى اللهِ} إلى كتابه {وَالرَّسُولِ} بسؤاله عنه، وبعد موته بالرجوع إلى سنته، ومن الرد إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقياس، فالآية مثبتة للقياس لمن تأهل له لا نافية له كما زعم من قال إنه يجب الوقوف على النصوص فيه وفى السنة، ويرده أيضاً أنه لا توجد الأحكام كلها فيها، فالأحكام من الكتاب والسنة والقياس والإجماع، إلا أنه راجع للقياس، إلا أنه لا يعرف الناس بعد انعقاده كلهم مأخذه وقوله {إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ} متعلق بقوله فردوه، أو بقوله {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، وتعليقه بالرد أولى كما يناسبه قوله {ذَلِكَ} أى الرد إلى الله ورسوله {خَيْرٌ} نفع لكم {وَأَحْسَنُ تَأوِيلاً} رجعا وعاقبه، وأحسن من رأيكم على فرض أن فيه حسنا، أو هو حسن، وقولكم بخلافه قبيح أو حسن لكم أو أفضل من رأيكم الذى تدعون فيه فضلا، هرب قوم فصدهم خالد إلا رجلا أتى عمارا فأسلم، فلما أصبح خالد أغا فلم يجد إلا الرجل وأهله وماله فقال عمار: خل عنه، فإنه مسلم فاستبّا حينئذ، وحين وصلا إليه صلى الله عليه وسلم فقال: أتترك مثل هذا يجير على؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من شتم عماراً فقد شتم الله سبحانه"تفسير : ، وأجار الرجل وماله وأهله، فقال لعمار لا تجر بعد هذا أحداً على أميرك، وتبعه خالد واسترضاه فرضى عنه.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بعدما أمر سبحانه ولاة الأمور بالعموم أو الخصوص بأداء الأمانة والعدل في الحكومة أمر الناس بإطاعتهم في ضمن إطاعته عز وجل وإطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال عز من قائل: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} أي الزموا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} المبعوث لتبليغ أحكامه إليكم في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه أيضاً، وعن الكلبـي أن المعنى: أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السنن، والأول أولى وأعاد الفعل وإن كانت طاعة الرسول مقترنة بطاعة الله تعالى اعتناءاً بشأنه عليه الصلاة والسلام وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن وإيذاناً بأن له صلى الله عليه وسلم استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثمّ لم يعد في قوله سبحانه: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم، واختلف في المراد بهم فقيل: أمراء المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده ويندرج فيهم الخلفاء والسلاطين والقضاة وغيرهم، وقيل: المراد بهم أمراء السرايا، وروي ذلك عن أبـي هريرة وميمون بن مهران، وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن السدي، وأخرجه ابن عساكر عن أبـي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية، وفيها عمار بن ياسر فساروا قبل القوم الذين يريدون فلما بلغوا قريباً منهم عرسوا وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد يسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن قومي لما سمعوا بكم هربوا وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غداً وإلا هربت؟ فقال عمار: بل هو ينفعك فأقم فأقام فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحداً غير الرجل فأخذه وأخذ ماله فبلغ عماراً الخبر فأتى خالداً فقال: خل عن الرجال فإنه قد أسلم وهو في أمان مني، قال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير فاستبا عند النبـي صلى الله عليه وسلم فقال خالد: يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يشتمني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد لا تسب عماراً فإن من سب عماراً سبه الله تعالى ومن أبغض عماراً أبغضه الله تعالى ومن لعن عماراً لعنه الله تعالى فغضب عمار فقام فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي، فأنزل الله تعالى هذه الآية» تفسير : ووجه التخصيص على هذا أن في عدم إطاعتهم ولا سلطان ولا حاضرة مفسدة عظيمة، وقيل: المراد بهم أهل العلم، وروى ذلك غير واحد عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد والحسن وعطاء وجماعة، واستدل عليه أبو العالية بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ / إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} تفسير : [النساء: 83] فإن العلماء هم المستنبطون المستخرجون للأحكام، وحمله كثير ـ وليس ببعيد ـ على ما يعم الجميع لتناول الاسم لهم لأن للأمراء تدبير أمر الجيش والقتال، وللعلماء حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز. واستشكل إرادة العلماء لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} فإن الخطاب فيه عام للمؤمنين مطلقاً والشيء خاص بأمر الدين بدليل ما بعده، والمعنى فإن تنازعتم أيها المؤمنون أنتم وأولو الأمر منكم في أمر من أمور الدين {فَرُدُّوهُ} فراجعوا فيه {إِلَى ٱللَّهِ} أي إلى كتابه {وَٱلرَّسُولِ} أي إلى سنته، ولا شك أن هذا إنما يلائم حمل أولي الأمر على الأمراء دون العلماء لأن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء إذ المراد بهم المجتهدون والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم. وجعل بعضهم: الخطاب فيه لأولي الأمر على الالتفات ليصح إرادة العلماء لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضاً مجادلة ومحاجة فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل، وقيل: على إرادة الأعم يجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين وتكون المنازعة بينهم وبين أولي الأمر باعتبار بعض الأفراد وهم الأمراء، ثم إن وجوب الطاعة لهم ما داموا على الحق فلا يجب طاعتهم فيما خالف الشرع، فقد أخرج ابن أبـي شيبة عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لبشر في معصية الله تعالى»تفسير : ، وأخرج هو وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عنه أيضاً كرم الله تعالى وجهه قال: حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطباً فجمعوا له حطباً قال: أوقدوا ناراً فأوقدوا ناراً قال: ألم يأمركم صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى قال: فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فسكن غضبه وطفئت النار فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك فقال عليه الصلاة والسلام لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف»تفسير : . وهل يشمل المباح أم لا؟ فيه خلاف، فقيل: إنه لا يجب طاعتهم فيه لأنه لا يجوز لأحد أن يحرم ما حلله الله تعالى ولا أن يحلل ما حرمه الله تعالى، وقيل: تجب أيضاً كما نص عليه الحصكفي وغيره، وقال بعض محققي الشافعية: يجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم يأمر بمحرم، وقال بعضهم: الذي يظهر أن ما أمر به مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله إلا ظاهراً فقط بخلاف ما فيه ذلك فإنه يجب باطناً أيضاً، وكذا يقال في المباح الذي فيه ضرر للمأمور به، ثم هل العبرة بالمباح والمندوب المأمور به باعتقاد الآمر فإذا أمر بمباح عنده سنة عند المأمور يجب امتثاله ظاهراً فقط أو المأمور فيجب باطناً أيضاً وبالعكس فينعكس ذلك كل محتمل وظاهر إطلاقهم في مسألة أمر الإمام الناس بالصوم للاستسقاء الثاني لأنهم لم يفصلوا بين كون الصوم المأمور به هناك مندوباً عند الآمر أو لا، وأيد بما قرروه في باب الاقتداء من أن العبرة باعتقاد المأموم لا الإمام، ولم أقف على ما قاله أصحابنا في هذه المسألة فليراجع هذا، واستدل بالآية من أنكر القياس وذلك لأن الله تعالى أوجب الرد إلى الكتاب والسنة دون القياس، والحق أن الآية دليل على إثبات القياس بل هي متضمنة لجميع الأدلة الشرعية، فإن المراد بإطاعة الله العمل بالكتاب، وبإطاعة الرسول العمل بالسنة، وبالرد إليهما القياس / لأن رد المختلف فيه الغير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئاً وراء ذلك، وقد علم من قوله سبحانه: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ} أنه عند عدم النزاع يعمل بما اتفق عليه وهو الإجماع. {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} متعلق بالأمر الأخير الوارد في محل النزاع إذ هو المحتاج إلى التحذير عن المخالفة، وجواب الشرط محذوف عند جمهور البصريين ثقة بدلالة المذكور عليه، والكلام على حد ـ إن كنت ابني فأطعني ـ فإن الإيمان بالله تعالى يوجب امتثال أمره، وكذا الإيمان باليوم الآخر لما فيه من العقاب على المخالفة {ذٰلِكَ} أي الرد المأمور به العظيم الشأن ولو حمل ـ كما قيل ـ على جميع ما سبق على التفريع لحسن. وقال الطبرسي: «إنه إشارة إلى ما تقدم من الأوامر أي طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر ورد المتنازع فيه إلى الله والرسول عليه الصلاة والسلام {خَيْرٌ} لكم وأصلح {وَأَحْسَنُ} أي أحمد في نفسه {تَأْوِيلاً} أي عاقبة، قاله قتادة والسدي وابن زيد»، وأفعل التفضيل في الموضعين للإيذان بالكمال على خلاف الموضوع له، ووجه تقديم الأول على الثاني أن الأغلب تعلق أنظار الناس بما ينفعهم، «وقيل: المراد: خير لكم في الدنيا وأحسن عاقبة في الآخرة»، ووجه التقديم عليه أظهر. «وعن الزجاج أن المراد: أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم». فالتأويل إما بمعنى الرجوع إلى المآل والعاقبة، وإما بمعنى بيان المراد من اللفظ الغير الظاهر منه، وكلاهما حقيقة، وإن غلب الثاني في العرف ولذا يقابل التفسير.

ابن عاشور

تفسير : لمّا أمر الله الأمّة بالحكم بالعدل عقّب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكّام ولاة أمورهم؛ لأنّ الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكّامهم، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشرّع لهم وعلى تنفيذه، وطاعة ولاة الأمور تنفيذ للعدل، وأشار بهذا التعقيب إلى أنّ الطاعة المأمور بها هي الطاعة في المعروف، ولهذا قال عليّ: «حقّ على الإمام أن يحكم بالعدل ويودّي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقّ على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا». أمر الله بطاعة الله ورسوله وذلك بمعنى طاعة الشريعة، فإنّ الله هو منزّل الشريعة ورسوله مبلّغها والحاكم بها في حضرته. وإنّما أعيد فعل: {وأطيعوا الرسول} مع أنّ حرف العطف يغني عن إعادته إظهاراً للاهتمام بتحصيل طاعة الرسول لتكون أعلى مرتبة من طاعة أولي الأمر، ولينبّه على وجوب طاعته فيما يأمر به، ولو كان أمره غير مقترن بقرائن تبليغ الوحي لئلاّ يتوهّم السامع أنّ طاعة الرسول المأمور بها ترجع إلى طاعة الله فيما يبلّغه عن الله دون ما يأمر به في غير التشريع، فإنّ امتثال أمره كلّه خير، حديث : ألا ترى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا سعيد بن المعلَّى، وأبو سعيد يصلي، فلم يجبه فلمّا فرغ من صلاته جاءه فقال له: «ما منَعك أن تجيبني» فقال: «كنت أصلّي» فقال: «ألم يقل الله {يأيّها الذين آمنو استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} [الأنفال: 24]»تفسير : ؛ ولذلك حديث : كانوا إذا لم يعلموا مراد الرسول من أمره ربما سألوه: أهو أمر تشريع أم هو الرأي والنظر، كما قال له الحباب بن المنذر يوم بدر حين نزل جيش المسلمين: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نجتازه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل الرأي والحرب والمكيدة... تفسير : الحديث. حديث : ولمّا كلّم بريرة في أن تراجع زوجها مُغيثاً بعد أن عَتَقَتْ، قالت له: أتأمرُ يا رسول الله أم تشفع، قال: بل أشفع، قالت: لا أبقى معهتفسير : . ولهذا لم يُعَدْ فعل {فُردّوه} في قوله: {والرسول} لأنّ ذلك في التحاكم بينهم، والتحاكم لا يكون إلاّ للأخذ بحكم الله في شرعه، ولذلك لا نجد تكريراً لفعل الطاعة في نظائر هذه الآية التي لم يعطف فيها أولو الأمر مثل قوله تعالى: {أية : يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولّوا عنه وأنتم تسمعون}تفسير : [الأنفال: 20] وقوله: {أية : وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا}تفسير : [الأنفال: 46] {أية : ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون}تفسير : [النور: 52]، إذ طاعة الرسول مساوية لطاعة الله لأنّ الرسول هو المبلّغ عن الله فلا يتلقّى أمر الله إلاّ منه، وهو منقّذ أمر الله بنفسه، فطاعته طاعة تلقّ وطاعةُ امتثال، لأنه مبلّغ ومنقّذ، بخلاف أولي الأمر فإنّهم منقّذون لما بلغّه الرسول فطاعتهم طاعة امتثال خاصّة. ولذلك كانوا إذا أمرهم بعمل في غير أمور التشريع، يسألونه أهذا أمر أم رأي وإشارة «حديث : فإنّه لمّا قال للذين يأبرون النخل لو لم تفعلوا لصَلَح»تفسير : . وقوله: {وأولي الأمر} يعني ذويه وهم أصحاب الأمر والمتولّون له. والأمر هو الشأن، أي ما يهتمّ به من الأحوال والشؤون، فأولو الأمر من الأمّة ومن القوم هم الذين يسند الناس إليهم تدبير شؤونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمر كأنّه من خصائصهم، فلذلك يقال لهم: ذَوو الأمر وأولو الأمر، ويقال في ضدّ ذلك: ليس له من الأمر شيء. ولمّا أمر الله بطاعة أولي الأمر علمنا أنّ أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معيّنة، وهم قدوة الأمّة وأمناؤها، فعلمنا أنّ تلك الصفة تثبت لهم بطرق شرعية إذ أمور الإسلام لا تخرج عن الدائرة الشرعية، وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إمّا الولاية المسندة إليهم من الخليفة ونحوه، أو من جماعات المسلمين إذا لم يكن لهم سلطان، وإمّا صفات الكمال التي تجعلهم محلّ اقتداء الأمّة بهم وهي الإسلام والعلم والعدالة. فأهل العلم العدولُ: من أولي الأمر بذاتهم لأنّ صفة العلم لا تحتاج إلى ولاية، بل هي صفة قائمة بأربابها الذين اشتهروا بين الأمّة بها، لما جرب من علمهم وإتقانهم في الفتوى والتعليم. قال مالك: «أولو الأمر: أهل القرآن والعلم» يعني أهل العلم بالقرآن والاجتهاد، فأولو الأمر هنا هم من عدا الرسول من الخليفة إلى والي الحسبة، ومن قواد الجيوش ومن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخّرة، وأولو الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضاً أهل الحلّ والعقد. وإنّما أمر بذلك بعد الأمر بالعدل وأداء الأمانة لأنّ هذين الأمرين قوام نظام الأمّة وهو تناصح الأمراء والرعية وانبثاث الثقة بينهم. ولمّا كانت الحوادث لا تخلو من حدوث الخلاف بين الرعيّة، وبينهم وبين ولاة أمورهم، أرشدهم الله إلى طريقة فصل الخلاف بالردّ إلى الله وإلى الرسول. ومعنى الردّ إلى الله الردّ إلى كتابه، كما دلّ على ذلك قوله في نظيره {أية : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله}تفسير : [المائدة: 104]. ومعنى الردّ إلى الرسول إنهاء الأمور إليه في حياته وحضرته، كما دلّ عليه قوله في نظيره {أية : وإلى الرسول} تفسير : [النساء: 83] فأمّا بعد وفاته أو في غيبَتِه، فالردّ إليه الرجوع إلى أقواله وأفعاله، والاحتذاء بسُنّته. روى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «حديث : لا ألْفِيَنَّ أحدَكم متّكئاً على أريكته يأتيه الأمر ممّا أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه»تفسير : . وفي روايته عن العرباض ابن سارية أنْه سمع رسول الله يخطب يقول: «حديث : أيحسب أحدكم وهو متّكىء على أريكته وقد يَظنّ أنّ الله لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في هذا القرآن ألا وإنّي والله قد أمَرْت ووعظت ونهيت عن أشياء إنّها لمثل القرآن أو أكثر»تفسير : ، وأخرجه الترمذي من حديث المقدام. وعرض الحوادث على مقياس تصرّفاته والصريح من سنّته. والتنازعُ: شدّة الاختلاف، وهو تفاعل من النزع، أي الأخذ، قال الأعشى:شعر : نازعتُهم قُضب الريحان متّكئاً وقهوةً مُزة رَاوُوقها خَضِل تفسير : فأطلق التنازع على الاختلاف الشديد على طريق الاستعارة، لأنّ الاختلاف الشديد يشبه التجاذبَ بين شخصين، وغلب ذلك حتّى ساوى الحقيقة، قال الله تعالى: {أية : ولا تَنَازَعُوا فَتفْشَلوا}تفسير : [الأنفال: 46] {أية : فتنازعوا أمرهم بينهم وأسّروا النجوى}تفسير : [طه: 62]. وضمير {تنازعتم} راجع للذين آمنوا فيشمل كلّ من يمكن بينهم التنازع، وهم مَن عدا الرسولَ، إذ لا ينازعه المؤمنون، فشمل تنازع العموم بعضهم مع بعض، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض، كتنازع الوزراء مع الأمير أو بعضهم مع بعض، وشمل تنازع الرعية مع ولاة أمورهم، وشمل تنازع العلماء بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين. وإذا نظرنا إلى ما ذكر في سبب النزول نجد المراد ابتداء هو الخلاف بين الأمراء والأمّة، ولذلك نجد المفسّرين قد فسّروه ببعض صور من هذه الصور، فليس مقصدهم قصر الآية على ما فسّروا به، وأحسن عباراتهم في هذا قول الطبري: «يعني فإن اختلفتم أيّها المؤمنون أنتم فيما بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه». وعن مجاهد: فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله». ولفظ (شيء) نكرة متوغّلة في الإبهام فهو في حيّز الشرط يفيد العموم، أي في كلّ شيء، فيصدق بالتنازع في الخصومة على الحقوق، ويصدق بالتنازع في اختلاف الآراء عند المشاورة أو عند مباشرة عمل مّا، كتنازع ولاة الأمور في إجراء أحوال الأمّة. ولقد حسَّن موقع كلمة (شيء) هنا تعميم الحوادث وأنواع الاختلاف، فكان من المواقع الرشيقة في تقسيم عبَد القاهر، وقد تقدّم تحقيق مواقع لفظ شيء عند قوله تعالى: {أية : ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع} تفسير : في سورة البقرة (155). والردّ هنا مجاز في التحاكم إلى الحاكم وفي تحكيم ذي الرأي عند اختلاف الآراء. وحقيقته إرجاع الشيء إلى صاحبه مثل العارية والمغصوب، ثم أطلق على التخلّي عن الانتصاف بتفويض الحكم إلى الحاكم، وعن عدم تصويب الرأي بتفويض تصويبه إلى الغير، إطلاقاً على طريق الاستعارة، وغلب هذا الإطلاق في الكلام حتّى ساوى الحقيقة. وعموم لفظ شيء في سياق الشرط يقتضي عموم الأمر بالردّ إلى الله والرسول؛ وعموم أحوال التنازع، تبعاً لعموم الأشياء المتنازع فيها، فمن ذلك الخصومات والدعاوي في الحقوق، وهو المتبادر من الآية بادىء بدء بقرينة قوله عقبه ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت فإنّ هذا كالمقدّمة لذلك فأشبه سبب نزول، ولذلك كان هو المتبادر وهو لاَ يمنع من عموم العامّ، ومن ذلك التنازع في طرق تنفيذ الأوامر العامّة، كما يحصل بين أفراد الجيوش وبين بعض قوادهم. وقد قيل: إنّ الآية نزلت في نزاع حدَث بين أمير سرية الأنصار عبد الله بن حذافة السهمي كما سيأتي، ومن ذلك الاختلاف بين أهل الحلّ والعقد في شؤون مصالح المسلمين، وما يرومون حمل الناس عليه. ومن ذلك اختلاف أهل العلم في الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد والنظر في أدلة الشريعة. فكلّ هذا الاختلاف والتنازعِ مأمور أصحابه بردّ أمره إلى الله والرسول. وردُّ كلّ نوع من ذلك يتعيّن أن يكون بحيث يُرجى معه زوال الاختلاف، وذلك ببذل الجهد والوسع في الوصول إلى الحقّ الجليّ في تلك الأحوال. فما روي عن مجاهد وميمون بن مهران في تفسير التنازع بتنازع أهل العلم إنّما هو تنبيه على الفرد الأخفى من أفراد العموم، وليس تخصيصاً للعموم. وذكر الردّ إلى الله في هذا مقصود منه مراقبة الله تعالى في طلب انجلاء الحقّ في مواقع النزاع، تعظيماً لله تعالى، فإنّ الردّ إلى الرسول يحصل به الردّ إلى الله، إذ الرسول هو المنبىء عن مراد الله تعالى، فذكر اسم الله هنا هو بمنزلة ذكره في قوله: {أية : فإن لله خمسهُ وللرسول}تفسير : [الأنفال: 41] الآية. ثمّ الردّ إلى الرسول في حياة الرسول وحضوره ظاهر وهو المتبادر من الآية، وأمَّا الردّ إليه في غيبته أو بعد وفاته، فبالتحاكم إلى الحكّام الذين أقامهم الرسول أو أمرَّهم بالتعيين، وإلى الحكّام الذين نصبهم ولاة الأمور للحكم بين الناس بالشريعة ممّن يظنّ به العلم بوجوه الشريعة وتصاريفها، فإنّ تعيين صفات الحكّام وشروطهم وطرق توليتهم، فيما ورد عن الرسول من أدلّة صفات الحكّام، يقوم مقام تعيين أشخاصهم، وبالتأمّل في تصرّفاته وسنّته ثم الصدَر على ما يتبيّن للمتأمّل من حال يظنّها هي مراد الرسول لو سئل عنها في جميع أحوال النزاع في فهم الشريعة واستنباط أحكامها المسكوت عنها من الرسول، أو المجهول قوله فيها. وقوله: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} تحريض وتحذير معاً، لأنّ الإيمان بالله واليوم الآخر وازعان يزعان عن مخالفة الشرع، والتعريضِ بمصالح الأمّة للتلاشي، وعن الأخذ بالحظوظ العاجلة مع العلم بأنّها لا ترضي الله وتضُرّ الأمة، فلا جرم أن يكون دأبُ المسلم الصادق الإقدامَ عند اتّضاح المصالح، والتأمّلَ عند التباس الأمر والصدر بعد عرض المشكلات على أصول الشريعة. ومعنى {إن كنتم تؤمنون} مع أنّهم خوطبوا بــــ {يا أيُّها الذين آمنوا}: أي إن كنتم تؤمنون حقّاً، وتلازمون واجبات المؤمن، ولذلك قال تعالى: {ذلك خير} فجيء باسم الإشارة للتنويه، وهي إشارة إلى الردّ المأخوذ من {فردّوه}. و(خير) اسم لما فيه نفع، وهو ضدّ الشرّ، وهو اسم تفضيل مسلوب المفاضلة، والمراد كون الخير وقوّة الحُسن. والتأويل: مصدر أوّل الشيء إذا أرجعه، مشتقّ مِن آل يؤول إذا رجع، وهو هنا بمعنى أحسن ردّاً وصرفاً. أخرج البخاري عن ابن عباس قال: نزل قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} في عبد الله بن حُذافة ابن قيس بن عديّ إذ بعثه النبي في سرية. وأخرج في «كتاب المغازي» عن علي قال: بعث النبي سرية فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: «أليس أمَرَكم النبي أن تطيعوني» قالوا: «بلى» قال: «فأجمعوا حطباً» فجمعوا، قال: «أوقدوا ناراً»، فأوْقدوها، فقال «ادْخلُوها»، فهمُّوا، وجعل بعضهم يمسك بعضاً، ويقولون: «فررنا إلى النبي من النار»، فما زالوا حتّى خمدت النار فسكن غضبه فبلغ ذلك النبي فقال: «حديث : لو دخلوها مَا خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعةُ في المعروف»تفسير : . فقول ابن عبّاس: نزلت في عبد الله بن حُدافة، يحتمل أنّه أراد نزلت حين تعيينه أميراً على السرية وأنّ الأمر الذي فيها هو الذي أوجب تردّد أهل السرية في الدخول في النار، ويحتمل أنّها نزلت بعد ما بلغ خبرهم رسول الله، فيكون المقصود منها هو قوله: {فإن تنازعتم في شيء} الخ، ويكون ابتداؤها بالأمر بالطاعة لَئِلاَّ يظنَّ أنّ ما فعله ذلك الأمير يبطل الأمر بالطاعة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ} الآية. أمر الله في هذه الآية الكريمة، بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. لأنه تعالى قال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 80] وأوضح هذا المأمور به هنا بقوله: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 10] الآية، ويفهم من هذه الآية الكريمة أنه لا يجوز التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وقد أوضح تعالى هذا المفهوم موبخاً للمتحاكمين إلى غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مبيناً أن الشيطان أضلهم ضلالاً بعيداً عن الحق بقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} تفسير : [النساء: 60] وأشار إلى أنه لا يؤمن أحد حتى يكفر بالطاغوت بقوله: {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} تفسير : [البقرة: 256]. ومفهوم الشرط أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو كذلك، ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو بمعزل عن الإيمان. لأن الإيمان بالله هو العروة الوثقى، والإيمان بالطاغوت يستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله. لأن الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله أو ركن منه، كما هو صريح قوله: {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ} تفسير : [البقرة: 265] الآية. تنبيه: استدل منكرو القياس بهذه الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِِ} الآية، على بطلان القياس قالوا: لأنه تعالى أوجب الرد إلى خصوص الكتاب والسنة دون القياس، وأجاب الجمهور بأنه لا دليل لهم في الآية. لأن إلحاق غير المنصوص بالمنصوص لوجود معنى النص فيه لا يخرج عن الرد إلى الكتاب والسنة، بل قال بعضهم: الآية متضمنة لجميع الأدلة الشرعية، فالمراد بإطاعة الله العمل بالكتاب وبإطاعة الرسول العمل بالسنة، وبالرد إليهما القياس. لأن رد المختلف فيه غير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه، إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئاً وراء ذلك. وقد علم من قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ} [النساء: 59] أنه عند عدم النزاع يعمل بالمتفق عليه، وهو الإجماع قاله الألوسي في تفسيره.

الواحدي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وهم العلماء والفقهاء. وقيل: الأمراء والسَّلاطين، وتجب طاعتهم فيما وافق الحقَّ. {فإن تنازعتم} اختلفتم وتجادلتم وقال كلُّ فريق: القولُ قولي: فَرُدُّوا الأمر في ذلك إلى كتاب الله وسنَّة رسوله {ذٰلك خيرٌ} أََيْ: ردُّكُمُ ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة، وردُّك التجادل {وأحسن تأويلاً} وأحمدُ عاقبةً. {ألم تر إلى الذين يزعمون...} الآية. وقع نزاعٌ بين يهوديِّ ومنافق، فقال اليهوديُّ: بيننا أبو القاسم، وقال المنافق: لا بل نُحكِّم بيننا كعب بن الأشرف، فنزلت هذه الآية. وهو قوله: {يريدون أنْ يتحاكموا إلى الطاغوت} ومعناه: ذو الطُّغيان {وقد أمروا أن يكفروا به} أَيْ: أُمروا أن لا يوالوا غير أهل دينهم {ويريد الشيطان أن يضلَّهم ضلالاً بعيداً} لا يرجعون عنه إلى دين الله أبداً، وهذا تعجيبٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من جهل مَنْ يعدل عن حكم الله إلى حكم الطَّاغوت مع زعمه بأنَّه يؤمن بالله ورسوله. {وإذا قيل لهم} أَيْ: للمنافقين {تعالوا إلى ما أنزل الله} أَيْ: في القرآن من الحكم {وإلى الرسول} وإلى حكم الرَّسول {رأيت المنافقين يَصُدُّون عنك صدوداً} يُعرضون عنك إعراضاً إلى غيرك عداوةً للدِّين. {فكيف} أَيْ: فكيف يصنعون ويحتالون {إذا أصابتهم مصيبة} مجازاةً لهم على ما صنعوا، وهو قوله: {بما قدَّمت أيديهم} وتمَّ الكلام ههنا، ثمَّ عطف على معنى ما سبق فقال: {ثم جاؤوك يحلفون بالله} أَيْ: تحاكموا إلى الطَّاغوت، وصدُّوا عنك، ثمَّ جاؤوك يحلفون، وذلك أنَّ المنافقين أتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وحلفوا أنَّهم ما أرادوا بالعدول عنه في المحاكمة إلاَّ توفيقاً بين الخصوم، أَيْ: جمعاً وتأليفاً، وإحساناً بالتَّقريب في الحكم دون الحمل على مُرِّ الحقِّ، وكلُّ ذلك كذبٌ منهم؛ لأنَّ الله تعالى قال: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} أَيْ: من الشِّرك والنِّفاق {فأعرض عنهم} أيْ: اصفح عنهم {وعظهم} بلسانك {وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} أَيْ: خوِّفهم بالله، وازجرهم عمَّا هم عليه بأبلغ الزَّجر كيلا يستسِرُّوا الكفر. {وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ ليطاع} فيما يأمرُ به ويحكم، لا ليُعصى ويُطلب الحكم من غيره، وقوله: {بإذن الله} أَيْ: لأنَّ الله أذن في ذلك، وأمر بطاعته {ولو أنهم} أَيْ: المنافقين {إذ ظلموا أنفسهم} بالتَّحاكم إلى الكفَّار {جاؤوك فاستغفروا الله} فزعوا وتابوا إلى الله.

القطان

تفسير : بعد ان بين سبحانه الأساس الذي تقوم عليه الحياةُ الاسلامية من أداء الامانات والحكم بالعدل ـ جاء في هذه الآية الكريمة بالنظام الأساسي الذي تتطلبه الحياة العادلة، وقاعدة الحكم، ومصدر السلطة. وكلّها تبدأ وتنتهي عند التلقّي من الله وحده، والرجوعِ اليه في كتابه، ثم الى سُنة رسوله، ثم عدالة أولي الامر من المسلمين، فالآية صريحة في توضيح مصادر التشريع الاسلامي.. فعندما نضع قانوناً او نريد ان نحكم في قضية، علينا ان نرجع الى القرآن الكريم:، فاذا لم نجد رجعنا الى سُنة رسوله، فاذا لم نعثر على طلبنا هناك سألْنا أوُلي الأمر ان يجتهدوا رأيهم. وهذا الاجتهاد بابُه مفتوح دائما لم يُغلق، وما على أهل العلم والرأي إلا ان يجدّوا ويجتهدوا في تحصيل الوسائل التي يكونون بها أهلاً للاجتهاد. "ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعَلِمَه الّذين يستنبطونه منهم" وهذا صريح جداً في موضوع الاجتهاد. وهذا "حديث : حديثُ مُعاذ بن جَبل حين ولاّه رسول الله قاضياً على اليمن أوضحُ دليل، فإنه قال له: "بمَ تقتضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله؟ قال: فإن لم تجدْ؟ قال: بسنّة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أَجتهد رأيي"، فأقرّه الرسول على ذلك . تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} أطيعوا الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول لأنه يبيّن لكم ما نُزِّل إليكم، وأطيعوا أولي الأمر منكم وهم من ولّيتموهم أنتُم أموركم، والعلماءَ ورؤساء الجند وسائر من يرجع إليهم الناس في الحاجات عن ثقة فيهم.. فإن تنازعتم في شيء فيما بينكم فاعِرضوه على كتاب الله، ثم على سنة رسول الله لتعلموا حكمه. فإذا لم يوجد نص على الحكم في الكتاب ولا في السنة ينظُر أولوا الأمر فيه، لأنهم هم الذين يوثَق بهم. فإن اتفقوا وأجمعوا وجَبَ العمل بما أجمعوا عليه. {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} هذا مقتضى إيمانكم بالله واليوم الآخرة، وهو خير لكم، لأنكم تهتدون الى العدل فيما اختلفتم فيه، وأحسنُ عاقبةً، لأنه يمنع الخلاف المؤدي الى التنازع والضلال. والأحاديث الواردة في الحض على طاعة اولي الأمر كثيرة جداً، ففي الصحيحين عن ابن عمر: "حديث : السمع والطاعة الى المرء المسلم، فيما أحبَ أو كره ما لم يُؤمر بمعصية، فاذا أُمرنا بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". تفسير : وفي صحيح مسلم "حديث : عن أم الحُصَين أنها سمعت الرسول الكريم يخطب في حجة الوداع يقول: "ولو استُعمل علكيم عبدٌ يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا"تفسير : ، أما الذي يَستعمل ذلك العبدَ، فهو الرسول أو الخليفة الذي يُجمع عليه المسلمون. فالأصل هم المسلمون لا القوة، ولا جيوشٌ لقاءَ أجْر، ولا تسلسلٌ في مُلك عضود أساسُه التوارث.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {تَنَازَعْتُمْ} {ٱلآخِرِ} (59) - بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ، فَلَمَّا خَرَجُوا اسْتَاءَ مِنْهُمْ مِنْ شَيءٍ كَانَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: ألَيْسَ قَدْ أمَرَكُمْ رَسُولُ اللهَ أنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا حَطَباً، ثُمَّ دَعَا بِنَارٍ فَأضْرَمَهَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُم: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَتَدْخُلُنَّهَا (أيْ لَتَقْتُلُنَّ أنْفُسَكُمْ فِي النَّارِ)، فَرَفَضُوا ذَلِكَ إلى أنْ يَسَألُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ: "حديث : الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ"تفسير : . وَقَالَ رَسُولُ اللهِ: "حديث : السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإذا أمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ"تفسير : . وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِإطَاعَتِهِ تَعَالَى، وَبِالعَمَلِ بِكِتَابِهِ، وَبِإطَاعَةِ رَسُولِهِ، لأنَّهُ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا نَزَلَ إلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَيُبَلِّغُ عَنِ اللهِ شَرْعَهُ وَأوَامِرَهُ، كَمَا يَأمُرُ اللهُ بِإِطَاعَةِ أولي الأمْرِ، مِنْ حُكَّامٍ وَأمَرَاءٍ وَرُؤَسَاءِ جُنْدٍ، مِمَّنْ يَرْجِعُ النَّاسُ إلَيْهِمْ فِي الحَاجَاتِ، وَالمَصَالِحِ العَامَّةِ، فَهَؤُلاءِ إذَا اتَّفَقُوا عَلَى أمْرٍ وَجَبَ أنْ يُطَاعُوا فِيهِ، بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ، وَأنْ لاَ يُخَالِفُوا أَمْرَ اللهِ، وَلاَ سُنَّةَ نَبِّيهِ التِي عُرِفَتْ بِالتَّوَاتُرِ، وَأنْ يَكُونُوا مُخْتَارِينَ في بَحْثِهِمْ فِي الأمْرِ، وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ غَيْرَ مُكْرَهِينَ عَلَيهِ بِقُوَّةِ أحَدٍ أوْ نُفُوذِهِ. وَكُلُّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ المُسْلِمُونَ فَمِنَ الوَاجِبِ رَدُّهُ إلَى كِتَابِ اللهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَيَحْتَكِمْ إلى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَيْسَ مُؤْمِناً بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ. وَمَنْ يَحْتَكِم إلى شَرْعِ اللهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ وَأحْسَنُ عَاقِبَةً وَمَآلاً (تَأوِيلاً)، لأنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُشَرِّعْ لِلنَّاسِ إلاّ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ وَمَنْفَعَتُهُمْ، وَالاحْتِكَامُ إلَى الشَّرْعِ يَمْنَعُ الاخْتِلافَ المُؤَدِّي إلَى التَّنَازُعِ وَالضَّلاَلِ. أَحْسَنُ تَأوِيلاً - أجْمَلُ عَاقِبَةً وَأحْسَنُ مَآلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية كثر كلامنا فيها، وفي كل مناسبة من المناسبات جاء الكلام عنها، ولكن علينا أيضاً أن نعيد بشيء من الإيجاز ما سبق أن قلناه فيها، الله سبحانه وتعالى يقول: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}، ولماذا أطيع الله وأطيع الرسول؟ لأن فيه الحيثيات المقدمة، فأنت عندما ترى حكما من القاضي تجد أن هناك حيثيات الحكم أي التبرير القانوني للعقوبة أو للبراءة؛ فيقول القاضي: بما أنه حدث كذا فقانونه كذا حسب المادة كذا. هذه هي الحيثيات. و "الحيثيات" مأخوذة من: حيث إنه حدث كذا فحكمنا بكذا. أو حيث إنه لم يحدث كذا فحكمنا بكذا، إذن فحيثيات الحكم معناها: التبريرات التي تدل على سند الحكم لمن حكم. هنا يقول سبحانه: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}. وهل الحق سبحانه وتعالى قال: يا أيها الناس أطيعوا الله وأطيعوا الرسول؟ لا. لم يقل ذلك، لقد قال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. إذن فما دمت قد آمنت بالله إلهاً حكيماً خالقاً عالماً مكلِّفاً فاسمع ما يريد أن يقوله لك، فلم يكلف الله مطلق أناس بأن يطيعوه، إنما دعا مطلق الناس أن يؤمنوا به. ومن يؤمن يقول له: أطعني ما دمت قد آمنت بي. إذن فحيثية الطاعة لله صلى الله عليه وسلم نشأت من الإيمان بالله وبالرسول. وهذه عدالة كاملة؛ لأنه سبحانه لا يكلف واحداً أن يفعل فعلاً إلا إذا كان قد آمن به - سبحانه - مكلِّفاً، آمن به أمراً، أما الذي لا يؤمن به فهو لا يقول له: افعل كذا ولا تفعل كذا، إنه سبحانه يطالبه أن يؤمن به أولاً، فإذا ما آمن به يقول له: استمع إلى، ولذلك تجد كل تكليف يصدر بقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. إن حيثية إطاعة الله وإطاعة الرسول هي: الإيمان به، هذه هي الحيثية الإيمانية الأولى، أما إن جال ذهنك لتدرك سر الطاعة، فهذا موضوع آخر، ولذلك أوضح: إياكم أن تقبلوا على أحكام الله بالبحث فيها أولا فإن اقتنعتم بها أخذتموها وإن لم تقتنعوا بها تركتموها، لا. إن مثل هذا التصرف معناه أنك شككت في الحكم. بل عليك أن تقبل على تنفيذ أحكامه؛ لأنه سبحانه قالها وأنت مؤمن بأنه إله حكيم. لكن هل ذلك يمنع عقلك من أن يجول ليقهم الحكمة؟ نقول لك: أنت قد تفهم بعض الحكمة، ولكن ليست كل الحكمة؛ لأن كمالات حكمة الله لا تتناهى، فقد تعرف جزءاً من الحكمة وغيرك يعرف جزءاً آخر، ولذلك قالوا: إن الفرق بين أمر البشر للبشر، وأمر الله للمؤمنين به شيء يسير جداً هو: أمر الله للبشر تسبقه العلة وهي أنك آمنت به، أما أمر البشر للبشر فأنت تقول لمن يأمرك: أقنعني لماذا أفعل هذه؟؛ لأن عقلك ليس أرقى من عقلي. فأنت لا تصنع شيئا إلا إذا اقتنعت به. وتكون التجارب قد أثبتت لك أصالة رأى من تستمع له وأنه لن يغشك. وهكذا نرى أن طاعتنا لله تختلف عن طاعتنا للمخلوق؛ فنحن نطيع الله لأننا آمنا به وحينما يطلب سبحانه منا أن نطيعه، ننظر هل هذه الطاعة لصالحنا أو لصالحه؟ فإذا وثقنا أنه بكل صفات الكمال الموجودة له خلقنا؛ إذن فسبحانه لا يريد صفة جديدة تكون له؛ لأنه لم يخلقنا إلا بصفات الكمال فيه، وسبحانه قد خلقك دون أن يكون لك حق الخلق عنده، خلقك بقدرته، وأمدك لاستبقاء حياتك بقيوميته، فحين يطلب منك الإله الذي يتصف بتلك الكمالات شيئا فهو يطلبه لصالحك، كما ترى أي إنسان من البشر - ولله المثل الأعلى - يُعني بصنعته ويحب أن تكون صنعته متميزة، فكذلك الحق سبحانه وتعالى يريد أن يباهي بهذا الخلق. ويباهي بهذا الخلق ليس بالإكراه على أن يفعلوا ما يأمر به بالتسخير لا. بل بالمحبوبية لأمر الله وأن نعلن بسلوكنا. نحن نحبك يا ربنا. وإلا فأنت - أيها الإنسان - قد تختار أن تكون عاصيا. وما دمت مخيرا أن تكون عاصياً ثم أطعت، فهذه تثبت لله صفة المحبوبية لأنه؛ - كما تعرف - هناك فرق بين من يقهر بقدرته ومن يعطيك الاختيار حتى تأتيه وأنت محب، على الرغم من أنه قادر على أن يقهرك. فساعة قال الحق: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} معناها: أنه لم يطلب منا شططاً، وكيف نطيع الله؟ أن نطيعه في كل أمر، وهل أَمَرَ اللهُ خَلْقَه منفردين؟. لا، بل أمرهم كأفراد وكجماعة، وأعطاهم الإيمان الفطري الذي يثبت أن وراء الكون قوة أخرى خلقته. وهذه القوة لا يعرف أحد اسمها، ولا مطلوباتها، أو ماذا ستعطي لمن يطيعها؛ إذن فلا بد أن يوجد مُبلِّغ. ولذلك فأنا أرى أن بعض الفلاسفة قد جانبوا الصواب عندما قالوا: إن العقل كاف في إدراك الدين، وأقول لهم: لا. العقل كاف في إدراك من ندين له، ولكن العقل لا يأتي لنا بكيفية الدين ومنهجه. لذلك لا بد من بلاغ عنه يقول: افعلوا كذا وكذا وكذا، نقول لهؤلاء الفلاسفة: إن العقل كافٍ في استنباط وجود قوة وراء هذا الكون، أما شكل هذه القوة، واسمها وماذا تريد؛ فلا أحد يعرف ذلك إلا أن يوجد مبلِّغ عن هذه القوة، ولا بد أن تكون القوة التي آمنت بها بفطرتك قد أرسلت من يقول: اسمه كذا، ومطلوبه كذا، إذن فقوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} يلزم منها إطاعة الرسول. وبعد ذلك قال: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ} هنا لم يتكرر لهم الفعل، فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر لنفهم أن أولي الأمر لا طاعة لهم إلا من باطن الطاعتين: طاعة الله وطاعة الرسول، ونعلم أن الطاعة تأتي في أساليب القرآن بثلاثة أساليب" أطيعوا الله وأطيعوا الرسول" و "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول"، وأطيعوا الرسول فقط. إذن فثلاثة أساليب من الطاعة. الأسلوب الأول: أطيعوا الله والرسول؛ فأمر الطاعة واحد والمطاع هو الله والرسول. والأسلوب الثاني: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول. والأسلوب الثالث: أطيعوا الرسول، نعم. فالتكليفات يأمر بها الحق سبحانه وتتأكد بحديث من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فعله أو تقريره، وهنا تكون الطاعة في الأمر لله وللرسول، أو أن الحق قد أمر إجمالاً والرسول عين تفصيلاً؛ فقد أطعنا الله في الإجمال وأطعنا الرسول في التفصيل فتكون الطاعة لله، وتكون الطاعة للرسول، أو إن كان هناك أمر لم يتكلم فيه الله وتكلم الرسول فقط. ويثبت ذلك بقول الحق: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 80]. وقوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. إذن فهذه تثبت أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ملاحظ في التشريع: ملحظ يشرع فيه ما شرع الله تأكيداً له أو أن الله قد شرع إجمالاً، والرسول عين تفصيلا. والأمثلة على ذلك: أن الله فرض علينا خمس صلوات، وفرض علينا الزكاة، وهذه تكليفات قالها ربنا؛ والرسول يوضحها: النصاب كذا، والسهم كذا، إذن فنحن نطيع ربنا في الأمر إجمالاً، ونطيع الرسول في الأمر التفصيلي، أو أنّ الأمر لم يتكلم فيه الله حكماً، وإنما جاء من الرسول بتفويض من الله، ولذلك فإن قال لك أي إنسان عن أي حكم من الأحكام: هات دليله من القرآن ولم تجد دليلاً من القرآن فقل له: دليل أي أمر قال به الرسول من القرآن هو قول الحق: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. هذا دليل كل أمر تكليفي صدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد يقول قائل: هناك فارق بين الأمر الثابت بالسنة والفرض. نقول: لا تخلط بين السنة وهي الأمر الذي إن فعلته تثاب وإن لم تفعله لا تعاقب، والفرض الذي يجب على المكلفَّ أن يفعله، فإن تركه أثم وعوقب على الترك، وهذا الفرض جاء به الحق وأثبته بالدليل كالصلوات الخمس وعدد الركعات في كل صلاة، فالدليل في الفرض هنا ثبت بالسنة وهذا ما يسمى سنية الدليل؛ وهناك فرق بين سنية الحكم كأن يصلي المسلم قبل الظهر ركعتين وقبل الصبح ركعتين وفرضية الحكم كصلاة الصبح والظهر.. إذن ففيه فرق بين الشيء الذي إن فعلته تثاب عليه وإن لم تفعله لا تعاقب عليه والشيء الذي يفرض عليك أداؤه، فإن تركته أثمت وعوقبت، وأما سنية الدليل فهي شرح ما جاءت به الفروض شرحاً تطبيقياً ليتبعه المسلمون. أما الأمر بطاعة أولى الأمر فقد جاءت بالعطف على المطاع دون أمر بالطاعة، مما يدل على أن طاعة وليّ الأمر ملزمه إن كانت من باطن طاعة الله وطاعة رسوله، وفي ذلك عصمة للمجتمع الإيماني من الحكام المتسلطين الذين يحاولون أن يستذلوا الناس بقول الله: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ} ويدعون أن طاعتهم واجبة، يقول الواحد منهم: ألست ولي أمر؟. فيرد العلماء: نعم أنت ولي أمر ولكنك معطوف على المطاع ولم يتكرر لك أمر الطاعة، فدلّ ذلك على أن طاعتك واجبة إن كانت من باطن الطاعتين. فإن لم تكن من باطن الطاعتين فلا طاعة لك، لأن القاعدة هي "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، هكذا قال أبو حازم لمسلمة بن عبد الملك حينما قال له: ألسنا ولاة الأمر وقد قال الله: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ}. قال: ويجب أن نفطن أيضاً إلى أنها نزعت في قوله سبحانه: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ}. إذن فالحاكم المسلم مطالب أولاً بأداء الأمانة، ومطالب بالعدل، ومطالب أيضاً أن تكون طاعته من باطن طاعة الله وطاعة رسوله. فإن لم تكن فيه هذه الشروط، فهو حاكم متسلط. {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} إذن فالتنازع لا بد من أن يكون في قضية داخلة في نطاق مأمورات الطاعة، ويجب أن يكون لها مردّ ينهى هذا التنازع {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. والذين يعرفون هذه الأحكام هم العلماء، فإن تنازع المحكوم مع الحاكم نذهب إلى العلماء ليبينوا لنا حكم الله في هذه المسألة، إذن فإن أريد بـ "أولي الأمر" الحاكم، نقول له: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي على الحاكم أن يتبع ما ثبت عن الله والرسول، والحجة في ذلك هم العلماء المشتغلون بهذا الأمر، وهم الملاحظون لتنفيذ حكم الله بما يعرفونه عن الدين. والحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا ذلك، يريد أن ينهي مسألة التنازع، لأن التنازع يجعل حركات الحياة متضاربة، هذا يقول بكذا وذلك يقول بكذا، فلا بد أن نرده إلى مردّ أعلى، والحق يقول: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} تفسير : [النساء: 83]. إذن فقد يكون المراد بأولى الأمر "العلماء". نقولك إن الآية الأولى عامة وهي التي جاءت بها طاعة ولي الأمر ضمن طاعة الله والرسول، والثانية التي تخص الاستنباط يكون المقصود بأولى الأمر هم العلماء. و أولوا الأمر في القضية الأولى التي عندما نتنازع معهم في أمر نرده إلى الله والرسول هم الذين يشرفون على تفنيذ أحكام الله، وهذه سلطة تنفيذية، أما سلطة العلماء فهي تشريعية إيمانية. {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} إذن فالذي لا يفعل ذلك يجازف بأن يدخل في دائرة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ونقول لكل منهم: راجع إيمانك بالله واليوم الآخر - ابتداءً في تلقي الحكم، وإيمانا باليوم الآخر - لتلقي الجزاء على مخالفة الحكم، فالحق لم يجعل الدنيا دار الجزاء. وينبهنا الحق في ختام الآية: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي في ذلك خير للحكام وللمحكومين معاً؛ لأن الخير هو أن يقدر الإنسان ما ينفعه في الدنيا والآخرة، وكل شهوة من الشهوات إن قدَّرت نفعها فلن تنفعك سوى لحظة ثم يأتي منها الشر. والتأويل هو: أن تُرْجع الأمر إلى حكمه الحقيقي، من "آل" يئول إذا رجع {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } تعني أحسن مَرْجعاً وأحمد مغبة وأجمل عاقبة؛ لأنك إن حرصت بما تريد على مصالح دنياك، فما ترجع إليه سيكون فيه شر لك. إذن فالأحسن لك أن تفعل ما يجعلك من أهل الجنة، أو "وأحسن تأويلا" في الاستنباط، لأن العلماء سيأخذونه من منطلق مفهوم قول الله وقول الرسول، وأنت ستأخذها بهواك، وفهمك عن الله يمنعك من الشطط ومن الخطأ. فإن كنتم تريدون الخير فلاحظوا الخير في كل أحيانه وأوقاته، ولا ينظر الإنسان إلى الخير ساعة يؤدي له ما في هواه، ولكن لينظر إلى الخير الذي لا يأتي بعده شر. وإذا ما نظرنا تاريخ الكثير من الحكام ووجدناهم قد أمنوا على انتقادهم في حياتهم بما فرضوه من القهر والبطش، فلما ماتوا ظهرت العيوب، وظهرت الحملات، إن الواجب على من يحكم أن يعتبر بما سمع عمن حكم قبله. فالذي حكم قبله كمم الأفواه وكسر الأقلام، وبعدما انتهى، طالت الألسنة وكتبت الأقلام، فيجب أن نحسن التأويل وأن ننظر إلى المرجع النهائي، فمن استطاع أن يحمي نفسه في حياته بسطوته وجبروته لا يستطيع أن يحمي تاريخه وسمعته. إنه بعد أن انتهت السطوة والجبروت قيل فيه ما قيل، ونحن مازلنا في الدنيا ولم نذهب إلى الآخرة بعد؛ فإذا كان هذا هو جزاء الخلق. فما شكل جزاء الحق إذن؟! {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي مرجعاً وعاقبة. ويقول الحق بعد ذلك: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} معناهُ اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ} معناهُ إِلى كِتابِ الله جَلَّ وعلا {وَٱلرَّسُولِ} معناه إِلى سُنَتهِ صلى الله عليهِ وعلى آلهِ وسلم.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه منادياً لأهل الإيمان إيصاء وتنبيهاً: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم إطاعة الله وإطاعة رسوله {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} الذي استخلفه من عنده يهديكم إلى توحيده {وَ} أطيعوا أيضاً {أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} وهم الذي يقيمون شعائر الإسلام بينكم من الأمراء والحكام والقضاة المتجتهدين في تنقيذ الأحكام واستنباطه {فَإِن تَنَازَعْتُمْ} أنتم مع حكامكم {فِي شَيْءٍ} من أمور في أنه مطابق للشرع أو غير مطابق {فَرُدُّوهُ} وراجعوا فيه {إِلَى} كتاب {ٱللَّهِ وَ} أحاديث {ٱلرَّسُولِ} بأن عرضوا عليهما واستنبطوه منهما {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} المجازي لعباده على أعمالهم خيراً كان أو شراً {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعد للجزاء {ذٰلِكَ} الرد {خَيْرٌ} لكم من استبدادكم بعقولكم {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59] من تأويلكم، وأحمد عاقبة باستبدادكم. {أَلَمْ تَرَ} أيها الرسول المرسل إلى كافة الأنام {إِلَى} المنافقين {ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} من الفرقان الفارق بين الحق والباطل {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} من الكتب المنزلة على إخوانكم من الأنبياء - عليهم السلام - ومع ادعائهم هذا { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ} ويتراجعوا في الوقائع {إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} المضل عن مقتضى الإيمان والكتب {وَ} الحال أنهم {قَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} أي: بالطاغوت {وَ} ما ذلك إلا أن {يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ} الذي هو رئيس الطواغيت {أَن يُضِلَّهُمْ} عن طريق الحق {ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 60] إلى حيث لا يرجى منهم الاهتداء أصلا. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} إمحاضاً للنصح {تَعَالَوْاْ} هلموا {إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} من الكتاب الجامع لجميع الكتب المبينة لطريق الحق، الهادية إلى توحيده {وَإِلَى} متابعة {ٱلرَّسُولِ} المبلغ الكاشف لكم أحكامه {رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ} والذين في قلوبهم مرض {يَصُدُّونَ} يعرضون {عَنكَ} وعن عظتك وتذكيرك {صُدُوداً} [النساء: 61] إعراضاً نائشاً عن محض القساوة والفساد.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 222: 48 : 53 - سفين عن ليث عن مجاهد في قول الله جل وعز {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} قال، كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. [الآية 59].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ} [59] 129- أنا الحسن بن محمد، نا حجاج، عن ابن جُريج قال: أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عدي السَّهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في السَّرية.

همام الصنعاني

تفسير : 608- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معْمَر، عن الحسن، في قوله تعالى: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} [الآية: 59]، قال: هم العلماء. 609- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزّهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ أطاعني فقد أطاع الله، ومن عَصاني فَقَدْ عصى الله، ومَنْ أَطَاعَ أميري فقد أطَاعَنِي، ومن عَصَى أميري فقد عصاني ". تفسير : 610- عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثَّوري، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ}: [الآية: 59]، قال: هُمْ أهلُ الفقه والعِلْم. 613- عبد الرزاق، قال: أخبرني الثّوري، عن ليث، عن مجاهد، في قوله تعالى: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ}: [الآية: 59]، قال: {إِلَى ٱللَّهِ}: إلى كتابه، وإلى رَسُولِه: إلى سُنَّةُ نبيّه صلى الله عليه وسلم.